أنواع الجرائم من حيث طبيعتها :

تقسم الجرائم من حيث طبيعتها، أي من حيث طبيعة الحق المعتدى عليه الى (جرائم سياسية POLIYIQUESوجرائم عادية ET DELITS DE DROIT COMMUN ويراد بالجرائم السياسية بشكل عام، تلك الجرائم التي تنطوي على معنى الاعتداء على النظام السياسي للدولة سواء من جهة الخارج، أي المساس باستقلال الدولة وسيادتها، أي من جهة الداخل، أي المساس بشكل الحكومة او نظام السلطات فيها او الاعتداء على حقوق الافراد السياسية (1). ويراد بالجرائم العادية تلك الجرائم التي لا تنطوي على هذا المعنى، لا فرق في ذلك بين ان ينصب الاعتداء فيها على الافراد او حتى على الدولة فانها طالما تجرد موضوع الاعتداء من الصفة السياسية في معناها المتقدم. ويجب عدم الخلط بين الجرائم السياسية والجرائم المضرة بالمصلحة العامة لانه اذا صح ان الجرائم السياسية هي من الجرائم المضرة بالمصلحة العامة فليس صحيحا ان جميع الجرائم المضرة بالمصلحة العامة تعتبر من الجرائم السياسية. فجريمة تجاوز الموظف حدود وظيفته وجريمة الرشوة وان كانت من الجرائم المضرة بالمصلحة العامة الا انها ليست من الجرائم السياسية (2). وأول ما يلاحظ على الجرائم السياسية، انها من حيث مساسها بالدولة، جرائم بالغة الخطورة، لان الفرض ان فيها اعتداء على حقوق تتصل بسلامة الدولة اما من جهة الخارج او من جهة الداخل. وهذا هو الاعتبار الذي على اساسه تقوم سياسة الشدة في معاملة المجرمين السياسيين. وهي سياسة سادت القوانين الجنائية في الماضي وكان من مظاهر هذه السياسة في تلك القوانين اختصاص المجرم السياسي بأقصى أنواع العقوبات التي لم تكن في بعض الاحيان تقف عند شخص هذا الأخير أو أمواله بل كانت تتعداه الى ورثته كذلك. كما كان يخضع المجرمون السياسيون لنظام تسليم المجرمين. بل ان هذا النظام في الحقيقة أول ما قرر ابتداء كان لأجل تطبيقه على هذه الفئة من المجرمين. ولم تقتصر هذه الخطة في معاملة المجرم السياسي، وأعني معاملته في الشدة، على القوانين القديمة، بل ظهرت أيضاً في قوانين بعض الدول الحديثة، وذلك تبعا لارتفاع موجة الرغبة في حماية الدولة أو الحكومة مما يتهددها من ضروب الأفعال والتصرفات. ومع لك فان الاتجاه السائد في التشريع الحديث هو تطور في النظرة الى الجريمة السياسية قوامه حسن المعاملة للمجرم السياسي وقد ظهر ذلك لاول مرة في قوانين ما بعد الثورة الفرنسية ثم دخل القوانين للدول الأخرى. غير ان هذه القوانين الأخيرة كانت قد اختلفت في مدى اخذها بها. ذلك لان النظام الذي يوضع عادة للجريمة السياسية في القانون الداخلي للدولة لابد وان يتكيف تبعا لنظامها السياسي. معيار التمييز بين الجرائم السياسية والجرائم العادية لقد تنازع الفقه الجنائي مذهبان في تحديد الجريمة السياسية هما :

1.المذهب الشخصي LA THEORIE JECTIVE:

وهو الأقدم ويرى اصحابه ان الجريمة تتحدد بالباعث اليها أي الغرض والدافع. فان كان الغرض او الدافع اليها سيايسا فهي سياسية والا فهي عادية بقطع النظر عن موضوعها. واستنادا الى هذا المعيار تعتبر سياسة جرائم القتل والسرقة والتزوير اذا كان الدافع لها سياسيا. كقتل رئيس الدولة بقصد تغيير نظام الحكم او قتل احد من معارضي الحكومة بقصد اسناد الحكم او تزوير العملة بقصد احداث تخلخل واضطراب مالي لاسقاط الحكومة. وبعكس ذلك تعتبر الجريمة عادية ولو كان محل الاعتداء النظام السياسي للدولة اذا كان مرتكبها قد استجاب الى باعث اناني يستهدف ارضاء شعور شخصي كالطمع او الحقد. وقد تبنى هذا المعيار قانون العقوبات الايطالي الصادر عام 1930 (3).

ويؤخذ على هذا المذهب توسعه في تحديد مدلول الجريمة السياسية واعتماده على الباعث او الغاية، وهما طبقا للمبادئ القانونية السائدة غير داخلين في عداد اركان الجريمة بالإضافة الى ان تقصي البواعث امر قد يستعصي وخاصة في الجرائم المرتبطة (4).

2.المذهب الموضوعي (المادي) LA THEORIE OBJECTIVE:

لقد قام هذا المذهب في ضوء النقد الذي وجه الى المذهب الشخصي. وهو ينكر كل أثر للباعث على صفة الجريمة. ويرى انصاره ان الجريمة تتحدد بموضوع الحق المعتدى عليه. فان كان هذا الحق من الحقوق السياسية العامة للدولة او للافراد فان الجريمة تعتبر سياسية. اما اذا كان الحق المعتدي عليه من حقو الافراد غير السياسية كحق الحياة، وحق الملكية او حقوق الدولة غير السياسية كحق الملكية العامة فان الجريمة تعتبر عادية حتى وان كان الباعث عليها سياسيا. واستنادا الى هذا المعيار من الجرائم السياسية الجرائم التي تقع على امن الدولة الخارجي، والجرائم التي تقع على امن الدولة الداخلي، والجرائم التي تقع على الحريات العامة (5) وبخلاف ذلك تعتبر جرائم القتل والسرقة والتزوير جرائم عادية وان كان الباعث عليها سياسيا. وقد اخذ بهذا المذهب المؤتمر الدولي لتوحيد قانون العقوبات في اجتماعه المنعقد في كوبنهاكن عام 1935 (6) وكذلك محكمة التمييز الفرنسية. وعندنا ان المذهب الموضوعي اجدر بالترجيح والتفضيل اذ يستمد معياره من طبيعة الحق المعتدى عليه، وهو اعتباره يحدد بغير شك اتجاه خطورة الجريمة وموطن الضرر الذي يترتب عليها.

فئات الجرائم السياسية هناك من الجرائم ما ينطبق عليها معيار المذهبين الشخصي والموضوعي وذلك عندما يكون الباعث على ارتكابها سياسيا بالإضافة الى ان الحق المعتدى عليه فيها هو من الحقوق السياسية ومثالها : جرائم الاعتداء على النظام السياسي للدولة بمحاولة تغييره او تعديله او الاخلال به، سواء من الداخل او من الخارج وتسمى هذه الجرائم بالجرائم السياسية البحتة. وتعتبر هذه الجرائم سياسية سواء من قبل أصحاب المذهب الشخصي او أصحاب المذهب الموضوعي. ومع ذلك فهناك من الجرائم ما لم يتم الاتفاق بين الكتاب على اعتبارها سياسية حيث اختلف الراي فيها تبعا لاختلاف وجهة النظر في المعيار المتبع في ذلك وهي ما تسمى (بالجرائم السياسية النسبية) كالجرائم المختلطة والجرائم المرتبطة :

فبالنسبة للجرائم المختلطة : DELITS COMPLEXES او كما يسميها البعض الجرائم المرتكبة وهي الجرائم التي يقع فيها الاعتداء على حق فردي لتحقيق غرض سياسي ومثالها : قتل رئيس الحكومة أو الدولة بقصد قلب نظام الحكم وهي ما تسمى بجريمة الاغتيال السياسي، وجريمة تزييف العملة بقصد اضاعة الثقة بالحكومة لغرض ازاحتها فانها تعتبر حسب نظر أصحاب المذهب الشخصي جرائم سياسية، بينما تعتبر حسب نظر أصحاب المذهب الموضوعي جرائم عادية وبالنسبة للجرائم المرتبطة : DELITS CONNEXES وهي الجرائم العادية من حيث طبيعتها وموضوعها غير انها ذات صلة وارتباط وثيقة بجريمة سياسية كجرائم القتل والحريق والسرقة التي تصاحب ثورة او انقلابا فانها تعتبر حسب نظر أصحاب المذهب الشخصي أيضاً سياسية بينما تعتبر حسب نظر أصحاب المذهب الموضوعي أيضاً عادية.

الاتجاه الغالب في العنصر الحديث :

لقد كان للاختلاف الذي اصاب الفقه في مسألة بيان معيار التمييز بين الجرائم السياسية والجرائم العادية وظهور المذهبين الشخصي والموضوعي في ذلك اثره في الاختلاف في مدى الأخذ بهذين المذهبين باختلاف الدول وباختلاف الجرائم. ومع ذلك فالعصر الحاضر يشهد بصورة عامة اتجاها الى التضييق في الجرائم السياسية يتمثل في استبعاد بعض الجرائم من نطاقها فبالنسبة للجرائم السياسية البحتة : يتجه الفقه الحديث – فيما يخص الجرائم التي تصيب النظام السياسي للدولة – الى عدم اعتبارها من الجرائم السياسية فيما اذا كانت لا تستهدف صالح الجماعة، كان تكون قد ارتكبت لباعث شخصي أناني كالطمع او الحقد او الانتقام. وقد ذهب الى ذلك المؤتمر الدولي لتوحيد قانون العقوبات المنعقد في كوبنهاكن عام 1935 (7). كما يتجه الفقه والتشريع الحديثين الى عدم اعتبار جرائم الخيانة العظمى وجرائم التجسس من الجرائم السياسية لما تتضمنع هذه الجرائم من خسة وحقارة في القصد بالإضافة اللى انها ليست جرائم ضد الحكومة او ضد نظام الحكم بل هي جرائم ضد الوطن بالذات مما يجعل مرتكبها جديرا باشد العقاب (8). وبالنسبة للجرائم المختلطة : فان الاتجاه السائد في العصر الحديث هو تغليب المذهب الموضوعي أي اعتبار هذه الجرائم من الجرائم العادية. وقد ظهر هذا الاتجاه بين الدول في اخذها بما يسمى (بشرط الاعتداء) CLAUSE DARRENTAT او كما يسميه البعض بالشرط البلجيكي. حيث جرت الدول على ان تدرج هذا الشرط في معاهداتها الخاصة بتسليم المجرمين. ومقتضى هذا الشرط هو تقدير قاعدة قبول التسليم في جرائم الاعتداء على حياة رؤساء الدول وهي من الجرائم المختلطة. وقد اتبع العراق مضمون هذا الشرط ونص عليه في معاهدات تسليم المجرمين التي عقدها مع الدول الأخرى بل نراه قد توسع في حكمه فجعله يشمل الجرائم التي تصيب رؤساء الدول او أفراد عوائلهم كما يشمل من الجرائم القتل والجمع وغيرها من الجرائم التي تصيب رؤساء الدول او أفراد عوائلهم كما يشمل من الجرائم جرائم القتل والجرح وغيرها من الجرائم التي تصيب اشخاصهم (9)ِ بل وقد توسع العراق في حكم هذا الشرط اكثر بان جعله يشمل رؤساء الحكومات (رئيس الوزراء) بالإضافة الى رؤساء الدول (10).

كذلك لا يعتبر الاتجاه الحديث، من قبيل الجرائم السياسية الجرائم المركبة بالغة الجسامة كجرائم القتل العمد والتسميم والجرائم الخطرة المرتكبة مع سبق الاصرار والشروع بهذه الجرائم، وجرائم الاعتداء على الأموال بالحريق والفيضان او السرقات الخطرة وخاصة تلك المرتكبة باكراه. هذا ما قررته المادة الثالثة من قرارات مجمع القانون الدولي في دورته المنعقدة في جنيف عام 1892 حيث اجازت تسليم مرتكبي هذه الجرائم وان كان قد حملهم على ارتكابها باعث سياسي. وقد اخذ العراق بهذا الراي حيث انكر في المادة الثالثة من معاهدة تسليم المجرمين المعقودة مع المملكة العربية السعودية الصفة السياسية على الجرائم قطع الطريق، والسرقة، والنهب، والقتل، والجرح العمد. وبالنسبة للجرائم المرتبطة : فان الاتجاه الغالب في الفقه الحديث يقول بوجوب التمييز في هذه الجرائم بين ما هو جسيم منها وما هو غير جسيم واعتبار الأول من الجرائم العادية، واعتبار الثاني من الجرائم السياسية (11). وقد ايد ذلك القضاء الفرنسي والمؤتمر لتوحيد قانون العقوبات . اما في العراق فقد نصت بعض معاهدات تسليم المجرمين التي عقدها العراق مع الدول الأخرى على استثناء الجرائم المرتبطة من حكم التسليم (12).موقف المشرع العراقي من الجريمة السياسية : تكلم قانون العقوبات العراقي عن الجريمة السياسية في الفصل الأول من باب الثاني تحت عنوان : الجرائم من حيث طبيعتها في المواد 20و21و22 حيث قال : المادة 20 : (تقسم الجرائم من حيث طبيعتها الى : عادية وسياسية) المادة 21 : (أ – الجريمة السياسية هي الجريمة التي ترتكب بباعث سياسية او تقع على الحقوق السياسية العامة او الفردية. وفيما عدا ذلك تعتبر الجريمة عادية. ومع ذلك لا تعتبر الجرائم التالية سياسية ولو كانت قد ارتكبت بباعث سياسي :

1.الجرائم التي ترتكب بباعث اناني دنيء.

2.الجرائم الماسة بامن الدولة الخارجي.

3.جرائم القتل العمد والشروع فيها.

4.جريمة الاعتداء على حياة رئيس الدولة.

5.الجرائم الارهابية.

6.الجرائم المخلة بالشرف كالسرقة، والاختلاس، والتزوير، وخيانة الامانة، والاحتيال، والرشوة وهتك العرض.

ب – على المحكمة اذا رأت ان جريمة سياسية ان تبين ذلك في حكمها.

المادة 22 : (آ – يحل السجن المؤبد محل الإعدام في الجرائم السياسية.

ب – لا تعتبر العقوبة المحكوم بها الجريمة سياسية سابقة في العود ولا تستتبع الحرمان من الحقوق والمزايا المدنية ولا حرمان المحكوم عليه من إدارة أمواله او التصرف فيها).

من دراسة هذه النصوص يتضح لنا ما يأتي :

1.ان قانون العقوبات العراقي عرف تقسيم الجرائم من حيث طبيعتها الى : جرائم سياسية، وجرائم عادية.

2.انه اخذ بالمذهبين الشخصي والموضوعي معاً كمعيار لتحديد الجريمة السياسية حيث قال : (الجريمة السياسية هي الجريمة التي ترتكب بباعث سياسي او تقع على الحقوق السياسية العامة أو الفردية ……..) ولكنه في نفس الوقت استثنى عددا كبيرا من الجرائم من اعتراها سياسية وهي الجرائم المختلطة والمرتبطة وغيرها وبذلك يكون قد ضيق عن طريق هذه الاستثناءات من نطاق الجرائم السياسية بالشكل الذي يجعله وقد اخذ بمعيار هو اضيق من معيار المذهب الموضوعي لتحديد الجريمة السياسية حيث اخرج من نطاقها جرائم أمن الدولة الخارجي التي يعتبرها المذهب الموضوعي من الجرائم السياسية.

3. انه تبنى الاتجاه الحديث في تضييق نطاق الجرائم السياسية حيث استثنى جميع الجرائم التي جرى الفقه والتشريع الحديثين على استثنائها من الجرائم السياسية وهي الجرائم التي ترتكب بباعث أناني دنيء وجرائم الخيانة العظمى وجرائم التجسس وجرائم القتل العمد والشروع فيها وجريمة الاعتداء على حياة رئيس الدولة والجرائم الارهابية (13) والجرائم المخلة بالشرف كالسرقة والاختلاس والتزوير وخيانة الامانة والاحتيال والرشوة وهتك العرض.

4.انه اوجب على المحكمة، اذا ما رأت ان الجريمة المعروضة امامها سياسية، ان تبين ذلك في حكمها. ويكون ذلك هو المعول عليه في الأمر ويكون قرارها في ذلك خاضعا لرقابة محكمة التمييز.

5.انه خص مرتكب الجريمة السياسية ببعض المزايا، حيث امر بان تحل عقوبة السجن المؤبد محل عقوبة الاعدام في الجرائم السياسية كما لا يعتبر الجريمة السياسية سابقة في العود ولا تستتبع الحرمان من الحقوق والمزايا المدنية ولا حرمان المحكوم عليه من إدارة مأمولة او التصرف فيها.

أهمية تقسيم الجرائم الى سياسية وعادية :

ان لتقسيم الجرائم الى سياسية وعادية اهميته من حيث الامتيازات التي ينفرد بها المجرم السياسي في القانون الجنائي الحديث دون المجرم العادي وهي :

1.من حيث المعاملة :

أتبعت غالبية القوانين الجنائية الحديثة نظاما خاصا في معاملة المجرم السياسي يقوم على أساس من اللين والاحترام.

ففي فرنسا اختص قانون الجنايات السياسية بعقوبات خاصة منها عقوبة (النفي في قلعة محصنة وهي عقوبة احلها القانون محل عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية، وعقوبة النفي البسيط وعقوبة الابعاد وعقوبة التجريد المدني.

وقد سلك المشرع العراقي نفس هذا المسلك حيث نص في المادة (22-1) مارة الذكر بان يحل السجن المؤبد محل الإعدام في الجرائم السياسية. كما منح قانون مؤسسة الإصلاح الاجتماعي السجن السياسي بعض الميزات في الملبس والمقابلة وغيرها (14).

2.من حيث تسليم المجرمين :

من المتفق عليه في غالبية القوانين الجنائية الحديثة بل والدساتير الحديثة المعاهدات الدولية بل والعرف الدولي انه لا يجوز تسليم المجرم السياسي اذا التجأ الى دولة أخرى غيرا لدولة التي ارتكب الجريمة فيها الى هذه الدولة الأخيرة اذا طلبت تسليمه. وقد سلك المشرع الدستوري العراقي نفس هذا المسلك حيث جاءت المادة (34) فقرة ب من الدستور المؤقت لسنة 1970 بأنه : (لا يجوز تسليم اللاجئين السياسيين، كما نص على ذلك قانون إعادة المجرمين رقم 51 لسنة 1923 في مادته الثانية والخامسة واعلنته جميع المعاهدات الخاصة بتسليم المجرمين التي عقدها العراق مع الدول الأخرى.

3.من حيث الحرمان من بعض الحقوق والمزايا :

من المتفق عليه ان العقوبة المحكوم بها في جريمة سياسية لا يستتبع حرمان المحكوم عليه من بعض الحقوق والمزايا المدنية. وقد نص على ذلك قانون العقوبات العراقي في المادة (22) فقرة (2).

4.من حيث عدم اعتبارها سابقة في العود :

ومن المتفق عليه كذلك ان لا تعتبر الجريمة السياسية سابقة في العود لاختلاف طبيعتها عن الجرائم العادية. وهذا ما اخذ به قانون العقوبات العراقي في المادة (22-2).

__________________

1-انظر فيدال ومانيول ج1 ن 1 76 ص 103 س. كذلك انظر التعريف الذي وضعه المؤتمر الدولي لتوحيد قانون العقوبات المنعقد في كوبنهاجن عام 1935 مجموعة وثائق المؤتمر 417.

2-انظر جندي عبد الملك ج3 ن 51 ص47 – الدكتور محمد كامل مرسي، والدكتور السعيد مصطفى السعيد ص87.

3-انظر المادة 8 و 241 وما بعدها من قانون العقوبات الايطالي.

4-انظر جارسون مادة 1 ن152 و157 – جارو ج1 ن124 ص267 – دونديه ديفاير ص121 ن 204 – بوزان 130 ص120 – الدكتور كامل ياسين ص93 – الدكتور محمود محمود مصطفى ص173.

5-انظر الدكتور حميد السعدي ص298.

حيث عرف الجريمة السياسية بانها : (الموجهة ضد تنظيم الدولة ومباشرتها وظائفها او ضد الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطنون).

6-انظر تمييز فرنسي 20 آب (دالوز 1932 – 121) حيث حكمت بان قتل الجمهورية الفرنسية يعد جريمة عادية.

7-كذلك انظر بهذا المعنى قانون العقوبات السوري مادة 195، واللبناني مادة 196.

8-انظر بهذا المعنى القانون الفرنسي وقانون العقوبات البولوني (مادة 93).

9-انظر المادة (3) من معاهدة تسليم المجرمين المعقودة مع مصر والمادة (4) من معاهدة تسليم المجرمين المعقودة بين دول الجامعة العربية.

10-انظر المادة (4) من معاهدة تسليم المجرمين المعقودة مع تركيا.

11-بوزان 134 – الوسيط ص419.

12-انظر المادة (8) من معاهدة تسليم المجرمين مع الولايات المتحدة الاميركية المعقودة عام 1934.

14-ويقصد بالجرائم الارهابية الجرائم التي ترتكبها العصابات او الجماعات الارهابية. كما لو ارتكبت أعمال تدمير او تخريب او تقتيل.

أنواع الجرائم من حيث ركنها الشرعي :

تقسم الجرائم بالنظر الى ركنها الشرعي، أي بالنظر الى النص القانوني الذي ينشئها الى جرائم القانون العام والجرائم العسكرية ويراد بجرائم القانون العام، او كما يسميها البعض بالجرائم العادية، تلك الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين المكملة له، والتي ترتكب من قبل الافراد اخلال بنظام المجتمع ومصالح افراده. كجرائم القتل والسرقة والنصب وخيانة الامانة. ويراد بالجرائم العسكرية تلك الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات العسكري وتعتبر اخلالا بواجبات خاصة لفريق من الافراد هم أفراد القوات المسلحة، راجعة الى حالتهم او الى وظيفتهم. وهي عادة اوسع نطاقا من الجرائم العادية. اذ ان كل جريمة مما نص عليه في قانون العقوبات العام قد تدخل ضمن مدلول الجرائم في قانون العقوبات العسكري مضافا اليها الجرائم المخلفة بالنظام العسكري مباشرة والتي لا وجود لها في قانون العقوبات العام.

والجرائم العسكرية نوعان :

أ – جرائم تتصل مباشرة بالنظام العسكري، وهي تلك الجرائم التي تقع ممن له الصفة العسكرية اخلالا منه بالواجبات والنظم العسكرية التي تفرضها عليه هذه الصفة، ولا نظير لها في قانون العقوبات (ألعام) كجريمة مخالفة الاوامر العسكرية وجريمة والتغيب وجريمة عدم الطاعة وجريمة الهرب من ساحة القتال. وتسمى هذه الجرائم بالجرائم العسكرية البحتة.

ب – وجرائم مما نص عليها في قانون العقوبات (العام) وتوصف بأنها عسكرية لوقوعها من قبل شخص له الصفة العسكرية كجريمة القتل والسرقة والايذاء اذا ارتكبت من قبل عسكري. وتسمى هذه الجرائم (بالجرائم العسكرية المختلطة).

أهمية التقسيم :

لتقسيم الجرائم الى عسكرية وعادية أهمية تظهر في النواحي الأتية :

1.من حيث الاختصاص : تكون الجرائم العادية من اختصاص محاكم الجزاء العادية (القضاء العادي) اما الجرائم العسكرية فتكون من اختصاص المحاكم العسكرية.

2.من حيث العقوبات : ان قانون العقوبات العسكري مع انه يحوي على عقوبات مشابهة للعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات (العام) كعقوبة الإعدام وعقوبة الحبس، غير انه يحوي بالإضافة الى ذلك على عقوبات أخرى لا وجود لها في قانون العقوبات العام كعقوبة الحرمان من القدم وعقوبة الطرد وعقوبة الاحالة على نصف الراتب. كما ان العقوبات المقررة للجرائم العسكرية المختلطة تكون اشد عادة بالنسبة لمثيلاتها المقررة لنفس الجرائم في قانون العقوبات (العام).

واتخاذ مطلق الوسيلة لازم في حق كل جان، ولكن نوع الوسيلة التي تتخذ هو الذي يختلف تبعا لاختلاف الجناة. فلكل منهم ما يلائمه من الوسائل الكفيلة بتحقيق دفاع المجتمع ضد هذا الشخص بعينه (1).

تقدير المذهبين :-

من المسلم به ان كلا من مذهبي الاختيار والجبر انما ينطوي على جانب من الحقيقة. غير انه مع ذلك يؤخذ على المذهبين ان كلا منهما يعيبه التطرف في الراي والمغالاة في الحكم. فليس من الصواب القول بان الإنسان يتمتع في تصرفاته بحرية مطلقة، فالملاحقة تكشف عن خضوع كل شخص في تصرفاته لعوامل عديدة متباينة تضيق من نطاق حريته. وليس من الصواب كذلك القول بخضوع الإنسان في صورة سلبية خالصة لقوانين السببية الحتمية، فالمساواة بين الإنسان وسائر الموجودات على هذا النحو تكذبها الفروق الواضحة بينهما، واخصها ان الإنسان كائن واع يستطيع العلم بما يحيط به كما يستطيع تحديد غاياته التي يسعى الى تحقيقها بأفعاله. والواقع ان الحقيقة وسط بين القولين. اذ ان الإنسان يتمتع، في الظروف العادية بحرية مقيدة. فثمة عوامل لا يملك سيطرة عليها وهي توجهه على نحو لا خيار له فيه، ولكنها لا تصل الى حد املاء الفعل عليه، وانما تترك له قدرا من الحرية يتصرف فيه، وهذا القدر، في الحقيقة، كاف لكي تقوم المسؤولية على أساس منه. فان انتقض هذا القدر على نحو ملحوظ لم يكن للمسؤولية محل او تعين الاعتراف بها في صورة مخففة (2). وقد أخذ بهذا الاتجاه تقريبا الفقه السوفيتي. حيث يقول بعض الكتاب الحريق الخطأ بإهمال. فاذا انصرفت إرادة الجاني الى ارتكاب الفعل المكون للجريمة والى احداث النتيجة الجرمية الناشئة عنه توافر عنصر القصد الجنائي واعتبرت الجريمة عمدية كما هو الحال فيما لو اطلق شخص الرصاص على اخر بقصد قتله. اما اذا انصرفت إرادة الجاني الى الفعل فقط دون احداث النتيجة الجرمية اعتبرت الجريمة غير عمدية، كما لو اطلق شخص رصاصة بقصد صيد طير فأصابت إنسانا فقتلته. والحق ان الجرائم العمدية بصورة عامة اشد خطورة على الجماعة من الجرائم غير العمدية بصورة عامة ولذلك جاءت عقوباتها بصورة عامة أشد.

أهمية التقسيم :

ولتقسيم الجرائم الى مقصودة وغير مقصودة أهمية تظهر في النواحي الأتية :

1.من حيث الجريمة الايجابية التي تقع بطريقة الامتناع : ان هذه الجريمة لا يمكن تصورها الا في الجرائم العمدية.

2.من حيث العقوبة : ان العقوبة تختلف في الشدة بين الجرائم المقصودة وغير المقصودة وان اتحد العمل المادي المكون للجريمة فيهما. وتكون عقوبة الجريمة المقصودة اشد من عقوبة الجريمة غير المقصودة. فعقوبة جريمة القتل العمد اشد من عقوبة القتل الخطأ في القانون وكذلك الأمر في جرائم الايذاء والحريق.

3.من حيث الشروع : فان الشروع يتحقق في الجرائم العمدية (الجنايات والجنح منها فقط) دون الجرائم غير العمدية. فان هذه الأخيرة لا يمكن تصور الشروع فيها فهي اما ان تقع تامة أو لا تقع.

________________________

1.انظر في تفصيل ذلك الدكتور محمد مصطفى القللي، المسؤولية الجنائية.

2.انظر فيدال ومانيول ج1 ن112 ص174.الدكتور مصطفى القللي، المرجع السابق ص17 – الدكتور السعيد مصطفى السعيد ص358.

أنواع الجرائم من حيث جسامتها :

تقسم الجرائم تقليديا من حيث جسامتها الى ثلاثة أنواع هي : الجنايات والجنح والمخالفات. فيها الجنايات اكبر جسامة من الجنح وهذه اكبر جسامة من المخالفات. ويكون نوع العقوبة (الأصلية) المقررة قانونا للجريمة او مقدارها بحدها الاقصى هو الذي يلجأ إليه لمعرفة نوع تلك الجريمة من حيث جسامتها. ولذلك قيل ان الجنايات (CRIMES) هي الجرائم المعاقب بعقوبة عليها قانونا بعقوبة جنائية، والجنح (DELITS) هي المعاقب عليها بعقوبة من عقوبات الجنح، والمخالفات (CONTRA VANTION) هي الجرائم المعاقب من عقوبات المخالفات. أي ان جسامة الجريمة تقاس لمعرفة نوعها من حيث جسامتها بمقدار جسامة العقوبة المقررة لها في القانون (1). ويعتبر هذا التقسيم للجرائم من أهم التقسيمات حيث يتخذ اساسا لتطبيق عدد وفير من احكام القانون الموضوعية منها والشكلية. ولذلك أخذت به غالبية قوانين العقوبات الحديثة منها الفرنسي والسويسري (2). والقوانين الحربية ومنها قانون العقوبات العراقي. فقد قسم قانون العقوبات العراقي الجرائم من حيث جسامتها الى ثلاثة أنواع هي : الجنايات والجنح والمخالفات حيث نص في المادة (23) بان : (الجرائم من حيث جسامتها ثلاثة أنواع : الجنايات الجنح والمخالفات). وعرف في المادة (25) الجناية بقوله : (الجناية هي الجريمة المعاقب عليها باحدى العقوبات التالية : (الاعدام – السجن المؤبد – السجن اكثر من خمس سنوات الى خمس عشرة سنة). وعرف المادة (26) الجنحة بقوله : (الجنحة هي الجريمة المعاقب عليها باحدى العقوبتين التاليتين : الحبس الشديد او البسيط اكثر من ثلاثة اشهر الى خمس سنوات. الغرامة، وعرف في المادة (27) المخالفة بقوله : (المخالفة هي الجريمة المعاقب عليها باحدى العقوبتين التاليتين : الحبس البسيط لمدة من اربع وعشرين ساعة الى ثلاثة اشهر، الغرامة التي لا تزيد مقدارها على ثلاثين دينارا).

وهكذا يظهر لنا ان قانون العقوبات العراقي اخذ بالتقسيم الثلاثي لبيان أنواع الجرائم من حيث جسامتها وجعل معيار التمييز بين أنواع الجرائم هي العقوبة المقررة للجريمة في القانون أي العقوبة كما نص عليها القانون بحدها الاقصى لا كما تحكم بها المحكمة. فاذا كان القانون ينص على انه عقوبة الجريمة هي الإعدام او السجن المؤبد او المؤقت فالجريمة جناية واذا كان ينص على ان عقوبتها الحبس عندئذ ينظر الى مدته فان كان حده الاقصى ثلاثة اشهر او اقل فالجريمة مخالفة وان كان مقدارها حده الاقصى اكثر من ثلاثة اشهر فالجريمة جنحة. اما اذا كانت العقوبة هي الغرامة فينظر الى مقدارها. فان كان مقدارها بحدها الاقصى ثلاثين دينارا او اقل فالجريمة مخالفة وان زاد على ذلك فالجريمة جنحة كل ذلك ملاحظا فيه العقوبة كما نص عليها في القانون لا كما حكمت بها المحكمة. فاذا اجتمع في عقوبة جريمة ما الحبس والغرامة فيحدد نوع الجريمة بمقدار عقوبة الحبس المقرر لها في القانون. اما اذا قرر القانون لجريمة عقوبتين سالبتين للحرية فان نوع الجريمة يحدد بنوع العقوبة الاشد المقررة قانونا للجريمة (3). ولا يهم بعد ذلك التسمية التي يطلقها القانون على الفعل المعاقب عليه اذا تعارضت تلك التسمية مع هذه المعايير. اذ العبرة بالمعيار لا بالتسمية لتحديد نوع الجريمة من حيث جسامتها فلو سمى القانون جريمة ما جنحة او مخالفة وعاقب عليها بالاعدام أو السجن المؤبد او المؤقت فهي جناية رغم تلك التسمية. صعوبات تعترض معيار التمييز

قد تعترض المعيار الذي وضعه القانون للتمييز بين الجنايات والجنح والمخالفات بعض الصعوبات أثناء التطبيق بالرغم من بساطته وسهولة تطبيقه منها :

1.حالة يقرر القانون عقوبتين لجريمة واحدة :

ويترك للقاضي خيار الحكم باحداهما على الجاني وقد تكون احدى هاتين العقوبتين مختلفة عن الأخرى في النوع، فما هو نوع الجريمة يا ترى؟ لقد فطن واضع قانون العقوبات العراقي لهذه المسالة فبين حكمها في المادة (23) منه حيث قال (…….. ويحدد نوع الجريمة بنوع الجريمة العقوبة الاشد المقرر لها في القانون). مما يترتب عليه انه اذا نص القانون على ع قوبتين لجريمة واحدة احداهما جنحة والاخرى مخالفة وترك الخيار للقاضي بالحكم باحداهما فتعتبر الجريمة دائما جنحة سواء حكم القاضي بعقوبة الجنحة او بعقوبة المخالفة (4).

2.حالة تخفيف العقوبة لعذر او ظرف مخفف :

قد يكون الفعل، في الاصل، معاقبا عليه بعقوبة الجناية ولكن القاضي يعاقب الجنحة لقيام (عذر قانوني مخفف) EXCUSE ATTEUANTE كحالة تجاوز الزوج زوجته في حالة التلبس بالزنا، او لقيام ظرف قضائي مخفف كحالة تجاوز حدود الدفاع الشرعي الذي يؤدي الى القتل العمد فهل اذا فعل القاضي ذلك يتغير نوع الجريمة من جناية الى جنحة ام ان الجريمة تبقى محتفظة بنوعيتها الأولى (الجناية)؟ من المتفق عليه هو عدم تأثير الاعذار القانونية او الظروف القضائية المخففة على الاختصاص، ذلك ان وجود العذر القانوني او الظرف القضائي المخفف او عدم وجود امر يرجع تقديره الى القاضي أثناء نظر القضية مما يجعل مسألة الاختصاص سابقة من الناحية الزمنية لبحث مسألة وجود العذر القانوني او الظرف القضائي المخفف من عدمه. مما يعني ان القضية يجب ان ترفع أولا أمام قضائها المختص دون النظر او الاهتمام في مسألة وجود العذر او الظروف المخفف من عدمه، وبخلاف مسألة الاختصاص المتفق عليها ذهب الكتاب في الاجابة عن السؤال المتقدم الى ثلاثة اراء هي :

أ – الراي الأول :

ويرى اصحابه ان الجناية تصبح جنحة بمجرد ان توقع على مرتكبها عقوبة الجنحة سواء كان ذلك يرجع لقيام عذر قانوني او ظرف قضائي مخفف حيث لم يفرقوا بين العذر القانوني والظرف القضائي المخفف ويجعلون كلا منهما يؤثر في نوعية الجريمة من حيث جسامتها ما دام قد اخذ به القاضي وطبقه (5).

ب – الراي الثاني :

ويرى اصحابه وجوب التمييز، في هذه الحالة، والتفرقة بين الاعذار القانونية والظروف القضائية المخففة. ففي حالة تخفيف العقوبة بسبب عذر قانوني من عقوبة جناية الى عقوبة جنحة يرون ان وصف الجريمة يتغير أيضاً تبعا لذلك فتصبح الجريمة جنحة بعد ان كانت جناية وبعكس ذلك في حالة تخفيف العقوبة بسبب ظرف قضائي مخفف فان الجريمة تبقى محتفظة بنوعيتها الأولى (جناية مثلا) حتى ولو حكم القاضي، بسبب الظرف القضائي المخفف بعقوبة الجنحة. ويعللون ذلك بقولهم : ان القاضي في العذر القانوني مجبر على التخفيف بحكم القانون لنص القانون عليه واجبار القاضي على الأخذ به والتخفيف بموجبه اما في الظرف القضائي المخفف فان للقاضي حرية الأخذ به وتخفيف العقوبة بسببه او عدم الأخذ به ولذلك فتاثيره غير مؤكد ولا ملزم.

جـ – الراي الثالث :

ويرى اصحابه ان الاعذار القانونية وكذلك الظروف القضائية المخففة جميعا لا تؤثر في وصف الجريمة عندما تتغير عقوبة الجريمة من نوعية والظروف القضائية المخففة. ففي حالة تخفيف العقوبة بسبب عذر قانوني من عقوبة جنائية الى عقوبة جنحة يرون ان وصف الجريمة يتغير أيضاً تبعا لذلك فتصبح الجريمة جنحة بعد ان كانت جناية وبعكس ذلك في حالة تخفيف العقوبة بسبب ظرف قضائي مخفف فان الجريمة تبقى محتفظة بنوعيتها الأولى (جناية مثلا) حتى ولو حكم القاضي، بسبب الظرف القضائي المخفف بعقوبة الجنحة. ويعللون ذلك بقولهم : ان القاضي في العذر القانوني مجبر على التخفيف بحكم القانون لنص القانون عليه واجبار القاضي على الأخذ به والتخفيف بموجبه اما في الظرف القضائي المخفف فان للقاضي حرية الأخذ به وتخفيف العقوبة بسببه او عدم الأخذ به ولذلك فتأثيره غير مؤكد ولا ملزم (6).

جـ – الرأي الثالث :

ويرى اصحابه ان الاعذار القانونية وكذلك الظروف القضائية المخففة جميعا لا تؤثر في وصف الجريمة عندما تتغير عقوبة الجريمة من نوعية الى نوعية أخرى نتيجة وجودها. مما يترتب عليه ان الجريمة تبقى جناية حتى ولو خفضت عقوبتها الى عقوبة الجنحة نتيجة وجود عذر قانوني او ظرف قضائي مخفف (7). حيث يرون ان الاعذار القانونية والظروف القضائية المخففة انما تقرر بالنظر الى شخص الجاني ولا علاقة لها بذات الجريمة.

لقد اخذ بهذا الراي القضاء الفرنسي وكذلك قانون العقوبات العراقي.

حيث جاءت المادة (24) منه تقول : (لا يتغير نوع الجريمة اذا استبدلت المحكمة بالعقوبة المقررة لها عقوبة من نوع اخف سواء كان ذلك لعذر مخفف ام لظرف قضائي مخفف ما لم ينص القانون على غير ذلك). ونحن نفضل الراي الثاني لانه في اعتقادنا الأقرب الى المنطق القانوني السليم.

1. حالة تشديد العقوبة لظرف مشدد :

قد تشدد عقوبة الجريمة بسبب اقترانها بظرف مشدد وقد يؤدي هذا التشديد الى الارتفاع بالعقوبة من عقوبة الجنحة الى عقوبة الجناية فهل ذلك يؤدي الى تغير نوع الجريمة من جنحة الى جناية أيضاً؟ لم يتضمن قانون العقوبات العراقي نصا يبين حكم هذه المسالة. وللاجابة عنها لابد من التمييز بين حالتين :

أ – حالة اقتران الجريمة بظرف قانوني مشدد، وهو الظرف الذي نص عليه القانون وحدده وأوجب تشديد العقوبة عند تحققه، كظرف الاكراه في السرقة. في هذه الحالة من المتفق عليه ان الجريمة يتغير نوعها الى النوع الذي يتناسب مع العقوبة المشددة التي يفرضها القانون بسبب اقتران الجريمة بالظرف المشدد. فجريمة السرقة البسيطة تعتبر جنحة لان عقوبتها كما نص عليها القانون هي الحبس (8)، فان اقترن بها ظرف الاكراه المشدد، تكون عقوبتها السجن مدة لا تزيد عن خمسة عشرة سنة (المادة 442) وعندئذ تصبح جريمة السرقة بإكراه جناية. وسبب ذلك هو أنه لما كان نوع الجريمة من حيث جسامتها انما يحدد بحسب نوع العقوبة المقررة في القانون للجريمة. وحيث انه في حالة الظرف القانوني المشدد نص القانون على وجوب تشديد العقوبة بل وحدد العقوبة المشددة هذه في النص لذلك فان العقوبة المقررة للجريمة المقترنة بظرف قانوني مشدد هي المعيار الذي يحدد نوعية هذه الجريمة من حيث جسامتها.

ب – حالة اقتران الجريمة بظرف قضائي مشدد، وهو الظرف الذي يترك القانون فيه امر تشديد العقوبة الى حرية القاضي واختياره كظرف العود. وفي هذه الحالة، الراي الراجح، هو ان الجريمة تبقى محتفظة بنوعيتها من حيث جسامتها حتى ولو شدد القاضي عقوبتها فارتفع بها الى عقوبة من نوعية أخرى فلو ارتكب المجرم العائد جريمة جنحة ونظرا لذلك حكمت عليه المحكمة بعقوبة جناية فان الجريمة تبقى جنحة ذلك؛ لان عقوبة الجناية هذه جاءت استنادا الى قضاء المحكمة لا امر القانون حيث ان القانون لم يأمر انما منح القاضي حرية الوصول اليها من عدمه.

2. حالة ينص القانون على ان العقوبة هي الغرامة دون ان يحدد حدها الاقصى :

في هذه الحالة تعتبر الجريمة جنحة. ذلك لان عقوبة الغرامة خاصة بالجنح والمخالفات، ولما كان القانون هنا لم يحدد حدها الاقصى فهذا يعني ان القاضي يستطيع الارتفاع بها الى اكثر من ثلاثين دينارا وهو عقوبة الغرامة بالنسبة للمخالفات أي الوصول بها الى حد الجنحة.

3.حالة ان يرتكب الجاني شروعا في جناية او جنحة :

من دراسة نص المادة (31) من قانون العقوبات العراقي الخاصة ببيان عقوبة الشروع في الجريمة يتبين لنا ان عقوبة الشروع في اغلب الجرائم من جنايات وجنح هي نصف عقوبة الجريمة التامة مما يعني انه قد يكون الشروع في بعض الجنايات جنحة والشروع في بعض الجنح مخالفة وذلك فيما اذا كان العقوبة الخاصة بالشروع في الجريمة المرتكبة تطبيقا لنص المادة (31) عقوبات عراقي قد نزلت من عقوبة جناية الى عقوبة جنحة او من عقوبة جنحة الى عقوبة مخالفة.

أهمية التقسيم الثلاثي :

يعد التقسيم الثلاثي، اهم تقسيم للجرائم، اذ يجعله الشارع اساسا للغالب من احكام قانوني العقوبات واصول المحاكمات الجزائية (الإجراءات الجنائية) :

فمن حيث قانون الاجراءات : تظهر في تقدير الشارع ان الجنايات تتطلب اجراءات تحقيق ومحاكمة تحيط بها الضمانات اكثر من غيرها. ويظهر ذلك في الأمور التالية :

أ – من حيث الاختصاص والاجرءات : ينظم قانون أصول المحاكمات الجزائية اختصاص المحاكم في نظم الجرائم. فيجعل الجنايات الخطيرة من اختصاص المحاكم الكبرى، بينما يجعل بقية الجنايات والجنح والمخالفات خاضعة لمحاكم الجزاء الأخرى. مما يترتب عليه ان على قاضي التحقيق مراعاة ذلك عند احالته القضايا على محاكم الجزاء المختصة لاجراء المحاكمة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ان الاجراءات التي تتبع في المرافعات تختلف باختلاف ما اذا كانت الجريمة جناية ام جنحة ام مخالفة (9).

ب – من حيث التقادم : فان مدة التقادم في الجنايات تختلف عنها في الجنح وكذلك في المخالفات.

ومن حيث قانون العقوبات : تظهر في تقدير الشارع ان بعض القواعد القانونية لا تلاءم غير الجرائم الجسيمة وبذلك يقتصر نطاقها على الجنايات فقط او على الجنايات والجنح دون المخالفات. ويظهر ذلك في الأمور التالية :

أ – من حيث احكام الشروع : حيث لا تطبق احكام الشروع، في قانون العقوبات العراقي، الا على الجنايات والجنح فقط. اما المخالفات فلا شروع فيها وبالتالي لا عقاب على ذلك في القانون المذكور.

ب – من حيث تطبيق احكام العود : ان احكام العود في قانون العقوبات العراقي تطبق في الجنايات والجنح دون المخالفات (10).

جـ – من حيث جواز الحكم بالمصادرة : لا تجوز مصادرة الأشياء التي استعملت في ارتكاب مخالفة او المتحصلة منها مخالفة او المتحصلة منها وبخلاف ذلك في الجنايات والجنح حيث يجوز للمحكمة ذلك. ومع ذلك فان الحكم بالمصادرة واجب على القاضي ان يقضي به سواء في الجنايات او الجنح او المخالفات في حالة ما اذا كانت الأشياء موضوع المصادرة مما يعد صنعها او استعمالها او حيازتها او بيعها او عرضها للبيع جريمة في ذاته (11).

د – من حيث جواز الحكم بالمراقبة : يجوز او يجب، حسب الظروف، للمحكمة عند الحكم في جناية او جنحة وبشروط معينة ان تقضي بوضع المحكوم عليه بعد استيفائه للعقوبة المحكوم بها تحت مراقبة الشرطة بينما لا يجوز ذلك في المخالفات (12).

هـ – من حيث تطبيق القانون على ما يرتكبه الوطني في الخارج : حيث اخضع قانون العقوبات العراقي لسلطانه العراقي الذي يرتكب جناية او جنحة في الخارج ويعود الى العراق دون الحكم عليه بسببها دون المخالفات (13).

نقد التقسيم الثلاثي :

لقد واجه التقسيم الثلاثي للجرائم من حيث جسامتها الى جنايات وجنح ومخالفات نقدا شديدا منذ اوائل القرن التاسع عشر مما دفع منذ منتصف القرن المذكور بعض المشرعين الى العدول على الأخذ به (14). ومما قيل في نقده :

1.انه ليس منطقيا :

ذلك لان المنطق يقتضي ان تكون العقوبة من حيث جسامتها ومقدارها هي التي تتبع نوع الجريمة، لا كما هو قائم في التقسيم الثلاثي حيث يرتب هذا التقسيم نوع الجريمة، على العقوبة بالنظر الى طبيعتها ومقدارها.

2.انه تعسفي لا يستند الى أساس علمي :

ذلك لانه قد يؤدي في كثير من الاحيان، الى ان يضع في فئات مختلفة جرائم متحدة في طبيعتها، لاتحاد الفعل الأساس فيها، فالفعل الأساس في السرقة مثلا هو الاختلاس وهو واحد دائما جميع أنواع السرقة غير ان السرقة، حسب التقسيم الثلاثي، قد تكون جنائية فيما اذا احاطت بفعل الاختلاس بعض الظروف الإضافية كالإكراه مثلا وقد تكون جنحة فيما اذا تجرد فعل الاختلاس من مثل هذه الظروف. وقد يؤدي التقسيم الثلاثي الى عكس ذلك. أي الى ان يضع في نفس الفئة جرائم مختلفة في طبيعتها فالقتل الخطأ والسرقة البسيطة ينتميان الى فئة الجنح بالرغم من التباين القائم بينهما. في ضوء هذه الانتقادات للتقسيم الثلاثي للجرائم فصل بعض كتاب المدرسة التقليدية الجديدة وخاصة الكتاب (روسي) ROSSI الأخذ بفكرة التقسيم الثنائي LASSIFICATION BIPARTIE أي تقسيم الجرائم من حيث جسامتها الى فئتين فقط هما الجنح والمخالفات. وتضم فئة الجنح كافة الجرائم التي اوحت بها نية اجرامية وأعني (الجرائم العمدية) كالقتل العمد والسرقة والتزوير في حين تشمل فئة (المخالفات) كافة الجرائم التي تقم من غير نية اجرامية، وأعني الجرائم غير العمدية كالقتل الخطأ والايذاء الخطأ والحريق الخطأ. وهكذا يكون معيار التمييز في هذا التقسيم هو قيام النية الاجرامية – أي عنصر العمد – وليس العقوبة كما هو الحال في التقسيم الثلاثي. وقد لاقت فكرة التقسيم الثنائي هذه اقبالا لدى عدد من التشريعات الجنائية فقد اخذ بها قانون العقوبات الهولندي لعام 1881 والايطالي لعام 1889 والنرويجي لعام 1902 والايطالي الحديث الصادر عام 1930 (15). ومع ذلك فان فكرة التقسيم الثنائي، وان بدت افضل من فكرة التقسيم الثلاثي من الناحية النظرية فهي من الناحية العملية قد تثير بعض الصعوبات منها :

أ – ان فكرة التقسيم الثنائي لا تتلاءم مع تنظيم القضاء الجنائي الذي هو قائم على أساس التقسيم الثلاثي. مما حمل المشرع الايطالي للتوفيق بين ذلك على ان يميز في الجنح بين ذات الخطورة الخاصة ويجعلها من اختصاص محاكم الجنايات وبين الجنح العادية ويجعلها من اختصاص محاكم الجنح.

ب – ان فكرة التقسيم الثنائي تؤدي الى وضع جرائم لا تناسب بينها من حيث الخطورة او الجسامة في فئة واحدة : فما دام معيار التمييز فيه هو عنصر العمد. فجريمة القتل الخطأ وهي جريمة غير عمدية تدخل في فئة واحدة مع جرائم المخالفات غير العمدية بالرغم مما هو قائم بين الاثنين من اختلاف في الجسامة والخطورة. وجريمة السرقة الطفيفة وجريمة القتل العمد مع سبق الاصرار تدخل في فئة واحدة هي فئة الجرائم العمدية بالرغم مما بين الاثنين من تباين من حيث الخطورة والجسامة أيضاً.

________________________________

1-انظر الدكتور علي حسين الخلف، الوسيط، ص274.

2-انظر دونديه ديفاير، ص192 ن 150 – بوزا، ن127 ص143 – فيدا ومانيول ج1 ن69 و70 ص87 – جارسون مادة أولى ن 31.

3-انظر المادة (23) عقوبات عراقي.

4-ومما لابد من الاشارة إليه ان القانون الفرنسي جاء خاليا من نص يبين حكم هذه المسالة لذلك ظهرت اراء في حكمها كان ارجحها في رأينا هو المطالب لراي المادة (23) عقوبات عراقي.

5-ومن هذا الراي هوس، المرجع السابق ج2 ن 1030 – على زكي العرابي، شرح قانون العقوبات القسم العام ص135

6-ومن هذا الراي، جارو، المرجع السابق، ج1 ن 107 ص223 وج2 ن832 – فيدال ومانيول ج1 ن 63 ص49 – جندي عبدالملك ج3 ن19 ص18 – الدكتور علي احمد راشد، ن 207 ص 166، الدكتور محمود نجيب حسني المرجع السابق ن 46 ص56.

7-انظر في تقدير هذه الآراء، كتابنا، الوسيط ص286.

291

8-انظر المادة (446) من قانون العقوبات العراقي.

9-انظر النصوص الخاصة بالتحقيق والمحاكمة في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

10-انظر المادة 139 من قانون العقوبات العراقي.

11-انظر المادة (101) عقوبات عراقي.

12-انظر المادة (99) و(108) من قانون العقوبات العراقي.

13-انظر المادة (10و12) من قانون العقوبات العراقي.

14-انظر قانون العقوبات الايطالي (القديم) الصادر 1889.

15-انظر فيدال ومانيول ج1 ن74 مكرر ص93 – شيرون وبدوي ن 35 ص83.

المؤلف : علي حسين خلف – سلطان عبد القادر الشاوي
الكتاب أو المصدر : المبادئ العامة في قانون العقوبات

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .