متى كان المريض عاقلاً وبالغاً لسن الرشد كانت لديه الحرية الكاملة في ابرام العقد الطبي وقبول تنفيذه، ويبقى المريض متمتعاً بهذه الحرية طوال فترة تنفيذ العقد الطبي ومن ثم له كامل الحرية في قبول أو رفض الدواء أو الجراحة التي يقترحها الطبيب بشأنه. إذ أن المريض عندما يراجع طبيبه يقتضي ذلك إخضاعه لبعض الفحوصات، وهذه الفحوصات قد تكون مبدئية أو تكميلية، فالأولى يخضع لها المريض فور رضائه بابرام العقد الطبي مع الطبيب، أي أنها لا تحتاج إلاّ إلى رضاء المريض الأساسي بابرام العقد الطبي، أما الثانية فلا يصح للطبيب أن يجريها على المريض إلا بعد أن يحصل على رضاء جديد بذلك، أي أن الرضاء الأول لا يكفي، وإذا أراد الطبيب أن يجري فحصاً تكميلياً آخر، فهذا أيضاً يتطلب رضاء جديد آخر من المريض؛ وحتى في مرحلة العلاج يلتزم الطبيب بالحصول على رضاء جديد من المريض لأنه قد لا يقصد برضائه بتشخيص الحالة أي علاج له، إنما رغبةً منه في إثبات حالته الصحية فقط وقد يقصد برضائه بأعمال التشخيص، العلاج فعلاً، إلا أنه لا يقبل العلاج لدى أي طبيب، وقبوله بنوع معين من العلاجات هذا لايمكن وصفه بالعمومية التي تغطي كل فترات العلاج، إنما يتطلب ذلك رضاء خاص بكل علاج على حده، فكل دواء جديد يصفه أو يشير إليه الطبيب يقتضي رضاء المريض به(1). وقد أكد المشرع العراقي(2). على رضاء المريض البالغ وذلك في البند (رابعاً/ ف 5) من الباب الرابع من قانون الصحة العامة الذي جاء فيه: (لا يجوز إجراء عملية جراحية إلا بموافقة المريض ذاته إذا كان واعياً …) كما جاء في تعليمات السلوك المهني في البند (أولاً/ ف1) ما يأتي: (ان كل عمل طبي يجب أن يكون لمصلحة المريض المطلقة ويجب أن يتم برضائه) من خلال هذين النصين اللذين جاء بهما المشرع العراقي يتضح لنا أنه يستلزم ضرورة الحصول على رضاء المريض إلا أنهما لم يكونا دقيقين من الناحية القانونية، وهذا واضح من العبارات التي جاء بها النصان؛ فجاء بقانون الصحة العامة عبارة (إذا كان واعياً) لكن لم يأخذ بعين الاعتبار فرضية كون المريض بالغاً لسن الرشد من عدمه لأنه قد يكون واعياً إلا أنه غير بالغ لسن الرشد، كما قد يكون واعياً إلا أنه غير عاقل هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤخذ على النص الأول أنه اشترط الرضاء في حالة التدخل الجراحي وحده، في حين أن التدخل العلاجي أيضاً يفترض ويشترط فيه رضاء المريض العاقل البالغ.

والسؤال الذي يثار في هذا المجال هو: هل يشترط أن يكون المريض بالغا لسن الرشد القانوني (18) سنة كاملة حتى يعتد برضاه؟! ذهب جانب من الفقه(3). الى القول بانه لا يشترط في هذا الفرض أن يكون المريض بالغا لسن الرشد(18) سنة كاملة كي يعتد برضائه في ابرام العقد الطبي وتنفيذه فيكفي البلوغ وذلك لان الشخص البالغ يكون مكتملا في قواه العقلية والبدنية وهذا يستنتج من إمارات وعلامات محسوسة ظاهرة(4). لا يمكن الاختلاف فيها فيستطيع الطبيب أن يقدرها بنفسه. إذاً، فالعبرة ليس بسن المريض إنما بقدرته على اختيار الطبيب والوسيلة الملائمة لحالته المرضية بهذا فانه يعبر عن حقه الطبيعي في التصرف في جسده ولغاية مشروعة هي التخلص من المرض فيكفي أن يكون المريض قادرا على إدراك ظروفه والمخاطر التي يتعرض لها، فلا أهمية لكونه ناقص الأهلية في نظر القانون(5). إلا أننا نجد أن هذا القول لا يمكن الأخذ به على إطلاقه خاصة أن الأعمال الطبية متنوعة ومتعددة، فهناك الأعمال الطبية البسيطة والأعمال المنطوية على خطورة بالغة، فضلاً عن هذا فان بعض الأعمال الطبية يقوم بها الأطباء دون مقابل (أجرة) أي لا يلتزم المريض بشيء تجاه الطبيب في حين أن البعض الآخر من الأعمال الطبية لا يقدمها الأطباء للمرضى مالم يحصلوا على المقابل. تأسيسا على هذا لابد أن نميز بين حالتين:

الأولى: إذا كانت الأعمال الطبية من النوع البسيط الذي لا ينطوي على مخاطر تضر بصحة الإنسان وتقدم بصورة مجانية فانه يكفي البلوغ(6). في هذه الحالة للاعتداد برضاء المريض في ابرام العقد الطبي وتنفيذه لانه لا يلتزم بشيء.

الثانية: إذا كانت الأعمال الطبية من النوع الخطير على صحة الإنسان ولا تقدم للمرضى الا بمقابل فانه لا يكفي البلوغ وحده للاعتداد برضاء المريض، بل لابد من أن يكون بالغا لسن الرشد القانوني وهو(18) سنة كاملة كما حدده مشرعنا.

لذلك نأمل من مشرعنا ايراد نص بهذا الخصوص يقضي فيه بما يأتي:

(1. لايجوز إجراء أي تدخل علاجياً كان أم جراحياً إلا بعد الحصول على رضاء المريض المستنير مع الأخذ بنظر الاعتبار ما يأتي:

أ. من اجل الاعتداد برضاء المريض يجب أن يكون بالغاً لسن الرشد اذا كان العمل الطبي من النوع الخطير ويقدم بمقابل.

ب. يكفي البلوغ اذا كان العمل الطبي من النوع البسيط ويقدم دون مقابل.

2. إذا كان التدخل الطبي جراحياً، فيجب على الطبيب أن يحصل على الرضاء المكتوب للمريض).

فالنص المقترح جاء دقيقاً من الناحية القانونية وذلك للأسباب الآتية:

1. لأنه جاء بصيغة أكثر شمولية من النص الذي جاء فيه قانون الصحة العامة وتعليمات السلوك المهني، إذ شمل نوعي العمل الطبي العلاجي والجراحي.

2. أنه لم يشترط رضاء المريض المجرد، وإنما الرضاء الصادر عن إرادة مستنيرة أي سبق الرضاء بالتبصير، وهذا أمر ضروري في تنفيذ العقد الطبي.

3. كما تكمن دقة النص بالفقرتين (أ، ب) التي جاء فيهما فمن أجل أن يستطيع المريض أن يُّعبر عن إرادته برضائه بالتدخل الطبي سواءً في ابرام العقد الطبي أو في تنفيذه لابد أن يكون بالغاً لسن الرشد في الفروض التي يكون فيها العمل الطبي منطوياً على مخاطر في صحته واكتفى بالبلوغ اذا كان العمل الطبي من النوع البسيط الذي لا ينطوي على مخاطر ويقدم بطريقة مجانية.

4. كما أكدت الفقرة (ب) من النص المقترح على مسألة في غاية الأهمية وهي عندما يكون المريض عاقلاً وبالغاً لسن الرشد يكفي رضاؤه الشفوي لابرام العقد الطبي، أما تنفيذه فيجب أن يميز بين فرضين، الأول: إذا كان التدخل علاجياً فيكفي فيه الرضاء الشفوي،الثاني: إذا كان التدخل الطبي جراحياً فلابد من الرضاء المكتوب لتنفيذ العقد الطبي لأن ذلك يضفي على عمل الطبيب نوعاً من المشروعية كما أنه يعد بمثابة الضمانة لطرفي العقد الطبي.

كما أكد المشرع المصري بقانون أخلاقيات المهنة على ضرورة الحصول على رضاء المريض في المادة (30) التي جاء فيها: (للطبيب الجراح الحق في … مراعياً ما أمكن رغبة المريض أو ذويه). والبادي لنا أن هذا النص ليس دقيقاً من الناحية القانونية لأنه أولاً اشترط على الطبيب الجراح وحده مراعاة رغبة المريض أو ذويه ولا نعلم إن كان يقصد بالرغبة الرضاء أم غيره؟! وان قصد بذلك الرضاء فهو لا يشترط بالحصول عليه من قبل الطبيب الجراح وحده إنما يشترط ذلك من أي طبيب يمارس العمل الطبي العلاجي أو الجراحي!! كما أكد الدستور الطبي الأردني ذي الرقم (13) لسنة 1972 على رضاء المريض في المادة الثانية إذ جاء فيها:

(كل عمل طبي يجب أن يستهدف مصلحة المريض و … وأن يتم برضائه ورضا أمره إن كان قاصراً أو فاقداً لوعيه). فما جاء به المشرع الأردني جدير بالثناء لأنه شمل كل الأعمال الطبية العلاجية والجراحية وهذا واضح من عموم النص بعبارته (كل عمل طبي) لأن هذه الأعمال بأنواعها لا يمكن إجراؤها إلا بعد الحصول على رضاء المريض. كما أشارت المادة السابعة من قانون نقابة أطباء لبنان على أنه: (على الطبيب أن يحترم دائماً إرادة المريض، وإذا كان وضع هذا المريض لا يسمح بالتعبير عن إرادته يجب إعلام ذويه…)(7). كما نصت المادة (44) من مدونة أخلاقيات الطب الجزائري على ما يأتي: (يخضع كل عمل طبي … لموافقة المريض موافقة حرة ومتبصرة أو لموافقة الأشخاص المخولين منه أو من القانون). بهذا حسناً قد فعل المشرعان اللبناني والجزائري في اعتبار الحصول على رضاء المريض الصورة المثلى لاحترام إرادته. ونصت المادة (22) من قانون المهن الصحية اليمني على أنه: (يتم إجراء العمليات الجراحية للمريض بعد إعطائه المعلومات الضرورية عنها وأخذ موافقته كتابياً …). نجد أن هذا النص هو الآخر محل نظر، لأنه تطلب الحصول على رضاء المريض في نطاق العمليات الجراحية وحدها وهذا ينافي الواقع العملي لآداب مهنة الطب، إذ إن الرضاء مطلوب ومشروط في تنفيذ العقد الطبي وبكل الأعمال الطبية علاجيةً كانت أم جراحية إلا أنه أصاب في اشتراطه للرضاء المكتوب بنطاق العمليات الجراحية دون العلاجية لأن اشتراط ذلك في الأخيرة يعدّ قيداً على حرية الطبيب. أما عن موقف المشرع الفرنسي، فقد قضت المادة (16/ف 3) من القانون المدني بانه يمكن التجاوز على كمال الجسد البشري لأغراض علاجية ولكن بشرط الحصول على الموافقة المسبقة للمريض على ذلك حيث نصت على انه: (لايمكن الاعتداء على سلامة جسم الانسان إلا في حالة الضرورة العلاجية التي تتطلبها حالة ذلك الشخص بعد الحصول على رضاه المسبق……..). وبهذا نلاحظ أن جميع القوانين المقارنة قد اتفقت مع بعضها بنقطة واحدة ألا وهي اشتراط رضاء المريض لكل عمل طبي يقوم به الطبيب دون أن تحدد سناً معيناً للاعتداد بهذا الرضاء، لكن ثمة أسئلة تدور في الأذهان وهي: هل يحق للمريض رفض العلاج أو التدخل الجراحي باعتباره كاملاً للأهلية ويُّعتد بارادته؟! وهل يُّعد امتثال الطبيب له بذلك احتراماً لإرادته؟! فهناك بعض المرضى يرفضون التدخل الطبي علاجياً كان أم جراحياً إما لأسباب مادية أو لمعتقداتهم الدينية التي تأبى ذلك. فبالنسبة لموقف المشرع العراقي والمصري والأردني واليمني، فقد سكتت هذه القوانين عن هذا الموضوع، إلا أن المشرع اللبناني أشار في المادة (الخامسة) من قانون نقابة الأطباء على أنه: (في حالة رفض المريض العلاج يحق للطبيب التوقف عن متابعته وإذا تبين له أن المريض في خطر، عليه أن يبذل جهده لإقناعه بالعلاج وعند الاقتضاء يقوم باستشارة طبيب آخر أو أكثر لهذه الغاية). كما نصت المادة (27/ف7) من قانون الآداب الطبية اللبناني على أنه: (إذا رفض من تحظر عليهم معتقداتهم إجراء التلاقيح المفروضة من السلطات الصحية المختصة وجب على الطبيب وضعهم أمام مسؤولياتهم وإبلاغ السلطات بذلك). ونصت الفقرة (الثامنة) من المادة نفسها على أنه: (إذا رفض من تحظر عليهم معتقداتهم نقل الدم وجب على الطبيب احترام مشيئتهم إلا في حالة الخطر الداهم، إذ يجب عليه وبعد الحصول على إذن السلطات القضائية المختصة أن يعمل بما يفرضه ضميره المهني متحملاً مسؤولياته الكاملة). يتضح لنا من هذه النصوص أنه إذا رفض المريض العلاج المزمع إعطاؤه اياه، فان ذلك يعطي للطبيب الحق بالتوقف عن ذلك احتراماً لإرادته باعتباره كامل الأهلية ويعي ويقدر نتائج ما يطلبه فهذا دليل على خصوصية الرضاء في تنفيذ العقد الطبي، لان رضاء المريض بتشخيص حالته لايعني ذلك رضاه بالعلاج، فقد يتم تشخيص حالته الا انه لا يرضى بعلاج معين، وإذا رضى بالعلاج فانه قد لا يرضى بالعلاج لدى الطبيب المعروضة أمامه الحالة المرضية، لكن إذا كان توقف الطبيب عن تقديم خدماته الطبية يعرض المريض للخطر، فعليه أن يبذل قصارى جهده لإقناعه، أما إذا كان سبب الرفض راجعاً لمعتقدات دينية(8). فان الطبيب بمثل هذه الفروض يقف حائراً بين اعتبارين لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، لأن المعتقدات الدينية للشخص يجب احترامها مطلقاً، فالرفض الناشئ عن المعتقدات الدينية يصدر عن أشخاص على وعي وإدراك تامين بما يفعلونه، كما يجب المحافظة على سلامة الجسم من الأمراض وهذا لا يكون إلا بقبول العلاج وفي الوقت نفسه على الطبيب احترام إرادة مريضه بقبول العلاج أو رفضه، فأيهما يرجح على الآخر، احترام المعتقدات الدينية للمريض؟! أم المحافظة على صحته بضرورة التدخل الطبي؟! في هذا المجال نجد من الضروري وضع مبدأ عام بهذا الخصوص يقضي بضرورة احترام إرادة المريض برضاه بنوع التدخل الطبي من عدمه إلا إذا كان هناك خطر داهم يهدد حياة الشخص لأن احترام إرادة المريض، وضرورة الحصول على رضائه يجب أن لا يتعارض مع مصلحته، وإن حصل تعارض؛ فالأولوية لمصلحة المريض لأن الطبيب يُخيَّر بين سلامة المريض البدنية واحترام إرادته فلابد من تقديم سلامته على احترام إرادته. ومع تأييدنا لموقف المشرع اللبناني بهذا الخصوص إلا أن هناك مأخذاً على نص المادة (27/ف8) إذ أنها اشترطت الحصول على إذن السلطات القضائية المختصة في الأحوال التي يرفض المريض العلاج لمعتقداته الدينية وكان الخطر يداهم حياته، إذ أنها لم تميز بين الأحوال العادية للتدخل الطبي، والأحوال الطارئة أو ما يسمى بحالة الضرورة لأنه بامكان الطبيب أن يحصل على إذن السلطات القضائية في الأحوال الاعتيادية ويتعذر عليه ذلك في حالات الضرورة فكان من الأولى التمييز بين الحالتين. كما أن المشرع الجزائري اشترط في المادة (49) من مدونة أخلاقيات الطب على المريض بتقديم تصريح كتابي في حالة رفضه للعلاج الطبي وذلك كي لا تقع المسؤولية على الطبيب وهو أمرٌ جدير بالثناء أيضاً. أما عن موقف المشرع الفرنسي فلم ينظم هذه المسألة، في حين أن الفقه(9). انقسم إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول:

يرى أن رفض المريض للعلاج إذا كان راجعاً لمعتقداته الدينية يلزم ذلك الطبيب باحترام إرادته بغض النظر عن النتيجة المترتبة على ذلك، أي حتى لو كان الثمن هو وفاة المريض على اعتبار أنه يملك الأهلية الكاملة التي يستطيع من خلالها تقدير نتائج طلبه هذا ذلك يعني أن رضاء المريض في ابرام العقد الطبي لا يغطي الرضاء الواجب الحصول عليه في تنفيذه، إلا أن هذا الاتجاه لم يأخذ بنظر الاعتبار ما تفرضه أخلاقيات مهنة الطب على المريض من الحفاظ على أرواح المرضى كونها أمانة بيده.

الاتجاه الثاني:

ويذهب إلى عدم الاعتداد بارادة المريض في هذه الحالة لأنها تصدر من شخص لا يدرك حقيقة النتائج التي تترتب على رفضه، وهذا ما نؤيده. أما عن القضاء الفرنسي فقد قضت محكمة النقض الفرنسية في 30/10/1974 في قرارٍ لها مقتضاه، أن أحد الأشخاص وهو من جماعة يهودية، ذات معتقد ديني يحرم نقل الدم إليه، فبعد إصابته بحادث سير ونقله إلى المستشفى تبين أنه قد أصيب بنزيف داخلي شديد يستدعي ذلك إخضاعه لعملية نقل الدم وعلى الفور، إلا أنه رفض وباصرار، لأن معتقداته ترفض ذلك مطلقاً بالرغم من تبصيره بخطورة رفض هذه العملية مما أدى إلى وفاته، فقضت المحكمة بعدم مسؤولية الطبيب باعتبار أن رفض المريض العاقل البالغ الواعي يُّعد سبباً كافياً لعدم قيام مسؤولية الطبيب، لاحترامه لإرادة مريضه(10). ومع تقديرنا لموقف محكمة النقض الفرنسية إلا أنه يبقى محل نظر، إذ أنه من الأولى قيام مسؤولية الطبيب تجاه مريضه لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار المبدأ الذي يفرض على الأطباء الالتزام به وهو احترام ارادة المريض إلا إذا كان هناك خطر يهدد حياة الشخص لأن رفض الشخص لعملية نقل الدم وعدم توافر طريقة بديلة لمعالجة حالته يعرضه إلى الوفاة، وهذا الذي حصل بالفعل، فكان الأولى بالطبيب أن يوازن بين أمرين:

الأول: احترامه لإرادة المريض.

والثاني: المحافظة على سلامته البدنية؛ مع الأخذ بنظر الاعتبار ترجيح الأمر الثاني على الأول عند الاقتضاء.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن القضاء الأمريكي كان له دور في هذا المجال، فقد قضت المحكمة الفيدرالية العليا في قرار(11). لها مقتضاه أن مريضاً بالغاً رفض الخضوع لعملية نقل الدم نظراً لانتسابه إلى طائفة المورموني التي يحظر عليها عمليات نقل الدم أو المساس بجسم الإنسان وقد أقرت المحكمة بأن حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية يجب ألا تتعارض مع حق الدولة في الحفاظ على صحة المواطنين وأمنهم وحياتهم ورفاهيتهم، وللدولة الحق في اتخاذ جميع الوسائل والإجراءات التي تكفل تحقيق هذه الأهداف، وقضت بأن للمحاكم سلطة فرض
القرار الطبي. كما قضت محكمة ولاية نيوجرسي في قرارٍ(12). لها تتلخص وقائعه بأن سيدة حاملاً تعرضت لخطر الإجهاض ومع ذلك رفضت مباشرة العلاج لأن عقيدتها تحظر مثل هذا التدخل إذ جاء في القرار: (لا يجوز للأم أن ترفض التدخل العلاجي متى كان ذلك ضرورياً للابقاء على الجنين إذ أن حياتها قد امتزجت بحياة آخر وليس لها أن تنكر حقه في الحياة). وبهذا نلاحظ أن القرارات التي جاءت بها المحاكم الأمريكية كانت أدق من الناحية القانونية من القرارات الصادرة عن القضاء الفرنسي على الرغم من أنها تجاهلت رضاء المريض في تنفيذ العقد الطبي، إذ أقرت الأولى بحق الشخص في رفض العلاج استناداً إلى معتقداته الدينية ما لم يكن رفض العلاج يفوت فرصة الشفاء له. من كل ما تقدم نأمل من مشرعنا تنظيم هذه المسألة وايراد نص خاص يقضي بـ:

(1. للطبيب الحق في تجاهل ارادة مريضه إذا كان الامتثال لها يعرضه إلى خطر يهدد حياته.

2. عند الاقتضاء يلتزم الطبيب بترجيح مصلحة المريض على إرادته).

ان ايراد مثل هذا النص يعد أمراً ضرورياً وذلك للأسباب الآتية:

1. ان النص المقترح أعطى للطبيب حقاً بتجاهل إرادة مريضه دون قيام مسؤوليته إذا كانت الغاية من ذلك هي تحقيق مصلحة المريض.

2. كما منح النص المقترح الطبيب الحق في الأحوال التي يقف فيها حائراً بين احترامه لإرادة المريض وضرورة القيام بالعمل الطبي؛ من ترجيح مصلحة المريض على إرادته.

هذا كله في الأحوال التي يكون المريض فيها عاقلاً بالغاً واعياً لكن كيف يعبر المريض عن إرادته إذا كان عاقلاً بالغاً إلا أنه فاقدٌ لوعيه؟! إن غالبية القوانين المقارنة اهتمت بتنظيم حالات فقدان الأهلية بسبب السن أو الحالة العقلية(13).الا أنها أهملت حالة انعدام الأهلية الناشئة عن فقدان الوعي بصورة مؤقتة بسبب المرض مثلاً أو على أثر حادث أو نتيجة التخدير. فمثلاً لو تعرض الشخص البالغ العاقل لحادث دهس تسبب بفقدان وعيه، هل يستطيع الطبيب أن يفرض إرادته على إرادة هذا المريض؟! بهذا الخصوص نرى أن الطبيب لا يستطيع أن يفرض إرادته على إرادة المريض العاقل الفاقد لوعيه بصورة مؤقتة؛ وإنما عليه أولاً احترام إرادة مريضه، فاذا كان بامكان المريض التعبير عن ارادته برضائه في تنفيذ العقد الطبي فبه، أما إذا تعذر عليه ذلك فهنا يحتم الأمر التمييز بين حالتين:

الأولى: إذا كانت حالة المريض لا تحتمل التأخير، أي تدخل تحت نطاق حالة الضرورة والاستعجال، ففي هذا الفرض ما على الطبيب إلا فرض ارادته على إرادة مريضه مراعاةً لمصلحة المريض(14).

الثانية: إذا كانت حالة المريض تتحمل التأخير نوعاً ما، كأن تتحمل حالته توقف التدخل الطبي لحين الحصول على رضاء من يمثله فانه بامكان الطبيب أن يوقف التدخل الطبي من أجل الحصول على رضاء من ينوب عن المريض لتنفيذ العقد الطبي.

أما عن التساؤل الذي قد يطرح في هذا المجال هل يعد من قبيل احترام إرادة المريض الانصياع إلى طلبه في قتله في الأحوال التي لا أمل للشفاء منها؟! فقد يصاب الإنسان في مرض يرى الطبيب وفقاً لمعطيات طبية مؤكدة أنه لا أمل للشفاء منه ويستحيل معه عودة المريض إلى حياته الطبيعية الأخرى، فيطلب المريض من طبيبه وضع حد لحياته بدافع الشفقة والرحمة(15). فالطبيب في مثل هذا الفرض يقف حائراً بين أمرين:

الأول: من الواجب عليه احترام إرادة مريضه.

الثاني: الالتزام بما تفرضه عليه مهنته من المحافظة على صحة المرضى وأرواحهم لأنها أمانة بين يديه.

فإنْ إحترم الطبيب إرادة مريضه البالغ ووافقه على وضع حد لحياته برضائه، ألا يّعدُ ذلك عملاً جنائياً؟! أما إذا التزم الطبيب بواجبات المهنة فانه سوف يترك المريض معرضاً للآلام الناتجة عن مرض مميت لأن النتيجة الطبيعية له هي الموت، فما الحل في مثل هذا الفرض؟! لابد من أن نبين موقف القوانين المقارنة، والفقه فضلاً عن موقف القضاء بهذا الشأن. ان موقف المشرع العراقي(16).واضح من هذه المسألة إذ قضى في البند عاشراً من تعليمات السلوك المهني ما يأتي: (يُّعد قتل المريض في مثل هذه الظروف جناية قتل ولو يتم ذلك بطلب منه وبرضاه). يتضح لنا من هذا النص أن موت الرحمة هو مساهمة الطبيب بانهاء حياة المريض المصاب بأمراض مستعصية وغير قابلة للشفاء مما يجعل بقاء المريض عبئاً ثقيلاً على نفسه قبل المحيطين به، فيلجأ المريض برضاه إلى طبيبه طالباً منه وضع حد لحياته، أو قد يلجأ ذووه إلى ذلك الطلب؛ فهل يُّعد ذلك أمراً مشروعاً؟! بالتأكيد أنه أمر غير مشروع، بل هو جريمة يعاقب عليها القانون(17). لأن القتل الرحيم ينافي القانون والأخلاق في الوقت نفسه، فمن واجب الطبيب أن يبذل قصارى جهده للمحافظة على أرواح المرضى وبامكانه في مثل هذه الفروض إعطاء المريض المسكنات اللازمة لحين أن تنتهي حياته بشكلها الطبيعي وتسلم إلى الخالق تبارك وتعالى. فالمريض في هذا الفرض كانت لديه القدرة على التعبير عن إرادته برضاه في ابرام العقد الطبي والخضوع للفحوصات الطبية اللازمة، وما على الطبيب إلا الاعتداد بذلك، لكن الأمر يقف عند هذا الحد إذ ليس بامكان الطبيب أن يقوم بتنفيذ العقد الطبي الذي محله (القتل) لأن ذلك يخالف القانون وأخلاقيات مهنة الطب، فمن حقه إذاً أن يتجاهل رضاء المريض في هذا الفرض وهذا لا يعرضه للمساءلة القانونية. أما عن موقف القوانين المقارنة الأخرى(18). فهي لا تختلف كثيراً عن موقف مشرعنا(19). فقد أشار الدستور الطبي الأردني في المادة الثالثة منه على أنه: (لا يجوز إنهاء حياة مريض مصاب بمرض مستعصٍ غير قابل للشفاء ومهما رافق ذلك من آلام سواء ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر ماعدا موت الدماغ…) كما نصت المادة (27/ ف10) من قانون الآداب الطبية اللبناني على أنه: (إذا كان المريض مصاباً بمرض ميؤوس من شفائه تنحصر مهمة الطبيب بتحقيق آلامه الجسدية والنفسية باعطائه العلاجات الملائمة للحفاظ قدر الإمكان على حياته). وحتى المشرع الفرنسي في موقفه بهذا الخصوص لا يختلف كثيراً عن موقف مشرعنا والتشريعات الأخرى المقارنة، إذ لا يوجد فيه ما يسمى بنظام القتل إشفاقاً، والطبيب ملزم ببذل كل الجهود لمعالجة المريض وبعكسه يعد القتل إشفاقاً عملاً إجراميا(20). إلا أن الفقه الفرنسي انقسم إلى اتجاهين بهذا الخصوص:

فالاتجاه الأول: ذهب إلى تأييد فكرة القتل برضاء المريض واعتبر ذلك فعلاً غير معاقب عليه لأن الطبيب هنا ليس لديه نية الايذاء، إنما نية إنقاذ المريض وتخليصه من الآلام التي يعاني منها فيقوم بذلك احتراماً لإرادة المريض(21). إلا أن هذا الاتجاه سرعان ما فقد أهميته وتهاوى أمام

الاتجاه الثاني: المعاكس له والذي أضفى على قيام الطبيب بالانصياع لمريضه بقتله إطاراً جرمياً(22). وبالتأكيد هذا هو الراجح.

إذاً فكل القوانين المقارنة رجحت ابتعاد الطبيب عن ارتكاب عمل جرمي وذلك بالانصياع رغبة المريض الميؤوس من شفائه بقتله إشفاقاً وإن كان عاقلاً بالغاً واعياً لما يطلبه، وهذا لا يعرض الطبيب للمسؤولية بحجة عدم احترامه لإرادة المريض، إنما يفرض ذلك التزاماً عليه بمراعاة أخلاقيات وآداب مهنة الطب وأن يقوم بأعطاء مريضه المسكنات اللازمة لحين تسليم حياته لبارئها لأنه قد يكون هناك خطأ في الفحوصات والتشخيص. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي ولاية كاليفورنيا هناك ما يسمى بوثيقة إرادة الحياة(23). وبموجب هذه الوثيقة يعبر الشخص عن إرادته وهو مكتمل الصحة والإرادة في رفض إطالة حياته إذا ما أصيب مستقبلاً بمرض لا أمل في الشفاء منه في اللحظات التي لا يستطيع معها اتخاذ مثل هذا القرار. وتتضمن هذه الوثيقة توقيع المريض نفسه مع حضور شاهدين من غير الأقارب أو ممن لهم حصة في تركته، ومدة هذه الوثيقة هي خمس سنوات تبدأ من تاريخ تحريرها وهي تصدر عن إرادة حرة واعية من المريض ولا يجوز أعمالها إلا بناءً على تقرير طبي موقع عليه من طبيبين يقضي باستحالة عودة الشخص إلى حياته الطبيعية وأنه لا أمل في شفائه على أن تصدر هذه الوثيقة قبل تشخيص المرض باسبوعين على الأقل. وهذا ما أيده جانب كبير من الفقه الأمريكي(24). إذ اعتبر أن موت الشفقة هو بمثابة راحة اختيارية ايجابية بوضع المريض حداً لمعاناته وآلامه التي لا أمل في شفائه منه. وهذا ما قضت به محكمة استئناف فلوريدا في قضية تتلخص وقائعها بأن سيداً يبلغ من العمر 73 عاماً أصيب بمرض في الجهاز التنفسي منعه من التنفس، فطلب المريض رفع كل الأجهزة عدة مرات لإنهاء حياته فقضت المحكمة بـ:

(أن الحق في الخصوصية يعطي للمريض حرية الاختيار واتخاذ القرار ما دام أنه يملك القدرة على التعبير عن إرادته في رفض العلاج(25). كما قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية بقرار(26). لها صدر في 25/6/1990 بأنه يمكن للمريض الميؤوس من شفائه رفض العلاج الطبي الحافظ للحياة مادامت السيدة (كروزان) لا ترغب في الاستمرار بالعلاج في ظل حالتها الميؤوس من شفائها فأصدرت المحكمة العليا قراراً بقطع العلاج عن المريضة، وبهذا توفيت السيدة كروزان بعد وقف العلاج عنها، فهذا القرار أكد على حق المريض المكتمل الأهلية برفض العلاج الطبي ويمكن قطع العلاج عنه وهو فاقد الأهلية إذا أثبت أن ذلك برغبته وهو في كامل أهليته. فمع تقديرنا لموقف الفقه والقضاء الأمريكيين لكنه يبقى محل نظر، فصحيح أنه يجب احترام إرادة المريض إلا أن هذه المسألة لها حدود إذ لا يمكن أن تصل إلى حد القتل، لأن ذلك يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية والقانون والأخلاق وحتى المنطق، فلا يجوز قتل المريض مهما كانت الأسباب إنما يجب على الطبيب -كما قلنا سابقاً- أن يعمل على تسكين آلام مرضاه، لأنه لو أجيز ذلك للطبيب فان الثقة بين طرفي العقد الطبي قد تتعرض لأخطار الشك والخوف، وهذا كله ينعكس بالسوء على نفسية المريض فيخاف الطبابة ويمتنع عن عرض نفسه على الأطباء مهما تعاظم مرضه(27). وفي هذا الصدد يثار التساؤل الآتي: إذا كان الشخص عاقلا بالغا لسن الرشد ولديه الرغبة في تغيير جنسه(28). من ذكر إلى أنثى أو العكس، فهل يلتزم الطبيب باحترام إرادته ورضاه هذا؟! للإجابة عن ذلك، وأمام غياب النص التشريعي سواء لدى المشرع العراقي أو حتى لدى القوانين محل المقارنة يمكن الاجتهاد والتمييز بين حالتين كي نصل إلى مدى فعالية رضاء المريض بمثل هذا التدخل الطبي :

الحالة الأولى:

إذا كانت الغاية من إجراء عملية تغيير الجنس هو غاية علاجية ،لان الشخص يجمع بين صفات الأنوثة، والذكورة في آن واحد مع تغليب صفات الأنوثة على الذكورة أو العكس وثبوت ذلك بالفحوصات الطبية الدقيقة ، فان من حق الشخص هنا ان يلجأ إلى الأطباء الاختصاصيين في هذا الجانب كي يعيش حياته كبقية الأشخاص الآخرين الأصحاء، وبمعنى آخر أن الطبيب في هذا الفرض يكون ملزما باحترام إرادة ورضاء المبتلى بمثل هذه الحالة، أي بمعنى أن الطبيب في هذه الحالة سوف يعتد برضاء المريض في ابرام العقد الطبي وتنفيذه وبعكسه سوف يعد ممتنعاً عن تقديم خدماته الطبية لمن هو بحاجة اليها ومن ثم سوف يتعرض للمساءلة القانونية.

الحالة الثانية:

إذا كانت الغاية من إجراء عملية تغيير الجنس تفتقد للقصد العلاجي فهنا لا يمكن للأطباء مباشرة هذا العمل الطبي حتى وان توافر فيه شرط أساسي من شروط إجرائه وهو رضاء المريض بذلك ،ومتى قام الأطباء بمثل هذا العمل، فان فعلهم هذا يعرضهم للمسؤولية وذلك لمخالفته لقواعد النظام العام والآداب العامة التي تقر مبدأ معصومية الجسد وعدم المساس به حتى وان تم ذلك برضاء الخاضع للعمل الطبي ذاته، فالطبيب اعتد برضاء هذا الشخص في ابرام العقد الطبي والخضوع للفحوصات الطبية اللازمة وتجاهل رضاءه في تنفيذ هذا العقد كون محله عملاً غير مشروع ومخالف للنظام العام والآداب العامة. لذلك نأمل من مشرعنا تنظيم هذه الحالة بنص قانوني يقضي بـ : (إذا كان العمل الطبي المزمع القيام به هو تغيير الجنس فعلى الأطباء ان يأخذوا بعين الاعتبار حالتين: أ. إذا كانت الغاية من تغيير الجنس علاجية، فعلى الطبيب القيام بالإجراءات الطبية اللازمة وبرضاء المريض نفسه أو برضاء من يمثله. ب. إذا كانت الغاية من تغيير الجنس تفتقد للقصد العلاجي فعلى الطبيب الامتناع عن القيام بذلك ولو برضاء المريض أو برضاء من يمثله لمخالفة هذا العمل لقواعد النظام العام والآداب العامة). تأسيساً على ما تقدم فان الطبيب لا يستطيع أن يقوم بأي عمل طبي ما لم يحصل على رضاء المريض، ولكن هنالك بعض الأعمال يحظر على الأطباء القيام بها بالرغم من رضاء الخاضعين لها وهي، القتل إشفاقاً، وتغيير الجنس لأغراض غير علاجية.

يتضح لنا من كل ما تقدم، أن المريض متى كان عاقلاً بالغاً لسن الرشد كان له الحق في ابرام ما شاء من عقود سواء أكانت هذه العقود نافعة نفعاً محضاً أم ضارة ضرراً محضاً أو دائرة بين النفع والضرر، ومتى وجد أن صحته بحاجة إلى تدخل طبي من اجل المحافظة على سلامة جسده من الأمراض، كان له الحق في مراجعة الأطباء الاختصاصيين في هذا الجانب وما على الطبيب إلا الاعتداد برضاء المريض عند ابرام العقد الطبي لكن إذا أُبرم العقد بين الطبيب والمريض، وفي مرحلة تنفيذه وجد الطبيب أن الحالة المرضية المعروضة أمامه تقتضي فرض نوع معين من العلاج، في هذا الفرض لابد من الحصول على رضاء المريض من اجل تنفيذ العقد الطبي، فاذا حصل الطبيب على الرضاء فبه، وإن لم يحصل بطلَّ العقد لأن الطبيب لا يستطيع المساس بجسم الإنسان مالم يحصل على رضاء المريض بذلك لأن الرضاء الصادر من المريض عند ابرام العقد الطبي لا يقوم مقام الرضاء المطلوب عند تنفيذه، باستثناء بعض الحالات التي تكون فيها حياة المريض في خطر إذ يفرض الطبيب العلاج دون اعتداد برضاء الخاضع له. ولكن قد يحصل في حالات أخرى أن يبرم المريض العقد مع طبيبه وهو عاقل وبالغ لسن الرشد إلا أنه يفقد وعيه بعد ذلك، ففي هذا الفرض لا يستطيع الطبيب أن يقوم بأي عمل طبي ما لم يحصل على الرضاء اللازم لتنفيذ العقد الطبي وهنا نميز بين حالتين:

الأولى: إذا كانت حالة المريض لا تحتمل التأخير فيقوم الطبيب باتخاذ التداخلات الطبية اللازمة دون الاعتداد برضاء المريض.

الثانية: إذا كانت حالة المريض تحتمل التأخير فبامكان الطبيب أن ينتظر عودة المريض إلى وعيه كي يحصل على رضاه في تنفيذ العقد الطبي.

وفي أحيان أخرى قد يبرم العقد مع الطبيب لكن عند تنفيذه قد يطلب المريض من الطبيب القيام بأعمال طبية غير مشروعة كأن يطلب إنهاء حياته بعد أن يرى أن حالته لا أمل في الشفاء منها، أو أن يطلب تغيير جنسه.

______________________________

– د. مجدي حسن خليل، المصدر السابق، ص18.

2- جاء في مشروع الدستور الطبي العراقي في البند (ثالثاً/ ف6) منه ما يأتي:

(في حالة الفحوص التشخيصية التي تحتاج إلى تداخل جراحي أو تخدير أو زرق المواد الملونة (الفحوص الغازية …) يكون من واجب الطبيب شرح ما يجري من فحص وفائدته للمريض مع أخذ موافقة المريض الواعي العاقل…).

وجاء في البند (رابعاً/ ف3) ما يأتي:

(عند الحاجة إلى تداخل جراحي للمعالجة، على الجراح أن يشرح للمريض سبب هذه الحاجة … ومن الضروري استحصال موافقة المريض الواعي والراشد خطياً على إجراء العملية على ورقة …)

يؤخذ على هذه النصوص أنها لم تكن دقيقة من الناحية القانونية كما أنها اشترطت الرضاء في حالة التدخل الجراحي وحده في حين أن التدخل العلاجي أيضاً يفترض ويشترط فيه رضا المريض العاقل البالغ.

3- د. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، أحكام الاذن الطبي، المصدر السابق، ص236؛ عبد الرحمن الطحان، المصدر السابق، ص329.

4- حدد الفقهاء المسلمين هذه العلامات بالاحتلام والانزال والاحبال لبلوغ الذكر وبالاحتلام والحيض والحمل لبلوغ الانثى، ينظر تفصيلاً: ابن عابدين، رد المحتار، ج5، دون مكان وسنة طبع، ص97 ؛ ابن قدامة، المغني، ج6، ط3، دار المنار، مصر، 1367هـ، ص598 .

5- وتجدر الإشارة الى أن القضاء الاسكتلندي قد اعتد بقدرة المريض على الفهم والإدراك في التعبير عن رضاه بالعمل الطبي حتى وان كان ناقص الأهلية في نظر القانون وذلك في قضية الفتاة القاصر التي أخضعت لعملية اجهاض ضد رغبة والديها على اعتبار ان قرار التدخل الطبي في الجسم البشري مسألة تعتمد على مقدار فهم المريض وإدراكه لا على بلوغه سن الرشد القانوني، ينظر: د.هشام محمد فريد رستم، الحق في الصحة، بحث غير منشور، 1998، ص70.

6- ويحدد البلوغ وفقاً للعلامات والإمارات التي أخذ بها الفقه الإسلامي.

7- وأشارت إلى النص نفسه المادة (27/ف 4) من قانون الآداب الطبية اللبناني ذي الرقم (288) الصادر في 22/2/1994.

8- هناك بعض المذاهب المسيحية تؤمن بأن الألم والمرض من صنع الخيال على اعتبار أن الإنسان روحاني، فيرفضون العلاج على هذا الأساس وهؤلاء هم أتباع الكنيسة المسماة: La science chretenne

9- R. Piedelievre، Entretien، concours، medical، 1975، P.52 ets.

نقلاً عن: د. جابر محجوب علي، المصدر السابق، ص216.

0- هناك جماعة يهودية تحرم معتقداتها الدينية نقل الدم وتسمى بـ (شهود يهوذا أو جوهوفا).

أشار إلى القرار: محمد جلال حسن الأتروشي، المسؤولية المدنية الناجمة عن عمليات نقل الدم- دراسة مقارنة، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون/ جامعة الموصل، 2001، ص51.

1- أشار إليه: د. مصطفى عبد الحميد عدوي، المصدر السابق، ص85.

2- صدر القرار في 1964 أشار إليه: د. مصطفى عبد الحميد عدوي، المصدر السابق، ص87.

3- سوف نتناول رضاء المريض عقلياً في المطلب الثاني من هذا المبحث.

4- وهذا ما أكده البند (ثامناً/ ف4) من مشروع الدستور الطبي العراقي والذي نص على أنه: (لا حاجة للطبيب لاستحصال الرضاء في وقائع العوارض التي يفقد فيها المريض وعيه وبصيرته ويتطلب إسعافاً فورياً وعلاجاً).

5- يقسم الأطباء ما يسمى بقتل المرحمة إلى نوعين:

1. قتل المرحمة الايجابي: وفيه يقوم الطبيب المسؤول عن علاج المريض الميؤوس من شفائه بناءً على طلبه المتكرر بانهاء حياته، فقد يكون ذلك بوساطة حقنه.

2. قتل المرحمة السلبي: وهو عملية تسهيل وفاة المريض الميؤوس من شفائه ويكون ذلك بايقاف إعطاء العلاج أو عدم إعطائه كايقاف أجهزة التنفس مثلاً، وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح الموت إشفاقاً يطلق عليه البعض تسمية الموت الطيب، أو الموت الهادئ، أو الموت السهل، أو تهوين الموت، وان اختلفت هذه التسميات إلا أن المعنى واحد.

ينظر تفصيلاً: أ. هدى الأطرقجي، القتل بدافع الرحمة، بحث منشور في مجلة الرافدين للحقوق، العدد الثالث، أيلول، 1997، ص149؛

– د. محمد علي البار، أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها وقضية موت الرحمة، دار المنارة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1995، ص68.

– أسامة ابراهيم علي التايه، مسؤولية الطبيب الجنائية في الشريعة الإسلامية، ط1، دار البيارق، الأردن، 1999، ص157.

6- جاء في مشروع الدستور الطبي العراقي في البند (عاشراً/ ف 1) منه ما يأتي: (1. يقصد بموت الرحمة قيام الطبيب بالمساهمة بانهاء حياة المريض في وقائع الأمراض المستعصية وغير القابلة للشفاء والمترافقة مع آلام مستديمة مما يجعل وضعه عبئاً على المريض نفسه أو المحيطين به فيلجأ ذلك المريض أو ذووه إلى الطبيب بطلب وضع حد لهذا الوضع والتخلص من مثل هذه الحياة).

7- إلا أن مشروع الدستور الطبي العراقي أشار في البند (عاشراً/ ف 2) إلى تجريم هذا الفعل بقوله (2. يعدّ هذا الإجراء جناية قتل ولو تم بطلب من المريض أو من ذويه وبرضاهم وذلك لكون هذا العمل منافٍ لطبيعة عمل وأهداف وواجبات الطبيب نحو مريضه …).

كما تجدر الإشارة إلى أنه في الواقع العملي لمهنة الطب ومن خلال الاستبيان الميداني يتبين أن (97.5%) من الأطباء يرفضون هذا العمل الجرمي و (2.5%) منهم يؤيدونه إلا أن هذه النسبة ضئيلة ولا يعول عليها.

8- بالنسبة لموقف التشريعات الآتية: المشرع المصري والجزائري واليمني فانهم لم ينظموا هذه المسألة.

9- المشرع السوري لم يأخذ باباحة موت الرحمة، إلا أنه لم يضع القاتل بدافع الشفقة بنفس مرتبة القاتل عمداً، بل اعتبر هذا العمل بمثابة القتل المخفف.

ينظر تفصيلاً: بسام محتسب بالله، المسؤولية الطبية المدنية والجزائية بين النظرية والتطبيق، ط1، دار الايمان، بيروت، 1984، ص451.

20- ينظر: عمار عباس كاظم العزام، حالة الضرورة وأثرها في المسؤولية الجنائية، رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة النهرين كلية الحقوق، 2001/ ص361.

-21 Chauveau (Adolf) et Helie (Faustion)، Theorie du code penal، tome، III، Paris، P.1235.

(22) Garcon (Emile): Code penal annote، Paris، 1906، P.224.

23- ينظر: د. مصطفى عبد الحميد عدوي، المصدر السابق، ص99.

-24 Germain Grisez and Joseph Boyle، Life، and death with liberty and Justice، 1979، P.86 etc.

– Marcusr Court rules “right to die” depends on patients intent، Washington، Post، June، 26، 1990، P.8.

25- أشار إليه: د. مصطفى عبد الحميد عدوي، المصدر السابق، ص99.

26- أشار إليه: د. عبد الأمير خضير الغانمي، هل للمريض الميؤوس من شفائه الحق في طلب قتل نفسه، بحث منشور في مجلة دراسات قانونية، العدد 2، السنة 4، 2002، ص88 وما بعدها.

27- نود أن نشير في هذا الموضع إلى أحد القرارات القضائية التي أصدرتها محكمة ونجستر البريطانية والمتعلقة بقيام الدكتور (كوكس) بانهاء حياة امرأة مسنة مصابة بمرض عضال مصحوب بالآلام واليأس فرجت من طبيبها انهاء حياتها وتخليصها من الألم؛ فشعر طبيبها بالرحمة والشفقة على وضعها فبدأ باعطائها دواءً مهدئاً حتى أفضى بحياتها؛ إلا أن ذوي المريضة أقاموا الدعوى على الطبيب وقضت المحكمة بجرم عمل الطبيب لمخالفته لواجبات المهنة.

وبهذا فان موقف القضاء البريطاني جاء مخالفاً لموقف القضاء الأمريكي الذي أجاز الأخير قتل المريض الميؤوس من شفائه إذا طلب ذلك وكان كاملاً للأهلية.

أشار إلى القرار: البروفيسور فهمي محمود شكري، موسوعة القضاء البريطاني، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، 2004، ص248.

28- تغيير الجنس: هو الشعور الجارف لدى الشخص بالرغبة في الانتماء عضويا إلى الجنس الآخر المقابل له، وذلك بتحويل الذكر إلى أنثى أو العكس بالعكس. لمزيد من التفاصيل ينظر:

– د. مجدي حسن خليل، المصدر السابق، ص71.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .