دراسة وبحث قانوني كبير عن الوسائل القانونية لحماية حق المؤلف ” الجزاء المدني”

المقدمة

يعتبر حق تقرير النشر من الحقوق الشخصية الخاصة بالمؤلف وحده ولا يجوز للغير أن يقرر نشر مصنف أحجم مؤلفه عن نشره. ولا يجوز إعادة نشر مصنف لم يقرر مؤلفه إعادة نشره، أو يأذن بنشره. وإذا قام الغير بذلك يكون قد اعتدى على حقوق المؤلف الأدبية وأساء إلى سمعته. ويقف القانون عندئذ إلى جانب المؤلف ليمنع عبث المعتدين بما قدمه من وسائل فعالة تضمن حقوقه وتدفع الاعتداء عليها.

والوسائل التي يمنحها القانون للمؤلف لحماية إنتاجه تبدو على اتجاهين أولهما يتجه إلى ذات الإنتاج المقلد باعتباره النتيجة الحتمية للاعتداء الواقع على حق التأليف. فيفرض القانون جزاء صارماً يبدأ بالحجز، وينتهي بإعدام المصنف المقلد. أما ثانيها فيتجه إلى الشخص المقلد باعتباره المسؤول عن التقليد ولأنه مرتكب المخالفة التي مست بحق المؤلف فيفرض عليه القانون العقاب المناسب الذي يظهر في صورتين أولاهما الجزاء المدني وهو التعويض الذي يلتزم به المقلد قبل المؤلف. وثانيهما العقوبة الجنائية التي يفرضها القانون على المقلد، كالغرامة والحبس.

ولذلك سيوزع هذا الفصل على مباحث ثلاثة يختص أولهما بحجز المصنف ونخصص ثانيهما للبحث في إتلاف المصنف المقلد ونعقد الثالث للكلام على التعويض.

المبحث الأول
حجز المصنف المقلد

إن معنى لفظ الحجز الذي استعمله المشرع العراقي في قانون حماية حق المؤلف يختلف عن الحجز الاعتيادي في مفهومه وشروطه والمواد القابلة للحجز ولذلك ينبغي تحديد مفهوم الحجز أولاً، وهو ما سنتناوله في المطلب الأول من هذا المبحث. والبحث في شروط الحجز ثانياً. ونخصص له المطلب الثاني وتحديد المواد التي يشملها الحجز أخيراً ونعقد لبيانها المطلب الثالث.

المطلب الأول
مفهوم حجز المصنف

لما كان حق تقرير النشر يعتبر. كما ذكرنا، من الحقوق الشخصية الخاصة بالمؤلف وحده التي يجوز الاعتداء عليها فلا يحق للغير أن يقرر نشر مصنف أحجم مؤلفه عن نشره ولا إعادة نشر مصنف لم يقرر مؤلفه ذلك. فإذا قام بذلك اعتبر عمله غير مشروع لأنه استعمل سلطة لا يملكها قانوناً. وقد منح القانون المؤلف حق الطلب من المحكمة إصدار الأمر بوقف نشر المصنف، ووضعه تحت يد القضاء عن طريق الحجز عليه ابتغاء منع المعتدي من التصرف فيه. وبذلك يؤمن هذا الحق للمؤلف حجب المصنف المقلد عن الجمهور ورفع الاعتداء. ويعرف الفقه(1) الحجز بأنه وضع مال تحت يد القضاء لمنع صاحبه من القيام بأي عمل قانوني أو مادي يخرج هذا المال أو ثماره من ضمان الدائر الحائز.

والحجز الذي يمارسه المؤلف كإجراء تحفظي، يرمي إلى عدة أهداف يختلف عن الحجز الاحتياطي العادي والحجز التنفيذي(2) وهذه الأهداف هي :

أولاً: وقف نشر المصنف المقلد ومنع تداوله بين الجمهور وهذا الغرض يؤدي إلى وقف الاعتداء على حق المؤلف من تاريخ وضع الحجز على المصنف.

ثانياً: حفظ المحجوز من التلف. وذلك أن بقاء المصنف في حيازة المعتدي قد يؤدي إلى تلفه، لأن إجراءات الدعوى قد تطول وقد ينتقل المصنف خلالها إلى الغير ويهلك نتيجة الاستعمال.

ثالثاً: منع المعتدي من التصرف في المصنف المقلد، والعمل على منع إخفائه بنقله إلى الغير أو إلى جهة مجهولة. وتقديمه كهيئة مادية تدين المعتدي وتؤكد مدى اعتدائه على حق المؤلف الأدبي.

رابعاً: التنفيذ على المصنف المقلد والأدوات التي استعملت في إنتاجه في حالة الحكم بتعويض الضرر الذي أصاب المؤلف وذلك بالتنفيذ على هذه المواد وبيعها واستحصال مبلغ الضرر من ثمنها. ويختلف الغرض من الحجز الذي يمارسه المؤلف عن الغرض من الحجز لأن الحجز الأول يهدف إلى وقف نشر المصنف ومن إتلافه والقضاء عليه نهائياً.

أما غاية الحجز الاعتيادي فهي التنفيذ على المحجوز وبالتالي استحصال الدين من ثمنه بعد بيعه.

إن الحكم بالتعويض للمؤلف، لا يكفي لمقاومة التقليد، وصيانة حقوقه الأدبية. لذلك فإن الشرائع التي التفتت إلى حماية هذه الحقوق بضبط الأشياء والعلامات المقلدة، ووضعها تحت يد القضاء تمكيناً له من الحكم بمصادرتها إذا رأى مبرراً لذلك وليس هناك ما يمنع من الالتجاء إلى هذه الوسيلة وقد استقر القضاء المصري على اعتمادها.

وإذا التفتنا إلى أحكام القانون المقارن في هذا الشأن يتبين لنا أن القانون السوفيتي لم يذكر في المواد الخاصة بحق التأليف حق المؤلف طلب حجز المصنف المقلد ويظهر من ذلك أنه ترك الحكم للقواعد العامة بالحجز.

والواقع أن الدولة إذا كانت أممت المصنف فلا يحق للمؤلف منعها من إعادة نشره، أما إذا كان المصنف لا يزال لمؤلفه غير مؤمم فإن القانون السوفيتي اعتبر حق إعادة نشر المصنفات من الحقوق الأدبية للمؤلف وله الحق في رفض إعادة نشر مصنفه. ولغرض التوفيق في هذه الحالة بين أحكام القانون وبين المصلحة العامة التي تقتضي نشر الابتكارات وعدم تعطيل مطابع الدولة قضى القانون بعدم جواز طبع أي مصنف من قبل دور النشر قبل إجراء اتصالات مع المؤلف وإبرام عقد معه بنشر مصنفه. وإذا لم يمكن الاتصال بالمؤلف بالطرق المعتادة وجب على دور النشر التي تولت طبعه للمرة الأولى، أو إلى مكتب اتحاد الكتاب السوفيتي مع إرسال نسخة من المصنف إلى الإدارة الاتحادية لحماية حقوق التأليف. ويتعين في جميع الأحوال دفع حقوق التأليف(5)

إلا أن القانون المدني لجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية أعطى للمؤلف حقاً يقترب من حق الحجز، هو حق استعادة الحق الذي حدث الإخلال به أو منع إصدار الأثر، أو إنهاء إذاعته، فيما إذا نشر المصنف بصورة غير مشروعة. المادة (499) من القانون المذكور المتعلقة بحماية الحقوق الشخصية غير المالية على ما يلي: (في حالات استعمال أثر الغير دون عقد مع مؤلف أو مع ورثته (المادة 488) أو عدم استعمال الاثر دون موافقة المؤلف (المادتان 492 و 494) وكذلك في حالة الإخلال بحضانة الاثر (المادة 480) أو بالحقوق الأخرى الشخصية غير المالية للمؤلف. يحق للمؤلف ولورثته بعد وفاته وللأشخاص الآخرين المشار إليهم في المادة (481) من القانون الحالي أن يطلبوا استعادة الحق الذي حدث الإخلال به أو منع إصدار الاثر أو إنهاء إذاعته).

أما في العراق فقد نصت المادة 46 من قانون حماية حق المؤلف المقابلة للمادة (43/3) من القانون المصري(6) على أن (لمحكمة البداية بناء على طلب ذوي الشأن وبعد إجراء وصف تفصيلي للمصنف الذي نشر أو أعيد بوجه غير مشروع أن تأمر بالحجز على المصنف الأصلي أو نسخه أو صوره وكذلك على المواد التي تستعمل في إعادة نشر ذلك المصنف أو استخراج نسخ منه بشرط أن تكون المواد المذكورة غير صالحة إلا لإعادة نشر المصنف وفيما يختص بالإيقاع والتمثيل والإلقاء بين الجمهور يجوز للمحكمة أن تأمر بحصر الإيراد الناتج من النشر أو العرض وتوقيع الحجز عليه).

ويلاحظ على هذه المادة أن المشرع استعمل مصطلح الحجز دون أن يبين نوعه أو الغرض منه، أو نتيجته. لذلك يتعين علينا تحديد نوع الحجز الذي أجاز القانون للمؤلف طلبه في حجز المصنفات المنشورة بصورة غير مشروعة.

يذهب الفقه إلى تقسيم الحجز إلى نوعين، الحجز القضائي والحجز التنفيذي. أما الحجز القضائي، فيكون على ثلاثة أنواع. الحجز التنفيذي والحجز التحفظي وحجز ما للمدين لدى الغير. وطلب الحجز التنفيذي، لا يكون إلا للدائن الذي له حق في التنفيذ الجبري، وتعتبر المرحلة الأولى من مراحل التنفيذ بنزع الملكية وشروطه، أن يكون مع الدائن سند تنفيذ وأن يكون حق الدائن حال الأداء وقت طلب الحجز. والغرض من طلب الحجز التنفيذي هو بيع المحجوز واقتضاء الحق من ثمنه، أما الحجز التحفظي فيثبت للدائن ومن لم يكن له حق في طلب التنفيذ الجبري. فقد رأى المشرع أن حماية الدائن تتطلب أحياناً السماح له بتوقيع الحجز قبل أن يثبت له هذا الحق. والأحوال التي يجوز فيها الحجز 1- إذا لم يكن للمدين موطن، 2- إذا خشي فرار مدينه، 3- إذا كانت تأمينات الدين مهددة بالضياع، 4- إذا كان الدائن يحمل كمبيالة أو سنداً تحت الإذن وكان المدين تاجراً وقع على الكمبيالة، أي ألزمه السند بالوفاء. أما حجز ما للمدين الغير، وهو الحجز الذي يقع على أموال المدين التي تكون في حيازة الغير فيهدف إلى الحفاظ على أموال المدين الموجودة لدى الغير. أما الحجوز الإدارية فتتعلق بالممول الذي لم يقم بتسديد الضريبة اختياراً، وهو حجز ذو طابع مختلط، يبدأ حجز تحفظياً ثم يتحول بعد ذلك إلى حجز تنفيذي. وتكون له خصائص كل من الحجز التحفظي والحجز التنفيذي، إلا أنه يوقع من قبل جهات الإدارة وليس من قبل المحاكم.

وإذا قارنا الحجز الذي يمارسه المؤلف بهذه الأنواع من الحجوز أدركنا أنه لا يعتبر حجزاً إدارياً لأن النص التشريعي أوجب صدور أمر الحجز من القضاء. وهو محكمة البداية، وليس من الإدارة، ولا يعتبر حجزاً على ما للمدين لدى الغير لأن هذا الحجز يقع على أموال موجودة لدى شخص ثالث يتعلق حق المدين بها. ويرتبط بموضوع المديونية التي لا وجود له في الحجز الذي يطلبه المؤلف. وإلا يعتبر حجزاً تنفيذياً يهدف إلى بيع المحجوز واقتضاء الدين من ثمنه لأن اعتبار الحجز الذي يطلبه المؤلف حجزاً تنفيذياً يؤدي إلى عكس الغاية التي توخاها القانون من هذا الحجز وهو رفع الاعتداء على حقوق المؤلف الأدبية بحجب المصنف عن الجمهور. فالاعتداء على حق المؤلف يبدو في صورة نشر المصنف بصورة غير مشروعة، والغرض الذي استهدفه المشرع من الحجز هو وقف الاعتداء ومنع تداول المصنف، وفي بيع النسخة بعد الحجز، تسهيلاً لتداول المصنف بين الجمهور بسبب نشره بصورة غير مشروعة(8). يضاف إلى ذلك أن طلب توقيع الحجز التنفيذي يقتضي أن يكون بيد الدائن سند تنفيذ، ومن صورة الأحكام القضائية والأوراق التجارية القابلة للتداول والسندات التي تتضمن إقراراً بدين بمقتضى ما اشترطته المادة 29 من قانون التنفيذ. والمؤلف لا يملك عادة هذا السند إذا طلب توقيع الحجز لعدم وجود علاقة تعاقدية سابقة تربطه بمن اعتدى على حقه، وإنما يكون طلب الحجز أول إجراء يمارسه المؤلف ضد من اعتدى عليه. كما أن طلب من قبل المؤلف لا يعتبر طلباً لتوقيع حجز احتياطي أو تحفظي لأن هذا الحجز يتحول إلى التنفيذ على أموال المدين عندما يقضي بصحة الحجز. والتنفيذ يؤدي إلى بيع المصنف، في حالة الاعتداء على حق المؤلف، وإلى تداوله، وهو أمر لا يرمي إليه المؤلف ولا يهدف إليه القانون كما مر بنا. هذا عن الحالات التي أجاز فيها القانون طلب توقيع الحجز التحفظي والتي حصرتها المادة 231 من قانون أصول المرافعات المدنية العراقي لم يرد فيها ما يشير إلى إعطاء المؤلف هذا الحق. ولما كان قانون حماية حق المؤلف لم ينص صراحة على إعطاء المؤلف هذا الحق. ولم يخوله قانون أصول المرافعات ذلك أيضاً. ولما كان الحجز الاحتياطي طريقاً استثنائياً يضمن به الدائن حقه، فلا يجوز التوسع في هذا الإستثناء وتقريره في حالات غير منصوص عليها.

وإذا كنت لا أرى في الحجز الذي يطلب المؤلف توقيعه حجز تنفيذياً أو تحفظياً للأسباب التي ذكرتها، ففي وسعي أن أضيف إلى ما تقدم سبباً هاماً آخر، هو أن هذين النوعين من الحجز لا يحكم بتوقيعهما إلا في حالة الالتزام بدفع مبلغ من النقود يكون حال الأداء. أما الحجز الذي يطلبه المؤلف فلا يستند إلى مثل هذا الالتزام.

المطلب الثاني
شروط حجز المصنف المقلد

يظهر من أحكام المادة السادسة والأربعين من قانون حماية حق المؤلف العراقي أن الشروط الواجب توافرها لإيقاع الحجز على المصنف الذي نشر بصورة غير مشروعة هي:

أولاً: تقديم طلب من ذوي الشأن
فقد اشترطت المادة المذكورة أن يقدم ذوو الشأن بطلب إلى المحكمة لتأمر بالحجز على المصنف المنشور بصورة غير مشروعة ومصطلح ذوو الشأن واسع في مفهومه. فهو يشمل كل من المؤلف وورثته والموصى له والناشر وكل متعاقد مع المؤلف تضرر من نشره على هذه الصورة.

ثانياً: أن يقدم الطلب إلى محكمة البداية
إن الجهة المختصة في النظر في الطلب هي محكمة البداية، وإن كان موضوع النزاع تنظره محكمة أخرى، مدنية كانت أم جزائية وعليه فلا يحق للمحكمة التي تنظر في موضوع النزاع إصدار القرار بتوقيع الحجز إلا إذا كانت محكمة البدائة.

ثالثاً: إجراء وصف تفصيلي للمصنف المراد حجزه من قبل المحكمة قبل أن تصدر أمرها بالحجز، وذلك ابتغاء التأكيد من أن نشر المصنف تم بصورة غير مشروعة وأن النشر أسفر عن اعتداء على حق المؤلف وعليه، فإن المحكمة لا يجوز أن تصدر حكماً بناء على الظن أو مجرد الشبهة.

ويعتبر قرار محكمة البداية بإيقاع الحجز أو رفض توقيعه، قراراً باتاً لا يقبل الطعن(9) خلافاً لما ذهب إليه المشرع المصري في المادة 44 من قانون حماية حق المؤلف. الذي أجاز التظلم من هذا الأمر أمام رئيس المحكمة الذي يستطيع بعد سماع أقوال طرفي النزاع أن يقضي بتأييد الأمر أو إلغاءه كلياً أو جزئياً أو بتتعيين حارس تكون مهمته إعادة نشر أو عرض أو استخراج نسخ المصنف محل النزاع على أن يودع الإيراد الناتج في خزانة المحكمة .

وإذا طلب أي من ذوي الشأن الحجز على المصنف وأمرت المحكمة به فإلى متى يظل الحجز قائماً؟ لم يعالج المشرع العراقي في قانون حماية حق المؤلف هذه الناحية، خلافاً للمشرع المصري الذي ألزم طالب الحجز برفع النزاع إلى محكمة الموضوع خلال الخمسة عشر يوماً التالية لصدور الحجز، وإلا زال أثر الحجز وعلى ذلك نصب الفقرة الأخيرة من المادة 43 من القانون المصري بقولها (ويجب أن يرفع الطالب أصل النزاع إلى المحكمة المختصة في خلال الخمسة عشر يوماً التالية لصدور الأمر فإذا لم يرفع في هذا الميعاد زال كل أثر له).

يتضح من هذا النص أن أمر الحجز في القانون المصري، يعتبر مؤقتاً سواء رفع المؤلف القضية إلى محكمة الموضوع، خلال الخمسة عشر يوماً أو لم يرفعها ففي الحالة الأولى يتقرر مصير الحجز بقرار محكمة الموضوع التي قد تأمر بإتلاف المصنف أو برفع الحجز عنه. أما في الحالة الثانية فإن الحجز ينتفي ويزول أثره إذا لم يرفع المدعي دعواه خلال المدة المذكورة.

وكان على المشرع العراقي أن يأخذ بالنص المذكور دون أن يترك الحكم للقواعد العامة في الحجز.

المطلب الثالث
المواد التي يشملها الحجز

إن قرار محكمة البداية، بحجز المصنف المقلد، لا قيمة قانونية له إذا لم يمكن تنفيذه، فهو يتطلب وقوع الحجز على مصنف يمكن أن يوضع تحت يد القضاء.

ويتناول الحجز دائماً الشكل المادي للمصنف الذي يمكن أن يكون محلاً للحجز، وهذا الشكل إما أن يكون مادة يمكن نقلها كالكتاب والفيلم السينمائي والنحت والرسم وغيرها، أو أن يتعلق المصنف بعقار.

لذلك سنتكلم في الفرع الأول على حجز المصنفات المقلدة المنقولة وفي الفرع الثاني على حجز المصنف الذي يتعلق بعقار.

الفرع الأول
حجز المصنف المقلد المنقول

حددت المادة 46 من قانون حماية حق المؤلف، المواد التي يجوز حجزها، وهي المصنف الأصلي أو صورة والمواد التي تستعمل في نشر أو استخراج نسخ منه.

ويراد بالمصنف الأصلي الخطوط والتسجيل والتصاميم التي ألفها المؤلف والتي انتقلت إلى الغير بصورة غير مشروعة، أو انتقلت إليه بصورة مشروعة دون أن يحق له نشرها.

أما النسخ والصور فتعني جميع ما يقوم به الغير من نشر بالاستناد إلى أصل المصنف أو إلى نسخة منه، كالكتب والمجلات والصحف، وعمل النماذج والتماثيل، والتسجيل الموسيقي والسينمائي والرسوم.

وأما المواد التي تستعمل في إعادة نشر المصنف، فتعني جميع الوسائل المادية التي يستخدمها الناشر في نشر المصنفات وقد اشترط المشرع لجواز الحجز على هذه المواد، أن تكون مخصصة لإعادة نشر المصنف الذي نشر بصورة غير مشروعة ولا تصلح لغير ذلك وخير مثال نسوقه لهذه المواد هي (الكليشات) أو الأختام التي تستعمل في طبع الرسوم والكتابة وغيرها، في الصحف والكتب والجرائد لأن هذه الكليشات لا تصلح إلا لإعادة نشر المصنف، ولا تستعمل في أغراض أخرى.

كذلك الأمر بالنسبة للمطابع الحجرية المخصصة لطبع الكتب القديمة لأنها تخصص لإعادة نشر المصنف فقط ولا تصلح لعمل آخر ويشمل الحجز أيضاً القوالب المعدة لصب التماثيل والنماذج التي يكون تحضيرها عن طريق وضع مواد معينة في قالب، ويمكن تكرار هذه العملية في إعادة نشر المصنف.

أما المواد التي لا يجوز حجزها، فهي المواد التي تستعمل في إعادة نشر المصنف ولكنها تستعمل لأغراض أخرى أو لنشر المصنفات الأخرى، كالمطابع التي تقوم بطبع الكتب والمجلات والصحف، وأشرطة التسجيل، وآلة التصوير وآلة الاستنساخ، والأدوات الخاصة بالموسيقى، وأدوات النجارة والنحت وجميع الأدوات الأخرى التي يمكن الاستفادة منها في أغراض لا تقتصر على إعادة نشر المصنف وبذلك قضت المادة (46) من القانون العراقي المقابلة للمادة (43/3) من القانون المصري بقولها : “……. بشرط أن تكون المواد المذكورة غير صالحة لإعادة نشر المصنف ….”.

ولا يشمل الحجز الإيراد الناتج عن بيع هذه المصنفات، إلا في حالة ما إذا كان المصنف ينشر بين الجمهور بواسطة الإيقاع أو التمثيل أو الإلقاء فنصت المادة (46) من القانون على أنه “…..وفيما يختص بالإيقاع والتمثيل والإلقاء بين الجمهور يجوز للمحكمة أن تأمر بحصر الإيراد الناتج من النشر أو العرض وتوقيع الحجز عليه”. والسبب الذي دفع المشرع إلى السماح بحجز الإيراد الناتج عن الإيقاع أو الإلقاء أو التمثيل، هو عدم إمكان وضع الحجز عليه لاستحالته من الناحية المادية، ذلك لأن الإيقاع أو الإلقاء أو التمثيل يلقى أمام الجمهور ويفنى بعد إلقائه، وليس له شكل مادي محسوس يكون محلاً للحجز، وما يمكن حجزه هو الإيراد أو الناتج عنه، وواضح أن الإيقاع أو التمثيل أو الإلقاء، إذا حصل في اجتماع عائلي، أو اجتماع جمعية، أو منتدى خاص، أو مدرسة، امتنع على المؤلف طلب توقيع الحجز لأنه لم يسفر عن حصيلة مالية يمكن توقيع الحجز عليها.

ويلاحظ أن الغير إذا قام بنشر المصنف بنسخة واحدة لغرض استعماله الشخصي، فلا يجوز للمؤلف أو خلفه طلب وضع الحجز عليه لأن المادة الثالثة عشرة من القانون أجازت للغير بقولها (إذا قام شخص بعمل نسخة واحدة من مصنف منشور لاستعماله الشخصي، فلا يجوز للمؤلف أن يمنعه من ذلك…..

ويجوز الحجز على الكتب التي نشرت بصورة غير مشروعة وإن كانت خاصة بمهنة المدين، بالرغم من نص المادة (9248) من قانون أصول المرافعات المدنية التي منعت حجز الكتب الخاصة بمهنة المدين أو بيع ما حجز منها لاقتضاء الدين، سواء كان الحجز احتياطياً أو تنفيذياً، ذلك لأن نشر هذه الكتب بصورة مشروعة هو أساس للحجز عليها.

وإذا صدر أمر الحجز ارتفعت يد الغير الذي قام بنشرها بصورة غير مشروعة عنها ووجب على المحكمة أن تعين حارساً للمحافظة عليها انتظاراً لنتيجة الدعوى التي تنظرها محكمة الموضوع، فإذا ثبت لمحكمة الموضوع أن النشر كان غير مشروعاً، كان لها أن تأمر بإتلافها، أما إذا وجدت المحكمة أن المؤلف غير محق في دعواه، جاز للغير الذي تضرر من الحجز طلب تعويض الضرر الذي أصابه بسبب الحجز(10).

الفرع الثاني
حجز المصنف الذي يتعلق بعقار

أن المصنف المتعلق بعقار هو المصنف المعماري الذي يتعلق بالبناء ويشمل كل ما يظهر على البناء من نحت أو رسم أو أشكال هندسية وضعت بشكل مبتكر، وهذه المبتكرات تضفي على الأبنية التي تحملها قيمة مالية كبيرة. وتكلف أصحابها أموالاً طائلة وتعتبر ثروة وطنية تسهم في تقدم البلاد العمراني. وبسبب ذلك تولاها المشرعون بالرعاية وسلك مشرع قانون حماية حق المؤلف العراقي مسلكه فنص في مادته السابعة والأربعين المقابلة للمادة السادسة والأربعين من القانون المصري على ما يلي (ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون المباني محل حجز تطبيقاً لنص المادة الحادية عشرة من هذا القانون ولا تتلف أو تصادر بقصد المحافظة على حقوق المؤلف المعماري الذي تكون تصميماته ورسوماته قد استعملت استعمالاً غير مشروع).

ومفاد هذه المادة أنه لا يجوز الحجز على المباني أو إتلافها إذا تضمنت مصنفات معمارية استعملت بصورة غير مشروعة، بحجة المحافظة على حقوق مؤلفيها.

ويلاحظ على هذه المادة أن المشرع لم يكن موفقاً في وضعها من الناحيتين الشكلية أو الموضوعية.

أما من الناحية الشكلية فلأنه أدمجها في المادة السابعة والأربعين مع أنها تتعلق بالمادة السادسة والأربعين الخاصة بالحجز. وكان عليه أن يفرد لها فقرة في هذه المادة باعتبارها استثناء على طلب الحجز. أو يعقد لها مادة مستقلة تلي المادة السادسة والأربعين.

وأما من الناحية الموضوعية فلأن المشرع اعتبر التصاميم من حقوق المؤلف المعماري، في حين أن التصاميم وإن كانت تتعلق بالأمور المعمارية، إلا أنها من مصنفات الخرائط أو المخطوطات ولا تدخل ضمن المصنفات المعمارية ذلك لأن الفن المعماري يعني ما يظهر على المباني في شكل ملموس، كالأشكال الهندسية والديكورات، ولا يعني ما ينشر من خرائط وتصاميم أبنية في الكتب والكراسات. وقد كفلت الفقرتان (1 و 9) من المادة الثانية حماية المصنفات الأخيرة، أما الفقرة الثالثة فقد اختصت بالفنون المعمارية وحدها.

وعلى ذلك فإن للتصاميم حماية تختلف عن التجسيد الواقعي لها ويتمتع بالحماية أيضاً من قام بتحويل التصاميم إلى شكلها الواقعي لأن تنفيذها يحتاج إلى مجهود فكري وعملي لا يتوفر إلا من له إلمام وموهبة خاصة بتحويلها من التخطيط المجرد إلى الواقع العملي الملموس لذلك فإن الحماية تشمل من قام بتحويلها وعلى ذلك نصت المادة الرابعة من قانون حماية حق المؤلف بقولها (يتمتع بالحماية من قام بتعريب المصنف أو ترجمته أو مراجعته أو بتحويله من لون من ألوان الفنون والعلوم إلى لون آخر).

أما إذا قام مؤلف أو مهندس معماري، بوضع خرائط أو تصاميم فإن الاعتداء على هذه الخرائط يكون عن طريق نشرها. وليس عن طريق تحويلها أو تنفيذها.

ويظهر من ذلك أن التقيد بحرفية نص المادة السابعة والأربعين يجيز لنا القول أن المشرع شمل حمايته على التصاميم والرسوم التي تم تنفيذها في المصنف المعماري. أما إذا قام شخص بتقليد بناء يتضمن مصنفاً معمارياً فإنه بموجب هذه المادة، لا يعتبر معتدياً على حق المؤلف المعماري لكونه لم يعتد على تصاميمه ورسومه.

ويلاحظ كذلك أن المادة المذكورة قد نصت على أنه (لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون المباني محل حجز تطبيقاً لنص المادة الحادية عشرة من هذا القانون….). ويفهم من النص المذكور أن المادة الحادية عشرة قد أجازت الحجز على المباني وأن المادة (47) قد استثنت الحجز منها. ولكن بالرجوع إلى نص المادة الحادية عشر يبدد هذا الظن لأن المادة الأخيرة قضت بأنه (لا يجوز الحجز على حق المؤلف، ويجوز الحجز على المصنفات التي يموت صاحبها قبل نشرها ما لم يثبت بصفة قاطعة أنه استهدف نشرها قبل وفاته) وبهذا النص تكون المادة قد أعطت للمؤلف حقاً معنوياً مانعاً من قيام الغير وهم الدائنون بالحجز على حق المؤلف باعتباره من الحقوق المعنوية الخاصة بشخصه، وتصدت لحق معنوي للمؤلف على مصنفه. أما المادة (47) فتتعلق باعتداء وقع على حقوق المؤلف بنشر مصنفه بصورة غير مشروعة واعتبره المشرع عمل غير مشروع. وعليه فإن الحجز الذي ورد في المادة الحادية عشرة هو الحجز الذي يوقعه الدائن على المصنف باعتباره ضماناً عاماً لحقه وقد منعه القانون لمساسه بالحقوق الخاصة لشخص المؤلف، أما الحجز الذي يمارسه المؤلف ضد من اعتدى على حقه فليس حجزاً تنفيذاً يريد به المؤلف التنفيذ على أموال مدينه وإنما هو حق يرفع الاعتداء على حقوقه الأدبية بالنشر غير المشروع. ولما كانت هذه المباني تكلف أموالاً طائلة فقد منع المشرع حجزها بقصد المحافظة على حقوق المؤلف وإن أجاز حجزها بسبب ديون ترتبت في ذمة المعتدي ولا علاقة لها بحقوق المؤلف.

ولذلك اقترح تعديل النص المذكور لتكون صياغته على النحو الآتي: (لا يجوز أن تكون المباني التي تتضمن اعتداء على حقوق المؤلف المعماري محلاً للحجز مع عدم الإخلال بحق المؤلف في التعويض).

وإذا استقر الرأي على عدم جواز الحجز على المباني بقصد المحافظة على حقوق المؤلف المعماري. فهل يجوز للمؤلف أن يطلب إيقاع الحجز على المباني لا لأنها نشرت بصورة غير مشروعة. وإنما على أساس اعتباره دائناً عادياً، كأن يقوم المؤلف بنفسه بتنفيذ المصنف المعماري إلا أن الطرف الآخر لا يدفع له المبلغ المتفق عليه.

أرى أن للمؤلف الحق بأن يطلب حجز المباني التي تتضمن مصنفه المعماري. لا بالإستناد للمحافظة على حق المؤلف وإنما على اعتباره دائناً عادياً يطلب التنفيذ على أموال مدينه ومنها المباني التي تتضمن مصنفه المعماري، إذ أن دين المؤلف المعماري في هذه الحالة يتمتع بحق امتياز على المصنف المعماري، وقد نصت المادة (1379) من القانون المدني على (أ- المبالغ المستحقة للمقاولين والمهندسين المعماريين الذين عهد إليهم تشييد أبنية أو منشآت أو إعادة تشييدها أو ترميمها أو صيانتها، لها حق امتياز على هذه المنشآت بقدر ما يكون زائداً بسبب هذه الأعمال في قيمة العقار وقت بيعه).

المبحث الثاني
إتلاف المصنف المقلد

إن إتلاف المصنف المقلد، يتطلب أن يقدم المؤلف طلباً إلى محكمة البداية. يطلب فيه إتلاف الإنتاج المتضمن سرقة ابتكاره، والاعتداء على أحد حقوقه، وإذا ما قررت المحكمة إعدام المصنف المقلد فإنها تكون بذلك قد وضعت حداً للاعتداء الحاصل، غير أن إعدام المصنف المقلد بهذه الصورة لا يمحو الاعتداء الحاصل قبل الإتلاف لذلك يبقى حق المؤلف قائماً بطلب التعويض عما أصابه من ضرر نتيجة نشر مصنفه بصورة غير مشروعة.

إن الإلمام بهذا الموضوع يقتضينا تحديد مفهوم الإتلاف أولاً وهو ما سنتكلم فيه في المطلب الأول، وبيان المواد التي يشملها الإتلاف والمواد التي لا يجوز إتلافها، وهذا ما سنخصص له المطلب الثاني في هذا المبحث.

المطلب الأول
مفهوم الإتلاف

التلف لغة يعني الهلاك والعطب التام، أما اصطلاحاً فيعني في دائرة بحثنا إعدام المصنف، بمحوه من الوجود حاضراً ومنع نشوئه مستقبلاً، فإذا قام شخص بإتلاف مال غيره مباشرة أو تسبباً كان ضامناً، إذا كان في إحداث هذا الضرر قد تعمد أو تعدى طبقاً لما نصت عليه المادة (186) من القانون المدني، إلا أن قانون حماية حق المؤلف خالف هذه القاعدة وأجاز للمؤلف أن يطلب إتلاف أموال غيره إذا تضمنت هذه الأموال نقل ابتكاره بصورة غير مشروعة، ذلك لأن الجسم المادي الذي يتضمن الابتكار وإذا كان مالاً يعود للناشر ويعتبر ملكه إلا أن وجوده يعتبر اعتداء على حقوق المؤلف الأدبية. ولذلك قضت المادة (47) من قانون حماية حق المؤلف بأن لمحكمة البداية بناء على طلب صاحب حق المؤلف تأمر بإتلاف نسخ أو صور المصنف الذي نشر بوجه غير مشروع والمواد التي استعملت لنشره بشرط لا تكون صالحة لعمل آخر ولها أن تأمر بتغيير معالم النسخ والصور والمواد أو جعلها غير صالحة للعمل وذلك إذا كان حق المؤلف سينقضي في فترة تقل عن سنتين ابتداء من تاريخ صدور الحكم، وفي هذه الحالة يستبدل بهذه الإجراءات وضع الحجز حتى تنتهي الفترة الباقية، ويجوز للطرف الذي لحق به الضرر أن يطلب بدلاً من الإتلاف وفي حدود ما له من تعويض مصادرة نسخ المصنف الذي نشره أو صوره والمواد التي لا تصلح إلا لإعادة نشره وبيعه لحسابه، ويجوز له كذلك أن يطلب وضع الحجز على الإيراد الناتج من الإيقاع أو الإلقاء غير المشروع. وفي كل الأحوال يكون التعويض ديناً ممتازاً بالنسبة لصافي ثمن بيع الأشياء والمبالغ والنقود المحجوزة عليها، ولا يتقدم على هذا الامتياز غير امتياز الرسوم القضائية والمصاريف التي تنفق للمحافظة على تلك الأشياء ولتحصيل ذلك المبلغ يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون المباني محل حجز تطبيقاً لنص المادة الحادية عشرة من هذا القانون ولا أن تتلف أو تصادر بقصد المحافظة على حقوق المؤلف المعماري الذي تكون تصميماته ورسومه قد استعملت استعمالاً غير مشروع، يجوز للمحكمة في كل الحالات بناء على طلب الطرف الذي لحق به الضرر أن تأمر بنشر الحكم بأسبابه أو بدونها في جريدة أو مجلة أو أكثر على نفقة الطرف المسؤول”.

إن مما يلاحظ على هذه المادة، أنها تضمنت عدة موضوعات مختلفة في نص واحد، فتناولت الإتلاف والتغيير وما يرد عليهما من استثناء الحجز، والتعويض المادي والأدبي، ودرجة امتياز التعويض، والمصادرة والتنفيذ على الإيراد، وأحكام المباني، وأرى أنه كان يجب على المشرع أن تفصل هذه الموضوعات عن بعضها، أو أن يحيل كلاً منها إلى المواد التي تعالج أسسها.

وإذا كانت محكمة البداية تختص بالمسائل المستعجلة “والمعرفة بالقضاء المستعجل التي يخشى عليها من فوات الوقت بشرط عدم المساس بأصل الحق(11) كإجراء الحجز التحفظي مثلاً، فإن ذلك يقتضي وجوب رفع دعوى أمام محكمة الموضوع لتقرير الحجز وقد يصبح الحجز بعدئذ تنفيذياً ليستوفي الدائن دينه من ثمن المحجوز بعد بيعه، أو يتقرر مصير الحجز كإتلافه، أو برفع الحجز عنه لزوال أسبابه.

وقد سلك قانون حماية حق المؤلف طريقاً في إتلاف المصنف المقلد يخالف ما تقتضي به القاعدة المذكورة، فأجاز لمحكمة البداية أن تأمر بإتلاف المصنف المقلد، سواء تم حجزه أو لم يتم بشرط أن يطلب صاحب حق التأليف ذلك. أن ما يفهم من فحوى النص أن طلب المؤلف يعتبر من المسائل المستعجلة فيجوز للمؤلف أن يطلب من المحكمة حجز المصنف أو إتلافه رأساً.

إن هذا الحكم يثير أشكالاً فإذا افترضنا أن دعوى رفعت، وقررت محكمة الموضوع أن الناشر لم يعتد على حقوق المؤلف، في الوقت الذي تم إتلاف المصنف بحكم صدر من محكمة البداية، فما هو الحل؟ وإذا قيل أن النص المذكور أعطى لمحكمة البداية حق الاختصاص النوعي والنظر في جميع المسائل المتعلقة بقانون حماية حق المؤلف فيمكن الرد على ذلك بأن الاعتداء على حق المؤلف قد تتولد عنه جريمة جنائية يعاقب عليها القانون، ولا تملك محكمة البداية حق توقيع العقوبة على المعتدي عندما تحكم بإتلاف المصنف وكان يجب على المشرع النص على تخويل محكمة الموضوع مدنية أو جزائية حق الحكم بإتلاف المصنف إذا تبين لها من التدقيق وسير المرافعة أن المصنف نشر بصورة غير مشروعة.

وإذا كانت قضايا التدابير المستعجلة ذات أهمية بالغة، لأن الضرورة تقتضي أحياناً إصدار قرار مستعجل يرد فيه حاكم التدابير المستعجلة عدواناً من شخص على آخر، ويقرر إيقاف مقاومة من أحدهما للآخر، أو حماية للأوضاع الظاهرة، أو يتخذ إجراء عاجلاً يصون به موضوع الحق أو دليلاً من أدلة الدعوى دون التصدي لأساس الدعوى(12) وأن الحجز الذي يمارسه المؤلف على المصنفات التي نشرت بصورة غير مشروعة يعتبر من القضايا المستعجلة لأنه إجراء وقتي ينتهي بانتهاء موضوع الدعوى، إلا أن الإتلاف الذي تقرره المحكمة عند إصدار حكمها في موضوع الدعوى والذي تنتهي به الدعوى لا يعتبر من الإجراءات المستعجلة التي تحفظ حقوق المؤلف، وإنما يعد من الإجراءات التي تقررها محكمة الموضوع حسب اختصاصها الوظيفي تنتهي به الدعوى.

يضاف إلى ما تقدم أن المؤلف يستطيع المحافظة على حقوقه دون طلب إتلاف المصنف، بأن يطلب من المحكمة وضع المصنف المقلد تحت يد القضاء حتى يبت في النزاع. وبهذه الوسيلة يضمن المؤلف وقف تداول المصنف وحجبه عن الجمهور، وهو ما يهدف إليه أولاً، ثم تتبع ذلك الخطوات الأخرى التي تنتهي بالبت في الدعوى. وإذا قررت المحكمة إتلاف المصنف. نفذ قرارها، وانتهت حياة المصنف بإعدامها.

وجدير بالذكر أن القانون إذا كان يخول محكمة البداية حق إتلاف المصنف المقلد فإن هذا لا يعني حرمان المحاكم المدنية الأخرى من الحكم بإتلافه إلا أن طبيعة كل من الإجراءات والحكم تختلف في محكمة البداية عنها في المحاكم المدنية الأخرى. فالمؤلف يستطيع أن يطلب من محكمة البداية اتخاذ إجراء فوري بإتلاف المصنف المقلد. ولا يستطيع طلب ذلك من محكمة الصلح لأن محكمة الصلح لا تستطيع الحكم بإتلاف المصنف إلا عند حسم الدعوى بعدما يتبين لها من سير المرافعة والتحقيق ولا يعتبر عندئذ حكمها إجراء فورياً تتخذه بناء على طلب المؤلف، كما هو شأن الطلب المقدم إلى محكمة البداية. وكذلك الشأن بالنسبة للمحاكم الجزائية. ذلك لأن المادة (308) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قضت بأن مصادرة وإتلاف الأشياء المضبوطة التي ارتكبت الجريمة بها أو عليها تقع في اختصاص أحكام التحقيق ومحكمة الجزاء المختصة. ولكن هذا الإجراء الفوري الذي خول الحاكم التحقيق يرد عليه استثناء يتعلق بالمصنفات المقلدة فإتلافها لا يعتبر من الإجراءات الفردية التي يتخذها حاكم التحقيق في مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة. وإنما ما يقع بعد حسم الدعوى الجزائية وعلى ذلك نصت المادة (312) بقولها لا ينفذ القرار بالتسليم (تسليم الأشياء المضبوطة) إلا بعد صيرورته باتاً ولا ينفذ القرار بإتلاف المخطوطات أو المطبوعات ونحوها إلا بعد انقضاء الدعوى الجزائية عن جميع المتهمين) وانقضاء الدعوى يعني اكتساب الحكم الدرجة القطعية. فإذا اكتسب الحكم الجزائي الدرجة القطعية نفذ قرار حاكم التحقيق بإتلاف المصنف، ويجوز للمحكمة الجزائية المختصة كذلك أن تقرر إتلاف المصنف بعد صدور الحكم واكتسابه الدرجة القطعية.

والحق إتلاف المصنفات المقلدة بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية كما قضت به النصوص الجزائية أكثر ضماناً للعدالة مما قضى به قانون حماية حق المؤلف وكان يحسن بمشرعه أن لا يعتبر الإتلاف إجلاء فورياً تتخذه محكمة البداية قبل حسم الدعوى بحكم قطعي. ولا يفوتنا القول أخيراً، أن النشر غير المشروع لا يعني أن الطريقة التي استعملها الناشر في نشر المصنف كانت غير مشروعة، أو أنه عمد إلى نشر المصنف دون علم السلطة العامة، أو إن يتجاوز حدود الرخصة الممنوحة له ونشر في المصنف موضوعات بعيدة عن طبيعة المصنف و اختصاصه، لأن كل ذلك يخضع لأحكام قوانين المطبوعات. ويكون من شأن التجاوز إلغاء الامتياز(13). وإنما المقصود بالنشر غير المشروع أن يعمد الناشر إلى نشر المصنف، بدون أن يحصل على إذن صريح من المؤلف يجيز له نشره. لأنه يكون عندئذ قد استعمل حقاً أدبياً لا يجوز استعماله إلا من قبل المؤلف نفسه، وهو حقه في تقرير نشر المصنف ولا يجوز أن تكون هذه الموافقة ضمنية وإنما يجب أن تكون صريحة ومكتوبة.

المطلب الثاني
المواد التي يشملها الإتلاف والمصنفات التي لا يجوز إتلافها

المواد التي يجوز إتلافها هي المواد التي يعتبر وجودها واستمرار تداولها اعتداء على حقوق المؤلف، إلا أن المشرع راعى ما قد يصيب المجتمع والمسؤول والمؤلف نفسه من إجراء إتلاف هذه المواد من ضرر فاستثنى من الإتلاف بعض المصنفات.

ولذلك يحسن بي توزيع هذا المطلب على فرعين أتكلم في أولهما على المواد التي يحكم بإتلافها، وأحدد في المصنفات التي لا يجوز إتلافها.

الفرع الأول
المواد التي يشملها الإتلاف

إن المواد التي يشملها الإتلاف هي:

أولاً: نسخ أو صور المصنف الذي نشر بصورة غير مشروعة كالكتب والمجلات والأفلام السينمائية وأشرطة التسجيل والرسوم والنماذج وغيرها من المصنفات المقلدة.

وكثيراً ما يحدث أن المقلد يضيف ابتكاراً جديداً إلى المصنف المقلد ليتستر على عمله، كأن يغير في العنوان أو في بعض أجزاء المصنف فكيف يكون الحكم بالإتلاف؟ ذهبت المحاكم الإنجليزية(14) في هذا الصدد إلى أنه إذا مزج المدعى عليه ابتكاره بابتكار المدعي في مصنفه، فإذا أمكن فصل عمل كل منهما اقتصر الإتلاف على الجزء الذي قلد، أما إذا لم يمكن فصل عمل كل منهما فإن قرار المحكمة بالإتلاف يشمل المصنف كله.

وفي العراق يجوز للمحكمة أن تحكم بإتلاف النسخ والصور وإنما يتغير معالمها. أو جعلها غير صالحة بمقتضى ما نصت عليه المادة (47) المار ذكرها. فإذا قام الناشر بنشر كتاب وأضاف إليه صوراً أو رسوماً أو موضوعاً لمؤلف آخر. فللمحكمة في هذه الحالة أن لا تحكم بإتلاف الكتاب باكمله وإنما بتغيير معالم الصفحات التي حدث عليها الاعتداء أو تحكم بإتلاف ما أضيف.

ثانياً: المواد التي استعملت للنشر
ويشترط في إتلاف هذه المواد أن لا تكون صالحة لعمل آخر ويشمل الإتلاف الكليشات والقوالب وغيرها ما دامت تستعمل لنشر هذا المصنف فقط. ويجوز للمحكمة بدلاً من الحكم بإتلافها أن تغير معالمها أو تجعلها غير صالحه.

وأرى أن عبارة جعلها غير صالحة يعني إتلافها أيضاً، لأن القانون لم يحدد معنى الإتلاف بأنه إزالة الشيء من الوجود. ولذلك يجوز أن يقع الإتلاف في صورة صبغها أو شطبها بالمداد أو وضع مادة كيماوية أخرى عليه، أو تشويهها.

الفرع الثاني
المصنفات التي لا يجوز إتلافها

إن طلب الإتلاف يخضع لتقدير محكمة البداية ويعتبر حكمها في هذا الشأن قطعياً لا يقبل الطعن ومع ذلك، فإن المشرع قيد سلطتها بما أورده من استثناءات قررها لمصلحة المؤلف والناشر وللمجتمع وهذه الاستثناءات هي:

أولاً: وضع الحجز على المصنف إذا كان حق المؤلف سينتهي بعد فترة تقل عن السنتين.

إن المشرع حدد مدة حماية حق المؤلف بحياته بعد نشر مصنفه مضافاً إليها خمسة وعشرين سنة تعقب وفاته على أن لا تقل مدة الحماية في مجموعها عن خمسين سنة من تاريخ أول نشر للمصنف (المادة العاشرة من قانون حماية حق المؤلف) فإن نشر المصنف بصورة غير مشروعة في وقت لم يبق من مدة الحماية غير ما يقل عن سنتين ابتداء من تاريخ صدور الحكم كان على المحكمة بدلاً من الحكم بإتلاف نسخ المصنف أو صوره أن تضع الحجز عليها حتى تنتهي الفترة الباقية. وبذلك قضت المادة (47) من قانون حماية حق المؤلف بقولها : (…… ولا تأمر المحكمة بالإجراءات المذكورة إلا إذا كان حق سينقضي في فترة تقل عن سنتين ابتداء من تاريخ صدور الحكم وفي هذه الحالة يستبدل بهذه الإجراءات وضع الحجز حتى تنتهي الفترة الباقية.

وهذا يعني أن على المحكمة أن تقرر الحجز ابتداء. إذا كان حق المؤلف سينقضي في فترة تقل عن السنتين. وليس كما يفهم من ظاهر النص، وهو الحكم بالإتلاف أو بتغيير المعالم ثم العدول عنه إلى وضع الحجز عندما تجد المحكمة أن المدة الباقية لحق المؤلف تقل عن سنتين وكان يحسن بالمشرع أن يصوغ نصه على النحو الآتي: (وعلى المحكمة أن تأمر بحجز المصنف إذا كان حق المؤلف سينقضي في فترة تقل عن سنتين ابتداء من تاريخ صدور الحكم.

ويلاحظ أن حق تقرير نشر المصنف من الحقوق الأدبية التي لا تنتهي مهما كانت المدة، ولكن المشرع وقتها في هذه المادة وجعل لها حكم الحقوق المالية خلافاً لطبيعتها. ويلاحظ كذلك أن الحجز الذي تحكم به المحكمة بوضعه حجز مؤقت ينتهي بسقوط المصنف في الحق العام.

كما أن لي ملاحظة أخرى على هذه المادة، هي أن المؤلف إذا كان يتمتع بحقوقه على مصنفه طيلة حياته فكيف يمكن القول أن حقه سينتهي بعد فترة تقل عن سنتين من تاريخ صدور الحكم؟ وهذا الحكم لا يستقيم إلا إذا افترضنا أن المؤلف قد توفى وأن ورثته هم الخصم في مثل هذه الدعوى.

ثانياً: مصادرة نسخ المصنف لمصلحة المؤلف
قد ينشر المصنف دون إذن مؤلفه، ولا يتضمن النشر أي تغيير أو تعديل في ابتكار المؤلف أو تشويه له وعندئذ يحق للمؤلف أن يطلب التنفيذ على المصنف بدلاً من إتلافه. وذلك ببيعه واستحصال مبلغ التعويض عن الضرر الذي أصابه من ثمنه وقد نصت على ذلك المادة (47) من قانون حماية حق المؤلف بقولها (… ويجوز للطرق الذي لحق به الضرر أن يطلب بدلاً من الإتلاف وفي حدود ما له من تعويض مصادرة نسخ المصنف أو الذي نشره أو صوره والمواد التي لا تصلح إلا لإعادة نشره وبيعها لحسابه ويجوز له كذلك أن يطلب وضع الحجر على الإيراد الناتج من الإيقاع والإلقاء غير المشروع). ولم يرد في القانون المصري نص مقابل لهذا الحكم.

إن ما يلاحظ على هذه المادة أنها استعملت مصطلح المصادرة، التي تتحول إلى بيع لحساب المؤلف. ولما كان مصطلح المصادر يعني انتقال الملكية إلى الدولة بدون تعويض أو أنها تعتبر من العقوبات التكميلية الجنائية (المادة 101 من قانون العقوبات والمادة 117 منه باعتبارها من العقوبات والمادة 117 منه باعتبارها من التدابير الاحترازية المادية). فقد كان الأجدر بالمشرع أن لا يستعمل مصطلح (المصادرة) في نصه هذا لتعارض مفهومها مع ما قصده في النص، وكان يحسن به أن يصوغ النص المذكور في الشكل الآتي (ويجوز للمؤلف أو خلفه أن يطلب بدلاً من إتلاف المصنف وفي حدود ماله من تعويض بيع نسخ المصنف وفي حدود ما له من تعويض بيع نسخ المصنف الذي نشر أو صور والمواد التي لا تصلح إلا لإعادة نشره، واقتضاء مبلغ التعويض من ثمنها) وإذا حكم بالمصادرة رفعت يد الناشر عن المصنف ويباع من نسخ المصنف ما يفي التعويض ويرد باقي الثمن أو بقية النسخ بعد البيع إلى الناشر.

ثالثاً: المصنفات التي يتعذر إتلافها
إذا صدر قرار من محكمة ما، فإن هذا القرار لا قيمة له إذا لم يكن قابلاً للتنفيذ. كذلك الأمر بالنسبة للمصنفات، فإن جدوى الحكم بإتلافها لا يتحقق إلا إذا كانت المصنفات قابلة للإتلاف، كالكتب والأفلام السينمائية والنحت والرسم والكراسات والمجلات وغيرها بالنظر لإمكان إتلافها، إلا أن هناك بعض المصنفات يتعذر إتلافها لأنها أشياء غير مادية، أو لأنها تفنى من الوجود بعد نشرها مباشرة كالإلقاء المباشر، أو عن طريق الإذاعة والتلفزيون (وهو ما يطلق عليه البث في الهواء). وقد انتبه المشرع إلى طبيعة هذه المصنفات ولم يفته حكمها كي لا يستفيد المعتدي في اعتدائه، فأجاز القانون للمؤلف أو لخلفه أن يطلب وضع الحجز عن المبالغ التي تستحصل من جراء نشر هذه المصنفات ومن أمثلتها الإيقاع أو الإلقاء غير المشروع. وبذلك قضت المادة 47 من قانون حماية حق المؤلف بقولها (…… ويجوز له كذلك وضع الحجز على الإيراد الناشئ من الإيقاع أو الإلقاء غير المشروع….).

فإذا قام شخص بترتيل القرآن الكريم بطريقة مبتكرة جديدة وقام غيره بتقييدها فإن للمؤلف الحق أن يطلب وضع الحجز على الإيراد الناتج من الإلقاء أو الترتيل. والتنفيذ عليه للحصول على مبلغ التعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء ذلك الاعتداء على حقوقه.

رابعاً: المصنف المعماري
تتعلق المصنفات المعمارية دائماً بالعقارات كالتحف الموجودة على الجدران وكالشكل الهندسي للعقار الذي يعتبر من المصنفات المعمارية إذا تضمن ابتكاراً لمؤلفه. ولما كان المصنفات المعمارية والمباني التي تتضمنها تكلف أموالاً طائلة وتدخل في الثروة الوطنية للبلاد، ولما كان إتلافها يؤدي إلى القضاء عليها وتشويه المباني التي تحملها، لذلك منع القانون إتلاف هذهالمصنفات (15) أو مصادرتها. وبهذا الحكم قضت المادة 47 فقالت (…….ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون المباني محل حجز تطبيقاً لنص المادة الحادية عشرة من هذا القانون ولا أن تتلف أو تصادر بقصد المحافظة على حقوق المؤلف المعماري الذي تكون تصميماته ورسوماته قد استعملت استعمالاً غير مشروع…).

وإذا كان القانون قد منع إتلاف هذه المصنفات فإنه لم يهدر حقوق المؤلف المعماري، فأجاز له طلب تعويض عما لحقه من ضرر أدبي نتيجة الاعتداء على حقه.

المبحث الثالث
تعويض المؤلف عن الضرر الذي أصابه
(الجزاء المدني)

إذا كان حجز المصنف المقلد وإتلافه يؤديان إلى وقف الاعتداء على حق المؤلف إلا أنهما لا يكفيان لمحو الضرر اللاحق به. لأن ما أصاب المؤلف من ضرر مادي وضرر أدبي، لا يزول بإتلاف المصنف. فقد تتضرر بالاعتداء ذمته المالية، هذا فضلاً عما يصيبه من ضرر أدبي يبدو في صوره ألم يشعر به نتيجة ما وقع من اعتداء على حقه الأدبي، ولا يكفي الإتلاف لإزالة الضرر ولذلك مكنه القانون من المطالبة بتعويض عن كل ما أصابه من ضرر والكلام في التعويض يجرنا إلى تحديد كل من معنى الضرر الأدبي وشروط التعويض. وسنفرد للمفهوم التعويض وشروطه المطلبين الآتيين:

المطلب الأول
مفهوم الضرر الأدبي الذي أصابه المؤلف

إذا كان القانون يحمي الأموال والأشخاص من الاعتداء عليها بتعويض المتضرر عما أصابه من ضرر فهو يشمل القانون بحمايته المؤلف من جراء الاعتداء على حقوقه الأدبية؟

إن الاعتداء على حقوق المؤلف يتسبب في ضرر غير مادي يصيب شخصيته. إلى جانب ما يلحقه من ضرر مادي، كان يقوم المؤلف بنشر كتاب ابتكر موضوعه، ويقوم الغير بنشره بصورة مشوهة، تنطوي على تعديلات فيه تسيء إلى سمعة المؤلف الأدبية من ناحية، وتنافس الكتاب الذي نشره المؤلف منافسة غير مشروعة من ناحية ثانية لأن ما نشره الغير يحمل اسم الكتاب الأول واسم مؤلفه. ولا شك ما قام به الغير يؤدي إلى ضرر مادي يصيب المؤلف لا سيما إذا عمد الناشر تخفيض سعر النسخة من المصنف، وإلى ضرر أدبي يلحق بالمؤلف لما انطوى عليه التعديل والتشويه من مساس بسمعته.

وإذا كان الفقه والقضاء قد استقرا على تعويض الضرر المادي الذي يصيب الغير إلا أن الخلاف ثار في دائرة التعويض عن الضرر الأدبي(16). وقد استقر الرأي في الفقه والقضاء الفرنسي على أن المادة (1382) من القانون المدني الفرنسي تلزم من تسب بخطئه ضرر أصاب الغير بتعويضه عما لحقه من ضرر، تقرر قاعدة عامة بتعويض الضرر سواء كان الضرر مادياً أو أدبياً. وأن هناك بعض الحالات التي تستطيع فيها النقود محو وإزالة الضرر كله أو بعضه. ولم تتردد محكمة النقد الفرنسية في الحكم بالتعويض عن الضرر الأدبي وانعقد إجماع المحاكم الفرنسية على ذلك.

وقد ذهب القانون المدني العراقي إلى جواز التعويض عن الضرر الأدبي في دائرة المسؤولية التقصيرية فقد نصت المادة (1205) منه الواردة في الفصل المعقود للعمل غير المشروع على ما يأتي (يتناول حق التعويض الضرر الأدبي كذلك فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المعتدي مسؤولاً عن التعويض.
والنص المذكور يقرر مبدأً عاماً بتعويض الضرر الأدبي. أياً كان نوعه ما دام يصيب الناحية الشخصية للمتضرر.
كذلك الأمر بالنسبة لقانون حماية حق المؤلف الذي أجاز التعويض عن الضرر الأدبي. وذلك ما يفهم من المادة (44) من قانون حماية حق المؤلف التي نصت على أن (كل مؤلف وقع الاعتداء على حق من حقوقه المبينة بهذا القانون الحق في التعويض المناسب) وإذا كان النص لم يذكر الضرر الأدبي صراحة إلا أن القول بأن الاعتداء الذي يقع على أي حق من الحقوق التي اعترف بها القانون موجب للتعويض. ويدخل الضرر الأدبي في دائرة التعويض لأنه ينتج عن اعتداء على حق من حقوق المؤلف.

إن المقصود بالضرر الأدبي، هو الضرر الذي لا يصيب الشخص في ماله، أي لا يلحق به خسارة مالية، وإنما يصيبه في شرفه أو في سمعته أو في عاطفته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي ويتمثل في شعوره بالحزن والألم. وتقسم الأضرار الأدبية إلى مجموعتين. أولاهما الأضرار التي تمس الجانب الاجتماعي للشخص كالاعتداء على شرفه أو سمعته أو اعتباره. وثانيهما الأضرار التي تمس الجانب العاطفي له. كالآلام التي يكابدها الإنسان بسبب موت شخص عزيز عليه.

وما يعنينا في موضوعنا هذا هو الضرر الأدبي الذي يصيب المؤلف نتيجة الاعتداء على حق من حقوقه الأدبية الواردة في قانون حماية حق المؤلف. أما الأضرار الأدبية الأخرى اللاحقة به فيمكنه المطالبة بالتعويض عنها وفقاً للقواعد العامة للعمل غير المشروع.

إن هذا النوع من الضرر الأدبي يمس الجانب الاجتماعي لشخصه. فالاعتداء على حقوق المؤلف الأدبية يؤثر في نفس المؤلف ويكابد بسببه ألماً نفسياً قد يسوقه إلى الإحجام عن التأليف مستقبلاً متى كان الاعتداء جسيماً في أثره الاجتماعي ووقعه النفسي، ذلك لأن صاحب القدرة على الإنتاج الذهني لا يقدم على التأليف إلا إذا اطمأن إلى أن ابتكاره سيكون في مأمن من عبث المعتدين.

والتعويض عن هذا الضرر الأدبي يجب أن يغطي الاعتداء على أي حق من الحقوق الأدبية للمؤلف التي نص عليها قانون حماية حق المؤلف وهي حقه في تقرير نشر مصنفه وإعادة نشره، وحقه في إجراء التعديل عليه وحقه في نسبة المصنف إليه وحقه في سحبه من التداول، وإذا كان التعويض عن الضرر المادي يتناول عنصرين هما ما لحق الدائن من خسارة مالية وما فاته من كسب مالي، فإن التعويض عن الضرر الأدبي يغطي عنصراً قائماً بذاته، وهو ما أحدثه الاعتداء من مساس بالشعور وألم في النفس، وما يحكم به من تعويض ينبغي أن يكون ترضية كافية للمتضرر، وهو وإن كان لا يزيل الضرر الأدبي نهائياً إلا أنه يخفف من وقعة كثيراً(17).

المطلب الثاني
شروط استحقاق التعويض

إن شروط استحقاق التعويض ثلاثة. هي الأعذار أولاً، توافر أركان المسؤولية المدنية ثانياً، وعدم الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية التعاقدية ثالثاً(18).

ولما كان القانون المدني العراقي لا يشترط الأعذار إذا كان محل الالتزام تعويضاً يترتب على عمل غير مشروع وفقاً لما نصت عليه المادة 258، ولا يجيز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية المترتبة على عمل غير مشروع لمساسه بالنظام العام طبقاً لحكم المادة 256، ولما كان الاعتداء على حقوق المؤلف يعتبر عملاً غير مشروع، فلا يبقى من شروط استحقاق التعويض في دائرة هذا الاعتداء غير شرط واحد هو توافر أركان المسؤولية التقصيرية.

وقد أجمع الفقه والقضاء على أن أركان المسؤولية المدنية، تعاقدية أو تقصيرية، ثلاثة. هي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما(19) فإذا توافرت هذه الأركان تحققت مسؤولية مرتكب الخطأ والتزم بتعويض المتضرر عما أصابه.

كما استقر الفقه على أن الخطأ التقصيري يتضمن عنصرين. أحدهما مادي أو موضوعي، وثانيهما معنوي أو نفسي. أما العنصر المادي في الخطأ التقصيري، فهو الإخلال بواجب سابق فرضه القانون(20) وتبدو الواجبات القانونية العامة، وهي التي يحددها القانون بصورة غير مباشرة، وتبدو في صورة تحديد لحقوق الأشخاص وفرض واجب عام على الكافة باحترامها، ويدخل واجب الناس في احترام حق المؤلف ضمن النوع الثاني(21) أما العنصر المعنوي فهو الإدراك والتمييز أي أنه يشترط لتحقق الخطأ أن يدرك من صدر منه الإخلال بالواجب القانوني أن إخلاله يلحق بالغير ضرراً، ولذلك ينبغي أن يكون مرتكب الخطأ مميزاً يدرك أنه قام بعمل غير مخول بالقيام به قانوناً. أما إذا اعتقد أنه مخول بنشر مصنف يعود إلى الغير، فإن ذلك لا يعتبر قرينة تدل على حسن نيته، لأن القانون أوجب أن تكون ممارسة أي حق من حقوق المؤلف يستند إلى إذن صريح مكتوب من المؤلف.

إن حقوق المؤلف الأدبية تعتبر نافذة مانعة تجاه الكافة، فقد صان قانون حماية حق المؤلف العراقي هذه الحقوق وأوجب عدم المساس بها، وعليه فإن الركن المادي في الخطأ بالنسبة لحقوق المؤلف، هو الإخلال بواجب قانوني يفرضه القانون على الكافة، وقد بين القانون ماهية هذه الحقوق الأدبية واعتبرها جزءاً من شخصيته، منع الغير من نشر المصنف دون موافقة المؤلف. فاعتبر حق تقرير النشر خاصاً بالمؤلف وحده (م7) وأعطى للمؤلف وحده حق تغيير وتبديل المصنف (م10) وكذلك فعل بالنسبة لحقوقه الأدبية الأخرى، وقد اعتبر أي تعد على هذه الحقوق خطأ يستوجب المسؤولية عند ثبوت الضرر الذي لحق بالمؤلف بسببه، فيتحقق الخطأ إذا قام الغير بتعديل أو تغيير المصنف وإثبات الخطأ في هذه الحالة يبدو يسيراً، وذلك بإجراء المضاهاة بين المصنف الأهلي وبين المصنف الذي جرى فيه التعديل(22)، ولا يتوافر الخطأ عند إجراء التعديل فحسب، وإنما يتحقق عند كل اعتداء على أي حق من حقوق المؤلف الأدبية.

أما الركن الثاني من أركان المسؤولية فهو الضرر، والضرر هو كل أذى يصيب الشخص في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له(23). وتشترط فيه جملة من الشروط. أولها أن يكون محققاً، أي ثابتاً على وجه اليقين والتأكيد، سواء كان حالاً أو تراخى وقوعه إلى المستقبل. ثانيهما، أن يكون مباشراً، أي نتيجة طبيعية للخطأ فلا يمكن تحاشيه ببذل جهد معقول(24). ثالثها، أن يكون شخصياً. أي يتعلق بمن يطالب بالتعويض، فلا يستطيع الشخص أن يطالب بتعويض أصاب غيره إلا إذا كان نائباً عن المصاب أو خلفاً عاماً له كالوارث في الحدود التي نص عليها القانون، رابعها، أن يصيب الضرر حقاً مكتسباً أو مصلحة مشروعة للمضرور، وخامسها، أن لا يكون الضرر قد سبق التعويض عنه(25).

ويتكون الضرر الذي يصيب المؤلف ثابتاً على وجه اليقين إذا تناول أحد حقوقه الأدبية وظهر في شكل مادي محسوس، فحق المؤلف في تقرير نشر مصنفه أو حقه في تعديله وتغييره أو حقه في سحبه من التداول، وجميعها من حقوق المؤلف الأدبية، لا يتحقق الضرر في حالة الاعتداء عليها إلا إذا اتخذ الاعتداء شكلاً محسوساً وبدا في صورة عمل مادي تستطيع المحكمة تبينه دون عناء، كأن يتولى الغير نشر المصنف أو يجري فيه تعديلاً أو يسحبه من التداول. ويعتبر الضرر في جميع هذه الحالات محققاً حالاً، وليس وهمياً أو افتراضياً، لأن المحكمة تستطيع التثبت من وجوده وتملك تقديره.

ويجب أن يكون الضرر الأدبي الذي يصاب به المؤلف ضرراً مباشراً أي أن يكون نتيجة طبيعية للعمل الذي قام به المسؤول ومع ذلك فإن مسألة التمييز بين الضرر المباشر وبين الضرر غير المباشر قد تدق أحياناً ويصعب و ضع معيار دقيق للتفرقة بينهما مما دفع بعض الفقهاء إلى القول بأنها مسألة ذوق وفطنة أكثر منها مسألة فقه وقانون، وأنها مسألة وقائع يفصل فيها قاضي الموضوع تبعاً لما يراه من ظروف كل مسألة على انفراد ويكون فيها غير خاضع لرقابة محكمة النقض(26).

وتعتبر الأضرار الأدبية مباشرة إذا انصب الاعتداء على أحد الحقوق الواردة في قانون حماية حق المؤلف، أما ما يسببه هذا الضرر من أضرار متلاحقة أخرى فإن المعتدي لا يكون مسؤولاً عنها لكونها أضراراً غير مباشرة.

فإذا قام الغير بتغيير أو تعديل مصنف فليس من حق المؤلف المطالبة بتعويض عن الضرر الناشئ عن عدم إمكانه تأليف مصنفات أخرى بحجة أن تغيير أو تعديل المصنف قد سبب له آلاماً نفسية أعاقه من التأليف لأن مثل هذا الضرر لا يعتبر نتيجة طبيعية للعمل غير المشروع ويعتبر ضرراً غير مباشر لا يتحمل المسؤول تبعته.

أما الركن الثالث من أركان المسؤولية المدنية، فهو وجود علاقة سببية بين الخطأ وبين الضرر، فلا يكفي للحكم بالتعويض ارتكاب خطأ من المعتدي على حقوق المؤلف، وفي ضرر لحق بالمؤلف، وإنما يجب التثبت من أن الضرر كان نتيجة طبيعة للعمل غير المشروع ويعتبر ضرراً غير مباشر لا يتحمل المسؤول تبعته.