آليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان “دراسة حالة للوضع فى منظمة العمل الدولية”

اعداد الباحثة :إســــراء عــــادل أحــــمد إبـراهــيـــم

اشراف : د / محـــــى الديـن قــاســم

المــــــــقـــــــــــــــــدمــــــــــــــــــــــه:

عبرت حقوق الانسان الى ساحة القانون الدولى العرفى منذ أمد طويل والقواعد القانونية العرفية هى قواعد لها قوتها الملزمة شأنها شأن القواعد القانونية المكتوبة، وفكرة اعلانات الحقوق تقوم على أساس وجود مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية لها قدسيتها على نحو قد يقتضى تسجيلها فى وثيقة لا يمكن من الناحية الدستورية لأى سلطة فى الدولة المساس بها سواء كان المشروع العادى آم المشروع الدستورى، ومن هنا كان النظر الى تلك الإعلانات على أنها أسمى قيمة من آية وثيقة أخرى فى الدولة .

ولقد أثبتت التجربة التاريخية أن نفاذ إعلان الحقوق يتوقف على عزم الشعوب على التمسك به والتشبث بحرياتها، إلا ان ذلك لا ينتقص من القيمة النظرية لها إذ أن تلك النصوص تعتبر عاملاً من عوامل الإرشاد وتنوير الأذهان وهداية الشعوب. وإعلانات الحقوق لم تعد مقصورة على العهد الأعظم البريطانى ( الماجنا كارتا ) 1215 ولا على إعلان الحقوق الأمريكى 1776 أو حتى على الإعلان الفرنسى القديم 1789، وإنما تجاوزت الجهود الدولية هذا المدى لتنتقل الحماية القانونية للحقوق والحريات الأساسية للفرد من المحيط الداخلى إلى المحيط الدولى، فلم تصبح مادة حقوق الإنسان حكراً على التنظيم الدستورى الداخلى، بل أصبحت فوق ذلك مادة تناولتها الاتفاقيات الدولية التى ترتب التزامات قانونية معينة على عاتق الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات، حيث امتدت الجهود الدولية فى هذا المضمار لتنفض غبار اللمسات الوطنية عن واقع الحياة القانونية المنظمة لحقوق الانسان ومن هنا، انتقلت إعلانات الحقوق الى المجال الدولى، وكان التنظيم الدولى لهذه الحقوق أكثر جراءة وجسارة من التنظيم الدستورى الداخلى لبعض الدول، الأمر الذى جعل البعض يصف التنظيم الدولى الجديد لحقوق الانسان –مع صدور ميثاق الأمم المتحده- بأنه رمز القططيعة مع طرق الماضى فى تحقيق الحماية القانونية لحقوق الإنسان ͐ ¹ ᷾.

المشكلة البحثية وتساؤلات الدراسه

وعلى هذا، فإن التساؤل الرئيسى الذى تطرحه الرسالة هو :

“ما مدى الفعالية الحقيقية لوسائل وآليات المجتمع الدولى فى إطار الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان وبصفة خاصة فيما يتعلق بتقييم الفعالية الحقيقية لآليات منظمة العمل الدولية فى الرقابة على تطبيق معايير حقوق الإنسان ؟”

( 1 ) د / وجدى ثابت غبــريال، دستورية حقوق الانسان، القاهره: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الانسان، 1996 .

ومن هذا التساؤل الرئيسى تندرج مجموعة من التساؤلات الفرعية تتمثل في :

أ – ما هى طبيعة تشكيل وعمل وأنشطة وآليات الأجهزة الدولية المختصة بالرقابة فى إطار دستور منظمة العمل الدولية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية ومواثيق المنظمات الدولية الآخرى ؟

ب – ما هو التطور التاريخى لهذه الآليات وما مدى الاستخدام الفعلى لها فى الواقع العملى ؟

ج – ما هو الموقع الذى تحتله آليات منظمة العمل الدولية للرقابة على اتفاقيات العمل الدولية بالمقارنة مع أجهزة الإشراف والرقابة الدولية فى المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومواثيق المنظمات الدولية الآخرى ؟

د – ما هى التصورات المختلفة لتطوير وتفعيل آليات الأجهزة القائمة على الرقابة الدولية فى إطار منظمة العمل الدولية وفى المنظمات والجهات الدولية العاملة فى مجال حماية حقوق الإنسان ؟

الــــــــــــــــدراســـــــات الســــــــــــــــــابــــقــــــــــة

يمكن تصنيف الدراسات السابقة ذات الصلة بموضوع الدراسة الى ثلاث مجموعات رئيسية :

أ ) دراسات تتعلق بآليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الانسان، ونذكر منها :

دراسة بعنوان “حقوق الانسان بين النظم القانونية القديمة والمواثيق الدولية المعاصرة ( دراسة مقارنة بالأصول العامة لحقوق الإنسان فى الإسلام) “ ͐ ¹ ᷾، وقد اهتمت الدراسة ببيان تطور مفهوم حقوق الإنسان والطبيعة القانونية لها وتباين مواقف الأيدلوجيات الرئيسية المعاصرة منها. كذلك اهتمت الدراسة بالوقوف على حقوق الإنسان فى النظم القانونية والاجتماعية المختلفة مقارنة بحقوق الانسان فى الإسلام – وذلك بالنظر إلى المبادئ العامة لحقوق الإنسان فى الإسلام، ونطاق الإختلاف بين هذه الحقوق فى الإسلام والمواثيق المعاصرة. وقد انتهت الدراسة إلى أنه لم يعد هناك شك فى أن معالجة مشاكل السلم والأمن الدوليين لا يمكن ان يتم بمعزل عن الالتزام باحترام حقوق الشعوب وحرياتها الأساسية. وأنه لا تزال الاتفاقيات الدولية هى الأسلوب المفضل الذى تعتمده المنظمات الدولية لضمان حقوق الإنسان، وإن أغلب الاتفاقيات تشير إلى المبادئ الثلاثة التالية :

أنه لا يجوز لأية دولة التحلل من احترام حق الإنسان بدعوى انه لا يوجد سند لذلك له فى أى من الاتفاقيات الدولية .
أن الاتفاقيات تتكامل فى حماية حقوق الإنسان بحيث يعمل بأحكام الاتفاقية الأكثر حماية للإنسان .
أنه لا يجوز التمسك بمبدأ المعاملة بالمثل فى الاتفاقيات ذات الطبيعة الإنسانية .

دراسة بعنوان ” آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان ” ͐ ² ᷾ ، وقد اهتمت الدراسة بالتعرف على الآليات المعنية بحقوق الإنسان سواء فى جانبها الموضوعى والمؤسسى أو جانبها الإجرائى والتطبيقى، وذلك فى ضوء التعرف على مدى إمكانية حصول الفرد أو الدولة على الحماية القانونية وإجراءات الحصول على هذه الحماية خاصة مع تعدد هذه الآليات. الأمر الذى يخلق نوعاً من التداخل بينها على الصعيدين العالمى والإقليمى .

دراسة بعنوان ” نظام الشكاوى الفردية لحماية حقوق الإنسان فى إطار الأمم المتحده (دراسة مقارنة على القانون اليمنى) “ ͐ ³ ᷾ ، وقد عرضت الدراسة للأجهزه المعنية بتلقى وفحص الشكاوى الفردية فى إطار الأمم المتحده، والقانون اليمنى، وذلك من حيث النشأة، التكوين، والاختصاص. ودون الدخول فى تفاصيل اختصاص تلك الأجهزة، حيث اقتصر الهدف من الرسالة على إبراز الهيكل العام لتلك الأجهزة. وقد أوضحت الدراسة ان هناك نوعين من الأجهزة الدولية المعنية بتلقى وفحص الشكاوى الفردية، الأول يتمثل فى الأجهزة الدولية التى يتم إنشاؤها من قبل أحد أجهزة الأمم المتحده، وتسمى بالأجهزة المؤسسية. والثانى، يتمثل فى الأجهزة الدولية التى تم إنشاؤها بموجب الاتفاقيات التعاهدية.

دراسة بعنوان “ An Overview Of the Reform of the UN Human Rights Machinery “ ͐ 4 ᷾، وقد عرضت الدراسة للجدل الذى يدور حول كيفية وأسباب إصلاح لجنة حقوق الإنسان كجهاز رئيسى لحقوق الإنسان فى الأمم المتحده، وكيف يعد هذا الأمرعلى قمة أوليات أجندة حقوق الإنسان فى ضوء الاعتبارات التى تعطى لكيفية إتمام عملية الإصلاح. ويتبع التحليل تفسيرات للأفراد المكونين للنظام والذى سيقوم على حجيتهم.
دراسة بعنوان ” Special Procedures and the Human Rights Council: Achievements and Challenges Ahead ” ͐ 5 ᷾ ، وقد ركزت الدراسة على نظام الإجراءات الخاصة وتقارير الدول المتعلقة بلجنة حقوق الإنسان. وقد حرصت الدراسة فى ذلك على التركيز على تطور الإنجازات الرئيسية لهذا النظام الذى تطور عبر أكثر من 30 سنة فى إطار السياق التاريخى، والتطورات العامة فى العلاقات الدولية
أحمد حمدى يوسف عفيفي، “حقوق الإنسان بين النظم القانونية القديمة والمواثيق الدولية المعاصرة( دراسة مقارنة بالأصول العامة لحقوق الإنسان فى الإسلام)” ، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه فى القانون، (القاهره، جامعة عين شمس، كلية الحقوق، 1997 ).

نبيل مصطفى إبراهيم خليل، ” آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان “ ، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه فى الحقوق، (المنصوره، كلية الحقوق، 2004 ) .

أحمد عبد الوهاب عبد الواحد، ” نظام الشكاوى الفردية لحماية حقوق الإنسان فى إطار الأمم المتحده (دراسة مقارنة على القانون اليمنى) “ ، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير فى الحقوق، (جامعة أسيوط، كلية الحقوق ، 2007 ).

Hampson, Francoise J., “An Overview of the Reform of the UN Human Rights- Machinery”, Human Rights Law Review, Oxford University Press, vol. 7, no1, 27January 2007.

Gutter, Jeroen, “Special Procedures and the Human Rights Council: Achievements and Challenges Ahead” , Human Rights Law Review , Oxford University Press, vol 7, no 1, January 2007 ..

ب ) دراسات تتعلق بدراسة حقوق الإنسان، ونذكر منها :

دراسة بعنوان ” الطبيعة القانونية لحقوق الإنسان فى القانون الدولى العام (دراسة مقارنة) “ ͐ ¹ ᷾ ، وقد اهتمت بالتعرف على الطبيعة القانونية لحقوق الانسان فى القانون الدولى العام، وذلك من خلال التعرض إلى الطبيعة القانونية لهذه الحقوق فى القوانين الداخلية للدول، وأحكام الشريعة الإسلامية، والضمانات المقررة فى كل منها. وقد أوضحت الدراسة أهمية إسباغ الطبيعة القانونية على حقوق الإنسان فى القانون الدولى، فى ارتقاء هذه الحقوق إلى مرتبة القواعد القانونية الدولية الملزمة، فهى فى ذلك تختلف عن قواعد المجالات الدولية، وقواعد الأخلاق الدولية، وقواعد القانون الطبيعى، والتى لا يترتب على مخالفتها أو تجاهلها تحمل المسئولية الدولية. وعلى العكس من ذلك، فإن انتهاك الدولة لحقوق الإنسان يرتب مسئوليتها الدولية. كذلك فإن انتهاك الأفراد لحقوق الإنسان، يعتبر كثيراً من انتهاكات حقوق الإنسان أصبحت الآن تشكل جريمة دولية.

دراسة بعنوان ” حماية حقوق الإنسان فى ظل التنظيم الدولى الإقليمى ” ͐ ² ᷾، وقد اهتمت الدراسة ببيان أن فكرة الحماية الدولية لحقوق الإنسان قد نبتت من أرضية الاعتراف بوحدة السياسة الداخلية والخارجية للدول. وأن الحرب العالمية الثانية أثبتت ان السلوك العدوانى لحكومة أو لنظام ما ضد الإنسان، فى النطاق الداخلى، قد استتبعه سلوك عدوانى ضد الدول على المستوى الدولى. وتقتصر هذه الدراسة على الأنظمة الدولية الإقليمية القائمة على حماية حقوق الإنسان، وهى تلك المعمول بها فى نطاق مجلس أوروبا ومنظمة الدول الأمريكية.

مقال د/ أحمد الرشيدى “حول بعض إشكاليات حقوق الإنسان “ ͐ ³ ᷾ ، وفيه أوضح أن الاهتمام بحقوق الإنسان قد أضحى يمثل إحدى السمات الأساسية المميزة للنظام الدولى المعاصر الذى أرسيت دعائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولم تعد أمراً داخلياً ضمن نطاق الاختصاص الداخلى والمجال المحجوز للدول.

هناك دراسة حديثة عن دور الجامعات فى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان فى الدول العربية وهى أعمال مؤتمر يحمل نفس العنوان فى الفتره من 18- 19 يوليو 2007 ͐ 4 ᷾، وتوضح الدراسة فى البداية أهمية نشر وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان فهى أحد أهم أركان الديمقراطية كنمط حكم وطريقة حياة. وذلك لأن ترقية الوعى بحقوق الإنسان هو أولى خطى الإصلاح ولكن الدراسة هنا تؤكد على دور الجامعه فى نشر مثل هذه الثقافه حيث انها تتعامل مع الشباب فى أهم مراحل عمرهم من منظور صقل الشخصية وبناء المواطنة الصالحه وكيف أن دور الجامعة لا يقتصر فقط على المناهج التعليمية وإنما كذلك على التدريب على الحوار والنقاش والتعليم الذاتى .

عادل محمد عبد العزيز حمزة، ” الطبيعة القانونية لحقوق الإنسان فى القانون الدولى العام (دراسة مقارنة) ، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه فى القانون، (القاهره، جامعة عين شمس، كلية الحقوق، د.ت ) .

عزت سعد السيد برعى، ” حماية حقوق الإنسان فى ظل التنظيم الدولى الإقليمى” ، رسالة لنيل درجة الدكتوراه فى الحقوق، (القاهره، جامعة عين شمس، كلية الحقوق، د.ت ) .

د/ أحمد الرشيدى، حول بعض إشكاليات حقوق الإنسان، مجلة الديمقراطية ، السنة الأولى، العدد الثانى، ربيع 2001 .

د/ كمال المنوفى، على المرى ( محرران ) ، دور الجامعات فى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان فى الدول العربية ، (القاهره:برنامج الديمقراطيةوحقوق الانسان، الطبعة الأولى، 2007 ) .

د/ أحمد الرشيدى، “حقوق الانسان” دراسة مقارنة فى النظرية والتطبيق 2005 .

تنقسم هذه الدراسة الى جزئين، الجزء الأول وهو المتعلق بالناحية النظرية للدراسة ويتناوله الباب الأول تفصيلاً حيث يعنى هذا الجزء بالنظرية العامة لحقوق الإنسان، فيتناول التعريف بحقوق الإنسان واهم مصادرها بالإضافة الى تصنيف هذه الحقوق والحريات واهم الضمانات اللازمة لحماية هذه الحقوق .

وفيما يتعلق بالجزء الثانى من الدراسة، وهو المعنى بالجانب التطبيقى للدراسة فيتناول تفصيلاً الحماية الدولية للأجانب، واللاجئين وحماية حقوق الإنسانفى أثناء النزاعات المسلحه وفى ظل الاحتلال ثم يعرض لنماذج من أبرز الوثائق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان .

عبد الواحد محمد الفار، ” قانون حقوق الإنسان “ ، دار النهضة العربية 2007 .
يتناول هذا الكتاب تفصيلاً التطور التاريخى والفلسفى لقانون حقوق الإنسان، فركزت هذه الدراسة على مفهوم حقوق الإنسان فى المذاهب الفلسفية المختلفة بالإضافة إلى التعريف بأهم الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والضمانات اللازمة لحماية الحقوق والحريات ، وبالنظر إلى هذه الدراسة يمكن التأكيد على إنها قد ركزت على الضمانات الدولية للحماية، بالإضافة الى التركيز فى الجزء النظرى على تطور المذاهب الفلسفية واختلاف تناولها للحقوق والحريات وهو ما يختلف عن الدراسة التى أقدمها .

محمد عنجرينى، ” حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون نصاً ومقارنة وتطبيقاً “، 2002 .
تناولت هذه الدراسة تفصيلاً أوجه الاتفاق والاختلاف بين تناول الحقوق والحريات فى القوانين الوضعية، والنص عليها فى الشريعة الإسلامية، وتؤكد هذه الدراسة على أن الإسلام قد برع فى التأكيد على حقوق الأفراد وحرياتهم بل وأضفى على هذه الحقوق والحريات القدسية بالنص عليها فى القرآن الكريم والتأكيد عليها فى سنة رسوله .

عبد العظيم عبد السلام عبد الحميد، سالم جروان النقبى ، ” حقوق الإنسان وحرياته العامة وفقاً لدستورى جمهورية مصر العربية المتحده، والمواثيق الدولية “ ، دار النهضة العربية، 2008 .

يتناول هذا الكتاب تفصيلاً ماهية حقوق الإنسان ونشأتها ومصادرها هذا بالإضافة لضمانات حقوق الإنسان والحريات العامة، وتقسيم هذه الضمانات إلى ضمانات قانونية، وضمانات دولية، وسياسية واجتماعية .

ويتضح من العرض السابق أن أى من هذه الدراسات لم يتعرض تفصيلاً إلى الآليات الداخلية العملية لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، فبعض هذه الدراسات ركز على المواثيق وكفالة الحقوق والحريات والبعض الآخر ركز على الحماية الدولية لهذه الحقوق والحريات .

ج ) دراسات تتعلق بدور منظمة العمل الدولية فى حماية حقوق الإنسان ، ونذكر منها :

محمود مسعود محمود، دور منظمة العمل الدولية فى خلق وتطبيق قانون دولى للعمل، دار النهضة العربية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1976 .

يتناول هذا الكتاب تطور فكرة التنظيم الدولى بصفة عامة وصولاً إلى تنظيم العمل تمثله منظمة العمل الدولية، ويتحدث عن دور منظمة العمل الدولية فى خلق قانون دولى للعمل ودورها فى تطبيق قواعد القانون الدولى للعمل من خلال الالتزامات التى تفرضها على الدول الأعضاء، والرقابة على تطبيق قواعد العمل الدولية الأساليب التكميلية الخاصة بتطبيق تلك القواعد، وقد ربط هذا الكتاب بين القانون الدولى والعمل والعمال، فينظم القانون الدولى العلاقات بين الدول بما أن القانون الدولى مع تطور القانون الداخلى، وأصبح يهتم بمشاكل العمل والعمال، وكيفية خلق بيئة تحقق لهم حقهم فى العمل المناسب ، حيث يمكن الاستفادة من هذه الدراسة فى التعرف على الجهود الدولية لمنظمة العمل الدولية فى التعامل مع قضايا العمل والعمال ولكنها لم تطرق بالتفصيل إلى العوامل التى تحقق البيئة والظروف المناسبة للعمال بما فيهم مكافحة وإلغاء العمل الجبرى، وبمعنى آخر اهتم بالجانب التشريعى .

سماح محسن صبرى عبد الفتاح أبو الليل، عمالة الأطفال فى إطار منظمة العمل الدولية ، رسالة ماجستير، جامعة القاهره، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2008 م .

تتنوع الأسباب المؤدية لعمالة الأطفال وتختلف من دولة لآخرى، وبالرغم من اختلاف الأسباب المؤدية لعمالة الأطفال إلا ان هناك أسباباً مشتركة لعمل الأطفال بين مختلف دول العالم أهمها الأسباب الاقتصادية، ونظراً لخطورة عمل الأطفال على مستقبلهم فقد عملت منظمة العمل الدولية فى هذا المجال على وضع السياسه العامة التى يجب اتخاذها للقضاء جذرياً على ظاهرة عمالة الأطفال، لما يمثله ذلكـ من انتهاك لحقوق الطفل ومن ثم تم توقيع اتفاقية العامة رقم 138 لسنة 1973م بشأن الحد الأدنى لسن التشغيل، وأيضاً الاتفاقية الدولية رقم 182 لسنة 1999م بشأن أسوء أشكال عمل الأطفال .

3- أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان فى إطار منظمة الأمم المتحده والوكالات الدولية المتخصصة ، القاهره، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة، 2000م .

يرى الكاتب أن فلسفة حقوق الإنسان تقوم على ركنين أساسيين، يجب توافرهما فى كل الحقوق والحريات الأساسية وكفالتهما لكافة فئات بنى البشر من رجال ونساء وشيوخ وأطفال أصحاء أو معاقيين يتمتعون بحريتهم أم ممنوعين منها، وهذان الركنان هما، الكرامة الإنسانية والمساواة الكاملة بين كافة بنى البشر .

يوضح الكاتب أنه يجرى العمل من جانب الدول على النص فى دساتيرها الوطنية أو قوانينها الأساسية على الأحكام التى تشدد على حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، فالملاحظ أن كل دولة من دول العالم،تقريباً، تحرص على تضمين دستورها أو قانونها الأساسى أحكاماً صريحة تكفل حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية .

4- Berkeley, Human Rights center and free of salves, Hidden Salves: forced labor in the United States, University of California, 2004.

http://www.digitalcommons.ilo.cornell.edu/forcedlabour/8

تهدف هذه الدراسة الى الحديث عن طبيعة ومدى العمل الجبرى فى الولايات المتحده وذلك فى الفتره من يناير 1998 وحتى ديسمبر 2003، وتعد الدراسة الأولى التى تتناول أعداد وخصائص الديمغرافية وطبيعة ضحايا العمل الجبرى فى الولايات المتحده، كما تناولت استجابة الحكومة الأمريكية لمكافحة هذه الظاهرة منذ إصدار قانون الإتجار عام 2000م . ويمكن الاستفادة من هذه الدراسة فى التعرف على الإجراءات التى اتخذتها الحكومة الأمريكية لمواجهة العمل الجبرى، ولكن لم تشر الدراسة إلى دور الحكومة الأمريكية فى مواجهة هذه الظاهرة من خلال المنظمات الدولية التى هى عضواً مؤثراً فيها .

أهـــــــــــــميــــــــــــــــــــة الــــــــدراســـــــــــــــة

تنبع أهمية الدراسة من عدة اعتبارات نظرية وتطبيقية، وذلك على النحو التالى :

يبقى التساؤل قائماً عن مدى فعالية الآليات والأدوات المستخدمة فى مجال الرقابة الدولية لحقوق الإنسان، فالأسلوب السائد – بصفة عامة- للرقابة على احترام الدول لتعهداتها فى نطاق الأمم المتحدة يتمثل فى نظام التقارير الدورية، حيث تقوم الدول إرادياً بتقديم معلومات وإيضاحات حول التقدم الذى أمكن إنجازه فى مجال تشجيع وتعزيز حقوق الإنسان. وهنا يشكل التقرير أساس الرقابة التى تمارسها الأجهزة المعنية، وليس ثمة التزام محدد على عاتق الدول بإيضاح نقاط معينة فى تقاريرها، أو تقديم هذه التقارير فى مواعيد معينة يمكن لأجهزة الرقابة أن تحددها. وبالنظر إلى ذلك لا تملك هذه الأجهزة سوى الالتماس والرجاء .

وبالإضافة إلى نظام التقارير الدورية أقرت الأمم المتحده بصعوبة بالغة وبعد تردد طويل حق الشكاوى للأفراد على الرغم من أنه يعد من قبيل الحقوق الطبيعية للإنسان. وكما هو الحال بالنسبة لنظام التقارير الدورية، نجد نظاماً عاماً للعرائض مطبقاً فى مواجهة كافة الدول الأعضاء فى منظمة الأمم المتحدة، بل وغير الأعضاء فيها ونظاماً آخر نصت عليها الاتفاقية الدولية لمنع كافة أشكال التمييز العنصرى والعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية بالنسبة للعرائض المقدمة من دول، والبروتوكول الاختيارى الملحق به، واتفاقية منع كافة أشكال التمييز العنصرى بالنسبة للشكاوى المقدمة من أفراد . وثمة عدد هائل من الاتفاقيات العالمية التى اقتصرت على مجرد الاعتراف الدولى بالحقوق دون النص على أسلوب معين لضمان حمايتها، بينما تمثلت أهم الوثائق التى أتت بأساليب للرقابة على تطبيق نصوصها فى أربعة هى: الاتفاقية الدولية لمنع كافة أشكال التمييز العنصرى، العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والبروتوكول الاختيارى الملحق به. ومع ذلك، ثمة حالات يخضع فيها سلوك الدولة للرقابة رغم عدم وجود التزام مسبق ارتبطت به، والمثل الواضح على ذلك نجده فى الأشكال العديدة للرقابة التى تمارسها منظمة العمل الدولية على نصوص الاتفاقيات التى أبرمت فى ظلها .

وتأتى فى هذا السياق أهمية “منظمة العمل الدولية” حيث يعتبر نظام الرقابة الذى أرسى فى إطار المنظمة من أكثر الأنظمة أصالة وتقدماً على صعيد العلاقات الدولية . ومن هنا تأتى أهمية البحث فى مدى فاعلية الإجراءات المتبعة حالياً للرقابة على احترام حقوق الإنسان والعمل على ضمانها وحمايتها، فالأمر يتطلب بصورة ملحة إعادة النظر فى تلك الإجراءات والآليات والأساليب التى لا تقدم حلاً حقيقياً للانتهاكات التى تشهدها الحقوق الإنسانية فى مختلف بقاع العالم، بل إنها حل يفتقد للممارسة العملية الواقعية مما يعنى ضرورة الدراسة المتعمقة والبحث فى كيفية إيجاد فاعلية حقيقية لهذه الآليات سواء عن طريق تعديل نصوصها فى الاتفاقيات والمواثيق الدولية أو افتقاء أثر بعض الآليات التى تحقق بعض الفعالية ومتواجدة بالفعل –كما هو الحال بالأساليب التى تتبعها منظمة العمل الدولية والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان- أو سواء كان ذلك عن طريق إيجاد آليات جديدة لها صبغة التعامل مع الواقع العملى بفاعلية وكفاءة، الأمر الذى يستلزم معه دراسة الآليات القائمة وتحديد أوجه القصور وأوجه القوة فيها حتي يمكن استحداث مجموعة من الآليات يمكنها تحقيق الأهداف المرجوة منها وإيجاد الفعالية المفقودة. وسيتـم التركيز فى هذا الخصوص على الآليات المتبعة فى إطار منظمة العمل الدولية وبيان مدى تقدمها عن الآليات الدولية المتبعة فى هذا الشأن وأيضاً بيان مدى حاجة هذه الآليات ذاتها للتحديث والتطوير .

الإطـــــــار النــظـــــــرى للــــدراســــــــــة

ينقسم الإطار النظرى ( Theoretical Framework ) لهذه الدراسة إلى قسمين هما :

أ ) الإطار المفاهيمى ـــ التحليلى .

ويشمل المفاهيم التحليلية( Analytic Concepts ) التى تستعين بها الدراسة فى التحليل، على النحو التالى :

حقـوق الإنســان
تقوم فكرة حقوق الإنسان على وجود مجموعه من المبادئ التى تؤكد جدارة الإنسان بمعاملة معينة فى ميادين مختلفة، فهى معاملة تعترف بالكرامة وتقنن حريات أساسية غير قابلة للتصرف أو الإنكار، والمساواة الكاملة التى لا ينتقص منها أى اعتبار أو فروق، وما يتردد من مفاهيم وأفكار حوا حقوق الإنسان وحرياته هو، فى واقع الأمر، حقيقة قديمة ولدت مع الإنسان عبر تطور فلسفى وسياسى واجتماعى طويل، وأياً كان الاختلاف والتنوع فى النظرة إلى مفهوم حقوق الإنسان، فإنه من الثابت أن القيم التى تتضمنها تجد أصولها فى كافة المذاهب السياسية والاجتماعية والدينية بحيث لا يرقى الشك فى حقيقة أنها نتاج كافة الحضارات والديانات، وإذا كان من الصعوبة بمكان وضع تعريف محدد لحقوق الإنسان، فإن هناك البعض الذى سعى إلى الاقتراب من العناصر الأساسية للفكرة ͐ ¹ ᷾ ، وعلى سبيل المثال يعرف “رينيه كاسان” حقوق الإنسان –عند دراستها- على أنها “فرع خاص من فروع العلوم الاجتماعية، يختص بدراسة العلاقات بين الناس، استناداً إلى كرامة الإنسان بتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار شخصية كل كائن انسانى”. ومن التعريف السابق يمكن استخلاص ثلاثة عناصر هامة، هى أن حقوق الإنسان بمثابة علم، وأن أساس هذا العلم أو معياره هو الكرامة الإنسانية، ويتمثل موضوع هذا العلم فى مجموع الحقوق والرخص التى تؤمن هذه الكرامة .

والواقع انه يمكن القول أن حقوق الإنسان فى المفهوم الدولى –طبقاً للتعريف الذى تتبناه الأمم المتحدةــ هى ضمانات قانونية عالمية تحمى الأفرد والمجموعات من إجراءات الحكومات التى تتدخل فى الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية. ويُلزم قانون حقوق الإنسان الحكومات بفعل أشياء معينة ويمنعها من فعل أشياء آخرى .

فمن الناحية النظرية يمكن التمييز بين فئتين من الحقوق، الحقوق الفردية من ناحية والحقوق الجماعية من ناحية آخرى.

(1) د/ عزت سعد السيد البرعى، حماية حقوق الإنسان فى ظل التنظيم الدولى الإقليمى ، القاهره 1985، ص ص 3 ـــ 9 .

الرقــابة الدوليــة فى مجال حقوق الإنسـان
لم يقف المجتمع الدولى فى اهتمامه بمسألة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية عند مجرد التوكيد على هذه الحقوق وتلك الحريات ووضع المعايير الدولية بشأنها، وإنما امتد كذلك إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فقد أصبح المجتمع الدولى فى ظل قواعد القانون الدولى المعاصر وخلافاً لما كان عليه الحال فى ظل قواعد القانون الدولى التقليدى طرفاً أصيلاً معنياً بمسألة حقوق الإنسان وصار يقف إزائها على قدم المساواة مع الدول المعنية أو تلك التى ينتمى إليها الأفراد الذين تنتهك حقوقهم، وعلى نحو يجسد وبحق تلك الظاهرة المعروفة فى نطاق أبحاث القانون الدولى العام بظاهرة الازدواج الوظيفى ولكى يتسنى للمجتمع الدولى الإضلاع بدوره فى هذا الخصوص، كان من الطبيعى أن يوجد لنفسه آليات محدده للضغط على الدول من أجل حثها على احترام حقوق الإنسان والمواطن داخل إقليم كل منها .

وقد اتخذت هذه الآليات أو الضمانات صوراً عديدة فى التطبيق العملى، فإلى جانب أساليب الضغط المعنوى أو الأدبى التى تتمثل عادة فى توجيه اللوم كالإدانى اللفظية فى المحافل الدولية والتى تزخر بها قرارات وتقارير العديد من المنظمات الدولية الحكومية بها وغير الحكومية كقرارات الأمم المتحده وتقارير منظمة العفو الدولية، تمارس بعض المنظمات الدولية سلطة رقابة وإشراف دوليين حقيقيين فيما يتصل بمدى التزام الدول بالقواعد والمعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، ͐ ¹ ᷾ ولا يخفى على أحد ان الاهتمام بحقوق الإنسان قد أضحى يمثل ولا شك إحدى السمات الأساسية المميزة للنظام الدولى الذى أرسيت دعائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، منذ إنشاء منظمة الأمم المتحده باتت مسألة حقوق الإنسان وضماناتها المختلفة تشكل ما يعرف الآن –فى الاصطلاح القانونى الدولى- بالقانون الدولى لحقوق الإنسان إلى جانب ما أصطلح على تسميته بالقانون الدولى الإنسانى .

الرقـابة الدوليـة على حقـوق الإنسـان فى إطار منظمـة العمل الدوليـة
تعد منظمة العمل الدولية –التى أنشئت بمقتضى الجزء الثالث عشر من معاهدة فرساى ــ أحد مظاهر اهتمام القانون الدولى بالإنسان العامل، فبصفة عامة تتضمن السياسة التشريعية لمنظمة العمل الدولية منذ البداية أن الموافقة على الاتفاقيات تتم بأغلبية الثلثين للمؤتمر العام الذى يتكون من ممثلى الحكومات وممثلى أصحاب الأعمال وممثلى العمال. ولقد تمكنت هذه المنظمة من الموافقة على كثير من الاتفاقيات الدولية التى تضمن طائفة كبيرة من الحقوق العمالية وهى الحقوق التى تدخل فى قسم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لحقوق الإنسان .

(1) د/ أحمد الرشيدى، الضمانات الدولـية لحقوق الإنسان وتطبيقاتها فى بعض الدساتير العربية ، سلسلة بحوث سياسية (110) ، سبتمبر 1996، ص ص 18ــ19 .

ب ) المنهـــج المستـــخدم .

تعتمد الدراسة على عدة مناهج مختلفة تتنوع بحسب اختلاف موضوعات التناول ويمكن إبراز أهمها فى :

المنهـج القـانونى المـؤسسى
فى تأصيل وتحليل مختلف الجوانب القانونية المتعلقة بالمصادر الدولية المنظمة للرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان (اتفاقيات حقوق الإنسان على المستوى الدولى). وكذا لبيان آليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان من حيث مواثيق وأساليب المنظمات الدولية فى تنظيم هذه الآليات، ولدراسة الهياكل التنظيمية والمؤسسية والقانونية لمنظمة العمل الدولية. حيث يركز المنهج على دراسة المؤسسات السياسية من حيث التشكيل والاختصاصات .

المنـهج البنـائى الوظيـفى
فى دراسة النشاط أو الأنشطة التى تقوم بها المنظمات أو الهياكل الدولية المختلفة من حيث استخدامها لآليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان ومدى ملائمة الهيكل المؤسسى لطبيعة النشاط أو الوظيفة التى تقوم بها، حيث يركز المنهج على الربط بين الفعل أو الاضطلاع بالوظيفة وبين البيئة التى تتم فيها، وبالتالى يفضى بالتحليل إلى التحرر من القيم مع ارتداء ثوب الموضوعية والحياد بالإضافة إلى فائدته فى تنظيم عملية البحث وعرض النتائج .

تقسيـــــــــــم الدراســة

تم تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول بالإضافة الى المقدمة والخاتمة، وذلك على النحو التالى :

تم تخصيص الجزء التمهيدى للدراسة لضبط المفاهيم وتحديد أهمية الموضوع والمشكلة البحثية والمنهج المستخدم …..، ثم تعرض الفصل الأول من هذه الدراسة لبداية نشأة وتطور فكرة الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وذلك منذ بداية الاهتمام الدولى بفكرة الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وتطور هذه الفكرة عبر مراحل تطور التنظيم الدولى المختلفة، ثم تناول الجزء الثانى منه المصادر الدولية المنظمة للرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الوطنى وعلى المستوى الدولى العام والدولى الإقليمى، وفى الجزء الأخير من الفصل الأول تم التعرض للآليات الدولية الخاصة بالرقابة على حقوق الإنسان سواء على المستوى الوطنى أو على المستوى الدولى العام، كما تم التعرض للآليات الهامة على المستوى الدولى الإقليمى .

ونظراً لأنه على امتداد أكثر من سبعة عقود من الزمن، ومنذ إنشاء منظمة العمل الدولية واعتماد الاتفاقيات الدولية الأولى، تميز نشاط المنظمة فى مجال المعايير الدولية للعمل بالضخامة والشمولية والغزارة. ففى الجزء الأول من الفصل الثانى من الدراسة تم تناول العلاقة بين القانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى للعمل وتوضيح العلاقة الوثيقة بينهما، ثم تعرض الجزء الثانى من هذا الفصل لمنظمة العمل الدولية من حيث النشأة والتكوين والوظيفة وتم إلقاء نظرة سريعة على الأجهزة الرئيسية المكونة لها من حيث تشكيلها وعملها، وأخيراً تم تناول نشأة الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية منذ بداياتها وحتى التطورات المعاصرة لها.

وقد تم فى الفصل الثالث من الدراسة التركيز على تفصيل آليات منظمة العمل الدولية ونظام الرقابة المعمول به فى إطارها، حيث يتخذ نظام الرقابة على تطبيق معايير حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية مظهرين أو أسلوبين اثنين متميزين، ثم تم التعرض فى الجزء الثانى من الفصل الثالث لأهم الحالات التى قامت فيها المنظمة بالتعرض لبعض الحقوق الخاصة بالعمل والحريات النقابية وأعمال التمييز ، ثم يتناول الجزء الأخير من هذا الفصل طبيعة الالتزام الدولى بتطبيق اتفاقيات العمل الدولية من حيث تقييم الأوضاع الوطنية للدول أو من حيث العقبات التى تواجها الدول المصدقة على اتفاقيات العمل الدولية عند التطبيق .

هذا، وقد تم تخصيص الفصل الرابع من الدراسة لتحليل وتقييم مدى فعالية آليات الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمال الدولية فى ضوء تطور مفهوم الرقابة الدولية على الساحة الدولية، وكذلك لإلقاء نظرة مستقبلية على الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطارها العام وفى إطار منظمة العمل الدولية، وبما يجيب على الأسئلة البحثية التى تثيرها هذه الدراسة .

الفصل الأول

الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان وآلياتها

حقوق الإنسان المعترف بها دولياً مسطرة فى عدد كبير من المعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية. وهذه المواثيق الصادرة عن المجتمع الدولى فى مجموعة، سواء عن طريق الأمم المتحده أو فى صورة معاهدات أو اتفاقيات دولية. وهناك العديد من الوسائل الدولية الأخرى لحماية حقوق الإنسان سواء على المستوى الإقليمى أو المستوى الدولى المتخصص أو المستوى الدولى غير الحكومى …

وفى هذا الفصل سوف نتعرض بداية لنشأة وتطور فكرة الرقابة الدولية على حقوق الإنسان ثم نتناول المصادر الدولية المنظمة لتلك الرقابة على مستوياتها المختلفة ثم نعرض للآليات الدولية الخاصة بالرقابة على حقوق الإنسان على تلك المستويات …

المبحث الأول

فى نشأة الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان وتطورها

فى هذا المبحث نتعرض لبداية الاهتمام الدولى بفكرة الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وتطور هذه الفكرة عبر مراحل تطور التنظيم الدولى المختلفة …

المطلـب الأول

الاهتمام الدولى بحقوق الانسان ونشأة نظام الرقابة عليها :

من الثابت ان القانون الدولى العام استهدف فى الصورة الأولى التى نشأ عليها وضع مجموعة من القواعد الدولية الخاصة بحكم العلاقات بين الدول الأعضاء فى مجتمع الدول، ومن هنا كان القانون الدولى العام التقليدى يوجه قواعده لتدور مع الدولة وليحكم علاقاتها المتبادلة مع غيرها من الدول فى وقت السلم والحرب.[1] ومع بداية القرن العشرين، وبصفة خاصة خلال الفتره ما بين الحربين العالميتين، تحول مجال تطبيق القانون الدولى شيئاً فشيئاً عن العلاقات الشكلية بين الدول وتعيين الحدود على سيادتها متجهاً نحو إعداد قواعد وضعية بشأن مسائل مشتركة وحيوية لتطوير المجتمع الدولى وتحقيق الرفاهية لمواطنى الدول.[2]

وليس ثمة شك فى أن الحماية الدولية لحقوق الإنسان هى جانب حقيقى فى تطور القانون الدولى من حيث أنها تتضمن إنكارا لقانون جماعة الدول الذى يبرز هوية القانون الدولى التقليدى. وقد بدأ هذا الانكار بالفعل فى أصول هذه الحماية ودوافعها .

فمن الناحية التاريخية، يمكن القول بأن فكرة الحماية الدولية لحقوق الإنسان نبتت من أرضية الاعتراف بوحدة السياسة الداخلية والخارجية للدول. وقد أثبتت الحرب العالمية الثانية والأسباب التى فجرتها ان السلوك العدوانى لحكومة أو لنظام ما ضد الانسان فى النطاق الداخلى قد استتبعه سلوك عدوانى ضد الدول على المستوى الدولى. وبعبارة آخرى، يؤدى الاستبداد وإنكار حقوق الإنسان على المستوى الداخلى إلى انتهاك القانون الدولى .

ومن ناحية أخرى، فإن طبيعة الحماية الدولية لحقوق الإنسان من شأنها إنكار اعتبار القانون الدولى قانونا لجماعة الدول فقط. فنصوص هذه الحماية تحكم العلاقات بين الدولة ورعاياها فى الأحوال التى لا تتضمن مساسا بمصلحة أجنبية بصورة مباشرة، كما تنطبق هذه النصوص على التنظيم السياسى للدولة، مع ما يتضمنه ذلك من ضرورة إقرار آثارها فى النظام القانونى الداخلى.

آخيراً، فإن انكار الحماية الدولية لحقوق الإنسان لقانون جماعة الدول يبدو واضحاً فى طموح القانون الدولى ذاته فيما يتعلق بحقوق الإنسان، حيث نجد أنفسنا اليوم بصدد قانون متكامل ينظم مصالح الإنسان، بصرف النظر عن النظام السياسى الذى ينتمى اليه، وتشهد الأعداد الهائلة من الإعلانات والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، إذ يستخلص منها حقيقة أن حقوق الإنسان تمثل قيمة متجسدة دائماً تتبدى فى الالتزام المفروض على السلطة السياسية بحمايتها نظراً لقدسيتها [3] .

غير ان الحماية الدولية لحقوق الإنسان لم تكن بذلك القدر من التنظيم على النحو الذى ندركه اليوم، فقد جاءت نتاجا لجهود عديدة وجدت أصولها فى التطورات التى بدأت فى القرن التاسع عشر عندما عرف القانون الدولى التقليدى بعض الأنظمة ذات الطبيعة الحمائية مثل كفالة الحد الأدنى من الحقوق للأجانب، والحماية الدبلوماسية التى لا يستفيد منها سوى رعايا الدولة التى تمارسها.

ومع ذلك فإن الأشكال الواضحه للحماية الدولية التقليدية لحقوق الإنسان تمثلت بصفة أساسية، فى التدخل الإنسانى، أو التدخل لصالح الإنسانية، ونظام حماية الأقليات الذى ساد قبل وخلال عهد عصبة الأمم وزال بزوالها حيث حل محله نظام جديد فرضه واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية .

المطلـب الثـانى

تطور الرقابة الدولية على حقوق الإنسان :

وفى هذا الجزء سوف نتناول الاهتمام الدولى بحقوق الإنسان فى إطار القانون الدولى التقليدى وفى عهدى عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحده .

أولا: القانون الدولى التقليدى وحماية حقوق الإنسان

اهتمام القانون الدولى الوضعى بالفرد ليس من الأمور الجديدة فلقد حاول هذا النظام القانونى حماية الوجود القانونى للفرد ورفع مستواه المادى والمعنوى والصحى والاجتماعى.

ففى سبيل تدعيم الشخصية القانونية للفرد –وهى إحدى مظاهر حقوق الإنسان- أهتم القانون الدولى بالقضاء على كل محاولة تشبيه الإنسان بالأرض أو بالسلع وذلك عن طريق أساليب عدة منها تحريم الرق والاهتمام بمشاكل الاتجار فى المخدرات وتعاطيها ومكافحة الأمراض والأوبئة وحماية الملكية الأدبية والفنية والصناعية للفرد، وكذلك عرف القانون الدولى العرفى بعض المبادئ التى يمكن تصور التعويل عليها فى مجال حماية حقوق الإنسان وبين هذه المبادئ نشير على وجه الخصوص إلى نظام التدخل من أجل الإنسانية ونظام المسئولية الدولية، وهو الأمر الذى نتطرق إليه ببعض التفاصيل [4] :

تحريم الرق: اهتمام القانون الدولى بهذه المسألة يرجع إلى مؤتمر برلين 1855 حيث أدى هذا المؤتمر إلى ابرام اتفاقية برلين التى جعلت من تجارة الرقيق عملاً غير مشروع فى القانون الدولى العام، وفرضت على الدول الالتزام بالقضاء على هذه الظاهرة.
الاتجار فى المخدرات وتعاطيها: بدأ الاهتمام بهه المشكلة الإنسانية منذ عام 1912 حيث أبرمت بخصوصها فى تلك السنة اتفاقية دولية وأخرى فى عام 1936 وتوالت بعد ذلك الاتفاقيات .
مكافحة الأمراض والأوبئة: من الأمور التى اهتم بها القانون الدولى، وصلتها بالإنسان لا تخفى على أحد ولقد بدأ ذلك منذ 1902 حيث أنشئ مكتب الصحة الدولى.
الملاحة البحرية: خصوصاً فى أعالى البحار، تتعرض لأخطار جسيمة ومن ثم بدأ القانون الدولى التزامات على السفن فى حالة الكوارث ولذلك أبرمت معاهدة دولية للتعاون الدولى من اجل كوارث الملاحة البحرية فى عام 1914 ومعاهدة أخرى فى عام 1929 ثم جاءت معاهدة جنيف 1958 .
حماية الملكية الأدبية والفنية والصناعية للفرد أهتم بها القانون الدولى منذ 1883 حيث أبرمت أول معاهدة دولية تهدف إلى تقرير الحماية الدولية لها .
ولقد اهتم القانون الدولى بالإنسان العامل، عن طريق إنشاء منظمة العمل الدولية بمقتضى الجزء الثالث عشر من معاهدة فرساي .
وقد عرف القانون الدولى العرفى بعض المبادئ التى يمكن تصور التعويل عليها فى مجال حماية الإنسان، وبين هذه المبادئ نشير على وجه الخصوص إلى نظام التدخل من أجل الإنسانية ونظام المسئولية الدولية فنظام التدخل من أجل الإنسانية كان يهدف إلى حماية رعايا الدول الأوروبية المقيمين فى الدول الأخرى غير الأوروبية، أو حماية رعايا هذه الدول الأخيرة من المسيحيين وهذا النظام كان فى حقيقته عدواناً على السيادة الإقليمية ولذلك فلم يكن متسقاً مع القانون الدولى العام بصورته التقليدية، لأن القانون الدولى التقليدى كان يقوم على أساس الاحترام المطلق لسيادة الدول، حيث انه لم يكن يصل إلا بحماية الأوروبيين المسيحيين فى الخارج، وهو ما نشير إليه على وجه الخصوص ….
1- نظام المسئولية الدولية :

نظام المسئولية الدولية [5]، هو أقدم الأنظمة التى عرفها القانون الدولى والتعويل عليه فى حماية حقوق الإنسان كان قاصراً على طائفة معينة وهى طائفة الأجانب لأنه كان ومازال، يعطى الدولة حق حماية رعاياها فى الخارج أو مصالح هؤلاء الرعايا فى الخارج _وذلك على أساس أن الدولة التى ينتمى إليها الشخص بجنسيته عندما يحصل الاعتداء على شخص الأجنبى أو أمواله، ولم يتمكن من الحصول على تعويض، أو إنزال العقاب الذى يفرضه القانون على الأشخاص الذين اقترفوا هذا الاعتداء، تتولى دولة الشخص الذى وقع الاعتداء عليه أو على أمواله مهمة الدفاع عن حقوقه بالوسائل الدبلوماسية وفى بعض الأحيان يعرض الأمر على القضاء الدولى للفصل فيه طبقاً للقانون الدولى .

ولكن هذا النظام لا يعد وسيلة فعالة لتقرير حماية حقوق الإنسان لعدة أسباب منها :

أنه قاصر على الأجانب، فلو عرضنا حصول اعتداء على شخص او حقوق فردين، فى ظرف واحد، أحدهما أجنبى والأخر يحمل جنسية الدولة التى ارتكب هذا الاعتداء أو وقع على إقليمه، فإن كلا من هذين الشخصين، يجب عليه طبقاً للقانون الدولى، أن يلجأ الى السلطات الإدارية والقضائية حسب الأحوال، ومن ثم يؤدى إلى أن الشخص خارج إقليم دولته يمكن ان يتمتع بحماية قانونية لحقوقه وحرياته تتجاوز الحماية التى يملكها وهو فى داخل دولته.

ثم أن هناك طائفة عديمى الجنسية، وهؤلاء لن يستطيعوا الإفادة من هذا النظام لأنه لا توجد بالنسبة لهم دولة تملك طبقاً للقانون الدولى مهمة الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم .

وهناك أيضاً المخاطر الناشئة من أن الدولة طبقاً للقانون الداخلى والقانون الدولى غير ملزمة بالتدخل من أجل حماية حقوق رعاياها فى الخارج. وهناك أيضاً المحاولات العديدة التى بذلت فى القانون الدولى للقضاء على ظاهرة القوة فى العلاقات الدولية، وهى جهود بدأت بوضع قيود على مباشرة هذا الحق طبقاً للقانون الدولى التقليدى ، ثم تتسع دائرتها بقصد الحصول على تقريرعدم مشروعية الحرب العدوانية، وهذا التطور تحقق من الناحية القانونية فى ظل عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحده .
2- التدخل الإنسانى[6] :

قبل ان يجد المجتمع الدولى نفسه بصدد مجموعة من القواعد المنظمة المعنية بحماية حقوق الإنسان، سعت الدول إلى التدخل فى شئون بعضها البعض “لصالح الإنسانية” استناداً الى وجود قانون عام وآمر يفوق الحقوق الخاصة بالدول ويحمى بعض حقوق الفرد.

ومن الناحية التاريخية، ترتد أصول نظرية التدخل لصالح الإنسانية إلى Grotius الذى كان أول من دعا إلى ( الشرعية الأخلاقية ) لهذا التدخل .

وفى ظل التنظيم الدولى المعاصر، ورغم وجود قواعد قانونية وضعية تحظر التدخل بشتى صوره، وجدت نظرية التدخل الإنسانى كثيراً من التطبيقات[7]، كما وجدت العديد من الأنصار الذين وضعوا المعايير والشروط لتطبيق النظرية .

ومن الناحية القانونية، يمكن القوق بأن التدخل الإنسانى يقع برمته فى نطاق النظرية السياسية كما أنه لم يكن، بأى حال محلا لاعتراف مستقر فى العمل الدولى. ليس فقط فى ظل القانون الدولى العرفى. بل أيضاً فى ظل التنظيم الدولى المعاصر.من حي أن استخدام القوة المسلحة أو التهديد باستخدامها أمر محظور فى العلاقات الدولية، وهو ما يستخلص من نص المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحده.[8]

وبعد أعوام قليلة من صدور ميثاق المنظمة العالمية، أعلنت محكمة العدل الدولية رفضها صراحة لمبدأ التدخل فى معرض نظرها لقضية مضيق “كورفو”. فقد ذكرت المحكمة “أن حق التدخل المدعى به ليس سوى مظهر لسياسة القوة التى أفسحت المجال لتعديات غاية فى الخطورة فى الماضى ولا تجد لها مكانا فى القانون الدولى مهما كانت المبررات”.

والواقع ان استعراض كافة التدخلات التى وقعت تحت ستار حماية الإنسانية يؤكد على حقيقة المصالح الخاصة، من سياسية واقتصادية واستراتيجية، التى شكلت الباعث الرئيسى وراء التدخلات التى لم تكن إنسانية بأى حال من الأحوال ..

وإذا ما تركنا التدخل الإنسانى وتلمسنا تطور القانون الدولى فى نظرته للفرد، نجد أنه قد أقر للأخير، مع بداية القرن العشرين، الحق فى اللجوء إلى الأجهزة الدولية فى حالات معينة.

وقد كان ذلك هو حال الاتفاقية المتعلقة بإنشاء محكمة دولية للغنائم، التى تمت الموافقة عليها خلال المؤتمر الثانى للسلام فى لاهاى فى 9 أكتوبر عام 1907 .

ثانياً: حقوق الإنسان فى مرحلة منظمة عصبة الأمم :

من الحرب العالمية الأولى التى اعتبرت من الناحية الأيديولوجية حرباً لامتداد القوميات وإنشاء دول على أساس قومى خرجت عصبة الأمم كأول محاولة لتنظيم دولى يضم مجتمع الدول. وفى المادة 23 من عهدها، وبصفة خاصة فى القسم الثالث عشر من معاهدة فرساى المنشئ لمنظمة العمل الدولية، وجد معظم الفقهاء أسس القانون الدولى لحقوق الإنسان، كما وجد معظمهم فى معاهدات حماية الأقليات القومية التى أبرمت فى نطاق عصبة الأمم الأسس القانونية الدولية لقانون دولى إقليمى فى مجال حقوق الإنسان، غير أن عهد منظمة عصبة الأمم لم يتضمن نصوصاً خاصة بتقرير الصفة الدولية لحماية حقوق الإنسان.

والواقع أنه من أبرز مظاهر الاهتمام الدولى بحقوق الإنسان فى هذه الفترة تمثل فى نشاط منظمة العمل الدولية [9] والتى سوف نفرد لها بالتفصيل فى الفصل الثالث من هذه الدراسة، هذا بالإضافة إلى نظام حماية الأقليات والذى سوف نعرض له فى التالى:

_نظام حماية الأقليات [10]

هذه المسألة تعرض لها بالبحث مؤتمر السلام فى بداية شهر يناير 1919، وذلك لأنها قد أشير إليها فى المشروع الثانى لعهد عصبة الأمم، الذى وضعه الرئيس ويلسن الذى جاء به ما يلى:

“إن العصبة ستشترط على جميع الدول الجديدة، كشرط يتعلق عليه الاعتراف باستقلالها، التزامها بأن تعطى جميع الأقليات الوطنية الخاضعة لسلطتها، معاملة مماثلة من الناحية القانونية والفعلية لتلك التى يتمتع بعا أغلبية السكان فيها” .

ويلاحظ أن الدول التى كان الاتجاه فى مؤتمر الصلح واضحاً لغرض نظام حماية الأقليات عليها، أظهرت معارضتها الشديدة لقبوله. ولقد بدا هذا واضحاً فى الجلسة العامة التى عقدها المؤتمر فى 31 مايو 1919 .

ولكن الرئيس ويلسن رد على الاعتراضات التى أثارتها هذه الدول بأن النظام الجديد تحميه الرغبة فى المحافظة على السلم. ولقد أدمج هذا النظام فى جميع المعاهدات التى أبرمت أو فرضت على حكومات الدول الجديدة أو الدول التى اتسع إقليمها، مثل النمسا، بلغاريا، المجر، تركيا، بولندا، ليتوانيا، يوجوسلافيا، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، اليونان. ويضاف إلى هذه الدول الإعلانات التى صدرت عن دول أخرى بتطبيق المبادئ التى يقوم عليها هذا النظام عند قبولها فى عضوية عصبة الأمم مثل ألمانيا، استراليا، فنلندا، العراق ..الخ .

ويرى الأستاذ جورج سل أن نظام حماية الأقليات نظام استثنائى وذلك لأنه لا يسرى إلا على بعض الدول، ولأن الحماية التى يتضمنها لا تشمل إلا بعض الأفراد أو الجماعات. وهو استثنائى أيضاً لأنه لا يضمن إلا حماية بعض الحقوق. وأخيرا هو استثنائى لأن التظلم الفردى إلى أجهزة عصبة الأمم، وإمكانية عرض مسألة حماية الأقليات على المحكمة الدائمة للعدل الدولية كان يخضع لطائفة من القيود.

وعلى هذا فإنه بالرغم من أن حماية حقوق الإنسان فى ظل عهد عصبة الأمم كانت بمثابة اعتراف من جانب القانون الدولى بحقوق الإنسان حيث تم التأكيد على أن نصوص معاهدات الأقليات هى قوانين أساسية فى الدول الخاضعة لنظام الأقليات ولا يجوز أن يسمو عليها أى قانون داخلى[11]، إلا انها اقتصرت على بعض فئات من الناس وخصتهم بالحماية من خلال معاهدات 1919 – 1920 والأكثر من ذلك أنها لم تنهض بمسئوليتها فى هذا النطاق المتواضع وهو الأمر الذى يمكن إرجاعه إلى [12]:

عدم وجود نصوص تتعلق بواجبات الأقليات تجاه الدول المعنية بحمايتها، فقد تجاهلت بعض الأقليات أنه يتعين عليها الالتزام بسلوك مخلص وأمين تجاه الدولة التى تتمتع بحمايتها على المستوى الدولى، واعتبرت نفسها دولة داخل دولة.
صعوبة وضع تعريف لمصطلح أقلية حيث لم تقم معاهدات الأقليات بتعريف وتحديد مفهوم الأقليات بصورة حاسمة مكتفية بالإشارة إلى الأقليات بسبب الأصل أو اللغة أو الديانة، ونتيجة لصمت المعاهدات هذا قامت كثير من الدول بتبرير عدم التزامها بنظام الحماية بأنه لا يوجد ما يسمى بالأقليات على إقليمها .
ثالثاً: حقوق الإنسان فى ظل منظمة الأمم المتحده :

أحدثت الحرب العالمية الثانية بما حوته من جرائم وويلات تحولاً حاسماً نحو حماية أكثر فعالية لحقوق الإنسان، وفى أثناء الحرب ذاتها ارتفعت الأصوات منادية بمعاقبة المسئولين عن الجرائم البشعة التى هزت ضمير العالم. وقد أسفرت نتائج هذه المحاكمات عن تقرير مسئولية الفرد على أساس القانون الدولى. وانتهاء الحرب وميلاد منظمة الأمم المتحدة، كان من الطبيعى أن تشغل حقوق الإنسان اهتماماً خاصا من جانب المنظمة الجديدة خصوصاً وان جرائم الحرب كانت قد مست كل بنى البشر دون أن يقتصر الأمر على فئة معينة من الناس جديرة وحدها بالحماية كما هو الحال فى ظل عهد عصبة الأمم. وعلى العكس من عهد عصبة الأمم الذى انصرف أساساً إلى تنظيم العلاقات بين الدول، أكد ميثاق الأمم المتحدة على العلاقة الوثيقة بين السلم والأمن الدوليين من ناحية، والظروف الملائمة للرفاهية الاقتصادية والاجتماعية واحترام حريات الإنسان من ناحية أخرى .

1- ميثاق الأمم المتحده:

يعد ميثاق الأمم المتحدة الوثيقة الدولية الأولى، ذات الطابع العالمى أو شبه العالمى. التى تضمنت النص على مبدأ “احترام حقوق الإنسان”. وهذا التغيير الأساسى يمكن إرجاعه إلى انتهاء السيطرة الأوروبية، وقيام عالم يتوقف استقرار، بل بقاؤه على التعاون السلمى بين جميع الثقافات والأجناس والمدنيات. وهذا التعاون يتوقف إلى حد كبير على احترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعلى الرغم من تناول الميثاق لحقوق الإنسان فى خمسة مواضع، بما فى ذلك النصوص المتعلقة بنظام الوصاية، فإن معالجته للمسألة قد جاءت فى صورة إشارات عامة للحقوق الأساسية للإنسان والمساواة فى التمتع بها . ومضمون ونطاق التزامات الأمم المتحدة وأعضائها فى نطاق حقوق الإنسان، أثارا خلافا كبيرا، يرجع إلى معرفة ما إذا كانت نصوص الميثاق الخاصة بحقوق الإنسان تتضمن التزامات قانونية على عاتق المنظمة وأعضائها فى مسائل حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

والنص فى الميثاق على التزام الأعضاء، بأن يعملوا مجتمعين او منفردين بالتعاون مع المنظمة، لتقرير الاحترام العالمى والواقعى لحقوق الإنسان، يعد أقل بكثير، مما كان ينص عليه المشروع الأصلى لهذا النص، الذى تقدمت به اللجنة الفرعية للصياغة. ثم إن الميثاق اعتبر من المبادئ الأساسية التى تقوم عليها المنظمة، عدم مشروعية تدخلها فى المسائل الداخلية ولا يستثنى من ذلك إلا الأحوال التى يكون فيها الاعتداء على حقوق الإنسان من جانب دولة أو مجموعة من الدول، مؤديا إلى الإخلال بالسلم والأمن الدوليين .

ومع ذلك، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد قامت بالموافقة على مشروعات معاهدات دولية تدخل فى نطاق حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية .

ثم ان انعدام وجود تعريف لحقوق الإنسان فى الميثاق لم يمنع أجهزة الأمم المتحده من العمل، فلقد أصدرت عدة توصيات أكدت عدم وجود تعارض بين حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ومبادئ القانون الدولى والميثاق، مثل مبدأ عدم مشروعية التدخل فى المسائل الداخلية للدول، ولقد فشلت منظمة الأمم المتحدة فى أكثر من مناسبة فى ضمان هذه الحقوق والحريات، ولعل من أخطرها وأهمها مسألة التفرقة العنصرية فى جنوب أفريقيا، ويرى “رينيه كاسان” أن ميثاق الأمم المتحدة بخصوص حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية يدور حول الأفكار الرئيسية الآتيه :

الربط بين مسألة المحافظة على السلم والأمن الدوليين. واحترام حقوق الإنسان، وهذا ما يستفاد من مقدمة الميثاق ومن المادة الأولى منه والماده 76 .
جعل حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من الواجبات الأساسية التى تقع على عاتق الأجهزة المختلفة للمنظمة .
2- الإعلان العالمى لحقوق الإنسان ( 10 ديسمبر 1948 )[13]

هذا الإعلان صدر عن الأمم المتحده بتوصية صدرت بالإجماع عن الجمعية العامة فى 10 ديسمبر عام 1948. وتبين مقدمة الإعلان بأنه يعد المثل العام لجميع الشعوب والأمم، وأن جميع الأجهزة الاجتماعية ملزمة باحترام الحقوق والحريات وضمان تطبيقها الفعلى، سواء فى الإقليم أو الأقاليم الموضوعة تحت إدارتها. وأن تحقيق هذه الغاية يتم عن طريق التعليم والثقافة والوسائل المتعددة، الوطنية والدولية، ويتضمن الإعلان الإشارة إلى الحق فى الحياة، احترام الشخص والحق فى الحرية، وحق الإقامة، وحق الخروج والعودة من الإقليم، والحق من الجنسية، والحق فى الزواج، وحرية الرأى، والتعبير وحرية الاجتماع، الحق فى الضمان الاجتماعى، والحق فى العمل والأجر وتكوين النقابات والحق فى الراحة والترويح، والحق فى مستوى كاف للحياة، والحق فى التعليم والثقافة، وحق الملكية والحقوق التعاقدية. والإعلان العالمى لحقوق الإنسان ينظر إليه بعض الفقهاء على أنه خطوة إلى الوراء فى تاريخ الاهتمام الدولى بحماية حقوق الإنسان، وذلك لأنه لم يصب فى اتفاقية دوليه تعطيه صفة القواعد القانونية الدولية الواجبة الاحترام، فى حين أن نصوص الميثاق الخاصة بحقوق الإنسان، قد سبق لها أن نقلت حقوق الإنسان من مجال القانون الوطنى لكل دولة إلى نطاق القانون الدولى العام الوضعى .

ويرى بعض فقهاء القانون الدولى أن الإعلان العالمى لا يتضمن ضمانات لصالح الفرد ولا جزاءات ضد الدول. وأنه من هذه الناحية يعد عديم القيمة العملية، وأنه إذا كان هناك إجماع على الإعتراف للإعلان بقيمة أدبية كبيرة. فأن القول بأن له قيمة قانونية، بمعنى أنه يعص مصدر التزامات قانونية للدول محل خلاف فى فقه القانون الدولى.

ولذلك فإن الأمم المتحدة شرعت بعد صدور الإعلان مباشرة فى تكملة هذا النقص ولقد اتجه التفكير أول الأمر إلى اعداد ميثاق تكميلى واحد، ولكن نظراً لاستحالة تضمين هذا الميثاق جميع الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية. اتجه التفكير إلى إعداد عهدين؛ الأول للحقوق السياسية والمدنية، والثاني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولقد سار العمل منذ عام 1952 فى الاتجاه الأخير.

3- العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية:

الاتفاقيات هى المصدر التقليدى الذى ينتج أثاراً قانونية ملزمة للدول متى تم التصديق عليها. وقد لجأت التنظيمات الدولية المعنية بحماية حقوق الإنسان إلى الصيغة الاتفاقية بصورة واسعة، متخلية بذلك عن إعلانات الحقوق التى لا تحتوى إلا على مبادئ عامة تخلو من كل قيمة إلزامية. وما نشير إليه هنا هو العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية اللذين تم الموافقة عليهما من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ديسمبر 1966. وبدأ العهد الأول فى السريان فى 3 يناير 1976 فى حين تحقق هذا الشرط بخصوص العهد الثانى فى 23 مارس 1976 .

ويتضمن هذان العهدان طائفة من الأحكام الأساسية المشتركة. من ذلك أنهما معا يعالجان حقوق الجماعة أو مجموعة متميزة عن حقوق الأفراد. وهذا ما نجده فى المادة الأولى –الفقرة الأولى- فى كل من العهدين اللذين يشيران إلى حق سائر الشعوب فى تقرير مصيرها ومن ذلك أيضاً النص فى المادة الأولى فى فقرتها الثانية على حق كل شعب فى التصرف فى ثروته الطبيعية، وهذه النصوص تعكس أهمية الدول الجديدة النامية التى لم يكن لها أدنى تأثير فى سنة 1948 عندما تمت الموافقة على الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ولكنها فى سنة 1966 أصبح لها صوت مسموع فى منظمة الأمم المتحدة .

كذلك فإن كلا العهدان يحرمان التفرقة العنصرية والتمييز فى التمتع بالحقوق الواردة بهما، أيا كان أساس هذه التفرقة من حيث الأصل، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو المعتقدات السياسية وغيرها، أو القومية، أو الأصل الاجتماعى، أو الملكية، أو الميلاد .

أما العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية فقد اشتمل على قائمة أطول من الحقوق الواردة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان من هذا النوع. ومن ناحية آخرى، فإن العهد على عكس الإعلان العالمى لحقوق الإنسان لم يتضمن النص على حق الملكية، وبالنسبة للعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن الحقوق من هذه الطائفة التى اشتمل عليها هذا العهد أكثر شمولا مما ورد فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان .

المبحث الثانى

مصادر الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان ..

فى هذا المبحث نتعرض بالتفصيل للمصادر الدولية المنظمة للرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الوطنى وعلى المستوى الدولى العام والدولى الإقليمى، وفى هذا السياق نتعرض على مستوى النصوص القانونية لتشكيل وعمل آليات الأجهزة الدولية المختصة بالرقابة فى إطار المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومواثيق المنظمات الدولية .

المطــلب الأول

مصادر الرقابة فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الوطنى

اهتمت القوانين والدساتير الداخلية منذ قرون بمسألة حماية الحقوق والحريات الشخصية أو الفردية. بل إن الإجماع منعقدا على أنه لا يكون هناك نظام قانونى بالمعنى الكامل إذا كان لا يحقق هذا الحماية. ولكن مع ذلك فقد أكدت التجارب المريرة لعلاقة الفرد بدولته عدم فاعلية هذه الحقوق فى كثير من المناسبات. وذلك لأن المشرع قد لا يحترم الحقوق والحريات الفردية وبالتالى قد لا يتمكن القاضى –محكوماً بهذه التشريعات- من ضمان الاحترام لهذه الحقوق والحريات، وأمام هذه الظاهرة يقف القانون الدولى التقليدى عاجزاً عن توفير حماية حقوق الإنسان وحرياته فى نطاق القانون الداخلى لدولة الفرد، ولا يمكن فى هذا الصدد التعويل على القانون الدولى إلا فى الحالات التى يأخذ فيها القانون الداخلى بمبدأ الاندماج الذاتى للقانون الدولى، ويجعل لقواعد القانون الدولى بعد اندماجها قوة القواعد الدستورية الوطنية، ثم يعطى القاضى الداخلى حق استبعاد تطبيق القواعد الداخلية المخالفة للقانون الدولى، وهو أمر نادر جداً .

ولذلك فإن القانون الدولى التقليدى لم يكن قادراً على حماية الفرد ضد دولته، وذلك استناداً على مبدأ السيادة الوطنية وعدم جواز التدخل فى الشئون الداخلية للدولة وهى قاعدة ينص عليها صراحة فى مواثيق المنظمات الدولية. وتظهر الدول غيرة كبيرة على عدم المساس بهذه القاعدة التى تتمخض فى النهاية فى ترك حماية حقوق الإنسان وحرياته للقانون الداخلى فى كل دولة ومحاربة كل محاولة لمد نطاق القانون الدولى ليشمل بالتنظيم هذه المسألة ويبدو ذلك بوضوح إذا أدركنا أن الدول لا تمانع فى تقرير حقوق الإنسان بمقتضى القانون الدولى .

المطـلب الثـانى

مصادر الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولى العام

طبقاً للفقرة الأولى (ج) (192) من توصية اليونسكو سنة 1974 بخصوص الدراسة الدولية لحقوق الإنسان، فإن المجموعة الدولية لقوانين حقوق الإنسان على المستوى العالمى هى نصوص ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، والإعلان العالمى لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية.

أولاً: ميثاق الأمم المتحدة: The United Nations Charter

تشير توصية اليونسكو فى المقام الأول إلى ميثاق الأمم المتحدة. ومن المعلوم أن هذا الميثاق هو دستور المنظمة الدولية. الذى ينظم سلطاتها ووظائفها، كما أنه معاهدة دولية متعددة الأطراف تحدد حقوق والتزامات الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة.

ويعالج الميثاق حقوق الإنسان فى مقدمته وفى المواد 1، 13، 55، 56، 62، 68، 76، ولكن أهم المواد السابقة فى موضوعنا هى المواد 1، 55، 56 .

فالمادة الأولى: تجعل من بين الأهداف التى من أجلها أنشئت الأمم المتحده حماية حقوق الإنسان:

“International co-operation … in promotion and encouraging respect of Human Rights and for fundamental freedom for all without distinction as to race, sex, language, or religion.”

كما ان الدول الأعضاء فى الأمم المتحده تلتزم بالتعاون مع الأمم المتحدة فى تحقيق الهدف السابق، واحترام الالتزامات التى حددتها المادة 55 من الميثاق بخصوص الاحترام العالمى لهذه الحقوق. وهذا الالتزام نصت عليه المادة 56 على النحو التالى:

“To take joint and separate action in co-operation with the organization for the achievement of the purposes set forth in Article 55. “

والأهمية القانونية لنصوص ميثاق الأمم المتحدة التى تهتم بحقوق الإنسان تكمن فى أنه ابتداء من بدء سريان هذا الميثاق فى 1945 لم تعد حقوق الإنسان من المسائل التى تدخل فى الاختصاص الداخلى للدول، أى التى يتم تنظيمها تشريعياً وحمايتها قضائياً أو بغير ذلك من وسائل ضمانات حقوق الأفراد، على المستوى الداخلى فقط، أى على مستوى القانون الداخلى ومؤسساته. ولا ينقص من هذه الأهمية قيام احدى الدول أو الأفراد بانتهاك حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ويرى البعض أن هذه الصياغة المطاطة لنصوص الميثاق التى نهتم بحقوق الإنسان كانت مقصودة .

ويلاحظ أن ميثاق الأمم المتحدة كان صريحاً فى تحريم التمييز فى المعاملة القانونية لأى سبب كان، أى أن موقفه من مبدأ المساواة أمام القانون كان صريحاً وقاطعاً، وأن هذا التحريم يشمل سائر الحقوق والحريات.

ولكن يؤخذ على الميثاق ما يلى: [14]

أن الميثاق الذى ضمن بشكل قانونى مبدأ فكرة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لم يقم حتى ولو بصورة موجزة بتحديد هذه الحقوق والحريات.
لا تملك المنظمة التدخل على سبيل الإلزام لضمان حقوق الإنسان، إلا فى صورة واحدة عندما يكون الأمر متعلقاً بتهديد السلم والأمن الدوليين ..
لم يعترف الميثاق حتى بأقل صور الرقابة الدولية لحقوق الإنسان، وهو التظلم الفردى.
ومن أجل ذلك وجدنا أن الجمعية العامة فى دورتها الأولى المنعقدة بلندن بناء على مشروع تقدمت به كوبا وبنما، تقرر إحالة الموضوع على لجنة حقوق الإنسان على أن يعرض الموضوع فى دورتها الثانية. ولقد قامت فعلاً هذه اللجنة بالمهمة التى عهدت إليها وعرضت نتيجة أعمالها على الجمعية العامة فى دورتها الثانية التى انعقدت بباريس التى انتهت بالإعلان العالمى لحقوق الإنسان .

ثانياً: الإعلان العالمى لحقوق الإنسان: The Universal Declaration Of Human Rights

تم اعتماد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان من الجمعية العامة للأمم المتحدة فى العاشر من ديسمبر سنة 1948. وهناك وجه شبه كبير بين الإعلان وإعلانات حقوق الإنسان الداخلية مثل فى إنجلترا الصادر فى عام 1215، والإعلان الفرنسى لحقوق الإنسان لسنة 1789. والإعلان الأمريكى للاستقلال والحقوق لسنة 1776. فهو يأخذ مكانه بين هذه الوثائق التاريخية الكبرى، حيث يعتبر أول تقنين دولى لحقوق الإنسان يتصف بالشمول …

أهم الحقوق المدنية والسياسية التى أشار إليها الإعلان تدور حول الحق فى الحياة، وحرية وأمن الإنسان، تحريم الرق، والتعذيب، والمعاملة الوحشيةأو المتنافية مع الكرامة، والنهى عن القبض أو الاعتقال أو النفى التحكمى، والحق فى محاكمة عادلة فى المسائل المدنية والجنائية وقرينة البراءة، وتحريم سريان القوانين والعقوبات بأثر رجعى، والحق فى حماية الخصوصية، والملكية الخاصة، وحرية التعبير، والديانة، والاجتماع، والحق فى الانتقال، بما فى ذلك حق المرء فى ترك دولته والعودة إليها، والحق فى اللجوء، والحق فى الجنسية، والحق فى الزواج وتكوين الأسرة وأن يكون الزواج قائماً على الرضا، والحق فى المشاركة فى الحكومة مباشرة أو عن طريق الانتخاب الحر لممثلى الشعب واحترام إرادة الشعب.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: القاعدة العامة بالنسبة لهذه الحقوق تتضمنها المادة 22 من الإعلان، فتنص على الحق فى التأمين الاجتماعى والحق فى العمل، والحماية ضد البطالة، والمساواة فى الأجر، مع الحق فى تكملة هذا الدخل بالوسائل الأخرى للحماية الاجتماعية، والحق فى التعليم المجانى، وحق الآباء فى اختيار نوع التعليم لأبنائهم، ويكمل الحق فى التعليم الحكم الوارد فى المادة 26 من الإعلان حيث تفضي بأن التعليم يجب أن يهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة لشخصية الإنسان .

نطاق مباشرة الحقوق: أشار الإعلان إلى أن الحقوق الواردة فيه ليست مطلقة، ولذا فإنه يسمح للدولة بأن تصدر القوانين التى ترسم حدود هذه الحقوق بشرط أن يكون الهدف الوحيد من هذه القوانين احترام الآداب العامة والنظام العام والرفاهية فى مجتمع ديمقراطى.

وبناء على ذلك تكون القوانين التى تصدرها الدولة بقصد تنظيم مباشرة الحقوق والحريات الواردة فى الإعلان، مخالفة لهذا الإعلان، إذا كانت تتضمن قيودا أو حدودا غير مشروعة، لأنها مخالفة لهذه الحقوق والحريات أو كانت من باب أولى تنكر كليا هذه الحقوق والحريات.

الأثر القانونى والسياسى للإعلان: ما دام الإعلان لم يأخذ صورة المعاهدة بل أخذ صورة توصية صادرة عن الجمعية العامة فان بعض الحكومات ترى أنه مجرد عن القيمة القانونية فى حين ذهب فريق آخر من الحكومات والفقهاء إلى أنه يتضمن تفسيرا رسميا أو تحديدا لمضمون حقوق الإنسان والحريات الأساسية التى أشارت إليها نصوص ميثاق الأمم المتحده.

ثالثاً: العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:

كما أشرنا سابقاً، تحولت الحقوق والحريات التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان بمقتضى هذين العهدين إلى التزامات مصدرها القانون الدولى الاتفاقى. وبذلك انتهى الجدل من جانب الفقهاء والحكومات الذى قام حول القيمة القانونية لهذه الحقوق والحريات.

وقد اتجه تفكير الأمم المتحدة فى البداية إلى وضع مشروع اتفاقية موحدة تضم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بأنواعها المختلفة، وقرار تخصيص اتفاقية منفردة لكل طائفة من حقوق الإنسان بنى على أساس أن كلاهما تختلف وسائل تطبيقها وتنفيذ أحكامها عن الأخرى، وهو الفارق بين التزام الدولة بتحقيق نتيجة والتزامها ببذل عناية، لأنه بوجه عام يجب على كل دولة تنفيذ التزاماتها الدولية فى دائرة الحقوق السياسية والمدنية وقد يكون ذلك عن طريق إصدار القوانين التى تحقق هذه الغاية. ولكن الوضع جد مغاير فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن الاشارة فقط إلى أن إصدار قانون يقضى بحق كل فرد فى مستوى عادل من المعيشة، لا يعنى فى الواقع التمتع بهذا الحق ما لم تكن لدى هذه الدولة الإمكانيات الاقتصادية الضرورية .

وبالنسبة للرقابة الدولية على كل من العهدين ومفهومها فى التنظيم الدولى لكيفية ضمان احترام الدول لأحكامها، نجد العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يأخذ بنظام التقارير، حيث يجب على الدول أن تقدم تقارير دورية إلى المجلس الاقتصادى والاجتماعى، محددة فيها الإجراءات التى اتخذها لضمان تطبيق الحقوق الواردة فى الاتفاقية (م16). وهذه التقارير تكملها المعلومات التى تقدمها المنظمات المتخصصة المرتبطة بالأمم المتحدة مثل اليونسكو ومنظمة العمل الدولية. ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة، وهكذا نتبين أنه فى مجال هذه الحقوق –كما هو الحال فى الحقوق المدنية والسياسية- ليست هناك رقابة قضائية، أو شبه قضائية، دولية، وإنما تنحصر الرقابة فى المسئولية السياسية.

أما العهد الدولى للحقوق السياسية والمدنية فإنه يجمع بين نظام الرقابة الدولية السياسية أى الرقابة عن طريق التقارير والقرارات من جانب الأجهزة الدولية، ونظام الشكاوى المقدمة من إحدى الدول الأطراف فى العهد ضد دولة آخرى طرف فيه أيضاً إلى لجنة حقوق الإنسان. ولكن ذلك يتطلب إعلاناً بقبول هذا النوع من الرقابة، والوسيلة الثالثة للرقابة على احترام الدول لحقوق الإنسان المدنية والسياسية هى نظام التظلمات الفردية ونظراً لأن هذا الإجراء لم يكن محل قبول من سائر الدول، فإن النص عليه لم يرد فى الاتفاق ذاته، وإنما فى البروتوكول الاختيارى للعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية الذى تمت الموافقة عليه فى ذات التاريخ الذى اعتمد فيه هذا العهد، وبجانب المجموعة الدولية المذكورة لحقوق الإنسان، قامت الأمم المتحدة بوضع قانون دولى لحقوق الإنسان أكثر تحديداً فى عدد من المعاهدات المتصلة بمختلف المواضيع التى حددتها بصورة أولية الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. [15]

رابعاً: المعاهدات المتخصصة

تنشئ المعاهدات التزامات قانونية للدول الأطراف فيها، ولكنها بصفة عامة ليست ملزمة للمجتمع الدولى ككل. على أن المعاهدات قد تنشئ قانوناً دولياً عاماً ملزماً لكافة الدول عندما ترمى هذه الاتفاقيات إلى تمسك الدول بها عموماً وعندما تكون فى الحقيقة مقبولة على نطاق واسع وعندما تنص مرة أخرى على المبادئ العامة للقانون .

وبالإضافة إلى ميثاق الأمم المتحدة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فإن أهم معاهدات الأمم المتحدة التى حظيت بعدد من التصديقات أو الانضمامات يكفى لبدء نفاذها تشمل ما يلى (حسب ترتيب تاريخ بدأ النفاذ):

اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها .
الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين .
البروتوكول الخاص بوضع اللاجئين .
الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى .
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة .
اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة .
اتفاقية حقوق الطفل .
البروتوكول الاختيارى الثانى الملحق بالعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية بهدف إلغاء عقوبة الإعدام .
اتفاقية العمال المهاجرين وأسرهم .
ولكى تنطبق معاهدة على بلد معين، لابد أن تكون الدولة قد صدقت على المعاهدة أو التزمت بها رسمياً بأى شكل آخر. وتلحق بعض الدول تحفظات أو غيرها من القيود على تصديقها على المعاهدة. وينبغى ملاحظة أن التحفظ، حتى وإن أكدته الدولة، قد يكون لاغياً إذا انتهك الهدف والغرض من الاتفاقية .

خامساً: هيئات المعاهدات:

عملا بست من معاهدات حقوق الإنسان الرئيسية، أنشئت لجان لمراقبة تنفيذ المعاهدات. وهذه الهيئات التعاهدية الست هى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان (بموجب العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية) ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولجنة القضاء على التمييز العنصرى ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة ولجنة مناهضة التعذيب ولجنة حقوق الطفل. وتستعرض الهيئات التعاهدية الست التقارير المقدمة من الدول الأطراف عن امتثالها لهذه المعاهدات. وتصدر معظم هذه الهيئات تعليقات عامة وتوصيات تعبر عن تجربتها فى استعراض تقارير الدول. وبهذه الطريقة، يمكنها أن تقدم تفسيرات رسمية لأحكام المعاهدات. وبالإضافة إلى ذلك، فى بحث مدى تنفيذ الدول الأطراف للمعاهدات بصورة دورية من خلال تحليل تقارير الدول، تصدر الهيئات التعاهدية ملاحظات ختامية تصف وتتناول مجالات معينة يمكن أن تغير فيها الدول الأطراف تشريعاتها وسياستها العامة وممارساتها من أجل تعزيز الامتثال للمعاهدة التى عليها مدار البحث. والملاحظات الختامية هى فى كثير من الأحيان مصدر قيم للمعلومات عن العاملين فى ميدان حقوق الإنسان. كما أن ثلاثاُ من الهيئات التعاهدية، وهى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ولجنة القضاء على التمييز العنصرى ولجنة مناهضة التعذيب، قد تتلقى فى أحوال معينة بلاغات فردية بانتهاكات هذه المعاهدات ومن ثم تصدر أحكاما تفسر أحكام المعاهدات وتطبقها. وفي حين أن الهيئات التعاهدية الأخرى لا يمكنها أن تتلقى شكاوى رسمية فى شكل بلاغات فردية، فإنها تقوم بإصدار إعلانات تفسر وتطبق أحكام المعاهدة، فضلاً عن الإشارة -وإن كان على نحو مخصص فى كثير من الأحيان- إلى أنه ينبغى للدول الأطراف أن تغير من سلوكها من أجل ضمان الامتثال بالتزاماتها بموجب المعاهدة.

سادساً: صكوك الأمم المتحدة غير التعاهدية ذات الصلة:

وبالإضافة الى المعاهدات، قامت الأمم المتحدة بالإشراف على وضع واعتماد العشرات من الإعلانات والمدونات والقواعد والخطوط التوجيهية والمبادئ والقرارات وغير ذلك من الصكوك التى تعمل على تفسير وتوسيع التزامات الدول الأعضاء بحقوق الإنسان العامة بموجب المادتين 55 و 56 من ميثاق الأمم المتحدة وقد تعبر عن القانون الدولى العرفى. والإعلان العالمى لحقوق الإنسان هو أبرز صكوك حقوق الإنسان، وهو لا يوفر فقط تفسيراً رسمياً وشاملاً ومعاصراً تقريباً للالتزامات حقوق الإنسان بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ولكنه يتضمن أيضاً أحكاما تم الاعتراف بها باعتبارها تعبر عن القانون الدولى العرفى الملزم لكل الدول بصرف النظر عما إن كانت أطرافا فى المعاهدات التى تتضمن هى الأخرى تلك الأحكام. ومن بين الصكوك البارزة الأخرى التى ليست معاهدات ولكنها تتسم بأهمية عظيمة فى ميدان حقوق الإنسان (مرتبة حسب تاريخ اعتمادها) ما يلى:

القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.
الإعلان الخاص بحقوق المعوقين.
مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.
إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة.
القواعد النموذجية الدنيا لإدارة شئون قضاء الأحداث (“قواعد بكين”).
إعلان الحق فى التنمية.
مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأى شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن.
مبادئ المنع والتقصى الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفى والإعدام دون محاكمة.
مبادئ أساسية بشأن استعمال الأسلحة من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين.
إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسرى.
إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو اثنية وإلى أقليات دينية ولغوية.
إعلان القضاء على العنف ضد المرأة.
الإعلان الخاص بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وأجهزة المجتمع فى تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً.

سابعاً: معاهدات وصكوك الأمم المتحدة الأخرى:

الأمم المتحدة ليست المنظمة العالمية الوحيدة التى أصدرت أو يسرت إصدار معايير لحقوق الإنسان على مستوى العالم. وتشمل المنظمات الأخرى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فضلاً عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ومنظمة العمل الدولية، باعتبارها واحدة من أعرق المنظمات الحكومية الدولية، قامت بنشر 192 توصية و184 اتفاقية، بما فى ذلك عدة معاهدات متصلة بحقوق الإنسان. وقامت اليونسكو بنشر عدة معاهدات متصلة بحقوق الإنسان، مثل الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز فى مجال التعليم، سلسلة معاهدات الأمم المتحدة 429، 93، التى بدأ نفاذها فى 22 مايو/أيار 1962.

ثامناً: اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها :

دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، منذ أواسط القرن التاسع عشر، إلى عقد مؤتمرات حكومية لصياغة معاهدات بغرض حماية جرحى القوات المسلحة فى الميدان وفى البحر أثناء النزاع المسلح، وأسرى الحرب والمدنيين فى وقت الحرب. وتؤلف هذه المعاهدات جوهر القانون الدولى الإنسانى الرامى إلى كافة احترام المبادئ العامة للإنسانية أثناء فترات النزاع المسلح الدولى وغير الدولى.

والمعاهدات المتعددة الأطراف الرئيسية التى توفر الأساس التشريعى للقانون الدولى الإنسانى –وهى اتفاقيات جنيف لعام 1949- حظيت بعدد من التصديقات يزيد عما حظيت به معاهدات حقوق الإنسان الأخرى فيما عدا ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية حقوق الطفل. ويوسع البروتوكولان الإضافيان لعام 1977 من أنواع الحماية المكفولة بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 ويجعلها أكثر تحديدا لتشمل المنازعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة فى الميدان (اتفاقية جنيف الأولى).
اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة فى البحار (اتفاقية جنيف الثانية).
اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب (اتفاقية جنيف الثالثة).
اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين فى وقت الحرب (اتفاقية جنيف الرابعة).
البروتوكول الإضافى الأول الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة فى 12 آب/أغسطس 1949 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية (البروتوكول الإضافى الأول).
البروتوكول الإضافى الثانى الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة فى 12 آب/أغسطس 1949 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول الإضافى الثانى).
وتحظى كثير من أحكام الاتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها واتفاقيتى لاهاى لعامى 1899و1907 بقبول واسع باعتبارها تنص من جديد على القانون الدولى الإنسانى والعرفى المنطبق على جميع البلدان. وينطبق القانون الدولى الإنسانى بالتحديد على حالات النزاع المسلح التى تدخل عادة فى عداد “حالات الطوارئ الاستثنائية”.

المطـلب الثـالث

مصادر الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولى الإقليمى[16]

بالنظر إلى المكاسب التى تحققت للفرد على المستوى الدولى الإقليمى، دافع البعض عن إقليمية أساليب حماية حقوق الإنسان[17] على الرغم من عالمية هذه الحقوق كفكرة، من حيث سهولة موافقة الدول عليها دون الكثير من التردد. فالتنظيم الدولى الإقليمى يضم دولاً ذات مفاهيم وقيم أكثر ترابطاً. كما تجمعها مصالح وغايات مشتركة تخلق مناخاً ملائماً يسمح بالتخلى عن اعتبارات السيادة والغيرة عليها.

ومن الناحية العملية، تسمح الأساليب الإقليمية للحماية بالتغلب على مشكلات المسافة والوقت فيما يتعلق بالطعون الفردية. ومن زاوية الاستجابة تقبل الدول على هذه الأساليب بسهولة أكثر من إقبالها على نظام عالمى له ذات المحتوى [18].

وهكذا ارتدت حقوق الإنسان من العالمية إلى الإقليمية على الأقل كفكرة جديرة بالاهتمام والرعاية. فإذا كانت الأمم المتحدة أول تنظيم دولى عالمى يعتنق تعزيز وحماية حقوق الإنسان كمبدأ وهدف ينبغى الوصول إليه، فإن المنظمات الدولية الإقليمية التى تلت قيام الأمم المتحدة قد تبنت نفس الفكرة. ومنها من ارتقى بها إلى أبعد مما وصلت إليه من تطور على المستوى العالمى، ومنها من لم يتجاوز حدود هذا التطور. بل وهناك منظمات إقليمية لم تصل بعد إلى ما وصلت إليه الأمم المتحده من إنجازات فى هذا الشأن. ومع ذلك كانت الأمم المتحدة نقطة الانطلاق للتطور الذى لحق بحماية حقوق الإنسان على المستوى الدولى الإقليمى.

والواقع أن الأنظمة الإقليمية لحماية حقوق الإنسان التى حقت نوعاً من التقدم الملحوظ تتمثل أهمها فى النظامين الأوروبى والأمريكى. وبصفة عامة يمكن القول بان التنازع بين هذين النظامين من ناحية ونظام الأمم المتحدة من ناحية أخرى لا يثير مشكلات عملية، حيث استقرت الدول الأطراف فى الاتفاقيتين الأوروبية والأمريكية يمكن أن تتعايش بلا شك مع النظام العالمى.

وهو الأمر الذى نتعرض له بكثير من الإيجاز.. [19]

1- مجلس أوروبا

مجلس أوروبا هو أول تنظيم دولى إقليمى يعتنق حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية كوسيلة لبلوغ الهدف الأساسى لقيام التنظيم والمتمثل فى تحقيق وحدة مترابطة بين أعضائه. وبعد قيام المجلس بفترة وجيزة لم تتجاوز أعواماً ثلاثة، أبرمت الدول الأعضاء اتفاقية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. والتعرف على التجربة الأوروبية فى مجال حماية حقوق الإنسان هو أمر على درجة كبيرة من الأهمية حيث أنها تشكل قمة التطور الذى لحق بوضع

الفرد وحقوقه فى القانون الدولى حتى الآن وذلك على الرغم من وجود بعض أوجه القصور التى لا مجال لذكرها فى هذا السياق. يرجع تاريخ التنظيم الأوروبى لحماية حقوق الإنسان إلى مايو من عام 1948.

وفى مايو من عام 1949، وبعد قيام منظمة مجلس أوروبا أصدرت الجمعية الاستشارية، أحد الأجهزة التابعة للمجلس، توصية للجنة الوزراء، جهاز المجلس التنفيذى، فى سبتمبر عام 1949، تقضى بأن يتم إعداد مشروع لاتفاقية ذات ضمانة جماعية فى أقرب فرصة ممكنة، يتمتع من خلالها كل شخص خاضع لسلطان الدول الأعضاء فى المجلس بعدد من الحقوق الواردة فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان.

وعلى الأسس السابقة، وافقت لجنة الوزراء على مشروع الاتفاقية فى 4 نوفمبر عام 1950 والتى دخلت حيز التنفيذ فى 3 سبتمبر عام 1953.

وأهم سمات الاتفاقية هى :

ان الحقوق المضمونة بمقتضى الاتفاقية هى الحقوق التقليدية للانسان. وبمعنى آخر، هى الحقوق التى تمثل الحد الادنى الذى ينبغى ضمانه واحترامه. فقد استبعد واضعو الاتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باستثناء بعض الحقوق النقابية.

ان الاتفاقية بمثابة معاهدة ترتب، بمجرد التصديق عليها، التزامات على عاتق الدول الأطراف تتعلق باحترام الحقوق المعلقة بها. والخضوع للإجراءات المنصوص عليها فى حالة انتهاك الحقوق المضمونة.

ان نظام الحماية الوارد فى الاتفاقية كان يكفله جهازان –بالإضافة إلى لجنة الوزراء التابعة لمجلس أوروبا- لا يمكن القول بأن أحدهما يسمو إلى الأخر أو ان له سلطة رقابة على أعمال ووظائف الآخر. فاللجنة، والتى ألغى دورها فى الوقت الحالى، كانت جهة أولية والزامية فى جميع الأحوال ينبغى اللجوء إليها قبل اللجوء إلى المحكمة.

وحق اللجوء للجنة مكفول للدولة الطرف فى الاتفاقية، وذلك قبل إلغاء دورها كما سبق الإشارة إليه. غير أنه ليس من الضرورى ان يكون ضحايا الانتهاك من رعاياها، أو من أية دولة أخرى طرف فى الاتفاقية. وهذا ما يوضح لنا إلى أى مدى نحن بعيدون عن النطاق التقليدى للحماية الدبلوماسية. أما المحكمة، وهو الجهاز الموجود حالياً بالفعل دون اللجنة، هو جهاز الرقابة على تطبيق الاتفاقية، فهى جهة قضائية لها كافة صلاحيات وسلطات القضاء ولأحكامها قوة الشئ المقضى به. وسنرى ان حق اللجوء للمحكمة كان قاصر على اللجنة –قبل إلغائها- والدولة الطرف المعنية، سواء أكانت مدعية أو مدعى عليها. وليس للفرد الذى انتهكت حقوقه أن يلجأ إلى المحكمة، أو يمثل أمامها بوصفه طرفا من أطراف القضية.

ان الاجراءات المنصوص عليها فى الاتفاقية من الطول والتعقيد، بحيث يمكن ان تبعث على اليأس فى نفوس ضحايا الانتهاكات الخطيرة للحقوق والحريات المضمونة. وهو أمر يقلل إلى حد ما، من فعالية الاتفاقية والهدف الذى وضعت من أجله. وبطبيعة الحال، كان بإمكان واضعى الاتفاقية النص على إجراءات أكثر مرونة، ولكنهم وضعوا فى الاعتبار مواقف الدول وترددها فى مواجهة الاتفاقية الجديدة. وهكذا يمكن القول بأن الحلول شبه القضائية، أو القضائية، التى اعتبرها معظم من تصدوا لدراسة الاتفاقية نموذجاً للعدالة، ليست سوى وسائل تقليدية.

2- منظمة الدول الأمريكية

قبل ميلاد منظمة الدول الأمريكية، كانت قد طرحت فكرة حماية حقوق الإنسان، بمقتضى نظام دولى أمريكى. فقد صدر عن المؤتمر الدولى الأمريكى لمشاكل الحرب والسلام (المكسيك عام 1945) قرار أعلنت فيه الدول المشتركة أنه “بالنظر إلى أن إعلان الأمم المتحدة قد نص على ضرورة وضع حماية للحقوق الأسياسية للإنسان، تعلن الجمهوريات الأمريكية انضمامها إلى مبادئ القانون الدولى المطبقة فى مجال حقوق الإنسان، وتعرب عن رغبتها فى وضع نظام دولى لحماية هذه الحقوق”.

وعلى الرغم من ان القرار لم يشر صراحة إلى اتفاقية، أو أى شكل من أشكال الحماية، الا أنه كان فاتحة لما تلا ذلك من أعمال. وقد بادرت حكومة كوستاريكا بدعوة المؤتمر المتخصص للانعقاد فى عاصمتها “سان جوزيه” فى الفترة من 7: 22 نوفمبر 1969، حيث أعد نص الاتفاقية ووقعت عليه اثنتا عشرة دولة من دول أمريكا اللاتينية فى 22 نوفمبر 1969.

يحتوى القسم الأول من الاتفاقية –التزامات الدول والحقوق المضمونة- على خمسة أصول: يتعلق أولها بالتزامات الدول، والثانى بالحقوق المدنية والسياسية، والثالث بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،

وعلى ذلك، ارتضت الدول الأمريكية أن تأخذ بنظام الوثيقة الواحدة التى تتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على السواء.

وعلى الرغم من وحدة مفهوم حقوق الإنسان، فانه بالنظر إلى السمات الخاصة بكل مجموعة من تلك الحقوق، كان ينبغى التمييز بين التنظيم القانونى الذى يحكم كل مجموعة، وبصفة خاصة أسلوب الحماية. وفى هذا الصدد اعتنقت حكومات الدول الأمريكية رأى اللجنة، فى مشروعها بشأن الاتفاقية حول ضرورة التمييز بين الوسائل القانونية للحماية والوسائل الكفيلة بتعزيز مجموعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومع ذلك، لم تأت الاتفاقية على درجة من الصياغة القانونية المناسبة فى هذا الخصوص. حيث تنص المادة الأولى من الاتفاقية على أن الدول الأطراف تتعهد باحترام الحقوق والحريات التى تقرها وتضمنها الاتفاقية، لكل شخص خاضع لاختصاصها دون أى تمييز.

ووفقاً لنص المادة الثانية من الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف باتخاذ الإجراءات التشريعية، أو غيرها من الإجراءات الضرورية، وفقاً لأنظمتها الدستورية ونصوص الاتفاقية، لضمان فاعلية الحقوق والحريات. وتتعهد الدول باتخاذ هذه الإجراءات إذا كانت ممارسة الحقوق والحريات لم يتم ضمانها بعد.

وكأى اتفاقية لحماية حقوق الإنسان، تعطى الاتفاقية الأمريكية للدول حق تعطيل الحقوق والضمانات فى حالة الحرب، أو الخطر العام الذى يهدد حياة الأمة. وفى ذلك حماية للدول ككيانات سياسية قبل حماية الفرد.

على الرغم من عرض الاتفاقية للحقوق والحريات بصورة تفصيلية فإنها لم تتعرض لحق تقرير المصير، الذى يعتبر، وفقاً للعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، أساس التمتع بكل حقوق الإنسان.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تنص الاتفاقية على حقوق خاصة بالأقليات وهى مسألة لها أهميتها فى دول أمريكا اللاتينية، وبالنظر إلى طبيعة شعوبها والهجرات التى وقعت منذ أوائل القرن العشرين من جماعات إنسانية تنتمى إلى أصول مختلفة.

ومع ذلك، يمكن القول بأن حماية الأقليات مضمونة بمقتضى الاتفاقية وفقاً لنص المادة الأولى والمادة 24 اللاتين نصتا على منع التميز.

جاء النص على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى مادة واحدة من مواد الاتفاقية ( م 26 ) .

المبحث الثالث

آليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان ..

وفى هذا المبحث سوف نتناول آليات الرقابة على حقوق الإنسان سواء على المستوى الوطنى أو على المستوى الدولى العام، كما إننا سنتعرض للآليات الهامة على المستوى الدولى الإقليمى.

المطلـب الأول

آليـات الرقـابة فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الوطنى

تملك كل دولة من دول العالم تقريباً نصوصاً فى دستورها أو قانونها الأساسى تكفل حماية حقوق معينة من حقوق الإنسان والحريات الأساسية وهذا ينطبق بصورة خاصة على الدول التى أقرت نصوص قوانينها الأساسية بعد صدور الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى عام 1948، ففى بعض الحالات أدخلت بعض، أو كل، بنود الإعلان فى هذه النصوص ويجوز لمواطنى هذه الدول الذين يشعرون بالحرمان من حق ما او من حرية ما واردة فى الدستور أو القانون الأساسى التقدم بشكواهم إلى المسئولين الإداريين أو القضائيين المحليين والسعى لعلاج الخطأ الذى وقع لهم بصورة غير مشروعة.

وأحد الأهداف الرئيسية للجهود الدولية المبذولة فى ميدان حقوق الإنسان وهو مد نطاق حدود الحماية الوطنية. وتتعهد الدول حين توافق طواعية على معاهدات حقوق الإنسان بأن تضع موضع التنفيذ القوانين أو اللوائح أو النصوص الإدارية المحلية، أو تتخذ التدابير القضائية اللازمة لوضع بنود هذه المعاهدات موضع التنفيذ.

وفى بعض الحالات تتعهد أيضاً بإبطال أو إلغاء التشريعات أو اللوائح أو النصوص الإدارية الداخلية التى تتعارض مع أهداف المعاهدة.

وهكذا فإننا نجد مثلاً ان الدول التى تصدق أو تنضم إلى المعاهدة الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها فى المادة الخامسة بأن “تصد” وفقاً لدستور كل منها وأن تنص على وجه الخصوص على عقوبات فعالة للأشخاص المذنبين بتهمة الإبادة الجماعية.

ومثل هذه المعاهدة تنفذ ذاتياً فى الأراضى الخاضعة لسيادة الدول التى صدقت عليها أو انضمت إليها، ويستخدم كل جهاز الدولة فى تطبيق المستوى الدولى الذى تحدده المعاهدة وتسعى لحمايته.

المطـلب الثـانى

آليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولى العام

كما ذكرنا سلفاً، تلعب الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها الدور الرئيسى فى إعداد واعتماد المواثيق الدولية وفى الإشراف على نظم الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان، ويمكن حصر أهم آليات الرقابة الدولية المتاحة حالياً فى هذا المجال فى التالى [20] :

التقارير الدورية .
الشكوى من دولة ضد دولة .
التوفيق .
تقديم الشكاوى الفردية ( من الفرد ضد دولته ).
عرض النزاع على محكمة العدل الدولية .

وبداية سوف نتعرض بإيجاز لماهية هذه الآليات وعملها متخذين من العهد الدولى للحقوق السياسية والمدنية والبروتوكول الاختيارى الملحق به مثالاً توضيحياً فى هذا السياق نظراً لكونه أكثر الآليات الدولية تقدماً من حيث تناوله لتلك الآليات، ثم بعد ذلك نذكر كيفية عمل هذه الآليات فى إطار الأجهزة الدولية المختلفة العاملة فى هذا المجال …

أولاً: صور آليات الرقابة الدولية العامة فى مجال حقوق الإنسان

تقديم التقارير الدورية وإبداء الملاحظات عليها:
يمكن القول أن العمل الدولى استقر على أن تتضمن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان نصوصاً توجب على الدول الأطراف تقديم تقارير دورية عما اتخذته أو تنوى اتخاذه من التدابير لأعمال وكفالة احترام الحقوق المعترف بها فى هذه الاتفاقيات والمعاهدات. وربما كان أقدم نص من هذا القبيل هو المادة 22 من دستور منظمة العمل الدولية بالنسبة لاتفاقيات العمل الدولية.

وأقرب مثال لاستخدام هذه الآلية على المستوى الدولى العام هو العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتقدم التقارير إلى الأمين العام للأمم المتحدة وهو يحيلها إلى اللجنة، فتقوم اللجنة بدراستها وتضع تقارير عنها ولها أن تشفعها بملاحظات عامة، وتوافى الدول بها.

والواقع، أن الالتزام بتقديم التقارير ليس التزاماً شكلياً فحسب، حيث ان التقرير والأسئلة والردود تعطى صورة واضحة إلى حد بعيد عن حالة الحقوق فى الدولة المعنية، كل حق على حدة ومدى تقدم الدولة. واضطرار الدولة إلى مواجهة التزامها بتقديم التقرير الدورى التالى .

تقديم الشكاوى من دولة ضد دولة:
ورد بذلك نص المادة 41 فى العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، وهو نص اختيارى بمعنى أنه، لكى يحق لدولة ما أن تبلغ اللجنية بأن جولة أخرى لا تفى بالتزامتها بموجب العهد، يشترط أن تكون الدولة الثانية قد أعلنت من قبل –فى أى وقت من الأوقات اعترافها بإختصاص اللجنة فى تلقى ونظر الرسائل- بهذا المعنى من إحدى الدول الأطراف بشرط أن تكون الدولة الأولى سبق أن أصدرت إعلاناً مماثلاً تعترف فيه تجاه ذاتها باختصاص اللجنة.

وعندما تلفت الدولة الأولى نظر الدولة الثانية إلى تخلفها عن أعمال أحكام العهد ليجب على الثانية فى غضون ثلاث أشهر أن توافى الأولى بالإيضاحات الكتابية اللازمة. وإذ تعذرت تسوية المسألة فى غضون ستة أشهر من تلقى الدولة الثانية الرسالة الأولى حق لها وللدولة الأولى إحالة المسألة إلى اللجنة، ولكن اللجنة لا تنظر فى أى مسألة محالة إليها إلا بعد التأكد من استنفاذ كل طرق الرجوع الداخلية، بشرط أن لا تستغرق إجراءات الرجوع مدداً تتجاوز الحدود المعقولة. وتعقد اللجنة جلسات سرية عند بحث هذه الرسائل وتعرض مساعيها الحميدة لحل المسألة ودياً على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها فى العهد.

ويجوز للجنة أيضاً فى حالة تعذر الحل اتباع ما نصت عليه المادة 42 وهو ما يتضح من الآلية الثالثة.

تعيين لجنة توفيق خاصة:
ويكون تعيين لجنة توفيق خاصة بموافقة الدولتين، ويحذر أن يكون أعضائها من مواطنيها ويوضع تحت تصرفها كل المعلومات المتوفرة. وتضع تقاريرها قبل انقضاء 12 شهر من عرض المسألة عليها وتقدمه إلى رئيس اللجنة المعنية وذلك لإنهائه إلى الدولتين وفى حالة فشل التوفيق تضمن لجنة التوفيق تقاريرها عن الوقائع وملاحظات الطرفين، ويحق للطرفين فى غضون 3 أشهر من تلقى التقرير إعلان اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بقبوله أو رفضه.

تقديم شكاوى من الفرد ضد دولته :
أجاز البروتوكول الاختيارى المتعلق بالعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية تقديم الشكاوى ضد الدولة من الأفراد الداخليين فى ولايتها ويشترط البروتوكول عدة شروط :

أ- لا يجوز للجنة تلقى أى رسائل من أفراد ضد دولة ليس طرفاً فى البروتوكول.

ب- يجب أن تقرر اللجنة عدم قبول الرسالة فى ثلاث حالات هى :

إذا كانت مغفلة أو غير موقعة.
إذا كانت منطوية على تعسف فى استخدام حق تقديم الرسائل.
إذا كانت منافية لأحكام العهد.
ج- لا يجوز للجنة أن تنظر فى الرسائل إلا بعد التأكد من أمرين:

أن المسألة قيد البحث بموجب أى إجراء آخر من إجراءات التحقيق الدولى.
أن الفرد المعنى قد استنفذ جميع طرق الرجوع الداخلية المتوافرة، وبعد انتهاء اللجنة من نظر الرساله على ضوء ما يقدمه الفرد والدولة من معلومات كتابية، تبلغ اللجنة ملاحظاتها إلى كل منهما.

عرض النزاع على محكمة العدل الدولية:
تتضمن عدة اتفاقيات ومعاهدات دولية نصاً يقضى بإحالة أى نزاع ينشأ بين أطرافها حول تفسير المعاهدة أو الاتفاقية أو تنفيذها إلى محكمة العدل الدولية إذ تعذرت تسويته بطرق آخرى أو بالتفاوض. وهناك اتفاقيات تنص على إحالة النزاع إلى التحكيم قبل اللجوء إلى المحكمة، ومثال ذلك.. اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (29)، التى تنص أيضاً على أنه إذ تعذرت على الطرفين تنظيم التحكيم أحيل النزاع إلى محكمة العدل الدولية وفقاً للنظام الأساسى للمحكمة.

ثانياً : الأجهزة الدولية وعمل آليات الرقابة الدولية العامة فى مجال حقوق الإنسان

يوجد عدد كبير جداً من أجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة بحقوق الإنسان. وتشمل هذه الأجهزة مجلس الأمن والجمعية العامة والمجلس الاقتصادى والاجتماعى واللجنة المعنية بحقوق الإنسان واللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات واللجنة المعنية بمركز المرأة، وهى كلها تستمد سلطاتها من ميثاق الأمم المتحدة. كما يوجد عدد من الهيئات المنشأة بموجب معاهدات حقوق الإنسان.

وتقديم عرض سريع لهذه الهيئات يمكن أن يساعد على وضع عملية حقوق الإنسان فى سياق منظومة الأمم المتحدة …

مجلــس الأمـــن
مجلس الأمن هو جهاز الأمم المتحدة الرئيسى الذى يعهد إليه ميثاق الأمم المتحدة بالمسئولية الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين. ويتألف المجلس من خمسة عشر عضواً منهم خمسة أعضاء دائمين ( الاتحاد الروسى والصين وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ) وعشر أعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة لفترات مدة كل منها سنتين. وبانتهاء الحرب الباردة أصبح دور مجلس الأمن أكثر وضوحاً مع تواتر اتفاق الأعضاء الدائمين على الإجراءات.

وتتضح فاعلية مجلس الأمن عند مقابلة عدد الإجراءات المتخذه إبان الحرب الباردة وبعدها. وإبان الحرب الباردة، نظر مجلس الأمن، فى خمس مناسبات، فيما إن كانت انتهاكات حقوق الإنسان تشكل تهديدات للسلم بدرجة تسوغ اتخاذ تدابير بموجب الفصل السابع. ويمكن إرسال المعلومات من عملية حقوق الإنسان إلى مجلس الأمن إذا كانت العملية جزءاً من عملية أوسع لحفظ السلام بتفويض من مجلس الأمن، وفى هذه الحالة ستتضمن التقارير الدورية المقدمة من عملية حفظ السلام قسماً خاصاً بالتطورات فى ميدان حقوق الإنسان. وفى حالات آخرى قام المجلس بإرسال التقارير المقدمة من عمليات حقوق الإنسان المنئأة بموجب سلطة المفوض السامى لحقوق الإنسان باعتبار هذه التقارير جزءاً من تقارير الأمين العام.

وفى عام 1993 ساهم مجلس الأمن كذلك فى وضع قانون حقوق الإنسان عندما فوض محكمة دولية لمحاكمة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولى الإنسانى التى ارتكبت فى يوغسلافيا السابقة “قرار مجلس الأمن 827 المؤرخ فى 25 مايو/أيار 1993” .

الجمعيـة العــامة
الجمعية العامة هى أهم مصدر رسمى للإعلانات والاتفاقيات الدولية. وتناقش قضايا حقوق الإنسان فى اللجنة الثالثة للجمعية. وتتلقى تقارير من عدة هيئات من هيئات حقوق الإنسان المنئأة بموجب معاهدات. وتتلقى الجمعية العامة عادة من سبتمبر إلى ديسمبر وتنظر إلى القرارات بشأن عدة مئات من المسائل.

ويمكن إرسال المعلومات الواردة من العمليات الميدانية لحقوق الإنسان إلى الجمعية العامة إذا كان لديها تفوض من الجمعية العامة أو المجلس الاقتصادى والاجتماعى أو لجنة حقوق الإنسان. ويتم على سبيل المثال عرض تقارير سنوية عن أنشطة مكتب مفوضية حقوق الإنسان فى كولومبيا على الجمعية العامة.

وفى عام 1993 صوتت الجمعية العامة على إنشاء وظيفة المفوض السامى لحقوق الإنسان التى نتناولها أدناه بمزيد من التفصيل . [21] وفى عام 1996 فوضت الجمعية العامة مقرراً خاصاً معنياً بالأطفال فى النزاعات المسلحة يتلقى معلومات عن هذا الموضوع من جميع أرجاء العالم وتكون له صفة تشغيلية من خلال منظمة الأمم المتحدة للطفولة ويقدم تقارير سنوية إلى الجمعية العامة.

المجلـس الاقتـصادى والاجتمـاعى
يقوم المجلس الاقتصادى والاجتماعى بالإشراف على لجنة حقوق الإنسان واللجنة المعنية بمركز المرأة. كما تقع عليه مسؤولية رصد الامتثال للعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبالإضافة إلى ذلك، أصدر المجلس معايير خاصة بحقوق الإنسان مثل القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، ومبادئ المنع الفعال لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفى والإعدام دون محاكمة.

لجنــة حقوق الإنســان
لجنة حقوق الإنسان التى تتألف من 53 دولة عضواً ينتخبهم المجلس الاقتصادى والاجتماعى لفترات مدة كل منها ثلاث سنوات، كما يشير اسمها، أهم هيئة من هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان. وقد تقوم بالشروع فى دراسات وتحقيقات لتقصى الحقائق، وصياغة اتفاقيات وإعلانات لاعتمادها من الهيئات العليا، ومناقشة انتهاكات محددة لحقوق الإنسان فى دورات سرية أو علنية، وتقديم اقتراحات لتحسين إجراءات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ويسمح للمنظمات غير الحكومية بالتعبير عن بواعث قلقها أمام اللجنة أثناء انعقاد دورتها التى تستمر ستة أسابيع.

وأنشأت اللجنة ثلاثة أساليب رئيسية لانتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة والواسعة النطاق، وهى تعيين مقررين قطريين وإنشاء قوات عاملة بموجب قرار المجلس الاقتصادى والاجتماعى رقم 1235، والنظر فى الحالات فى البلدان بموجب الإجراء السرى لقرار المجلس الاقتصادى والاجتماعى 1503، والاستعراض من خلال 18 إجراء خاصا بموضوعات محددة.

أ- المقررون القطريون

أبرز إجراء يمكن أن تتخذه اللجنة بشأن حالات حقوق الإنسان الخطيرة هو تعيين مقررين خاصين وممثلين خاصين وخبراء ومبعوثين آخرين لرصد انتهاكات حقوق الإنسان فى بلدان معينة، ويقوم المقررون الخاصون والممثلون الخاصون وغيرهم بجمع معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان، وإعداد تقارير سنوية لتقديمها إلى اللجنة وإلى الجمعية العامة إن طلب منها ذلك. ويمكن جمع المعلومات من الأفراد والجماعات والمنظمات والحكومات. ويسعى الخبراء أو المقررون إلى الحصول على المعلومات ذات الصلة عن طريق إجراء زيارات إلى البلدان. ومع ذلك، تنشأ صعوبات عندما ترفض الحكومات السماح بهذه الزيارات.

ب- الإجراءات الخاصة بمواضيع محددة

كما قامت اللجنة بإنشاء إجراءات خاصة بمواضيع محددة عن قضايا الاختفاء القسرى، والاحتجاز التعسفى، وحالات الإعدام بدون محاكمة والإعدام التعسفى، والتعذيب، والتعصب الدينى، واستقلال القضاء، والعنصرية، والاحتجاز التعسفى، والمشردين داخلياً، والعنف ضد المرأة، وحرية الرأى، وبيع الأطفال والمرتزقة والعمال المهاجرين، وحقوق الإنسان، إلــخ. والقوات العاملة والمقررون والممثلين التابعين للجنة المعنيون بمواضيع معينة يتلقون معلومات تتعلق بمواضيع اهتمامهم ويقومون بإعداد تقارير سنوية تلخص ما يحصلون عليه من معلومات لتقديمها إلى اللجنة. ومعظم الإجراءات الخاصة بمواضيع محددة لها الحق فى توجيه نداءات عاجلة للحكومات المعنية إذا كانت المعلومات تتصل بمسألة ملحة.

اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات
تتألف اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات من 26 شخصاً تنتخبهم اللجنة لفترات مدة كل منها أربع سنوات، بصفتهم الفردية وليس باعتبارهم ممثلين حكوميين. وتؤدى اللجنة الفرعية دوراً هاماً فى اختيار البلدان التى تخضع للدراسة بموجب الإجراء السرى المنشأ بقرار المجلس الاقتصادى والاجتماعى 1503، وتستعرض المعلومات الأخرى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، وتبلغ استنتاجاتها للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. واللجنة الفرعية هى فى كثير من الأحيان مصدر القرارات والأفكار التى تنظر فيها اللجنة وتعتمدها. وبمساعدة مفوضية حقوق الإنسان يقوم أعضاء اللجنة أيضاً بإعداد دراسات عن مشاكل حقوق الإنسان. ويشارك ممثلو المنظمات غير الحكومية مشاركة فعالة فى دورات اللجنة الفرعية.

اللجنة المعنـية بمركز المرأة
اللجنة المعنية بمركز المرأة أنشئها المجلس الاقتصادى والاجتماعى فى عام 1946. وتتكون اللجنة من ممثلى 45 دولة أعضاء فى الأمم المتحدة ينتخبهم المجلس لفترات كل منها أربع سنوات. ووظائف اللجنة هى إعداد توصيات وتقارير للمجلس عن تعزيز حقوق المرأة فى الميادين السياسية والاقتصادية والمدنية والاجتماعية والتربوية. وقد تقدم اللجنة أيضاً توصيات إلى المجلس بشأن المشكلات فى الميدان المتعلقة بحقوق المرأة والتى تتطلب انتباها عاجلا. ويوجد لدى اللجنة إجراء لتلقى بلاغات سرية عن انتهاكات حقوق الإنسان. وتعمل اللجنة على تنفيذ مبدأ وجوب تساوى الرجل والمرأة فى الحقوق، ووضع مقترحات لتنفيذ توصياتها، واعتماد ما تصدره من قرارات ومقررات. وتقدم لجنة البلدان الأمريكية المعنية بالمرأة واللجنة المعنية بمركز المرأة العربية تقارير إلى كل دورة من دورات اللجنة المعنية بمركز المرأة .

هيئـات المعـاهـدات
وبالإضافة إلى الأجهزة والإجراءات السالفة الذكر التى تستمد سلطتها بطريق مباشر أو غير مباشر من ميثاق الأمم توجد ست هيئات من هيئات المعاهدات التى أدت وما زالت تؤدى دورا متزايد الأهمية فى تنفيذ حقوق الإنسان. وتشمل هذه الهيئات المتخصصة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التى تنظر فى تقارير الدول بموجب العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وتحكم فى القضايا الفردية بموجب البروتوكول الاختيارى الملحق بالعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهيئات المعاهدات الخمس الأخرى التى تشرف على تنفيذ الاتفاقيات المتعددة الأطراف كل فى ميدان اختصاصها هى: لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصرى ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة ولجنة مناهضة التعذيب ولجنة حقوق الطفل ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

الالتزامات بتقديم التقارير
الهدف الرئيسى لمتطلبات تقديم التقارير هو مساعدة الحكومات على تحقيق الاتساق بين قوانينها وممارساتها وبين التزاماتها بالمعاهدات. وتشجع متطلبات تقديم التقارير الحكومات والمواطنين على تركيز مناقشاتهم حول أداء الدولة فى ميدان حقوق الإنسان. وقد تقوم الحكومات حينئذ بمعالجة ما يظهر من مشاكل أثناء إعداد التقاريرومن ثم إعادة تأكيد تعهدها بالامتثال لالتزاماتها بالمعاهدات.

إجراءات الشكاوى الفردية
هناك ثلاث من هيئات المعاهدات –اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ولجنة القضاء على التمييز العنصرى ولجنة مناهضة التعذيب- تتلقى وتحكم فى الشكاوى الفردية المقدمة من الأفراد الذين وافقت حكوماتهم على أن تكون موضوع هذه الشكاوى. وقد تلقت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان عددا كبيرا من هذه الشكاوى واتخذت قرارت بشأنها. ولم تتلق هيئتا المعاهدات الأخريان سوى بضع شكاوى. ويجرى النظر فى إنشاء آليات شكاوى فردية مشابهة لهيئات المعاهدات الآخرى.

مفـــوضية حقـوق الإنسـان
وظيفة مفوض الأمم المتحدة السامى لحقوق الإنسان أنشأتها الجمعية العامة فى عام 1993. وتقع على المفوض السامى المسؤولية الرئيسية عن أنشطة الأمم المتحدة فى ميدان حقوق الإنسان وهو مفوض تحديدا للقيام بما يلى:

تعزيز وحماية تمتع الجميع تمتعا فعليا بجميع الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبخاصة الحق فى التنمية.
توفير الخدمات الاستشارية والمساعدة التقنية والمالية فى ميدان حقوق الإنسان بناء على طلب من الدولة المعنية والمنظمات الإقليمية.
تنسيق برامج الأمم المتحدة للتثقيف والإعلام فى ميدان حقوق الإنسان.

أداء دور نشط فى إزالة العقبات الراهنة وفى مقابلة التحديات التى تعترض سبيل الإعمال الكامل لحقوق الإنسان، وفى منع استمرار انتهاكات حقوق الإنسان فى كافة أرجاء العالم، على نحو ما هو منصوص عليه فى إعلان وبرنامج عمل فيينا.

إجراء حوار مع الحكومات بغية ضمان احترام جميع حقوق الإنسان.

تنفيذ المهام التى تسندها إليه الهيئات المختصة فى منظومة الأمم المتحدة فى ميدان حقوق الإنسان بغية تحسين تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان.

وقد أنشأ المفوض السامى أو أقام عمليات ميدانية لحقوق الإنسان فى بروندى والبوسنة والهرسك ورواندا وكومبوديا وكولومبيا وتوجو وجمهورية الكونغو الديموقراطية وجمهورية كرواتيا وجمهورية مقدونيا. وتقع على المفوض السامى فى حالات آخرى مسؤولية توفير توجيه جوهرى لعمليات حقوق الإنسان الميدانية المنشأة فى إطارعمليات حفظ السلام أو غيرها من بعثات الأمم المتحدة، مثلما فى أنجولا وسيراليون وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيريا.

المطـلب الثـالث

آليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولى الإقليمى

كما أسلفنا، يرجع الاتجاه إلى عقد الاتفاقيات وتكوين المنظمات الإقليمية لحقوق الإنسان إلى التجانس أو التقارب الفكرى فى التقاليد والنظم السياسية بين دول المنطقة الواحدة، مما لا ترى معه تلك الدولة ضيراً بالاعتراف بالحقوق التى تتفق مع قيمها المشتركة والاحتكام إلى لجنة منها، والخضوع لأحكام محكمة منبثقة عن منظمها تمثلها.

ونتناول هنا آليات تلك المنظمات الإقليمية الأكثر تقدماً على الصعيد الدولى الإقليمى والتى تتمثل فى آليات دول مجلس أوروبا والدول الأمريكية [22] والتى أفرضنا جزءاً سابقاً للحديث عن المصادر الدولية لتلك الآليات فى المبحث السابق…

أولاً: مجـلس أوروبا

وقعت دول مجلس أوروبا –كما أسلفنا- الاتفاقية الاوروبية لحقوق الإنسان سنة 1950، وأصبحت الاتفاقية نافذة فى 1953. وهى التى نصت إلى بابها الأول على الحقوق التى تعترف بها الدول الأطراف والتى لا تختلف كثيراً عما جاء فى الإعلان العالمى. ونص الباب الثانى على إنشاء اللجنة الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لكفالة احترام التعهدات التى قطعتها الدول على نفسها فى الاتفاقية.

اللجنة الأوروبية:
كما سبق وأشرنا، تم إلغاء دور اللجنة فى الوقت الحالى واختصت اللجنة بتلقى الشكاوى ضد دولة طرف لإخلالها بأحكام الاتفاقية وذلك بطلب يوجه إلى الأمين العام لمجلس أوروبا. ويقدم الطلب إحدى الدول الأطراف. ويجوز أيضاً تقديم الطلب من فرد أو مجموعة أفراد أضيروا أو من منظمة غير حكومية ولكن بشرط أن تكون الدولة المشكو فيها قد أعلنت اعترافها باختصاص اللجنة بنظر شكاوى هذه الفئات. وفى جميع الحالات يشترط فى الشكوى..

أ- أن ترفع بعد استنفاذ سبل التقاضى الداخلية.

ب- أن لا تكون مقدمة من مجهول.

ج- أن لا تكون قد قدمت من قبل، أو معروضة على هيئة دولية آخرى لتحقيقها أو تسويتها، أو خالية من وقائع جديدة، أو لا تستند إلى أساس أو تعسفية.

المحكمة الأوروبية :
وهو الجهاز المناط به الرقابة حالياً بعد إلغاء دور اللجنة، وتشكيل المحكمة مشابه لتشكيل اللجنة، لكن أعضاءها ينتخبون بواسطة الجمعية التأسيسية لمدة 9 سنوات ويجدد كل 3 سنوات انتخاب 4 منهم. وتختص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بكل القضايا المتعلقة بتفسير الاتفاقية وتطبيقها أن تعرضها عليها إحدى الدول المتعاقدة وأن تكون الدول المعنية، شاكية أو مشكو فيها، وقد أعلنت اعترافها بالاختصاص الإلزامى للمحكمة بذلك التفسير أو التطبيق، أو وافقت على عرض الأمر على المحكمة فى الحالة المحددة.

آليـة ثالثة :
أوجبت الاتفاقية على كل دولة من الدول المعاقدة أن تقدم إلى الأمين العام لمجلس أوروبا، بناء على طلبه الإيضاحات اللازمة عن الطريقة التى يكفل بها قانونها الداخلى تطبيق نصوص الاتفاقية بصورة فعالة، وهذا يعتبر وسيلة رقابية لضمان احترام الحقوق.

ثانيـاً: منظمة الدول الأمريكية

كما أشرنا سابقا، وقع ميثاق المنظمة فى عام 1948 فى بوجوتا وفى نفس السنة أصدر “مؤتمر الدول الأمريكية” الإعلان الأمريكى لحقوق الإنسان وواجباته. وفى سنة 1959 قرر اجتماع وزارة خارجية الدول الأمريكية إنشاء اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان، وفى عام 1969 عقدت المنظمة مؤتمراً فى سان خوسيه، كوستاريكا، أقر الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان التى أنشأت بموجبها المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان.

وتتكون كل من اللجنة والمحكمة من سبعة أعضاء تنتخبهم الجمعية العامة للمنظمة. ولا يجمع بين عضوية اللجنة وعضوية المحكمة. اختصاصات الهيئتين مشابهه لاختصاصات نظيرتهما الأوروبيتين مع بعض الفوارق نذكر منها ما يلى :

1- تقدم شكاوى الأفراد ومجموعات الأفراد والمنظمات غير الحكومية إلى اللجنة رأساً وليس إلى الأمين العام للمنظمة.

2- تقبل شكاوى الأفراد ضد الدولة التى صدقت على الاتفاقية ولا يشترط قبول الدولة لاختصاص اللجنة.

3- لا يشترط استنفاذ طرق التقاضى الداخلية فى بعض الحالات ومن أمثلتها ان لا يكون مسموحاً باللجوء إلى القضاء الداخلى أو أن يؤدى اللجوء إليه إلى تأخير لا مسوغ له.

الفصــــــــــــــل الثـــانى

حمـاية حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية

تمخضت الحرب العالمية الأولى عن تطورات بالغة الأهمية، كان منها أن الحكومات فى كل الدول لمست حاجتها إلى تدعيم النقابات للمجهود الحربى الضخم، ولما كان العمال أولاً وقبل كل شئ شريحة من مجتمعهم وأبناء لوطنهم، فإنهم –بصرف النظر عن عدالة قضية الحرب- شاركوا بقوة. وقاموا بدورهم خير قيام وقدرت الحكومات هذا لهم ورفعت كثيرا من قياداتهم الى مناصب الوزارة والمسئولية. ومن ناحية آخرى، فإن الحرب دمرت العروش والنظم الحاكمة فى أوروبا. فأودت بالإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية والقيصرية الروسية. وقام على أنقاض هذه النظم “الإمبراطورية” نظم جمهورية وإشتراكية أسهم العمال فيها. فظهر النظام الاشتراكى فى النمسا، وظهرت جمهورية فايمار فى ألمانيا وظهر الاتحاد السوفيتى فى روسيا القيصرية، واقترن ظهور هذا الأخير بدوى كان أشبه بزلزال عنيف هز كل القلاع الرأسمالية فى العالم ووصلت أصداؤه إلى الولايات المتحدة، وزاد العمال يقيناً وإيماناً بإمكان قيام “دولة العمال” أو “البلوريتاريا”.

وشعر أصحاب الأعمال فى العالم كله أن من الخير لهم أن يقابلوا العمال فى منتصف الطريق بدلاً من تركهم حتى تتطور الأمور إلى الأسوأ. وكان من دلالة هذا دون ريب أن يحضر الرئيس ولسن معه “صمويل جومبز” رئيس اتحاد عمال الولايات المتحدة. وان يضعه على رأس لجنة التشريع الدولى للعمل التى كلفت بوضع دستور ” منظمة العمل الدولية ” .

وفى هذا الفصل سوف نتناول بداية العلاقة بين القانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى من ناحية والقانون الدولى للعمل من ناحية أخرى ثم نتعرض لمنظمة العمل الدولية من حيث النشأة والتكوين والوظيفة وأخيراً سوف نتناول نشأة الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية وتطورها ….

المبحـث الأول

حول العلاقـة بين حقـوق الإنسـان والقـانون الدولـى للعمـــل

نتناول فى هذا السياق بداية القانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى ثم نتناول القانون الدولى للعمل وأخيراً نتناول العلاقة بين حقوق الإنسان والقانون الدولى للعمل…

المطـلب الأول

القانون الدولى لحقوق الإنسـان والقـانون الدولى الإنسـانى

جرى فقهاء القانون الدولى التقليديون على تقسيم القانون الدولى العام إلى فرعين رئيسيين، هما قانون السلام وقانون الحرب[23] ، وأطلق “جروسيوس” على مؤلفه الذائع فى القانون الدولى “فى قانون الحرب والسلام”، وكان لذلك التقديم والتأخير دلالته، ذلك أن حالة الحرب كانت هى الغالبة على العلاقات الدولية فى عصره. وشغلت قواعد قانون الحرب حيزاً هاماً فى مؤلفات القانون الدولى العام حتى الحرب العالمية الأولى، وبالإضافة إلى ذلك دأب عدد كبير من الفقهاء على تخصيص جانب من مؤلفاتهم لمعالجة قواعد الحياد، ومن ثم فقد عرفت قواعد القانون الدولى العام فى وقت السلم ووقت الحرب والحياد، وسرعات ما أدت التطورات المتعاقبة، التى وضعت الحرب خارج دائرة القانون، إلى الاهتمام بمعالجة القانون الدولى فى وقت السلم، دون الحرب والحياد، وخاصة فى اعقاب الحرب العالمية الثانية والتوقيع على ميثاق الأمم المتحدة وقيامها، وإلى فقدان هذا التقسيم. وذلك بعد أن ارتدى قانون الحرب مسميات جديدة عصرية، تتفق والقواعد الأساسية الجديدة للقانون الدولى، وبات يظهر تحت مسمى القانون الدولى الإنسانى –المطبق على النزاعات المسـلحة- وتضاءل الاهتمام بدراسة الحياد إلى أضيق الحدود، حيث اقتصر على الدول التى تأخذ بالحياد الدائم، وبسبب انهماك الفقه فى ارتياد الآفاق الجديدة للقانون الدولى المعاصر.

ولا شك أن التشعب الهائل للعلاقات الدولية، ونمو قواعد القانون الدولى العام، وازديادها زيادة كبيرة قد أدى إلى بزوغ فروع جديدة للقانون الدولى، ذلك أن علينا ونحن نتحدث عن الفروع الجديدة للقانون الدولى أن ندرك تمام الإدراك، أن هناك فارقاً كبيراً ومؤكداً بين موضوعات القانون الدولى العام وفروعه، فقواعد القانون الدولى العام قد نشأت فى البداية باعتبارها جزء من كل واحد، الذى كان فى مفهومه التقليدى قانوناً للعلاقات بين الدول، وعندما اصبح القانون الدولى المعاصر قانوناً للمجتمع الدولى، فإن تلك الموضوعات بدأت تستقل بذاتها، كفروع متميزة فى إطاره، لها ذاتيتها وفلسفتها الخاصة وغايتها المحددة.

ولا يخفى على أحد أن الاهتمام بحقوق الإنسان قد أضحى يمثل ولا شك إحدى السمات الأساسية المميزة للنظام الدولى المعاصر الذى أرسيت دعائمه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبدت الحاجة ملحة إلى وضع حماية دولية لحقوق الإنسان وأنه يتعين على القانون الدولى أن يخطو فى هذا المجال خطوات واسعة من أجل تدعيم هذه الحقوق، ووضع الضمانات اللازمة لضمان تمتع الفرد بها فى شتى بقاع الأرض.

وإنه من الثابت أن التناول الدولى لمسألة حقوق الإنسان سواء فيما يتعلق ببيان ماهية هذه الحقوق فى حد ذاتها أو من حيث النص على الضمانات اللازمة التى تكفل احترامها وإتاحة الفرصة للتمتع بها، قد شهد تطوراً كبيراً منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة. فمنذ ذلك التاريخ باتت مسألة حقوق الإنسان وضماناتها المختلفة تشكل ما يعرف الآن –فى الاصطلاح القانون الدولى- بالقانون الدولى لحقوق الإنسان وذلك بجانب ما اصطلح على تسميته بالقانون الدولى الإنسانى وهو الذى يعد أحد الأفرع الحديثة نسبياً للقانون الدولى العام.

لقد تفرع عن القانون الدولى العام عدة قوانين تتفق معه من حيث إطارها العام باعتبارها قواعد تسنها الدول الأعضاء وتخاطب بأحكامها، ولكن تتجاوزها من حيث الموضوع لتناول مسائل تخرج عن نطاق المجالات التقليدية للقانون الدولى العام. ومن هذه القوانين القانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى والقانون الدولى للعمل .

ويمكن تعريف “القانون الإنسانى الدولى” بأنه جزء من القانون الدولى يهدف خصيصاً إلى كفالة احترام المبادئ العامة للإنسانية فى حالات النزاع الدولى المسلح وكذلك (بقدر أقل) النزاع الداخلى المسلح. وقد نشأ القانون الإنسانى الدولى عن القانون الدولى العرفى والجهود الأولى فى التقنين والمعاهدات المعتمدة فى مؤتمر لاهاى للسلم فى عامى 1899 و1907 والمصادر الرئيسية لهذا القانون هى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لهذه الاتفاقيات لعام 1977 .

وفى حين أن معظم حقوق الإنسان تعتبر حقوقاً فردية تجاه الحكومات فقد تنطبق معايير حقوق الإنسان أيضاً على أطراف غير الدولة مثل الجماعات المعارضة المسلحة والشركات والمؤسسات المالية الدولية والأفراد الذين يرتكبون العنف المحلى التى ترتكب إساءات ضد حقوق الإنسان . وقد أخذت معايير حقوق الإنسان الدولية تتطرق فى الفترة الأخيرة إلى مسؤولية الحكومات لمنع الأفراد من ارتكاب مخالفات حقوق الإنسان فى مناطق العنف المحلى وتشويه الأعضاء التناسلية للمرأة.. إلــخ. وقد جاء فى خطوط مايسترشت التوجيهية بشأن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (التى اعتمدتها فى 26 يناير/كانون الثانى 1977 مجموعة من 30 خبيراً قانونياً دولياً[24] ما يلى :

…. إن الالتزام بالحماية يتطلب من الدول أن تمنع انتهاكات هذه الحقوق من جانب أطراف أخرى. وهكذا فإن الإخفاق فى كفالة امتثال أصحاب العمل الخاصين لمعايير العمل الأساسية قد يببلغ حد انتهاك الحق فى العمل أو الحق فى التمتع بشروط عمل عادلة ومواتية …. (الخط التوجيهى رقم 6) [25] .

المطـلب الثــانى

القـــــانون الدولـى للعمــل

أما القانون الدولى للعمل International Labor Law فهو أيضاً فرع من فروع القانون الدولى العام والذى عرف الفقه الدولى اصطلاحات متعددة للتعبير عنه مثل القانون الدولى العمالى أو القانون الدولى للعمال، ويتضمن قواعد ذات صلة بموضوعات حقوق الإنسان وضمانتها المختلفة ولكنها تختص هنا بمسائل العمل التى تتغلب فيها المصلحة الدولية العامة وأحد تعريفات هذا القانون تنصرف إلى أنه مجموعة القواعد القانونية التى تنصرف إلى تنظيم العلاقات القانونية الدولية بشأن العمل الإنسانى الذى يتسم بالتبعية[26] ، ورغم أن أحكام هذا القانون ترتب حقوقاً للأفراد بشكل مباشر، إلا أن الجهة المخاطبة بأحكامه، هى الدول أى السلطات الوطنية المختصة، التى تلتزم باتخاذ التدابير الوطنية لإنفاذ هذه الأحكام على الصعيد الوطنى، سواء بالنسبة لمواطنيها أو مؤسساتها الوطنية[27] ، وهو ذات الأمر الذى يطمح إلى بلوغه القانون الدولى لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالحقوق الإنسانية العامة .

والواقع، أنه مع أن نشأة القانون الدولى للعمل ترتد بجذورها إلى عمق العلاقات المتبادلة فيما بين أعضاء الجماعة الدولية، إلا أن المقدمات الأولى لهذه النشأة إنما تعود أساساً –وعلى الأرجح- إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حين أنشئ مكتب العمل الدولى، ومع الإعلان عن قيام منظمة العمل الدولية فى عام 1919 .

ولما كان بلوغ مثل هذه الغايات وغيرها مما له صلة بعنصر العمل على وجه العموم، يستلزم إيجاد مجموعة من الآليات التى تناط بها مهام الرقابة والمتابعة والإشراف، بغية وضع قواعد القانون الدولى للعمل موضع التنفيذ، لذلك فقد عنى واضعو دستور منظمة العمل الدولية بإيراد أحكام عديدة بهذا الشأن. والملاحظ، أن بين السمات الأساسية المميزة للقانون الدولى للعمل مقارنة بغيره من فروع القانون الدولى العام الأخرى، وجود هذه الآليات وتعاظم دورها بشكل مطرد فى العمل الدولى المعاصر[28] .

والقانون الدولى للعمل يتشكل بالأساس من جزئين رئيسيين هما الاتفاقيات الدولية للعمل وتوصيات العمل الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية والتى يطلق عليها ما يعرف بمعايير العمل الدولى، وتكتسب مصادر القانون الدولى للعمل، وبوجه خاص الاتفاقيات الدولية للعمل صفة الإلزام، وتصبح قواعد آمره بمجرد تصديق الدول عليها، وتسرى فيما بين هذه الدول، وتصدر الاتفاقيات الدولية للعمل عن المنظمات الحكومية الدولية وأكثرها تخصصاً منظمة العمل الدولية التى تتمتع بالشخصية القانونية الدولية، وتعتبر شخصاً من أشخاص القانون الدولى العام .

المطـلب الثـالث

حــول العـلاقة بين حقـوق الإنسـان والقـانون الـدولى للعـمل

بيد إن قواعد القانون الدولى للعمل –شأنها شأن القانون الدولى لحقوق الإنسان وشأن قواعد القانون الدولى العام- هى قواعد قانونية ناقصة، أى أنها فى طور التكوين والتطوير المستمرين بحكم طبيعة الموضوعات التى يعالجها هذا القانون، أى موضوعات العمل الخاضعة لسنة التطور الدائم. كما أن وضع وإدراك أحكام وقواعد هذا القانون لم يتم وفق خطة مرسمومة سلفاً، وإنما هى حصيلة تراكم تدريجى لوثائق واتفاقيات، صدرت استجابة لحاجة ملحة ذات أولوية على صعيد العلاقات الاجتماعية الدولية، ووفاء لمطالب محددة يقدر أهميتها مؤتمر العمل الدولى أعلى سلطة تمثيلية للدول الأعضاء فى منظمة العمل الدولية وجهازها التنفيذى وهو “مجلس إدارة مكتب العمل الدولى” من واقع دراسات واستقصاءات حول احتياجات عنصر “العمل” من الحماية والرعاية دوليا ووطنيا. وعلى عكس قواعد “القانون الدولى الخاص” التى هى قواعد القانون الدولى للعمل هى قواعد دولية عالمية .

ويوصف القانون الدولى للعمل بأنه قانون ذو طابع إنسانى أخلاقى، حيث ان قواعده لا تعنى فقط بتنظيم وحكم العلاقات التعاقدية للعمل، وإنما تعنى فوق ذلك بالنظر إلى هذه العلاقات من منظور إنسانى أخلاقى تحتل فيه مبادئ العدالة والمساواة وعدم التميز قائمة الصدارة[29] .

ويتميز القانون الدولى للعمل عن القانون الدولى لحقوق الإنسان وكذلك عن القانون الدولى العام بوجود شبه سلطة تشريعية تختص بإصدار أحكامه “المؤتمر العام”، وشبه سلطة قضائية مستقلة ومحايدة “لجنة الخبراء” تراقب مدى تقيد الدول المصدقة على هذه القواعد بوضعها قيد النفاذ، ومدى التزامها العام بأحكام ومبادئ دستور منظمة العمل الدولية . وأخيراً، لا تقتصر قواعد القانون الدولى للعمل على تنظيم العلاقات الاجتماعية القائمة –كما هو الحال بالنسبة لوظيفة سائر القوانين- وإنما تتجاوزها إلى السعى نحو تغيير هذه العلاقات نحو الأفضل، وإيجاد علاقات اجتماعية نموذجية فى ظل مجتمع مثالى أساسه العدالة الاجتماعية [30] .

ولعل من أهم الأسباب التى أدت إلى إبراز ذاتية القانون الدولى للعمل كفرع مستقل من فروع القانون الدولى العام منذ بدايات نشأته أنه يتصل بجانبين من جوانب العلاقات الدولية لهما أهمية خاصة، بل بالغة الخصوصية[31] ، الجانب الأول هو الطابع الاقتصادى لهذا النوع من فروع القانون الدولى. ذلك أن النهضة الصناعية وما واكبها من اتساع فى حجم التجارة الدولية ، وعلى الجانب الآخر، فإن القانون الدولى للعمل وقد توجه بالحماية الدولية للعمال، فقد تعلق منذ بدايته بأحد الحقوق الأساسية للإنسان، وهو حق الإنسان فى العمل، وحقه فى الحصول على أجر مناسب عن هذا العمل، وحقه فى أن يكفل له القدر الملائم من الحماية فى مواجهة رب العمل.

ولا شك أن هذين البعدين الرئيسيين البعد الاقتصادى والبعد المتعلق بحقوق الإنسان، قد اسبغا على القانون الدولى للعمل ذاتيته الخاصة منذ بدايات نشأته الأولى، وأديا فى ذات الوقت إلى إظهار مدى أهميته. فضلاً عن أنهما يفسران فى ذات الوقت ذلك الحرص البادئ من جانب مختلف دول العالم على احترام قواعد وأحكام هذا القانون، وعلى الإسهام فى صياغة مبادئه وأحكامه والعمل على إنمائها وتطويرها.

المبــحث الثــانى

منظمة العمل الدولية: النشأة والتكوين ودورها فى صياغة معايير العمل الدولية

وسوف نتناول فى هذا المبحث نشأة منظمة العمل الدولية والبدايات المبكرة لها ثم نلقى نظرة سريعة على الأجهزة الرئيسية المكونة لها من حيث تشكيلها وعملها.

المطـلب الأول

نشأة منظمة العمل الدوليــة[32]

لقد أسهمت الحرب العالمية الأولى، على الصعيد العملى والواقعى، فى إظهار قوة عنصر العمل وتأكدت أهميتى ودوره عبر الجهد والعطاء الذى بذله ملايين العمال فى كلتا جبهتى الحرب، الذين شاركوا كجنود فى الصفوف الأمامية، وكمنتجين فى الخطوط الخلفية لألات ومعدات الحرب. وقد استطاع العمال من خلال جهودهم الفردية وعبر تنظيماتهم ونشاطاتهم النقابية اجتياز محنة الحرب وتأكيد جدارتهم كمواطنين على قدم المساواة مع غيرهم من فئات الشرائح الاجتماعية. ولعل الشعور بالمساواة فى المعاملة والإحساس بأهمية عطائهم ودورهم، وتقدير المجتمع لذلك هو الذى أعطى العمال، وربما لأول مرة فى مسيرتهم التاريخية، الإدراك الكامل والصحيح بقيمتهم كمواطنين وكبشر، متساويين فى الحقوق والواجبات، وفجر فيهم حمية عدالة مطالبهم بتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم إلى المستوى الجدير بالإنسان وكرامته.

وبالفعل، لقد وجدت هذه المطالب صدى وقبولا بمشروعيتها وعدالتها من قبل المسئولين الوطنيين والساسة الدوليين الذين أنيطت بهم المهمة التاريخية فى إعادة ترتيب أوضاع العالم، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بعد أن قلبت هذه الحرب موازين ومعادلات عفا عنها الزمن. أثناء الحرب العالمية الأولى ، وبعد أن وضعت أوزارها، بادرت الحركة النقابية بشقيها الوطنى والدولى، فى طرح تصورها لعالم ما بعد الحرب من حيث توفير وتأمين وحماية حقوق العمال.

ومما يجدر ذكره أنه خروجا على المألوف من التقاليد الدبلوماسية وأعراف المؤتمرات الدولية، فإننا نشاهد رئيس اتحاد عمالى (من الولايات المتحدة الأمريكية) يترأس أعمال لجنة متميزة من لجان مؤتمر السلام، ونعنى بذلك “لجنة التشريع الدولى للعمل” التى ضمت كذلك فى عضويتها عددا من النقابين البارزين، وطنيا ودوليا، الذين شاركوا ضمن وفود دولهم إلى هذا المؤتمر.

وبالفعل لقد استطاع الضغط النقابى، من خلال المشاركة العمالية فى الوفود الرسمية ومع تزامن انعقاد هذا المؤتمر مع مؤتمرات عمالية دولية، أن يحقق إنجازات تشكل دون شك نقطة تحول هامة فى التطور الاجتماعى العمالى الوطنى والدولى على حد سواء، ونعنى بذلك:

أولاً: قيام أول تنظيم دولى “منظمة العمل الدولية” لا تقتصر العضوية فيه على الحكومات، وإنما ينفرد ويتميز بخاصية جديدة وهى مشاركة ممثلى العمال وأصحاب الأعمال فى وفود الدول الأعضاء فيه. فقد تأكد نظامياً فى دستور هذا التنظيم على وجوب المشاركة العمالية (ومنظمات أصحاب الأعمال) على قدم المساواة مع المشاركة الحكومية فى تكوين وفود الدول إلى اجتماعات أجهزة هذا التنظيم الجديد.

ثانياً : نجح العمال فى أن يكرسوا فى الوثيقة الأساسية الصادرة عن المؤتمر (معاهدة فرساى) جل المبادئ التى طالما كافح العمال ومنظماتهم من أجل الحصول على اعتراف وطنى ودولى بها. كما تضمنت هذه الوثيقة المطالب العمالية التى تشكل برنامج عمل هذا التنظيم الجديد.

فأما المبادئ فهى : أنه لا سبيل إلى إقامة سلام عالمى ودائم إلا إذا بنى على أساس من العدالة الاجتماعية، تأكيد مبدأ الحرية النقابية، وان تختلف أية أمة عن اعتماد ظروف عمل إنسانية يشكل عقبة تعرقل جهود غيرها من الأمم الراغبة فى تحسين أحوال العمال داخل بلدانها. وأما المطالب فتتلخص فى : تنظيم ساعات العمال، بما فى ذلك وضع حد أقصى للعمل اليومى والأسبوعى، مكافحة البطالة، توفير أجر يكفل ظروف عمل ومعيشة مناسبة، حماية العمال من العلل والأمراض والإصابات الناجمة عن عملهم، وحماية الأطفال والأحداث والنساء، كفالة المعاش لدى الشيخوخة والعجز، وحماية مصالح العمال المستخدمين خارج أوطانهم .

ثالثاُ : لم تقتصر الجهود العمالية فى السعى لإنشاء منظمة دولية تعنى بمسائل العمل، ويشارك العمال فى عضوية وفود هذه المنظمة، وتكرس المبادئ والمطالب العمالية فحسب، وإنما استهدفت هذه الجهود إيجاد جهاز دولى قوى وفعال ومؤثر، بمعنى أن يتولى التنظيم الجديد مهمة وضع ومراقبة تطبيق الاتفاقيات والتوصيات الدولية التى من شأنها النهوض بشروط وأوضاع العمال فى سائر الدول الأعضاء .

ولعل من المناسب الإشارة كذلك إلى أن الحركة النقابية قد حققت –بقيام منظمة العمل الدولية- إنجازا تاريخيا هاما يتمثل فى ارتقاء العمال ومنظماتهم كأشخاص فى القانون الدولى، فبحسب المفهوم التقليدى للقانون الدولى فهو قانون الدول أشخاصه الحكومات التى تشارك وحدها فى صياغة أحكامه وقواعده. أما بإنشاء منظمة العمل الدولية بتشكيلها الثلاثى للوفود (حكومات وأصحاب أعمال وعمال) فى أجهزة المنظمة، فإن القانون الدولى قد اكتسب أفاقا جديدة من حيث موضوعاته ومجالاته، وأشخاصا جدد من حيث الجهات المشاركة فى صياغة المبادئ والأحكام الجديدة والمخاطبين به .

إن طبيعة تكوين ونشاط منظمة العمل الدولية (التكوين الثلاثى، أى المشاركة الثلاثية المتكافئة لأطراف الإنتاج الثلاثة : حكومات، أصحاب أعمال، عمال، فى سائر أنشطة وفعاليات المنظمة) وخصائص هذا الفرع الجديد من القانون الدولى واهم روافده، والذى أخذ مكانه وموقعه فى علوم الدراسات الاجتماعية الدولية، وطبيعة وحيوية موضوعاته التى تتناول أهم عناصر الإنتاج، أى قطاع العمل من وجهة النظر الدولية النموذجية الواقعية (توفر الحماية الدولية للعمل، وخلق ظروف وشروط عمل أكثر إنسانية) هذه هى الأمور التى سنتعرض لها تفصيلاً أثناء دراستنا لأعمال أجهزة منظمة العمل الدولية والتاريخ العريق لهذه المنظمة الفريدة المتميزة دولياً .

المطـلب الثــانى

منـــظمة العـمل الدولـية

الأهـــداف والتــــكوين والوظيـــــفة

فى عام 1919 تأسست منظمة العمل الدولية، التى خرجت من رحم فوضى حرب عالمية، وتآثرت بعدد من التغييرات والاضطرابات على مدى عقود ثلاث، واستندت على ركيزة دستورية أساسية وهى أن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يتحقق ألا إذا ارتكز على العدالة الاجتماعية.

ويمكن القول بأن منظمة العمل الدولية هى منظمة فريدة من نوعها على الساحة الدولية ليس فيما يتعلق بأهدافها ولكن فيما يتعلق بخاصية “التمثيل الثلاثى” وهى الفلسفة التى قامت عليها واستمدتها فى تكوين أجهزة المنظمة …

أولاً: الاختصاص العام لمنظمة العمل الدولية[33]

لما كان تحديد معاهدة فرساى لأهداف منظمة العمل الدولية قد جاء بعبارات عامة، فإنه من الطبيعى أن تكون اختصاصات المنظمة الناشئة الجديدة ذات الأهداف الواسعة محل جدل فى السنوات الأولى من ممارسة هذه الاختصاصات.

فالمحاولات الأولى الرامية إلى تقييد اختصاصات المنظمة تتزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية التى أعقبت الحرب العالمية الأولى وأسفرت بالتالى عن الحد من تصعيد الاتجاه الاجتماعى فى النمو. فالجدل موضوع البحث تركز بصفة أساسية حول معرفة ما إذا كانت منظمة العمل الدولية مختصة فى بعض المجالات المحددة أو ببعض الفئات من الأشخاص .

وحسماً لهذا الجدل دعيت المحكمة الدائمة للعدل الدولى[34] ، فى أربع حالات خلال الأعوام 1922-1932، إلى إبداء رأيها الاستشارى حول اختصاص منظمة العمل الدولية.

ففى الحالات الثلاث الأولى تعرض رأى المحكمة للموضوع محل النقاش بصورة مباشرة، أما فى الحالة الرابعة فقد كان رأيها يتناول القضية المطروحة بصورة غير مباشرة .

وقد خلصت المحكمة إلى أن عبارات أو صياغة نصوص دستور منظمة العمل الدولية لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً أو اتساعاً وتفهما مما هى عليه .

لقد كرست الأراء الاستشارية للمحكمة الدائمة للعدل الدولى اتساع نطاق اختصاص المنظمة، وسمحت لها بتطوير أنشطتها المتعلقة بمعايير العمل خلال السنوات التالية دون أن يكون هذا الاختصاص، منذ ذلك الحين وصاعداً، موضوع جدل أو نزاع. ومن جهة ثانية، فإن العبارات الواسعة لإعلان فيلادلفيا –الذى حدد مجددا أهداف ومقاصد المنظمة كما سوف نتناوله بالتفصيل لاحقاً- قد كرس نطاق هذا الاختصاص .

ثانياً: تكوين وعمل منظمة العمل الدولية

تمثل الهدف الأساسى للمنظمة فى تنمية العدالة الاجتماعية وتحسين الظروف الاجتماعية وظروف العمل على المستوى العالمى والذى يمكن من خلاله تحقيق الأمن والسلام العالمى. والحاجة إلى حماية الحقوق الأساسية لكل العمال على المستوى العالمى وبناء مجتمع إنسانى وتجنب كل الأشطال السلبية للمنافسة الدولية كانت حجر الزاوية فى إنشاء منظمة العمل الدولية .

وكما أسلفنا، أنشئت منظمة العمل الدولية طبقاً للفصل الثالث عشر من معاهدة فرساى سنة 1919 وقدد حدد دستور المنظمة أهدافها ومجالات عملها والسلطات والعمليات الإجرائية الخاصة بالمنظمة وكذلك الأجهزة المكونة لها وذلك ضماناً لتنفيذ المهام التى أنشئت من أجلها .

وتقوم منظمة العمل الدولية بأربع مهام تعد من دعائم تقدم الحركة العمالية والمجتمع الحديث بصفة عامة. وهذه المهام هى:

وضع معايير العمل الدولية .
تقديم خدمات التعاون الفنى .
النشر والبحوث والدراسات .
جمع البيانات وتحليلها ونشرها .

وخلال الحرب العالمية الثانية نقلت منظمة العمل الدولية مقرها من جنيف إلى مونتريال بكندا. وفى عام 1944 فى فيلادلفيا أعاد مؤتمر العمل الدولى على تأكيد أهداف ومجالات عمل المنظمة فيما أصبح يعرف بإعلان فيلادلفيا وهو النص الذى تم إدراجه فى دستور المنظمة، وهذا الإعلان أعاد تأكيد المبادئ الأساسية التى أنشئت من أجلها المنظمة وهو الأمر الذى سوف نفصله لاحقاً .

هيكل منظمـة العمـل الدوليـة :

تتكون منظمة العمل الدولية من ثلاث أجهزة رئيسية هى المؤتمر العام “مؤتمر العمل الدولى” والذى ينعقد سنوياً، مجلس الإدارة، والأمانة الدائمة “مكتب العمل الدولى”. وتعمل المنظمة أيضاً من خلال أجهزة أخرى مثل المؤتمرات الإقليمية ولجان الخبراء واللجان القطاعية .

1- المؤتــمر :

يقوم مؤتمر العمل الدولى بانتخاب مجلس الإدارة، وتبنى برنامج منظمة العمل الدولية والتصويت على ميزانية المنظمة “والتى يتم تمويلها من خلال الدول الأعضاء”. ويقوم المؤتمر العام أيضاً بإصدار معايير العمل الدولية والرقابة على تنفيذها وذلك من خلال الإجراءات المتبعة فى المنظمة. ويقوم كذلك بإصدار القرارات الخاصة بإعطاء خطوط عامة وإرشادية للسياسات والأنشطة العامة للمنظمة. وأيضاً يقرر المؤتمر قبول أعضاء جدد فى المنظمة، وأخيراً يوفر المؤتمر حلقة نقاشية عالمية ودولية حول قضايا ومشكلات العمل والمشكلات الاجتماعية .

يتكون وفد كل دولة عضو فى المؤتمر من أربع ممثلين منهم اثنين يمثلوا الحكومة وواحد لتمثيل أصحاب الأعمال والأخير يمثل العمال. ويكون معهم طبقاً للحاجة مستشارين فنيين. ولأصحاب الأعمال والعمال كامل الحرية فى التصويت فى المؤتمر .

2- مجلـس الإدارة :

يقوم المؤتمر العام بانتخاب أعضاء مجلس الإدارة كل ثلاثة أعوام، وينعقد ثلاثة مرات فى السنة فى الأحوال المعتادة حيث يقوم بإعداد أجندة المؤتمر العام والاجتماعات الأخرى الخاصة بمنظمة العمل الدولية. ويقوم المجلس بتسجيل قرارات أعضاء المنظمة وتقرير الإجراء المناسب الذى يجب القيام به فى هذا الإطار. ويقوم المجلس بتعيين المدير العام لمكتب العمل الدولى وإدارة أنشطة المكتب .

ومثل المؤتمر العام يتشكل مجلس الإدارة من خلال فلسفة التمثيل الثلاثى ويتكون حالياً من 56 عضو، 10 منهم أعضاء دائمين بسبب الأهمية الصناعية لهم على المستوى الدولى، و28 يمثلون الحكومات و14 يمثلون أصحاب الأعمال. ومن ضمن 28 مقعد للحكومات تحتل الدول الصناعية العشر الكبرى 10 مقاعد منها. أما الأعضاء ال 18 الآخرين فيتم انتخابهم عن طريق ممثلى الحكومات فى المؤتمر العام (ماعدا الدول الصناعية الكبرى)، وأما ممثلى أصحاب الأعمال والعمال فيتم انتخابهم من خلال ممثلى أصحاب الأعمال والعمال فى المؤتمر بالترتيب المذكور. ويتم اختيارهم طبقاً لكفاءاتهم الشخصية لتمثيل أصحاب الأعمال والعمال فى المنطقة ككل .

ويلعب مجلس الإدارة للمنظمة أيضاً دورا هاما فى الرقابة على تنفيذ معايير العمل الدولية.

3- مكتـب العمــل الدولـى :

مكتب العمل الدولى ومقره الحالى جنيف هو الأمانة العامة والدائمة لمنظمة العمل الدولية ويتكون من عدة إدارات مختلفة. ويقوم مكتب العمل الدولى بإعداد الوثائق والتقارير الخاصة بمؤتمرات واجتماعات المنظمة، ويقوم كذلك بتنفيذ برنامج فنى لدعم أنشطة منظمة العمل الدولية .

وهناك إدارات مختصة بأنشطة العمال فى مكتب العمل الدولى “ACTRAV” وهى التى تقوم بتقديم المساعدة الفنية لمنظمات العمال. وكذلك إدارة مختصة بأنشطة أصحاب الأعمال فى مكتب العمل الدولى “ACTEMP”، وإدارة أخرى مختصة بكل الموضوعات المتعلقة بمعايير العمل الدولية (NORMES) وتقدم الدعم الفنى للحكومات ومؤسسات العمال وأصحاب الأعمال.

ويتضمن هيكل منظمة العمل الدولية أيضاً العديد من المكاتب الإقليمية ومكاتب اتصال :

المكـــاتب الإقليميــة:
تقوم المكاتب الإقليمية بتحديد أولويات المنظمة طبقاً للحاجات الإقليمية، وتقوم بتنسيق البرامج ومساندة أنشطة المنظمة على المستوى الإقليمى. وهى مسئولة بوجه خاص عن جعل مكتب العمل الدولى على علم تام وبصفة مستمرة بالوضع الإقليمى وتقديم المشورة لأجهزة المنظمة عن السياسات الواجب اتباعها فى المناطق التابعة لها .

مكـــاتب الاتــصال:
هناك فروع للمنظمة أو مكاتب اتصال لها فى العديد من العواصم الأوروبية واثنين فى الولايات المتحدة وواحد فى اليابان وواحد فى كندا .

المطـلب الـثالـث

دور منظمة العـمل الدولـية فى صياغـة معاييـر العمل الدولـية

يقصد بتعبير معايير العمل الدولية بالأساس نوعان من الوثائق هما اتفاقيات العمل الدولية وتوصيات العمل الدولية، ومنذ أن قامت المنظمة عام 1919 حتى الآن ومؤتمرها العام الذى يعقد سنوياً وضع عدد من المعايير بلغ عددها حتى الآن 184 اتفاقية و 192 توصية وهى تغطى كل ما يمكن أن يدخل فى عالم العمل مثل الأجور وساعات العمل والصحة المهنية والتأمينات والأجازات والعمالة والمفاوضات الجماعية والحرية النقابية ومكاتب العمل إلـــخ، وقد تعالج قضايا العمل من زوايا نوعية مثل الأحداث البحارة والنساء وعمال التجارة والزراعة ومناجم الفحم بحيث لا يمكن أن تجد مجالاً من مجالات العمل إلا وقد صدرت عنه اتفاقية أو توصية أو عدد من الاتفاقيات .

والواقع أن أشكال معايير العمل الدولية تعبر كل منها عن تأثير دولى مختلف، فالاتفاقيات عندما يتم التصديق عليها أصبحت عبارة عن إلزام قانونى دولى وإذ لم يتم التصديق عليها مثلت خطوط إرشادية عامة للعمل الدولى فى مجالها، أما التوصيات فإنه لا يتم التصديق عليها مثل الاتفاقيات وإنما وظيفتها الرئيسية هى وضع خطوط إرشادية عامة للعمل الدولى فى مجالات العمل .

ويمكن القول بأن وضع معايير العمل الدولية هو أحد الأنشطة الجوهرية والأساسية فى منظمة العمل الدولية، وكما صرح المدير العام لمكتب العمل الدولى عام 1963 بأن المعايير الدولية للعمل قد كانت ويجب أن تظل العمود الفقرى لعمل منظمة العمل الدولية، ويلاحظ أن دستور المنظمة خصص 18 مادة من إجمالى 40 مادة للاتفاقيــات والتوصيــات، منها المادة 19 التى تشغل وحدها 5 صفحات (من الترجمة العربية)، والمادة 35 التى تضم أكثر من صفحتين.

ويمكن إيجاز الطريقة التى تضع بها المنظمة هذه المعايير فى مجموعة من الخطوات والتى تتم كلها عبر مشاركة ممثلى الحكومـات وأصحاب الأعمال والعمال، والحد الأدنى للفترة الزمنية لوضعها هى اثنيـن من المؤتمـرات السنوية للمنظمة، وتتم هذا العملية من خلال المراحل التالية :

مرحلة الإقتراح : وهناك ثلاث جهات يمكن أن يأتى منها هذا الاقتراح هى المؤتمر العام (بأغلبية ثلثى الأصوات المسجلة للمندوبين الحاضـرين)، وقد يتولى ذلك مجلس إدارة مكتب العمل الدولى، وقد تقترح هيئة خارجية ولكنها مرتبطة بالمنظمة كالمجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة الذى اقترح دراسة موضوع الحرية النقابية وموضوع الأجر المتكافئ وموضوع التفرقة العنصرية .
مرحلة الإعداد والمناقشة : بعد مرحلة الإقتراح تبدأ مرحلة الإعداد والمناقشة والتى يقوم بصلب العمل فيها مكتب العمل الدولى، عبر الخطوات التالية :
يرسل المكتب للحكومات الأعضاء الموضوع المطروح للمناقشة قبل انعقاد المؤتمر بمدة لا تقل عن 12 شهر، ويجب أن تصل ردود الحكومات قبل افتتاح المؤتمر بمدة لا تقل عن 8 أشهر .
يعد المكتب تقريرا أخر على أساس الردود الواردة من الحكومات يحدد فيها المسائل الرئيسية التى يلزم بحثها فى المؤتمر ويجب أن يرسل هذا التقرير قبل موعد افتتاح دورة المؤتمر بمدة لا تقل عن 4 شهور .

ينظر المؤتمر فى الموضوع إما فى جلسة عامة –وهو الإجراء العادى- أو فى لجنة، وإذا قرر المؤتمر صلاحية الموضوع لوضع اتفاقية او إصدار توصية بشأنه فإنه عندئذ يقر ما يراه ملائماً.

تقترح الحكومات ما تراه من تعديلات أو تعليقات خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إبلاغها بالمشروع المشار إليه فى الفقرة السابقة .

إذ لم تحصل الاتفاقية على أغلبية الثلثين اللازمة لإقرار الإتفاقيـة عند التصويت النهائى وحصلت على أغلبية بسيطة فقط أو إذ تم رفضها، فالمؤتمر حين إذ ان يحيلها إلى لجنة الصياغة لإعادة صياغتها فى شكل توصية والتى ينبغى أن تحصل كذلك على أغلبية الثلثين لإقرارها. والجدير بالذكر ان مشروع الاتفاقية التى تم رفضها يمكن أن يصبح اتفاقية بين الدول الراغبة فى ذلك .

وبمجرد أن يتم تبنى أحد اتفاقيـات أو توصيـات العمل الدولية فإنه يجب أن يقوم مندوب الحكومات بعرضها على السلطة التشريعية المختصة فى دورتها خلال مدة 12 أو 18 شهراً كأقصى تقدير من ختام دورة المؤتمر إن لم يكن خلال مدة أقصر من ذلك (مادة 19 فقرة 5) .

وتتسم معايير العمل الدولية بطبيعة فريدى من نوعها على المستوى الدولى ويمكن تفسير ذلك من خلال الآتى :

نظراً لطبيعة نظام التمثيل الثلاثى الذى يدخل فى كافة مراحل إعداد الاتفـاقيات والتوصيـات مما يعطى شرعية كبيرة لهذه المعايير ، بجانب أنه يجب حدوث التوازن بين هذه الفئات الثلاثة عند إعدادها.

بينما تتيح بعض الاتفاقيات الدولية للدول أن تصدق عليها مع التحفظ على إحدى أو بعض موادها.

وبينما يمكن أيضاً للدول أن تعلن عدم إلتزامها عن اتفاقية دولية صدقت عليها، فإن ذلك يمكن حدوثه فى نطاق منظمة العمل الدولية فقط من خلال فترة زمنية محددة عادة ما تكون سنة واحدة إذ لم تعلن الدولة خلالها عن عدم الالتزام بها فإنها يجب أن تنتظر إلى ان تنتهى مدة المعاهدة قبل أن يمكنها إعلان عدم التزامها بها مرة أخرى .

أحد السمات الهامة لاتفاقيـات العمل الدولية هى المرونة الموجودة فى كثير من هذه الاتفـاقيات حيث تضع هذه الاتفاقيـات فى الاعتبار عند صياغة مشروعاتها درجة التقدم الاقتصادى والاجتماعى المختلفة للدول الأعضاء فى المنظمة، وتعد اتفاقـية الضمان الاجتماعى أكبر مثال على ذلك .

لأن منظمة العمل الدولية بدأت فى وضع معايير العمل الدولية منذ عام 1919، ظهرت الحاجة لتحديث العديد من هذه الاتفاقيـات وقد تم بالفعل تحديث العديد من الاتفاقيـات (من الاتفاقيـة رقم 71 وحتى الاتفاقية رقم 84) . ويمكن أن تأتى اتفاقيـة لتحل محل اتفاقيـة أخرى كما حدث مع الاتفاقيـة رقم 183 والتى تم تبنيها سنة 2000 لتحل محل الاتفاقيـة رقم 103 [35] .

المبـــحث الثـالـث

نشـأة الرقـابة الدوليــة على حقـوق الإنـسان فى إطـار منـظمة العمـل الدولية وتطورها

لعل من أهم انجازات أو ظواهر القرن التاسع عشر على صعيد العلاقات والنظم الاجتماعية هوظهور تشريعات اجتماعية جديدة لم تكن معروفة فى خضم التشريعات والقوانين العامة أو الخاصة –القوانين التجارية والجنائية والمدنية- على حد سواء، وهذه التشريعات المستحدثة هى القوانين الاجتماعية أو قوانين العمل وليدة النهضة الصناعية وبفضل ما تتمتع به هذه القوانين من خصائص التطور والواقعية والمرونة فقد انتشرت –نطاقاً وموضوعاً- فى سائر البلدان التى عرفت النهضة الصناعية سواء فى العالم القديم (القارة الأوروبية) أو العالم الجديد (الولايات المتحدة الأمريكية) .

وفى هذا المبحث سوف نتناول نشأة الرقابة الدولية على العمل وتطور عمل منظمة العمل الدولية منذ بدايتها وحتى التطورات المعاصرة لها [36] .

المطــلب الأول

التطور الدستـورى والرقابة الدوليـة خلال الفترة 1920- 1944

تم البدء فى إرسال أسس وعمل منظمة جديدة لم يكن لها مثيل من قبل وحتى الأن [37] سواء فى تكوينها أو أهدافها. وفى كل خطوة كانت تظهر مشكلة يجب التغلب عليها، وبالفعل يتم التغلب عليها، لتظهر مشكلة أخرى يتم علاجها وهكذا.

وبدأت المنظمة حيث انتهت الجهود الدولية السابقة عليها، حتى المحاولة العملية الأولى لوضع قانون عمل دولى، وكانت فى الحالتين تدور حول تحريم تشغيل الأطفال والنساء فى مناجم الفحم، وحماية صحتهم من التسمم، بالإضافة إلى ست توصيـات بعضها عن هذه الاتفاقيـات بينما البقية عن البطـالة، والتفتيش العمالى، والاتفاقية رقم 3 عن حماية الأمومة والتى أوجبت أجازه للأم الحامل قبل وبعد الوضع، والاتفاقية رقم 4 عن العمل الليلى للنساء وبوجه خاص فى المناجم .

وهذا يعنى أن البشرية قد تطلبت مائة عام، وحربا عالمية منذ مؤتمر الدول المجتمعة فى أكس لاشابل عام 1818 حتى تكوين 1919 ليمكن إصدار مثل هذه الوثائق .

ومراجعة عمل المنظمة خلال سنواتها الأولى يوضح مدى نشاطها وإقبالها على العمل، ففى سنة 1919 وقعت ست اتفاقيـات وست توصيـات وفى العام الذى يليـه ثلاث اتفاقـيات وأربـع توصيـات. وفى عام 1921 وضعت سبع اتفاقيـات وثمان توصيـات. ويبدو وكأن المنظمة أرادت أن تستدرك التخلف الطـويل وتعـويض البطء القـديـم .

وتعرضـت المنـظمة وقتئذ لمقاومة النظام السوفيتـى الذى شـن عليها غـارة شعـواء، كما تعرضـت المنظـمة كذلك لمحـاولة ابتزاز النظـم الفاشيـة فى إيطاليا وألمانيا، وتغلبت المنظمة على كل الصعوبات التى أثارتها النظم السياسيـة المعارضة للمنظمة، وفى سنة 1934 أنضم الاتحاد السوفيـتى، كما انضمت الولايات المتحـدة إلى المنظمة[38] وأثرى انضمام هاتين الدولتين اللتين رفضتا الانضمام من قبل للمنظمة، وإن كان قد نقل الصراع ما بينهما إلى المنظمة .

ومن المؤسف أن الحركة العمالية، سواء كانت على المستوى القومى أو الدولى، تعرضت لتمزقات نتيجة لظهور التيارات السوفيتية داخلها، وكان الاتحاد الذى يمثل الحركة العمالية الدولية هو “الاتحاد الدولى للنقابات” ، وعندما قامت الحرب العالمية الثانية، وأدت تطوراتها لأن يكون الاتحاد السوفيتى حليفا لبريطانيا والولايات المتحدة، تجمعت القوى للقضاء على الاتحاد الدولى للنقابات وإقامة اتحاد جديد هو “الاتحاد العالمى للنقابات” الذى تكون فى باريس سنة 1945 .

والحق أن الإنسان عندما يقارن ما بين منزلة الحركة العمالية فى أعقاب الحرب العالمية الأولى ومنزلتها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، فلا يشق عليه أن يحكم أن الحكومات كانت أكثر اعترافا وتقديرا بالحركة العمالية فى الحرب العالمية الأولى .

ولم تتسامى آمال الاتحاد العالمى للنقابات بعد الحرب العالمية الثانية إلى مشاركة فى إعادة تنظيم العالم كما أملت الحركات العمالية فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتعود أسباب ذلك إلى الحركة العمالية الدولية كانت قد وصلت إلى أعلى درجة من درجات القوة النسبية قبيل وبعيد الحرب العالمية الأولى وأنها كانت وقتئذ رمز التغيير وصاحبة الإرادة والقرار، وبعد إعلان الحرب العالمية الثانية فى 1939 كان من البديهى أن تؤدى الحرب إلى الحد من نشاط وفعاليات منظمة العمل الدولية، فقد كان من المتعذر عملياً أن يعقد مؤتمر العمل الدولى أو مجلس إدارة مكتب العمل الدولى دوراته العادية بشكل منتظم فى جو العمليات الحربية، ولذلك فإن مكتب العمل الدولى الذى اتخذ مقره فى جنيف قد اضطر من ناحية إلى تقليص جهازه البشري إلى مجموعة صغيرة، ومن ناحية ثانية تم نقل مقر المنظمة عام 1940 إلى مكان أمين بعيداً عن مسرح العمليات العسكرية، واختيرت كندا، وقام المدير العام “جون وينانت” بإجراءات النقل، وأمكن تحويل الاعتمادات المالية، ومنحت الحكومة الكندية الصفة الدبلوماسية للمنظمة ويسرت جامعة “ماكجيل” الأماكن. ورغم هذه الظروف كانت المنظمة فى حالة نشاط دائم وتعمل لفترة ما بعد الحرب[39].

ولم تكد المنظمة تستقر فى مكانها، حتى عينت الحكومة الأمريكية “وينانت” سفيراً لها بالمملكة المتحدة، فترك المنظمة، وفى 1941 انتخب “ادوار جوزيف فيلان” الايرلندى الأصل مديرا عاما، وكان “فيلان” عضوا فى وفد السلام البريطانى إلى مؤتمر فرساى، كما قام بدور أساسى فى وضع دستور المنظمة. وفى سنة 1930 عينه “البرت توماس” رئيسا للقسم الدبلوماسى للمنظمة ثم مساعدا للمدير العام 1932 ونائبا للمدير ثم صدق على تعيينه مديرا عاما 1947 . ففى 27 أكتوبر 1941 عقد مؤتمر فى نيويورك، وعقدت جلسته الأخيرة فى 6 نوفمبر فى البيت الأبيض، وحضر المؤتمر وفود من 34 دولة من الدول الأعضاء، وكانت الفكرة الرئيسية فيه أن تكون منظمة العمل الدولية جزءا لا يتجزأ من أى مؤتمر للسلام والتعمير يعقد بعد الحرب .

وفى 20 إبريل 1942 عقدت المنظمة فى لندن اجتماعا للجنة الطوارئ[40] وأعطانا هذا الاجتماع صورة لقلق مندوبى العمال وطموح المنظمة فى عالم ما بعد الحرب. ووضعت لجنة الطوارئ عددا من التوصيـات تتعلق كلـها بمشروعات وخطط تنمية ما بعد الحرب والسياسات التى تعتزم الدول انتهاجها ودور المنظمة فى ذلك.

وفى اجتماع مجلس الإدارة فى دورته الثالثة والتسعين فى لندن خلال الفترة 16- 20 ديسمبر 1943 قرار المجلس عقد أول دورة نظامية لمؤتمر العمل الدولى منذ الدورة الأخيرة له فى جنيف سنة 1939 وأن يكون الانعقاد فى فيلادلفيا بدعوة من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. ويلحظ هنا أن قيادة المنظمة كانت نشطة نشاطا بارزا ما بين لندن ونيويورك، وإنها وثقت علاقاتها بالمسئولين فى الدولتين .

المطـلب الثـانى

إعلان فيلادلفيا 1944

رغم أن التعديلات الرسمية التى أدخلت على دستور منظمة العمل الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية يرجع تاريخها إلى عامى 1945 و 1946 فإنه ينبغى أن نشير بصفة خاصة إلى الإعلان الجديد الهام الذى أقره مؤتمر العمل الدولى فى دورة فيلادلفيا بتاريخ 10/ 5/ 1944 . كان اجتماع الدورة السادسة والعشرين فى فيلادلفيا عام 1944 حدثا بارزا فى تاريخ المنظمة لأنه يمثل الولادة الثانية لها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد الولادة الأولى لها فى أعقاب الحرب العالمية الأولى واجتماع فيلادلفيا أسفر عن وضع ما أطلق عليه “إعلان فيلادلفيا”[41] الذى مارس تأثيرا هاما وكبيرا على نشاط المنظمة وكان أول وثيقة دولية تنص على حقوق الإنسان وهو الأمر الذى يرد صراحة فى الفقرة 2 من الإعلان وضمنا فى الإعلان ككل .

ويحدد هذا الإعلان أهداف المنظمة بعبارات واسعة، ويستعرض برنامج وأنشطة منظمة العمل الدولية. كما أنه سيصبح مصدراً هاماً لفاعليتها المستقبلية، ويمثل إعلان فيلادلفيا تكليلا لجهود قيادات المنظمة خلال الحرب وحرصهم على أمرين ..

الأول: استمرار الاعتراف بالمنظمة ودورها.
الثانى: أن إعلان فيلادلفيا يمثل نقطة تحول فى مسيرة المنظمة تتسم بتركيز العناية على الحالات الاقتصادية ودور المنظمة فيها .
وينص إعلان فيلادلفيا، الذى صدر فى 10 مايو 1944 عن الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر العمال الدولى على :

يؤكد المؤتمر المبادئ الأساسية التى قامت عليها المنظمة وعلى الأخص:
أ- أن العمل ليس سلعة .

ب- أن حرية الرأى وحرية الاجتماع وتكوين النقابات لا غنى عنها لإطراد التقدم .

ج- أن الفقر أينما وجد يشكل خطراً يهدد الرخاء فى كل مكان .

د- أن الحرب ضد الفقر، تتطلب أن يكون شنها ومواصلتها بعنف لا يتراخى بين صفوف كل شعب .

اعتقد فيما أثبتته التجربة من صحة ما جاء فى دستور منظمة العمل الدولية، من أن تحقيق السلام الدائم رهن بإقامته على أساس من العدالة الاجتماعية يؤكد المؤتمر على ما يلى :
أ- لجميع البشر –بصرف النظر عن فوارق الجنس أو النوع أو العقيدة- الحق فى السعى وراء رفاهيتهم المادية وتقدمهم الروحى وتكافئ الفرص .

ب- أن تهيئة الظروف التى من شأنها أن تجعل ذلك مستطاعا .

ج- يجب أن تقوم جميع السياسات والتدابير القومية والدولية على ضوء ما تقدم، وعلى الأخص ما يكون منها ذا طابع اقتصادى أو مالى .

د- منظمة العمل الدولية مسئولة عن فحص ونظر جميع السياسات والتدابير الاقتصادية فى ضوء الهدف الأساسى .

ه- لمنظمة العمل الدولية –فى نهوضها بالمهام المنوطة بها- مع ضمان جميع العوامل الاقتصادية والمالية المتصلة بها .

يعترف المؤتمر بالتزام منظمة العمل الدولية رسميا بأن تدفع قدماً بين دول العالم البرامج التى من شأنها أن تحقق :
أ- العدالة الكاملة ورفع مستويات المعيشة .

ب- أن يكون استخدام العمال فى المهن التى يمكنهم أن يشعروا فى أدائها الحد الأقصى .

ج- عملا على بلوغ هذا الهدف، ومع اتخاذ الضمانات الكافية بالنسبة لكل من يخصهم الأمر .

د- أن تستهدف السياسات الموضوعة للأجور والكسب، وساعات العمل والشروط الأخرى للاستخدام، ضمان حصول الجميع على نصيبهم الحق والعادل من الحماية .

ه- الاعتراف الفعال بحق المساومة الجماعية .

و- مد نطاق التدابير الخاصة بالضمان الاجتماعى بحيث تكفل دخلا أساسيا لكل من يحتاجون إلى مثل هذه الحماية .

ز- الحماية الكافية لحياة العمال .

ح- العمل على حماية الأطفال ورعاية الأمومة .

ط- تهيئة التغذية الكافية، والمسكن الملائم .

ى- ضمان تكافئ الفرص فى التعليم والتدريب المهنى .

ثقة من المؤتمر من أن الاستغلال الأمثل لموارد العالم الإنتاجية بالصورة الضرورية لتحقيق الغايات المحددة فى هذا الإعلان إنما يتحقق بالجهود الدولية والقومية الفعالة، بما فيها تدابير التوسع فى الإنتاج والإستهلاك. وتجنب التقلبات الاقتصادية الحادة وتحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى لمناطق العالم الأقل تقدماً .

كان إعلان فيلادلفيا هو إنجاز المرحلة، إذ لم تحقق الآمال الكبيرة التى دارت فى أذهان أعضاء المنظمة الذين حضروا اجتماعات المكتب، عن وضع إعلان فيلادلفيا فى معاهدة السلام كما حدث بالنسبة لدستور المنظمة سنة 1919 فى معاهدة فرساى حيث لم تبرم معاهدة سلام فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بالأساس أو أن تكون المنظمة جزءا لا يتجزأ من عالم ما بعد الحرب وأن تقوم بدور بارز فى التعمير الاجتماعى … إلـخ .

وينطوى إعلان فيلادلفيا، على مدلول كبير، لاسيما فيما يتعلق بتحديد أهداف منظمة العمل الدولية فى إطار عام ، فهو من ناحية يبرز الأهمية المتعادلة والمتوازنة للتقدم المادى والتطور الروحى فى إطار من الحرية والكرامة والمساواة لجميع البشر. ومن ناحية ثانية ، فإنه يبين ضرورة بذل الجهد المنسق على الصعيدين الوطنى والدولى “من أجل النهوض بالصالح المشترك” وفى نفس الوقت، شكل هذا الإعلان بمثابة حصيلة للفكر الإجتماعى للقرن العشرين، ويشكل برنامج عمل المستقبل الذى يحتفظ بكل حاليته .

المطـلب الثـالث

التطور الدسـتورى والرقـابة الدولية خلال الفترة 1944- 1994

وعقب الحرب العالمية الثانية التى فرضت معطيات جديدة، تم إدخال بعض التعديلات على دستور منظمة العمل الدولية –كما أسلفنا- ولكن دون ما تغيير فى جوهر فلسفة ومضمون المنظمة وهياكلها الأساسية. كما كان لهذه التعديلات تأثيراً كبيراً فى اتجاه استكمال وتعزيز نظام معايير العمل الدولية. وتستند إجراءات تعديل الدستور –والتى تمت عامى 1945 و1946 [42]– وشرع فى دراستها خلال دورة مونتريال عام 1944 على الاعتبارات التالية :

الأول، ويتعلق بضرورة إيضاح واستكمال النص الأصلى للدستور فى ضوء التجرية المكتسبة، وتبعاً للاحتياجات المستقبلية. الثانى، السماح بالتطور الذاتى والمستقبلى لفعالية منظمة العمل الدولية أثر حل عصبة الأمم .

وهكذا، فإن دستور منظمة العمل الدولية بتكريسه –من حيث المضمون والجوهر بعبارات أكثر عمومية- المصلحة الجماعية للإنسان فى الرفاهية والحقوق الأساسية للأفراد، وتدعيمه من حيث الأسلوب، النظام القانونى لاتفاقيات العمل الدولية، فإن دستور منظمة العمل الدولية ظل فى عام 1946 كما كان فى عام 1919، وكما هو فى الوقت الراهن، متقدما على كافة المفاهيم والصيغ المعمول بها فى حقل المنظمات الدولية والمعاهدات المتعددة الأطراف. ثم تم إدخال عدد من التعديلات الدستورية عام 1948 سواء على ديباجية الدستور أو على المادة الأولى منه بالإشارة إلى إعلان فيلادلفيا فى نفس الوقت مع الديباجية، كما أدخلت تعديلات أخرى فى صلب الدستور للأخذ بعين الاعتبار حل عصبة الأمم، وإعطاء أجهزة منظمة العمل الدولية الوظائف التى كانت فى السابق منوطة بعصبة الأمم[43] . وأدخلت تعديلات أخرى للتأكيد على الطابع الدولى والمحايد لمسؤليات ووظائف المدير العام وموظفى مكتب العمل الدولى[44] ، وكذلك بعض التعديلات الخاصة بنظام الاتفاقيــات والتوصيـات وكذا تعديلات متعلقـة بإحكـام نظام الرقابة فى المنظمـة[45].

وفى عام 1964 أقر مؤتمر العمل الدولى ثلاثة تعديلات جديدة لدستور منظمة العمل الدولية تعلقت بتطبيق الاتفاقيـات على الأقاليـم التابـعة بنص أكثر عمومـية، ومسألة الأغلبيـة الخاصة بتعليق مشاركة أى دولة عـضو (بأغلبية ثلثى الأعضاء)، وكذلك أغلبية طرد أى عضو من الأعضاء سبق لمنظومة الأمم المتحدة طرده أو تعليق ممارستـه للحقوق والامتيازات المترتبة على العضـوية فى المنظـمة (بأغلبية ثلثى الأعضاء أيضاً). وهى التى لم تنل العدد اللازم من التصديقات كى تدخل حيز النفاذ وقتها، وكذلك الحال فى بعض التعديلات الدستـورية التى أدخلت على بنيان المنظمة وأعتمدها المؤتمر فى عام 1986.

وتبلورت السياسة الجديدة للمنظمة فى “البرنامج العالمى للعمالة” الذى وضع سنة 1969 وهو يقوم على دراسات فنية وزيارات ميدانية ومشروعات تستهدف كلها تدعيم العمالة وإتاحتها لأكبر عدد من السكان. وشاهدت الستينات أزمة التفريق العنصرية فى جنوب أفريقيا ، وفى 1963 قدمت الدول الأفريقية قرارا بطرد جنوب أفريقيا من المنظمة .

وفى 1964 أصدرت المنظمة إعلاناً خاصاً عن سياسة التفرقة العنصرية تضمن :

تأكيد الحرية والمساواة وعدم التفرقة .
إدانة سياسة التفرقة العنصرية .
دعوة المدير العام لوضع تصور عن أوضاع التفرقة العنصرية .
دعوة المدير العام لمتابعة الحالة فى جنوب أفريقيا ووضع تقرير سنوى عن ذلك .
وإزاء هذه التطورات وجدت حكومة جنوب أفريقيا من الأفضل لها أن تنسحـب فانسحبـت عام 1964 وأصبح الانسحـاب ساريـا من عام 1966

وكانت هذه الأسباب من الأسباب التى حدت بالولايات المتحدة لأن تنسحـب من المنظمة فأرسل هنرى كيسنجر خطابا بذلك إلى مدير عام مكتب العمل الدولى فى أول نوفمبر 1975 بحجة أن المنظمة قد خرجت عن طريق الغرض الذى أنشئت من أجله وتورطت فى العمل السياسى، وأن الاتحاد السوفيتى والدول الضالعة معه وبعض دول العالم الثالث تستغل المؤتمر السنوى كمنابر سياسية .

وقد أثر هذا الانسحـاب تأثيرا سيئا على المنظمة لأنه كان يعنى فقد ربـع مواردهـا، ولكن من حسن الحـظ أن هذا الانسحـاب لم يستمر طويلا حيث عادت فى يونيو 1979 .

المطــلب الرابـــع

التـطورات المعـاصرة فى مجال الرقابة على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية[46]

على امتداد أكثر من ثمانية عقود من الزمن، ومنذ إنشاء منظمة العمل الدولية واعتماد الاتفاقيـات الدولية الأولى، تميز نشاط المنظمة فى مجال المعايير الدولية للعمل بالضخامة والشمولية والغزارة .

كما أن عضوية المنظمة أصبحت عالمية، فقد تزايد عدد الأعضاء بصورة كبيرة –إذ تجاوز حالياً 175 دولة . وقد انعكس هذا العدد على نوعية وطبيعة المساهمـة فى إعداد وصياغة وتطبيق معايير العمل الدولية. فلم تعد –إلى حد بعيد- منطلقاتها الفكـرية والفلسفيـة من الواقع الأوروبى فحـسب بل أخذت الفلسفات والتجارب التشـريعات الاجتماعـية لمختـلف الاتجاهـات العالمية فيما بعد الحرب العالمية الثانية ودورها فى صياغة محتوى ونطاق أحكام المعايير الدولية الجديدة للعمل .

ولئن كان اختصاص المنظمة فى بداية عهدها محل نزاع وموضع جدل وخاصة فيما يتعلق ببعض مجالات العمل (الزراعية مثلاً) ، فقد أصبح من المسلم به منذ عدة عقود أن اختصاص المنظمة هو من الشمول ما يسمح بتغطية مختلف أنماط وصور العمل وظروف وشروط عمل العمال بوجه عام .

وتغطى المعايير الصادرة عن منظمة العمل الدولية مسائل اجتماعيـة وعمالية مختلفة وتكاد تشمل القطاع الأعظم من جوانب العمل المختلفة. وترد فى 184 اتفاقيـة و 192 توصيـة صدرت حتى عام 2002، هذا إضافة إلى عشرات القـرارات والاستنـتاجات الصادرة عن مختلف أجهزة المنظـمة والتى تمثل رصيداً هائلاً لكل المعنيين بمشاكل العمل والعمال .

وفى بعض الأحيان، وعلى ضوء المستجدات الدولية فى قطاع العمل خضعت بعض المعايير للمراجعة للأخذ بعين الاعتبار هذه المستجدات والاستفادة من التجارب ونتائج الممارسات العلمية ومتطلبات الاحتياجات الجديدة .

الفـــصل الثـــالث

تفصيل آليات منظمة العمل الدولية ونظام الرقابة المعمول به فى إطارها

مما لا شك فيه أن نظام الرقابة الذى أرسى فى إطار منظمة العمل الدولية يعتبر من أكثر الأنظمة أصالة وتقدما على صعيد العلاقات الدولية. ويستمد هذا النظام ركائزه القانونية الأساسية من النص الأول لدستور منظمة العمل الدولية عام 1919 ، غير أنه استكمل قواعده وأركانه ، وتعددت صوره بشكل تدريجى فى السنوات اللاحقة . ويتخذ نظام الرقابة على تطبيق الاتفاقيــات فى إطار منظـمة العمل الدوليـة مظهرين أو أسلوبين اثنين متميزين ، يختلف كل منهما عن الأخر من حيث طبيعته وتكوين الجهاز المختص بالرقابة، ومن حيث الإجراءات وأسلوب ممارسة الرقابة، ويمكن بوجه عام القول بأن نظام الرقابة الذى يتكامل بأجزائه المختلفة ينقسم إلى :

الرقابة النظامية الدورية القائمة على فحص تقارير الحكومات .
الرقابة العرضية القائمة على تقديم الشكاوى أو البلاغات بصدد انتهاكات محددة لأحكام الاتفاقيـات .
المبـحث الأول

آليات منظمة العمل الدولية فى مجال الرقابة الدولية على بعض الحقوق الخاصة بالعمل

موازاة مع المجموعتين الكبيرتين من إجراءات التطبيق العام للرقابة (الرقابة النظامية الدورية القائمة على فحص تقارير الحكومات، والرقابة العامة القائمة على تقديم الشكاوى)، لقد أرسيت فى إطار منظمة العمل الدولية أسس وقواعد لإجراءات تكميلية خاصة بالنسبة لعدد من المجالات أو فى حالات معينة، ولعل أهمها على الإطلاق إجراءات حماية الحرية النقابية التى يجرى تطبيقها بصورة منظمة ودقيقة منذ عام 1951[47] . وتقوم هذه الإجراءات على أساس تقديم الشكاوى. كما تم وضع إجراءات خاصة أخرى تقوم على التقصى أو الدراسة بشأن مسائل أساسية مثل العمل الجبرى واستقلالية المنظمات النقابية والأوضاع فى مسائل العمل والقضايا النقابية فى بلدان معينة [48] .

المطــلب الأول

آليــات حمـاية الحريـة النقـابية

نظراً للأهمية المتميزة التى تمثلها الحرية النقابية بوجه عام باعتبار ان “حرية الرأى وحرية الاجتماع أمران لا غنى عنهما لإطراد التقدم” ، وبصفة خاصة بالنسبة لمنظمة العمل الدولية التى تتميز بتكوينها الثلاثى الذى يشكل العمال فيه إحدى ركائزها الأساسية، تم وضع إجراءات خاصة فى مجال حماية الحرية النقابية والاتفاق مع منظومة الأمم المتحدة[49] . وتتميز هذه الإجراءات بخاصية هامة وهى سريانها حتى بالنسبة للدول التى لم تصدق على اتفاقيـات العمل الدولية بشأن الحرية النقابية. ففى مواجهة هذه الدول، فإن هذه الإجراءات تستند، بصفة أساسية، على الالتزامات المترتبة على صفة العضوية للمنظمة، وعلى أساس أن دستور منظمة العمل الدولية، الذى يكمله إعلان فيلادلفيا 1944 يكرس مبدأ الحرية النقابية ، وتشير هيئتا الرقابة فى المنظمة إلى أنه إذا كان من غير المستطاع فرض أهداف منظمة العمل الدولية على الدول التى لم تصدق على الاتفاقية ما، فإنه بالإمكان تحقيق هذه الأهداف بوسائل أخرى وبصفة خاصة من خلال أجهزة تقصى الحقائق والتوفيق. أما الآلية التى وضعت من أجل النهوض بهذه الأهداف فهى تنحصر فى جهازين أساسين وهما : لجنة الحرية النقابية، ولجنة تقصى الحقائق والتوفيق الخاصة بالحرية النقابية. وقد أنيط بهذين الجهازين مهمة فحص الشكاوى المقدمة من منظمات العمال ومنظمات أصحاب العمل والحكومات .

أقر المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية فى 1 يوليه سنة 1949 حق تنظيم الاتفاقيـات والمساومة الجماعية، وفى سنة 1949 أيضاً تلقى المجلس الاقتصادى والاجتماعى رسالة تبلغة بأن مجلس إدارة منظمة العمل الدولية قد وافق على إنشاء “لجنة لتقصى الحقائق والتوفيق بشأن حرية الاجتماع “بغرض الرقابة الدولية على هذه الحرية. وطلب المجلس إلى منظمة العمل الدولية أن تواصل مساعيها بإنشاء اللجنة. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة، والمدير العام لمنظمة العمل الدولية، إلى التشاور معاً، بغؤض وضع أسلوب أو طريقة من شأنها أن تجعل خدمات اللجنة متاحة للأمم المتحدة .

وفى سنة 1950، وضع المجلس الإجراء الأساسى لتناول الادعــاءات الخاصة بالاعتداء على حقوق النقابات العمالـية، وهو الإجراء المتبع من قبل الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية منذ ذلك التاريخ .

وفى سنة 1951 أنشأ مجلس إدارة المكتب الدولى لعمل لجنة تتبع مجلس الإدارة بشأن حرية الاجتماع لبحث الدعاوى الخاصة بالاعتداء على حقوق النقابات العمالية بحثا أوليا والنظر فى ما إذا كان من الأوفق إحالة قضايا معينة إلى لجنة تقصى الحقائق والتوفيق. ومنذ ذلك الوقت بحثت اللجنة التابعة لمجلس الإدارة عدة مئات من الدعاوى والاتهامات أحالت بعضها إلى لجنة تقصى الحقائق والتوفيق للبحث فيها والتصرف بشأنها. وفى سنة 1953 طلب المجلس الاقتصادى والاجتماعى إلى الأمين العام أن يقدم كل الدعاوى –الموجهة ضد الدول الأعضاء فى منظمة العمل الدولية- إلى مجلس إدارة المنظمة[50] .

أولاً: لجنة الحرية النقابية التابعة لمجلس الإدارة (لجنة الحرية النقابية)[51] :

1- تكوين اللجنة :

يشكل مجلس الإدارة لجنته لشئون الحرية النقابية، أو كما درجت التسمية “لجنة الحرية النقابية” من بين أعضائه. وتتكون من تسعة أعضاء أصليين وتسعة أعضاء مناوبين، أى ثلاثة أعضاء أصليين وثلاثة احتياطيين عن كل من المجموعات الثلاث (الحكومات وأصحاب العمل والعمال) .

ويفسر التكوين الثلاثى لهذه اللجنة بالرجوع إلى خلفية نشأة اللجنة التى أنيط بها أصلا الفحص التمهيدى للشكاوى . ولعل من أبرز عناصر استمرارية عمل اللجنة أن رئاستها عهدت على مدى أكثر من 35 سنة إلى رئيسين اثنين فقط .

2- أسلوب عمل اللجنة :

تعتمد اللجنة فى عملها بوجه عام على الوثائق المكتوبة التى تعرض عليها، وهى الشكاوى المقدمة من إحدى الجهات المعترف بها وعلى ردود الجهات المشكو فى حقها. ولقد أعادت اللجنة النظر مرارا فى إجراءاتها بغية تعزيز وسائل عملها. وقدمت مقترحاتها إلى مجلس الإدارة لتكييف هذه الإجراءات وتطوريها وكان آخرها فى عام 1979 .

وتستهــدف التعديلات الجديدة جعل إجراءات اللجنة أكثر استعجالا والسماح بالدراسة المفصلة والمباشرة وبإمكانية متابعة التوصيات المقدمة إلى مجلس الإدارة حول القرارات الصادرة عنها فى دورات سابقة .

3- تقـارير اللجنة :

تصدر اللجنة بعد دراستها لكل حالة على حدة رأيها فى الشكوى. ومن الملاحظ فى هذا الصدد أن تصدر تقارير اللجنة بإجماع آراء أعضائها، وهذا ما يعطى لنتائج أعمالها ثقلا متميزا .

4- تطـور عمل اللجنة :

يلاحظ من طبيعة عمل اللجنة أن نطاق التحقيق الذى يجرى فى إطارها أوسع من عدة جوانب من إطار التحقيق فى إطار النظام العام للرقابة المطبق على الاتفاقيات المصدقة. وتستند اللجنة فى عملها إلى مبدأ الحرية النقابية وفقا لما هو مبين فى الدستور، ومن جهة ثانية تتميز أعمال اللجنة بتطورها الملحوظ من حيث مسايرتها للظروف المتجددة وفى ضوء واقع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والعمالية الدولية.

فاللجنة قد قامت فى الأساس لتتولى الفحص التمهيدى للشكاوى المقدمة، ومن ثم التوصية لدى مجلس إدارة مكتب العمل الدولى بما تراه بالنسبة لهذه الشكاوى ، وهى تبوبها كما يلى :

( أ ) حالات لا تستدعى المزيد من الدراسة .

( ب ) حالات تتخذ اللجنة بشأنها نتائج محددة .

( ج ) حالات تطلب اللجنة أن تكون على علم دائم بتطورها .

( د ) حالات توصلت اللجنة بشأنها إلى نتائج مؤقتة .

ويتضح من أعمال اللجنة أنها لم تقصر دورها على الفحص التمهيدى كما كان مرسوما لها فى البداية، وإنما شرعت وبصورة تدريجية فى دراسة الشكاوى من حيث الموضوع ومن ثم التقدم إلى مجلس الإدارة بتقارير مفصلة، غالبا ما يقرها المجلس دون مناقشة تذكر[52] .

حتى الدورة 243 لمجلس الإدارة (مايو 1989) قدمت اللجنة 267 تقريرا بلغ عدد الحالات التى نظرتها اللجنة خلال الفترة السبعة والثلاثين عاما أكثر من 1495 حالة توصلت بشأنها إلى أراء محددة فى مضمون الشكوى وجوهر المسألة المطروحة،

وفى ضوء النتائج التى تنتهى إليها لجنى الحرية النقابية، فإن مجلس الإدارة غالبا ما يصدر توصياته إلى الحكومات المعنية حيث يطلب منها، أما تعديل التشريعات والممارســات، أو اتخاذ التدابير التى سيكون من شأنها تصحيح بعض الأوضاع المخالفة للحريـة النقابيـة (مثل حل النقابات، إيقاف أو اعتقـال النقابييـن، …الخ)[53] .

وفى معظم الحالات، فإن الحكومات المعنية تأخذ بعين الاعتبار ما يصدر عن مجلس الإدارة من توصيـات وفى بعض الحالات، قد لا تلقى توصيـات المجلس استجابة فورية، وإنما تجد قبولا بعد فترة من الزمن فى ضوء تغير الأوضـاع أو الظروف داخـل هذه الدولـة .

ومما تجدر الإشـارة إليه أن الإجراءات الخاصة بحماية الحرية النقابيـة لا تتضــمن متابعة دورية لما تقوم به الحكومـات المعنيـة تجاه التوصيـات الصادرة عن المجـس. ولكن عندما يتعلق الأمر بدولة ما مصدقة على الاتفاقية رقم 87 أو الاتفاقية رقم 98 أو الاثنين، فإن لجنـة الحرية النقابيـة قد تلفت اهتمام لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيـات والتوصيـات لهذه الحالة كى تتولى الأخيرة متابعة المسألة لاحقا، أو توصى بإحالة هذه الحـالة إلى لجنة تحقيق تشكل لهذا الغرض[54] .

ثانيـاً: لجنة تقصى الحقائق والتوفيق الخاصة بالحرية النقـابية :

كانت هذه اللجنة هى الجهاز الرسمـى الوحيد الذى أنشئ فى عام 1950 لفحص الشكاوى المتعلقة بانتهاك الحرية النقابيـة، وذلك عقب الاتفـاق مع المجلس الاقتصادى والاجتماعى التابع لمنظومة الأمم المتحدة الذى قبل رسمياً وباسم المنظومــة التى يتبعها خدمات منظمة العمل الدولية/ ولجنتها المشار إليها.

1- تـكوين اللجـنة :

تتكون اللجنة من شخصيات يتم تعيينها من قبل مجلس الإدارة بناء على اقتراح من المدير العام لمكتب العمل الدولى. ويتم اختيار أعضاء اللجنة فى ضوء اختصاصهم المتميز. وهؤلاء مدعوون إلى القيام بمهامهم فى استقلال تام وحيدة مطلقة. ولأعضاء اللجنة أن يوزعوا العمل فيما بينهم فى إطار مجموعات تضم كل منها من ثلاثة إلى خمسة أعضاء .

2- اختصـاص اللجنـة :

تختص اللجنة بفحص الشكاوى المقدمة من الحكومات ومن منظمات أصحاب العمل أو منظمات العمال حول دعاوى وقوع إخلال أو عرقلة ممارسة الحقوق النقابيـة .

فالمهمة الأساسية لهذه اللجنة هى تقصى الحقائق من خلال الحالات المعروضـة عليها، ولها أن تناقش مع الحكومات المعنية الحالات التى تحال إليها للتحقيق بغية تسوية الخلافات بشكل اتفاقى .

وتعتبر إجراءات “لجنة تقصى الحقائق والتوفيق” فى واقع الأمر بمثابة حجر عثـرة لقيامها بعملها على الوجه المرضى، إذ أنه من حيث المبدأ لا يجوز لمجلس الإدارة إحالة الشكوى إلى اللجنة إلا بموافقة الحكومة المعنية، ما لم تكن الشكوى خاصة بمخالفة اتفاقية مصدق عليها من جانب الدولة المشكو فى حقها[55] . لذا فقد كان من الطبيعى أن تستنـد الحكومات المعنية على هذا الشرط لعرقلة إحالة الشكاوى المقدمة ضدهـا إلى هذه اللجنــة .

المطـلب الثـانى

الإجراءات الخاصـة بالتقصـى والدراسـة

وإضافة إلى الإجراءات الخاصة بحماية الحرية النقابيـة، توجد إجراءات خاصـة بالتقصى والدراسة يتم اللجوء إليها فى بعض المجــالات، أو بالنسبة لبعض البـلدان عندما تتبـدى الحـاجة الملحة إلى مثل هذه الإجراءات .

1- طلبـات التقصى والدراسـة:

يمكن مبدئياً تقديمها من قبل حكومة إحدى الدول الأعضاء أو من إحدى منظمات أصحاب العمل والعمال. وفى هذه الحالة الأخيرة يجب أن تذكر فى الطلب الوقائع المحــددة التى تهتم بها المنظمة مقدمة الطلب.

2- إجراء التقصـى:

ويتوقف القيام به على موافقة الحكومة المعنية، ويمكن أن يعهد به إلى شخص أو أكثر مشهود لهم بالكفاءة والاستقلاليـة، ويتم اختيارهم من مختلف مناطق العالم. ويقدم تقرير بنتائج التقصـى إلى مجلس الإدارة .

وقد لجأت أجهزة منظمة العمل الدولية إلى هذه الإجراءات منذ عام 1921 عندما تم إجراء التقصـى بالتعاون مع عصبة الأمم فى إطار “اللجنة الدائمة للانتدابـات” ووضعت فى ضوئه دراسة حول العمل الجبرى .

وبعد الحرب العالمية الثانية، أنشئت اللجنة الخاصة بالعمل الجبرى عام 1951 بالاشتراك مع منظومة الأمم المتحدة. واستمرت أعمال هذه اللجنة حتى عام 1959 فى إطار لجنة العمل الجبرى بمكتب العمل الدولى. ولقيت أشغال اللجنة الخاصة صدى وتجاوب كبيرين مما ساعد على تهيئة الظروف وتمهيد السبيل لإقرار الاتفاقيـة رقم 105 بشأن إلغاء العمل الجبرى (السخـرة) عام 1957 من قبل المؤتمر .

وفى مجال الحرية النقابيـة، لقد تكونت فى عام 1955 لجنة من شخصيات مســـتقلة برئاسة اللورد ماكنير –الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية- التى عهدت إليها دراسة موضوع “استقلاق منظمات أصحاب العمل والعمال” .

فى عام 1967، وبناء على طلب من الحكومة الأسبانية – التى لم تكن قد صدقت بعد على الاتفاقيـة رقم 87 لعام 1947 بشأن الحرية النقابية- تشكل فريق للدراسة من شخصيات مستقلة، عهد إليه دراسـة الوضع فى مجال العمل والمجال النقابـى فى أسبانيـا. وتتميز هذه الصيغة من أسلوب التقصـى بانتفاء طبيعـة التنازع، رغم تقديم شكاوى ضد الحكومة الأسبانيـة لانتهاك الحقوق والحريـات النقابيـة وتم فحصهـا فى حينه من قبل لجنــــة الحرية النقابيـة التابعـة لمجلس الإدارة .

وقد تستدعـى بعض الأوضاع الاستثنائيـة فى مناطق من العالم (حالة الاحتلال مثلا) أن يقرر المؤتمر أو مجلس الإدارة تكليف المدير العام لمكتب العمل الدولى –وفقا للمادة 10 فقرة 3 من الدستور- بإيفاد بعثة من كبار موظفيه لتقصى أوضاع معينة. وهذا ما يحدث بالفعل منذ عام 1978 حيث يوفد المدير العام بعثة من بين موظفى مكتب العمل الدولى للوقوف على أوضاع العمال العرب فى فلسطيـن والأراضى المحتلة ورفع تقرير بهذا الشـــأن إلى المـؤتمر .

المبحـث الثـانى

الالتـزام الدولى بتطبيق الرقابة الدولية على معايير حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية

كأى نظام قانونى على المستويين الداخلى أو الدولى يتعـرض عمل نظـام الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدوليـة إلى العديد من الصعوبات والتى تعبر فى جانب كبير منها عن معطيـات الواقع العملى، ومواجهة مثل هذه الصعـوبات تلخص موضوع الالتزام الدولى بتطبيق ذلك النظام العريق الخاص بالرقابة الدولية فى إطار منظمة العمل الدولية. وهو ما ينعكس بوضوح على ممارسة عمل كل من لجنة الخبـراء ولجنـة المؤتمر لمهامها وسير إجراءات عملـها وقيامها لتامسؤوليات المنوطة بها والذى اكتنفته صعوبات متعددة، وهو ما سوف نعرض له فى هذا المبحث على نحو من التفصيـل[56] وذلك بعد أن نتعـرض بإيجاز لطبيعة ومفهوم الالتزام الدولى فى إطار اتفاقيــات العمل الدولـية …

المطلب الأول

طبيعة الالتزام الدولى فى إطار اتفاقيـات العمل الدوليـة

ارتبطت نشأة القانون الدولى للعمل بالبدايات الأولى لتحول القانون الدولى العام من قانون للعلاقات بين الدول إلى قانون للمجتمع الدولى. واتسم منذ البداية بذاتية خاصة لانصرافه نحو توفير الحماية للعمال وصياغة قواعد قانونية محددة تسهم فى توفير هذه الحماية من خلال صيغة التشريع الدولى المتمثـل فى اتفاقيـات دولية تفرض على الدول الأطراف فيها التزامات متساوية ومتوازية وفورية بما يؤدى فى واقع الأمر ومن خلال إجراءات ووسائل نفاذ اتفاقيـات العمل الدولية فى إطار الأنظمة القانونيـة الداخليـة إلى نوع حقيقى من التشريع الدولى فى المفهوم الدقيق لهذا التعبير وهو أمر نادر الحدوث فى إطار القانـون الدولى المعاصـر .

وإذا كان من المؤكد أن تطورات كثيرة قد طرأت على القانون الدولى. بحيث لا يمكن مقارنة بداياته الأولى بما صار إليه الآن، وكان من المؤكد أيضاً جانباً هاماً من هذا التطور يعود إلى ما أصاب القانون الدولى العام من تطور وتقدم وانتقل به من قانون لحكم العلاقـات بين الدول إلى قانون للمجتمع الدولى فى المفهوم الإنسانى الحقيقى للمجتمع، فإن من الثابت أن الجانب الأكبر من هذا التطور يرجع فى المقام الأول إلى الذاتية الخاصة للقانون الدولى للعمل وبعض الخصوصـيات والأساليـب القانونية التى جرى استحداثـها فى إطـاره . وحسبنا أن نتوقف عند عدد من الخصوصيـات التى تعرضـنا لها فى الأجزاء السـابقة من هذه الدراسـة وأولها الطابع الفريد لأجهزة منظمة العمل الدولية ونظام التقارير الدورية والبلاغات والشكاوى للرقابة على اتفاقيـات منظمة العمل الدولية ثم الطبيعة القانـونية الخاصة لاتفاقيـات العمل الدولـية والتى تنشئ نوعاً خاصاً من الالتزام الدولى فى إطار هذه الاتفاقيـات والتى نتعرض لها بمزيد من التفصيل ..[57]

حيث تتميــز اتفاقيــات العمل الدولية بخصـائص رئيسيـة أهمـها :

أنها لا تكون مسبوقة بمفاوضات دبلوماسية على غرار مـا هو مألوف بالنسبة للمعاهدات الدولية بوجه عام، وإنما يتم إقرارها فى ضوء ما يدور من مناقشات فى المؤتمر العام الذى تمثل فيه الحكومات والعمال وأرباب الأعمال على قدم سواء، وهو ما يجعل إقرارها أشبه ما يكون بإقرار التشريعات الوطنـية داخل المجالس التشريعية فى الدول المختلفة.

أن الجوانب الشكلية لإبرام هذه الاتفاقيـات يضفى عليها طابعاً خاصاً تنفرد به دون سواها، حيث يتم التوقيع عليها من جانب رئيس المؤتمر العام والمدير العام لمكتب العمل الدولى، أما الآراء الاستشـارية القانونيـة والفنية غير الرســمية فإنها تعطى غالباً من قبل المدير العام لمكتب العمل الدولى، حيث تتمتع هذه الآراء بقيمة أدبية كبيرة، ويتم نشرها فى الوثائق الرسمية للمنظمة.

أنه بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لاتفاقيـات العمل الدولية فإنه لا يجوز إبداء تحفظــات عليها أياً ما كان شكلها أو مضمونها.

وقد أثارت هذه الخصائص المتميزة للاتفاقيـات الدولية للعمل جدلاً نظرياً حول الطبيعة القانونيـة لهذه الاتفاقيـات وبالتالى طبيعة الالتزام الدولى بها، حيث ذهب الأستاذ “جورج سل” إلى أن تقرير هذه الاتفاقيـات ليس لها أى طبيعة تعاقديـــة، وإنما هى قوانين دوليــة تصدر عن جهاز تشريعى دولى وهو المؤتمر الدولى للعمل، ولكى تكتسب هذه الاتفاقيـات القوة التشريعـية –على المستوى الوطنى- فإنها لا تحتاج سوى عمل شرطى هو التصديق، وذهب البعض إلى القول بأن اتفاقيـات العمل الدولية هى فى حقيقة الأمر صيغة توفيقيـة بين المعاهدات الشارعة والمعاهدات العقـدية، وحقيقة الأمر أن هذه الاتفاقيـات هى اتفاقيـات دولية شارعه، وأنها فى نهاية المطاف يمكن النظر إليها بوصفها تشريعـات دوليـة[58] .

والواقع، أن قواعد القانون الدولى للعمل تعتبر متقدمة للغاية فى مضمونها، مقارنة بغيرها من قواعد القانون الدولى العام، وبالذات فيما يتعلق بقيمتها الإلزاميـة [59] .

فالثابت، أنه إذا كان الأصل فى قواعد القانون الدولى –وبالذات تلك التى يكون مصدرها الاتفاقيـات الدولية- أنها لا تسرى إلى فى مواجهة أطراف الاتفاق الدولى الذى يشملها، إلا أن الأمر على خلاف هذه الشاكلة بالنسبة إلى قواعد القانون الدولى للعمل، التى ترقى فى عمومها –وبالنظر إلى المبادئ الإنسـانية والأخلاقـية التى تتضمنها- لأن تصير قواعد ملزمة للكافة .

ولكن هنا يجب التفرقـة بوضـوح بين نوعى الالتزام حيث يقـع الالتزام القانونـى على الدولة بموجـب تصــديقها على الاتفاقيـة، أما فى حالة عدم التصديـق فإن الالتزام الذى يقع على عاتق الدولة سياسياً أكثر منه قانونيـاً .

المطـلب الثـانى

تقـــييم الأوضاع الوطنـية[60]

وتتلخص هذه الصعوبات فى مسائل القانون ومسائل الواقع والممارسة والتطبيق العملى ….

أولاً : مسائل القـانون

من ضمن المسائل القانونية العديدة التى طرحت على هيئتى الرقابة، يمكن أن نشير بصفة خاصة إلى اثنتين منها، الأولى تتعلق بأثر التصديـق فى القانون الوطنى، والثانية تتعلق بتطبيق اتفاقيات العمل الدولية بواسطة الاتفاقيـات الجماعية التى تعقد بين أطراف الإنتاج من خلال مفاوضة الجماعية.

1- أثر التصديق فى القانون الوطنى :

فى بعض الأنظمة الدستورية، يترتب على التصديق على اتفاقيـة العمل الدوليـة أن يجعلها نافذة فى النظام القانونى الوطنى فقد طرحت هذه المسألة فى بعض الأحيان على هيئتى الرقابة فى المنظمة، وتكون محلاً لتساؤل خاص فى أحكام فقرات النموذج الذى يعده مجلس إدارة مكتب العمل الدولى حول تطبيق الاتفاقيـات المصدق عليها. ويصاغ هذا التساؤل على الوجه التالى: “إذا كان التصديق على الاتفاقيـة فى بلدكم يعطى قوة القانون الوطنى لأحكام هذه الاتفاقية يرجى الإشارة إلى النصوص الدستورية التى بمقتضاها تعطى هذه القوة. كما يرجى تحديد الإجراءات المتخذة لجعل أحكام الاتفاقيـة التى تتطـلب تدخل السلطـات الوطنية لكفالة تطـبيقها” .

والواقع، أن هذا الأمر يتوقف على طبيعة العلاقة بين القانون الدولى والقانون الوطنى داخل كل دولة. فبمقـتضى النظم الدستورية لعدد من الدول تصبح اتفاقيـة العمل الدولـية من حيث المبدأ قاعدة مطبقـة فى النظام القانونى الداخلى بمجرد التصديق عليها بل أن بعض النظم الدستورية تعطى الأفضلية، على الصعيد الداخلى، للاتفاقيـة على القوانين العادية ففى مثل هذه النظم فإن الأمر لا يطرح مشاكل خاصة إلا فيما يتعلق بالإجراءات الواجب إتخاذها لإعطاء قوة النفاذ للنصوص التى لا تصبح نافذة بمجرد إدماجها فى النظام القانونى الداخلى، وفى حالة التنازع بين أحكام الاتفاقيـات التى أدمجت فى النظام القانونى الوطنى والنصوص التشريعية الوطنية العادية، فإنه طبقاً للقاعدة القانونية المعروفة “الحكم اللاحق يلغى ضمناً الحكم السابق، فإن الاتفاقيـة المصدق عليها، تلغى بصورة ضمنية، أحكام القانون السابق الذى يتعارض مع هذه الاتفاقية”.

2- تطبيق اتفاقيـات العمل الدولية بواسطة الاتفاقيـات الجماعية :

تنشئ أحياناً فى بعض البلدان مشاكل قانونيـة نتيجة إعطاء اتفاقيـات العمل الدولية قوة النفاذ بواسطة الاتفاقيات الجماعية التى تسفر عنها عادة المفاوضـات الجماعية بين طرفى أو أطراف الإنتاج .

ومن غير المحتم أن يثير هذا الإسلوب فى التطبيق، اعتراضـات من حيث المبدأ . بيد أنه، بالنسبة لبعض الاتفاقيـات، فإذا كان الطريق التشريعى يبدو أكثر ملائمة “لجعل الأحكام نافذة” [61] ، فإن اللجوء إلى الاتفاقيـات الجماعية أمر غير مستبعد فى هذا الشأن، بل أن بعض الاتفاقيـات تنص صراحة على إمكانية اللجوء إلى مثل هذا الإسلوب[62] . ومع ذلك فإن اللجوء إلى الاتفاقيـات الجماعية كوسيلة أو كإسلوب لإعطاء قوة النفاذ لاتفاقية عمل دولية يثير بدوره صعوبات متعددة، وتطرح سلسلة من النقاط أمام لجنة الخبراء. وأولى هذه النقاط تتعلق بالصفة الإلزامية مثلما هو الشأن بالنسبة للجزاءات فى حالة عدم التقييد بالاتفاقية، ومدة صلاحية الاتفاقية الجماعية محل النظر .

أما النقطة الثانية فهى تتعلق بمضمون وفحوى الاتفاقية الجماعية المعنية ومدى توافقها مع أحكام اتفاقية العمل الدولية. أما النقطة الثالثة فهى تتعلق بنطاق تطبيق الاتفاقية الجماعية وعدد العمال المشمولين بها على التوالى بهذه الاتفاقية وباتفاقية العمل الدولية. وتزداد المسألة تعقيداً عندما تتعدد الاتفاقيـات الجماعية لا تحقق التنفيذ الكامل للاتفاقية الدولية المصدق عليها، فإنه يتوجب على الدولة المعنية وفاء بالتزاماتها الدولية ، أما أن تسعى بوسائل الاقناع لدى أطراف الاتفاقيـات الجماعية، أو أن تعمل ، كحل نهائى، إلى استدراك تلك الفجوة باتخاذ الإجراءات المناسبة تشريعاً ام لائحياً .

ثانياً: مسائل الواقع والممارسة والتطبيق

سبق أن بينا، أن من بين الجوانب الأساسية لمهام آلية الرقابة، يحتل موضوع الرقابة على تطبيق الاتفاقيـات موضعاً متميـزاً. ذلك أنه دون هذه الرقـابة لا يمكن القول بأننا بصدد رقابة كاملة وحقيقيـة على تطبيق الاتفاقيـات .

ففى ممارستهـا لهذا الجانب الهام من نشاطها اصطدمت لجنة الخبراء بصعوبـات جلية إذ أن الأمر يتعلق برقابة تتحقق بحسب كل حالة على حدة. وعليه فإن اللجنة لا يمكن أن تكون رأيها بصورة مباشرة، أو تكون انطباعا حول مدى ومستوى التطبيق العملــى لهذه الاتفاقيــات، لذا فان لجنة الخبراء تلجأ إلى عدة وسائل للوقوف على مدى التقيد بهذا الجانب من الالتزام، ومن بينها توجيه أسئلة تحاول اللجنة فى ضوئها تقييم الممارســة العمليــة لتطبيق الاتفاقيــات. ومثال ذلك الاستفسـار الذى يوجه إلى الحكومات لمعرفة مـا إذا كانت المحاكم الوطنية قد أصدرت أحكاماً أساسية بشأن تطبيق الاتفاقيــات .

كما يطلب عادة فى الاستبيانـات الموجهة إلى الحكومـات إيضاحات حول السلطات المكلفة بتطبيق القوانين واللوائح التى تكفل للاتفاقـية قوة النفـاذ، والوسائل المتبعة للرقابة على هذا التطبيق، تنظيم وسير عمل خدمات التفتيش والوقوف على ملخصـــات لتقارير تفتيش العمل .

فى نطاق السياق الفكرى فى مناقشة الجوانب المختلفة لنشاط الرقابة الذى تمارسه لجنة الخبراء، طرحت فى أواخر الأربعينيات أفكار طموحة تنادى بوضــع وتنظــيم أسلوب للتفتيـش الدولى حول تطبيق اتفاقيـات العمل الدولية[63] ، وكان رائد هذه الأفكار “جورج سل” بصفته آنذاك ممثلا للحكومـة الفرنسيـة فى الدورة (30) عام 1947 لمؤتمر العمل الدولى. فقد دعا إلى إقامة نظام انتقالى للربط بين مكتب العمل الدولى والإدارات الوطنية لتفتيش العمل[64] . وطبيعى فى هذه السنوات أن يصطدم الاقتراح باعتراضـــات مبنية على أسس سياسية وتتصل بمبدأ السيادة، وأخرى ذات طابع عملى وترتبط بصعوبة تحقيق مثل هذا النظام، فى هذه المرحلة من مراحل التعاون الدولى والعلاقات بين الدول بوجه عام .

وعوضا عن ذلك، تم التوصل إلى صيغة توفيقية تتلخص فى تطوير إدارات التفتيش الوطنية للعمل، وقد اعتمدت اتفاقية حول تفتيش العمل، توفر أحكامها بعض الضمان فى التطبيق، بمعنى أن معايير اتفاقيــات العمل الدولية المصدق عليها، لا تدرج فى التشـريعــات الوطنية فحسب، وإنما فى التطبيـق العملى والممارسة الوطنيـة .

وأخير، فإن بعض المعلومات الأخرى المطلـوبة فى استمارات التقارير حول التطبيق العملى، تتناول مختلف المعطيـات الإحصـائية، وكذا عدد العمال المشمولين بالحماية، الجزاءات المفروضة، وغير ذلك من المعلـــومــات .

المطلــب الثـالث

العقبـات التى قد تواجهها الدول المصدقة على اتفاقيـات العمل الدولية عند التطبيق

لدى تطبيقها للاتفاقيـات المصدق عليها، تصطدم بعض الحكومات بدورها بسلسلة من العقبات، أهمها ما يتصل بعضها بالظروف الاقتصــادية والاجتماعيـــة، وببعض الجوانب الإدارية البحتة، ويتصل البعض الآخر بجوانـب سياسيــة وقانونيــة .

أ- عقبـات تتصل بالظروف الاقتصـادية والاجتماعيــة:

غالبا ما تشكل العقبـات التى تواجهها بعض الدول، نتيجة ظروفها وأوضـاعها الاقتصادية والاجتماعية، عائقا يحول دون التطبيق الكامل للاتفاقيـو المصدق عليها، وهى ظروف وأوضاع لم تأخذها الحكومة فى الحسبان عند دراستها الالتزامات الناجمة عن التصديق. فمن الملاحظ أن بعض الدول المستقلة حديثا، تستند أحيانا إلى مقتضيات التنمية الاقتصادية، لتبرير إبقائها على التدابير التى لا تتفق مع أحكام الاتفاقيـات التى ترتبط بها، أو اتخاذ تدابير جديدة من هذا القبيل، وهذه المشكلة ترتبط، فى حقيقة الأمر، بمسألة صعوبة إيجاد نوع من التوازن بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية. فالحماس الحكومى الرسمى من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية ، وحرص المؤولين والمخططين الاقتصاديين على تحقيق الإنجازات الاقتصادية قد يصرفهم فى معظم الأحيان عن الجوانب الاجتماعية، أو عن التنمية الاجتماعية وأهدافها، ألا وهى تعزيز الحرية والكرامة الإنسانية[65] .

ب- عقبات تتصـل ببعض الجوانـب الإدارية البحـتة :

من غير النادر أن تكون العقبات مجرد مسائل إدارية مثل بطء العمل الإدارى، نقص وضعف الجهاز البشرى لإدارات العمل، وغياب التنسيق أو التعارض بين مختلف الإدارات الحكومية حول مسائل التطبيق. فحتى البلدان التى بلغت شأوا عظيما من التقدم الاجتماعى

لا شك بأن الدراسة التى قمنا بها لواقع آليات الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وخاصة فى ظل نظام الأمم المتحدة تثبت وجود صعوبات مختلفة تحول دون الوصول إلى حماية فعلية لهذا المجال، ويمكن تلخيص هذه الصعـوبــات فى جانب منها فيما يلى[66] :

أن الدول الأعضاء فى المنظمات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة موزعة ومشتتة بين نظم سياسية واقتصادية مختلفة اختلافاً جوهرياً على نحو يباعد كثيراً فيما بينها فى الاتفاق على فهم واحد لما يعد وما لا يعد حقوقاً للإنسان، ويشير أحد الفقهاء فى هذا المجال إلى أن المصالح والسياسات المتنازعة تجعل من الصعب على منظمة كونية كالأمم المتحدة على سبيل المثال، أن تصل إلى اتفاق بشأن حقوق الإنسان. فالدول المتقدمة تتجه على تأكيد الحقوق المدنية والسياسية فى حين أن الدول النامية غالباً ما تحاول أن تعرف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بطريقة تؤدى إلى أن تفرض التزاماً على الدول الصناعية المتقدمة بأن تقدم العون الاقتصادى لها .

أن الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة مختلفة كذلك، وبصفة خاصة، اختلافاً جوهرياً، بل متعارضاً فى بعض الأحيان، فى شأن العلاقة بين الكائن الإنسانى والدولة، ومدى اعتبارها أو عدم اعتبارها أمراً داخلياً بحتاً يخضع للسيادة الكاملة للدولة. فقد تتوافق بعض الدول على الحقوق الشخصية، إلا إن الاتفاق يصبح أصعب فيما يتعلق بالحقوق السياسية وأشد صعوبة فيما يتعلق بالحقـــوق الاقتصـــادية والاجتماعيـــة. وقد يبدو ظاهرياً أن الإعلان العالمى لحقوق الإنسـان قد سد هذه الثغرة، بما تضمنـه من حقوق للفـرد المنعـزل، أو للفـرد فى تعامـله مع جماعة حـرة .

ذلك انه إذا حاولت منظمة دوليـــة (مؤسسة على مبدأ العالميـة غير المتجانسـة)، أن تضع قواعد ملزمة فى أمور تقسم الدول الأعضاء إلى ديموقراطية وسلطوية وشمولية بنظمها المختلفة الفردية أو الجماعية أو الاجتماعية المختلطة، فنتيجة ذلك المحتملة فكرياً هى اختلاط وإضراب فى اللغات والألسنة، وعلى احسن الفروض، فإن الاتفاقيـات التى تتولد عن أمثال هذه الشعارات، تبقى اختيارية محضة[67]. والواقع أن العلاقة بين الإنسان والدولة، ومدى اعتبارها أو عدم اعتبارها أمراً داخلياً هو أمراً حسمه ميثاق الأمم المتحدة فى المادة الأولى منه والمواد 55 و 56 والتى تنص على عالمية احترام الحقـوق الإنســانية .

ويضـيف “شوارزنبرغـر” أن الأجدى من الناحية العملية القيام بمحاولة حماية حقوق الإنسان فى نطاق دولى أضيق، أى فى نطاق المنظمات الإقليمية التى تكون عقلياتها وأيديولوجياتها متقاربة أو متجانسة إذ “أن تنمية حقوق الإنسان، تتطلب درجة أكبر من التجانس مما تستطيع الأمم المتحدة أن توفره. وهو ذات الجدل الذى سبق أشرنا إليه فى الحديث عن الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان. حيث من المفترض أن مثل هذه المنظمات تجمع دولا ذات مصالح وغايات مشتركة، بل أنها يفترض أنه تعبير عن هذه المصالح والغايـات. غير أن وجهة النظر هذه قد تكون غير صحيحـة فى كل جوانبها، ولنأخذ على سبيل المثال إحدى المنظمات الإقليمية التى تبنت بنحو أو أخر مسائل حقوق الإنسان ولم تحدث فعالية محددة فى هذا الشأن وهى جامعة الدول العربية والتى لم نشر إليها فى إطار تعرضنا لحماية حقوق الإنسان على المســـتوى الإقليمـى .

فجامعة الدول العربية، أقدم المنظمات الدولية العامة المعاصرة، لم تتعرض فى ميثاقهـا لحقـوق الإنسان. ومع ذلك أشار الميثاق، فى مادتين من مواده، إلى التعاون مع المنظمات الدولية الجديدة. وما بذل فى نطاق الجامعة العربية فى مجال “تعزيز” حقوق الإنسان لا يتجاوز مجرد إنشاء لجنة عربية دائمة لحقوق الإنسان فى 3 سبتمبر عام 1968 والتى تعد إحدى اللجان الدائمة للجامعة وفقا لنص المادة الثانية من الميثاق. واللجنة لا تختلف عن بقية لجان الجـامعة الأخرى حيث تضـم الدول الأعضاء فى المنظـمة، ويمثل كل دولة مندوب أو أكثر وإن كان لكل منها صوت واحد . كما يعتبر أعضاء اللجنة ممثلين لحكوماتهم ويحتفظون بصفتهم التمثيلية ما لم تبدلهم دولهم، أى أن اللجنة جهاز سياسى بحت يعمل ممثلا عن الحكومات .

ومنذ إنشائها، تعلقت معظم قرارات اللجنة بانتهـاكـات إسرائيل لحقــوق الإنسـان فى الأراضى العربية المحتلـة، أما حقوق الإنسان فى الدول العربية الأخرى فلم تحظ إلا بدعوة من المؤتمر العربى الإقليمى الأول، والأخير، لحقوق الإنسان يناشد فيها الدول الأعضاء بإنشاء لجان وطنية لحقوق الإنسان تتعاون مع اللجنة. وفى إطـار الجهد المتواضـع للجامعة فى هذا المجال، أصدر المجلس قرارا فى 13 سبتمبر عام 1969 نص فى البند الثالث منه على أن اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان وافقت على اقتـراح وفد مصر بالدعوة إلى عقد اجتماع لخبراء حقوق الإنسان لوضع ميثاق عربى لحقوق الإنسـان يستعرض قيمنـا الروحيـة وتراثنا وتاريخنـا ومجتمعـنا، وهو الأمر الذى لم يجد سبيله إلى الظهور منذ ذلك التاريـخ وهو الأمر الذى قد يدحض فكرة تناول حقوق الإنسـان من خلال المنظـمات الإقليمــية فى بعض مقولاتها .

فما الذى يحدد إذاً فاعليـة نظام الرقابة على حقوق الإنسـان سواء على المسـتوى الدولى العام أو الإقليـمى أو حتى على مستوى المنظـمات الدولية الأخرى، والواقع أن هدف هذه الدراسـة تمثل فى المقام الأول لعرض إحدى الآليات الفاعلة على المستوى الدولى مثل نظام الرقابة الدولية على تطبيق معايير حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية، وبالتالى يمكن من خلاله تقفى عوامل وعناصر النجاح التى يمكن أن تتبعها الجهـات المعنية الأخرى على كافة المستـويات .

وسوف يتعرض هذا الفصل من الدراسة للإجابة عن هذه الأسئلة بالعرض لتحليل نظام الرقابة الدولية فى إطـار منظمة العمل الدولية من حيث السلبيـات والإيجابيـات ثم ننتقل بعد ذلك لنعرض تقيماً مقارناً لتطور الآليات الدولية فى مجال الرقابة الدولية على حقوق الإنسان بتلك المتبعـة فى إطار منظمة العمل الدوليـة ومدى تقدم هذه الأخيرة فى هذا المجال،

وأخيراً يعرض هذا الفصل للآفاق المستقبليـة لكل من نظامى الرقابة على المستوى الدولى وفى إطـار منظمة العمل الدولية وخاتمة لنعـرض فيها النتائـج والمقتـرحـات التى توصـلت إليها هذه الدراسـة …

الفـصل الرابـع

تحليل وتقييم مدى فعالية آليات الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمال الدولية فى ضوء تطور مفهوم الرقابة الدولية على الساحة الدولي

المبحث الأول

آليات الرقابة الدولية فى مجال حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية: الإيجابيات – الصعوبات

لعل الدور البارز الذى تنهض به منظمة العمل الدولية، فى ما يتعلق بحماية حقوق العمل وتطبيق المعايير الدولية المقررة بشأنها، فهو خير مثال يمكن أن يشار إليه فى مجال الحديث عن حماية حقوق الإنسان عموما من خلال المنظمات الدولية المتخصصة الموصولة بالأمم المتحـدة .

فكما هو معلوم، فإنه لضمان جدية امتثال الدول ووفائها بالتزاماتها الدولية طبقاً لاتفاقيات العمل الدولية، حرص واضعو دستور منظمة العمل الدولية منذ إنشائها عام 1919 –وكذا بعد التعديلات التى أدخلت على هذا الدستور عام 1946- على لإقامة نظام فعال للرقابة الدولية يناط به مهمة الرقابة على تطبيق معايير حقوق الإنسان فى مجال العمل، وما يكفل فى التحليل الأخير توفير الحماية الواجبة للعمال على اختلاف طوائفهم، ووضع القواعد القانونية ذات الصلة موضع التطبيق[68] .

وفيما يلى نعرض تحليلاً لهذا النظام من حيث إيجابياته وصعوباته وأهم نقاط القوه والضعف فيه …

المطـلب الأول

آليـات الرقــابة على حقـوق الإنــــسان فى إطار منظمة العمل الدولية : الإيجـــابيــات

عبر عرضنا لآليات منظمة العمل الدولية فى الرقابة على حقوق الإنسان فى مجال العمل، يتبين لنا أن نظام الرقابة فى منظمة العمل الدلوية هو نظام متطور[69] ، وقد أدى هذا التطور إلى التجاوب مع الأوضاع المتباينة، وسوف نتناول فى هذا السياق نقاط القوة المتعلقة بمنظمة العمل الدولية ذاتها واتفاقيات العمل الدولية وتلك المتعلقة بنظام الرقابة ذاته على النحو التالى :

أولاً : الطبيعة الخاصة والفريدة لمنظمة العمل الدولية واتفاقيات العمل الدولية :

إذا كان من المؤكد أن هناك تطورات كثيرة قد طرأت على القانون الدولى للعمل، بحيث لا يمكن مقارنة بداياته الأولى بما صار إليه الآن، وكان من المؤكد أيضاً أن جانباً هاماً من هذا التطور يعود إلى ما أصاب القانون الدولى العام من تطور وتقدم أنتقل به من قانون لحكم العلاقات بين الدول إلى قانون للمجتمع الدولى فى المفهوم الإنسانى الحقيقى للمجتمع. فإن من الثابت أن الجانب الأكبر من هذا التطور يرجع فى المقام الأول إلى الذاتية الخاصة للقانون الدولى للعمل وبعض الخصوصيـات والأســاليب القانونية التى جرى استحداثها فى إطاره، والتى كفلت له تحقيق تطور مطرد فى سبيل الوصول إلى غاياته النهائية التى تتحصل فى تحقيق المزيد من الاحترام للعمل كقيمة إنسانية، وكفالة أكبر قدر من الحماية للعمال[70] . وحسبنا أن نتوقف عند عدد من هذه الخصوصيات وأولها الطابع الفريد لأجهزة منظمة العمل الدولية والطبيعة القانونية الخاصة لاتفاقيات العمل الدولية وآليات نظام الرقابة الفعالة فى إطار منظمة العمل الدولية، وهو ما نتناوله على النحو التالى :

فصلنا فيما سبق للطابع الفريد لأجهزة منظمة العمل الدولية التى تتكون من ثلاث أجهزة رئيسية هى المؤتمر العام ومجلس الإدارة ومكتب العمل الدولى والتى تتميز فى تكوينها بخاصية التمثيل الثلاثى للحكومات وأصحاب الأعمال والعمال، وهكذا تجمع المنظمة، على قدم المساواة فى المؤتمر العام ومجلس الإدارة، بين الطبقات الاجتماعية المختلفة وبين مندوبى الحكومات، الأمر الذى يجعل منها مكانا يسهل فيه التوفيق بين المصالح المتعارضة لهذه الفئات الثلاث بما يستهدف تحقيق الصالح العام، نصت المادة الرابعة من دستور المنظمة على انه فى حالة عدم تعيين أحد العضوين غير الحكوميين فإن العضو الآخر له حق الاشتراك فى المناقشات مع حرمانه من حق التصويت. ويتمتع المندوبين غير الحكوميين بالحق فى الاشتراك فى المناقشات والإدلاء بأصواتهم بحرية كاملة ودون التزام بأى توجيهات حكومية فى هذا الشأن، وهذا الأمر كله يصبغ طابعاً خاصاً على منظمة العمل الدولية، ويجعلها تتميز عن غيرها من المنظمات الدولية الحكومية، وهو الأمر الذى جعل قراراتها تتمتع بقوة أكبر من تلك التى تتمتع بها المنظمات الدولية الأخرى .

وكما أسلفنا، فإن القرارات تصدر عن المؤتمر العام –فيما عدا بعض الأحوال الخاصة- بأغلبية الأصوات، وتلتزم حكومات الدول بعرض قرارات المؤتمر العام على الهيئات الداخلية المختصة بالتصديق لديها لإصدارها فى شكل قانون أو النظر فى اتخاذ إجراءات أخرى وذلك حتى لو كان مندوب الدولة إلى المؤتمر العام قد عارض القرار، وهى إحدى نقاط القوة التى نادراً ما تنص عليها دساتير المنظمات الدولية، وبطبيعة الحال يظل للهيئات الداخلية المختصة حرية كاملة فى التقدير بشأن قبول القرار أو رفضه، دون أن يكون لها سلطة تعديلها، وبالإضافة لذلك، وهو الأكثر تميزاً لمنظمة العمل الدولية، أن الدولة التى ترفض التصديق على الاتفاقية أو لم تتخذ الإجراءات اللازمة لوضع التوصية موضع التنفيذ تلتزم طبقاً للمادة 19 من دستور المنظمة بإرسال تقارير دوريــة عن حالة تشريعاتها الداخلـية وعن ما هو ممارس عملياً داخل الدولة .

أثارت الخصائص المتميزة لاتفاقيات العمل الدولى –كما أشرنا إليها سابقاً فى هذه الدراسة- والتى تتمثل أهمها فى كونها اتفاقيات لا تكون مسبوقة بمفاوضات دبلوماسية ومن حيث أنها لا يجوز إبداء تحفظات عليها أياً ما كان شكلها أو مضمونها، والتى تعبر فى طبيعتها، بمثابة نوع من التشريع الدولى للعمل، قد أسهمت فى تطور القانون الدولى للعمل تطوراً مطرداً، وأضفت على عملية تطويره قدراً ملائماً من المرونة والسرعة، خاصة إذا ما وضعنا فى الاعتبار الدور الذى تؤديه التوصيات فى هذا المجال، فقد تكون التوصيات –وهى غير ملزمة بطبيعتها- مقدمة طبيعية للإقدام على الموافقة على اتفاقية دولية فى مرحلة لاحقة، ومن هنا فإن مفهوم المعايير الدولية للعمل بما تنطوى عليه من اتفاقيات وتوصيات تمثل أسلوبا متميزاً للصياغة فى مجال الإنماء والتطوير. وتتلائم مع الأسلوب العام الذى انتهجته منظمة العمل الدولية فى مجال إرساء وتطوير قواعد القانون الدولى للعمل، حيث قام هذا الإسلوب على أساس إقرار وثائق متميزة ومحددة فى موضوعات معينة لها طابع الأهمية الملحة فى ميدان العمل الدولى بما يكفل تيسير مهمة الحصول على موافقة المؤتمر العام، وإقبال الدول على التصديق على الاتفاقيات التى يتم إقرارها بشأنها، أو اتخاذ الإجراءات الداخلية اللازمة بشأن التوصيات .

ثانياً: فعالية وتكامل نظام الرقابة الدوليـة فى إطـار منظمـة العمل الدوليـة:

وفى هذا السياق سوف نركز على السمات الإيجابية العامة لنظام الرقابة فى إطار منظمة العمل الدولية والتى يمكن إبراز أهمها من خلال عرضنا لمراحل الرقابة فيها، حيث ينقسم نظام الرقابة –كما أسلفنا- إلى مرحلتين متميزتين: الأولى ذات خاصية قضــائية، والثانية ذات طبيعة فنية وسياسية[71] .

ينص دستور منظمة العمل الدولية على أن تقدم الدول الأعضاء نوعين من التقارير عن التدابير التى اتخذها من أجل إنفاذ أحكام الاتفاقيـات التى يكون طرف فيها، تقارير تفصيلية وتقارير عامة، مع ملاحظة تصنيف الموضوعـات بحيث يطلب بشان بعضها تقارير فى مدد أطول، عامين أو أربع سنوات، وذلك عقب تقديم التقرير الأول بعد التزام الدولة لأول مرة بالاتفاقية. كما أن الدول الأعضاء ملزمة أيضاً بان تتقدم بتقارير عن الاتفاقيـات التى لم تقم بالتصديق عليها وعن التوصيــات .

ومن الواضح أن الحكمة الكامنة وراء تقديم التقارير عن اتفاقيـات العمل الدولية تعود إلى أمرين، أولهما حث الإدارات المعنية فى الدول الأعضاء على مراجعة تشريعاتها وممارساتها، وإمكانية التفكير فى اتخاذ إجراءات جديدة فى المجالات المعنية . والهدف الثانى إتاحة الفرصة للجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيــات والتوصيـات للتعرف على الأوضاع والاتجاهـات السائـدة فى جميع الدول الأعضـاء بما فى ذلـك الدول التى لم تصدق على اتفاقيـات بعينها. وهو الأمر الذى يعتبر لازماً لتمكين هذه اللجنة من إجراء الدراسـات المتعمـقة حول تنفيـذ الوثائـق محل الدراسـة فى سائر الدول الأعضـاء، ما صدق منها وما لم يصدق .

وإذا كان أسلوب التقارير التى تلتزم الدول الأعضـاء بتقديمها إلى منظمة العمل الدولية، تؤدى دوراً بالغ الأهمية فى تطوير المعايير الدولية للعمل بما تشتمل عليه من قواعد ملزمة “الاتفاقيـات” أو قواعد واردة فى التوصيـات، فإن هذا الإسلوب الذى يكاد يماثل ما يتبع بالنسبة للتشريعات الداخليـة، من التعرف عن كثب على أراء ومقترحات المخاطبين بأحكام التشريـعـات من خلال ما تقوم به المجالس النيابية من اوجه نشاط مثل لجان الاستماع ونحوها. ومن ثم فإن هذه التقارير تؤكد الطابع التشريعـى الدولى للمعايير الدولية للعمل، وهى التى تعد أبرز سمات الذاتية الخاصة للقانون الدولى للعمل .

وهكذا، فإنه فى المرحلة الأولى من الرقابة فى منظمة العمل الدولية –القضـائية- والتى تزايدت أهميتها، فإن الأمر منوط بالشخصيات المستقلة التى تتولى فحص الحالات من وجهتى النظر الفنية والقانونية، بهدف تقييم كل حالة على حدة ووضع توصيـات بشأن الإجراءات الواجب اتخاذها لكفالة تطبيق معايير العمل الدولية ذات الصلة. ولكى يتوفر لهذه الرقابة البعد والثقل الضروريين، كان لابد ان يتولى القيام بالدراسات المحايدة والمتجردة شخصيات دولية مستقلة من غير المندوبين الحكوميين الذى يتآثرون دون شك بالاعتبارات السياسية. بيد ان استقلالية أعضاء لجنة الخبراء لا تعفى من وجوب توافر الكفاءة العلمية والنزاهة والمكانة الشخصية والخبرة الواسعة بالمسائل الوطنية والدولية، وكذلك بواقع الحالة .

وكل هذه المعطيات والشروط من شأنها أن تكفل الاحترام العام لما يصدر عنها من ملاحظات وتوصيات. ولكى تتوافر جميع الضمانات للاختيـار الموفق للشخصيـات المستقلة، فإن القاعدة التى أرستها منظمة العمل الدولية تتلخص فى أن الاقتراحات من أجل اختيار أعضاء هذه الأجهزة تتم حصراً من قبل المدير العام لمكتب العمل الدولى التى يرفعها إلى مجلس إدارة المكتب للنظر فيها، وعادة ما يعتمدها دون مناقشـة .

ولكى يكون لهذه المرحلة القضائيـة، كل الفعالية الضرورية، فإنها تستتبع مرحلة إدارية وسياسية، تقوم خلالها الأجهزة السياسية باستخلاص نتائج الفحص القانونى، والبحث مع مندوبى الحكومات المعنية تسوية الوسائل محل الشكوى، وهذا ما يضفى على العمل الرقابى العام كل وزن المنظمة وثقلها الأدبى .

ومن خصائص إجراءات الرقابة، مشاركة عناصر غير حكومية (منظمـات أصحاب عمل وعمال) فى بعض مراحل هذه الإجراءات، وتتخذ هذه المشاركـة الصور التالية : حق التقدم بالشكاوى، التعقيب على المعلومات التى تقدمها الحكومة المعنية والمشاركة فى المناقشـات .

وفى سائر المراحل، يقترن عمل الرقابة بتدابير تسمح للرأى العام إبداء رد فعله على السواء فى المحيط الوطنى أو الدولى

المطـــلب الثـانى

آليـات الرقابة على حقــوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدوليـة : الصعوبــــــــــات

الواقع، أن نظام الرقابة على حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية شأنه شأن أى نظام قانونى إنسانى لابد وان تشوبه بعض أنواع السلبيات والقصور والصعـوبــات فى أثناء تطبيق هذا النظام –كما تعرضنا لها بالتفصيـل فى إطار تناولنا لطبيعة الالـتزام الدولى باتفاقيـات العمل الدولية فى الفصل السابق- حيث يمكن تحديد أهم هـذه السلبيــــات والصعـوبــات على النحو التالى :

أولاً: صعوبات خاصة بالأوضاع القانونية فى بعض البلدان :

وهى الصعوبات الخاصة ببعض الأوضاع القانونية فى بعض البلدان والتى يصطدم بها تطبيق اتفاقيــات العمل الدولية، حيث تمت الإشـارة بصفة خاصـة إلى اثنتين منها، الأولى تتعلق بأثر التصديق فى القانون الوطنى، والثانية تتعلق بتطبيق اتفاقيـات العمل الدولية بواسطة الاتفاقيــات الجماعيـة التى تعقد بين أطراف الإنتـاج من خلال المفاوضـة الجماعـية .

ثانياً: صعوبات خاصة بالممارسة والتطبيق :

وهى الصعوبات التى تواجهها أجهزة الرقــابة أثناء الممارسـة والتطبيـق لهذا النظام وذلك بحسب كل حالة على حـدة .

المبحــث الثــانى

تقييم فعاليـة آليات منظمة العمل الدولية فى ضوء تطـور مفهوم الرقـابة الدوليـة على حقوق الإنسـان

على الرغم من أن هناك تقدماً قد حدث بالفعل فى تطور نظام الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وخاصة فى إطار منظمة العمل الدولية، فإنه لا تزال هناك هوة عميقة تفصل ما بين رغبات وطموحـات المجتمع المدنى فى مجال حقوق الإنسان بصفة عامة والرقابة عليها بصفة خاصة من ناحية والحقيقة التى نعيشها من ناحية آخرى ..

وفى هذا الجزء سوف نتناول تقييم فعالية نظـم الرقابـة الدوليـة على حقـوق الإنســان ومدى ما وصل إليــه من تقدم فى هذا المجـال، كما نتنـاول تقييــم فعالية نظام الرقابة فى إطار منظمة العمل الدوليـة من خلال تناولـنا للسـمات العـامة لهذا النـظام .

المطـــــلب الأول

تقييم فعاليـة وتـطور آليات الرقـابة الدوليـــة على حقــوق الإنســــــــان

يتبين لنا من هذه الدراسة أن الاهتمام الدولى بحقوق الإنسان وآليات الرقابة الدولية عليها استطاع أن يتجاوز الكثير من الانتقادات الموجه إليه، سواء الانتقادات المتمثلة فى عدم تحديد وتعريف حقوق الإنســان، أو صياغة آليات للرقابة عليها، وبديهيا، فإن المجتمع الدولى قد أنجز الكثير من مهامه عن طريق الصكوك الدولية لحقوق الإنسـان التى أعدها والتى تتضمــن تعريفا لحقوق الإنسـان على نحو تفصيلى فضلا عن تأكيد الطابع الإلزامـى لتعهدات الدول من خلال نصوص تعاهديـة. ومع ذلك فإن إنجازات المجتمع الدولى لا يخفى حقيقة عدم تمتع هذه الصكوك بعالمية التطبيق فما زالت الدول التى صادقت على بعض هذه الصكوك محدوداً للغاية. والطبع فإن الحديث عن فعاليتها الدولية هو أمر ما زال بعيداً عن طموحـات وآمال المجتمع الدولى وذلك إذا ما استثنينا بعض التطور الذى شهدته بعض الآليات الإقليميـة السابق التعرض لها على المستوى الأوروبى والأمريكى. وهو الأمر الذى نعرض له على النحو التالى[72] :

يشير استقراء نظام الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى إطار الأمم المتحدة والمعاهدات والمنظمات المعنية، إلى تطورات قد تكون مرضيه بالنسبة لطائفة الحقوق المدنية والسياسية وحقوق تقرير المصير التى أصبحت محلا لتنظيم قانونى أكثر تفصيلاً فى حين ما زال محدودا بالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعيـة والثقافيـة ونادرا بالنسبة للحديث من حقوق الإنسـان مثل الحق فى بيئة نظيفـة والحق فى التنميـة .

كما أن البناء المؤسسى بخصوص حقوق الإنسـان سواء على المستوى العضوى –عضويـة أجهزة الأمم المتحدة التى لها صلة بحقوق الإنسان- للأمم المتحدة أو المستوى التعاهدى –هيئات المعاهدات الخاصة بحقوق الإنسـان- وإن بدا إلى حد ما مكتملا إلا إنه لا يسمح فى الواقع إلا بإعمال رقابة سياسية، وتفتقر هذه الأجهزة رغم تنوعها إلى الطابع القضائى، فما زالت سلطتها قاصرة على إعداد تقارير سنوية وعرضها على الأجهزة السياسية .

وفى الواقع يشكل تعدد أجهزة الرقابة ظاهرة صحية ولا ينبغى المبالغة فى إمكانية حدوث تعارض وتداخل فى الاختصـاصـات، ذلك لأن التعددية تضمن حماية أكثر من خلال مفهوم التخـصص فى العمل، كما أن تعدد الاتفاقيـات الدولية لحقوق الإنســان وما تتضمنه كل منها من أولويات وفلسفة خاصة بها يفضى بالضرورة إلى مغــايرة فى الأجهزة المختصة بالرقابة. ومع ذلك فإن التنسيق بين هذه الأجهزة بقصد توحيد السياسات والمفاهيـم وتبادل المعلومات يبدو حلا مقبولا .

إن التفرقة بين الأجهزة التعاهدية والأجهزة العضوية للأمم المتحدة لا تشير فقط إلى الاختلاف فى الأساس القانونى التى ترتكز عليه كل طائفة وإنما تنطوى على أشكال أخرى من المفارقة أهمها، استقلالية الأجهزة التعاهدية التى تتكون من خبراء على خلاف الأجهزة العضوية والتى تضم فى معظمها ممثلين حكوميين، الأمر الذى ينعكس على فعالية الأداء فى كل منها .

ومع ذلك فإن استقلالية الأجهزة التعاهدية تبدو غير مطلقة[73] ذلك لأن المعايير التى يتم على أساسها اختيار أعضاء الأجهزة التعاهدية تسمح إلى حد كبير بتدخل الدول .

تعانى هذه الأجهزة من بعض التوجهات الفكرية والسياسية لأعضائها وفى الواقع فإن هذه الأجهزة خصوصا غير التعاهدية لا يتصور أن تباشر مهامها بمعزل عن أسلوب عمل الأمم المتحدة فى المجالات غير المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين، والذى يرتكز عادة على إصدار قرارات بتوافق الآراء وتجنب الموضوعات التى تثير حفيظة الدول .

وإذا كان الانفراج الدولى الذى شهده العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتى يمثل نقطة إيجابية نحو ضمان أداء أكثر فعالية لهذه الأجهزة، فإن ما جرى عليه وإن كان يشير إلى اختفاء المجادلات الإيديولوجيـة إلى حد كبير، إلا أنه ينبغى مرور وقت ليس بالقصيـر للتخلص من تراث هذه الحقبة التى شهدت ما يعرف بالحرب البـاردة بين المعسكريـن الغربى والاشتراكـى والتى طالت أتونـها حقوق الإنســان .

إن آليات المتابعة والحماية التى تباشرها هذه الأجهزة تعانى من الطابع الطوعى والاختيارى للنصوص التى توردها، حيث يتوقف إعمالها على قبول الدول الأطراف والتى يجوز لها حتى بعد القبول بهذه الآليـات سحب موافقـــتها ممـا يعنى أن هذه الآليات تعتمد على إرادة الدول ليس فقط لإيجادها وإنما لضمان استمراريتها .

كذلك فإن نظام حقوق الإنسان فى المجتمع الدولى يرتكز فى الواقع على حقيقـة أن حماية هذه الحقوق ينبغى أن تحدث على المستوى الوطنى أولا، وأن آليات الحمايــة الدولية تشكل مرحلة تالية عندما تتقاعس الدولة على إعمال آليات الحماية الداخلية أو عند عدم وجودها بالمرة. وأن آليات الحماية الدولية يتعذر استخدامها بدون تدخل الدولة وتعاونها فى جميع المراحل سواء لبدء إعمال آليات الحماية كما هو الحال فى التقارير الحكومية أو البلاغات الحكومية أو بمناسبتها كما هو الحال فى معالجة الشكاوى الفرديـة. وفى جميع الأحوال فإن إمكانية إحداث آثار محددة نتيجة استخــدام هذه الآليات يظل مرهوناً برغبة الدولة المعنية فى قبـول توصيــات وآراء هذه الأجهزة وتنفيذهـا .

إن زيادة قدرة الفرد الإجرائية التى تعبر آلية تلقى وفحص الرسائل الفردية لا ينطوى فى الواقع إلا على أهمية محدودة بالنسبة للفرد. ذلك لأن هذه الحقوق الإجرائية ترتبط بالغاية من الإجراء والذى لا تستهدف حماية شخص الشاكى ومنحه التعويض المناسب، وإنما التعرف على موقف حقوق الإنسان فى داخل الدولة.

إن آليات المتابعـة والمراقبـة لا تؤدى إلى إحداث آثار قانونية محددة تلزم الدول المعنية، ذلك لأن الأجهزة المعنية مدعوه فى ختام أعمالها إلى صياغة مجرد آراء أو تعليقــات أو توصيـات تفتقر بطبيعتها إلى الإلـزام القانونـى. كما أن هذه الأجهزة لا تملك بداهة القدرة على متابعة موقف الدول لما تتضمنه هذه الآراء أو التوصيــات .

إن إضفاء الطابع السرى على معظم أعمال هذه الأجهزة وإن كان يســتهدف حث الدول على التعاون معها فإن الأمر يتطلب حرمان الدول من استثمار هذه السرية بقصد تعطيل آليات المراقبة، ولا ينبغى أن تكون السرية هدفا فى حد ذاته ويجب أن تزود هذه الأجهزة بإجراءات وصلاحيات مناسبة مثل ما جرى عليه العمل من الانتقال إلى العلانية، عند فحص الشكاوى الفردية أمام لجنة حقوق الإنسـان، فى حالة عدم تعاون الدولة مع اللجنـة .

إن قدرة أجهزة المتابعة والمراقبة على إجراء التشخـيص الدقيق لوضـعية حقوق الإنسـان فى دولة ما تتطلب منح هذه الأجهـزة القدرة على الحصول على المعلومات من مصادر أخرى غير رسمية أو من خلال إجراءات جديــدة .

وفى الواقع فإن المعلومات التى تقدمها المنظمات غير الحكومية وإن كانت تنـطوى على عناصر إيجابية إلا إنه لا ينبغى إغفال حقيقة الدوافع السياسية لهذه المنظمــات باعتبارها ضمن جماعات المصالح والضغط . وأن ما جرى عليه العمل أمــام أجهزة الرقابة الدولية من السماح بتداول المعلومات الواردة من تلك المنظمــات بصفة غير رسمية وأن تكون تحت تصرف أعضائـها باعتبارهم خبراء دون منحهـا حق التدخل فى الإجراءات يبدو مقبولا ويضمن حياد وموضوعيـة الحوار الدائر أمام هذه الأجهزة .

كذلك تعانى أجهزة المتابعة والرقابة من محدودية الوقت المخصص لجلساتـها بالنظر للمهام التى تضطلع لها ويتطلب الأمر إعادة النظر فى الإجراءات المتبعة بقصد الاستفادة القصوى من الوقت المتاح واستبعاد كل ما من شأنه إهـداره، كالمداخلات المطولة للأعضاء والتكرار ويبدو ملحاً تعميم نظام المقررين عند دراسة التقارير الحكومية، وفى جميع الأحوال يبدو منح هذه الأجهزة سلطة تحديد الوقت اللازم لإنجاز المهام، ومنحها بالتالى الدعم المالى الكافى .

ويقودنا ذلك إلى التقرير بأن النظام المالى لهذه الأجهزة يرتكز على الميزانية العادية للأمم المتحدة باستثناء لجنة مناهضة التمييز والتى يتم تمويل نشاطاتها من الدول الأطراف فى الاتفاقية، فى حين تعتمد لجنة مناهضة كافة أشكال التمييــز ضد المرأة على تمويل مشترك من الدول الأطراف والأمم المتحدة .

ويبدو لنا أن اعتماد هذه الأجهزة على التمويل من ميزانية الأمم وإن كان يمنحها استقلالية فى مواجهة الدول الأطراف فى الاتفاق الدولى لحقوق الإنسـان، إلا أنه يسمح بالاعتبارات السياسية المسيطرة على أجهزة الأمم المتحدة السياسية، بالتأثير على انتظام وفعاليـة أجهزة حماية حقوق الإنسـان .

إن أجهزة متابعة ومراقبة حقوق الإنسان لا تتمتع بصلاحيات خاصة لمواجهة حالات الطوارئ، وأن بطء الإجراءات قد يؤدى إلى عدم فعاليتها، وأن نظام عمل هذه الأجهزة من خلال أدوار انعقاد متباعدة لا يتناسب مع طبيعة المهام الموكلة إليها، ويبدو إيجابيا مسلك لجنة حقوق الإنسـان والتى يعمل مكتبها بصفة دائمة فيما أدوار الانعقاد، ومن الضرورى منح هذه الأجهزة صلاحية الاجتماع فى أدوار انعقاد غير عادية، وتزويدها بأجهزة تضمن استمرارية أدائها لمهامها .

كذلك فإن المواعيد المخصصة لاجتماعاتها تبدو غير ملائمة وغير متفقة مع تلك الخاصة بالأجهزة السياسية فى الأمم المتحدة وفى مقدمتها الجمعيـة العامة. ونظرا لانعقاد بعض هذه الأجهزة قبل انعقاد الجمعية العامة بفترة وجيزة فإن هذه الأخيرة لا تتمكن من النظر فى التقارير السنوية لهذه الأجهزة إلا فى دور الانعقاد التالى أى بعد مرور ما يزيد عن عام .

نشير كذلك إلى أن معظم هذه الأجهزة لا تملك سوى سلطة صياغة آراء أو توصيات عامة. ويبدو ضروريا تطوير الإجراءات يقصد السماح لها بتوجيه ملاحظاتهـا لدولة محددة على غرار ما جرى عليه العمل فى لجنة الحقوق الاقتصــادية والاجتماعيـــة والثقافيــة، ولجنة مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة منذ سنة 1987 .

إن تعدد وظائف بعض أجهزة المتابعة والمراقبة مثل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والتى لا يقتصر على فحص التقارير الدورية بل يمتد ليشمل معالجة الرسائل الفرديـــة والحكومية، لا ينبغـى النظر إليه باعتباره أسلوب غير إيجابيا يلقى بأعباء متعددة. ذلك لأن هذه الوظائف مرتبطة ويكمل بعضها البعض، ويستطيع الجهاز أن يستخدم على سبيل المثال المعلومات المتوافرة من فحص تقرير حكومى بقصد معالجة إحدى الرسائل الفردية .

أخيراً، فإن تطوير نظام حماية حقوق الإنسان على المستوى الدولى يرتكز فى الواقع على مدى رغبة الدول الفاعلة فى المجتمع الدولى، ولا يتصور إحداث تطوير دون الأخذ فى الاعتبار الضوابط التى تحكم العمل فى الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات العاملة فى مجال حقوق الإنسان، فما زالت الدول فى داخل هذه المنظمــات وخارجها هى المحرك الأول والضابط الأخير لأية إمكانية للتطوير .

ويبدو من المبالغ فيه الحديث عن إنشاء محكمة دولية لحقوق الإنـسان على غرار تلك التى يتضمنـها النظام الأوروبى أو النظام الأمريكــى لحقوق الإنســان لاختلاف طبيعـة هذه النظم الإقليمـية وأهدافـها عن تلك السائدة فى النظام العالمـى .

المطـــــلب الثـــانى

تقييم فعالية وتطور آليات منظمة العمل الدولية فى ضوء تطور مفهوم الرقابة الدولية على حقوق الإنسـان

يقوم نظام الرقابة فى إطار منظمة العمل الدولية، كما أسلفنا فى الفصل السابــق وعرضنا لهذا النظام بالتفصيـل، على ركيزتين أساسيتين[74] ، تتمثل الركيزة الأولى فى التقارير التى تلزم الدول الأعضاء فى منظمة العمل الدولية بتقديمها –بشكل دورى- إلى مكتب العمل الدولى، إما تقارير مفصلة، والتقارير العامة التى ترفعها الدول إلى مكتب العمل الدولى، مضمنة إياها موقفها بشأن مجموع اتفاقيــات العمل الدولية التى تم التصديـق عليها من جانبها. تقتصر مهمتها على بيان مدى التزام الدولة المرسلة بالنسبة إلى أحكام اتفاقيـات عمل دولية معينة، أما الركيزة الأساسية الثانية لهذا النظام فتتمثل فى البلاغات والشكـاوى التى يسمح بتقديمها ورفعها إلى المنظمة ضد الدول التى لا تراعى مثل هذه الحقوق، وقد فصلنا لهذه الآليات فيما يعطينا صورة عامة لتكامل أركان هذا النظام وتبرز مواطن القوة فيه والتى تتعلق فى معظمها فى التطور الملحوظ له فى ظل آليات الرقابة الدولية على حقوق الإنسان، وفيما يلى نعرض تقيماً لتطور وفعالية آليات منظمة العمل الدولية فى الرقابة على حقوق الإنسان فى ضوء تطور الآليات الدولية فى هذا الشأن –والتى لم يصل إلى تطورها إلى بعض النظم الإقليمية مثل الاتفاقيـة الأوروبية لحقوق الإنسـان- …

فبينما يشير استقراء نظام الرقابة الدولية على حقوق الإنسان على المستوى الدولى، إلى تطورات قد تكون مرضية بالنسبة لبعض الحقوق وغير مرضى وقد يكون نادراً فى البعض الآخر، فإن استقراء هذه الحقوق على مستوى منظمة العمل الدولية نجد تفصيلاً لكافة أنواع الحقوق الخاصة بالعمل فى شتى المجالات وتفصيلاتها الدقيقة وقد وضعت هذه الحقوق فى ما عرف بمعايير العمل الدولية من اتفاقيات وتوصيـات دوليـة مثلت الخطــوط العريضــة للتشريعـات الوطنية فى العالم بأسره .

كما أن البناء المؤسسى بخصوص حقوق الإنسان سواء على المستوى العضوى –عضـوية أجهزة الأمم المتحدة التى لها صلة بحقوق الإنسـان- للأمم المتحدة أو المستوى التعاهدى –هيئات المعاهدات الخاصة بحقوق الإنسان- وإن بدا إلى حد ما مكتملا إلا إنه لا يسمح فى الواقع إلا بإعمال رقابة سياسية، وتفتقر هذه الأجهزة رغم تنوعها إلى الطابع القضائى، إلا أنه تتمتع منظمة العمل الدولية بمرحلتين من الرقابة هما الرقابة القضائية والفنية .

إن التمثيل الثلاثى الفريد فى منظمة العمل الدولية من مندوبين حكوميين وأصحاب الأعمال والعمال يقلص من تأثيرات الحكومات على أعمال الرقابة فى إطار المنظمة وذلك بخلاف أجهزة الرقابة الدولية والتى تضم فى معظمها ممثلين حكوميين، الأمر الذى ينعكس على فعالية الأداء فى كل منها. حتى ومع اختيار خبراء مستقلين فى هذه الأجهزة، فإن المعايير التى يتم على أساسها اختيار هؤلاء الخبراء تسمح إلى حد كبير بتدخل الدول كما أوضحنا فى الجزء السابق .

إن آليات المتابعة والحماية التى تباشرها الأجهزة الدولية فى مجال حقوق الإنسان تعانى من الطابع الطوعى والاختيارى للنصوص التى توردها، حيث يتوقف إعمالها على قبول الدول الأطراف والتى يجوز لها حتى بعد القبول بهذه الآليات سحب موافقتها مما يعنى أن هذه الآليات تعتمد على إرادة الدول ليس فقط لإيجادها وإنما لضمان استمراريتها. وهو الأمر الذى ليس بهذا التعقيد فى إطار منظمة العمل الدولية حيث تعتمد هذه الأخيرة على مبدأ قبول الدولة فى عضوية المنظمة، ومن ثم ينسحب عليها كافة بنود ميثاق المنظمة بما فى ذلك نظام الرقابة على اتفاقيات العمل الدولية بكافة جوانبه دون قدرة الدولة على التحفظ أو عدم قبول هذا النظام .

وبينما يكون نظام الرقابة فى إطار منظمة العمل الدولية يتم بصورة دورية للإشراف على تنفيذ الاتفاقيـات أو بمقتضى بلاغ من منظمة للعمال أو أصحاب الأعمال أو حتى شكوى من إحدى الدول بخصوص انتهاكات لهذه الحقوق –دون حتى ان تكون الدولة الشاكية واقعاً عليها ضرر من هذه الانتهاكات ــ ، فإن نظام حقوق الإنسان فى الإطار الدولى وفى الأمم المتحدة خاصة يرتكز فى الواقع على حقيقة أن حماية هذه الحقوق ينبغى أن تحدث على المستوى الوطنى أولاأ .

فى حين أن هناك أجهزة متخصصة تابعة لمنظمة العمل الدولية تتولى باستقلال عن الدول الأعضاء فحص التقارير المقدمة (لجنة الخبراء)، لمعرفة مدى ملاءمة التدابير التى تتخذها الدول على الصعيد الوطنى مع الأحكام والمعايير المنصوص عليها فى اتفاقيات العمل الدولية، وتقديم ملخص عنها إلى مؤتمر العمل الدولى فى دور انعقاده التالى، فإن آليات المتابعة والمراقبة على المستوى الدولى لا تؤدى إلى إحداث آثار قانونية محددة تلزم الدول المعنية، ذلك لأن الأجهزة المعنية مدعوه فى ختام أعمالها إلى صياغة مجرد آراء أو تعليقـات أو توصيـات تـفـتقـر بطـبيعتها إلى الإلـزام القانونى .

وفى سائر المراحل فى منظمة العمل الدولية، يقترن عمل الرقابة بتدابير تسمح للرأى العام إبداء رد فعله على السواء فى المحيط الوطنى أو الدولى، صحيح أن مداولات هيئات الرقابة المستقلة وإجراءاتها للتوفيق بين الأطراف المتنازعة تتصف بالسرية، كما أن بعض النقاط تكون فى المرحلة الأولى محل تدخل مباشر لدى الحكومات المعنية بهدف التوصل إلى نتيجة أو حل مرض. ولكن التقارير والنتائج التى توصل إليها هذه الهـيئات تأخذ طابع العلانية، من خلال نشرها فى الوثائق الرسمية للمنظمة. والأمر كذلك بالنسبة للمناقشـات فى المؤتمر التى هى علنية بطبيعتها. فى حين أن إضفاء الطابع السرى على معظم أعمال الأجهزة العاملة فى مجال الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وإن كان يستهدف حث الدول على التعاون معها فإن الأمر يتطلب حرمان الدول من استثمار هذه السرية بقصد تعطيل آليات المراقبة .

ومن خصائـص إجراءات الرقابة فى منظمة العمل الدولية أيضاً، مشاركة عناصر غير حكومية (منظمات أصحاب عمل وعمال) في بعض مراحل هذه الإجراءات، وتتخذ هذه المشاركة الصور التالية: حق التقدم بالشكاوى، التعقيب على المعلومات التى تقدمها الحكومة المعنية والمشاركة فى المناقشات. تستطـيع منظمة العمل الدولية أيضاً من خلال وفود العمال وأصحاب العمل الممثلين فى وفد كل دولة الحصول على معلومات محددة ترغب فى معرفتها عن حالة محددة أو حتى يمكن ان يتم ذلك من خلال لجان التفتيش التى تشكلها، فى حين إن قدرة أجهزة المتابعة والمراقبة على المستوى الدولى على إجراء التشخيص الدقيق لوضعية حقوق الإنسان فى دولة ما تتطلب منح هذه الأجهـزة القدرة على الحصول على المعلومات من مصادر أخرى غير رسمية أو من خلال إجـراءات جـديـدة .

المبــحث الثـالث

رؤية مستقبلـية لتـطور نظـام الرقـابة الدوليـة فى مجال حقوق الإنـسان وتطور نظام الرقابة فى منظمة العمل الدولية

من سمات الإنسان فى أى مكان أو زمان وبصرف النظر عن الثقافة أو الحضارة التى ينتــمى إليها النضال ضد الظلم والقهر، وضد الاستعباد والاستغلال وضد كل ما هو قبيح أو ضار. ولقد أسهمت شعوب العالم عبر مسيرتها فى بلورة بعداً أو آخر من أبعاد حقوق الإنسان وسجلتها أحيانا فى إعلانات أو وثائق أو دساتير، وخاصة فى أعقاب ثوراتها الكبرى. ولذلك يعتبر تراث حقوق الإنسان تراثا عالميا بكل معنى الكلمة وهو نتاج التفاعل والاحتكــاك الخصب بين كل الثقافات والحضارات، ومن هنا فإن إدعاء حضارة أو ثقافة بعينها بأنها أصل هذه الحقوق أو مصدرها ومن ثم احتكار حق التحدث باسمها أو الدفاع عنها إنما هو إدعاء زائف. والواقع أنه يمكن التمييز بين أربع موجات مختلفة، أو أربعة أجيال مختلفة، تشكل فى مجموعها مجمل التراث العالمى لحقوق الإنسان[75] :

الجيل الأول أو الموجة الأولى: وهى مجموعة الحقوق السياسية والمدنية .

الجيل الثانى أو الموجة الثانية: وهى مجموعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية .

الجيل الثالث أو الموجة الثالثة: وهى مجموعة الحقوق الخاصة بالشعوب مثل حث تقرير المصير وحق الشعوب فى اختيار أنظمتها التى تتلاءم مع ثقافتها وحضارتها وحقها فى السيطرة على مواردها الطبيعية، والحق فى التنمية … الــخ .

الجيل الرابع أو الموجة الرابعة: وهى مجال حديثنا فى هذا السياق، عن مستقبل حقوق الإنسان، وهى مجموعة الحقوق التى تسمى بحقوق التضامن أو حقوق الانتساب إلى كون يواجه مصيراً واحداً نتيجة للتطور المذهل فى وسائل الاتصالات والمواصلات، ومن أهم هذه الحقوق: الحق فى السلام، الحق فى بيئة نظيفة، الحق فى نصيب متوازن من ثمار العلم والتكنولوجيا والمعلومات فى شتى المجالات، الحقوق المرتبطة بميراث الإنسانية المشترك فى كافة المجالات .. الخ، وقد أسهمت فى بلورة كثير من هذه المضامين حركات سياسية واجتماعية مختلفة فى كل دول العالم أبرزها حركـات الخضـر .

وفى هذا الجزء سوف نجتهد لمحاولة استشراف آفاق مستقبل الرقابة الدولية على حقوق الإنسان وكذلك نظام الرقابة فى إطار منظمة العمل الدولية وأهم التطورات المستقبلية التى قد تعتريها ..

المطـــــلب الأول

رؤية مستقبليــــــــة لتطور نظام الرقابـة الدولــــية فى مجـــال حقــوق الإنســــان

يمكن القول أن نشاط الأمم المتحدة فى مجال حقوق الإنسان خلال العقود الماضــــية قد تحرك على محاور متعددة ومتوازية فى نفس الوقت :

نشاط عملى ميدانى: Operational ركز على تقديم المعونات المباشرة لفئات معينة حرمت من حقوقها الأساسية لأسباب مختلفة سياسية او اقتصادية–اجتماعية أو لأسباب طبيعية، ويدخل فى هذا الإطار جهود الأمم المتحدة لتقديم المعونة للاجئين على اختلاف أنواعها، ولرعاية الطفولـة والأمومة وخاصة فى الأقاليم المحرومــة … الخ .

نشاط معيـارى تقنـى:standard-setting ركز على بلورة مفاهيـم مضــامين حقوق الإنسان من خلال ما يسفر عنه النقاش وترجمة القواسم المشتركة التى يتم الاتفاق عليها إلى قواعد أو مبادئ تتم صياغتها فى شكل إعلانــات أو توصيــات أو مواثيـــق أو معاهدات دولية جمــاعية .

نشاط إعلامى ودعائى: يهدف إلى نشر الوعى بحقوق الإنسان والترويج لها ورفع قدر النضال من أجل هذه الحقوق فى العالم. ويشمل هذا البعد عدداً من الأنشطة منها ما يتعلق باستخدام المواد الوسيطة السمعية والبصرية كمواد مساعدة لنشر المعرفة بهذه الحقوق ومنها ما يتعلق ببلورة برامج خاصة بتدريــس حقوق الإنسـان فى الجامعـات والمدارس أو بتدريب العاملين فى هذا الحقل… الخ.
نشاط يهدف إلى حماية حقوق الإنسان وكفالة احترامها –وهو موضوع دراستنا هذه- ويشمل هذا البعد عدداً من الأنشطة مثل بلورة آليات خاصة بتلقى الشكاوى وفحصها، وإيفاد لجان تحقيق، والبحث عن حلول معينة للانتهاكــــات ومتابعتهـــا… الخ .

وفى هذا السياق سوف نتنــاول الجهود الدوليـة الحثيثة لتعزيز آليات حماية حقوق الإنسان وخاصة فى إطار الأمم المتحدة[76] والتى تشكل الملامح العامة والأركان الأساسية لتطور آليات الرقابة الدولية على حقوق الإنسان فى الفترة القادمة ….

أولاً: تعزيـز آليات حقوق الإنسـان فى إطار الأمم المتحدة :

فقد شهد عام 1993 توسعاً كبيراً فى الأنشطة التى يضلع بها مركز حقوق الإنسان فى جنيف وأدى هذا التوسع إلى قيام الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين أمين عام مساعد يتبع الأمين العام مباشرة ليترأس هذا المركز اعتباراً من أول يناير 1993 بحيث أصبح هناك شخصاً واحدا مسؤول عن وضع سياسات متماسكة ودعم التنسيق فى ميدان حقوق الإنسان وتعزيز قدرة الأمم المتحدة على الإسهام بشكل أكبر فى توفير الحماية قدر الإمكان والتأكد من احترام هذه الحقوق. غير ان التطور الهام فى هذا السياق جاء فى مؤتمر فيينا حيث طالب بتعيين مفوض سام لحقوق الإنسان فى الأمم المتحدة وقد استجابت الجمعية العامة للامم المتحدة لهذا المطلب (القرار 141/الدورة 48) .

ويعتبر من أهم التطورات التى شهدتها الأمم المتحدة فى مجال حقوق الإنسان بعد انتهاء الحرب الباردة وكانت هذه الفكرة قد نوقشت مراراً ولكنها استبعدت بعد ان وجهت باعتراضات كثيرة كان من اهمها أنها تتعارض مع مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخليــة. لكن التحول الذى طرأ على طبيعة النظام الدولى أدى إلى إسقاط هذه الحجة وأزاح العراقيل التى كانت تعترض طريق وضعها موضع التنفيذ .

وقد حدد هذا القرار الشروط الخاصة بشاغل المنصب (والتى أهمها الإلمام والتفهم للثقافات المتنوعة( ومسئولياته، ومكانته داخل منظومة الأمم المتحدة ، وعلى الرغم من ان مهام المفوض السامـى لحقوق الإنسان ما تزال غامضة وأنها ستتضح اكثر من خلال الممارسة فإنها تعتبر من أكثر التطورات الأخيرة إثارة للجدل فى هذا المجال .

ثانيـاً: إنشـاء محاكم دوليـة لمحاكمة مجرمـى الحرب :

وقد سبقت إثارة هذا الموضوع من قبل وخصوصاً فى أعقاب الحروب الكبرى. فقد اعتبر “غليوم الثانى” قيصر ألمانيا مسئولاً عن الحرب العالمية الأولى، كما اعتبر قادة ألمانيا واليابان مجرمى حرب ومسئولين عن الحرب العالمية الثانية. وتم بالفعل إنشاء محاكم فى نوربرج وطوكيو لمحاكمة مجرمى الحرب فى العالمية الثانية، غير ان إقامة مثل هذه المحاكم فى أعقاب الحروب عكست عدالة المنتصر. وقد جرت بعد ذلك محاولات كثيرة لبلورة قانون دولى عام يسمح بمحاكمة مجرمى الحرب أياً كانوا. لكن هذه المحاولات لم تثمر وتعين الانتظار حتى تفجر العنف الطائفى والإثنى فى السنوات الأخيرة بشكل فاق كل تصور. وعلى إثر الجرائم البشعة التى ارتكبها صرب البوسنة من إبادة جماعية واغتصاب للنساء والأطفال دون محاكمة … الخ. قرر مجلس الأمن (القرار 780 لسنة 1992) بإنشاء لجنة خبراء محايدة مهمتها جمع الأدلة وتصنيفها طبقاً لمكان الجريمة والضحية ونوع الجريمة ومقترفها والشهود عليها…الخ. تلت ذلك خطوة حاسمة حين قرر مجلس الأمن (القرار 808 لسنة 1993) إنشاء محكمة دولية لمقاضاة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكـات الجسيمة للقانون الإنسانى الدولى فى يوغسلافيا السابقة منذ 1991 .

ورغم أنه هناك عقبات هائلة تواجه عمل هذه المحاكم وما زال الخلاف محتدما حول مسائل عديدة مثل كيفية القبض على المجرمين، وطبيعة الجرائم التى سيحاكمون على أساسها، والاختصاص القضائى للمحكمة…الخ، فإن مجرد إنشائها يعد تطورا بالغ الأهمية على طريق البحث عن آليات دولية لحماية حقوق الإنسان .

ثالثـاً: الربط بين حقوق الإنسان والسلم والأمن الدوليين :

وقد اتخذ هذا الربط خلال السنوات الأخيرة مظاهر عديدة ولا يعتبر هذا الربط فى حد ذاته شكل مستحدث ابتدعه النظام العالمى الجديد .غير ان السنوات الأخيرة شهدت تطورات هائلة وغير مسبوقة فى مجال تطوير واستحداث مهام خاصة بعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم وثيقة الصلة بالعديد من الجوانب المتعلقة بحماية حقوق الإنسـان ومنها على سبيل المثال :

قامت الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة بالإشراف على الانتخابات فى عشرات الدول، سواء فى إطار عمليات خاصة بحفظ السلم وكجزء من التسويات السياسية للأزمات القائمة فى هذه الدول، أو بطلب من حكومات الدول نفسها. وقد أدى هذا التطور إلى إنشاء وحدة خاصة بالمساعدة الانتخابية فى الأمانة العامة للأمم المتحدة.

واعتبر البعض هذا التطور شكلا جنينيا من أشكال الحق فى الحكم الديمقراطى والذى يخول للمواطنين الحق فى انتخابات نزيهة وفى إشراف دولى عليها. بل إن الأمور تطورت فى هذا الاتجاه إلى حد مشاركة الأمم المتحدة فى توفير غطاء دولى لعملية عسكرية كان هدفها إعادة رئيس هايتى المنتخب والمخلوع إلى السلطة فى بلاده.

قام مجلس الأمن باتخاذ العديد من القرارات فى إطار الفصل السابع من الميثـاق لتوفير الحماية العسكرية لقوافل الإغاثة فى الصومال ويوغسلافيا ….وغيرهـا .

قام مجلس الأمن فى إطار الفصل السابع من الميثاق، وأحيانا دون الإشارة إلى الفصل السابع، باتخاذ إجراءات لحماية الأقليات (الأكراد والشيعة فى العراق) أو لإنشاء ملاذات آمنة وحمايتها فى بعض الأزمات الدولية الناجمة عن الحروب الأهلية

وقد أدت هذه التطورات جميعها إلى إعادة النظر وإمعان التفكير فى مفهوم ونطاق “الشأن الداخلى للدول” ووسعت كثيرا من نطاق القانون الدولى الإنسـانى .

ولا شك فى أن بعض الأبعاد المتعلقة بهذه التطورات تعد إيجابية وتدفع بالمجتمع الدولى خطوات إلى الأمام لتأكيد الشرعية واحترام القانون ومقاومة التسلط والطغيان وانتهاكات حقوق الإنسان فى كل مكان، ولكن بعضها الآخر يفتح المجال واسعا أمام القوى الكبرى للتدخل فى الشئون الداخلية للدول لأغراض سياسية أو مصلحية لا علاقة لها بالحرص على حقوق الإنسان، وهنا يتعين إعادة التأكيد على ضرورة الترحيب بتوفير الحماية الدولية ضد أى انتهاكات لحقوق الإنسان شريطة أن تتم استنادا إلى معايير موحدة ولدوافع وأغراض نبيلة وخالصـة .

المطـــــلب الثـانى

رؤيـة مستقبليــة لتطور نظام الرقابـــة الدوليـــة فى مجال حقوق الإنسـان فى إطـار منـظمـة العمـل الدوليـة

استعرضنا فيما تقدم، الجوانب المختلفة لنظام الرقابة الدولية فى مجال تطبيق معايير حقوق الإنسان فى إطار منظمة العمل الدولية، وفى هذا الجزء سوف نجتهد فى إلقاء مزيد من الضوء حول تطور نظام الرقابة فى إطار منظمة العمل الدولية واستشراف الآفاق المستقبلية له فى ضوء تطور القانون الدولى للعمل ومفاهيم العمل الجديدة بمنظمة العمل الدولية فى عالمنا المعاصر الذى يشهد تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة الأثر، تختلف عن التغييـرات والأوضـاع التى عرفها العالم فى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لدى قيام منظمة العمل الدولية .

أولاً: القانون الدولى للعمل: الواقع والآفاق المستقبليـة[77]

لعل من المفيد، بادئ ذى بدء، التنويه بأن حصيلة منظمة العمل الدولية من إنجاز تشريعـى ضخم، تكون على مدى ما يزيد عن ثمانية عقود، يعد نجاحاً فريداً ومتميزاً يجدر بالمنظمة أن تزهو به فى هذا العصر الذى تعمقت فيه غيرة الدول على سيادتها ورفضها أى شكل من أشكال التدخل فى مسائلها الداخلية ولا سيما مسائل العمل.

فى الواقع لقد أصبح القانون الدولى للعمل، بما يتضمن من مبادئ توجيهية وقواعد وأحكام اجتماعية/ عمالية متطورة، بمثــابة المرجع أو المصــدر الرئيسـى للتشـريعات الاجتماعية العمالية الوطنية، لقد اسهم هذا القانون فى تحفيز السلطات المختصة فى الدول الأعضاء، وحثها على تبنى تشريعات عمالية جديدة، أو تعديل وتطـوير تشريعاتها القائمة والنافذة كى تتلائم مع أحكام وقواعد هذا القانون. وليس من باب المبالغة التأكيد على أن اقتراب التشريعـات العمالية الوطنية أو ابتعادها عن القانون الدولى للعمل أصبح المقياس أو المعيار على درجة أو مرحلة التقدم الاجتماعى التى حققتها الدول الأعضاء ومدى دنوها من مجتمع العدالة الاجتماعية المثالى[78] .

وعلى الرغم من ما يتميز به القانون الدولى للعمل من إشراقة ونفوذ وتأثير دولى بارز، فإنه كأى عمل تشريعى إنسانى لا يمكن أن يخلو من الثغرات والظلال . ولكن هل يعنى ذلك أن القانون الدولى للعمل قد بلغ مرحلة التشبع، أو أن نشاط منظمة العمل الدولية فى مجال تبنى القواعد القانونية العمالية قد بلغ نهاية المطاف، ومن ثم فإنه لا يوجد داع لمتابعة صياغة المعايير والأحكام الجديدة .

الواقع أنه لا يمكن إنكار التطور المستمر للحياة، وبالتالى فالقوانين بدورها لا يمكن أن تتجاهل الحركة وسنة التطور. فالنشاط التشريعـى الدولى الاجتماعى العمالى –شأنه شأن التشريعات الوطنية- لمنظمة العمل الدولية والإقليمية لا يمكن أن يتوقف عند مرحلة بعينها . كما أن من المسلم به أن سلامة أو قوة ركائز أى نظام قانونى تعتمد بالدرجة الأولى على مدى قدرته وكفاءته على التطور والمواءمة ومسايرة وملائمة الأوضاع الجديدة. خاصة إذا ما عرفنا أن هناك عدداً من المعايير والقواعد السائدة فى القانون الدولى للعمل أصبح متجاوزاً، بحكم سنة التطور، الأمر الذى يستوجب حتماً تطويرها وتعديلها ومواءمتها مع متطلبات الواقع المتجدد. كى لا تصبح عقبة أمام التطور والتقدم. وهو الأمر الذى يجرى تنفيذه بالفعل فى منظمة العمل الدولية بمراجعة الاتفاقيـات الموجودة وإحلال الذى لا يصلح منها باتفاقيـات جديدة تواكب التطورات الحديثة فى بيئة العمل .

ونضيف إلى ذلك، أن نطاق القانون الدولى للعمل، قياساً على التشريعات العمالية الوطنية، رغم امتداد شموليته بشكل ملحوظ لفئات هامة من العمال والأيدى العاملة، إلا أنه لم يتناول بعد مشاكل سائر فئات العمل. حيث أن هناك شريحة هامة وكبيرة من الأيدى العاملة قد تشكل حوالى 60 % من العمال على الصعيد العالمى تندرج فى إطار ما تعارف على تسميته “القطاع غير المنظم”، ولا يخضع هؤلاء العمال للتشريعـات الاجتماعية العمالية الدولية، كما انهم غير منظمين نقابياً. وهذه الفئة من العمال هى أكثر الشرائح الاجتماعية ضعفاً وغبناً ومحلا للاستغلال على صعيد علاقات العمل والاستخدام، وأمسها حاجـة إلى الرعاية والمساعدة والحماية .

ومن الأمور التى تجدر الإشارة إليها أيضاً اتساع وشمولية عضوية منظمة العمل الدولية لكافة الوحدات السياسية المعاصـرة، وهو الأمر الذى يفرض على مشرعى القانون الدولى للعمل مراعاة التباين الاجتماعى والاقتصادى والثقافى والفكرى لهذه الوحدات .

ثانيأ: تطور العمل ومفاهيم العمل الجديدة بمنظمة العمل الدولية

كما أشرنا سابقاً فى الجزء الخاص بتطورات عمل المنظمة، فمنذ إنشاء منظمة العمل الدولية واعتماد الاتفاقيـات الدولية الأولى، تميز نشاط المنظمة فى مجال المعايير الدولية للعمل بالضخامة والشمولية والغزارة، كما أن عضوية المنظمة أصبحت عالمية، وتغطى المعايير الصادرة عن منظمة العمل الدولية مسائل اجتماعية وعمالة مختلفة وتكاد تشمل القطاع الأعظم من جوانب العمل المختلفة. وكما فصلنا فى جزء سابق من هذه الدراسة، تتبنى منظمة العمل الدولية حاليا فلسفة تتمحور حول مفهوم “العمل اللائق”، وهذا المفهوم يتبنى أربعة محاور رئيسية للعمل تمثل محاور عمل المنظمة خلال الفترة المقبلة ويتطور على أساسها نظام الرقابة فى المنظمة .

المعيار الأول والخاص بتعزيز الحقوق الأساسيـة فى العمل وهو الذى يتضمن تدعيم اتفاقيـات العمل الدوليـة، وإعلان منظمة العمل الدولية للحقوق والحريات الأساسية فى العمل (إعلان الحقوق)، أما المعيار الثانى فيتمثل فى تنمية العمالة وتطوريها، والثالث يختص بالضمان الاجتماعى، أما المعيار الرابع فيتناول مسألة الحوار الاجتماعى .

والواقع أن عرضنا للمفاهيم الجديدة لعمل منظمة العمل الدولية يشكل فى الحقيقة أساليب العمل الجديدة التى تنتهجها المنظمة والذى تضيف به إلى رصيدها الزاخر من عمل وتضيف بها الجديد إلى نظام الرقابة والإشراف المتكامل على الحقوق الإنسـانيـة العماليــة

الخـــــــــــــــــــــــــاتمــــــــــــــــــــــــــة

إن هذه الدراسة قائمة على البحث فى مدى فعالية الإجراءات المتبعة حالياً للرقابة على احترام حقوق الإنسان والعمل على ضمانها وحمايتها، حيث أن تلك الإجراءات والآليات والأساليب التى لا تقدم حلاً حقيقياً للانتهاكات التى تشهدها الحقوق الإنسانية فى مختلف بقاع العالم، بل إنها حلاً يفتقد للممارسة العملية الواقعية، مما كان يعنى معه ضرورة الدراسة المتعمقة والبحث فى كيفية إيجاد فعالية حقيقية لهذه الآليات سواء عن طريق تعديل نصوصها فى الاتفاقيات والمواثيق الدولية أو افتقاء أثر بعض الآليات التى تحقق بعض الفعالية ومتواجدة بالفعل –كما هو الحال بالأساليب التى تتبعها منظمة العمل الدولية والاتفاقية الآوروبية لحقوق الإنسان- أو سواء كان ذلك عن طريق إيجاد آليات جديدة لها صبغة التعامل مع الواقع العملى بفاعلية وكفاءة، وهو الأمر الذى استلزم دراسة الآليات القائمة وتحديد أوجه القصور وأوجه القوة فيها حتر يمكن استحداث مجموعة من الآليات يمكنها تحقيق الأهداف المرجوة منها وإيجاد الفعالية المفقودة. وقد تم التركيز فى هذا الخصوص على الآليات المتبعة فى إطار منظمة العمل الدولية وبيان مدى تقدمها عن الآليات الدولية المتبعة فى هذا الشأن وأيضاً بيان مدى حاجة هذه الآليات ذاتها للتحديث والتطوير المستمر مع التطورات الهائلة على الساحه الدولية .

وقبل تعرضنا لملاحظات الختامية لهذه الدراسة والتى تتضمن النتائج والمقترحات التى توصلت لها هذه الدراسة، نعرض بداية لبعض الملاحظات المبدئية والتى تتعلق بالسمات العامة للنظام الدولى الحالى ومدى تآثيره على فعالية نظام الرقابة الدولية على حقوق الإنسان …

جميع حقوق الإنسان والحريات الإنسانية كل لا يتجزأ وتعتمد على بعضها البعض، ويجب مراعاة اهتمام متكافئ وبحث عاجل لتطبيق وتعزيز وحماية كل من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

يستحيل التحقيق الكامل للحقوق المدنية والسياسية دون التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويتوقف تحقيق التقدم الدائم فى تطبيق حقوق الإنسان على وجود سياسات دولية ووطنية سليمة وفعالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية .

جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية للشخص البشرى وللشعوب حقوق ثابتة .

ونتيجة لهذا يراعى ضرورة بحث مشكلات حقوق الإنسان على نطاق عالمى مع الأخذ فى الاعتبار بكل من الإطار العام لمختلف المجتمعات التى توجد فيها وكذا الحاجة إلى تعزيز الكرامة الكاملة للشخص البشرى وتنمية ورفاهية المجتمع .

ينبغى على المجتمع الدولى عند معالجته لمسائل حقوق الإنسان داخل منظومة الأمم المتحده ضرورة إعطاء الأولوية للبحث عن حلول للانتهاكات الكبرى والصارخة لحقوق الإنسان للشعوب والأشخاص التى تأثرت بمواقف مثل تلك الناشئة عن كافة أشكال التمييز العنصرى، ومن الاستعمار والاحتلال .

يعد تحقيق النظام الاقتصادى الدولى العادل عنصراً ضرورياً للتعزيز الفعال لحقوق الإنسان والحريات الأساسية وينبغى مراعاة منحه أيضاً الأولوية .

من الأمور ذات الأهمية العظمى لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية أن تتعهد الدول بالتزامات عملية عن طريق الانضمام إلى المواثيق الدولية فى هذا المجال أو التصديق عليها، وبالتالى ينبغى تشجيع جهود وضع المعايير الخاصة بحقوق الإنسان داخل منظومة الأمم المتحدة وكذا القبول العالمى للمواثيق الدولية المتصلة به وتطبيقها .

يراعى أن تأخذ جميع أجهزة الأمم المتحده خبرات وإسهام كل من الدول المتقدمة والدول النامية فى الحسبان فى إطار جهودها المتصلة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية .

وفيما يلى نتناول النتائج التى توصلت إليها الدراسة والملاحظات الختامية التى انتهت إليها على النحو التالى :

أولاً: تناولت الدراسة بالشرح والتفصيل للهيكل العام لطبيعة وتشكيل آليات الأجهزة الدولية المختصة بالرقابة فى إطار والمعاهدات والاتفاقيات الدولية ومواثيق المنظمات الدولية وكذا طبيعة وتشكيل آليات الرقابة فى دستور منظمة العمل الدولية، وتمهيداً لذلك فقد تم تناول التطور التاريخى لهذه الآليات ومدى الاستخدام الفعلى لها فى الواقع العملى. وكذلك تناولت الدراسة الموقع المتميز الذى تحتله آليات منظمة العمل الدولية للرقابة على اتفاقيات العمل الدولية بالمقارنة مع أجهزة الإشراف والرقابة الدولية فى المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومواثيق المنظمات الدولية الآخرى وبيان مدى تطورها عن هذه الآليات وذلك لتغطية التساؤلات الفرعية التى قدمتها الدراسة حول هذه الموضوعات .

ثانياً: فعالية آليات ونظم الرقابة الدولية ليست شئ يرتبط فقط بطبيعة وتشكيل وعمل هذه الآليات فقط أو صلاحيتها ومدى نفاذها واعتراف الدول بها، بل إن الأمر يتطلب أكثر من ذلك بكثير، حيث يجب أن تربط هذه الآليات بمنظومة عمل متكاملة تحقق النجاح والفعالية المطلوبة، فنجاح وفعالية آليات ونظام الرقابة الدولية فى إطار منظمة العمل الدولية لا يتعلق فقط بالتشكيل القانونى المحكم والمناسب لطبيعة عمل هذه الأجهزة والآليات ولكن الأمر يرتبط بمنظومة عمل متكاملة .

ثالثاً: وارتباطاً بالنتيجة السابقة وبناء عليها، فإن تحقيق الفعالية المرجوة فى العمل الدولى فى مجال حقوق الإنسان والرقابة عليها، إنما هو أمر مرهون بتطور كافة عناصر منظومة العمل فى هذا المجال، سواء من حيث تشكيل الأجهزة الدولية العاملة فى مجال حقوق الإنسان أو أساليب العمل بها ووصولاً لتطور القانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى لتطور مشابه للذى وصل إليه القانون الدولى للعمل الذى يعد نموذجاً هادياً ومرشداً للتشريعات الوطنية فى مجال العمل وذلك بخلاف المتعارف عليه فى العلاقة بين التشريعات الوطنية والقانون الدولى .

رابعاً: إن قصة نجاح وتطور منظمة العمل الدولية والمنظومة الدولية التى تعمل من خلالها يجب أن تكون نموذجاً يحتذى ويدرس من قبل المنظمات الدولية الآخرى، وبالطبع تعانى هذه المنظمة كغيرها من المنظمات الدولية من بعض السلبيات وصعوبات العمل –كما أوضحنا بعض منها- إلا أن الدينامية والحيوية الذى يتميز به عمل المنظمة أدى لبقائها ونجاحها عبر تلك الفترة الزمنية الطويلة فى عمر المنظمات الدولية مع هذا النجاح والفعالية فى مجال عملها على المستوى الدولى .

الواقع أن منظمة العمل الدولية تشكل كياناً دولياً له سمات خاصة تميزه عن المنظمات الدولية الآخرى سواء من حيث فلسفة التمثيل الثلاثى القائمة عليها هذه المنظمة أو من حيث كونها جهازاً تنفيذياً وتشريعياً فى آن واحد ومن حيث دورها فى صياغة معايير العمل الدولية، ومن ثم فإن دراسة نظام الرقابة الدولية فى إطار منظمة العمل الدولية كان لا يمكن أن يتم بدون الدراسة العامة لهذه المنظومة الدولية المتفردة، وهذا المنظومة المتفردة هى أساس نجاح العمل فى هذا النظام ، والأساس الذى يجب أن يقوم عليه أى نظام يهدف للنجاح فى هذا المضمار .

قائـــــــــــــــمـــــــــــــــــــــــة المـــــــــــــــراجـــــــــــع

أولاً: باللغة العربية

الوثـــــائق

اتفاقيات العمل الدولية ( من 1 إلى 134 ): الجزءان الأول والثانى، السكرتارية المؤقتة لمنظمة العمل العربية، دار الطباعة الحديثة: القاهره، مارس 1971 .
اتفاقيات وتشريعات العمل الدولية وتوصيات مؤتمر العمل الدولى .
الإعلان العالمى لحقوق الإنسان .
توصيات العمل الدولية ( من 1 إلى 142 )، السكرتارية المؤقته لمنظمة العمل العربية، دار الطباعة الحديثة: القاهره، مارس 1972 .
محاضرات فى الحماية الدولية لحقوق الإنسان، محاضرات ووثائق إقليمية، ستراسبورج: المعهد الدولى لحقوق الإنسان، 1998 .
الكتـــــــــــب

إبراهيم محمد عنانى، المبادئ التى تحكم تنفيذ اتفاقيات حقوق الإنسان فى مصر، مداولات الملتقى الفكرى الأول: حقوق الإنسان فى مصر: 8-9 ديسمبر 1987 ، القاهرة: المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، 1990 .
الاتحاد الإسلامى الدولى للعمل، منظمة العمل الدولية ودورها فى دعم الحركة النقابية والسلام العالمى : كتاب تذكارى صدر بمناسبة صدور 75 عاماً على تأسيس المنظمة، القاهره: دار الفكر الإسلامى ، 1994 .
أحمد الرشيدى، الضمـانات الدولية لحقوق الإنسان وتطبيقاتها فى بعض الدساتير العربية ، سلسلة بحوث سياسية (110)، سبتمبر 1996، ص ص 18- 19.
أحمد فتحى سرور (مدير المشروع)، دراسـات فى حقوق الإنسان فى الشريعة الإسلامية والقانون المصرى : مشروع بحثى بين كلية الحقوق واليونسكو، القاهرة: دار الهنا للطباعة،1983 .
جلال معوض، أوضـاع العمالة العربية الوافدة فى البلدان العربية ، قضايا حقوق الإنسان، كتاب غير دورى يصدر عن المنظمة العربية لحقوق الإنسان، القاهرة: دار المستقبل العربى،1998.
دافيد ب.فورسايث: ترجمة /محمد مصطفى، حقـوق الإنسان والسياسة الدولية ، القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1993 .
الشافعى محد بشير، قـانون حقوق الإنسان ، المنصورة: مكتبة الجلاء الجديدة، 1992 .
صلاح الدين عامر، الحمـاية الدولية لحقوق الإنسان: نظرة عامة فى دراسات حقوق الإنسان ، القاهرة: كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 1983 .
ظريف عبدالله، حماية حقـوق الإنسان وآلياتها الدولية والإقليمية : النظام الدولى وحقوق الإنسان فى الوطن العربى ، المنظمة العربية لحقوق الإنسان، القاهرة: دار المستقبل العربى، الطبعة الأولى: 1990 .
عبد العزيز سرحان، الإطار القانونى لحقوق الإنسان فى القانون الدولى : المصادر والحقوق ، القاهرة: دار الهنا للطباعة، الطبعة الأولى : 1987 .
عبد العزيز سرحان، مقدمة لدراسة ضمانات حقوق الإنسان: دراسة مقارنة فى القانون الدولى والشريعة الإسلامية ، القاهرة: كلية الحقوق- جامعة عين شمس، 1988 .
عبد الواحد الفار، قانون حقوق الإنسان فى الفكر الوضعى والشريعة الإسلامية ، القاهرة: دار النهضة العربية، 1991 .
عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل : دراسة فى منظمة العمل الدولية ونشاطها فى مجال التشريع الدولى للعمل ، جنيف: المكتبة العربية ، 1990 .
عصام محمد أحمد زناتى، حماية حقوق الإنسان فى إطار الأمم المتحده: الأساس القاعدى والإطار المؤسسى وآليات المتابعة والمراقبة ، القاهرة: دار النهضة العربية، 2001 .
عمر سعد الله، مدخل فى القانون الدولى لحقوق الإنسان ، الجزائر: ديوان المطبوعات، 1993 .
محمد السعيد الدقاق، النظرية العامة لقرارات المنظمات الدولية ودورها فى إرساء قواعد القانون الدولى ، الإسكندرية: منشأة المعارف ، 1973 .
وجدى ثابت وجدى غبريال ، دستورية حقوق الإنسان ، القاهرة: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، 1993 .
الدوريــــــــات

د/ عدنان خليل التلاوى، رقابة تطبيـق قواعد العمل الدوليـة فى إطار منظمة العمل الدوليـة ، مجلة العمل العربية ، عدد 17 ، أكتوبر ، 1980 .
د/ عز الدين فوده، الضمانات الدولية لحقوق الإنسان ، المجلة المصرية للقانون الدولى، المجلد 20 ، القاهرة: 1964 .
مصـــادر آخرى

إبراهيم على بدوى الشيخ، التطبيق الدولى للعهدين الدوليين لحقوق الإنسان، رسالة دكتوراه، القاهرة: جامعة القاهرة، 1986 .
أحمد عبد الونيس على شتا، الدولة العاصية: دراسة فى التعارض بين مواقف الدول والتزاماتها الدولية فى الأمم المتحده ( مع إشاره خاصة لإسرائيل وجنوب أفريقيا ) ، رسالة دكتوراه، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1986 .
خير الدين عبد الطيف، اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان: دورها فى حماية وتفسير مضمون الحقوق التى أتت عليها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان 1950 ، رسالة ماجستير، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، يناير 1984 .
سمعان بطرس فرج الله، التدخل الدولى لاعتبارات انسانية، محاضرات غير منشورة ألقيت على السنة التمهيدية لماجستير العلوم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،95/1996.
عادل محمد عبد العزيز حمزة، الطبيعة القانونية لحقوق الإنسان فى القانون الدولى العام، رسالة دكتوراة، القاهرة : جامعة عين شمس، 1985 .
عزت سعد السيد البرعى، حماية حقوق الإنسان فى ظل التنظيم الدولى الإقليمى، رسالة دكتوراه، القاهرة : جامعة عين شمس ، 1985 .
محمد موافى، حقوق الإنسان والسلام العالمى ، القاهرة:رسالة ماجستير، كلية التجارة،1953.
ثـــانيــاً: باللغات الأجنبيـة

Documents

ILO Office. ILO Declaration On Fundamental Principals And Rights At Work And Its Follow-Up, Switzerland: ILO Office First Published 1998.
International Labour Office, Constitution of the ILO and Standing Orders of the International Labour Conference, Geneva: International Labour Office, June: 2001.
Books

W. Sythoff, Leyden, The European Convention on Human Rights: Background; Development and Prospects. Netherlands: Cahiers De Bruges N.S. Inc., Fifth Publication: 1963.
Abi-Saab, Rosemary, “The “General Principles” Of Humanitarian Law According To The International Court Of Justice”, 259 International Review Of The Red Cross 367 ( 1987 ) .
Bailey, Sydney D., The UN Security Council and Human Rights, USA: Martin’s Press Inc New York, Jan 1994.
Dorset, Peter N.: A.W. Sisthoff, Human Rights As Legal Rights, Netherlands: Leyden, 1965.
Essays

Lillich (R.B.): Humanitarian Intervention And Humanitarian Intercession, International Institute Of Human Rights: 8 ͭ ͪ Study Session4 ͭ ͪ -29 ͭ ͪ, Strasbourg, 1977.
Perez Vera (E.): La Protection D’humanite En Droit International, R.B.D.I., 1969.
Other References

International Committee Of The Red Cross And Henry Dunant Institute Eds., Bibliography Of International Humanitarian Law Applicable In Armed Conflicts (1987).
Internet Sites:
Http://Www.ILO.Org/

Http://ILOlex.ILO.Ch:1567/Arab/Docs/Convdisp1.Htm

Http://Www.ILO.Org/Public/Arabic/Region/Arpro/Beirut/Rights/ Rights11con.Htm

Http://Www.ItcILO.It/English/Bureau/Turin/Documentation

[1] أ.د صلاح الدين عامر، قانون التنظيم الدولى: النظرية العامة، القاهرة: دار النهضة العربية، الطبعة الثانية 1982، ص 12 .

Jenks (W.), the Common Law of Mankind, London: Stevens and Sons, P17. [2]

د/ عزت سعيد البرعى، حماية حقوق الإنسان …، مرجع سابق، ص ص 9 – 11 .[3]

/ عبد العزيز سرحان، الإطار القانونى لحقوق الإنسان فى القانون الدولى: المصادر والحقوق، مرجع سابق ص 102 – ص 107 [4]

[5] / راجع فى هذا الخصوص: د/ أحمد عبد الونيس شتا، المسئولية الدولية، مذكرات ومحاضرات مطبوعة، القاهرة: جامعة القاهره: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1994 .

[6] اهتم رجال القانون والفلاسفة ورجال الاجتماع بنظرية التدخل الإنسانى، على أنهم تعرضوا لها بصورة عامة، أما الدراسات المتخصصة فى هذا المجال فقد اقتصرت على بعض المقالات التى تعالج مشكلة بذاتها أو تتعرض لنظرية التدخل الإنسانى بصورة مجردة ولعل أهم هذه المقالات:

Rollin (J.G.), Le Droit International ET La Phase Actuelle De La Question D’orient: R.D.I.L.C.: T: V3, 1876, Pp 293-385.

Lillich (R.B.): Humanitarian Intervention And Humanitarian Intercession, International Institute Of Human Rights, Strasbourg, P69.

وبالإضافة الى المقالات السابقة، هناك العديد من المؤلفات التى تناول مضع الفرد فى القانون الدولى أو حقوق الإنسان، ومن بينها حماية الفرد خارج حدود دولته أو بالأحرى التدخل الإنسانى لصالح رعايا الدول. وأهم هذه المؤلفات:

Ganji (M.): International Protection of Human Rights, Thesis, Geneva 1962, Librairie E., Droz, Pp 9-45.

[7] لعل من أبرز هذه التطبيقات ..

تدخل بلجيكا والولايات المتحده وبريطانيا فى جمهورية الكونغو الديموقراطية بحجة تحرير البيض وغيرهم من الأجانب فى 3 ديسمبر 1964 .

تدخل الولايات المتحده أثناء الحرب المدنى فى سان دومينجو (الدومينيكان) لإجلاء الرعايا الأمريكيين والأجانب .

التدخل الفرنسى فى شابا (زائير) عام 1978 .

[8] نص المادة 18 من ميثاق منظمة الدول الأمريكية، المادة 3 من ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، ديباجة ميثاق الجامعه العربية والمادة الثانية من ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامى .

[9]

Ernest Hamburger, Droits de l’homme et Relations Internationales, Recueil des cours, 1959, pp 383-386.

[10]

Macartney (C.A.), National States and National minorities, London: Humphery Milford, 1934.

[11] نص المادة 12 من المعاهدة مع بولندا والنصوص المقابلة لها فى المعاهدات الأخرى التى أبرمت مع الدول التى طبق عليها نظام الحماية .

[12] د/ عزت سعد السيد البرعى، حماية حقوق الإنسان فى ظل التنظيم الدولى الإقليمي، مرجع سابق ص ص 16-19 .

[13] حول الإعلان العالمى لحقوق الإنسان :

Verdoodt (A.): Naissance ET Signification De La Declaration Universelle Des Droit De L’homme: Louvain, Pais: Ed. Nauwelaerts, 1963.

[14] د/ عبد العزيز محمد سرحان، الإطار القانونى لحقوق الإنسان فى القانون الدولى، مرجع سابق ص ص 111-113 .

[15] مفوضية حقوق الإنسان، سلسلة التدريب المهنى رقم 7: دليل التدريب على رصد حقوق الإنسان، مرجع سابق، الأمم المتحدة، نيويورك وجنيف، 2001 .

[16] للحصول على مجموعة شاملة من صكوك حقوق الإنسان الإقليمية، انظر مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية_المجلد الثانى، الصكوك الإقليمية، نيويورك وجنيف، 1977 .

[17] Pinto R., Regionalism Et Universalism Dans La Protection Des Droits De L’homme: International Protection Of Human Rights, 7th Nobel Symposium, Stockholm, 1968.

[18] Robertson (A. H.), Human Rights in the world, Manchester University press, 1972, P 160.

[19] د/ عزت سعد السيد البرعى، حماية حقوق الإنسان، مرجع سابق ص ص 47-58 .

[20] ظريف عبدالله، حماية حقوق الإنسان وآلياتها الدولية والإقليمية: النظام الدولى وحقوق الإنسان فى الوطن العربى، المنظمة العربية لحقوق الإنسان، القاهرة: دار المستقبل العربى، الطبعة الأولى: 1990.

[21] الأمم المتحدة، أثر النزاع المسلح على الأطفال، الوثيقة A/51/306 (1996) (تقرير جراتشا متشيل).

[22] ظريف عبدالله، حماية حقوق الإنسان وآلياتها الدولية والإقليمية، مرجع سابق ، ص ص 126-132 .

[23] د/ صلاح الدين عامر، القانون الدولى للعمل: نظرة عامة فى نشأته وتطوره، ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى لمنتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهره: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003 .

[24] نشرت فى حولية حقوق الإنسان، فبراير 1997، المجلد 20، العدد 1 .

[25] حول المزيد من تعريفات ومعايير القانون الدولى الإنسانى أنظر :

-Abi-Saab, Rosemary. “The “General Principles” Of Humanitarian Law According To the International Court Of Justice”, 259 International Review of the Red Cross 367 (1987).

-Gasser, Hans-peter, International Humanitarian Law, An Introduction (1993).

[26] د/ صلاح الدين عامر، القانون الدولى للعمل: نظرة عامة فى نشأته وتطوره، المرجع السابق، ص 6 .

[27] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق، ص ص 24 – 27 .

[28] د/ أحمد الرشيدى، إنشاء قواعد القانون الدولى للعمل وآليات تطبيقها، ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى لمنتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003، ص ص 1-2 .

[29] د/ أحمد الرشيدى، إنشاء قواعد القانون الدولى للعمل وآليات تطبيقها، المرجع السابق، ص 3 .

[30] د/ عزت سعد السيد البرعى، حماية حقوق الإنسان فى ظل التنظيم الدولى الإقليمى، مرجع سابق، ص ص 25- 27 .

[31] د/ صلاح الدين عامر، القانون الدولى للعمل : نظرة عامة فى نشأته وتطوره، مرجع سابق، ص 5.

[32] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق، ص ص 5-8 .

[33] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق، ص ص 114- 115 .

[34] هى الأداة القضائية الرئيسية لعصبة الأمم وقد حلت محلها محكمة العدل الدولية عام 1945 .

[35] النص الكامل لكافة معايير العمل الدولية ومجالات عمل منظمة العمل الدولية وكافة أنشطتها متاح على قاعدة بيانات مواقع منظمة العمل الدولية على شبكة المعلومات الدولية (الانترنـت) وهى متاحة للبحث لكافـة المستخدميـن وبعدة لغـات منها اللغة العربية ، ومن هذه المواقع على سبيل المثال انظر :

http://www.ilo.org/

http://ilolex.ilo.ch:1567/arab/docs/convdisp1.htm

http://www.ilo.org/public/arabic/region/arpro/beirut/rights/rights11con.htm

http://www.itcilo.it/english/bureau/turin/documentation

[36] انظر فى هذا الجزء: الاتحاد الإسلامى الدولى للعمل، منظمة العمل الدولية ودورها فى دعم الحركة النقابية والسلام العالمى، مرجع سابق ، ص ص 36 – 46 .

[37] باستثناء منظمة العمل العربية التى ظهرت فى السبعينيات، ونقلت عن منظمة العمل الدولية نظامها كلها .

[38] كانت الولايات المتحدة قد رفضت معاهدة فرساى وبالتالى لم تنضم إلى منظمة العمل الدولية التى أنشئت بمقتضى هذه المعاهدة .

[39] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق، ص ص 99- 100 .

[40] International Labor Review: July 1942, The ILO And Plans For A People Peace: The London Meeting Of Emergency Committee, April 1942, P1

[41] يرى ليون تروكوليه لهذا الإعلان “الإنجيل الجديد للسياسة والفلسفة الاجتماعية الدولية” .

[42] انظر حول هذه التعديلات :

Jenks, C.W., The Revision Of The Constitution Of The ILO, 1946, Pp 303-317 .

[43] نذكر على سبيل المثال “النص المتعلق بتحديد الدول ذات الأهمية الصناعية الكبرى التى لها مقعد دائم فى مجلس الإدارة، ولجان التحقيق، … إلـخ.

[44] المادة 10 فقرة ب من دستور منظمة العمل الدولية .

[45] حول تفصيلات هذه التعديلات الدستورية انظر :

د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق، ص ص 103- 107 .

[46] الاعتماد الاساسى فى هذا الجزء على :

1- المواقع المذكورة على شبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت ) .

2- بعض الوثائق الخاصة بالمنظمة مثل دستور المنظمة وكتيب مسويات العمل الدولية وإعلان المبادئ والحقوق وهى المطبوعات الصادرة عن مكتب المنظمة فى جنيف .

[47] شكل مجلس الإدارة فى دورته 110 (يناير 1950) لجنة تقصى وتوفيق فى مسألة الحريات النقابية مكونة من 9 أعضاء، ولكن تبين فيما بعد أن إجراءات عمل هذه اللجنة لم تكن فعالة، لذا قرر المجلس فى دورته 117 (نوفمبر 1951) أنه من المرغوب فيه إناطة الدراسة التمهيدية للشكاوى إلى فريق من أعضائه، وقرر تنفيذاً لذلك، إنشاء لجنى الحريات النقابية من 9 أعضاء أصليين وممثلهم مناوبين، كما اتخذ عدداً من القرارات ذات الصلة بإجراءات اللجنة وولايتها .

[48] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق، ص ص 794- 802 .

[49] انظر قرار المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة 277/ 10 لعام 1950. وعقب تكوين لجنة الحريات النقابية فى 1951 قرر المجلس الاقتصادى والاجتماعى فى 1953 أن يحيل إلى مجلس الإدارة الإدعاءات التى تتلقاها الأمم المتحدة والمتعلقة بانتهاك الحقوق النقابية فى الدول الأعضاء فى منظمة العمل الدولية .

[50] أنظر: مكتب الإعلام العام، الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، نيويورك: مطبوعات الأمم المتحدة، القاهرة: مؤسسة دار الشعب، نوفمبر 1978، ص ص 144- 146 .

[51] حول وظائف وإجراءات اللجنة أنظر الوثيقة الهامة التى أعدها مكتب العمل الدولى وقدمت إلى الدورة 228 لمجلس الإدارة، وثيقة رقم G.B.228/24/7 .

[52] صدر ملخص عن إجراءات فحص الشكاوى المتعلقة بانتهاك الحقوق النقابية :

B.O. Vol. 62, 1979 Sene B., No. 1, pp 155- 165.

[53] انظر “نتائج عمل لجنة الحريـات النقابيـة” :

Potobesky, “L’oeuvre du comite de la liberate syndical, R.I.T., 1972, No. 1, Freedom of Association, B.I.T., 1985.

[54] مثلما حدث فى حالة بولندا 1983 .

[55] عملا بالاتفـاق المشار إليه بين الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية فإن أى شكوى ترفع ضد دولة عضو فى الأمم المتحدة وغير عضو فى منظمة العمل الدولية يجب أن تحال إلى المجلس الاقتصادى والاجتماعى للأمم المتحدة لفحصها قبل أن يحيلها إلى لجنة تقصى الحقائق والتوفيق فى مجال الحرية النقابية. لهذا السبب قرر مجلس الإدارة فى دورته 240 (مايو 1988) إحالة الشكوى المقدمة من مؤتمر نقابات عمال جنوب أفريقيا ضد حكومة جنوب أفريقيا بشأن انتهاكها للحرية النقابية إلى المجلس الاقتصادى والاجتماعى لفحصها. وقد طلب الأمين العام للأمم المتحدة موافقة حكومة جنوب أفريقيا على إحالة الشكوى للجنة المذكورة، وقد أجابيت هذه الحكومة فى رسالة وجهتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة “أن من السابق لأوانه إحالة الشكوى إلى هذه اللجنة” .

[56] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل..، مرجع سابق ذكره، ص ص 776- 782 .

[57] د/ صلاح الدين عامر، القانون الدولى للعمل: نظره عامة فى نشأته وتطوره، ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى لمنتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003 .

[58] د/ صلاح الدين عامر، القانون الدولى للعمل: نظرة عامه فى نشأته وتطوره، مرجع سابق ذكره، ص ص 14- 15 .

[59] د/ أحمد الرشيدى، إنشاء قواعد القانون الدولى للعمل وآليات تطبيقها، ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى لمنتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 2003، ص ص 4- 5 .

[60] Nicola Valenticos, UN System De Control International…, P. 594. And Next Pages.

[61] المادة 19 فقرة 5 من الدستور .

[62] على سبيل المثال الاتفاقيـات تحت أرقام 106 ، 101 ، 100 ، 111 وبعض الاتفاقيـات البحرية .

[63] تقرير لجنة المؤتمر بشأن التعديلات الدستـوريـة لعام 1946، ص 61 .

[64] Nicola Valenticos, UN System De Control International…, P. 597.

[65] رد المدير العام لمكتب العمل الدولى على المناقشـات التى تناولت تقريره العام إلى الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل الدولى 1968، مضبطة الدورة، ص 479 وما بعدها .

[66] د/ محمد سعيد مجذوب، الحريات العامة وحقوق الإنسان، لبنان: طرابلس، جروس برس، ص ص 100- 113 .

[67] انظر فى هذا الشأن :

Schwa Zen Berger: Power Politics: A Study Of World Society, 3rd Edition, N, Y, 1964, Pp 454-455.
وقد وردت ترجمة هذه الفقرة فى بحث د. محمـد عصـفور “ميثاق حقوق الإنسان العربى ضرورة قومية ومصيرية” فى الكتاب الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان “الديموقراطية وحقوق الإنسان فى الوطن العربى” ، بيروت: 1983، ص ص 226- 227 .

[68] د/ أحمد الرشيدى، القانون الدولى للعمل نظرة عامة فى نشأته وتطوره ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى لمنتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،2003، ص 16 .

د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل: دراسة فى منظمة العمل الدولية ونشاطها فى مجال التشريع الدولى للعمل، المكتبة العربية فى جنيف، 1990، ص ص 805-806 .[69]

[70] د/ صلاح الدين عامر، إنشاء قواعد القانون الدولى للعمل وآليات تطبيقها، ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى لمنتدى القانون الدولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003، ص ص 11-18 .

[71] انظر :

محاضـرات ن. فالنتيكوس فى أكاديمية القانون الدولى بلاهاى عام 1968، المجلد رقم 1 ، ص ص 383- 388 .

R.C.A.D.I., 1968, Tome 1, PP 383-388

وكذا تقرير المدير العام لمكتب العمل الدولى لعام 1984 صفحة 34 وما بعدها .

[72] د/ عصام محمد أحمد زناتى، حماية حقوق الإنسان فى إطار الأمم المتحدة: الأساس القاعدى والإطار المؤسسـى وآليات المتابعة والمراقبة، القاهرة: دار النهضة العربية، 2001 .

[73] د/ عصام محمد أحمد زناتى، حماية حقوق الإنسان فى إطار الأمم المتحدة، المرجع السابق ذكره .

د/ أحمد الرشيدى، إنشاء قواعد القانون الدولى للعمل وآليات تطبيقها، مرجع سابق، ص ص 16-19 .[74] –

[75] د/ حسن نافعة، دراسات فى التنظيم العالمى: من الحلف المقدس إلى الأمم المتحدة، القاهرة: مطابع حلوان، 1996. ص ص 238-240 .

[76] د/ حسن نافعة، دراسات فى التنظيم العالمى: من الحلف المقدس إلى الأمم المتحدة، القاهرة:، مرجع سابق ذكره، ص ص 381-383 .

[77] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق ذكره، 1990، ص ص 821-825 .

[78] د/ عدنان خليل التلاوى، القانون الدولى للعمل، مرجع سابق ذكره، 1990، ص ص 821-822 .

إعادة نشر بواسطة محاماة نت