التزامات البنك في الاعتماد المستندي 

الباحث / عبدالعزيز الزعابي

مقدمة :

الإعتماد المستندي عملية من العميات المهمة جدا في التجارة الدولية ، فهو عقد يوفر الحماية لأطرافه ، ويسهل مهمتهم في معاملاتهم التجارية ، ويمنح الثقة والأمان ، لأن قيام مشترٍ لبضائع من دولة أخرى ، يستطيع على يحصل على الثقة في تعامله مع البائع من خلال فتحه لاعتماد مستندي في البنك ، الذي يقوم بدوره في صرف مبلغ الاعتماد للبائع ، ولكن بعد التأكد من سندات الشحن ، التي تمثل البضائع المشحونة لصالح المشتري ، فهذا تسهيل للمشتري ، وللبائع كذلك ، ولكن تنشأ التزامات تلقى على عاتق أطراف عقد الاعتماد المستندي ، المشتري والبائع والبنك ، يهمنا في هذا البحث هو التزامات البنك في الإعتماد المستندي ، التي تكون تجاه البائع وتجاه المشتري ، فهو يلتزم تجاه المشتري ( العميل الآمر فاتح الاعتماد ) بفتح الإعتماد وإبلاغه للبائع ( المستفيد ) ، وأيضا تلقي مستندات معينة من البائع ، وفحصها ، ومن ثم إرسالها للمشتري الذي من خلالها يستطيع أن يستلم بضاعته ، وأيضا يجب أن يلتزم البنك بتنفيذ جميع تعليمات المشتري فاتح الإعتماد حرفيا بدون تفسير أو تغيير ، بينما يتمثل التزامه – أي البنك – تجاه البائع ( المستفيد ) بدفع مبلغ الاعتماد له بعد فحص المستندات المقدمة منه والتأكد من تطابقها الظاهري مع خطاب الاعتماد .

تمهيد :

أولا : ماهية الإعتماد المستندي :

عرفت المادة رقم 428 من قانون المعاملات التجارية الإعتماد المستندي بأنه :

” 1 ) الإعتماد المستندي عقد بمقتضاه يفتح المصرف اعتمادا بناء على طلب عميله ( الآمر بفتح الإعتماد ) في حدود مبلغ معين ولمدة معينة لصالح شخص آخر ( المستفيد ) بضمان مستندات تمثل بضاعة مشحونة أو معدة للشحن .
2 ) ويعتبر عقد الاعتماد المستندي مستقلا عن العقد الذي فتح بسببه ويبقى المصرف أجنبيا عن العقد ” .

وكذلك عرفته المادة رقم 2 من الأصول والأعراف الموحدة فقالت : [1]

” لأغراض هذه المواد فإن تعبير الاعتماد المستندي أو الإعتمادات المستندية أو خطاب اعتماد الضمان أو خطابات اعتماد الضمان ، ( والمعبر عنها هنا وفيما بعد بعبارة اعتماد أو اعتمادات ) ، تعني أي ترتيب ، مهما كانت تسميته أو وصفه ، يلتزم بموجبه مصرف ما ( المصرف فاتح الاعتماد ) بناء على طلب عميل ( طالب فتح الاعتماد ) ووفقا لتعليماته :

أ – أن يدفع الى طرف ثاث ( المستفيد ) أو لأمره ، أو أن يدفع أو يقبل كمبيالات ( سحوبات ) مسحوبة من قبل المستفيد ، أو
ب – يخول مصرفا آخر بتنفيذ ذلك الدفع أو القبول ودفع هذه الكمبيالات ( السحوبات ) ، أو
ج _ يخول مصرفا آخر بالتداول
وذلك في مقابل مستندات معينة مع مراعاة أن نصوص وشروط الاعتماد قد تم الالتزام بها ، وتعتبر فروع المصارف في مختلف الدول بمثابة مصارف أخرى ” .

ثانيا : الفرق بين الاعتماد المستندي والاعتماد العادي

ذكرت المادة رقم 420 من قانون المعاملات التجارية تعريفا للاعتماد العادي ، فنصت على أن :

” 1 – فتح الاعتماد عقد يلتزم المصرف بمقتضاه بأن يضع تحت تصرف العميل مبلغا معينا من النقود يكون للعميل حق صرفه دفعه واحدة أو على دفعات .

2 – ويفتح الاعتماد لمدة معينة أو غير معينة ” .

كما أن العميل لا يُلزم باستعمال الاعتماد المفتوح له ، فله أن يستخدمه ، وله أن يتركه ، كما أن عقد فتح الاعتماد لا يعتبر قرضا ، وفقا لما نصت عليه المادة رقم 421 من قانون المعاملات التجارية .

ثالثا : أطراف الاعتماد المستندي : [2]

1 – العميل الآمر ( طالب فتح الإعتماد )
وهو الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يصدر تعليماته للمصرف من أجل فتح الإعتماد المستندي ، وعادة يكون هو المشتري .
2 – المصرف ( الفاتح للإعتماد )
وهو المصرف الذي يقوم العميل بفتح الإعتماد المستندي لديه ، وهو كذلك يتعهد بموجب هذا الاعتماد بالدفع عند تقديم المستفيد للمستندات المطلوبة .
3 – المستفيد :
وهو الذي فتح الإعتماد المستندي لصالحه ، وعادة يكون البائع ، وعليه الالتزام بما اتفق به مع العميل الآمر وبما ورد في خطاب الإعتماد المستندي .
4 – المصرف المبلغ أو المراسل :
وهو مصرف موجود في بلد المستفيد ، عادة ما يكون مراسلا للمصرف فاتح الإعتماد ، ويتم من خلاله إبلاغ المستفيد بفتح الإعتماد ، ويمكن تسميته كذلك بالبنك الوسيط .

رابعا : أنواع الاعتمادات المستندية :

يمكن تقسيم الإعتمادات المستندية الى أنواع كثيرة ، بحسب الزاوية التي ننظر إليها منها ، فإذا نظرنا الى مدى قوة الالتزام المصرفي وجدناها تنقسم الى اعتمادات مؤيدة واعتمادات غير مؤيدة ، أما إذا نظرنا إليها من زاوية قابلية الحقوق الثابتة فيها للإنتقال من ذمة إلى ذمة لوجدناها تنقسم الى اعتمادات قابلة للتحويل واعتمادات غير قابلة للتحويل ، وهكذا[3].

وسأقوم بشرح أربعة أنواع من الإعتمادات المستندية ، وهي كالآتي :

1 – الإعتماد المستندي القابل للإلغاء
تنص المادة رقم 431 / 2 من قانون المعاملات التجارية على أنه ” يكون الإعتماد المستندي باتا ما لم يتفق صراحة على قابليته للإلغاء ” .

وعليه فإن الإعتماد المستندي إذا لم ينص فيه صراحة على قابليته للإلغاء ، فلا يجوز إلغاؤه ، أما إن نص على قابليته للإلغاء ، فإن العميل الآمر أو البنك يستطيعان أن يلغيا الإعتماد دون أن يترتب على ذلك أي إلتزامات على عاتق البنك ، وفقا للمادة رقم 432 / 1 من قانون المعاملات التجارية ، والتي تنص على أنه ” لا يترتب على الإعتماد المستندي القابل للإلغاء أي إلتزام على المصرف قبل المستفيد ويجوز للمصرف في أي وقت تعديله أو إلغاؤه من تلقاء ذاته أو بناء على طلب الآمر بفتحه ” .

وهذا النوع من الإعتمادات المستندية لا يوفر الحماية الكافية لأطراف العملية ، وبالتالي فإن اللجوء إليه يكون نادرا ، وقد يطبق هذا النوع في حالة عدم توافر معلومات كافية لدى المشتري عن البائع ، أو أن تلك المعلومات المتوافرة لدى المشتري غير مؤكدة ومشكوكا في صحتها[4].

2 – الاعتماد المستندي الغير قابل للإلغاء

هذه الصورة هي الأكثر شيوعا واستعمالا ، حيث أن المصرف يلتزم إلتزاما باتا ومباشرا تجاه المستفيد ، فإذا ما قدم المستفيد كافة الأورق والمستندات المطلوبة ونفذ الشروط المنصوص عليها في خطاب الإعتماد المستندي خلال مدة صلاحيته ، إلتزم المصرف بالوفاء بقيمة الإعتماد ، حتى لو صدرت للمصرف تعليمات من عمليه الآمر بعدم الدفع .[5]
3 – الإعتماد المستندي الغير قابل للإلغاء والمؤيد / المعزز

قد يقوم المصرف الذي فتح لديه الإعتماد المستندي بإخطار المستفيد مباشرة ، وفي بعض الأحيان قد يخطره عن طريق مصرف وسيط موجود في بلد المستفيد ، في هذه الحالة قد يرغب المستفيد في أن يلتزم المصرف الوسيط قِبَله مباشرة ، بحيث أنه إذا نفذ إلتزامه كبائع ، دفع المصرف الوسيط له مبلغ الاعتماد المستندي ، في هذه الحالة يكون الاعتماد المستندي إعتمادا مؤيدا ( أو معززا ) ، يجعل المصرف الوسيط ملتزما بدفع مبلغ الاعتماد وفقا للشروط المتفق عليها مسبقا [6].

4 – الاعتماد المستندي القابل للتحويل

يكون هذا النوع من الاعتماد عندما يقوم المستفيد بتحويل حقه في الاعتماد إلى شخص آخر ، فيكون لهذا الأخير الحق تجاه المصرف مباشرة [7]، كأن يشتري المستفيد جزء من التجهيزات اللازمة من مصنع متخصص ، أو كأن يكون المستفيد وسيطا تجاريا ( سمسارا )
[8].
يشترط كذلك لصحة تحويل الاعتماد لمستفيد آخر أن يصرح المصرف للعميل تحويل الاعتماد إلى مستفيد آخر ، أو أن يكون التحويل منصوصا عليه صراحة في خطاب الاعتماد ، وفقا لنص المادة رقم 438 / 1 من قانون المعاملات التجارية ، والذي نص على أنه ” لا يجوز للمستفيد أن ينقل الاعتماد كله أو جزءا منه إلى شخص أو أشخاص آخرين إلا إذا كان مصرحا له بذلك من المصرف ومنصوصا عليه صراحة في خطاب الاعتماد ” .
كما أنه لا يجوز التحويل إلا مرة واحدة ما لم ينص في عقد فتح الاعتماد على غير ذلك ، وفقا للمادة 438 / 3 من قانون المعاملات التجارية .

وتوجد كذلك عدة أنواع أخرى من الإعتمادات المستندية ، مثل الاعتماد المستندي المساعد ، والاعتماد الثابت أو الدوري ، والاعتماد بالإطلاع ، والاعتماد الآجل ، واعتماد التداول ، والاعتماد المقابل ، والاعتماد الدوار أو المتجدد ، فنحيل القارئ العزيز على المراجع للاستزادة .

خامسا : المستندات المستخدمة في الإعتماد المستندي [9]

1 – سند الشحن
وهو سند يصدره الناقل للشاحن يثبت فيه استلامه للبضاعة وشروط النقل ، وهي وثيقة كذلك تثبت ملكية البضاعة ، فمن يحوز سند الشحن يعتبر حائزا للبضاعة .

2 – وثيقة التأمين
وهي الوثيقة الصادرة من شركة تأمين تتضمن اعترافا من شركة التأمين بأن البضاعة المصدرة مؤمن عليها ضد بعض الأخطار المعينة في هذه البوليصة ، كالحريق والسرقة والتلف … إلخ ، كما تتضمن بيانات تفصيلية عن البضاعة المؤمن عليها .

3 – الفاتورة التجارية
وهي عبارة عن مستند يحرره البائع ويتضمن شروط البيع ، وجميع التفاصيل الخاصة بالبضاعة من حيث العلامة التجارية والاسم التجاري ، والنوع وسعر الوحدة وكمية ومصاريف الشحن والنقل والتأمين ، ويجب أن يتطابق وصف البضاعة في الفاتورة مع الوصف الوارد بخطاب الاعتماد .

كما توجد أيضا مستندات أخرى قد تطلب وفقا لنوع البضاعة المستورة ، مثل شهادة المصدر ( المنشأ ) ، وشهادة المعاينة أو الفحص ، وشهادة النوعية ، وشهادة صحية ، وكشف مصاريف التأمين ، وكشف مصاريف النقل ، وقوائم الوزن .

سادسا : المبادئ التي يقوم عليها الاعتماد المستندي

نصت المادة رقم 13 / أ من القواعد الدولية الموحدة للإعتمادات المستندية [10]، على أنه ” يجب على البنوك أن تفحص جميع المستندات المطلوبة بالاعتماد بعناية كافية للتأكد من أنها في ظاهرها تطابق أو لا تطابق شروط الاعتماد ونصوصه ، مع التأكد إن المطابقة الظاهرية للمستندات على شروط ونصوص الاعتماد سوف تتم وفقا للمعايير والقواعد المصرفية الدولية . المستندات التي تبدو في ظاهرها متناقضة مع بعضها البعض سوف تعد في ظاهرها غير مطابقة لشروط الاعتماد ونصوصه ” .

ونجاح الاعتماد المستندي وشيوعه في البيوع الدولية يعود إلى المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ، وهي [11]:
1 – مبدأ استقلال الاعتماد
أي أن التزام البنك بالوفاء بمبلغ الاعتماد يتوقف فقط على تنفيذ المستفيد لشروط الاعتماد ، دون النظر إلى تنفيذ أو عدم تنفيذ عقد البيع بين العميل والمستفيد .

2 – المطابقة الظاهرية للمستندات
أي أنه إذا كانت المستندات المقدمة من قِبَل المستفيد للبنك مطابقة لظاهرها لشروط خطاب الاعتماد ، فإن البنك يلتزم بالوفاء بقيمة الاعتماد لصالح المستفيد ، أما إذا لم تكن المستندات المقدمة في ظاهرها مطابقة لشروط الاعتماد ، فإن البنك غير ملزم بالوفاء .

المبحث الأول : التزامات البنك تجاه العميل الآمر ( المشتري )

كأي عقد من العقود التي تنشأ بين أفراد المجتمع ، وبعد إبداء الشخص رغبته في فتح إعتماد مستندي لدى أي بنك ، فإنه سوف تنشأ التزامات على عاتق كل طرف من أطراف العملية التعاقدية عليه أن يؤديها ، وله حقوق له أن يحصل عليها ، فالشخص الذي يقوم بفتح اعتماد مستندي لدى البنك ، سوف تكون عليه حقوق وتلقى كذلك عليه بعض الإلتزامات ، وأيضا البنك فاتح الإعتماد المستندي ، ستكون عليه التزامات عليه أن يؤديها ، يهمنا في هذا المبحث هو التزامات البنك تجاه العميل الآمر ، فعلى البنك فتح الاعتماد المستندي وإبلاغه للمستفيد بعد إبداء العميل الآمر رغبته بفتح الإعتماد المستندي ، وهذا الإبلاغ يجب أن يكون خلال فترة معينة ، وأيضا يلتزم البنك بتلقي مستندات البضاعة محل الشراء ، والذي كان العميل الآمر قد أبدى رغبته في شرائها من المستفيد ( البائع ) ، وليس تلقي المستندات هو الإلتزام الوحيد على البنك في هذا المجال ، وإنما عليه واجب فحصها فحصا دقيقا والتأكد من مطابقتها مع خطاب الاعتماد الصادر بشروط العميل الآمر ، والمطابقة هنا ظاهرية فقط ، وكذلك يلتزم البنك بالإسراع بتسليم العميل تلك المستندات خلال فترة وجيزة وإلا ألقِيَ عليه تبعات الأضرار التي قد تلحق بالعميل الآمر ( المشتري ) من جراء التأخير في التسليم ، وأخيرا نجمل تلك الإلتزامات بالتأكيد على ضرورة أن ينفذ البنك تعليمات عميله الآمر حرفيا ، وأن لا يتجاوز صلاحياته في هذا المجال ، وعليه تم تقسيم هذا المبحث الى أربعة مطالب ، وهي كالآتي :

المطلب الأول : فتح الاعتماد ، وإخطار المستفيد بشروطه

يلتزم البنك باتخاذ اجراءات فتح الإعتماد بالمبلغ المتفق عليه بينه وبينه العميل الآمر في عقد الإعتماد ، ويتم تفريغ شروط هذا العقد في مستند بنكي يسمى خطاب الإعتماد ، يتم توجيهه الى المستفيد مباشرة في محل إقامته أو من خلال بنك وسيط في بلد المستفيد ، ويحدد خطاب الاعتماد هذا بيانات البضاعة المتفق على توريدها للعميل الآمر ، ويحدد كذلك المستندات المطلوبة أن يوفرها المستفيد من أجل أن يُصرف له مبلغ الإعتماد ، والجدير بالذكر أن بوصول خطاب الإعتماد الى المستفيد ، يكون البنك ملتزما أمام المستفيد التزاما باتا لا يجوزالرجوع فيه إن كان الإعتماد غير قابل للإلغاء [12].

أما إذا قام العميل بفتح الإعتماد المستندي ولكن البنك لم يلتزم باصدار خطاب الاعتماد وارساله للمستفيد ، كان للعميل الآمر إلزامه باصدار الخطاب والرجوع عليه كذلك بالتعويض عن الأضرار المترتبة من عدم التزامه بذلك ، وهذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا في ( الطعن رقم 109 لسنة 14 نقض مدني ، جلسة 18/4/1993 ) عندما قالت أن ” فتح الاعتماد عقد رضائي يتم بموجب التراضي ، وهو يرتب فور انعقاده التزامات متقابلة في ذمة طرفيه ، ويثبت هذا العقد طبقا للقواعد العامة في الإثبات ، فيجوز إثباته بكافة طرق الإثبات القانونية إذا كان تجاريا بالنسبة للمدين ، وإذا ما أخل المصرف بتنفيذ التزامه كان مسئولا عن تعويض الأضرار التي أصابت عميله ” [13].

المطلب الثاني : تلقي مستندات البضاعة من المستفيد وفحصها

يلتزم البنك كذلك بتلقي مستندات البضاعة وفحصها للتأكد من صحتها ، وذلك خلال مدة الإعتماد ، والنظر الى مدى تطابقها مع شروط خطاب الإعتماد من عدمه ، فإن كانت تلك المستندات غير مطابقة للشروط الواردة في خطاب الإعتماد ، كان للبنك الحق في رفضها ، وعملية الفحص هذه تتم من خلال البنك مصدر الإعتماد ، وقد تكون من خلال البنك الوسيط في بلد المستفيد ، وهذا هو الغالب ، ومن خلال هذه الحالة الأخيرة ، يقوم البنك الوسيط بفحص المستندات المقدمة من المستفيد فحصا دقيقا ، والنظر الى تطابقها مع الشروط الواردة في خطاب الإعتماد ، ومن ثم إخطار البنك الأصلي مصدر الإعتماد بالنتيجة [14].

وهذا ما أكدته المادة رقم 435/1 من قانون المعاملات التجارية عندما نصت على أنه :

” 1 – يجب أن تقدم المستندات الى المصرف قبل انتهاء مدة الاعتماد فإذا قدمت بعدها رفضها المصرف ما لم يطلب الآمر بفتح الاعتماد قبولها ويوافق عليها المصرف على ذلك .

2 – وعلى المصرف أن يتحقق من وجود المستندات المطلوبة ، ومن أن مضمونها يطابق تماما شروط خطاب الاعتماد ، ومن أنها متطابقة فيما بينها ” .

والتزام البنك بفحص المستندات المقدمة من المستفيد بشأن البضاعة ، يكون بالفحص الظاهري لها ، ولا يلزم البنك بفحص البضاعة والتأكد من مطابقتها للمستندات المقدمة ، وهذا ما نصت عليه المادة رقم 436 من قانون المعاملات التجارية ، فنصت على أنه ” لا يلتزم المصرف إلا بفحص المستندات للتحقق من أنها بحسب ظاهرها مطابقة للمستندات المطلوبة في خطاب الاعتماد . أما التحقق من مطابقة البضاعة ذاتها للمستندات التي تمثلها فيخرج عن نطاق التزام المصرف ” .

وبالتالي ليس من اختصاص البنك التأكد من صدق المستندات المقدمة من المستفيد وخلوها من التزوير والغش ، أو عدم قانونيتها ، إلا إذا ثبت أن البنك يعلم بعد قانونيتها ، ولذلك يتشدد المصرف بالتدقيق على المستندات ، وكذلك يتشدد القضاء عادة في تقدير المسؤولية [15].

ويمكن تقسيم هذا الالتزام الملقى على عاتق البنك في المطابقة الظاهرية الى ثلاث حالات :

أولا : إذا كانت المستندات غير مطابقة :

إذا قدم المستفيد مستندات غير مطابقة لما ورد في خطاب الاعتماد وشروطه ، فعلى البنك رفض صرف الاعتماد ، وعليه كذلك إخطار المستفيد فورا بأسباب الرفض ، فلا يجوز للبنك الرفض بدون إبداء الأسباب التي قد يستطيع المستفيد تداركها بدون الإضرار بالعميل فاتح الإعتماد ، وفقا لما نصت عليه المادة رقم 437 من قانون المعاملات التجارية ” إذا قبل المصرف المستندات فعليه أن ينقلها الى الآمر بفتح الإعتماد على وجه السرعة ، وإذا رفضها فعليه إخطار المستفيد من الاعتماد المستندي بذلك فورا مع بيان أسباب الرفض ” .

أما إذا قام البنك بتسديد مبلغ الاعتماد للمستفيد وفقا لمستندات غير مطابقة ظاهريا لشروط خطاب الاعتماد ، فإن للعميل الآمر رفض استلام المستندات ، وبالتالي عدم الالتزام بتغطية مبلغ الاعتماد ، وله كذلك استرداد أية مبالغ يكون قد دفعها مقدما للبنك من أجل تغطية الاعتماد ، وهذا الأمر يمكن تسويته وديا مع البنك ، وإلا فللعميل حق اللجوء للقضاء ، وطلب فسخ عقد الاعتماد ، بسبب اخلال البنك بالتزاماته بفحص المستندات ، وأيضا المطالبة بالتعويض إن أصيب العميل الآمر بأضرار من تلك العملية [16].

ثانيا : إذا كانت المستندات مطابقة ، ولكن تحتوي على فروقات بسيطة :

إذا قدم المستفيد مستندات مطابقة لما ورد في خطاب الاعتماد ، ولكن وجدت فروقات بسيطة وزهيدة ، مثل اختلاف بسيط جدا في الفواتير الخاصة بالوزن أو الحجم عما ورد في وثيقة الشحن ، فقد رأى القضاء اللبناني أن البنك لا يكون مسؤولا بسبب تلك الفروقات الزهيدة بين المستندات المقدمة من المستفيد وبين ما ورد في خطاب الاعتماد [17].

ثالثا : إذا كانت المستندات مطابقة ، ولكن البنك امتنع عن سداد الاعتماد :

إذا قدم المستفيد المستندات المطلوبة للبنك وفقا لما ورد في خطاب الاعتماد ، وكانت مطابقة لها مطابقة ظاهرية ، ولكن البنك امتنع عن سداد مبلغ الاعتماد ، فإن البنك يكون مسؤولا عن تعويض الأضرار التي تصيب الطرف الذي يثبت أن ضررا قد أصابه من جراء عدم التزام البنك ، أو التأخير في السداد .

ويمكن ترتيب التزامات البنك بإجراء الفحص والمطابقة الظاهرية وفقا للقواعد التي ذكرها أستاذنا الدكتور عبد الله حسن محمد ، وتلك القواعد هي [18]:

القاعدة الأولى : البنك يتعامل مع مستندات لا مع بضائع .

وبالتالي فلا يلزم المصرف مثل ما ذكرنا آنفا إلا بالمطابقة الظاهرية للمستندات المقدمة ، ولا يلزم بالتأكد من مطابقة البضاعة لتلك المستندات ولخطاب الاعتماد .

القاعدة الثانية : التنفيذ الحرفي لشروط الاعتماد المستندي
.
أي أن البنك يلتزم بتعليمات وشروط العميل الآمر الواردة في خطاب الاعتماد حرفيا وبمنتهى الدقة ، من حيث عدد المستندات الواجب أن يقدمها المستفيد ، وكذلك البيانات الواجب توافرها فيها ، وعلى البنك واجب التدقيق والفحص والمطابقة .

القاعدة الثالثة : إتمام فحص الستندات في مدة معقولة .

يلتزم البنك باجراء الفحص والمطابقة الظاهرية للمستندات مع ما ورد في خطاب الاعتماد من شروط في مدة معقولة ، حددتها الأصول والأعراف الموحدة بشأن الاعتماد المستندي بأنها يجب ألا تتجاوز السبعة أيام .

القاعدة الرابعة : عدم مسؤولية البنك عن التزوير المتقن .

أي أن البنك يلزم بالمطابقة الظاهرية للمستندات ، فإن كان في ظاهرها مطابقة لشروط خطاب الاعتماد ، وكان الفحص قد بذل فيه العناية اللازمة وفقا للإجراءات المعتادة ، ففي هذه الحالة لا يُسأل البنك عن التزوير المتقن في تلك المستندات ، والذي لن يتم الكشف عنه بالمطابقة الظاهرية ، وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف العليا الكويتية – دائرة التمييز – في الطعن بالتمييز رقم 2 / 1979 تجاري[19].

المطلب الثالث : تسليم مستندات البضاعة للعميل الآمر

نصت المادة رقم 437 من قانون المعاملات التجارية ، عندما نصت على أنه ” إذا قبل المصرف المستندات فعليه أن ينقلها الى الآمر بفتح الإعتماد على وجه السرعة … ” .

وعليه فإن البنك يقوم باستلام المستندات المطلوبة من المستفيد وإجراء المطابقة الظاهرية ، فإنه يلتزم بتسليمها للعميل الآمر ، ليتمكن العميل من استلام البضاعة حال وصولها ، ويتفادى دفع رسوم ونفقات إضافية ، ولكن من حق البنك حبس تلك المستندات عن العميل من أجل استيفاء قيمة الاعتماد المدفوع للمستفيد والعمولة المستحقة ، إذ أن تلك المستندات تمثل ضمانة لدى البنك من أجل استيفاء حقه من العميل [20].

أما إذا تأخر البنك عن تسليم المستندات للعميل الآمر ، فإنه يكون مسؤولا عن الأضرار التي قد يصاب بها العميل من فوات للكسب وما قد يلحقه من خسارة ، وهذا ما قضت به محكمة التمييز الأردنية ، في التمييز رقم 1115/93 حقوق [21]، عندما قالت ” وبما أن من واجبات المصرف المدعى عليه ( ولو كان مصرفا وسيطا ) متى تلقى المستندات عن المستفيد وقبلها أن ينقلها الى المشتري أو المصرف الأهلي الذي تعامل معه بأسرع ما يمكن ولا يغتفر له التأخير الذي لا يكون مبرر . وحيث أن المدعى عليه ( المصرف المميز ) لم يثبت أن لتأخيره الوثائق لديه كان لسبب طارئ أو له ما يبرره . وبما أن مثل هذا المصرف يكون مسؤولا عن نتائج إهماله أو ما يرتكبه من خطأ ” .

المطلب الرابع : تنفيذ تعليمات العميل الآمر حرفيا

يجب أن يلتزم البنك بجميع تعليمات عميله الآمر بفتح الإعتماد المستندي ، وأن يكون هذا الالتزام حرفيا دون أي إنحراف ، حتى لو كان بداعي تحقيق مصلحة العميل ، تشمل تلك التعليمات نوع الإعتماد المستندي الذي يرغب العميل في فتحه ، وكذلك نوع العملة التي اتفق على أن يصدر الاعتماد بها ، وأيضا على البنك الالتزام بتعليمات العميل بشأن تعزيز الاعتماد من بنك آخر إذا اشترط ذلك ، أما إذا لم يتم تحديد البنك المعزز ، فإنه يمكن للعميل اختيار بنك حسن السمعة ، وإلا كان مقصرا في ذلك [22].

أما إذا لم يلتزم البنك حرفيا بتعليمات العميل الآمر ، كأن فتح اعتمادا لصالح المستفيد بشروط أفضل ، ففي هذه الحالة يلتزم البنك في مواجهة المستفيد بشروط الاعتماد المبلغة إليه بخطاب الاعتماد ، ولا يحق للبنك الرجوع للعميل بما يترتب عن هذا التجاوز من مصاريف وزيادة في النفقات [23].

وكذلك التجاوز في تعليمات العميل الآمر إذا صدرت من البنك الوسيط ، فلا يتحمل البنك فاتح الاعتماد مسئولية هذا التجاوز حتى لو كان هذا الأخير هو الذي قام باختيار البنك الوسيط ، وإنما تقع مسئولية هذا التجاوز على عاتق البنك الذي تعامل مباشرة مع المستفيد وتجاوز تعليمات العميل فاتح الاعتماد المستندي [24].

ويمكن تصور حالات مخالفة البنك لتعليمات العميل الآمر بالصور الآتية [25]:

أولا : أن لا يقوم البنك بفتح الإعتماد أصلا .
ثانيا : أن يقوم البنك بفتح الاعتماد ولكن يتأخر في إخطاره للمستفيد .
ثالثا : أن تكون الشروط المقررة للاستفادة من خطاب الاعتماد أضيق مما اتفق عليه في العقد مع العميل الآمر .
رابعا : أن يقوم البنك بفتح الاعتماد بشروط أكثر سخاء للمستفيد مخالفا لما تم الاتفاق عليه مع العميل الآمر .

المبحث الثاني : التزامات البنك تجاه المستفيد ( البائع )

مثلما ترتبت التزامات على عاتق البنك تجاه العميل الآمر ، فإن عقد الاعتماد المستندي يرتب كذلك التزامات تلقى على عاتق البنك تجاه المستفيد ، تتمثل في الالتزام بدفع مبلغ الاعتماد المستندي للمستفيد ( البائع ) متى قام بتقديم المستندات المطلوبة منه وفقا لخطاب الاعتماد ، وإلا فإن من حق البنك رفض الصرف في حالة عدم التطابق بين المستندات وبين خطاب الاعتماد ، والمطابقة المقصودة هنا هي مطابقة ظاهرية فقط ، وعليه قمت بتقسيم هذا المبحث الى مطلبين ، أبين في المطلب الأول التزام البنك تجاه البائع في الاعتماد المستندي وهو الالتزام بدفع مبلغ الاعتماد ، يليه مطلب يبين بعض الحالات الخاصة العملية التي تنشأ من تلك العلاقة ، والتي أراها تحتاج الى توضيح من أجل إكمال هذا البحث .

المطلب الأول : دفع قيمة الإعتماد للمستفيد

يلتزم المصرف مباشرة تجاه المستفيد وبصورة مستقلة عن علاقتة البنك بالعميل الآمر طالب الاعتماد [26]، فمن أجل أن يقوم البنك بصرف مبلغ الإعتماد للمستفيد ، يجب على المستفيد أولا أن يقوم باعطاء البنك جميع المستندات المذكورة في خطاب الاعتماد ، وعلى البنك أن يفحصها فحصا دقيقا ظاهريا – مثل ما ذكرنا في المبحث السابق – ومن ثم في حال مطابقتها وفقا لشروط خطاب الاعتماد ، يتم صرف مبلغ الاعتماد للمستفيد ، وهو الالتزام الوحيد الذي يلقى على عاتق البنك تجاه المستفيد .

وهذه الحالة السابقة تكون في الاعتماد الغير القابل للإلغاء ، فهو الاعتماد الذي يكون البنك فيه ملتزما قبل المستفيد مباشرة ، وعليه أن يدفع له مبلغ الاعتماد إذا ما قدم المستفيد جميع المستندات وفقا لما ذكرنا ، حتى لو وجه العميل أمرا بعدم الدفع بسبب اخلال البائع بتنفيذ عقد البيع ، أما إذا كان الاعتماد قابلا للإلغاء ، فإن التزام البنك تجاه المستفيد لا يكون مباشرا ، ولا يحق للأخير أن يرغم البنك على دفع مبلغ الاعتماد ، والاعتماد يكون قائما إلا إذا أخطر العميل الآمر البنك بعد دفع مبلغ الاعتماد للمستفيد بسبب عدم التزام الأخير بتنفيذ عقد البيع ، ففي هذه الحالة يعتبر البنك وكيلا عن العميل الآمر في دفع الاعتماد [27].

وهذا ما ذهبت إليه المادة رقم 433 / 1 من قانون المعاملات التجارية ، حين نصت على أن ” يكون التزام المصرف في حالة الاعتماد المستندي غير القابل للإلغاء قطعيا ومباشرا قبل المستفيد وقبل كل حامل حسن النية للصك المسحوب تنفيذا للعقد الذي فتح الاعتماد المستندي بسببه ” .

وعلى الجانب الآخر ، يرى القضاء المصري في أحكامه أن البنك لا يعتبر وكيلا عن العميل الآمر ، وإنما إلتزامه مستقل تماما ، وعليه واجب دفع مبلغ الاعتماد متى قدم له المستفيد مستندات مطابقة تماما لما ورد في خطاب الاعتماد ، ففي ( الطعن رقم 372 لسنة 48 ق ) أكدت محكمة النقض المصرية على أن ” … البنك الذي يفتح اعتمادا مستنديا للوفاء بثمن صفقة تمت بين تاجرين لا يعتبر وكيلا عن المشتري في الوفاء للبائع بقيمة الاعتماد ، كما لا يعتبر كفيلا أو ضامنا يتبع التزامه التزام عميله المشتري ، بل يعتبر التزامه في هذه الحالة التزاما مستقلا عن العقد القائم بين البائع والمشتري يلتزم بمقتضاه بالوفاء بقيمة الاعتماد متى كانت المستندات المقدمة إليه مطابقة لما تضمنه خطاب الاعتماد دون أن يكون للبنك في ذلك أدنى سلطة في القدير أو التفسير أو الاستنتاج ” [28].

ومبدأ استقلال العلاقات هذا ذهبت إليه عدة أحكام قضائية ، منها ( الطعن رقم 443 لسنة 45 قضائية ، جلسة 27/2/1984 ، نقض مصري ) [29]، وكذلك ( الطعن رقم 402 لسنة 44 ق ، نقض مدني ، 20/2/1978 مجموعة أحكام النقض السنة 29 ، ص533 نقض مصري ) [30].

أيضا أكد ( الطعن رقم 185 لسنة 10 نقض مدني ، جلسة 21/2/1989 ) الصادر من المحكمة الاتحادية العليا على استقلال العلاقات كذلك ، وعلى عدم جواز تدخل البنك في العلاقة القائمة بين البائع والمشتري ، وذلك عندما نص هذا الحكم على ” أن علاقة المصرف فاتح الاعتماد بالآمر علاقة مستقلة عن علاقة الآمر بالمستفيد ، فبينما يحكم العلاقة الأولى عقد فتح الاعتماد المبرم بينهما ، يحكم العلاقة الثانية شروط عقد البيع المبرم بين المستفيد البائع والمشتري الآمر . ومن ثم فلا التزام على المصرف المطعون ضده بطلب عينة من البضاعة المشتراة ، إذ يُبحث عن حكم هذا الطلب في شروط عقد البيع ، ولم تقدم الطاعنة على أن البيع بشرط العينة ” [31].

المطلب الثاني : حالات خاصة

في سبيل وفاء البنك في التزاماته الملقاة على عاتقه تجاه المستفيد ، والتي تنحصر في دفع مبلغ الاعتماد للمستفيد بعد قيامه بتلقي المستندات المذكورة في خطاب الاعتماد ، والتأكد منها ومن تطابقها ظاهريا مع ما ورد في الخطاب من شروط وضعها العميل الآمر ، ولكن قد تواجه البنك حالات تتمثل في عدم تطابق المستندات مع خطاب الاعتماد ، وقد يكون هذا الاختلاف وعدم التطابق يمكن إزالته عن طريق إبلاغ المستفيد بأسرع وقت ممكن لسحب مستنداته الغير متطابقة واستبدالها مثلا بمستندات مطابقة للخطاب ، أو استكمال نقص في تلك المستندات إن كانت ناقصة ، وفي بعض الحالات قد تكون تلك المستندات مطابقة لما ورد في خطاب الاعتماد ، ولكن البنك يعلم بعدم صحة تلك المستندات ، فماذا يمكن عمله حيال ذلك ، وأيضا إن تم إبطال عقد البيع مثلا وكانت المستندات قد قدمت للبنك من قِبَل المستفيد ، وكانت متطابقة لما ورد في خطاب الاعتماد ، فتلك الحالات الثلاث ، آثرت أن أضعها في مطلب خاص لدراستها وتوضيحها ، وهي كالآتي :

أولا : حالة إبطال عقد البيع

إذا تم إبطال عقد البيع بعد قيام العميل بفتح الاعتماد المستندي لدى البنك ، نكون بصدد حالتي ، وهما [32]:
1 – إذا تم إبطال عقد البيع قبل تلقي البنك المستندات من المستفيد : في هذه الحالة يتحرر البنك من التزاماته تجاه المستفيد ، لأنه بإبطال عقد البيع يصبح المشتري متحررا من التزاماته ، ومن باب أولى يصبح البنك أيضا متحررا من التزاماته تجاه المستفيد ، ويصبح التزام المصرف بدون سبب ، وينتهي عقد فتح الاعتماد ، أما إذا دفع البنك مبلغ الاعتماد بسبب غش من البائع ، كأن قدم المستندات بعد إبطال عقد البيع ، كان للبنك حق الرجوع على البائع لاسترداد ما دفعه ، لأن الدفع قد تم بدون سبب صحيح .

2 – إذا تم إبطال عقد البيع بعد تلقي البنك المستندات من المستفيد : في هذه الحالة يصبح التزام البنك مباشرا ومستقلا أمام الحامل الحسن النية ، بغض النظر عن عقد البيع الذي تم إبطاله ، ولكن البنك لا يلتزم بدفع مبلغ الاعتماد للحامل سيء النية .

ثانيا : حالة عدم تطابق المستندات في ظاهرها

إذا لم تكن المستندات التي قدمها المستفيد متطابقة في ظاهرها مع الشروط الواردة في خطاب الاعتماد ، وجب على البنك عدم دفع مبلغ خطاب الاعتماد ، وعليه أن يخطر المستفيد بذلك لعله يتدارك الوضع ، أما إذا قام البنك بصرف مبلغ الاعتماد بناء على مستندات غير مطابقة ، فإن للبنك أن يعود على المستفيد ( البائع ) لاسترداد ما دفعه باعتبار أن الدفع قد تم بدون سبب صحيح [33].

ثالثا : حالة تطابق المستندات في ظاهرها ، ولكن البنك يعلم بعدم صحتها

إذا كانت المستندات المستلمة من المستفيد في ظاهرها مستندات مطابقة تماما لخطاب الاعتماد ، ولكن البنك كان يعلم أن بعض تلك المستندات غير صحيحة ، ذهب القضاء الفرنسي في مثل هذه الحالة الى أنه يجوز للمصرف الامتناع عن دفع قيمة الاعتماد للبائع ، إذا تبين له أن البائع قدم مستندات مطابقة للشروط ، ولكنه – أي البنك – يعلم بعدم صحتها [34].

وبالله التوفيق .

المراجع والمصادر :

المراجع :

1. د. الياس ناصيف ، الموسوعة التجارية الشاملة ، عويدات للطباعة والنشر ، بيروت ، الجزء الثالث .
2. أ . حازم ربحي عواد وآخرون ، مبادئ القانون التجاري ، دار يافا العلمية للنشر والوزيع ، الطبعة الأولى ، سنة 2000 م .
3. د. عباس مصطفى المصري ، عقد الإعتماد المستندي في قانون التجارة الجديد ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، سنة 2005 م .
4. د .عبد الله حسن محمد ، العمليات المصرفية في قانون وقضاء دولة الإمارات العربية المتحدة ، مطبوعات جامعة الإمارات ، الطبعة الأولى ، 2001 م .

البحوث المُحكمة :

1. د. مؤيد أحمد عبيدات و د. عبد الله حسين الخشروم ، المخاطر الترتبة على الإعتماد المستندي : دراسة تحليلية لنشرة (600) ، تاريخ قبول البحث للنشر 5/4/2009 ، مجلة المنارة ، المجلد 15 ، العدد 2 ، سنة 2009 م .

[1] مشار إليه فيه : د .عبد الله حسن محمد ، العمليات المصرفية في قانون وقضاء دولة الإمارات العربية المتحدة ، مطبوعات جامعة الإمارات ، الطبعة الأولى ، 2001 ، ص 273
[2] د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 274 – 275
[3] د. محي الدين اسماعيل ، موسوعة أعمال البنوك من الناحيتين القانونية والعملية ، سنة 1993 ، الجزء الثالث ، ص 1066 ، مشار إليه في : حازم ربحي عواد وآخرون ، مبادئ القانون التجاري ، دار يافا العلمية للنشر والوزيع ، الطبعة الأولى ، سنة 2000 ، ص 298 – 299
[4] أحمد غنيم ، سند الشحن في إطار الاعتمادات المستندية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، سنة 1995 ، ص 14 ، وأيضا : د. فايز رضوان ، القانون التجاري ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2002 ، ص 543 ، وأيضا : د. أحمد محمد محرز ، القانون التجاري عمليات المصارف ، دار الكتب القانونية ، 2003 ، ص 186 ، مشار إليهم في : د. عباس مصطفى المصري ، عقد الإعتماد المستندي في قانون التجارة الجديد ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، سنة 2005 ، ص 30
[5] أنظر : د. الياس ناصيف ، الموسوعة التجارية الشاملة ، عويدات للطباعة والنشر ، بيروت ، الجزء الثالث ، ص 451، وأيضا د. عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 30 ، وأيضا د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 279
[6] د. علي جمال الدين عوض ، الاعتمادات المستندية ، سنة 1981 ، فقرة 11 مكرر ، مشار إليه في : د . عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 285 – 286
[7] د. الياس ناصف ، المرجع السابق ، ص 453
[8] د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 290
[9] أنظر : د . عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 276 – 278 ، وأيضا : د. الياس ناصيف ، المرجع السابق ، ص 442 – 448
[10] القواعد الدولية الموحدة للاعتمادات المستندية الصادرة عن غرفة التجارة الدولية بباريس ، النشرة رقم 500 لسنة 1993 ، مترجمة عن النسخة الصادرة باللغة الإنجليزية ، ومشارة إليها في : د. عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 142
[11] حازم ربحي عواد وآخرون ، المرجع السابق ، ص 297 – 298
[12] د. عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 50
[13] طعن مشار إليه في : د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 308 – 310
[14] أنظر : د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 314 – 315 ، وكذلك : د . عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 51
[15] د. الياس ناصيف ، المرجع السابق ، 461
[16] د. عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 57
[17] د. الياس ناصيف ، المرجع السابق ، ص 459
[18] د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 315 وحتى 342
[19] حيث نص الحكم على ” … لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على تقرير الخبير … الذي انتهى فيه بعد الاستعانة برأي غرفة تجارة وصناعة الكويت الى أن مستندات الاعتماد موضوع النزاع وإن كانت مزورة إلا أن ظاهرها يوحي بأنها سليمة ومطابقة لشروط الاعتماد من غير مخالفة للواقع أو المألوف ، وإن الاجراءات التي اتخذها المصرف بالنسبة للاعتماد هي الاجراءات المعتادة في هذا الشأن ، وأن عملية سداد القيمة الى البائع في الخارج قبل التحقق من وصول البضاعة أمر يتفق مع طبيعة الاعتمادات المستندية ودور المصرف فيها لأنه يتعامل بالمستندات وليس بالبضائع ، وأنه طبقا لأحكام العرف فإن المصرف غير مسئول في حالة تزوير المستندات طالما أن ظاهرها يوحي بأنها سليمة ومطابقة لشروط الاعتماد … لما كان ذلك وكان … الحكم المطعون فيه قد أخذ بتقرير الخبير للأسباب التي أقيم عليها وخلص إلى أن المصرف قد التزم الإجراءات التي يتعين عليه اتباعها في هذا الصدد فلا ينسب إليه من أجل ذلك أي خطأ يمكن أن يكون محل مساءلة ، وهو ما يتمشى مع العرف ونصوص عقد فتح الاعتماد ، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد التزم صحيح القانون وأقام قضاءه على ما يكفي لحمله ” ، جلسة 21/5/1980 .

[20] الياس ناصيف ، المرجع السابق ، ص 462
[21] جلسة 10/1/1994 ، مشار إليها في : د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 344 حتى 353
[22] علي جمال الدين عوض ، الاعتمادات المستندية ، دراسة للقضاء المقارن وقواعد سنة 1983 الدولية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، سنة 1993 ، ص 66 – 67 ، مشار إليه في : د. مؤيد أحمد عبيدات و د. عبد الله حسين الخشروم ، المخاطر الترتبة على الإعتماد المستندي : دراسة تحليلية لنشرة (600) ، تاريخ قبول البحث للنشر 5/4/2009 ، مجلة المنارة ، المجلد 15 ، العدد 2 ، سنة 2009 ، ص 161
[23] عزيز العكيلي ، شرح القانون التجاري ( الأوراق التجارية وعمليات البنوك ) ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمَان ، سنة 2005 ، الجزء 2 ، ص 431 – 432 ، مشار إليه في : د. مؤيد أحمد عبيدات و د. عبد الله حسين الخشروم ، المرجع السابق ، ص 162
[24] د. مؤيد أحمد عبيدات و د. عبد الله حسين الخشروم ، المرجع السابق ، ص 162 – 163
[25] د. مؤيد أحمد عبيدات و د. عبد الله حسين الخشروم ، المرجع السابق ، ص 164
[26] د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 359
[27] د. الياس ناصيف ، المرجع السابق ، ص 464
[28] نقض مدني في 18/2/1985 ، منشور بقضاء النقض التجاري ، د.أحمد حسني ، الاسكندرية سنة 1989 ، ص 110 ، مشار إليه في : د. عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 60
[29] مشار إليه في : د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 359
[30] مشار إليه في : د. عباس مصطفى المصري ، المرجع السابق ، ص 59 – 60
[31] مشار إليه في : د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 362 – 364
[32] أنظر : د. الياس ناصيف ، المرجع السابق ، ص 464 – 465 ، وأيضا د. عبد الله حسن محمد ، المرجع السابق ، ص 368 – 374
[33] د. الياس ناصيف ، المرجع السابق ، ص 465
راجع أيضا : المبحث الأول ، المطلب الأول ، بند رقم 1 ، من بحثنا هذا ، بعنوان ( إذا كانت المستندات غير مطابقة ) ، حيث أن الموضوع يستكمل هذه النقطة ، ومنعا لتكرار نفس المعلومة .
[34] المرجع السابق ، ص 464