عدم دستورية المادة 44 من القانون 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر و المستأجر

المحكمة الدستورية العليا المصرية

قضية رقم 4 لسنة 23 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”
مبادئ الحكم: حرية التعاقد – دعوى دستورية – قانون
نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الموافق 13 أبريل سنة 2003 م، الموافق 11 صفر سنة 1424 هـ
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ محمد فتحي نجيب
رئيس المحكمة
والسادة المستشارين/ ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي
أعضاء
وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما
رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن
أمين السر

أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 4 لسنة 23 قضائية “دستورية”.
المقامة من
ورثة المرحوم: … و … و… و…
ضد
1- السيد/ رئيس الجمهورية
2- السيد/ رئيس مجلس الوزراء
3- السيد/ وزير العدل
4- السيد/ رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب
5- السيد/ رئيس مجلس الشعب
6- السيد/ …

الإجراءات
بتاريخ الثالث عشر من يناير سنة 2001 أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبين الحكم بعدم دستورية نص المادة 44 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر وبسقوط نص المادة 45 من هذا القانون في مجال تطبيقها بالنسبة للأماكن التي تم تأجيرها مفروشة طبقا لنص المادة 44.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

وحيث إن الوقائع على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل في أن المدعين أقاموا على المدعى عليه الخامس وآخر الدعوى رقم 7189 لسنة 1999 أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية، بغية الحكم لهم بفسخ عقد الإيجار المؤرخ أول يناير سنة 1965 المبرم بينه وبين البائع لمورثهم، وطرده هو والمستأجر منه من العين المؤجرة وتسليمها لهم خالية. وقالوا بيانا لدعواهم أن المدعى عليه السادس مستأجر العين قد دأب على تأجيرها مفروشة للغير بغير موافقتهم، وإذ صدر الحكم بعدم دستورية المادة 40 من القانون رقم 49 لسنة 1977 والتي كانت تتيح لمستأجر العين تأجيرها مفروشة للغير، وثبت لديهم قيامه بتأجير العين المؤجرة له مفروشة للغير، فقد أقاموا الدعوى. حكمت المحكمة برفضها تأسيسا على أن المادة 44 من القانون رقم 49 لسنة 1977 تخول المستأجر حق التأجير المفروش في المصايف والمشاتي. طعن المدعون على هذا الحكم بالاستئناف رقم 5127 لسنة 56 ق وأثناء نظره دفعوا بعدم دستورية نص المادة 44 المشار إليه. وبعد أن قدرت المحكمة جدية الدفع صرحت لهم بإقامة الدعوى الدستورية، فأقاموا الدعوى الماثلة.

وحيث إن المادة 44 من القانون رقم 49 لسنة 1977 المطعون عليها تنص على أنه “مع عدم الإخلال بأحكام المادتين 39 و40 يجوز للملاك ولمستأجري الأماكن الخالية في المصايف والمشاتي التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الإسكان والتعمير بعد أخذ رأي المحافظ المختص، تأجير الأماكن مفروشة طبقا للشروط والأوضاع التي ينص عليها هذا القرار”. وتنص المادة 45 على أنه “في جميع الأحوال التي يجوز فيها للمستأجر تأجير المكان أو جزء من المكان المؤجر مفروشا يستحق المالك أجرة إضافية عن مدة التأجير مفروشا بواقع نسبة من الأجرة القانونية تحسب على الوجه الآتي:

(أ) أربعمائة في المائة (400%) عن الأماكن المنشأة قبل أول يناير سنة 1944.
(ب‌) مائتان في المائة (200%) عن الأماكن المنشأة منذ أول يناير 1944 وقبل 5 نوفمبر سنة 1961.
(ج) مائة وخمسون في المائة (150%) عن الأماكن المنشأة منذ 5 نوفمبر سنة 1961 حتى تاريخ العمل بهذا القانون.
(د‌) مائة في المائة (100%) عن الأماكن التي يرخص في إقامتها اعتبارا من تاريخ العمل بأحكام هذا القانون.
وفي حالة تأجير المكان المفروش جزئيا، يستحق المالك نصف النسب الموضحة في هذه المادة.”.

ويرتبط بالنصين السابقين نص المادة 21 من القانون 136 لسنة 1998 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر ويجرى نصها على أن “يشترط ألا يزيد مجموع ما يقوم المستأجر هو وزوجته وأولاده القصر غير المتزوجين بتأجيره مفروشا بغير موافقة المالك على شقة واحدة في نفس المدينة…”.

كذلك فإن المادة الأولى من قرار وزير الإسكان رقم 303 لسنة 1978 يجرى نصها على أن “يجوز للملاك في المصايف والمشاتي المحددة بالكشف المرفق ويجوز للمستأجرين المقيمين في هذه الأماكن أن يؤجروا مساكنهم بها مفروشة لمدة لا تجاوز أربعة اشهر سنويا خلال موسمي الصيف أو الشتاء بحسب الأحوال.

وللمستأجرين غير المقيمين في تلك الأماكن الذين يشغلون السكن لمدة لا تقل عن شهر في السنة خلال الموسم أن يؤجروا مساكنهم بها مفروشة لمدة أو لمدد مؤقتة خلال السنة.”.

وحيث إنه لما كانت المصلحة الشخصية المباشرة وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية مناطها الارتباط بصلة منطقية بالمصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي. وكانت الدعوى الموضوعية التي تثور المسألة الدستورية بشأنها تدور حول حق مستأجري الأماكن الخالية في المصايف والمشاتي بتأجير الأعيان المؤجرة لهم مفروشة للغير دون موافقة المالك. ومن ثم فإن نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بهذا المجال والذي جوهره نص المادة 44 من القانون 49 لسنة 1977 المطعون عليه فيما تضمنه من حكم خاص بالمستأجرين، بيد أن هذا النص يرتبط عضويا بنص المادة 45 من ذات القانون وكذا نص المادة 21 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليهما، والفقرتين الثانية والثالثة من المادة الأولى من قرار وزير الإسكان رقم 33 لسنة 1978 حيث لا تنهض هذه النصوص فاعلة إلا ارتكازا على النص الطعين، ومنها نص القرار الأخير الذي لم يصدر إلا تنفيذا له.

وحيث إنه ولئن كان المدعون قد أوردوا في صحيفة دعواهم طعنا على النص المطعون فيه، المواد 2، 7، 8، 32، 34، 40، 57 من الدستور إلا أنه في بيان أوجه النعي على النص الطعين، لم يصموه بما يخالف الدستور إلا في مساسه بحق الملكية، وإخلاله بالتضامن الاجتماعي.

وحيث إن النعي بما تقدم صحيح، ذلك أن المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن حرية التعاقد هي قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صونا للحرية الشخصية التي تمتد حمايتها إلى إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي ينبغي أن تتوافر لكل شخص، وهي بذلك تتصل اتصالا وثيقا بحق الملكية الذى قد يكون هو أو بعض من الحقوق التي تنبثق عنه محلا للتعاقد، ومجالا لإعمال إرادة الاختيار وسلطة اتخاذ القرار في شأن هذا التعاقد، بما يغدو معه التدخل بنص آمر يخالف ما تعاقد عليه صاحب حق الملكية أو أحد الحقوق المتولدة عنه، منطويا بالضرورة على مساس بحق الملكية ذاته، حيث يرد النص الآمر مقيدا لحرية نشأت في أصلها طليقة،

ومنتقصا من مقومات الأصل فيها كمالها، إذ كان ذلك وكان المقرر أيضا في قضاء هذه المحكمة أنه ولئن كانت الملكية الخاصة مصونة ولا يجوز المساس بها، أو تقييدها بأي قيد ما لم يستنهض ذلك توافر ضرورة اجتماعية ملحة تجيز إيراد بعض القيود على هذه الملكية وفاء بأدائها لدورها الاجتماعي، وبما لا يؤدي إلى إهدارها أو إفقادها جوهر مقوماتها الأساسية، بما مؤداه أن إيراد المشرع لقاعدة آمرة تنال من حرية المتعاقدين فيما كانت الملكية الخاصة أو أحد مقوماتها محلا للتعاقد، يصبح مرهونا في مشروعيته الدستورية بما إذا كانت هناك ضرورة اجتماعية ملحة قامت لتبرر إيراد مثل هذه القاعدة الآمرة من عدمه، فإن انتفت مثل هذه الضرورة، غدت القاعدة الآمرة عدوانا على إرادة المتعاقدين أو أحدهم، ومن ثم عدوانا على حق الملكية سواء ما تعلق بكامل حق الملكية أو بعنصر من مقوماتها إن كان ما تضمنته سلبا لإرادة المالك في كل أو بعض ما تعاقد عليه.

وحيث إن النص الطعين إذ خول مستأجري الأماكن الخالية في المصايف والمشاتي التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الإسكان والتعمير بعد أخذ رأي المحافظ المختص سلطة تأجير هذه الأماكن مفروشة، حتى في الأحوال التي لا تجيز لهم عقود الإيجار المبرمة بينهم وبين مؤجري هذه الأماكن ذلك، فإنه يغدو تدخلا تشريعيا آمرا اقتحم إرادة المتعاقدين في هذه العقود، وينفك بتقريره هذا الحق لأحد أطراف التعاقد وهم المستأجرين، قيدا على حقوق الطرف الآخر في التعاقد وهم المؤجرين، وإذ كان التعاقد قد تم أصلا ليكون المسكن محل هذا التعاقد سكنا شخصيا للمستأجر، وكان دافع المستأجر لاستخدام الرخصة التي خوله إياها النص الطعين لتأجير المسكن المؤجر له مفروشا، هو السعي لتحقيق ربح من هذا التأجير، فإن هذا الدافع لا ينهض ضرورة اجتماعية ملحة تبرر المساس بحرية التعاقد، ويتحول بهذا المساس إلى قيد على حق الملكية حيث يجرد المالك وهو صاحب الحق العيني من أحد مقومات هذا الحق، وهو حق الاستغلال، ليمنح للمستأجر وهو صاحب الحق الشخصي فيما لا شأن له بالوظيفة الاجتماعية لهذا الحق، ولا يخفف من عبء هذا القيد أن يقرر المشرع في المادة 45 من ذات القانون زيادة في القيمة الإيجارية، عند التأجير مفروشا، إذ حسب هذه الزيادة ليظل الأمر دائرا في دائرة عدم المشروعية أنها لم تتقرر بإرادة الطرف الآخر في التعاقد.

وحيث إنه إذ كان النص الطعين قد انحاز لطائفة من المتعاقدين دون طائفة أخرى، وبما لا تنهض معه ضرورة اجتماعية ملحة تبرر ذلك، فإنه بذلك يكون من بعد مخالفته للمادة 34 من الدستور في مساسه بحق الملكية، قد خالف أيضا المادة 7 من الدستور فيما نصت عليه من قيام المجتمع على أساس التضامن الاجتماعي.
وحيث إن نصوص المواد 45 من القانون 49 لسنة 1977 و21 من القانون رقم 136 لسنة 1981 والفقرتين الثانية والثالثة من المادة الأولى من قرار وزير الإسكان رقم 33 لسنة 1978، ترتبط بالنص المطعون فيه ارتباطا لا يقوم لها بدونه وجود، ولا يكون لها بغيره أثر، ومن ثم فإنها تسقط جميعا بطريق اللزوم تبعا للحكم بعدم دستورية ذلك النص.

وحيث إن مقتضى حكم المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 بعد تعديلها بالقرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 هو عدم تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته على الوقائع اللاحقة لليوم التالي لتاريخ نشر الحكم الصادر بذلك. وكذلك على الوقائع السابقة على هذا النشر إلا ما استقر من حقوق ومراكز صدرت بشأنها أحكام حازت قوة الأمر المقضي، أو إذا حدد الحكم الصادر بعدم الدستورية تاريخا آخر لسريانه. لما كان ذلك وكان إعمال الأثر الرجعي للحكم بعدم دستورية المادة 44 من القانون رقم 49 لسنة 1977 مؤداه أن العلاقات الإيجارية التي تمت استنادا إلى هذا النص من مستأجرين بغير موافقة المؤجرين، أضحت بغير سند من القانون ومخالفة لما تضمنته عقود الإيجار الأصلية من شرط المنع من التنازل أو التأجير من الباطن ومن ثم سندا للمؤجرين في طلب إنهاء عقودهم وإخلاء الأعيان المؤجرة لهم وهو أمر يحمل إلى جانب عنصر المفاجأة الشديدة، قدرا عاليا من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية لفئة من المستأجرين ركنت في تصرفاتها إلى النص الطعين قبل أن يقضى بعدم دستوريته، وهي أضرار ترى المحكمة إمكان تجنبها بإعمال الرخصة المخولة لها بنص الفقرة الثالثة من المادة 49 من قانونها، وتحدد لإعمال أثر هذا الحكم تاريخا آخر هو اليوم التالي لنشره، بما مؤداه أن جميع عقود الإيجار المفروش التي أبرمت قبل هذا التاريخ تظل خاضعة في آثارها للنص المقضي بعدم دستوريته وللنصوص التي سقطت تبعا لذلك.
فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:
أولا: بعدم دستورية المادة 44 من القانون 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. وذلك فيما نصت عليه من تخويل مستأجري الأماكن الخالية في المصايف والمشاتي حق تأجيرها مفروشة بغير موافقة المالك.
ثانيا: بسقوط المادتين 45 من القانون سالف الذكر، و21 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر والفقرتين الثانية والثالثة من المادة الأولى من قرار وزير الإسكان رقم 303 لسنة 1978.
ثالثا: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
رابعا: بتحديد اليوم التالي لنشر هذا الحكم تاريخا لبدء إعمال أثره.