تمثل الشركة متعددة الجنسية مرحلة جديدة من مراحل التركز الراسمالي اذ اطلق عليها تسمية عالمية الانتاج، فبتدويل ظاهرة الانتاج اصبحت العملية الانتاجية للشركات متعددة الجنسية لا تتم على مستوى قومي وانما على مستوى عالمي(1)، فالمؤسسات التي تقوم بتدويل ظاهرة الانتاج هي الشركات الوليدة او التابعة التي تكون منتشرة في دول مختلفة من العالم، اذن التركيب العضوي للشركات متعددة الجنسية هو عبارة عن شركة اُم تعد المركز الاصلي للشركة متعددة الجنسية ككل وشركات وليدة او تابعة موزعة في دول عدة وتتمتع بالاستقلال القانوني عن الشركة الام مع خضوعها لسيطرة مركزية واحدة تمارسها الشركة الام عليها. وتعرف الشركة الوليدة “بانها شركة ذات استقلال قانوني ولكنها تخضع عمليا لا دارة ورقابة لصيقة من جانب شركة ام، ومظهر استقلالها القانوني يتمثل في شخصيتها الاعتبارية المستقلة وتنشا علاقة التبعية عمليا من ان الشركة الام تستحوذ في الواقع على الاغلبية في مجلس ادارة الشركة الوليدة عن طريق تملكها لحصة مساهمة كافية في راسمالها تمكنها من السيطرة على الجمعية العامة” في حين يرى الاستاذ “جوجلار” بان الشركة الوليدة هي تلك “التي توجد في حالة تبعية بالنسبة لشركة اخرى اما لانها تمتلك اغلبية اصوات مجلس الادارة واما لانها تمتلك حصة كبيرة في راس المال”(2). والشركة الوليدة باعتبارها عاملا مهما من عوامل تكوين الشركات متعددة الجنسية فانها تظهر الى الوجود اما عن طريق تكوين شركات وليدة على المستوى الدولي واما عن طريق الاستيلاء على شركات قائمة، ولكل من هذين الاسلوبين احكامه الخاصة به.

أولا : تكوين شركات وليدة على المستوى الدولي:

يعد انشاء شركات وليدة هو الاسلوب العادي الذي تتبعه الشركات متعددة الجنسية في مد نشاطها في ارجاء مختلفة من العالم، بل انه يعد الاسلوب الوحيد الذي تسلكه الشركات متعددة الجنسية عندما تقوم بالاستثمار في الدول النامية(3). وتكوين شركات وليدة على المستوى الدولي لا يثير اية صعوبة من وجهة نظر القانون التجاري، فتكوين شركات وليدة يتطلب قيام شرطين “اولهما ان يكون للشركة الام وفقا لاحكام قانونها الوطني الحق في تملك اسهم شركة اخرى وثانيهما ان يكون من الممكن وفقا لاحكام الدولة المضيفة ان تمتلك الشركة الام اسهم الشركة الوليدة بنسبة تسمح بالسيطرة عليها”(4). ان قيام الشركات متعددة الجنسية بأنشاء شركات وليدة على المستوى الدولي له ما يبرره، فهي فضلا عن الاسباب التي تدفعها الى هذا العمل المتمثلة في رغبتها بالتخلص من الرسوم الكمركية والقيود المفروضة على الاستيراد او تداول النقد، وكذلك حاجتها الى المواد الاولية ورغبتها في المنافسة وانخفاض مستوى الاجور وخاصة في البلدان النامية لتوظيف رؤوس الاموال والتكنولوجيا،(5). فان رغبتها في مد نفوذها وسيطرتها على اماكن شاسعة من العالم بدافع المنافسة والاحتكار وتشكيل قوة اقتصادية هائلة يكاد يكون العامل الرئيس الذي يدفع بالشركات متعددة الجنسية بتكوين شركات وليدة تابعة لها. وان ما يميز الشركة الوليدة المقامة في دولة ما عن الشركة الوطنية هو خضوع الشركة الوليدة لسيطرة مركزية تمارسها الشركة الام عليها، حتى ان بعض القوانين كالقانون الانكليزي يعتبر الشركة الوليدة الخاضعة لسيطرة شركة اجنبية، اجنبية في قانون الرقابة على النقد. وهناك بعض الشركات متعددة الجنسية وخاصة الكبرى منها عندما تقوم بتكوين شركات وليدة تابعة لها في دولة ما، فانها ترفض وبشكل قاطع مشاركة راس المال الوطني في تلك الدولة في تاسيس تلك الشركة، فمثلا شركة جنرال موتورز “General Motors” ترفض فكرة انشاء مشاريع مشتركة، ولا تقوم بالاستثمار في أي دولة تشترط قوانينها مشاركة راس المال الوطني في ملكية اسهم الشركة التي تقام فوق اراضيها(6)، كذلك الحال بالنسبة لشركة “IBM” التي تسيطر على السوق العالمية بالنسبة للحاسبات الالكترونية، حيث ان هذه الشركة ترفض أي مشاركة لراس المال الوطني في ملكية شركاتها الوليدة المقامة على المستوى الدولي(7). وهناك من الشركات متعددة الجنسية ما يقبل بمشاركة راس المال الوطني في شركاتها الوليدة بشرط سيطرتها على ادارة ورقابة الشركات الوليدة، أي تبعية الأخيرة للشركة الام. وتاخذ هذه التبعية صورتين :

الاولى : تكون التبعية تابعة من ذات الاطار التنظيمي للشركات متعددة الجنسية.

والثانية : تكون التبعية متاتية من طبيعة العقد المبرم بين الشركة الام وشركاتها الوليدة. فعلاقة التبعية قد تاخذ صيغة تنظيمية وقد تاخذ صيغة عقدية(8).

أ-الصيغة التنظيمية :

وتنشا هذه الصيغة على اساس طبيعة الترابط بين الشركة الوليدة والشركة الام، وهذا الترابط ياخذ شكل العلاقات التنظيمية التي تكون كامنة في النظام القانوني للشركة، فالعلاقات التنظيمية توجد لنا علاقة تبعية بين الشركة الام وشركاتها الوليدة(9).

ب-الصيغة العقدية :

بموجب هذه الصيغة فان الشركات الوليدة تتبع المركز الاصلي بموجب اتفاق قد ابرم بينهما، الا ان محل هذا الاتفاق او العقد يختلف عما هو عليه في العقود التقليدية “كاتفاقيات نقل التكنولوجيا واتفاقيات تراخيص الصناعة واتفاقات المعونة الفنية او اتفاقات الضم وتنفيذ عمليات صناعية لحساب منشاة اخرى او توريد مواد اولية لازمة للتشغيل خلال مدة معينة وتحت اشراف مشروع اخر، والوكالات والتشغيل التجاري والانشطة المتعلقة بالتجارة الخارجية عموما”(10). وقد تجتمع الصيغتان –النظامية والعقدية- في شركة وليدة، فضلاً عن الهيكل التنظمي الذي بموجبه تتبع الشركة الوليدة المركز الاصلي فقد يبرم بينهما اتفاق على تعميق صلة التبعية، وقد تفترق الصيغة العقدية عن الصيغة النظامية في تحديد الية التبعية فقد لا يكون الهيكل التنظيمي هو الاساس في تبعية الشركة الوليدة للمركز الاصلي، وذلك لعدم تملكها اموالا كافية في راس مال الشركة تمكنها من السيطرة عليها، لهذا تلجا الشركة الأم إلى عقد اتفاق مع الشركة الولايدة يدعم ويؤكد تبعية الأخيرة لها. ان علاقة التبعية ليست واحدة، فهناك من الشركات الوليدة ما يترك لها قدرا من الحرية في اداء مهامها كوحدة انتاجية تسعى الى تحقيق الربح في اطار الاستراتيجية العامة للشركة ككل، وان حجم الحرية الذي يترك للشركات الوليدة يضيق ويتسع تبعا لاختلاف ظروف كل وحدة انتاجية –شركة وليدة- من حيث “اقدميتها واهميتها والبيئة التي تعمل فيها وخبرة القائمين عليها وبعدها عن المركز الاصلي وغير ذلك من الظروف التي تبرر منح وحدة معينة سلطات اكبر من غيرها”(11). ومن مظاهر تبعية الشركة الوليدة للشركة الام عدم جواز تملك الشركة الوليدة اسهما في الشركة الام، والحكمة من هذا المنع هي حتى تبقى للشركة الام قدرة السيطرة والرقابة على شركاتها الوليدة وبالمقابل فان الشركة الام ملزمة ببيان اسماء الشركات الوليدة التابعة لها واسماء الدول التي توجد فيها ومقدار مساهمة الشركة الام في راسمالها، فضلا عن قيام الشركة الام باعداد الميزانيات والحسابات السنوية لشركاتها الوليدة(12). خلاصة القول ان الية تبعية الشركة الوليدة للشركة الام تندرج ضمن الاستراتيجية العامة للمشروع الاقتصادي الذي تضطلع به الشركات متعددة الجنسية، فعنصر التبعية الذي يجسد طبيعة العلاقة بين الشركات متعددة الجنسية ككل يبين لنا قصور التصور القانوني لطبيعة هذه الشركات، فعلى الرغم من استقلالية الوحدات المكونة لها كأشخاص قانونية لها شخصيتها المستقلة، الا انها تبقى من حيث الواقع عاجزة عن التصرف بارادة وحرية تامة، فالعلاقة التنظيمية او التعاقدية او كلتاهما معا تبينان بوضوح مواطن الخلل والضعف في شخصيتها القانونية المستقلة.

ثانيا : السيطرة على شركات قائمة على المستوى الدولي :

قد تجد الشركات متعددة الجنسية من الانسب لها الاستيلاء على ملكية شركات قائمة بالفعل في دول عدة، فأنشاء شركات وليدة هو ليس الاسلوب الوحيد الذي تستخدمه الشركات متعددة الجنسية في تحقيق استراتيجيتها الانتاجية العالمية. فلجوء الشركات متعددة الجنسية الى الاستيلاء على شركات قائمة يكون ضرورة تستدعيه اسباب عدة منها رغبتها في الحصول على المواد الاولية والسلع الوسيطة الضرورية للقيام بالعملية الإنتاجية، ومن ثم تعد السيطرة على تلك الشركات امرا حيويا ولازما يستدعيه التكامل الراسي الذي تقوم به هذه الشركات(13). وقد تلجا هذه الشركات الى هكذا طريقة للقضاء على منافسيها او احتوائهم نظرا لانها تنافسها في اسواق معينة، او قد يكون للشركات المراد الاستيلاء عليها “سبق تكنولوجي او خبرة في التسويق في مجال معين”(14)، وغيرها من الاسباب التي تستدعي الشركات متعددة الجنسية الى السيطرة على تلك الشركات تحقيقا للتكامل الافقي. والاستيلاء على شركات قائمة يجعل تحت تصرف الشركات متعددة الجنسية “منشات حية لها مصانعها ومكاتبها وعمالها وعملاؤها وعلاقاتها التجارية والمصرفية وعلاماتها وأسماؤها”، وهذه الامور تفيد الشركات متعددة الجنسية في انها تقصر لها المسافات من حيث الكلفة والوقت، كما ان هذا الاسلوب يمكن الشركات متعددة الجنسية من دخول السوق المحلية في صمت يجنبها مناهضة الراي العام ولاسيما ان الشركات متعددة الجنسية تتعامل مع جمهور شديد الحساسية منها وخاصة في البلدان النامية(15). ومثل ما لهذا الاسلوب من مزايا فان له عيوباً وخاصة اذا ما اريد تطبيقه في البلدان النامية لأسباب منها ان تلك البلدان تفتقر الى وجود مثل تلك المنشات المراد شراؤها على اراضيها، وهذا يجد اساسه في ان البنيان الانتاجي للدول النامية لا يتسم بالمرونة والاتساع المتمثل بوجود منشات صغيرة ومتوسطة يمكن للشركات متعددة الجنسية ان تشتريها وتعتبرها كوحدة تابعة لها في تلك الدولة، ناهيك عما يحمله الشعور الوطني من كراهية لنشاط الشركات المتعددة الجنسية، خاصة اذا ما تمثل بالغزو الاقتصادي لمنشاتها الوطنية(16). وعلى الرغم من المحاذير التي يثيرها هذا الاسلوب، فانه بعد اعقاب الحرب العالمية الثانية قد اتبعته الشركات متعددة الجنسية الامريكية في اوربا، فلقد بلغ عدد المنشات الاوربية التي استولت عليها الشركات الامريكية بالشراء خلال عشر سنوات من مطلع الستينات نحو (3.000) منشاة. وكذلك نفس الاسلوب اتبعته الشركات البريطانية المتخصصة في المواد الغذائية مثل شركة “Brooke-Bond & Cadbury” وغيرها لزيادة حجمها(17).

__________________

1- انظر د. حسام عيسى، الشركات المتعددة القوميات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، بدون سنة طبع ،ص85.

2- د. محمد شوقي شاهين، الشركات المشتركة : طبيعتها واحكامها في القانون المصري والقانون المقارن، من دون ناشر، بدون سنة طبع ، ص71.

3- انظر د. محسن شفيق، المشروع ذو القوميات المتعددة، مجلة القانون والاقتصاد، العددان الاول والثاني، مطبعة جامعة القاهرة، 1977، ص305.

4- انظر د.حسام عيسى، الشركات المتعددة القوميات، مصدر سابق، ص104.

5- انظر د.محسن شفيق، المشروع ذو القوميات المتعددة، المصدر السابق، ص305-306.

6- انظر د.حسام عيسى، الشركات المتعددة القوميات، المصدر السابق، ص 116.

7- انظر د.حسام عيسى، الشركات المتعددة القوميات، المصدر السابق ، ص118.

8- انظر د.محسن شفيق، المشروع ذو القوميات المتعددة، مصدر سابق، ص307 .

9- انظر : د.محمد شوقي شاهين ، مصدر سابق، ص60.

10- انظر د.محسن شفيق، المشروع ذو القوميات المتعددة، المصدر السابق، ص 257 .

11- انظر د.محسن شفيق، المشروع ذو القوميات المتعددة، مصدر سابق، ص 225 .

12-انظر عوني محمد الفخري، التنظيم القانوني للشركات متعددة الجنسية والعولمة، ط1، بيت الحكمة، بغداد، 2002، ص 70-71.

13- انظر د.حسام عيسى، الشركات المتعددة القوميات، مصدر سابق، ص 141-142.

14- انظر المصدر نفسه، ص 142.

15- انظر د.محسن شفيق، المشروع ذو القوميات المتعددة، مصدر سابق، ص 204.

16- انظر :د.عماد الشربيني، مصدر سابق، هامش (1)، ص244.

17- انظر د.محسن شفيق، المشروعات ذو القوميات المتعددة، مصدر سابق، ص 304- 305 .

المؤلف : طلعت جياد لجي الحديدي
الكتاب أو المصدر : المركز القانوني الدولي للشركات متعددة الجنسية
الجزء والصفحة : ص28-33

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .