يذهب الفقه الإجرائي في العراق عموما وفي المجالين الجنائي(1). والمدني (2). إلى تقسيم الطعن التمييزي إلى نوعين :طعن اختياري وطعن وجوبي ويستندون في ذلك إلى ما نص عليه المشرع العراقي في المادة (309م0م0ع) ،والأسباب الموجبة لقانون المرافعات الحالي وابتداءً نود الإشارة إلى الناحية التاريخية لهذا الموضوع (3).إذ نجد أن هذا النظام (الوجوبي) وجد أساسا لضرورات معينة ، وفي نطاق معين هو مجال الأحكام والحجج الشرعية الصادرة من المحاكم الشرعية ومحاكم الأحوال الشخصية ، فقد جاء في أحكام المادة 50 من قانون المحاكمات الشرعية الملغي ما نصه” لا يجوز تنفيذ الاعلامات الصادرة على الأوقاف ما لم تصدق من مجلس التمييز الشرعي “(4).

ودون الإشارة مطلقا إلى أي نوع من أنواع الأحكام المدنية والتجارية التي كانت تصدرها المحاكم النظامية آنذاك0 وعموما يذهب بعض الفقه (5). الذي نؤيده بدورنا إلى مخالفة هذا التقسيم حيث يذهب إلى القول أن الأصل في الطعن التمييزي هو حق للمحكوم عليه دون غيره من أطراف الدعوى وأشخاصها فهو صاحب المصلحة الأولى والأكيدة في ممارسته وتحمل تكاليفه وأعبائه وما جاء هذا النظام الو جوبي الذي تضمنته المادة 309م0م0ع إلا استثناء من الأصل العام مرده رعاية حقوق بعض الأشخاص والمؤسسات ولخشية ضياع حقوقهم نتيجة لإهمال من يتولى رعاية مصالحهم و متابعتها ،ولأجل ضمان الاستقرار في الأحكام بخصوصها 0ونحن بدورنا إذ نؤيد هذا الاتجاه ،ونستند إلى ما جاء في أحكام المادة نفسها من أن الأصل هو تمييز الأحكام من ذوي العلاقة ( إذا لم تميز من قبل ذوي العلاقة )واستثناء هو( فعلى القاضي إرسال الإضبارة لأجراء التدقيقات التمييزية عليها ) 0وهو في حقيقته استثناء ضيق لا يجوز التوسع في تفسيره وتطبيقه أو القياس عليه 0إذ اشترط فيه :

أولاً :أن تكون تلك الأحكام صادرة على تلك الفئات وضد مصلحتهم وبغض النظر عن كونهم مدعً أو مدعي عليه

والشرط الثاني :هو عدم تمييز الحكم من قبل أي طرف من أطراف العلاقة فإذا تم تميزها من قبل أحد الأطراف ،أو إذا كانت تلك الأحكام صادرة لمصلحة تلك الفئات ،سقط هذا الالتزام القانوني من على القاضي (6). …

أن الطعن التمييزي ظاهرة مركبة (7). لذا يمكن النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى هي زاوية حق فرض الرقابة القضائية على ما يصدر بحق تلك الفئات من أحكام باعتبار أن تلك الفئات وأموالهم تخضع للحماية والرقابة القضائية بما للقضاء من ولاية عامة يستمدها من كون القاضي نائبا عن الوالي أو السلطان أو الحاكم في شان القضاء وأمور تلك الفئات (8). وإذا درسنا صفة القاضي الشرعي ضمن أحكام قواعد الشرع الشريف لوجدنا انه مسؤول عن حقوق الله تعالى مثل الأوقاف والحجج المتعلقة فيها(9).وهو مسؤول عن بيت المال (10). وهو ولي لمن لأولي له (11). وهو الرقيب والمسؤول عن الأوصياء ،والأولياء ،والقوامين(12). فإذا حدث خطاء منهم وجب إصلاحه للمحافظة على حقوق تلك الفئات وممارسة الطعن هو نوع من أنواع حفظ الحقوق (13). فإذا قصر المسؤولون عن رفع الطعن وجب على القاضي القيام به فصفة استقلالية الحكم وانفصاله عن الشخص الذي أصدره تسمح للقاضي الطعن به ،إذ بمجرد صدوره يصبح غريبا عنه مع ملاحظة دوره فيما يتعلق بالحل والحرمة من حيث فسخ عقد الزواج أو دوره في توفير الضمانات لأطراف القسمة الرضائية

وإذا رجعنا إلى فكرة حق الطعن ،يظهر لنا أن من أهم وظائف وواجبات محكمة التمييز هو مراقبة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يصدر من أحكام شرعية ،وذلك لتوحيد القضاء في الدعاوى المتماثلة نظرا لتعدد الآراء والقواعد والمذاهب الفقهية فيها وضمان استقرار المبادئ القضائية في تلك الأحكام فالعملية وفق ما نعتقد هي عملية مصادقة تقوم بها أعلى هيئة قضائية على ما يصدر من قرارات وأحكام في تلك المسائل 0وخاصة أن الفقرة الثانية من المادة 309م0م0ع0 تعتبر التدقيق شرطاً نفاذا للحكم ،وبمعنى أخر تتطلب مصادقة محكمة التمييز على الحكم لإمكان تنفيذه وإنفاذه وهذا يختلف عن مجرد التدقيق الذي قد تكون نتيجته نقض الحكم من دون تصديقه خاصة أن المادة نصت على مصطلح إرسال الإضبارة والأصل في الطعن هو تدقيق الحكم والاستناد إلى إضبارة الدعوى وليس العكس الذي يتضمن تدقيق الإضبارة والاستناد إلى الحكم.

____________________

-عبد الأمير العكيلي وسليم حربة –شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية –ج2 وزارة التعليم العالي –العراق 1986- ص 207 ، وليد بدر نجم – تمييز الأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية –رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون جامعة بغداد –1983- ص67 0

2 -ضياء شيت خطاب – المقالة في الطعن –المرجع السابق –ص 19بند 6 ،الوجيز-المرجع السابق –ص324بند 370 .أدم وهيب –المرافعات-المرجع السابق -ص 382 0

3-انظر علي حيدر –شرح المجلة –ج4 –المرجع السابق –ص636،منير القاضي –شرح المجلة –ج 2-المرجع السابق –ص ،انظر من الناحية التشريعية المادة 252 و253 من قانون أصول المرافعات العراقي رقم 88 لسنة 1956 الملغي والقانون رقم 40 لسنة 1963 (قانون ذيل أصول المرافعات الملغي )المادة السابعة الفقرة ألا ولى منه والمادة 309 م.م.ع الحالي والقانون رقم 116 لسنة 1973 (قانون التعديل الثالث )المادة 19 منه وفي مصر انظر عبد التواب معوض –موسوعة الفقه والقضاء في قانون الأحوال الشخصية –دار الفكر العربي –القاهرة 1985ص120 عزيز خانكي – المرجع السابق –ص77.ممدوح عمر –المرجع السابق –ص 513 ،نبيل إسماعيل –أصول –المرجع السابق –ص20-30 0

4 -انظر القرار رقم 225 /هيئة موسعة /1980بتاريخ 23/8/1980 والقرار 173/موسعة /83-1984 مشار إليهم في مجلة الحقوق العراقية /العدد1-4 السنة 16 العام 1984تعليق واعد أد شامل الشيخلي ص190-195 0

5 -انظر محمد حسن كشكول – الوكالة عن المفقود –بحث منشور في مجلة القضاء العراقية العدد1-4 السنة 52 لعام 1997ص 19 ،سعدون القشطيني –المرجع السابق –ص412 وانظر أيضا عبد المجيد الحكيم – الوسيط في نظرية العقد ج1 –بغداد-1967–ص 218.ومنذر الفضل –النظرية العامة للالتزامات ج1-بلا سنة طبع –ص 146 0

6 -انظر منشور رئاسة محكمة التمييز –رقم ذ/5/16/1971 بتاريخ 1/12/1971 حيث نظمت فيه ما جاء في الأسباب الموجبة لقانون المرافعات الحالي بخصوص هذه المادة بعد أن لاحظت أن بعض المحاكم تتوسع في شمول أحكام المادة 203م.م.ع على جميع الأحكام المتعلقة بالقاصرين والمحجوزين والغائبين والوقف سواء كانت هذه الأحكام لمصلحتهم آم ضدها. وانظر في هذا الشأن القرارات الكثيرة التي لم تراعي فيها المحكمة الشرعية هذه الأحكام قبل صدور المنشور أعلاه ،مثل القرار رقم4307/شرعية /1971 بتاريخ 29 /11/1971.والقرار 3713/شرعية /1971بتاريخ 16/11/1971 والقرار 4110/شرعية بتاريخ 21/11/1971منشور في النشرة القضائية الصادرة عن المكتب الفني بمحكمة التمييز العدد4لسنة 2ص 127 0

7 -انظر ما قيل بخصوص هذه الظاهرة في التعريف بالطعن التمييزي سابقا 0

8-انظر زياد المفرجي –النظام القانوني للأوقاف-رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون جامعة بغداد-2003-ص95 0

9 -حيث تطلق عليها الأسباب الموجبة لقانون المرافعات مصطلح “المسائل الحسبية المتعلقة بالحل والحرمة “لذا فهي واجبة من دون طلب –انظر في الحسبة وأساسها وطبيعتها –عبد المنعم الشرقاوي –نظرية المصلحة –المرجع السابق – ص 276بند 354 ،محمد زكي يوسف –تاريخ القضاء-المرجع السابق-ص98 0

0 -انظر البند ح من الفقرة ألا ولى من المادة 105 من قانون المحافظات رقم 159 لسنة 1968 0

1 -انظر المادة 102من القانون المدني العراقي 0

2 -انظر في ذلك المواد 27-33من قانون رعاية القاصرين رقم 78لسنة 1980 فيما يتعلق بواجبات وصلاحيات المحكمة في الرقابة على مال القاصرين والمادة 105/2من القانون المدني العراقي 0

3 -انظر المادة 52/1م0م0ع 0

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .