عدم دستورية القانون رقم 153 لسنة 1999 بإصدار قانون الجمعيات والمؤسسات والأهلية.

المحكمة الدستورية العليا المصرية

قضية رقم 153 لسنة 21 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”
مبادئ الحكم: حرية الاجتماع – حرية التعبير – حرية شخصية – حق الاجتماع – حق تأليف الجمعيات – دستور – دعوى دستورية – رقابة دستورية – قانون – قانون مكمل للدستور – منظمات المجتمع المدني
نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 3 يونيه سنة 2000 م، الموافق 30 صفر سنة 1421 هـ
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال
رئيس المحكمة
والسادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور
أعضاء
وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الراز
رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حس

أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 153 لسنة 21 قضائية “دستورية”، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإداري بطنطا بحكمها الصادر بجلسة 27/7/1999 ملف الدعوى رقم 4468 لسنة 6 قضائية.
المقامة من
1- السيد/ …
2- السيد/ …
3- السيد/ …
4- السيد/ …
5- السيد/ …
ضد
1 – السيد محافظ المنوفية
2 – السيد وكيل وزارة الشئون الاجتماعية بالمنوفية

الإجراءات
بتاريخ التاسع عشر من اغسطس سنة 1999، ورد إلى المحكمة ملف الدعوى رقم 4468 لسنة 6 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري بطنطا بجلسة 27/7/1999 بوقف الدعوى وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية المادة الثانية من القانون رقم 153 لسنة 1999 بإصدار قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوي.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعين كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 4468 لسنة 6 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بطنطا بطلب الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء قرار مديرية الشئون الاجتماعية بطنطا باستبعادهم من الترشيح لعضوية مجلس إدارة الجمعية الشرعية بقرية أبو مشهور مركز بركة السبع وما يترتب على ذلك من آثار، تأسيسا على أن اعتراض جهة الأمن – الذي قام عليه قرار الاستبعاد – قد خلا من وقائع محددة بعينها منسوب إليهم ارتكابها، مما يفقد القرار المطعون فيه سببه الصحيح، ويجعله مشوبا بعيب إساءة استعمال السلطة؛ فقررت تلك المحكمة بجلستها المعقودة بتاريخ 27/7/1999 وقف الدعوى وإحالتها للمحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة الثانية من القانون رقم 153 لسنة 1999 بإصدار قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وذلك لما تراءى لها من أن نص هذه المادة إذ اختص المحكمة الابتدائية بنظر المنازعات الناشئة عن هذا القانون بين الجهة الإدارية والجمعيات والمؤسسات الأهلية – مع أنها أنزعة إدارية – يكون قد استلب الاختصاص المعقود لمجلس الدولة في شأنها، بحسبانه صاحب الولاية العامة في المنازعات الإدارية على اختلاف صورها، وقاضيها الطبيعي، مما يقيم شبهة مخالفته لأحكام المادتين 86، 172 من الدستور.

وحيث إن المادة الثانية من القانون رقم 153 لسنة 1999 بإصدار قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية تنص على أنه “مع عدم الإخلال بأحكام القرار بالقانون رقم 91 لسنة 1971، يقصد بالجهة الإدارية في تطبيق أحكام القانون المرافق وزارة الشئون الاجتماعية، كما يقصد بالمحكمة المختصة، المحكمة الابتدائية الواقع في دائرة اختصاصها مركز إدارة الجمعية أو المؤسسة الأهلية أو الاتحاد العام أو النوعي أو الإقليمي بحسب الأحوال”.

وحيث إن البين من القانون المشار إليه، أن المادة الثالثة من مواد إصداره قد حظرت على أية جهة خاصة أن تمارس أي نشاط مما يدخل في أغراض الجمعيات والمؤسسات الأهلية، دون أن تتخذ شكل الجمعية أو المؤسسة الأهلية وفقا لأحكامه. وعرفت المادة (1) من القانون الجمعية بأنها كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعيين أو أشخاص اعتبارية، أو منهما معا، لا يقل عددهم في جميع الأحوال عن عشرة، وذلك لغرض غير الحصول على ربح مادي. وحدد القانون الأحوال التي يمتنع فيها على الأفراد المشاركة في تأسيس الجمعيات، وأدرج كذلك البيانات التي يجب أن يشتمل عليها نظامها الأساسي، والذي تثبت للجمعية – بإجراء قيد ملخصه في السجل المعد لذلك لدى الجهة الإدارية المختصة – شخصيتها الاعتبارية، وأنشأ لجنة يتم تشكيلها سنويا بقرار من وزير العدل بدائرة اختصاص كل محكمة ابتدائية، جعل المشرع اللجوء إليها ابتداء شرطا لقبول الدعوى – بشأن المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكامه بين الجمعية والجهة الإدارية – أمام تلك المحكمة التي اختصها النص الطعين بالفصل في هذه المنازعات،

وقد تضمنت المواد 6، 7، 8، 23، 34، 42، 46، 62 منه القواعد المتعلقة بالتداعي في شأنها ونظرها، كما عين ذلك القانون الأغراض التي يجب أن تعمل الجمعية على تحقيقها مبينا ما هو محظور عليها منها، وحدد ما خوله لها من حقوق وما حملها به من التزامات، ورسم لها الأجهزة التي تتولى إدارتها وتصريف شئونها، موضحا لكل منها مهامها، والأعمال التي حظر على أعضاء مجلس الإدارة القيام بها، كما تضمن القانون القواعد التي تحكم حل الجمعية وتصفية أموالها، وأفرد للجمعيات ذات النفع العام أحكاما خاصة طواها على ما منحه إياها من امتيازات السلطة العامة، وتناولت أحكامه – كذلك – إنشاء المؤسسات الأهلية وأسلوب إدارتها، وأحوال حلها وتصفيتها، كما نظمت الاتحادات النوعية والإقليمية التي تقوم الجمعيات والمؤسسات الأهلية بإنشائها فيما بينها، وكذلك الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية الذي يجمع الاتحادات المذكورة في عضويته، وخول القانون للجهة الإدارية المختصة حق الإشراف على تلك الجمعيات وتوجيهها والرقابة عليها، وسوغ لها الاعتراض على ما تقدر أنه مخالف لأحكامه من قراراتها وتصرفاتها، وذلك وفقا للقواعد وطبقا للإجراءات المبينة فيه، وعني – أخيرا – بتحديد الجرائم الناشئة عن مخالفة أحكامه وتقرير عقوباتها.

وحيث إنه من المقرر – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن التحقق من استيفاء النصوص القانونية لأوضاعها الشكلية يعتبر أمرا سابقا بالضرورة على الخوض في عيوبها الموضوعية ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص القانونية هي من مقوماتها، لا تقوم إلا بها ولا يكتمل بنيانها أصلا في غيابها، وبالتالي تفقد بتخلفها وجودها كقاعدة قانونية تتوافر لها خاصية الإلزام؛ ولا كذلك عيوبها الموضوعية، إذ يفترض بحثها – ومناطها مخالفة النصوص القانونية المطعون عليها لقاعدة في الدستور من زاوية محتواها أو مضمونها – أن تكون هذه النصوص مستوفية لأوضاعها الشكلية.

ذلك أن المطاعن الشكلية – وبالنظر إلى طبيعتها – لا يتصور أن يكون تحريها وقوفا على حقيقتها، تاليا للنظر في المطاعن الموضوعية، ولكنها تتقدمها، ويتعين على المحكمة الدستورية العليا أن تتقضاها – من تلقاء نفسها – بلوغا لغاية الأمر فيها، ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها منحصرا في المطاعن الموضوعية دون سواها، منصرفا إليها وحدها، ولا يحول قضاء هذه المحكمة برفض المطاعن الشكلية دون إثارة مناع موضوعية يدعي قيامها بهذه النصوص ذاتها، وذلك خلافا للطعون الموضوعية، ومن ثم يكون الفصل في التعارض المدعى به بين نص قانوني ومضمون قاعدة في الدستور، بمثابة قضاء ضمني باستيفاء النص المطعون فيه للأوضاع الشكلية التي يتطلبها الدستور فيه ومانعا من العودة لبحثها.
وحيث إن المادة 195 من الدستور تنص على أن:
“يؤخذ رأى مجلس الشوري فيما يلى:
1- …
2- مشروعات القوانين المكملة للدستور
3- …
4- …
5- …
6- …
ويبلغ المجلس رأيه في هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس الشعب”. ومؤدى ذلك – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن عرض مشروعات هذه القوانين على مجلس الشوري ليقول كلمته فيها لا يكون إلا وجوبيا، فلا فكاك منه ولا محيص عنه، ولا يسوغ التفريط فيه أو إغفاله، وإلا تقوض بنيان القانون برمته من أساسه، فإذا تحققت المحكمة من تخلف هذا الإجراء، تعين إسقاط القانون المشوب بذلك العوار الشكلي بكامل النصوص التي تضمنها، ولبات لغوا – بعدئذ – التعرض لبحث اتفاق بعضها مع الأحكام الموضوعية للدستور أو منافاتها لها.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن ثمة شرطين يتعين اجتماعهما معا لاعتبار مشروع قانون معين مكملا للدستور: (أولهما) أن يكون الدستور ابتداء قد نص صراحة في مسألة بعينها على أن يكون تنظيمها بقانون أو وفقا لقانون أو في الحدود التي يبينها القانون أو طبقا للأوضاع التي يقررها، فإن هو فعل، دل ذلك على أن هذا التنظيم بلغ في تقديره درجة من الأهمية والثقل لا يجوز معها أن يعهد به إلى أداة أدنى.

(ثانيهما) أن يكون هذا التنظيم متصلا بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها وإدراجها تحت نصوصها، وتلك هي القواعد الدستورية بطبيعتها التي لا تخلو منها في الأعم أية وثيقة دستورية، والتي يتعين كي يكون التنظيم التشريعي مكملا لها أن يكون محددا لمضمونها مفصلا لحكمها مبينا لحدودها، بما مؤداه أن الشرط الأول وإن كان لازما كأمر مبدئي يتعين التحقق من توافره قبل الفصل في أي نزاع حول ما إذا كان مشروع القانون المعروض يعد أو لا يعد مكملا للدستور، إلا أنه ليس الشرط الوحيد، بل يتعين لاعتبار المشروع كذلك أن يقوم الشرطان معا متضافرين استبعادا لكل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد الدستورية الأصيلة، بل يكون غريبا عنها مقحما عليها. واجتماع هذين الشرطين مؤداه أن معيار تحديد القوانين المكملة للدستور، والتي يتعين أن يؤخذ فيها رأي مجلس الشوري قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية لا يجوز أن يكون شكليا صرفا، ولا موضوعيا بحتا، بل قوامه مزاوجة بين ملامح شكلية، وما ينبغي أن يتصل بها من العناصر الموضوعية، على النحو المتقدم بيانه.

وحيث إن المواثيق الدولية قد اهتمت بالنص على حق الفرد في تكوين الجمعيات ومن ذلك المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تمت الموافقة عليه وإعلانه بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/12/1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي حظر – بنص الفقرة الثانية من المادة 22 – أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديموقراطي لصيانة الأمن القومي أو السلام العام أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرماتهم. كما عنيت الدساتير المقارنة بالنص على هذا الحق في وثائقها، فهو مستفاد مما تضمنه التعديل الأول الذي أدخل على دستور الولايات المتحدة الأمريكية في 15/12/1791 والذي قرر الحق في الاجتماع،

ونص عليه صراحة الدستور القائم في كل من: ألمانيا والاردن وتركيا ولبنان وتونس والمغرب والكويت واليمن وسوريا والبحرين والجزائر. وجرت كذلك الدساتير المصرية المتعاقبة – ابتداء من دستور سنة 1923، وانتهاء بالدستور الحالي – على كفالة الحق في تأليف الجمعيات؛ وهو ما نصت عليه المادة 55 من دستور سنة 1971 بقولها أن ” للمواطنين حق تكوين الجمعيات على الوجه المبين في القانون…”.
وحيث إن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلا بصون الحقوق والحريات العامة – وفي الصدارة منها حرية الاجتماع – كي لا تقتحم إحداهما المنطقة التي يحميها الحق أو الحرية، أو تتداخل معها، بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة، وكان تطوير هذه الحقوق والحريات وإنماؤها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة، مطلبا أساسيا توكيدا لقيمتها الاجتماعية، وتقديرا لدورها في مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها، وقد واكب هذا السعي وعززه بروز دور المجتمع المدني ومنظماته – من أحزاب وجمعيات أهلية ونقابات مهنية وعمالية – في مجال العمل الجمعي.

وحيث إن منظمات المجتمع المدني – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – هي واسطة العقد بين الفرد والدولة، إذ هي الكفيلة بالارتقاء بشخصية الفرد بحسبانه القاعدة الأساسية في بناء المجتمع، عن طريق بث الوعي ونشر المعرفة والثقافة العامة، ومن ثم تربية المواطنين على ثقافة الديموقراطية والتوافق في إطار من حوار حر بناء، وتعبئة الجهود الفردية والجماعية لإحداث مزيد من التنمية الاجتماعية والاقتصادية معا، والعمل بكل الوسائل المشروعة على ضمان الشفافية، وترسيخ قيمة حرمة المال العام، والتأثير في السياسات العامة، وتعميق مفهوم التضامن الاجتماعي، ومساعدة الحكومة عن طريق الخبرات المبذولة، والمشروعات الطوعية على أداء أفضل للخدمات العامة، والحث على حسن توزيع الموارد وتوجيهها، وعلى ترشيد الإنفاق العام، وإبراز دور القدوة. وبكل أولئك، تذيع المصداقية، وتتحدد المسئولية بكل صورها فلا تشيع ولا تنماع، ويتحقق العدل والنصفة وتتناغم قوى المجتمع الفاعلة، فتتلاحم على رفعة شأنه والنهوض به إلى ذرى التقدم.

وحيث إن من المقرر أن حق المواطنين في تكوين الجمعيات الأهلية هو فرع من حرية الاجتماع، وأن هذا الحق يتعين أن يتمحض تصرفا إراديا حرا لا تتداخل فيه الجهة الإدارية، بل يستقل عنها، ومن ثم تنحل هذه الحرية إلى قاعدة أولية تمنحها بعض الدول – ومن بينها جمهورية مصر العربية – قيمة دستورية في ذاتها، لتكفل لكل ذي شأن حق الانضمام إلى الجمعية التي يرى أنها أقدر على التعبير عن مصالحه وأهدافه، وفي انتقاء واحدة أو أكثر من هذه الجمعيات – حال تعددها – ليكون عضوا فيها، وما هذا الحق إلا جزء لا يتجزأ من حريته الشخصية، التي أعلى الدستور قدرها، فاعتبرها – بنص المادة 41 – من الحقوق الطبيعية، وكفل – أسوة بالدساتير المتقدمة – صونها وعدم المساس بها، ولم يجز الإخلال بها من خلال تنظيمها.

وحيث إن ضمان الدستور – بنص المادة 47 التي رددت ما اجتمعت عليه الدساتير المقارنة – لحرية التعبير عن الآراء، والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التي لا يتم الحوار المفتوح إلا في نطاقها، وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها، ولا تكون لها من فائدة، وبها يكون الأفراد أحرارا لا يتهيبون موقفا، ولا يترددون وجلا، ولا ينتصفون لغير الحق طريقا، ذلك إن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها إليه غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها ولا منحصر في مصادر بذواتها تعد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاقها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، سعيا لتعدد الآراء، وابتغاء إرسائها على قاعدة من حيدة المعلومات ليكون ضوء الحقيقة منارا لكل عمل، ومحورا لكل اتجاه.

بل إن حرية التعبير أبلغ ما تكون أثرا في مجال اتصالها بالشئون العامة، وعرض أوضاعها تبيانا لنواحي التقصير فيها، فقد أراد الدستور بضمانها أن تهيمن مفاهيمها على مظاهر الحياة في أعماق منابتها، بما يحول بين السلطة العامة وفرض وصايتها على العقل العام، وألا تكون معاييرها مرجعا لتقييم الآراء التي تتصل بتكوينه ولا عائقا دون تدفقها. ومن المقرر كذلك إن حرية التعبير، وتفاعل الآراء التي تتولد عنها، لا يجوز تقييدها بأغلال تعوق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخي قمعها. إذ يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها – وعلانية – تلك الأفكار التي تجول في عقولهم ويطرحونها عزما ولو عارضتها السلطة العامة – إحداثا من جانبهم – وبالوسائل السلمية – لتغيير قد يكون مطلوبا، ومن ثم وجب القول بأن حرية التعبير التي كفلها الدستور هي القاعدة في كل تنظيم ديموقراطي، فلا يقوم إلا بها، ولا ينهض مستويا إلا عليها.

وحيث إن حق الاجتماع – سواء كان حقا أصيلا أم بافتراض أن حرية التعبير تشتمل عليه باعتباره كافلا لأهم قنواتها، محققا من خلاله أهدافها – أكثر ما يكون اتصالا بحرية عرض الآراء وتداولها كلما كون أشخاص يؤيدون موقفا أو اتجاها معينا جمعية تحتويهم، يوظفون من خلالها خبراتهم ويطرحون آمالهم ويعرضون فيها كذلك لمصاعبهم، ويتناولون بالحوار ما يؤرقهم، ليكون هذا التجمع المنظم نافذة يطلون منها على ما يعتمل في نفوسهم، وصورة حية لشكل من أشكال التفكير الجماعي، وكان الحق في إنشاء الجمعيات – وسواء كان الغرض منها اقتصاديا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو غير ذلك – لا يعدو أن يكون عملا اختياريا، يرمي بالوسائل السلمية إلى تكوين إطار يعبرون فيه عن مواقفهم وتوجهاتهم.

ومن ثم فإن حق الاجتماع يتداخل مع حرية التعبير، مكونا لأحد عناصر الحرية الشخصية التي لا يجوز تقييدها بغير اتباع الوسائل الموضوعية والإجرائية التي يتطلبها الدستور أو يكفلها القانون، لازما اقتضاء حتى لو لم يرد بشأنه نص في الدستور، كافلا للحقوق التي أحصاها ضماناتها، محققا فعاليتها، سابقا على وجود الدساتير ذاتها، مرتبطا بالمدنية في مختلف مراحل تطورها، كامنا في النفس البشرية تدعو إليه فطرتها، وهو فوق هذا من الحقوق التي لا يجوز تهميشها أو إجهاضها.

بل إن حرية التعبير ذاتها تفقد قيمتها إذا جحد المشرع حق من يلوذون بها في الاجتماع المنظم، وحجب بذلك تبادل الآراء في دائرة أعرض بما يحول دون تفاعلها وتصحيح بعضها البعض، ويعطل تدفق الآراء التي تتصل باتخاذ القرار، ويعوق انسياب روافد تشكيل الشخصية الإنسانية التي لا يمكن تنميتها إلا في شكل من أشكال الاجتماع. كذلك فإن هدم حرية الاجتماع إنما يقوض الأسس التي لا يقوم بدونها نظام للحكم يكون مستندا إلى الإرادة الشعبية، ومن ثم فقد صار لازما – وعلى ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – امتناع تقييد حرية الاجتماع إلا وفق القانون، وفي الحدود التي تتسامح فيها النظم الديموقراطية، وترتضيها القيم التي تدعو إليها، ولا يجوز – بالتالي- أن تفرض السلطة التشريعية على حرية الاجتماع قيودا من أجل تنظيمها، إلا إذا حملتها عليها خطورة المصالح التي وجهتها لتقريرها، وكان لها كذلك سند من ثقلها وضرورتها، وكان تدخلها – من خلال هذه القيود – بقدر حدة هذه المصالح ومداها.

وحيث إنه يبين من جميع ما تقدم أن حق المواطنين في تأليف الجمعيات الأهلية، وما يستصحبه – لزوما – مما سلف بيانه من حقوقهم وحرياتهم العامة الأخرى، هي جميعا أصول دستورية ثابتة، يباشرها الفرد متآلفة فيما بينها، ومتداخلة مع بعضها البعض، تتساند معا، ويعضد كل منها الآخر في نسيج متكامل يحتل من الوثائق الدستورية مكانا سامقا.

وحيث إنه إذ كان ذلك، وكان الدستور قد عهد – بنص المادة 55 – إلى القانون بتنظيم الحق في تكوين الجمعيات، ووضع قواعد ممارسته، وكان القانون الطعين قد احتوى تنظيما شاملا للجمعيات والمؤسسات الأهلية، رسم المشرع من خلاله لحق الأفراد في إنشائها وإدارة وتصريف شئونها وانقضائها وتصفية أموالها، أطره وأحكام مباشرته، وكان هذا التنظيم قد عرض – بالضرورة – لما يرتبط ويتصل بهذا الحق من حقوقهم العامة في الاجتماع والحرية الشخصية وحرية التعبير عن الرأي،

فإن التنظيم الوارد بالقانون المشار إليه يكون متصلا – من ثم – في جوانبه تلك بهذه الأصول التي ما فتئت الوثائق الدستورية تحرص على إدراج قواعدها الكلية ضمن نصوصها، بما يضفي عليها الطبيعة الدستورية الخالصة؛ فضلا عما هو مقرر من أن تنظيم ولاية القضاء – والتي تناولها القانون المذكور ببعض نصوصه – تدخل ضمن المسائل التي تتصف بهذه الطبيعة أيضا؛ متي كان ذلك، فإن القانون المطعون فيه يكون قد توافر في شأنه العنصران الشكلي والموضوعي – المتقدم بيانهما – اللازمان لارتقائه إلى مصاف القوانين المكملة للدستور؛ وإذ كان البين من كتاب أمين عام مجلس الشوري رقم 83 بتاريخ 7/11/1999 المرفق بالأوراق أن هذا القانون – بوصفه كذلك – لم يعرض مشروعه على مجلس الشوري لأخذ رأيه فيه، فإنه يكون مشوبا بمخالفة نص المادة 195 من الدستور.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكان العيب الدستوري المشار إليه قد شمل قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية الصادر بالقانون رقم 153 لسنة 1999 بتمامه، فإن القضاء بعدم دستوريته برمته يكون متعينا، وذلك دون حاجة إلى الخوض فيما اتصل ببعض نصوصه من عوار دستوري موضوعي باستلابه الأنزعة الإدارية الناشئة عنه من مجلس الدولة الذي اختصه الدستور بولاية الفصل فيها باعتباره قاضيها الطبيعي.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية القانون رقم 153 لسنة 1999 بإصدار قانون الجمعيات والمؤسسات والأهلية.