المقاربة الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي

تم إعادة النشر بواسطة محاماة نت

كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة الجيلالي اليابس بسيدي بلعباس – الجزائر
نيابة العمادة للدراسات ما بعد التدرج والبحث العلمي
والعلاقات الخارجية
قسم الماجستير ( 2006-2010)
التخصص : القانون الدولي والعلاقات الدولية
تاريخ المناقشة : 04 مارس 2010
من إعداد الطالب : :
ذ عبد المومن بن صغير

تحت إشراف الأستاذ الدكتور
نعيمي فوزي .

مقدمـــة:

من المسلم به أن كل دولة من دول العالم المختلفة تسعى إلى إحداث قفزة نوعية نحو بلوغ التنمية( )بجميع أبعادها، لاسيما النمو والتقدم الاقتصاديين، والذي يلزم لتحقيقه توافر مجموعة من العوامل وتضافرها، سواء كانت قانونية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ( )،ويأتي في مقدمة تلك العوامل “الخبرة الفنية والعلمية” أو التكنولوجيا، بالإضافة إلى “رأس المال”، الذي يعتبر شريان التنمية الاقتصادية في العصر الحديث وينقسم المجتمع الدولي من الناحية الاقتصادية إلى قسمين رئيسين: أحدهما متقدم، يملك رأس المال والخبرة العلمية والفنية، وآخر نام يحتاج لأحد العنصرين أوكليهما معا، وعليه يمكن أن تنشأ علاقة اقتصادية قانونية بينهما، فالبلدان النامية لطالما عجزت عن تحقيق التنمية بالاعتماد على إمكانيتها الذاتية بسبب ضعف الادخار المحلي تارة، وانخفاض مستوى الدخل القومي تارة أخرى، فضلا عن غياب التكنولوجيا “التقنيـة” الحديثة التي تعتبر رأس كل تقدم، لذلك تظهر الحاجة إلى ضرورة استقطاب المال الخارجي للإسهام في عملية التنمية الاقتصادية .

في المقابل فالدول المتقدمة بحاجة إلى إيجاد أسواق تستثمر فيها رؤوس الأموال الفائضة لديها، من هنا يعد انتقال رأس المال والخبرة العلمية والفنية أحد أهم المعالم الرئيسية التي يرتكز عليها الاقتصاد العالمي في وقتنا الراهن، خاصة في ظل بزوغ العولمة المالية وتحرر الأسواق، ولعل القناة الرئيسية التي يتجسد عبرها هذا الانتقال هي ما اتفق على اصطلاحه بالاستثمار الأجنبي( ).

وقد مر الاستثمار الأجنبي بعدة تطوات تاريخية ساهمت بشكل كبير في البحث عن الوسائل والأدوات القانونية لإضفاء صبغة الحماية الدولية عليه، وقد تكرس ذلك تاريخيا ابتداء من ظهور بعض القواعد العرفية الدولية التقليدية للقانون الدولي، والتي تبلورت من خلال ما وضعته من قواعد تنظم الوضع القانوني للأموال الأجنبية عموما، وهو ما تجسد في الحد الأدنى للحماية الدولية الموضوعية والإجرائية.

بعد ظهور العولمة وتطور العلاقات الاقتصادية الدولية من خلالبروز الشركات المتعددة الجنسيات ( ) وسيطرتها على الاقتصاد العالمي بصفة عامة، وأثرها على توجهات الاستثمار الدولي بصفة خاصة، وفي خضم تلك الظروف اتضح للدول النامية مدى قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية وعجزها عن توفير الحماية الضرورية واللازمة للاستثمارات الأجنبية من خلال انعدام الحماية ضد المخاطر غير التجارية الواقعة في ظل الظروف الاستثنائية بالإضافة إلى محدودية التعويض في إطار الأعراف الدولية، أضف إلى ذلك الصعوبات والإشكاليات التي تثيرها ممارسة الحماية الدبلوماسية في حالات انعدام وتعدد الجنسيات وكذا اعتبارات الدولة السياسية.

إن التغير الذي حدث في العلاقات الدولية، وما صاحب ذلك من تطور خاصة في الميدان الاقتصادي الدولي هو الذي أدى إلى ظهور فكرة التخلي عن الأعراف الدولية كسبيل لحماية الاستثمارات الأجنبية ، فالدول النامية قد تشكل لها هاجس إزاء هذه الأعراف التي لم تشارك في وضع قواعدها( ) والتي لم تكن تراها إلا مظهرا من مظاهر تكريس الهيمنة الاستعمارية، فهذه القواعد قد وضعت خصيصا لحماية وتغليب مصالح الدول المصدرة لرؤوس الأموال على حساب الدول المستوردة لها من خلال مرحلة تاريخية أعطت فيها الدول الأوربية لنفسها حق تنظيم الشؤون الدولية، وسلطة مراقبة قواعد القانون الدولي، مما دفع بالكثير منها وخاصة حديثة الاستقلال إلى التشكيك في تلك القواعد معتبرة إياها مجرد مرحلة استعمارية تميزت فيها العلاقات الدولية بالهيمنة والاستقلال، الأمر الذي دفعها إلى المطالبة بإعادة النظر فيها واستبدالها ( ).

فالدول النامية كانت ترى انه لا معنى لوجود قواعد القانون الدولي التقليدي، ما لم يكن لهذه الدول الحق في فرض سيادتها على ثرواتها الطبيعية،حيث أرتبط مفهوم مبدأ سيادة الدولة من وجهة النظر التاريخية بظهور الدولة الحديثة فبعد أن كان الاتجاه القديم يرى أن للدولة سيادة مطلقة، ولا يقيدها في ذلك إلا إرادتها، استقر الفقه التقليدي على أن سيادة الدولة مقيدة بما تفرضه قواعد القانون الدولي العام من التزامات تعلو على إرادة الدول، غير أن غالبية الفقه الحديث يتمسك بمفهوم السيادة كركيزة أساسية لحماية مصالح الدول، ولضمان ممارستها لسيادتها الدائمة على مواردها وثرواتها الطبيعية، والتي تعود ملكيتها للدولة صاحبة الإقليم، تستعملها بكل حرية بما يتلاءم مع مصالحها ومتطلبات تنميتها، فسيادة الدولة على مواردها وثرواتها الطبيعية تستند على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى مبدأ التساوي في السيادة بين جميع الدول، ولكل الدول وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، وما تقره قواعد القانون الدولي العام( ) وذلك تجسيدا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي، وحقها في التأميم ومراقبة الأشخاص الأجانب الموجودين على إقليميها، في حين كانت ترى الدول المصدرة لرؤوس الأموال بأن القانون الدولي يمنح للأجانب حق التمتع بالحد الأدنى من الحماية الدولية لا يجوز للدولة المضيفة تجاهله .

وفي خضم المواقف المتعارضة واتسام الوضع الدولي بالتعقيد( )،كان لابد من ضرورة وضع قواعد دولية جديدة يتم من خلالها وضع حدود لحرية وسلوك ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات، خاصة وإن القانون الدولي قد شهد صراعات بين البلدان المستقبلة للاستثمار و المستثمرين الرامين إلى وضع حدود لحرية البلدان المستقبلة للرأسماليين.

وسعيا نحو محاولة التوفيق بين المصالح المتضاربة، بدا من الضروري التفكير في إيجاد نظام دولي شامل وموحد لتنظيم الاستثمارات الأجنبية، حيث ظهرت جهود المجتمع الدولي سواء على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي في إطار ما يعرف ب”محور الجهود الجماعية الدولية”، وذلك للبحث عن آليات دولية فعالة يتم بموجبها وضع إطار دولي عادل ومتوازن لضبط سلوك الشركات المتعددة الجنسيات من جهة وحماية المصالح المشتركة من جهة أخرى.

وقد ظهرت بوادر التفكير في إيجاد مشروع عالمي موحد للاستثمارات الأجنبية إلى بداية الثلاثينات بعد الأزمة التي عرفها الاقتصاد العالمي، مما دفع بعصبة الأمم المتحدة عام 1929 إلى تبني الفكرة، و قد تمحور موضوعها حينه حول إنشاء ميثاق متعدد الأطراف يكون بمثابة النمط السلوك( )، ثم توالت الجهود والمحاولات الدولية الساعية لوضع قواعد منظمة لنشاط الاستثماري على المستوى الدولي ، سواء من قبل المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية “NGOS”، واعتبر ميثاق هافانا الذي انشأ المنظمة الدولية للتجارة( ) في سنة 1948 كأول محاولة للتنظيم على المستوى الحكومي للاستثمارات الدولية .

ثم جاءت محاولات أخرى في إطار المنظمات الدولية الحكومية ،مثل ما هو الشأن بالنسبة لمؤتمر التجارة والتنمية سنة 1964، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية سنة 1965، كما وضعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE ” مشروع اتفاقية حماية الأموال الأجنبية التي تمت الموافقة عليه في 12نوفمبر1967، ودور الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 ، وكذا الإعلان الثلاثي الصادر عن منظمة العمل الدولية عام 1977.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد بادرت منظمات دولية حكومية اقتصادية ومالية على غرار ما قامت به المنظمات السياسية السابقة مثل الأطروحة التي تقدم بها صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي، والخطوط الموجهة التي وضعها البنك الدولي، بالإضافة الاتفاق حول إجراءات الاستثمار في إطار المنظمة العالمية للتجارة “OMC”.

ولنفس السبب بذلت محاولات من اجل وضع تقنين شامل للقواعد التي تنظم حقوق وواجبات هذه الاستثمارات على المستوى العالمي، وضبط حرية سلوك ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات والتقيد من تصرفها إزاء تعاملها مع البلدان النامية خاصة فيما يتعلق بطرح قضايا تتعلق بالتعويض في حالة التأميم وإعادة التفاوض حول عقود الامتيازات وخاصة المتعلقة باستغلال المواد الأولية ( )، وذلك من قبل منظمات دولية غير حكومية.

وقد كان لهذه المنظمات دور فعال ومشاركة قوية في إرساء السياسات المتعلقة بالاستثمارات الدولية، ورغم أن هذه المساهمات ليست بطبيعتها حكومية وليست ملزمة إلا أنها تشكل مقاربة جديدة في التعامل مع المواضيع المصيرية ،التي لها علاقة مباشرة بحياة الشعوب ومستقبلها التنموي ( ) .
بعد الجهود العالمية نحو إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية ، اتجهت الدول إلى العمل الإقليمي وقد ظهرت مجموعة من المحاولات الجهوية، نذكر على سبيل المثال تقنين اندين في أمريكا اللاتينية الذي ظهر على مستوى الدول المستقبلة لرؤوس الأموال ، ومبادرة اللجنة الأوروبية ، بالإضافة إلى تنظيم الاستثمار على المستوى العربي . منذ ذلك الوقت والمجتمع الدولي يسعى جاهدا نحو الوصول إلى ميثاق عالمي متعدد الأطراف لحماية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، غير انه فشل قي تحقيق تلك الغاية لصعوبة التوفيق بين ضرورة توفير معاملة عادلة وضمان معاملة فعالة لها من جهة، واحترام سيادة الدول المضيفة خصوصا الدول النامية من جهة أخرى، مما أوجد تباينا في مواقف الدول حول التعامل مع هذه الاستثمارات،فالدول الغربية المصدرة لرأس المال ترى أن انتقال الحر لرؤوس الأموال الخاصة على أسس تجارية يؤدي إلى النمو المتوازن للاقتصاد العالمي، ومن ثم يدعم مجهودات التنمية في الدول المتخلفة. لذا فان هذه الدول تعترض على محاولات الدول المضيفة إخضاع الاستثمار الأجنبي لرقابتها أو فرض قيود عليه، بينما الدول النامية المستوردة لرأس المال لا تحبذ ترك الحبل الغارب للاستثمارات الأجنبية، بل لابد من أن يكون تشجيع هذه الاستثمارات في إطار خطة الدولة الاقتصادية والأهداف التي تبتغي تحقيقها من جراء تشجيعها للاستثمارات الأجنبية مما يقتضيه ذاك من إخضاع هذه الاستثمارات لما تفرضه الدولة من قيود وضوابط تخدم أهدافها القومية( ) .
وبسبب فشل المجتمع الدولي بدا واضحا أن فكرة توقيع اتفاق دولي لحماية الاستثمارات الأجنبية، أضحى أمرا مستعصيا إن لم نقل مستحيلا، لذلك لم يكن أمام الدول إلا البحث عن وسائل قانونية أخرى لتحقيق هذه الغاية ولكن في نطاق أضيف من العالمية فكان الاتجاه نحو إبرام الاتفاقيات الثنائية بغرض حماية وتشجيع هذه الاستثمارات وتعتبر الاتفاقيات الثنائية أهم وسيلة ناجعة لتنفيذ الاستثمارات الأجنبية، حيث أصبحت في العصر الحديث الأكثر استعمالا على مستوىالعلاقات الاقتصادية الدولية، ولعل الدور الكبير الذي تضطلع به هو الذي كان سببا رئيسيا في توسعها( ).
يتمثل دور هذه الاتفاقيات في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية من خلال ما تحتوي عليه هذه الاتفاقيات عموما على تعريف جد واسع للاستثمار.وذلك بهدف تمكين الدول المصدرة للرساميل خاصة من ضمان حماية فعالة لها( ) .
كما تنص الاتفاقيات الثنائية في مجال معاملة الاستثمار على مبدأ المعاملة الوطنية وشرط الدولة الأكثر رعاية، وتؤكد تلك الاتفاقيات على أن أفضل المبدئيين يطبق على الاستثمارات المعنية، والنص على هذين المبدئيين يكتسي أهمية خاصة في حالة ما إذا كان البلد المستقبل للاستثمار يمنح للمستثمرين الأجانب مزايا لا يمنحها لرعاياه، كما تلعب الاتفاقيات الثنائية دورا كبيرا في منع الازدواج الضريبي الذي يشكل أهم عقبة تعترض سبيل المستثمر الأجنبي.
أسباب اختيار الموضوع:
مما سبق فقد جاء اختياري لموضوع البحث: “المقاربة الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي و ما دفعني إلى هذا الاختيار عدة اعتبارات منها:
– الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها الاتفاقيات الثنائية في العصر الحديث، حيث أصبحت أهم وسيلة فعالة لتنفيذ الاستثمارات الأجنبية.
-إن الاتفاقيات الثنائية تضم أحكام سهلة مماثلة لتلك التي ينص عليها القانون الوطني، وإنها تعطي للمستثمر الأجنبي حرية واسعة ومعاملة أفضل من تلك التي توفرها له المشروعات الدولية لتوحيد القواعد الدولية لمعاملة الاستثمارات الأجنبية.
-إن الاتفاقيات الثنائية تتميز بالمرونة والبساطة والدقة في تحديد الحقوق والالتزامات وتنوعها وذلك لأنها تستجيب لرغبة المتعاقدين وتراعي ظروفهما المشتركة ، من خلال محاولة إقامة وتثبيت التوازن بين مصالح الأطراف المتعاقدة.
-تضم الاتفاقيات الثنائية آليات قانونية سهلة لتسوية النزاعات بين الدولة والمستثمر الأجنبي، فهي تجنب الخلاف بين الدولتين المتعاقدتين حول تكييف وتطبيق أحكام الاتفاقية مما يقلل من المنازعات بينهما، خاصة في ظل عدم توصل المجتمع الدولي إلى إنشاء آليات لهيئة التحكيم العالمية تتولى توحيد الحلول القانونية بشأن منازعات الاستثمار.
-إن ضعف الأنظمة القانونية الوطنية في التصدي للمعوقات التي تعترض سبيل الاستثمارات الدولية، هو الذي شجع إلى اللجوء لإبرام الاتفاقيات الثنائية التي تحتوي على أحكام تكفل للاستثمار الأجنبي الحماية القانونية له، خاصة في منع الازدواج الضريبي.
-ضعف القواعد العرفية الدولية التقليدية في توفير الحماية الضرورية واللازمة للاستثمار.
-إن الاتفاقيات الثنائية تتضمن ضمانات إجرائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، فهي تحيل إلى التحكيم الدولي الذي يكفل بدوره تسوية النزاعات بطريقة سريعة وسهلة، كما أنها تضفي عليه حماية قوية بخلاف ضعف الحماية القانونية لأنظمة الاستثمار الوطنية، فبالرغم من قيام العديد منبلدان بإصلاحات قانونية، منها منح المعاملة المتساوية للاستثمارات الأجنبية والوطنية، ومنع المصادرة والنص على التعويض السريع والكافي والفعال عند حدوث التأميم، إلا أنها مازالت تعاني من السماح الضمني بالمصادرة التعسفية، ومن ضعف النظام القضائي الذي يفرغ مفهوم التعويضالسريع والكافي من محتواه، هذا إضافة إلى أن إلزام المستثمر الأجنبي بإتباع طرق فض النزاعاتعبر الوسائل التقاضي المحلية، يجعل ذلك المستثمر أمام قضاء ضعيف ومعيب يقلص من ثقته في مناح الاستثمار.
-إن الاتفاقيات الثنائية تتضمن مسألة حرية إنهاء الاستثمارات التي تعتبر عامل من عوامل تشجيع، حيث تحتوي على حلول وسطى في موضوع الإنهاء، وهي حلول تتمثل أساسا في إمكانية إنهاء المستثمر لمشروعه الاستثماري كليا أو جزئيا، وأن لا تعترض الدولة المستقبلة على ذلك الإنهاء، إلا أنه يمكن لها تنظيم ذلك الإنهاء أخذة في ذلك أهداف خططها الاقتصادية بعين الاعتبار.
تلك هي أهم الاعتبارات التي حملتني على البحث في موضوع:” المقاربة الثنائية لجماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي “، وإثناء انجازي لهذا العمل واجهت العديد من الصعوبات أهمها:
-قلة المراجع والمعلومات المتعلقة بالموضوع ، وخاصة المراجع المتخصصة ، فهو موضوع حديث على مستوى المكتبة الجزائرية على الأقل ولم يلق عليه الضوء سابقا من طرف الباحثين والمهتمين بمجال الاستثمارات الدولية.
-وجود بعض المراجع شبه متخصصة في الموضوع ، ولكن بلغات أجنبية خاصة الفرنسية والإنجليزية وهو ما شكل لي صعوبة كبيرة في مجال الترجمة إلى اللغة العربية لاسيما الترجمة في المعنى.
-إن مجموعة من المراجع العربية تناولت هذا الموضوع ولكن من جانب جزئي ضيق جدا عن موضوع دارستي، فعالجت مسألة الاستثمار الأجنبي والاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف بينما دراسة الاتفاقيات الثنائية تبقى لها خصوصياتها التي تميزها عن غيرها من الاتفاقيات الدولية الجماعية.
-إن ارتباط هذا الموضوع بمواضيع معقدة لها علاقة وطيدة بمفهوم الاستثمار الأجنبي ، خاصة وأن عملية الاستثمار هي عملية مركبة تجمع بين المفهوم القانوني والاقتصادي ، كما أن هذه المواضيع في حد ذاتها متباينة فمنها ذو الطابع السياسي ومنها الاقتصادي بالمعنى الفني ومنها المالي وكذا التجاري ، وهذه الأسباب جميعها تعيق الدراسة النظرية لتطبيق اتفاقيات الاستثمار الثنائية.
تحديد إشكالية الدراسة:
تتمثل المشكلة في أن موضوع البحث عن نظام دولي موحد خاص بالاستثمارات الأجنبية يطرح معادلة صعبة، تتجلى في صعوبة التوفيق بين المصالح المتضاربة للدول النامية و الشركات المتعددة الجنسيات، فالأولى – أعني الدول المضيفة – تسعى إلى خلق مناخ استثماري ملائم من أجل جذب وتشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة، ولا شك أن وجود قدر كاف من الحماية لرأس المال الأجنبي، ووجود طريقة ملائمة لتسوية المنازعات والتعويض عن الأضرار يشكل أحد العوامل الجوهرية في خلق مناخ جيد لنجاح الاستثمارات الأجنبية هذا من جهة، ومنجهة أخرى تحبذ المحافظة على مبدأ سيادتها، وعدم ترك مجال واسع وحرية للدول المصدرة للرساميل (الشركات متعددة الجنسيات ).
وإذا كان النظام القانوني الذي يحكم الاستثمارات الأجنبية في الدولة المضيفة من شأنه أن يلعب دورا هاما في تشجيع واجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية، و يقدم ضمانا لازما لها، غير أن عدم ثقة المستثمر الأجنبي بهذه التشريعات (الأنظمة القانونية الوطنية) جعل منها أداة قانونية غير فعالة.
من أجل ذلك كان من الطبيعي و اللازم البحث عن الوسائل المناسبة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية و بصفة خاصة الوسائل الوسائل التي تمنح المستثمرين الاطمئنان الذي ينشدوه، وذلك لتوفير الضمان والحماية لاستثماراتهم في مواجهة المخاطر غير التجارية التي قد تتعرض لها هذه الاستثمارات في الأقطار المضيفة.
ودعما لهذا الاتجاه فقد ابتدعت عدة وسائل قانونية لإسباغ حماية موضوعية و إجرائية على الاستثمارات الأجنبية في الدول المضيفة ، وذلك استنادا إلى بعض المبادئ القانونية المقررة بمقتضى العرف الدولي من أجل توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية.
و نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية الدولية فقد بدا واضحا عدم قدرة القواعد الدولية التقليدية المقررة بمقتضى العرف الدولي في توفير الضمان الكافي و الحماية اللازمة لرأس المال الأجنبي، لذلك بدا من الضروري البحث عن نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية خاصة و أن وظيفة القانون الدولي لم تعد تقتصر في المجتمع الدولي المعاصر على تنظيم العلاقات بين الدول فحسب، و غنما أصبحت مطالبة أيضا ببلوغ غاية معينة تتمثل في تحسين الظروف التي تعيشها الشعوب على كافة المستويات عن طريق تنميتها ، فقد تدخل المجتمع الدولي في تنظيم الحركة الدولية لانتقال رؤوس الأموال الأجنبية، ووضع القواعد القانونية الكفيلة بحمايتها، سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي.
يمكن القول بصفة عامة أن المحاولات الجماعية متعددة الأطراف تقوم على أساس التسليم بالفوائد التي تعود على جميع الدول من وجود و انتشار الاستثمارات الأجنبية الخاصة، وأنها تتوخى غاية واحدة هي وضع مجموعة من المبادئ القانونية الموحدة بين الدول المصدرة لرؤوس الأموال و الدول المستقبلة لها، تكون بمثابة قواعد دولية تنظم سلوك الدول في مواجهة الاستثمارات الأجنبية الخاصة ، غير أن ذلك قد باء بالفشل ، و لإعطاء الموضوع حقه في الدراسة و التحليل ينبغي تحديد الإشكالية التي تطرح لتكون محلا لتناول الموضوع بالبحث ، فكانت في شكل تساؤلات علىالنحو التالي:
-ما هي أسباب و دوافع لجوء الدول إلى إبرام اتفاقيات الاستثمار الثنائية؟ و إلى أي مدى نجحت المقاربة الثنائية في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية ؟
-ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الاتفاقيات كآليات بديلة و فعالة لتنفيذ الاستثمارات الأجنبية ؟
– هل سيؤدي نجاح الاتفاقيات الثنائية إلى اعتبار الأدوات المتعددة الأطراف والجهود الدولية التي بذلت وسعت في إيجاد نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية أدوات تجاوزها الزمن؟ ولا تمثل سوى معلما من حقبة انتقالية في تطور القانون الدولي للاستثمارات، وخاصة في ظل التطور الذي عرفته العلاقات الاقتصادية الراهنة؟.
الجواب يتوقف على مدى التقدم الذي تحققه اتفاقيات الاستثمار الثنائية.
منهج البحث:
يتعين على الباحث عند قيامه بإعداد أي بحث بصفة عامة اختيار الأسلوب أو المنهج الذي يمكنه من الوصول إلى النتيجة التي يهدف إليها، ومن جانبنا فقد رأينا من بين مناهج البحث، وهو أسلوب تاريخي وصفي تحليلي، فهو أقرب المناهج إلى تحقيق النتيجة التي نهدف إليها من دراستنا، حيث اعتمدت في دراستي لإنجاز هذا العمل المتواضع على المنهج التاريخي ، حيث استعرضت مختلف التطورات التي حصلت على مستوى الاستثمارات الدولية من خلال الجهود الدولية العالمية و الإقليمية التي بذلت نحو إيجاد نظام دولي موحد و منظم للاستثمارات الأجنبية ابتداء من 1929 إلى غاية آخر المحاولات التي قامت بها منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية OCDE عام 1995.
و التزمت قدر الإمكان التقيد بحدود الإشكاليات القانونية موضوع الدراسة ، معتمدا في ذلك على الأسلوب الوصفي من خلال تعداد حقائق و مزايا و أدوار الاتفاقيات الثنائية الخاصة بحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي ، وكذا الأسلوب التحليلي ، تحليل المبادئ القانونية الخاصة بالحماية الموضوعية و الإجرائية للمال الأجنبي، و المقررة بمقتضى أحكام العرف الدولي لمعرفة مدى كفاية هذه المبادئ في توفير الحماية اللازمة و الكافية للاستثمارات الأجنبية.
كما أجرينا تحليلا لنصوص عدد من الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف والثنائية التي تعنى بحماية الاستثمار وتشجيعه، وعلى ضمان المخاطر التي يواجهها المستثمر في الأقطار المضيفة.
و قد قمنا بمناقشة الأفكار و تحليلها وفق ترتيب محدد من شأنه أن يخرج هذه الدراسة سعيا منا لإضفاء تكامل البناء و تناسق الأفكار قدر ما استطعت، كان واقعنا في ذلك تقديم عمل أكاديمي يضاف إلى سابق الأعمال لتشكل جميعها رصيد علمي متنوع ، يثري المكتبة و ينير السبل أمام كل دارس طالب للمعرفة و العلم.
هدف البحث و خطة الدراسة:
لعل من بين أهم الأهداف التي نسعى لتحقيقها من جراء دراستنا لموضوع البحث ” دور الاتفاقيات الثنائية في تطوير قواعد الاستثمار الأجنبي وتنفيذه ” تبيان دور وأهمية الاتفاقيات الثنائية في تطوير النظام القانوني للدولي للاستثمارات الأجنبية، حيث تشكل أداة أساسية لتنظيم الاستثمار الأجنبي وحمايته و تشجيعه، حيث أتاح هذا النوع من المعاهدات تحديد ماهية الاستثمار، وكذا ضمان الحقوق المتعلقة به بخصوص حق الملكية، تحويل الأرباح، وكذا التعويض في حال نزع الملكية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عملت هذه الاتفاقيات على رفع الحد الأدنى للحماية الدولية العرفية الموضوعية والإجرائية، وبالتالي ما يميز هذه المعاهدات هو القواعد و الإجراءات الواردةفيها بشأن تسوية المنازعات، بحيث تستبعد تطبيق القواعد المتعلقة بنظام الحماية الدبلوماسية، وذلك إما بالتخلي عن الشروط المتصلة بممارستها أو بالتخفيف منها، ولهذا فهي تسعى لإخراج المنازعات المتعلقة بهذه الاستثمارات بين الدول المستقبلة والمستثمرين الأجانب من دواليب الآلية التقليدية للحماية الدبلوماسية، فالقواعد المتصلة منها بجنسية المطالبات واستنفاذ طرق الطعن الداخلية غير ضرورية هنا، وهذا ما يفضي إلى فرق واضح من نظام الحماية الدبلوماسية، فالأجراء هنا ذو طابع مباشر ودولي، وتعد الاتفاقية متعددة الأطراف لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى أحسن مثال يضرب في هذا الصدد.
وفي نظام تسوية المنازعات الخاصة بالاستثمارات الدولية، وخصوصا عندما تكون العلاقات القانونية تأخذ طابعا عبر دولي، و ذلك غالبا بوجود دولية نامية كأحد الأطراف وشخص خاصينتمي لبلد مصنع كطرف ثان، فإن الآليات الخاصة بتسوية النزاعات في هذا الإطار تتجنب الوقوع في قاعدة سمو القانون الوطني لأحد الأطراف، وذلك بالخضوع لقواعد دولية خاصة محايدة.
و لذا تنص بعض بنود معاهدات الاستثمار الثنائية على التسوية المباشرة للنزاعات المتعلقة بالاستثمارات التي قد تنشأ بين المستثمر الأجنبي والدولة المستقبلة أمام هيئات تحكيم دولية معينة، أو هيئة منشأة لهذا الغرض أو أمام “المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى”،كما قد تحيل بعض معاهدات الاستثمار الثنائية بخصوص تفسير أو تطبيق نص ذي صلة بالمعاهدة إلى هيئات تحكيم بين دولة جنسية المستثمر (شركة أو حامل أسهم) و الدولة المضيفة، و يكون لكل منهما الحق في اللجوء إلى هذه الهيئات، و هكذا توفر هذه المعاهدات وسائل انتصاف للأفراد المستثمرين تجاريا في الخارج، مما يجعل استثماراتهم أكثر أمنا، بحيث يمكن لهم اللجوء بموجبها مباشرة إلى هيئات تحكيمية في حالة نشوب أي نزاع مع الدولة المضيفة بشأن هذه الاستثمارات، شريطة أن توافق الدولة المدعى عليها و دولة المواطن المستثمر على هذه الإجراء.
و لبيان و جلاء تلك المعاني و الأفكار، ارتأيت معالجة هذه الدراسة ضمن فصلين مقسمين كما يلي:
الفصل الأول: تناولت فيه الأسباب والدوافع الرامية إلى اللجوء لاتفاقيات الاستثمار الثنائية، فكان المبحث الأول منه يخص قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية للقانون الدولي في توفير الحماية اللازمة والضرورية للاستثمار الأجنبي، و فيه وقفت على المظاهر التي تجسدت فيها هذه الحماية، ثم التطرق بعد ذلك إلى العوامل التي ساهمت على قصور القواعد الدولية العرفية في حماية الاستثمارات.
أما المبحث الثاني فقد خصص لفشل المجتمع الدولي نحو إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية، و فيه أشرت إلى مظاهر الجهود الدولية سواء على المستوى العالمي و الإقليمي و الوطني في وضع قواعد منظمة للنشاط الاستثماري، ثم ذكرت ذلك في نوع من التحليل إلى أسباب فشل هذه الجهود و المحاولات.
الفصل الثاني:فقد خصص لبيان ماهية الاتفاقيات الثنائية ودورها في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية، حيث تطرقت إلى تحديد ماهية الاتفاقيات الثنائية، انطلاقا من المبادئ العامة التي تحكم المعاهدات الدولية وفقا للقانون الدولي، فقمت بتعريف هذه الاتفاقيات الثنائية انطلاقا من المبادئ العامة التي تحكم المعاهدات الدولية وفقا للقانون الدولي، فقمت بتعريف هذه الاتفاقيات،وتبيان الخصائص التي تحكمها وتميزها عن غيرها من المفاهيم والمصطلحات المشابهة لها، ثم تناولت الإطار القانوني لمفهوم الاستثمار في ظل هذا النوع من الاتفاقيات، بالإضافة إلى ذكر القواعد الموضوعية التي تحكم تنظيم الاستثمار في ظل الاتفاقيات الثنائية، وذلك في نوع من التفصيل في المبحث الأول. في حين تطرقت في المبحث الثاني إلى إبراز دور الاتفاقيات الثنائية في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية من خلال تبيان دور الاتفاقيات الثنائية في حماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي. وفيه تطرقت في فرع أول إلى الحماية الموضوعية للاستثماراتالأجنبية الخاصة في الاتفاقيات الثنائية، والتي تجلت في الحماية الاتفاقية ضد مخاطر التأميم و نزع الملكية، وتناولت بعد ذلك الاتفاق على قدر التعويض وأوصافه.
أما في الفرع الثاني فقد تطرقت فيه إلى الحماية الإجرائية للاستثمارات الأجنبية في اتفاقيات الاستثمار الثنائية ، من خلال تبيان مبررات و أسباب اللجوء إلى التحكيم في ظل منازعاتالاستثمار، ثم إلى دور هذه الاتفاقيات في حل منازعات الاستثمار، ثم إلى دور هذه الاتفاقيات في حل نزاعات الاستثمار، بالاعتماد على التحكيم الدولي، إما بصفة متممة أو رئيسية،وقد تطرقت في مطلب ثان إلى حدود الاتفاقيات الثنائية في منع الازدواج الضريبي، و فيه تناولت مشكلة الازدواج الضريبي وأثره في إعاقة المستثمر الأجنبي، ثم إلى مكافحة الازدواج الضريبي في ظل هذه الاتفاقيات ، مع ذكر نماذج بعض الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين دولتين في مجال منع الازدواج الضريبي.
و استعرضنا في خاتمة عامة أهم النتائج المتوصل إليها من خلال هذه الدراسة.

الفصل الأول: أسباب ودوافع اللجوء إلى اتفاقيات الاستثمار الثنائية.

في الماضي لم تكن هناك حاجة قانونية لإبرام اتفاقيات ثنائية خاصة بالاستثمار الأجنبي نظرا لأن النظام القانوني للاستثمارات الأجنبية ارتبط في نشأته التاريخية بالنظام القانوني للأجانب، أي أن القواعد التي كانت تقوم عليها حماية الاستثمارات الأجنبية هي نفسها التي كانت تنظم الوضع القانوني للأجانب عموما من خلال ما تبنته التشريعات الوطنية ومبادئ العرف الدولية، أو بعض الاتفاقيات الثنائية ذات النمط التقليدي( )، والتي كانت تعرف باتفاقيات الصـداقة و التجـارة و الملاحـة ( ) Traites of freindship commerce and navigation
أو معاهدات الإقامة بالإضافة إلى اتفاقيات التعاون العامة والتي لم تكن تنظم الاستثمار لوحده بل كانت تتناول مجالات متنوعة وعديدة توازنه في الأهمية، أي كافة أوجه النشاط الاقتصادي تطبيقا لتكريس مبدأ حرية ( ) التجارة الدولية على الاستثمارات الأجنبية الخاصة.
وبعد تطور العلاقات الاقتصادية الدولية و ظهور العولمة الاقتصادية، أصبح للاستثمار الأجنبي أهمية بالغة خاصة في الميادين السياسية والاقتصادية، وذلك لمواجهة أوجه النشاط التجاري الأخرى، وكان لابد من ظهور الاتفاقيات الثنائية الخاصة بحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وقد بدأت الدول في الوقت الحاضر تفضل اللجوء إلى إبرام هذا النوع من الاتفاقيات الدولية، نظرا لعجز هذا النوع عن مواجهة زحف تطورات المعاصرة والراهنة وما تمخض عنها من تشعب المشكلات وتعقدها، حيث احتلتالاتفاقيات الثنائية مكانة هامة في مقدمة اهتماماتها، من أجل وضع آلية قانونية فعالة لتنفيذ ( ) الاستثمارات الأجنبية.
من هنا فإن دراستنا لهذه الأسباب والدوافع ستنصب على:
-قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية عن توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية، وهذا ما سنتناوله في المبحث الأول.
-فشل المجتمع الدولي في الوصول إلى نظام موحد للاستثمارات الأجنبية، الذي سنتطرق إليه بالتفصيل في المبحث الثاني.

المبحث الأول: قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية عن توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية.

على الرغم من أن القواعد الدولية العرفية تحتل مكانة بارزة في إرساء قواعد القانون الدولي، حيث تمثل مصدرا مهما من مصادره، إلا أنه قد أثيرت حملة عنيفة ضدها وأصبحت محلا للمنازعة الشديدة إثر استقلال العديد من الدول النامية فيما يتعلق بمضمون العرف الدولي( ) ، وطبيعته الملزمة.
إن الأعراف الدولية في نظر الدول النامية عاجزة عن خلق آليات قانونية فعالة وناجعة لضبط سلوك وعلاقات الدول، خاصة على المستوى الدولي( )، كما أن هذه القواعد لابد أن تحظى بالقبول والاعتراف من جانب الدول أو أغلبها، لأن لها إلزامية مثل المعاهدات الدولية، ولا تختلف عنها إلا في الرضا الضمني،وعدم مشاركة الدول في وضع قواعدها قد جعله محلا للمنازعة والحملة العنيفة ضد اعتباره أحد مكونات المصادر( ) الدولية للقانون الدولي.
هذا الطرح ليس من الممكن تصوره بخصوص تكوين القاعدة العرفية الدولية في المجال الاقتصادي فقد عملت الأعراف الدولية على إنشاء قواعد مقننة لسلوكيات معينة، خاصة فيما يتعلق ببعض المعاملات التجارية الدولية، كان لها انعكاس ايجابي بالغ الأثر في عولمة القواعد الاقتصادية عبر الدولية.
من أمثلة الأعراف الدولية نجد تلك العادات الموضوعة من طرف رجال الأعمال في مجال التجارة الدولية، والتي أصطلح على تسميتها l’ex Mercator، والتي أصبحت مع مرور الزمن، شروطا مألوفة وعادات دولية في مجال الأعمال( ).
غير أن القواعد الدولية العرفية للقانون الدولي، تبقى عاجزة عن توفير الحماية اللازمة والضرورية للاستثمارات الأجنبية ، وذلك لفشلها وإخفاقها في مواكبة التطور الذي عرفه المجتمع الدولي كما ونوعا في ظل التغيرات الدولية الجديدة( )، فضلا عن خلوها في وضع ضمانات وامتيازات تشجيع الاستثمارات الدولية، ويذكر أن حماية هذه الأخيرة ارتبطت في نشأتها بتنظيم الوضع القانوني للمال الأجنبي عموما، من خلال بعض القواعد العامة( ).
قبل التطرق إلى العوامل التي ساهمت في قصور الحماية الدولية العرفية التقليدية للاستثمار الأجنبي لابد من إعطاء صورة عن المظاهر التي تجسدت فيها هذه الحماية.

المطلب الأول: مظاهر حماية الاستثمارات الأجنبية في ظل القواعد الدولية العرفية:
تتمتع الدولة كقاعدة عامة في إطار ممارستها الدولية بموجب نطاق القانون الدولي، وتكريسا لمبدأ السيادة في مجال اختصاصها الإقليمي بحق اتخاذ جميع إجراءات أخذ الملكية بجميع صورها سواء المصادرة( ) أو التأميم في مواجهة الاستثمارات الأجنبية، هذا المبدأ منصوص عليه في أغلب دساتير وقوانين الاستثمار الوطنية، وقد أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة .
غير أن هذه القاعدة ليست مطلقة، حيث تفرض الأحكام العرفية للقانون الدولي قيودا على الدولة، وهو ما اصطلح على تسميته بقيد الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، والذي يقضي بأنه: لكل أجنبي يقيم على إقليم دولة أن يتمتع بقدر من الحقوق تعتبر الحد الأدنى لما يجب على كل دولة أن تعترف به لهم وفق القواعد الدولية العرفية.
ومعنى ذلك:أنه عند قيام الدولة بتحديد مركز الأجانب( ) الموجودين على إقليمها، فإن حريتها في هذا الشأن ليست مطلقة، إذ أنها تلتزم وفق قواعد العرف الدولي، بالاعتراف لهم بكافة الحقوق التي تدخل في نطاق الحد الأدنى الذي يفرضه القانون الدولي لمعاملة الأجانب( ).
وبالرجوع إلى الممارسات الدولية نجد ما يدعم ويؤسس ذلك، حيث أيدت محكمة العدل الدولية الدائمة قيد الحد الأدنى في كثير من أحكامها، فقضت في حكمها الصادر: في 25 مايو 1926، في النزاع بين ألمانيا وبولندا بشأن مصالح الرعايا الألمان المقيمين في سيليزيا العليا البولندية بقولها:” إن معاملة الرعاياالألمان المقيمين في بولندا، يجب أن تكون متفقة مع الأحكام التي يفرضها القانون الدولي العرفي على كل دولة بشأن معاملة الأجانب( ) “، وأضافت المحكمة قولها:”بان نزع ملكية المصانع الألمانية في هذه المنطقة دون تعويض هو أمر يخالف القانون الدولي.”
وقد تأكد هذا القيد أيضا بالنص عليه فيما عقدته مختلف الدول من معاهدات مثل: اتفاقية لوزان الخاصة بالإقامة والاختصاص القضائي المنعقدة في : 24 جويلية 1923، والمعاهدة المنعقدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا في ديسمبر 1923، وأيضا اتفاقية منتورو سنة 1937، والمتعلقة بإلغاء الامتيازات الخاصة في مصر( ).
لكن رغم أن القانون الدولي يفرض على الدول في حظيرة المجتمع الدولي ضرورة مراعاة واحترام الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، إلا أنه ما زال هناك خلاف حول تحديد مضمون الحد الأدنى والحقوق التي يشملها( )، فقد اثبت الواقع الدولي أنها فكرة غامضة وغير محددة حيث لا توجد قاعدة متفق عليها عموما عن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، فهي فكرة متروكة لتقدير الأعراف الدولية.
غير أنه قد ظهرت محاولات فقهية دولية سعت من خلالها إلى وضع تفسيرات بخصوص هذه المسألة، فتعددت بذلك الاتجاهات، فيرى البعض أن هذه الفكرة تجد تطبيقها في معاملة الأجانب على قدم المساواة مع الوطنيين، باعتبار أن الأجانب لا يسعهم المطالبة بوضع أفضل من وضع الوطنين أنفسهم.
في حين يرى جانب أخر من الفقه من خلال وضعه لمعايير وأسس عامة لتحديد هذه الفكرة فيجد أن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب ، فكرة تتبلور في المعاملة التي توازي المستوى المعتاد للشعوب المتمدنة، أو المستوى الأدنى للمدنية، والتي من خلالها يتم الكشف عن الاتجاهات العامة للدول المتمدنة في معاملة الأجانب( ).
كما جرت محاولات أخرى حول تحديد مضمون الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، وذلك من قبل إدارة القانون الدولي العام، بوزارة الخارجية السويسرية، حيث جاء فيها:” أن مبدأ المعاملة العادلة والمنصفة، ليسسوى تعبير عن المعيار الدولي التقليدي المسمى بشرط الحد الأدنى والذي يكفل حدا أدنى من الحقوق للمستثمرين الأجانب، بما في ذلك حقوقهم المالية، ومعنى ذلك أن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، يعني توفير المعاملة المنصفة للمستثمرين في أدنى الحدود”.
غير أن أخطر تفسير أعطي لهذا المفهوم ما ذهبت إليه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بتأكيدها أن هناك حدا أدنى من العدالة ينبغي أن توفره الدولة للأجنبي، حتى ولو كانت لا توفره لمواطنيهافإذا كان النظام القانوني لتلك الدولة لا يتفق، وذلك المستوى على الرغم من أن شعب ذلك البلد قد يكون قانعا به، أو مرغما على العيش في ظله، فإنه لا يمكن إرغام أي بلد أخر على قبول نظاما لا يوفر سبيلا مرضيا لمعاملة مواطنيه فيه( ).
ويتضمن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب .في مجال الحماية الدولية لأموالهم، بعض القواعد الموضوعية، والمتمثلة في حق الدولة لأخذ ملكية المال الأجنبي والقيود الواردة على هذا الحق، وكذا القواعد الإجرائية والتي تتجلى في نظام الحماية الدبلوماسية.

الفرع الأول: الحد الأدنى للحماية الموضوعية.
يعتبر نظام الحد الأدنى لمعاملة الأجانب من أقدم الأنظمة القانونية التي عرفها القانون الدولي، والجماعة الدولية ومقتضى هذا النظام هو الاعتراف للأجنبي بحد أدنى من الحقوق، لا يجوز لأية دولة عضو في المجتمع الدولي أن تنزل عنه وإلا انعقدت مسؤوليتها الدولية ( )في هذا الشأن.

وعليه إذا سلمنا بمبدأ ممارسة الدولة لسيادتها وفق اختصاصها الإقليمي:
فما هي القيود التي يفرضها العرف الدولي على الدولة في مجال مباشرتها لإجراءات أخذ ملكية المال الأجنبي؟
وما هي الضمانات التي عسى أن يتمتع بها الأجانب إزاء حرمانهم من حق ملكية أموالهم بصفة نهائية أو مؤقتة؟
وتبعا لذلك تتفرع دراستنا في هذا الفرع إلى بندين رئيسيين على النحو الأتي:
-مدى حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي كقاعدة عامة، والقيود الواردة على هذا الحق.
-الجـزاء المترتب على عـدم مراعاة الدولة للقيود التي يفرضها القانـون الدولي العـرفي.

البند الأول: مدى حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي والقيود الواردة على هذا الحق.

أولا :إقرار المبدأ وتحديد نطاقه.

لقد أقر العرف الدولي على حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي كقاعدة عامة، بوصفه إجراء يدخل في صميم اختصاصها الإقليمي النابع من حقوق السيادة، وقد أشار إليه الأستاذ دوبي DUPUY كمحكم الوحيد في القضية C/GCALASIATIC-TESCASO LIBYEN، على أنه:”حاليا من حق الدولة من إجراء التأميم غير معارض، وممارسة هذا الاختصاص يعتبر تعبيرا عن السيادة الوطنية ووفقا للقانون الدولي ( )”.

وقد عبر وزير الخارجية الأمريكي HULL عام 1939 عن هذا المعنى في مذكراته التي بعث بها إلى سفير المكسيك في واشنطون بمناسبة إجراءات نزع الملكية، التي اتخذتها المكسيك في مواجهة الأمريكيين من أصحاب الأراضي الكائنة بها، تطبيقا لقانون الإصلاح الزراعي، حيث أشار إلى مدى حق حكومة المكسيك في اتخاذ هذه الإجراءات من حيث المبدأ حينما قرر أن حكومتي قد أكدت حق الدول دائما في تحديد مشاكلها الاجتماعية والزراعية والصناعية، وهذا الحق يشمل حق السيادة المقرر لأي حكومة في نزع الملكية الخاصة بالأموال الموجودة داخل حدودها تحقيقا للمصلحة العامـة، وقد استعان الفقـه الأمريكـي في تأييـد هـذا الاتجـاه تحت تسمية نظريـة قـرار الدولـة( )THE ACT OF STATE DOCTRINE .

ومقتضى هذه النظرية – والتي قامت لمواجهة إجراءات المصادرة ونزع الملكية الصادرة عن الحكومات الأجنبية- بقولها:”إن مقتضيات الحياة الدولية والمجاملة اللازمة بين الحكومات تستلزم الاعتراف بما تتخذه الدولة الأجنبية من قرارات في شأن اخذ الملكية في حدود اختصاصها الإقليمي النابع من حق السيادة .”

ويترتب على رد حق الدولة في اتخاذ إجراءات نزع الملكية والمصادرة إلى فكرة سيادتها الإقليمية ، حيث أنه لا يجوز لها اتخاذ هذه الإجراءات في مواجهة أموال كائنة خارج حدود إقليمها ، ولو كانت مملوكة لمواطنيها.

فسلطان الدولة في هذا الصدد يتحدد بقيد إقليمي ، يستلزم أن تكون الأموال محل إجراءات المصادرة أو نزع الملكية موجودة داخل حدود إقليمها وقت اتخاذ هذه الإجراءات .

أما إذا كان هناك اتفاق خاص بين دولتين تسمح بموجبه دولة الموقع لدولة أخرى بأن تتخذ إجراءات مماثلة( ) إزاء الأموال الموجودة في إقليمها أو في الظروف الاستثنائية التي قد تفرضها مقتضيات الحرب، فيمكن أن تتم إجراءات نزع الملكية أو المصادرة خارج إقليم الدولة، ومن أمثلة ذلك المعاهدة المبرمة في 17 نوفمبر1903 بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبنما(معاهدة HAY VARIALLA)، والتي خولت بنما بمقتضاها لدولة الولايات المتحدة الأمريكية، حق استخدام الأراضي اللازمة لإنشاء قناة بنما، ولمسافة 05 أميال على جانبيها على أن يكون للولايات المتحدة الأمريكية أيضا حق نزع ملكية بعض الأراضي الداخلة في هذا النطاق سواء كانت مملوكة لمواطني بنما أو أجانب.

بالإضافة إلى الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا عام 1942 وكذلك 1945، ومن جهة أخرى فإن استناد حق الدولة في هذا الصدد إلى سيادتها الإقليمية، يعني امتداد هذا الحق إلى كافة الأموال الموجودة داخل حدودها، بصرف النظر عن صفة مالك المال وأما إذا كان وطني أم أجنبي، ودون الاعتداد بما إذا كان المالك الأجنبي مقيم في إقليم الدولة أو خارج هذا الإقليم( ) .

ثانيا: ظهور التأميم وأثره على الأفكار التقليدية .

يعد التأميم ظاهرة قانونية من النظم الحديثة نسبيا، حيث ظهرت مع مطلع القرن العشرين، وذلك من خلال النص عليه لأول مرة في الدستور المكسيكي عام 1917 ( )، عندما تعرض مبدأ الملكية الفردية للانهيار، وبموجبه فقدت هذه الملكية طابعها المطلق في كل من المكسيك وروسيا.
وكان ذلك في الواقع مظهرا لتطور عميق في مفهوم الملكية، والتي انتقلت من طور الحق المقدس المطلق لتصبح حقا ذو وظيفة اجتماعية، أي أن الملكية وسيلة يضعها المجتمع في يد الفرد لتحقيق الصالح العام، وبذلك تأكدت الحاجة إلى الـتأميم بوصفه الأداة الفنية والقانونية، لتحقيق الانتقال المنشود من الملكية الخاصة إلى الملكية العامة.

وعلى هذا الأساس أصبح للدول حق فرض قيود على الملكية الخاصة للصالح العام، وبعد تطور فكرة التأميم انتقلت إلى باقي الدول، حيث أقدمت بعد ذلك الكثير من الدول النامية على حركة التأميمات الواسعة لكثير من الأموال الأجنبية، عقب حصول تلك الدول على استقلالها السياسي، وذلك لتأكيد سيطرتها على مواردها الاقتصادية ومنها: مصر، اندونيسيا، كوبا، إيران، الجزائر، سوريا.

وبهذا حبذت الدول النامية فكرة التأميم واللجوء إليها، والتي أصبحت في تلك الفترة أهم وسيلة للتخلص من التبعية الاقتصادية، ولترسيخ استقلالها السياسي والاقتصادي على أكمل وجه، كما لجأت بعض دول أوربا الغربية ذاتها، والتي تعتنق الرأسمالية، وتقدس حق الملكية الفردية، إلى تأميم العديد من المشروعات الحيوية فيها مثل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والسويد.

وقد أصبح اللجوء إلى التأميم ظاهرة شائعة في كل الدول، رغم اختلاف نظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث استندت في ذلك إلى بعض الأسس أهمها:حرية الدولة في اختيار نظمها السياسي والاقتصادي والاجتماعي( ). وبالتالي تتمتع بحرية في السماح بوجود أو عدم وجود أموال مملوكةللأجانب فوق إقليمها، ومبدأ السيادة الدائمة لكل دولة على مواردها الطبيعية( ) وحريتها في التصرف فيها( ).

أما بخصوص تأثير ظاهرة التأميم على الأفكار التقليدية، فيمكن القول على أنه بالرغم من أن غالبية الفقه الغربي قد ناهض هذه الظاهرة، إلا أن ما تمخض عنها من نتائج قد نبهته على أي حال إلى عجز النظريات التقليدية عن استيعاب الآثار غير الإقليمية المترتبة على هذه الفكرة.

ومن أهم الآثار التي ترتبت عن ظاهرة التأميم ظهور إجراءات بصفة خاصة على سلطة القاضي الأجنبي، في مناقشة قرار التأميم، وبحث مدى مطابقته لأحكام القانون الدولي، فوفقا لنظرية قرار الدولة السابق الإشارة إليها لم يكن بوسع القاضي الأجنبي حق مناقشة قرار صادر عن المصادرة أو نزع الملكية الصادر عن حكومته الأجنبية في حدود اختصاصها الإقليمي، وهو ما كان يتفق وطبيعة القرارات التي تنصب على مال معين، ولا تتناول مشروعا اقتصاديا له بالضرورة، لأثار تتعلق بوجوده القانوني خارج حدود الدولة التي قامت بتأميمه.

أما بعد استقرار فكرة التأميم وما ترتب عليها من ظهور المشروعات المؤسسة خارج حدود الدولة التي اتخذت إجراءات تأميمها، فلم يعد أمام القاضي الأجنبي أية صعوبة تذكر، ولم يعد عاجزا عن مدى مناقشة سلامة ومشروعية قرار التأميم وفق النظرية السابقة.

وهذا ما انتهى إليه الفقه الحديث( ) من خلال حق القضاء في رقابة شرعية إجراءات التأميم، إذ يجوز له رفض الاعتراف بآثار التأميم الذي اتخذته دولة أخرى على الأموال الموجودة على إقليمها، إذا كان ذلك يصطدم بالأصول المستقرة في القانون الدولي العام.

ثالثا: القيود الواردة على حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي.

إذا كان الفقه الدولي قد استقر على إن للدولة الحق في الاستيلاء على ممتلكات الأجانب الموجودين على إقليمها إعمالا لسيادتها الإقليمية، إلا أن ممارسة هذا الحق مقيد بضوابط، والتي لا يجوز لها القيام بإجراءات نزع ملكية أموال الأجانب داخل إقليمها، ما لم تراع القيود التي وضعتها القواعد الدولية العرفية في هذا المجال.

فحق الدولة مرتبط بتوافر مجموعة من الشروط ( )، فمثلا لا يجوز للدولة اتخاذ أي إجراء في مواجهة الأموال المملوكة للدول الأجنبية، والمخصصة للأغراض الرسمية مثلا مبنى السفارة، إذ تتمتع الدول الأجنبية في هذه الحدود بحصانة مطلقة( )استقر عليها الفقه منذ أمد بعيد، وهناك اتجاها قويا في العمل الدولي يشير إلى امتداد هذه الحصانة حتى في أوقات الحرب.

أما الأموال المملوكة لدولة أجنبية تتعلق بنشاطها التجاري أو الاستثماري بصفة خاصة، فهي لا تتمتع وفقا للرأي الراجح بأية حصانة في مواجهة إجراءات أخذ الملكية التي قد تصدر عن دولة الموقع، وإنما تخضع هذه الأموال لنفس الأحكام التي تسري في شأن الأموال الأجنبية المملوكة للأشخاص الخاصة، والتي يحقللدولة اتخاذ إجراءات نزع ملكيتها أو تأميمها، شريطة مراعاة القيود التي أقرتها القواعد الدولية العرفية وهي كالأتي:

-قيد المصلحة العامة (PUBLIC INTEREST):
يجمع الفقه الدولي على أنه حتى يكون الإجراء مشروعا دوليا يجب أن يكون الباعث على اتخاذ الدولة لاستيلاء على ممتلكات المستثمر الأجنبي، باعثا يرجى من ورائه تحقيق مصلحة عامة….

فما هو إذن المقصود بالمصلحة العامة؟ وهل هناك معيار يتم بواسطته تحديد وضبط المصلحة ؟
لا يوجد في القانون الدولي تعريف للمصلحة العامة كما أنه لا يوجد اتفاق وإجماع فقهي حول مضمون هذا الشرط، وهذا ما عبرت عنه المطالب الأمريكية – الإيرانية في قضية AMECO لسنة 1987 بقولها:” إن التعريف الدقيق للمصلحة العامة والذي من خلاله يعد إجراء التأميم مشروعا غير متفق عليه في القانون الدولي”.

ومعنى ذلك أن عجز الفقه الدولي حول إيجاد تعريف جامع ومجدد لفكرة المصلحة العامة، بالإضافة إلى عدم توصل المجتمع الدولي إلى اتفاق محدد بشأن مضمون المصلحة العامة لدليل على أن فكرة المصلحة العامة متروك لحرية الدول في هذا الشأن وفق ما تقتضيه تقدير الأعراف الدولية التقليدية في هذا المجال، وهناك معيار قد استندت به الدول في مجال الممارسات العرفية الدولية، وهو معيار الباعث والهدف، حيث أنه طبقا لهذا المعيار يمكن القول أن شرط المصلحة العامة يعد متوفرا، إذا كان الباعث على إجراء التأميم أو نزع الملكية هو تحقيق مصلحة عامة وليس مصلحة فردية خاصة .تــ

وتعد هناك مصلحة عامة إذا كانت قد اتخذت للحفاظ على الصحة العامة أو الأمن العام أو النظام العام أو الأخلاق العامة( )، وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 1803 الصادر سنة 1962، والخاص بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية حيث جاء في محتوى القرار بأن:”التأميم أو نزع الملكية أو الاستيلاء، يجب إرجاعه لأسباب تتعلق بالمنفعة العامة أو الأمن العام أو المصلحة الوطنية”.

وقد اعتبر باعث المصلحة العامة ركن أساسي لشرعية قرار استيلاء الدولة على أموال الأجانب، وتطبيقا لذلك فقد اعترضت الحكومة البريطانية على إجراءات التأميم الليبية عام1971 للشركة البريطانية للتنقيب عن البترول(BP) بقولها: “إن إجراءات التأميم كان الدافع إليها اعتبارات سياسية غير مرتبطة بالمصلحة العامة للدولة النازعة الملكية( )”.

كما أقرت شرعية وجود مصلحة عامة الدساتير الداخلية لدول عديدة( )وتطلبته المحاكم الدولية ومحاكم التحكيم( ) حيث اعترفت محكمة العدل الدولية الدائمة في النزاع بين ألمانيا وبولندا بشان مصالح الرعايا الألمان في سيليزيا العليا البولندية بقولها:” للدولة الحق في نزاع ملكية الأموال الخاصة المملوكةللأجانب أو الوطنيين، ولكن بشرط المنفعة العامة”،كما أكدت ذلك محكمة التحكيم في النزاع بين الحكومة الكويتية وشركة “ANIMOIL” الأمريكية في عام 1979 بقولها:” إن التأميم طالما كان بغرض المصلحة العامة، فهو قرار مشروع، ولا يخالف أحكام القانون الدولي، ولا يقع على عاتق الدولة سوى تعويض المتعاقد معها تعويضا مناسبا.”.

إذن مما سبق ذكره يمكن القول أن المصلحة العامة هي شرط لشرعية قرار اتخاذ إجراءات ضد أموال الأجانب، على الرغم من اختلاف الفقه الدولي بين ضرورة تواجد هذا القيد أو عدمه، إذ لا رقابة للدولة في تقديرها لما يعد تحقيقا للمصلحة العامة أو عدم تحققها، وهذا ما أكدته بالفعل دولة المكسيك في ردها على الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا في أعقاب الإجراءات التي اتخذتها في مواجهة رعايا الدولتين عام 1937، بمناسبة تأميمها لصناعة البترول، فقد جاء في مذكرة المكسيك عام 1938″ أن المصلحة العامة وفقا للقانون الدولي هي المصلحة التي تقدرها الدولة حسبما تراه( ) .”

إذن يعد شرط المصلحة العامة أحد دعائم الحماية الدولية العرفية للأموال الأجنبية، داخل إقليم الدولة المضيفة، فهو يكرس الثقة بينها وبين المستثمر الأجنبي، ومن ذلك فهو ركن أساسي لإضفاء طابع مشروعية الإجراءات الناجمة عن استيلاء الدولة على الاستثمارات الأجنبية وعليه فإن انتقاء شرط المصلحة العامة يعني الإخلال بالسلامة الدولية لإجراءات نزع الملكية والتأميم( )، غير أن هذا الشرط ليس الصورة الوحيدة التي يتوقف عليها شرعية إجراءات نزع الملكية.

-القيد الخاص بعدم مخالفة التزام تعاقدي سابق:
من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العام، وطبقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة 1945 أنه على الدولة أن تحترم تعهداتها الدولية التي التزمت بها بمحض إرادتها( ).ويؤسس الفقهاء إلزامية المعاهدات الدولية على ثلاثة مبادئ، تعتبر بمثابة قواعد عرفية في هذا الشأن وهي: .. -مبـدأحسـن النـيــة.
..
-مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.

-مبدأ سمو وأولوية الالتزامات الدولية على الالتزامات الناشئة عن القانون الوطني.

ولهذا فإذا تعهدت دولة ما بمقتضى معاهدة دولية بالامتناع عن الالتجاء إلى تأميم أموال أجنبية، فإنها تعد مخلة بالتزاماتها التعاقدية ، إذا قامت بنقض تعهدها، ومن ثم تتعرض إلى المسؤولية الدولية، وقد حكم القضاء الدولي بعدم شرعية التأميم، في حالة قيام دولة بمخالفة التزام تعاقدي سابق( )، ومن ذلك ما أقرته محكمة العدل الدولية الدائمة، من خلال القضية المعروفة باسم:”Certain German Interests in polish upper s’alexia 1926″ وقد كان ذلك استنادا إلى مبدأ الحقوق المكتسبة، حيث قررت المحكمة عند تحديد التعويض المستحق لألمانيا عن الأضرار التي لحقت بملكية رعاياها، نتيجة مخالفة بولندا لأحكام معاهدة تحمي هذه الملكية ألا وهي معاهدة جنيف( )، والتي لا يمكن نزع ملكية الأموال الأجنبية إلا بناء على الشروط التي نصت عليها المادة السابعة من هذه الاتفاقية.

نفس الرأي قد أقره معهد القانون الدولي، فيما استقر عليه أثناء انعقاده عام 1952 على أنه يجب على الدولة أن تحترم المعاهدات التي تعهدت فيها بعدم التأميم، غير أن ذلك نادرا ما يحدث من الناحية العملية، كونه يقف عائقا أمام التحرر الاقتصادي للدولة، وخاصة الدول النامية حديثة الاستقلال.

أما من جانب الفقه الدولي، فقد أيد هو الأخر فكرة ضرورة التزام الدولة بعدم مخالفة التزام تعاقدي سابق، على الأقل ما لم توجد الدولة في إحدى الحالات التي تبرر تحللها من التزاماتها نتيجة تغير الظروف( )، فالفقه الدولي القديم قد تمسك بنظرية تغير الظروف مثل ما قام به الفقه الاشتراكي عام 1924 لينتهي إلى سلامة روسيا من التزاماتها المقررة بمقتضى المعاهدات الدولية التي سبق وأن أبرمتها الحكومة القيصرية.

وإذا كان مبدأ احترام الدولة بتعهداتها السابقة يعد مبدأ ثابتا ومستقرا في القانون الدولي إلا أن هذا المبدأ كثيرا ما يصطدم بنظرية تغير الظروف وهو ما يثير إشكالية إمكانية تحلل الدولة من الالتزام بأحكام ما عقدته من معاهدات وذلك في حالة ما إذا تغيرت الظروف عما كانت عليه عند إبرام المعاهدة، وكحل لذلك يرى جانب من الفقه الحديث أنه يكفي في هذا الصدد أن تكون الظروف الجديدة غير متوقعة سلفا، وأن تكون راجعة إلى خطأ الدولة التي تريد التحلل من التزاماتها بمقتضى المعاهدة وإعمالا بهذه النظرية فإنه من المقرر أنه للدولة حق التحلل بإرادتها المنفردة( )من الالتزامات الناشئة عن معاهدة دولية عند حدوث أي تغير جوهري في الظروف، ودون أن يعد ذلك خطأ من جانبها.

إن الفقه الحديث لم يصب اهتمامه على تأسيس هذه النظرية، بل اعتبرها كقاعدة دولية عرفية، لأن الحياة الدولية المعاصرة تتسم بالدينامكية والتغير المستمر، مما يجعل الظروف المحيطة بالمعاهدات تتقلب في فترة قصيرة جدا، خاصة في مجال المعاملات الاقتصادية الدولية ( ) . كما يمكن للدولة الخروج عن المعاهدات غير المتكافئة ( ).

في هذا الصدد أشار “الأستاذ الدكتور أحمد صادق القشيري” أنه: يجب أن تقتصر دائرة الالتزامات الدولية فقط على تلك التي تنشأ عن اتفاق بين دولتين متكافئتين، لأن المعاهدات التي كانت تبرم بين الدول الاستعمارية المتقدمة وبين الدول المستعمرة النامية، والخاصة بحماية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية تعتبر معاهدات بين دول غير متكافئة سياسيا واقتصاديا، حيث اعتبرت أسلوب لاستغلال ثروات البلدان النامية والتدخل في شؤونها الداخلية.

لذلك يحق للدول النامية حديثة الاستقلال القيام بتأميم الأموال الأجنبية كخطوة لازمة، وذلك في سبيل الحصول على استقلالها الاقتصادي تبعا لاستقلالها السياسي( ) وكذا القضاء على سيطرة رؤوس الأموال الأجنبية على اقتصادها الوطني تصفية للميراث الاستعماري، وانطلاقا من حق الدولة في إعادة تنظيم أوضاعها الداخلية.

ويذكر أنه قد وقع إشكال وخلاف بين القضاء الدولي والفقه الحديث حول وضعية تأميم الأموال الأجنبية ضمن الالتزامات الناشئة عن العقود المبرمة بين الدولة، وأحد أشخاص القانون الخاص حيث استقر القضاء الدولي على إنكار الصفة الدولية لها، إذ يحق للدولة إزاءها تأميم المشروعات الدولية وإنهاء الامتياز بمقتضى اتفاقات مسبقة، وبالتالي لا يعد استعمالها تصرفا غير مشروع، ولا يترتب عليه مسؤولية دولية فهو نابع من ممارسة الدولة لحقها في السيادة.

غير أنه خلافا لذلك فإن جانبا من الفقه الحديث قد حاول التوسيع من مفهوم الالتزامات التعاقدية الدولية على نحو يعطي لهذه الاتفاقات المبرمة بين الدول وأشخاص القانون الخاص، والمتمثلة في الأشخاص الأجنبية الخاصة – طابعا دوليا- يعقد مسؤوليتها الدولية باعتبار أنها تستمد قوتها من العرف الدولي، وبالتالي خضوعها لأحكامه.( )

وهذا ما دفع بأنصار هذا الاتجاه، إلى القول بوجود طائفة من الاتفاقيات ليست عقودا خاضعة للقانون الداخلي في دولة من الدول وليست خاضعة للقانون الدولي العام، وإنما تخضع لنظام قانوني جديد يستمد قوته من مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، أي النظام القانوني الذي ينشئه الاتفاق ذاته، والقواعد التي تقررها هيئات التحكيم عند المنازعة، استلهاما من المبادئ القانونية العامة وكذلك من الأحكام المستخلصة من الأعراف التي جرى عليها المتعاملون والتي تشكل في مجموعها مما أسماه البعض بقانون عبر الدول( ). ومهما يكن ورغم الاختلافات بين الفقه والقضاء الدوليين إلا أن الأمر الذي لا شك فيه هو أن إخلال الدولة بتعهداتها المقررة بمقتضى المعاهدات الدولية في شأن الامتناع عن تأميم مشروعات أجنبية معينة سيؤدي إلى ترتيب مسؤولية دولية باعتبار أن إقدام الدولة على ذلك سيترتب عنه مخالفة التزام تعاقدي سابق، مما يخلع عن إجراءات التأميم صفتها الشرعية.

-القيد الخاص بعدم مخالفة مبدأ المساواة وعدم التمييز:
يعد مبدأ المساواة وعدم التمييز إحدى القيود العرفية الدولية التي تدخل في نطاق مضمون الحد الأدنى لمعاملة الأجانب في مجال الحماية الدولية لأموالهم، ويقصد بهذا القيد أنه لا يجوز أن ينطوي الإجراءبخصوص المعاملة على تمييز مجحف بين الأجانب والوطنيين لغير صالحهما أو فيما الأجانب أنفسهم، ويرى الفقه أن مبدأ المساواة وعدم التمييز أصل من أصول المستقرة في القانون الدولي العام التي تفرض على الدول عند اتخاذ إجراءات نزع الملكية، أو الاستيلاء أو المصادرة أو التأميم أو غيرهما من صور أخذ الملكية.

وانطلاقا من ذلك يعد الإجراء الذي تتخذه الدولة غير مشروع دوليا، إذا أنصب على ممتلكات الأجانب دون الوطنيين على نحو يجعل من صفة المستثمر وحدها المبرر لاتخاذ هذه الإجراءات، أو إذا أتجهنحو ممتلكات عدد من الأجانب من جنسية أو جنسيات معينة، دون أن يطبق على الأجانب من جنسيات أخرى، وتعد الدولة مخالفة لهذا المبدأ، إذ اتخذت هذا الإجراء فقط في مواجهة دولة معينة بالذات، فتكون بتصرفها ذلك قد تعسفت في استعمال حقها في التأميم بما يتنافى مع المبادئ العامة المقررة في القانون الدولي العام.( )

 

أولهما: أن يتم نزع ملكية المشروعات الأجنبية التي تزاول نشاطها التجاري أو الصناعي معين بالتأميم أو المصادرة، أو بأي من النظم القانونية الأخرى، من دون أن يمتد ذلك إلى المشروعات الوطنية التي تزاول النشاط ذاته. وثانيها: أن يتم نزع ملكية الأموال الأجنبية على أن لا تمتد للمشروعات الاقتصادية التي تزاول النشاط ذاته، والتي تعود ملكيتها للأجانب الذين يحملون جنسيات أخرى معينة.

يذهب الفقه التقليدي إلى أن مبدأ المساواة وعدم التمييز يتطلب من الدولة تمتع المستثمرين الأجانب على إقليمها بالحماية ذاتها التي توفر لمواطنيها ( ) بموجب قوانينها الوطنية الداخلية، وبالتالي يترتب على إقدام الدولة المستقبلة للاستثمار الأجنبي عند الاستيلاء على المشروعات الأجنبية دون الوطنية إلى إثارة فكرة ارتكاب عمل غير مشروع أساسه الإخلال بمبدأ المساواة وعدم التمييز بين الاستثمارات الأجنبية ( ) وهذه المعاملة تسمى بمعاملة المفاضلة ( ).

ويذكر أن مبدأ المساواة وعدم التمييز، قد جاء على أنقاض فكرة المصلحة العامة، نطرأ للصعوبة العملية في الكشف عن الباعث الحقيقي من وراء هذه الفكرة التي قد تتخذها الدولة في مجال أخذ الأموال الأجنبية، حيث رأى جانب من الفقه الحديث ضرورة الاستغناء عن شرط المصلحة العامة واستبدالها بشرط المساواة وعدم التمييز…

إن الدولة في هذا الصدد مقيدة بما تمليه الأعراف الدولية، وذلك من خلال مقدار التعويض الذي تمنحه الدولة للمستثمرين الأجانب المنزوع ملكية أموالهم، إلا إذاكان ذلك محدد في الاتفاقيات الدولية التي تبيح هذه التفرقة، لأن قيام الدولة بخلاف ذلك سيعد حالة تجاوز الدولة في التعسف باستعمال الحق أو ما يسمى تجاوزها في استعمال حقها المعقول( ).

ومن الأمثلة العملية التي طبقت وكرست هذا المبدأ، ما قام به وزير خارجية سويسرا “petit pierre” من خلال اعتراضه على التأميمات التي أجرتها تشيكوسلوفاكيا ضد الأموال المملوكة للسويسريين، لكونها تتضمن تميزا ضدهم، بالإضافة إلى احتجاج الحكومة الهولندية عام 1958 على التأميمات الاندونيسية للمشروعات الهولندية، حيث وصفتها بأنها إجراءات تميزية وغير مشروعة، لكونها انصبت على ممتلكات الهولنديين فقط.

نفس الشيء قد اعترضت عليه الولايات المتحدة الأمريكية قبل ذلك عام 1948 على التأميمات الرومانية للمشروعات الصناعية المملوكة للرعايا الأمريكيين، كونها قد استثنت من هذه الإجراءات الممتلكات السوفيتية، بما يتضمن إخلالا بقاعدة المساواة وعدم التمييز.

وعليه هل يمكن الأخذ بقاعدة المساواة وعدم التمييز على إطلاقها ؟ أم أن هذه القاعدة تخضع للطابع النسبي ؟
لقد أثار مبدأ المساواة وعدم التمييز، جدلا فقهيا في مجال القانون الدولي حول عمومية أو نسبية هذا المبدأ، حيث رأى الفقه الحديث أن هذا المبدأ نسبي، إذ لا يمكن أن يكون هناك إخلال بهذه القاعدة بالنسبة للدول النامية إزاء تأميم واقع على مشاريع واستثمارات مملوكة لرعايا الدولة التي كانت تستعمر الدولة المؤسسة أو النازعة للملكية، فمثل هذا التأميم يعد تأميما إصلاحيا، تهدف من خلاله الدول النامية، والتي خرجت من هيمنة الاستعمار، التخلص من السيطرة الأجنبية، وحماية اقتصادها الوطني، فمثل هذا التأميم يعد بمثابة تعويض عن الأضرار التي أحدثها الاستعمار في تلك الدول، وعليه ينبغي أن تكون هناك معاملة مغايرة( )، لأن مفهوم السيادة في المعاملة يتحدد على أساس معاملة المتساوين، وليس غير المتساوين في العلاقة، وهذا ما أشار إليه القضاء الألماني، حيث أكد أنه يحق للشعوب التي كانت مستعمرة، أن تتخذ موقفا مغايرا اتجاه الدولة الاستعمارية، ومثل هذه المعاملة لا تعد إخلالا بمبدأ المساواة، وإنما تؤدي في حقيقتها إلى خلق مساواة لم تكن كائنة من قبل كنتيجة للأوضاع الاستعمارية السابقة .

وفي الأخير وعلى ضوء ما سبق ذكره، يمكن القول أنه لن يتسنى الوصول إلى قاعدة المساواة وعدم التمييز، إلا في إطار الالتزام بالتعويض الذي يعتبر أحد القيود الجوهرية التي بفرضها العرف الدولي، على حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي، وليس على الدول الامتناع عن التعويض تحت ستار المساواة مع الوطنين، كما أنه من ناحية أخرى وفي المقابل، لا يجوز بحال من الأحوال، أن يؤدي إعمال مبدأ المساواة إلى الانتقاص من معاملة المستثمر الأجنبي عن ما هو مقرر وفق الحد الأدنى للحماية الدولية للأموال الأجنبية.

-القيد الخاص للالتزام بأداء التعويض: “COMPENSATION”
يترتب على عدم مشروعية أخذ ملكية أموال الأجنبي، سواء في قيام الدولة بإجراءات نزع الملكية ، أو التأميم ، أو المصادرة ، التزامها بأداء التعويض. فوفقا للقواعد الدولية العرفية للقانون الدولي ، على الدولة في حالة عدم شرعية ما اتخذته من إجراءات ضد أموال الأجانب الموجودين على إقليمها جبر هذا الضرر، ولن يتأتى ذلك إلا بالتعويض الذي هو التزام دولي يتم بموجبه حماية الحقوق المكتسبة( ) للأجنبي…و إذا كان موضوع التأميم في حد ذاته لا يثير في الوقت الحاضر خلافا كبيرا لدى الفقه أو القضاء، إلا أن الذي أثار الخلاف هو مشكلة التعويض عن تأميم الممتلكات الأجنبية، و التي تعتبر من أدق المسائل التي تثيرها عمليات التأميم في القانون الدولي، و عليه فإن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو التساؤل الآتي: ” هل يعتبر التعويض عن التأميم أو غيره من صور أخذ أو نزع ملكية المال الأجنبي في القانون الدولي التزاما على الدولة المؤممة أو نازعة الملكية؟”.

إذا كان التأميم قد أصبح في كثير من البلدان منهجا يعكس عقيدة معينة، وقد اختلفت الآراء في الإجابة على هذا التساؤل ، باختلاف العقيدة المسيطرة على صاحب الرأي، و يمكن القول أن مختلف الآراء التي ينادي بها فقهاء القانون الدولي المعاصر أو تعكسها تصرفات الدول بشأن مبدأ التعويض تنقسم إلى ثلاث فئات:

– اتجاه يرفض مبدأ الالتزام بالتعويض، و هو ما تمثل في الفقه الاشتراكي.
– اتجاه يرى عكس ذلك، يقر بالتزام الدولة لأداء التعويض، وهو ما تجلى في الفقه الغربي.
– اتجاه توفيقي يتجلى في موقف الدول النامية إزاء التعويض.
وقد قسم الفقه الدولي بشأن مسألة التعويض إلى اتجاهين رئيسيين: .. / اتجاه يرفـض مبـدأ الالتزام بالتعـويض ، وهـو ما تمثل في الفقـه الاشتراكـي. .. / اتجاه يرى عكس ذلك، يقر بالتزام الدولة لأداء التعويض، وهو ما تجلى في الفقه الغربي.

أ- رفض مبدأ الالتزام بأداء التعويض لدى الفقه الاشتراكي:

يرى أنصار هذا الاتجاه أنه لا مجال لأداء التعويض عند قيام الدولة بأخذ إجراءات نزع الملكية أو المصادرة أو التأميم، وغيرها من صور أخذ ملكية أموال الأجانب، حيث رفض الفقه السائد في روسيا ودول أوربا الشرقية والدول المتأثرة بالفكر الماركسي بصورة عامة سنة 1989 فكرة التعويض، ويستندون في ذلك إلى أن حق الشعوب في تقرير المصير السياسي والاقتصادي، ما هو إلا نتيجة حتمية تعكس ضرورة حق الدولة في تأميم مواردها، وعليه فالتأميم الشرعي هو مرآة عاكسة لرغبة الدول في الإصلاح الاجتماعي والتحرر الاقتصادي، كما انه لا يتضمن أي خرق لقاعدة وضعية في القانون الدولي.

إن الملكية في نظر الفقه الاشتراكي ليست من أصول القانون الدولي المعاصر، ولذلك لا وجود لأي التزام بالتعويض على التأميم من طرف الدولة، ويرون أن قيد المساواة وعدم التمييز هوالقيد الوحيد الذي يفرضه القانون الدولي على الدولة في حق الأجنبي، هذا الأخير لا يخول له إلا المساواة بالوطني، ومن ثمة لا يحق له مطالبة الدولة بالتعويض. وبالرجوع إلى الممارسات الدولية نجد ما يدعم ويؤكد ذلك، حيث سبق لروسيا وأن قامت برفض التعويضات للرعايا الأجانب الذين شملتهم إجراءات التأميم المتخذة منة طرف حكومة الثورة البلشفية عام 1917، واستندت أيضا حكومة المكسيك بنفس الحجج الروسية، ورفضتأداء أي تعويضات للأجانب، حين اتخذت إجراءات تجريدهم من ملكية الأراضي الزراعية التي كانوا يملكونها بموجب قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته.

ب- الالتزام بأداء التعويض لدى الفقه الغربي:

بخلاف الفقه الاشتراكي، يرى أنصار هذا الاتجاه أن أي إجراء تتخذه الدولة ولا يصاحبه أداء تعويض كامل، يعد غير مشروع، وعليه يرى ضرورة التزام الدولة بالتعويض في حالة ما إذا اتخذت قرار نزع الملكية أو التأميم، وبالتالي لا يحق للدولة أن تتنصل من التزامها بذلك بدعوى أنها لم تؤدي أية تعويضات لمواطنيها .

فالالتزام بأداء التعويض هو التزام منفصل تماما عن الالتزام بمراعاة مبدأ المساواة وعدم التمييز، ومن ثمة يبدو حق المستثمر الأجنبي في التعويض حقا مستمدا من القانون الدولي العام، وبالتالي خروج الدولة عن ذلك هو إقرار بترتب مسؤولية دولية ، التي اتخذت الإجراء في مواجهة الدولة التي ينتمي إليها الأجنبي بجنسيته( ). أما موقف الدول النامية من التعويض، فقد جاء متوسطا بين الرأيين، فهي لم تنكر مبدأ التعويض إطلاقا كما فعلت الدول الاشتراكية ولم تنتهج في نفس الوقت قاعدة التعويض التقليدية (تعويض سريع وحال وفعال وشامل)،كما أرادت الدول الغربية، وإنما طالبت بحقها في تأميم الأموال الأجنبية ووضع قاعدة أكثر مرونة للتعويض انطلاقا من مبدأ سيادة الدولة على ثرواتها ومصادرها الطبيعية( ).

البند الثاني: الجزاء المترتب على عدم مراعاة الدولة للقيود التي يفرضها عليها القانون الدولي العرفي.

إذا رفضت الدولة الالتزام بأحد القيود الأربعة التي يفرضها عليها القانون الدولي العرفي في حالة قيامها بإجراءات نزع الملكية الأموال الأجنبية، ودون مراعاة للأحكام التي يستلزمها الحد الأدنى لمعاملة الأجانب في القانون الدولي العام،كما لو قامت بتأميم المال الأجنبي إخلالا بالتزام تعاقدي سابق، أو دون مراعاة مبدأ المساواة وعدم التمييز أو دون مراعاة الالتزام بأداء التعويض.

فمما لا شك فيه أن إجراءات التأميم في مثل هذه الحالات سوف تتسم بعدم المشروعية لمخالفتها لأحكام القانون الدولي، وذلك نتيجة سمو وترجيح أحكام هذا القانون على القانون الداخلي( )، ويثور التساؤل في هذه الحالة عن الجزاء المترتب أو المقرر في حالة مخالفة الدولة لأحد القيود . هل يقضي ترجيح أحكام القانون الدولي العام الحكم ببطلان قرار التأميم وإنكار أي أثر قانوني له ؟ أم يتم الاكتفاء بمجردرفض بعض الآثار المترتبة على قرار التأميم دون بعضها الأخر؟ انقسم الفقه حول هذه المسألة : إلى اتجاهين مختلفين على النحو الأتي:

أولا: الاتجاه التقليدي نحو تقرير البطلان وإجراءات التأميم.

ذهب هذا الاتجاه( ) من الفقه إلى القول بضرورة الحكم بالبطلان إجراءات التأميم ، حيث اعتبر قرار التأميم الذي يتم دون أداء أي تعويضات ، يعتبر قرارا باطلا ، وغير مشروع من الوجهة الدولية ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني ، بما في ذلك عدم قدرة هذا القرار على نقل الملكية داخل حدود الدولة التي أصدرت قرار التأميم .

ويمثل هذا الاتجاه – موقف الدول الغربية – اتجاه التأميمات الروسية عام 1917، حيث ظهر في البداية ليعبر عن ردود الفعل العنيفة في الدول الرأسمالية بمناسبة التأميمات، وحجة هذا الاتجاه أن الدولة التي لجأت إلى التأميم إنما تسعى الحصول على مجرد سند الملكية ، بمقتضى قانونها الوطني ولا تستطيع هذه الدولة الاحتجاج بسند الملكية هذا في مواجهة الدول الأخرى، إلا إذا قد تم اكتسابه بوسيلة مشروعة دوليا ، فإذا كان القانون الدولي لا يقر هذه الوسيلة، اعتبرت الملكية ولا زالت باقية للملاك السابقين، ويكون سندهم في الملكية، هو السند الوحيد المعترف به دوليا، بغض النظر عن الحق الجديد الذي نشأ داخليا فقط بمقتضى التأميم( ).

وقد تمسك أنصار هذا الاتجاه بالأفكار المتقدمة لينتهوا إلى بطلان قرارات التأميم الإيرانية والأندونوسية والكوبية، وذلك لعدم كفاية التعويضات باعتبار أنها في رأيهم مخالفة للقانون الدولي العام الذي يقضي بضرورة دفع تعويضات كاملة، وفي سبيل تدعيم رأيهم قدموا حجج ومبررات من أجل تلافي الاعتراض في حالة قيام القاضي بتطبيق قانون موقع المال، وفقا لقواعد تنازع القوانين، حيث يؤكد أنصار هذا الاتجاه أن القاضي غير ملزم في هذه الحالة بتطبيق ذلك، وهم ما كان يكمن أن يؤدي به إلى الحكم بسلامة إجراءات التأميم، التي اتخذتها دولة الموقع في مواجهة الأموال الأجنبية الكائنة في هذه الدولة، ذلك أن خضوع المال لقانون موقعه، يفترض أن قانون الموقع هو قانون بالمعنى الصحيح، وهو ما لا يتأتى إلا إذا كان القانون المذكور غير مخالف لأحكام القانون الدولي العام، أما إذا كان قانون دولة الموقع يخالف هذه الأحكام، فحينئذ انتفت عنه صفة القانون الواجب التطبيق، ومن ثمة يتعذر تقرير شرعية التأميم وفقا لنصوصه( ).

فقد تعين على القاضي الهولندي مثلا، أن يحكم ببطلان إجراءات التأميم الاندونيسية، التي اتخذت في مواجهة الأموال الهولندية في اندونيسيا رغم سلامة هذه الإجراءات وفقا للقانون الموقع (القانون الاندونيسي) ما دام أن الإجراءات قد تمت لمخالفة لأحكام القانون الدولي، مما ينفي عن القانون الاندونيسي صفته الشرعية، كقانون واجب التطبيق أمام المحاكم الهولندية( ).

ومن أشهر القضايا التي حدثت في القرن العشرين والتي تجسد هذا الاتجاه الفقهي الرافض بتطبيق القانون الوطني، أو قانون موقع المال على النزاع المعروض هي القضية المتعلقة بالنزاع الذي نشب في 1929، بين الحكومة الروسية وشركة بريطانية لاستخراج الذهب من المناجم الروسية، بمناسبة استيلاء الحكومة الروسية على أموال الشركة، وقد كان هناك اتفاق بين الطرفين يقضي بتطبيق القانون الروسي عند نشوب أي نزاع بينهما إلا أن المحكمين البريطاني والألماني استبعد تطبيق القانون الروسي وطبق المبادئ العامة للقانون الدولي،وذلك بحجة أن القانون الروسي لا يمكن أن يحكم إلا الأمور التنفيذية داخل الاتحاد السوفيتي، ولا يمكن أن يسند إليه حكم علاقة قانونية لأنه لا يقوم على المبادئ المسلمة للعالم المتمدن أي المدنية الأوربية( ).

غير أن ما انتهى إليه الرأي الغالب في الفقه المعاصر، حتى في الدول التي تعتنق النظام الرأسمالي نفسها، أن إجراءات التأميم لدى الفقه السائد هي إجراءات سيادة، يتعين أن ترتب بعض الآثار حتى ولو خالفت في بعض الأحيان، الأحكام الخاصة لحماية المال الأجنبي، والمقررة في القانون الدولي حيث لا يجوز وفقا لهذا الرأي، أن نتجاهل ما ترتبه ظاهرة التأميم من أثر: كسند ناقل للملكية في شان الأموال الكائنة في الدولة، التي اتخذت هذا الإجراء.

وعليه مهما يكن فان كانت الدولة التي اتخذت إجراءات التأميم على هذا النحو، قد خالفت أحكام القانون الدولي، فإن الجزاء المترتب على ذلك ليس هو بطلان هذا الإجراء ، وإنما مجرد التزامها بالتعويض الشامل.

ثانيا : الاتجاه الحديث نحو إلزام الدولة بالتعويض الشامل.

يعبر هذا الاتجاه عن رأي غالبية الفقه المعاصر حتى في الدول الرأسمالية نفسها، حيث يذهب إلى أن عدم المشروعية أو البطلان، لا يمكن أن يلحق قرار التأميم ذاته باعتبار أن إجراءات التأميم تعد استعمالا لحق مشروع لصيق بسيادة الدولة، ولا تعد باطلة في ذاتها ولو خالفت المبادئ الدولية الخاصة بحماية المال الأجنبي والمقررة في القانون الدولي، فالتأميم ينتج أثاره الكاملة داخل حدود الدولة، أو في مواجهة الدول الأخرى، ولا يقع على عاتق الدولة سوى الالتزام بالتعويض( ).

ومما يدل على سلامة هذا الرأي ما ذهب إليه الفقه الانجليزي في مجموعه، حين استنكر حكم قاضي “محكمة عدن”، واعتبرها سابقة مؤسفة، حيث أنكر عدم قدرة التأميمات الإيرانية على نقل ملكية الأموال محل التأميم الكائنة بإيران، بحجة مخالفة هذه التأميمات القانون الدولي وعدم مطابقة أحكامه، كما أن الفقيه كولجين–KOLLEWIGIN– قد تجاهل قضاء المحكمة العليا الهولندية بمناسبة تأميم البترول المكسيكي عندما اعترف بأن: “الحكومة المكسيكية قد اكتسبت ملكية ذلك النفط وقت التأميم”، ومما يؤيد هذا الاتجاه كذلك الموقف الذي اتخذته الحكومة الأمريكية بمناسبة التأميمات الكوبية، فقد جاء في مذكرة وزارة الخارجية بمناسبة القضية المعروفة”BAHIA DE NIPE”، والمرفوعة إلى المحكمة أن:” التأميمات الكوبية غير مشروعة وفقا للقانون الدولي”، وهو ما يؤثر على العلاقة بين الحكومتين.

ولكن عدم مشروعية التأميمات الكوبية على هذا النحو لا تؤثر في قدرة هذه التأميمات على نقل ملكية الأموال، وهو ما يتعين على القضاء الأمريكي الاعتراف به( )، لأنه حتى ولو كانت الدولة التياتخذت إجراءات التأميم قد رفضت مبدأ التعويض أساسا، فإن عدم مشروعية التأميم من وجهة نظر القانون الدولي، لا تحول دون وجوب الاعتراف بما ترتب عليه من أثار بالنسبة لنقل ملكية الأموال الكائنة داخل حدود هذه الدولة، ولا يختلق الأمر فيما لو كانت عدم مشروعية التأميم راجعة إلى إخلال الدولة بالتزاماتها التعاقدية السابقة، أو أخلت بقيد المصلحة العامة، أو لم تراع مبدأ المساواة وعدم التمييز، حيث يرى الفقه الغالب أن عدم مشروعية التأميم من وجهة نظر القانون الدولي في الحالات السابقة، لا تعني عدم الاعتراف به كإجراء سيادي تترتب عنه انتقال ملكية الأموال الكائنة في الدولة التي اتخذت الإجراء.

ولهذه الأسباب والمعطيات يرفض الرأي الغالب من الفقه الدولي الحديث تقرير بطلان إجراءات التأميم التي تتخذ بمخالفة لأحكام القانون الدولي، وإنما يقر بضرورة إلزام الدولة بالتعويض، وهو الجزاء الوحيد عند عدم مراعاة الدولة لذلك، غير أنه قد ثار خلاف حول التمييز بين حالة التأميمات المشروعة التأميمات غير المشروعة من وجهة نظر القانون الدولي، فهل يتساوى التعويض في كلتا الحالتين؟ إن الفقه الدولي الحديث يجيب بالنفي، حيث يرى ضرورة التمييز والتفريق بين الحالتين، فالتأميم المشروع يرتب التزاما بالتعويض المجرد عن أوصافه التقليدية، أي التعويض في إطار القواعد العرفية الدولية، بخلاف التأميم غير المشروع فهو يرتب عاتقا على الدولة بأداء التعويض الكامل أو الشامل( ).

أي التعويض الذي يتضمن تغطية ما لحق المستثمر الأجنبي من ضرر حقيقي وما فاته من كسب.

وعلى ذلك فإذا اتخذت الدولة إجراءات التأميم في مواجهة أموال أجنبية في إقليمها بالمخالفة لأحكام دولية سابقة تلزمها بعدم تأميم هذه الأموال، فإن إجراءات التأميم في هذه الحالة تعد غير مشروعة في نظر القانون الدولي، ويترتب على ذلك التزام الدولة التي اتخذت هذه الإجراءات بالتعويضات الكاملة، وليس بمجرد التعويضات الجزئية التي يقضي بها العرف الدولي المقرر للحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي( ).

ومن القضايا التي تؤكد وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه: قضية شركة “AMINOIL”الأمريكية ضد الحكومة الكويتية سنة 1979، وتتلخص وقائعها في إبرام أمير الكويت عقد امتياز للبحث عن البترول مع الشركة أنفة الذكر لمدة ستون عاما ، وقد تضمن العقد شرط عدم المساس بالعقد خلال تلك المدة، ونتيجة للتغيرات التي حدثت في سياسة الدول المنتجة للبترول عام 1973، رفضت شركة “AMINOIL” التنازل عن جزء من حصص الإنتاج، أو تعديل الأسعار حسب قرارات منظمة الأوبك OPEC مما دفع الحكومة الكويتية إلى تأميم ممتلكات الشركة مقابل تعويض عادل.

إلا أن شركة ” AMINOIL” لجأت إلى التحكيم الدولي طبقا لشرط التحكيم الوارد بالعقد، وفي حكمها أكدت المحكمة أن التأميم:”طالما كان بغرض تحقيق المصلحة العامة فهو قرار مشروع، ولا يخالف أحكام القانون الدولي، ولا يقيد شرط الثبات من حق الدولة في التأميم ولا يقع على عاتق الدولة سوىتعويض المتعاقد معها تعويضا مناسبا”، كما أوضحت المحكمة ذلك بأن شروط الثبات يجب أن لا تتعارض مع الحقوق السيادية للدولة المتعاقدة في حقها في التأميم( ).

وقد أيدت المحكمة الدائمة للعدل الدولي، هذا الرأي في حكمها الصادر في قضية سيليزيا العليا، السابق الإشارة إليها، حيث أكدت أن التعويض المقرر في حالة تأميم الدولة لممتلكات الأجانب إخلالا بالالتزام تعاقدي سابق، يجب أن يعطي للمالك مركز مماثل لمركزه السابق قبل تجريده من أمواله.

مما سبق يمكن القول أن قرار التأميم سواء كان مشروع أم غير مشروع، فهو قادر على نقل ملكية الأموال الكائنة في إقليم الدولة التي اتخذته باعتباره من قرارات السيادة، مع بقاء الحق للمستثمر الأجنبي في الحصول على التعويض مقابل تأميم أمواله، فعند قيام الدولة التي قامت بإجراءات تأميم المشروع بالتعويض الجزئي، نكون أمام فكرة الإثراء بلا سبب( ).

أما إذا تم أداء التعويض الشامل فنكون بصدد فكرة العمل الغير مشروع، وهي الحالة يتم فيها التأميم ويكون مخالف لأحكام القانون الدولي، أو بما يسميه البعض بفكرة الإخلال بالحق المكتسب، والتي يكون فيها حق التمسك بفكرة النظام العام من قبل المحاكم الوطنية الأخرى، لاستبعاد أي أثر من الآثار المترتبة على التأميم المتعارض مع أحكام القانون الدولي، غير أن السؤال الذي يثور هو عن الحالة التي تقوم فيها الدولة بالتعسف في استعمال الحق، وتقوم بتأميم أموال الأجنبي دون دفع أي تعويض مقابل ذلك ؟.
تقضي القاعدة العامة في هذه الحالة، بأنه على المستثمر الأجنبي أن يلجأ إلى الوسائل القضائية المتاحة داخل الدولة المضيفة للاستثمار للمطالبة بتعويضه عن ممتلكاته التي تم تأميمها، أي أن عليه أن يلجأ إلى السبل المتاحة داخل الدولة المستقبلة للاستثمار غير أنه كثيرا ما يخفق المستثمر الأجنبي في الحصول على حقوقه أو يتعرض لإنكار العدالة، خاصة وأنه في بعض الحالات يصعب عليه الالتجاء للقضاء الوطني لدولته، أو أي دولة أخرى التي اتخذت إجراءات التأميم في مواجهته ولن يستطيع مطالبتها بالتعويض، نظرا لما تتمتع به الدول الأجنبية من حصانة أمام القضاء الوطني للدول الأخرى، فيجوز له طبقا لحدود الحد الأدنى للحماية الدولية الإجرائية، أن يلجا إلى دولته لحمايته بالوسائل السياسية، والتي تعرف في فقه القانون الدولي بنظرية الحماية الدبلوماسية، أو ما يعرف بنظام الحماية الإجرائية( ).

الفرع الثاني: الحد الأدنى للحماية الإجرائية.

لقد أدت الغاية من حماية الأموال الأجنبية داخل حدود دولة أخرى مستقبلة لها، إلى ضرورة تبني سياسة حركة تنقل رؤوس الأموال ، وقد أدركت الدول الصناعية الكبرى منذ عهد التجاريين( ) ، أي منذ فترة طويلة إلى الدور الهام الذي تلعبه استثماراتها خارج نطاقها الوطني خاصة في مجال غزو الأسواقالخارجية، وتوفير المواد الأولية التي تحتاجه إليها صناعتها، وإدراكا منها لأهمية ذلك، وضعت أساليب وأنماط قانونية وفق ما تمليه القواعد العرفية الدولية التقليدية لحماية ممتلكات رعاياها من المخاطر التي قد تتعرض لها في الدول المضيفة، وذلك من خلال آليات الحماية الإجرائية والمتمثلة في نظام الحماية الدبلوماسية.

البند الأول: مدى حق الدولة في التصدي أموال مواطنيها المستثمرين.

تعتبر الحماية الدبلوماسية أداة لتحريك المسؤولية الدولية تجاه الدولة التي أخلت بالتزاماتها نحو رعايا الدول الأخرى، حيث أنه وفق المبادئ الأساسية والمستقرة في القانون الدولي، أنه للدولة الحق في حماية رعاياها عندما يتعرضون لأضرار نتيجة لأعمال ارتكبتها دولة أخرى، ولم يتسنى لهم الحصول على حقوقهم من خلال وسائل التقاضي العادية، وإذا لم يحصل المستثمر الأجنبي على حقوقه بواسطة وسائل الحماية المتاحة له على الصعيد الداخلي للدولة المضيفة، فإن ذلك لا يعني ضياع حقوقه، استنادا إلى مبدأ نظام الحماية الدبلوماسية، حيث تشكل إجراءا ضروريا تتخذه الدولة لحماية رعاياها وحقوقهم على الصعيد الدولي.وتبعا لما تقدم، يمكن دراسة هذا البند من خلال عنصرين وهما:

-مفهـوم الحمايـة الدبلوماسيـة.
-الشروط الواجب توفرها حتى تتمكن الدولة من ممارسة الحماية الدبلوماسية.
مفهوم الحماية الدبلوماسية: تعرف الحماية الدبلوماسية بأكثر من تعريف، وذلك حسب الزاوية التي ينظـر
منها لهذه الحماية وقد عرفهاLOUISA DUBIOUS ، بأنها عمل تقوم به دولة لدى دولة أجنبية أخرى للمطالبة باحترام القانون الدولي، أو الحصول على بعض المزايا، أو كما يعرفها HENRI CAPITANT بأنه نصرف تقرر فيه دولة ما بأن تأخذ على عاتقها نزاع أحد رعاياها ضد أخرى.

وترفع ذلك النزاع إلى المستوى الدولي من خلال الطريق الدبلوماسي أو الطريق القضائي( )، وحسب هذا المفهوم فإن نظام الحماية الدبلوماسية، يشمل كافة التصرفات التي تتخذها السلطات القنصلية والدبلوماسية لدولة ما، ضد دولة أخرى يتواجد فيها رعاياها بغرض الدفاع عن حقوقهم وحمايتهم من الإجراءات التعسفية التي قد تستهدفهم في الدولة المقيمين بها كما هو الشأن في قرار التأميم مثلا. ويؤكد الفقيه Paul de Viss Cherعلى الطابع العرفي لممارسة الحماية الدبلوماسية حيث يقول:”بأنها آلية عرفية من خلالها كل دولة ذات سيادة لديها الحق في طلب تعويض عن الضرر الناتج عن انتهاكات الفانون الدولي التي وقعت من قبل دولة أجنبية ضد أحد رعاياها”.

أما بخصوص الاستثمارات الأجنبية، فيمكن تعريف الحماية الدبلوماسية بأنها:” الإجراء الذي تلجأ إليه دولة المستثمر الأجنبي سعيا لتأمين حقوق استثمار هيئة أو فرد ينتمي إليها بجنسيته لدى دولة أخرى بعد إقدام الأخيرة على المساس به لمخالفة التزاماتها وفق قواعد القانون الدولي( ) وذلك بعد أن يستنفذ طرق إصلاح الضرر في الدولة المسئولة وفق لقانونها ، ولم يكن له يد في ما أصابه من ضرر ( الأيدي النظيفة)( ) “.

ويرجع الفقه سبب قيام الدول بتدخلها دبلوماسيا، لكون أن الفرد لا يحق له مقاضاة الدولة المتواجد بها أمام القضاء الدولي، لأن هذا الأخير لا يعترف له بالشخصية القانونية الدولية، لعدم توافره على شرطين:التعبير عن الإرادة الذاتية في مجال القانون الدولي، والتمتع بالحقوق والالتزامات الدولية( )، ويقوم حق الدولة في الحماية الدبلوماسية لمواطنيها على أساس أن الضرر ألم بأحد رعاياها، إنما هو ضرر واقع على المجتمع برمته، مما يتيح لدولة المتضررحق مقاضاة الدولة المتسببة في الضرر ومطالبتها بالتعويض عن ذلك، وقد أشارت إلى هذا الحق المحكمة الدائمة للعدل الدولي في كثير من أحكامها.

مثل ما هو الشأن بالنسبة للنزاع اليوناني البريطاني بخصوص الامتيازات الممنوحة لمافروماتيس( )سنة 1924 في فلسطين حيث قضت المحكمة بأنـه:” يعد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، أن يكون للدولة الحق في حماية رعـاياها، عندما يلحق بهم ضرر نتيجة إجراءات مخالفة للقانون الدولي ترتكبها دولة أخرى، ويكونو غير قادرين على أن يحصلوا منها على ترضية مناسبة وذلك عندما يسلكون الطرق القضائية الداخلية.”

ويمكن القول أن نظام الحماية الدبلوماسية جاء نتيجة سببين مهمين وهما:
– نتيجة التسليم بفكرة الحد الأدنى من الحقوق ومبدأ الحقوق المكتسبة، وقاعدة حماية الاستثمارات الأجنبية الخاصة في الخارج، وأعمالا لتكريس هذه المبادئ في نطاق العلاقات الاقتصادية الدولية، أصبح من واجب الدول أن تمد حمايتها الدبلوماسية لكل رعاياها الموجودين في الدول الأخرى، وضرورة التكفل لهم بالتمتع بكافة الحقوق والمزايا المعترف لهم بها في القانون الدولي.

– .جاء هذا النظام ليقوم بتدارك أمر عدم وجود نظام عالمي يضمن للفرد المثول المباشر أمام جهات القضاء الدولي ، وكحق تحتفظ به الدولة ، وتلجأ إليه فقط عندما تخل الدولة المضيفة بالتزاماتها اتجاه مواطنيها.

-شروط تمتع المستثمر الأجنبي بالحماية الدبلوماسية: لا يمكن لدولة ما أن تتصدى لحماية أموال رعاياها في الخارج، وتتبنى قضيتهم سواء كان طبيعيا أو اعتباريا عن طريق ممارسة دعوى الحماية الدبلوماسية إلا إذا توافرت شروط معينة: – شروط تتعلق بالعلاقة أو الرابطة بين الفرد والدولة. (رابطة التبعية). … – شروط تتعلق باستنفاذ طرق الطعن الداخلية.

-شرط تمتع المستثمر المتضرر بجنسية الدولة التي تباشر الحماية الدبلوماسية: الجنسية هي العلاقة أو الرابطة
القانونية والسياسية بين المستثمر أو الفرد المضرور وبين الدولة المدعية، وبموجب هذه العلاقة لا تستطيع الدولة ممارسة الحماية إلا لصالح رعاياها الذين يحملون جنسيتها لأن هذه الحماية تبرر على أساس الاختصاص الشخصي للدولة.

وإذا كانت الحماية الدبلوماسية، قد وجدت لحماية الشخص الطبيعي مما يصيبه من أضرار مادية أو معنوية، فإن القانون الدولي لا يمنع من تطبيق هذه الحماية على الشخص الاعتباري( )، كإحدى الشركات، إذ يتعين أيضا أن يكون متمتعا بجنسية الدولة التي تتصدى لحمايته وفقا للمعايير التي تعتنقها تشريعات هذه الدولة في شأن تحديد جنسية الأشخاص الاعتبارية، باعتبار أن الاستثمارات الأجنبية إحدى الدعائم الأساسية لاقتصاد كثير من الدول، وأن أي ضرر بها يعد ضررا باقتصاد الدولة التي تتبعها هذه الاستثمارات.

وعليه تعد الجنسية شرط أساسي لقيام العلاقة بين الدولة والشخص المنتمي إليها، وهذا ما أكدته المحكمة الدائمة للعدل الدولي في حكمها الصادر في 23 فيفري 1939 بأنه: “عند عدم وجود اتفاق دولي خاص، فإن رابطة الجنسية بين الفرد والدولة هي الرابطة الوحيدة التي تخول للدولة الحق في الحماية الدبلوماسية”، فإذا لم يتوفر هذا الشرط لا يحق لدولة ما أن تضع مسؤولية دولة أخرى موضع التطبيق، فالعلاقة وثيقة بين الجنسية والحماية الدبلوماسية، بمعنى أن الجنسية هي التي تسمح بممارسة الحماية الدبلوماسية في ظل القانون الدولي المعاصر، وهذا ما أكده حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 1955 في قضية نوتا بوم (NETTEPOM)( )، حيث جاء فيه أن الجنسية استنادا إلى العمل الدولي، وأحكام محاكم التحكيم والقضاء وأراء الفقهاء (هي رابطة قانونية تقوم في أساسها على واقع ارتباط اجتماعي على تضامن حقيقي في الوجود والمصالح والمشاعر مقرونة بتبادل الحقوق والواجبات )، ويستشف من هذا التعريف، أنأهمية الجنسية تستمد من الواقع كما تعني انتماء الشخص فعليا لدولة ما، ولهذا الانتماء أهمية خاصة في تحديد رعايا كل دولة.

-شرط استنفاذ المستثمر الأجنبي وسائل التقاضي الداخلية: لقد استقر العرف الدولي على هذا المبدأ كشرط
لممارسة الحماية الدبلوماسية، ويقصد به أنه لا يجوز لدولة الأجنبي، أن تتصدى لحمايته الدبلوماسية في مواجهة الدولة التي قامت بنزع ملكية أمواله الكائنة في إقليمها، إلا بعد أن يكون المستثمر الأجنبي طالب الحماية، قد استنفذ دون نجاح كافة الوسائل الداخلية لجبر الضرر في تشريع الدولة المضيفة ، وقد استقر العمل الدولي على إعمال هذا المبدأ كشرط لممارسة الحماية الدبلوماسية، وهو ما أقره معهد القانون الدولي بوصفه تعبيرا عن قاعدة عرفية دولية( )، وعليه يستوجب على المستثمر الأجنبي المتضرر أن يقوم باستنفاذ طرق الطعن المحلية إدارية كانت، أم قضائية والمقررة في تشريع تلك الدولة، ودون مراعاة هذا الشرط لا تستطيع دولة المتضرر المطالبة الحماية الدبلوماسية.

وقد تنازل القضاء الدولي موضوع شرط استنفاذ وسائل التقاضي الداخلية، حيث أقرت محكمة العدل الدولية الدائمة، في قضية شركة أنترهاندل بين سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية في 21ماي1959، أين دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بعدم شرعية مطالب السويسرية، استنادا إلى أن الشركة لم تستنفذ طرق وإجراءات التقاضي المحلية المتاحة لها بموجب النظام القضائي الأمريكي، حيث قررت المحكمة أن إتباع هذا الشرط هو من المبادئ الأساسية الثابتة والمستقرة في القانون الدولي( )، كما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، هذا الشرط في قرارها رقم:1803 الصادر في 14-12-1962،المتضمن لمبدأ السيادة على الثروات الطبيعية على أنه:”يراعى حال نشوء نزاع حول موضوع التعويض استنفاذ طرق التقاضي الوطنية للدولة التي اتخذت تلك الإجراءات…”.

إن الحكمة من استلزام هذا الشرط هو احترام سيادة الدولة المضيفة للاستثمار، وعدم التشكيك في نزاهة قضائها الوطني، إضافة إلى منح الدولة المضيفة للاستثمار فرصة لإصلاح الضرر، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه بواسطة هيئاتها الداخلية قبل إثارة النزاع إلى الساحة الدولية من خلال الحماية الدبلوماسية.

البند الثاني: موقف القضاء والفقه من نظام الحماية الدبلوماسية .

إن حق الحماية الدبلوماسية هو حق لصيق بالدولة – حق خاص”Droit propre ” وليس للمتضرر، وعليه فهي وحدها التي تقرر ما إذا كانت ستمارس هذا الحق، من عدم ممارستها له تبعا لظروفهما ومصالحهما مع الدولة المتسببة في الضرر، لأن لها سلطة تقديرية لا معقب عليها في قبول التصدي لذلك، ولا يستطيع الشخص المتضرر إرغامها على ذلك إن لم تبادر لحمايته. ويرجع ذلك لكون أن المستثمر أو الشخص المضرور، ما هو إلا موضوع من مواضيع هذه العلاقة ولا يمكنه أن يكون طرفا في النزاع، غير أن المبالغة في استعمال هذا الحق قد يؤدي إلى تدخل الدولة القوية في الشؤون الداخلية للدول الضعيفة بحجة حماية مصالح رعاياها ( )، لذا كان من الطبيعي أن تبحث الدول الضعيفة عن وسيلة أوأداة قانونية تقيد من خلالها تدخل الدول القوية في شؤونها ، ويعتبر شرط كالفو( )، أحد هذه الأدوات القانونية التي ابتدعت للحيلولة دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة.
ولعل من بين الدول التي تبنت هذا الشرط، ودافعت عنه بقوة: دول أمريكا اللاتينية من خلال العقد المبرم بين دولة المكسيك والشركة الأمريكية والمعروفة باسم NORTH AMERICAN DREDIGING COMPANY OF TECSAS حيث جاء فيه يعتبر المتعاقد وكل أشخاص المرتبطين بأداء العمل مباشرة أو بطريق غير مباشر – وفقا لهذا العقد- يعتبرون كالمواطنين المكسيكيين داخل الجمهورية المكسيكية، فيما يتعلق بأداء العمل وإتمام هذا العقد، وليس لهم حق رفع دعوى بالنسبة لحقوقهم ومصالحهم وإعمالهم المتعلقة بهذا العقد .
وأي حقوق ووسائل أخرى لتنفيذ هذه الأمور أكثر من تلك التي تعطيها قوانين جمهورية المكسيك لمواطنيها، ولا يتمتعون بأية حقوق أخرى أكثر من تلك التي قررت لصالح المكسيكيين،ونتيجة لذلك يجردون من أي حقوق بوصفهم أجانب، ويتعهدون بعدم السماح لتدخل الممثلين الدبلوماسيين الأجانب في أي أمر يتعلق بتنفيذ هذا العقد).
ويقوم “شرط كالفو” على مجموعة من الأسس تتمثل في: .. – مبدأ خضوع النشاط الأجنبي لسلطة القضاء الوطني وهو ما يقره التعامل الدولي، كما جاء ذلك في ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول لسنة 1974 من خلال ما نصت عليه المادة الثانية منه في الفقرتين (أ،ج). – إخضاع العقد لقانون الدولة المتعاقدة وهي نتيجة بديهية للشرط الأول لأن القاضي الوطني ملزم بتطبيق قانون دولته. -مبدأ المساواة في المعاملة بين الأجانب والوطنيين، حتى ولو كان محتوى الحقوق والالتزامات مختلفة عما هو عليه في دولة المتعاقد، وهو مبدأ يتماشى مع ما أقره العمل الدولي في كثير من المواقف والأعمال الدولية.

– تنازل المتعاقد عن طلب الحماية

الدبلوماسية من دولته، يمثل أخطر مبدأ شرط كالفو لما فيه من تفويض لسلطة الدولة الحامية، لأن الحماية الدبلوماسية تمثل أسلوبا مزدوجا، فإلى جانب كونها وسيلة دبلوماسية فهي أيضا وسيلة قضائية يتم من خلالها مقاضاة الدولة المتسببة في الضرر والتسليم بالتنازل معناه تجريد الدولة من ممارسة حق الحماية سواء عن طريق العمل الدبلوماسي، أو عن طريق العمل القضائي. …. – ونظرا لما يمثله التنازل من عدمه في تباين للمصالح ، فقد جاء موقف القضاء الدولي

متضاربا بين مؤيد ومعارض:
– بالنسبة للموقف المؤيد لشرعية شرط التنازل، فيرى أنصار هذا الموقف بأنه بإمكان المستثمر الأجنبي المتضرر ، أن يتنازل مقدما من اللجوء إلى دولته ، للمطالبة بما قد يصبه من ضرر اتجاه الدولة المضيفة ، فهوانطلاقا من ذلك يتمتع بسلطة تقديرية بالنسبة للأوضاع التي تواجهه اتجاه الدولة المقيم فيها ، وما دام كذلك فتنازل عن هذا الشرط هو تنازل مشروع ، لأن الدولة لا يمكنها أن تتدخل لحماية رعاياها فيما قد يصبهم من أضرار إلا بناء عل طلبهم. -.أما الموقف المعارض لشرعية شرط التنازل: فيقرر بطلان هذا الشرط حتى وإن تضمنه العقد ، فعلى الدولة أن تتدخل لحماية مصالح رعاياها ، لأن الأفراد لبست لهم القدرة في مواجهة الدول الأخرى لمطالبتهابالتعويض ، فما هم إلا مجرد موضوع من مواضيع هذه العلاقة، ولا يمكنهم أن يكونوا طرفا في النزاع( )، وبالتالي على الدولة أن تتصدى لحماية رعاياها، وبالتالي تكفل لهمالتمتع بالحقوق والمزايا المعترف لهم بها في القانون الدولي( ). . -.أما الموقف التوفيقي: هو ما ذهبت إليه لجنة التحكيم الدولية في النزاع القائم بين الشركة الأمريكية ودولة المكسيك، السابق الإشارة إليه حيث اعترفت هذه اللجنة بشرط كالفو مع اشتراط مطابقة تضمن العقد لهذا الشرط للقانون الدولي، وترى هذه اللجنة ضرورة التمييز بين الأمور التي تدخل في نطاق العقد، والأمور الخارجة عنه، فالأولى ترى بأن مخالفة العقد للقانون الدولي، لا يمنع من ممارسة الدولة لحق الحماية الدبلوماسية ، لأن الحماية لا تقوم على أساس الضرر الذي أصاب الرعية المتنازل عن حقه في اللجوء إلى دولته لحمايته من الضرر الذي ألحقته به الدولة المضيفة، بل على أساس مخالفة لقواعد القانون الدولي. في حين أن إنكار العدالة هو أمر خارج عن نطاق العقد. وعلى ضوء ما سبق ذكره يمكن القول أن “شرط كالفو” جاء لتقييد حرية الدولة في مجال ممارستها للحماية الدبلوماسية ومن ثمة جعل حصانة للسيادة في الممارسة الدولية، ومهما يكن وسواء كانت هذه الحماية ذات طابع موضوعي أو إجرائي، فإن المهم هو التساؤل حول ما مدى كفاية الحد الأدنى للحماية الموضوعية والإجرائية في توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية ؟ وهل هذه الحماية قادرة على إدراك متطلبات التعاون الاقتصادي الذي تسعى إليه الدول التي ترتبط بروابط خاصة وتجمعها على هذا النحو مصالح اقتصادية مشتركة خاصة في ظل تطور العلاقات الدولية وبزوغ العولمة الاقتصادية ؟.

المطلب الثاني:العوامـل التي ساهمت في قصـور القواعد العرفيـة الدولية عن توفيـر الحماية اللازمـة للاستثمارات الأجنبيـة.

يقلل الفقه من فعالية القواعد الدولية العرفية كوسيلة لحماية الاستثمارات الأجنبية الخاصة، إذ أن القانون الدولي لا يتضمن أحكاما تفصيلية لمعاملة هذه الاستثمارات، لاسيما وأن المبادئ العرفية التي ابتدعتها الدول الأوربية، إبان استعمارها للدول الفقيرة لحماية رعاياها في هذه الدول كمبدأ الحد الأدنى لمعاملة الأجانب ، ومبدأ احترام الحقوق المكتسبة، لا يمكنها أن توفر الحماية للاستثمارات الأجنبية كما أن قاعدة التعويض التقليدية(كامل،حال،فعال)، لم تعد تلقى قبولا في التطبيق الدولي، وأصبحت هذه القاعدة عديمة الفائدة، إذ أن المستثمر الأجنبي لم يعد يحصل على تعويض كامل في حالة تأميم ممتلكاته بل تعويضجزئي، كما لم تستطيع القواعد العرفية أن توفر الأداة الدولية الملزمة لحل منازعات الاستثمار.
وأخيرا فإن وسيلة الحماية الدبلوماسية أضحت وسيلة غير فعالة بالنسبة للمستثمر الأجنبي، فقد تقرر الدولة عدم استخدامها لحمايته لاعتبارات سياسية معينة ، بما يعني إنكار العدالة وتجريد المستثمر من حق التمتع بهذه الحماية من الناحية العملية، ولا ننسى نظرة عدم الرضا التي تنظر بها الدول النامية إلى القواعد العرفية الدولية، بحجة أنها لم تشارك في وضعها، وأن هذه القواعد لا تمثل سوى مظهر للتاريخ الاستعماري،وتمسك هذه الدول بالنظام الاقتصادي الدولي الجديد الذيترغب في المساهمة في وضع قواعده، بالإضافة غلى ظهور الشركات المتعددة الجنسيات، وأثرها على توجهات الاستثمار الدولي.

الفرع الأول : عدم كفاية الحماية الدولية العرفية للاستثمارات الأجنبية.

بعد أن انتهينا من دراسة قاعدة الحد الأدنى المقررة لحماية الاستثمارات الأجنبية في العرف الدولي سواء الحماية الموضوعية أو الإجرائية، لم يبق لنا سوى البحث حول مدى كفاية هذا الحد الأدنى في توفير الحماية اللازمة والكافية للاستثمارات الأجنبية وهو ما يقتضي التفرقة في هذا الصدد بين الحماية الموضوعية من ناحية، والحماية الإجرائية من ناحية أخرى.

البند الأول : ضعف الحد الأدنى للحماية الموضوعية.

أولا: محدودية التعويض في إطار الأعراف الدولية: يخول الوضع الراهن للقانون الدولي العرفي( ) في شأن الحماية الدولية للمال الأجنبي للدولة، الحق في نزع ملكية الأجانب ، أو تأميم ممتلكاتهم بشرط الالتزام بمبدأ التعويض، حيث يعد الالتزام بأداء التعويض ضمانا قانونيا مهما من ضمانات الاستثمار الأجنبي في الدولة المستقبلة للاستثمار إذ عليها وفق القواعد العرفية الدولية وإن كانت تملك الحق في الاستيلاء على المشاريع الأجنبية التي تزاول نشاطا تجاريا في إقليمها، باستخدام أدوات قانونية مختلفة، فإنها تلتزم من جهة أخرى بمقتضى تلك القواعد، جبر الضرر الذي يلحق المستثمر الأجنبي نتيجة حرمانه بطريق مباشر أو غير مباشر من أمواله المستثمرة في الدولة ، ويتجسد ذلك عموما بتعويضه عن هذه الأموال.
بيد أن اختلاف في أداء التعويض، يتباين ويتضارب بين ما هو عليه وفق أوصاف التعويض التقليدية( ) وبين ما تقضي به الأعراف الدولية في هذا الصدد. ويقضي الفقه والقضاء الدوليين بشأن تحديد أوصاف التعويض، بأن المستثمر الأجنبي الذي نزعت ملكيته قانونيا يستحق مقابل ذلك تعويض يتخذ الأوصاف التالية:
– تعويض عادل “Adéquate”: وهو التعويض الذي يغطي الخسارة الفعلية، ويكون مساويا للقيمة الحقيقية للأسهم المنزوعة والأرباح التي كانت متوقعة، ودرجة الأضرار التي تصيب المستثمر الأجنبي على إثر هذا الإجراء ، على أن يكون التعويض نقدا أو على هيئة أموال قابلة للتحويل إلى نقد.
– تعويض فعال “Effectif”: يقصد بفاعلية التعويض إمكانية المستثمر الأجنبي الاستفادة من مبلغ التعويض فوريا( )، على أن يتم الوفاء بالتعويض بعملة دولة جنسية المستثمر أو بعملة الدولة التي اتخذت الإجراء( ).
– تعويض فوري “Prompte”:وهو التعويض الذي يجب أن يؤدي فور وقوع إجراء التأميم أو نزع الملكية. غير أن تطبيق التعويض بهذه الأوصاف لم يجد استجابة عملية يعتد بها ، فهناك حالات اكتفت فيها الدولالتي اتخذت إجراء التأميم بمجرد الوعد بالتعويض ، أي الالتزام بأدائه في المستقبل ، وهو ما قامت به المحاكم الفرنسية التي اعتدت بالتأميمات الجزائرية، وأكدت شرعيتها من الوجهة الدولية، بحكم أن الجزائر قد التزمت الوعد بمبدأ التعويض( )، وأكدت أن مجرد الوعد بالتعويض هو كافي لشرعية الدولية ويرتب أثاره القانونية.
كما تضمنت السوابق الدولية الحديثة والمقررة للحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي ، أن يكون التعويض جزئي ومناسبا للقدرة المالية للدولة التي اتخذت إجراءات التأميم وهو ما جرد التعويض من وصفه الشامل ، فالفقه الدولي يدين التعويض الجزئي ، وقد استند في ذلك إلى أنه إذا كانت الدولة غير قادرة على دفع تعويضا كاملا ، فيجب عليها أن تمتنع وتعارض فكرة أخذ ملكية الأجنبي( ) .
من ناحية أخرى ووفقا لما أقره الحد الأدنى وبمقتضى الأعراف الدولية ، فلا يشترط في التعويض أن يكون فوريا وإنما يمكن أن يكون مؤجلا أو على أقساط تمتد لعدة سنوات ، كما حدث في النزاع البترولي الذي جرى بين ليبيا والشركات الأمريكية ، بحيث لم ترد ليبيا الأمور إلى نصابها، كما أمر الحكم ولم تدفع التعويضات بالمبالغ التي طالبت بها الشركات ، فقد حلت هذه القضية بتسوية أدت إلى دفع تعويض عيني من البترول بمبلغ 151 مليون دولار على مدة 15 شهرا ، في حين كان تعويض مجموعة أوازيس OASIS يمتد على أربعة سنوات( ) .
كما أنه لا يشترط أن يتم أداء التعويض بعملة الاستثمار أو بعملة الدولة التي ينتمي إليها الأجنبي والذي نزعت أمواله أو أممت مشروعاته ، وإنما يجوز أن يكون التعويض بالعملة المحلية للدولة المضيفة للاستثمار ، كما أن أداء التعويض قد تم بصورة عينية( ) في بعض السوابق الدولية.
إن تجريد التعويض من وصفه الشامل والحال والفعال على هذا النحو، لا يحقق للمستثمر الأجنبي الحماية التي يرجوها وينشدها، حيث بدا لنا ذلك بوضوح إزاء قصور أحكام التعويض المقررة في العرف الدولي عند اتخاذ إجراءات التأميم أو نزع ملكية المال الأجنبي، خاصة في الحالات التي تتم فيها هذهالإجراءات ضمن خطة شاملة للإصلاح الاجتماعي، حيث يعترف الجميع بضرورة تجريد التعويض من أوصافه التقليدية في هذه الحالة بالذات.
وعلى ضوء ما سبق ذكره فإنه يمكن القول أن التعويض يبقى محدودا في إطار الحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي ، ويظل بعيدا كل البعد عن توفير الحماية اللازمة والكافية والضرورية للمستثمر الأجنبي، وكذلك الحماية التي يتطلبها التشجيع المتبادل لحركة انتقال رؤوس الأموال فيما بين الدول التي نهدف إلى إنشاء روابط اقتصادية خاصة تحقيقا لسياستها المشتركة وبالتالي لم يعد يلبي متطلبات التعاون الاقتصادي التي تسعى إليه الدول في الوقت الحاضر.

ثانيا: انعدام الحماية ضد المخاطر غير التجارية الواقعة في ظل الظروف الاستثنائية:

قد تواجه الاستثمارات الأجنبية الخاصة في أقاليم الدول المضيفة العديد من المخاطر محتملة الوقوع حيث تعتبر المخاطر التي تقع في ظل الظروف الاستثنائية من أهم العقبات التي تحول دون تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وخاصة إلى الدول النامية، وهذه المخاطر تشكل هاجسا كبيرا للمستثمر الأجنبي، ويضعها في اعتباره قبل إقدامه على استثمار أمواله في أي بلد خارجي، حيث قد تتعرض الأصول التي تشكل مشروعا استثماريا لخسائر داخل الأقطار المضيفة لأعمال الحرب أو العنف السياسي أو الفتن، والاضطرابات الداخلية نتيجة إجراءات قامت بها سلطات الأقطار المضيفة، وهي بصدد مواجهة هذه الأعمال أو ردعها، كما يمكن أن تصاب الأصول غير المادية كالأوراقالمالية والحساباتأوالمستندات. …. ويشمل هذا الخطر الثورات، التمرد، الانقلابات، وما يماثلها من الأحداث السياسية التي تتميز بخروجها عن سيطرة الحكومة المضيفة. الثورات هي حالة من الصراع تمتد إلى نطاق واسع تنتهي إما بانقلاب أو عصيان عام أو حرب أهلية، كما تشمل أعمال القتال بين الثوار والقوات الحكومية ( ).
ويذكر أنه قد تأتي على رأس تلك المخاطر، مخاطر الحرب والنزاعات والفتن الداخلية، وتوتر العلاقات السياسية وقطع العلاقات الدبلوماسية، وما تثيره من مشاكل بدت لنا خطورتها بصفة خاصة في مجال العلاقات القائمة بين الدول العربية والدول الغربية، وهذه الخطورة تزداد بطبيعة الحال في أوقات الحرب، وفي خضم تلك الظروف غير عادية تنعدم أو تكاد تنعدم الحماية ضد هذه المخاطر، مما يجعل المستثمر الأجنبي في مركز شبه منعدم لحماية حقوقه وأمواله، خاصة وأن أحكام العرف الدولي تسمح للدولة المتحاربة بالاستيلاء على الأموال العامة المملوكة للدول المتحاربة الأخرى، وبالتالي فإن الحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي يظل مع ذلك عاجزا عن تحقيق حماية قوية وفعالة للمستثمر الأجنبي وتتجلى خطورة هذه الأوضاع في أوقات الحروب بصفة خاصة بالنسبة للأموال العامة التي تمتلكها إحدى الدولالمتحاربة والكائنة في إقليم دولة متحاربة أخرى، وعليه فإن الحماية المتطلبة سوف تمس مسائل لم يستقر القانون الدولي العرفي على حلول في شأنها( ) .

البند الثاني: ضعف الحد الأدنى للحماية الإجرائية.

إن الحماية الدبلوماسية التي تمارسها دولة المستثمر الأجنبي في مواجهة الدولة التي اتخذت إجراءات التأميم ، أو المصادرة لا يمكن أن توفر الحماية المطلوبة للاستثمارات الأجنبية، فهي قواعد غير كافية وغير فعالة، ولا تحقق الضمان الكامل للمستثمر الأجنبي، فقد رأينا سابقا أن استعمال الدولة لحقها في ممارسة الحماية الدبلوماسية متوقف على توافر عدة شروط أهمها استنفاذ وسائل جبر الضرر الداخلية في الدولةالمضيفة للاستثمار وبكافة درجاتها ، وكما نعلم أن التأميمات التي تقوم بها الدولة لا تتم إلا بناء على قانون صادر من السلطة التشريعية ، ومن ثم فإن الهيئات القضائية فيالدولة المضيفة ملزمة باحترام قانون التأميم وعدم مخالفته، وعليه فإن إجراءات التقاضي ستكون دون نتيجة ملموسة هذا من جهة ،ومن جهة أخرى فإن دولة المستثمر تتمتع بسلطة تقديرية مطلقة في موافقة أو رفض ممارسة هذه الحماية، فالحماية الدبلوماسية هي حق خاص لصيق بدولة المستثمر وليس واجبا عليها، فقد ترى أن تباشر هذه الحماية أو لا تباشر، فالمستثمر الأجنبي المتضرر لا يستطيع أن يجبر دولته على ممارسة الحماية الدولية لصالحه.
ولابد من الاعتراف أن الحماية الدبلوماسية التي قد تضفيها الدولة على مواطنيها الذين يستثمرون أموالهم في الخارج ليست في ذاتها عاملا كافيا( )لحمايتهم عندما تثور المنازعات نظرا لما يحيط بها من اعتبارات سياسية كثيرة قد تدفعها في ظروف معينة إلى عدم الاهتمام أصلا بحماية حقوق المستثمر، لذا فإن الحماية عن طريق التدخل الدبلوماسي غيـر كافية.
كما أن أهم عيب في الحماية الدبلوماسية من وجهة نظر المستثمر الأجنبي يكمن في طابعها الاختياري والتقديري، ذلك أن الكلمة الأخيرة في ممارسة هذه الحماية تبقى في يد السلطة التنفيذية التي تحدد على ضوء الظروف التي تحيط بها بما فيها الموقف السياسي، ما إذا كانت تتولى هذه الدعوى أم لا وكيفية ذلك والوقت الذي ستقدم فيه الدعوى وإذا حدث أن سمح المدعي لحكومته بأن تتولى دعواه بالنيابة عنه، فإنه يجب عليه أن يقبل أي تسوية تحصل عليها الحكومة، وعلاوة على ذلك فالحكومة غير ملزمة بأن تستشير المدعي خلال المفوضات، ومن جهة أخرى قد تمر سنوات عدة قبل إمكان البدء في المفوضات .
وقد يؤدي هذا إلى الاكتفاء بقبول مبالغ صغيرة نسبيا من التعويض، ولما كان حق مباشرة الحماية الدبلوماسية يعد وسيلة غير كافية وغير مقنعة وغير فعالة، أضف إلى ذلك وقوف مبدأ حصانة الدولة أمام المحاكم الداخلية عائقا في مواجهة تصرفات الدولة المضيفة انطلاقا من مبدأ السيادة، بالإضافة إلى جهل المستثمر بطبيعة إجراءات التقاضي أمام محاكم الدولة نفسها ولهذا السبب قد أثيرت مسألة ممارسة الحماية الدبلوماسية صعوبات وإشكاليات في مجال تطبيق الدولي على النحو الأتي:
01- الحماية الدبلوماسية ومشكلة تعدد الجنسيات:
يشترط على طالب الحماية الدبلوماسية سواء أكان شخصا طبيعيا أم اعتباريا، من رعيا الدولة التي تحميه أن يحمل جنسيتها، إذ أنه من المسلم به أن الجنسية هي شرط أساسي لممارسة الحماية الدبلوماسية، فإذا لم يتوفر هذا الشرط، فلا يحق للدولة ممارسة هذا الحق .
وتطبيق شرط الجنسية رغم بساطته إلا أنه يثير العديد من المشاكل من الناحية العملية ، وهي حالة تمتع المستثمر الأجنبي بأكثر من جنسية وحالة عدم تمتعه بجنسية أية دولة (عديم الجنسية).فمن المشكلات التي تثيرها الحماية الدبلوماسية أمام القضاء الدولي هي المشكلة المتعلقة بالفرد أو المستثمر المتعدد الجنسية، وهنا تثار مشكلة دقيقة تتعلق بتحديد أي من الدولتين التي يحمل الشخص جنسياتها هي التي يمكن لها أن تتصدى لحمايته، خاصة عند عدم وجود اتفاقية دولية بين الدول التي يحمل المستثمر المتضرر جنسياتها تتضمن حلا اتفاقيا لهذه المشكلة.
لقد ساد في البداية ما يسمى بمبدأ تكافؤ السيادات، وهي نظرية اعتنقها الفقه سعيا منها نحو إيجاد حلا يتم بموجبه تحديد مركز المستثمر الأجنبي متعدد الجنسية، أي بالنظر إلى مبدأ المساواة في السيادة بين الدول التي يحمل المستثمر الأجنبي جنسياتها، والذي ينكر على القضاء الدولي الحق في الترجيح بين الجنسيات التي يحملها الشخص المتضرر، وأن ترجيح إحداها يتضمن إهدارا لسيادة دولة أخرى، لأنه وفقا للعرف الدولي لا يجوز لدولة ما ولو كانت من الدول التي يحمل الشخص جنسياتها، أن تتصدى لحمايته في مواجهة دولة أخرى من الدول التي يعد متعدد الجنسية من مواطنيها( )، غير أن الأخذ بالمبدأ المذكور يعني العجز عن حسم مشكلة تعدد الجنسيات، لأنه لا يجوز لإحدى الدول التي يحمل الشخص جنسياتها أن تتصدى لحمايته في مواجهة دولة أخرى، لأنه استنادا إلى مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، فإنه من غير المعقول تفضيل دولة على أخرى في مجال تحريك دعوى المسؤولية .
ونتيجة فشل المبدأ السابق في حل مشكلة تعدد الجنسيات، فقد ذهب الفقه الحديث في سبيل تحديد الجنسية اللازمة لممارسة الحماية الدبلوماسية إلى الأخذ بمعيار الجنسية الفعلية( )، فلكي تعد الجنسية أساسا لممارسة الحماية الدبلوماسية في القانون الدولي، فلا بد أن تعبر عن ارتباط فعلي بين الشخص والدولة التي ينتمي إليها بجنسيته، ويقوم هذا المعيار على تفضيل الجنسية التي تتفق مع الواقع الفعلي، ويبدو ذلك من خلال الظروف الموضوعية والشخصية لحياة متعدد الجنسيات.
مثل محل حياته ، إقامته العائلية ، ممارسته للحقوق العامة والسياسية في الدولة ، ومن خلال سلوكه في حياته (العائلية والاجتماعية والاقتصادية، بما يفيد ارتباطه واندماجه في شعب الدولة بصورة أكثر وثوقا بالمقارنة بالدولة الأخرى التي ينتمي إليها وهذا المعيار هو ما أكده القضاء، إذا قضت محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية نوباتوم سنة 1955 بأنه يجوز الاعتراف بالجنسية من قبل الدول الأخرى واستخدامها كسند قانوني لممارسة الحماية الدبلوماسية ، إذ كانت فعلية ، وتمثل رابطة حقيقية بين الفرد والدولة).
غير أنه رغم توصل الفقه الدولي إلى إيجاد معيار يتم بواسطته حل مركز متعدد الجنسيات من خلال تبني الجنسية الفعلية إلا أن ذلك ما يصطدم ببعض العقبات، حيث لا يخلو بدوره من المشاكل فرغم أن القضاء الدولي قد انتهى بحق، إلا أنه إذا تنازعت الدول التي يتمتع متعدد الجنسية بتبعيتها في شأن التصدي في حمايته لمواجهة الدول التي سبب لها الأضرار، فقد يحدث أن تكون الدولة التي قامت بذلك هي إحدىالدول التي يتمتع بجنسيتها، وفي هذه الحالة لم يجد القضاء الدولي للدولة الأخرى التي يتمتع المتعدد بجنسيتها أيضا أن تتصدى لحمايته، ولو كانت هذه الدولة الأخرى هي الدولة التي يرتبط بها ارتباطا فعليا .
وأساس ذلك كما بينا فهو استقرار العرف الدولي على اعتبار علاقة الدولة بمواطنيها أمر يتعلق باختصاصها الداخلي المطلق ، لذلك لا يمكن للحماية الدبلوماسية المقررة بمقتضى الحد الأدنى لمعاملة الأجانب وفق القواعد العرفية الدولية أن توفر الحماية اللازمة، ولا سبيل لحماية متعددة الجنسية لا منخلال الاتفاقات الدولية التي تعترف فيها الدول الأطراف بحق دولة الجنسية الفعلية فيالتصدي للحماية الدبلوماسية للمتعدد الذي يحمل في نفس الوقت جنسية دولة أخرى من الدول المتعاهدة، وتبدو الأهمية الخاصة للمشاكل المترتبة على تعدد الجنسية بالنسبة للأشخاص الاعتبارية.
حيث ترجع استحالة توفير الحماية الدولية للشخص الاعتباري قد تترتب كنتيجة لتعدد جنسيته، وصعوبة القول لخضوعه في بعض الحالات لإشراف دولة محددة بالذات، مما يتخلف معه أحد شروط ممارسة هذه الحماية في رأي البعض، وهو تمتعه بالجنسية الفعلية للدولة التي تتصدى لحمايته، ولعل خير مثال على ذلك هو المشروعات والشركات الدولية التي يتم إنشاؤها بمقتضى اتفاقية ثنائية أو جماعية، إذ يثور التساؤل عن الدولة التي يحق لها التصدي لحماية المشروع فيما لو أصابه ضرر من دولة غير طرف في الاتفاقية المنشئة له، وهو تساؤل يتعين أن تكون الإجابة عليه واضحة في نصوص الاتفاقية ذاتها، تجنبا لصعوبة استخلاص حل غير اتفاقي من خلال المبادئ التي يتضمنها الحد الأدنى للمعاملة الإجرائية للمال الأجنبي الذي يعد غير كافيا من هذه الناحية.
02- الحماية الدبلوماسية ومشكلة انعدام الجنسية:
إذا كان الفقه الحديث قد حسم إلى حد ما مشكلة متعدد الجنسية كما سبق وأن رأينا، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة لمركز عديم الجنسية، الذي يتميز مركزه عن غيره من الأجانب في الدولة، فصفة الأجنبي بالنسبة إليه ليست نسبية بل هي مطلقة، باعتبار أنه أجنبي عن جميع الدول( ).
وانطلاقا من اعتبار شرط الجنسية هي الرابطة المتطلبة لإمكان ممارسة الحق في الحماية الدبلوماسية، فعدم وجود أي جنسية يجعل المستثمر الأجنبي في وضع يفتقر فيه إلى الدولة التي يمكن أن تتصدى لحمايته في مواجهة الدول الأخرى، ويترتب على ذلك أن يصبح بإمكان أي دولة أن تعامل هذا الأجنبي معاملة تقل عن الحد الأدنى المعترف به دوليا للأجانب، ومن ثم بدا استحالة توفير الحماية اللازمة للمستثمر الأجنبي بمقتضى الحماية الإجرائية للحد الأدنى لمعاملة الأجانب، فلا سبيل لحماية عديم الجنسية إلا من خلال اتفاقات، ونتيجة لذلك قد اتجهت جهود الدول إلى عقد الاتفاقيات التي تقضى على هذه الظاهرة، ومنحت عديم الجنسية مركزا قانونيا قائما على أساس قانون بلد الموطن أو الإقامة( ).
كما يبدو عدم كفاية الحد الأدنى للحماية الإجرائية واضحا من خلال ما استلزمه العرف الدولي من ضرورة استنفاذ الوسائل القضائية الداخلية قبل المباشرة في التصدي للحماية الدبلوماسية، فقد مضت الإشارة إلى أنه لا يجوز لدولة جنسية الأجنبي أن تتصدى لحمايته في مواجهة الدولة التي قامت بنزع ملكيةأمواله الكائنة على إقليمها، إلا إذا كان طالب الحماية قد سبق له وأن استنفد دون نجاح الوسائل القضائية المقررة في تشريع هذه الدولة الأخيرة، وذلك ما لم يتضمن الاتفاق الدولي بين الدولتين، ما يخول للدولة الحامية حق ممارسة حمايتها الدبلوماسية للمستثمر الأجنبي، دون مراعاة هذا الشرط أو فيما إذا تم استبعاده في اتفاقات التحكيم بين المستثمر والقطر المضيف لاستثماره.
وعليه إن استلزام هذا الشرط وفق قواعد العرف الدولي لا يحقق للمستثمر الأجنبي مصلحة خاصة في الحالات التي يعرف فيها البلد المضيف للاستثمار، أنه لا يملك جهازا قضائيا محايدا وفعالا تتسم إجراءاته بالسرعة.

03- الحماية الدبلوماسية وآليات تسوية النزاعات الاقتصادية:

لم يعد وعاء الدولة كافيا وملائما لكل أنماط الحماية الدولية المكفولة للمستثمر الأجنبي في الوقت المعاصر، فمحور العلاقة دولة – دولة ، الذي يقوم عليه أساس الحماية الدبلوماسية التقليدية الذي يحجب صاحب الحق الأصلي بتولي الدولة القيام بمطالبة دولية لفائدته، والمبرر آنذاك بالمركز القانوني للفرد المنعدم على صعيد القانون الدولي التقليدي، حيث لم يعد مقنعا في الوقت الحالي ، إذ أنه من المسلم به حاليا أن الأمور قد تطورت بشكل معتبر على هذا الصعيد، بحيث توجد عدد من الآليات الدولية لحماية التي تكفل للفرد الحق في أعمال حقوقه مباشرة أمام الهيئات الدولية التحكيمية أو القضائية المنشأة لهذا الغرض وخاصة تلك المتعلقة بحماية الاستثمارات العابرة للحدود( ).
وقد شهدت وتيرة التدفقات الاقتصادية والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة بين بلدان العالم زيادة كبيرة، وخاصة في عصرنا هذا – عصر العولمة – وذلك بفعل تأثير ثورة التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال، التي سهلت من عمليات التنقل والمواصلات مما حتم ضرورة إيجاد آليات بديلة للحماية الدبلوماسية، لأن هذه الأخيرة أصبحت لا توفر للمستثمر الأجنبي مزايا أفضل، فهي لا تتيح له فرصة اللجوء المباشر إلى التحكيم الدولي، ولا تجنبه الغموض السياسي الكامن في الطبيعة التقديرية للحماية الدبلوماسية.
لذلك رأي البعض ضرورة استحداث آليات جديدة للحماية تكون كبديل لتجاوز عوائق الحماية الدبلوماسية(100)، لأنه كما يرى السيد بنونه:” فإن هذه الحيلة الحماية الدبلوماسية– لن تتحقق عندما يعترف القانون الدولي مباشرة بالقانون الخاص، أقصد الاتفاقيات الثنائية، ويمكنه أن يفرض احترامه على هذا الصعيد “، وفي ظل كل هذه التغيرات والمستجدات الحديثة يمكننا القول بأننا أمام حقيقة تكريس لاضمحلال الحماية الدبلوماسية، بموجب أحكام هذا النوع من المعاهدات.

الفـرع الثاني: تطـور العلاقات الاقتصاديـة الدولية وظهـور فكـرة التخلي عـن الأعـراف كسبيـل لحمايـة الاستثمـارات الدوليـة.

إن التغير الذي حدث في العلاقات الدولية، وما صاحب ذالك من تطور خاصة في الميدان الاقتصادي الدولي، لاسيما ظهور النظام الاقتصادي العالمي الجديد وظهور الرأسمالية العابرة للقارات، حيث لم تعد الفاعلية الاقتصادية قاصرة على مالكي رؤوس الأموال من تجار وصناع، الذي كان نشاطهممحكوما بحدود الدولة القومية التي ينتمون إليها، وإنما أصبحت تلك الفاعلية مرتبطة بالمجموعات المالية والصناعية الحرة عبر الشركات المتعددة الجنسيات.
أي لم تعد الدولة القومية هي الفاعل أو المحدد الرئيسي للفاعلية الاقتصادية على المستوى العالمي ، وإنما أصبح للقطاع الخاص الدور الأول في مجال الإنتاج و التسويق والمنافسة العالمية ، وأصبحت الشركات المتعددة الجنسيات تلعب دورا محوريا في هذا المجال وذالك من خلال ظهور فاعلون من نوع جديد( )، وقد أدى ذلك إلى ظهور الدول النامية ومطالبتها بإلحاح إلى خلق قواعد دولية جديدة تتعارض في مضمونهامع القواعد الدولية التقليدية، بعد أن تأكد فشل هذه الأخيرة وإخفاقها في مواكبة التطور الذي عرفه المجتمع الدولي كما ونوعا في ظل التغيرات الدولية الجديدة.
كل هذه الظـروف حفـزت الدول النامية للبحث عن نظام بديـل، وتبين لها ذلك أنه لن يتحقق إلا بإعـادة النظر في القانون الحالي، والمشاركـة في استبدال قواعـده بما يتضمنـه من تطويـر، الذي هو إحدى السبل المحققة لذلك كما يبدو( ).

البند الأول : ظهور النظام الاقتصادي العالمي الجديد ورغبة الدول النامية في استبدال قواعده.

01- الملامح و الأهداف الرئيسية لتأسيس النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
منذ عام (1989-1991) حدث تغير حاد في النظام العالمي بسقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الشيوعية كأيديولوجية سياسية واقتصادية ، واحدث ذلك تغيرات دولية عميقة: وصفت بأنها غير مسبوقة في التاريخ ، حيث انتهت واحدة من كبرى المعارك في التاريخ الإنساني ، ألت فيه السيادة إلى الإيديولوجية الليبرالية ونظام الرأسمالي، بل وذهبت الأغلبية العظمى من الباحثين في العلاقات الدولية إلى وصف تلك التغيرات بأنها تمثل نهاية للنظام العالمي القائم على القطبية الثنائية، وبداية لتبلور ملامح نظام جديد( ).
وقد كان لتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول غاية منشودة بينها ،حيث أن قيام تبادل اقتصادي بين مختلف الشعوب ودول العالم ، أدى إلى إنشاء مجموعة من القواعد يطلق عليها مصطلح النظام الاقتصادي الدولي ، ويمكن تعريفه بأنه : المبادئ والقواعد القانونية التي تنظم التبادل الاقتصادي الدولي . ويفترض وجود النظام الاقتصادي الدولي ذاته نبذ الدول سياسة العزلة والاكتفاء الذاتي ، وإحلال التعاون الدولي محلها،ونظرا لان العوامل الاقتصادية تعتبر من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية،فقد احتلت فكرة التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية أهمية كبرى( )، وقد أوضحت المادة 55 من الميثاق :أهداف التعاون الدولي في المجال الاقتصادي بنصها على انه : رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب( ).
وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ، تعمل الأمم المتحدة على:
– تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب العمل المتصل بكل فرد والنهوض بعوامل التطور الاقتصادي.
– تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية وما يتصل بها.
وباعتبار أن إنشاء أي نظام قانوني للتعاون في المجال الاقتصادي يتطلب ثلاثة عناصر وهي:
– مجموعة من المبادئ والأسس والأهداف التي يقوم عليها النظام.
– مجموعة من الحقوق و الالتزامات لتحقيق أهداف النظام ويقبلها أشخاص هذا النظام.
– مؤسسة أو جهاز يعمل على تطبيق وتنفيذ النظام القانوني.
وبالرغم من الجهود التي بذلت لإرساء معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد، إلا أن العالم ظل منقسما إلى مجموعتين من الدول، واحدة متقدمة وأخرى متخلفة، وتفصل بينهما هوة واسعة، نتيجة لعدم قدرة الدول النامية على تحقيق التنمية الاقتصادية بسبب الهيمنة الاقتصادية والمالية للدول الكبرى التي تظهر في صور منها:
 اعتبـار العـالم الثالث مصـدرا للثـروة والمـواد الأوليـة.
 فرض نوع من التخصص في مجال الإنتاج على دول العالم الثالث.
 تكريس العلاقـات الاقتصاديـة التجاريـة غيـر المتكافئـة. ….
إن موجات الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي وما بعدها، أفضت إلى مطالبة الدول النامية للدول الكبرى بضرورة تغيير القواعد الدولية للتنمية، باعتبارها تعمل على اتساع التفاوت بين البلاد الغنية والفقيرة، فمبدأ الاقتصاد الحر يفترض إطلاق حرية الانتقال رؤوس الأموال، وإزالة مختلف أنواع القيود التي قد تضعها الدول على تجارتها الخارجية، وحرية المعاملات الاقتصادية الدولية القائمة على مبدأ عدم التميز والتكافؤ،كلها في الواقع مبادئ شكلية لا تراعي حقائق الحياة الدولية( ).
02- عيوب و مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
إن النظام الاقتصادي العالمي الجديد في نظر الدول النامية ما هو إلا مجموعة الأعراف الدولية تكونت فقط لتحمي مصالح الدول الغربية ولا تخدم مصالح الدول النامية التي أضحت أغلبية داخل المجتمع الدولي( ).
ومن ثم ترى الدول النامية أن النظام الاقتصادي الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، يوصف بعيوب كثيرة أهمهـا:
 القصور في التأسيس:
تأسس النظام الاقتصادي الدولي بموجب اتفاقيات كانت للولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى اليد الطويلة في وضع مبادئها الأساسية، ولم تشارك فيها دول كثيرة وخاصة الدول النامية، وباعتبار أن جل قواعد هذا النظام هي قواعد عرفية تقليدية، وكان من الطبيعي أن يراعي هذا النظام بالدرجة الأولى مصالح الدول المؤسسة له، وهي الدول المتطورة ولا يضع في اعتباره مصالح الدول النامية، وهذا ما شكل له هاجس إزاء هذه الأعراف التي لم تشارك في وضع قواعدها، والتي كانت تراها ما هو إلا مظهر من مظاهر تكريس الهيمنة بكل أبعادها، فهذه القواعد قد وضعت خصيصا لتغليب المصالح الدول المصدرة لرؤوسالأموال على حساب الدول المستوردة له، كما أن هذه القواعد ما هي في حقيقة الأمر إلا مجرد تكريس للعلاقات التبعية التي تربط الدول الناميةبالدول المتقدمة ، والتي لم يكن التبادل التجاري بصفة عامة والاستثمارات بصفة خاصة غير المتكافئ سوى أحد مظاهرها.
وهذا ما ولد اقتناعا لدى دول العالم الثالث بأن تغير علاقات التبعية، هو الشرط الضروري لتمكين الدول النامية من الانطلاق الاقتصادي، وأن المعونة لن تجد شيئا مادامت علاقات التبعية كما هي، بل على العكس تؤدي إلى تعميقها( )كما شهدت اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى في ظل النظام الدولي القائم ارتفاعا كبيرا لمستوى معيشة شعوبها، بينما لم يتحقق ذلك للشعوب الدول النامية، وهو ما حدا بهذه الدول السعي نحو تصحيح هذه الأوضاع، وذلك بالمطالبـة بإعادة النظر في قواعد هذا النظـام، واستبدالها بغيـة إعادة التوازن والتكافـؤ في العلاقات الاقتصادية الدولية.
 القصور في التطبيق:
تعرض النظام الاقتصادي الدولي للنقد الشديد بأسباب تتعلق بوجود خلل في تأسيسه، وأسباب طرأت أثناء التطبيق، وهو ما طرح ضرورة إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد ،كون أن القواعد التي كان يتضمنها قد أخفقت في مواكبة التطور الذي طرأ على المجتمع الدولي، حيث انه قام على أسس وقواعد غير قابلة للتطور، وبالتالي ضرورة تبنى قواعد دولية جديدة تتعارض مع القواعد القانونية التقليدية .
ولعل من أهم الأسباب التي ساهمت في قصور هذا النظام من الناحية التطبيقية ما يلي:
 عدم توافر الإرادة السياسية للدول الرأسمالية الكبرى.
 تجاهـل الاحتياجـات الحقيقيـة لتنمية هذه الدول.
 وجود ثغرات أساسية في خطط التعاون الاقتصادي الدولي.
وقد كان ذلك الدافع وراء بحث الدول النامية عن نظام جديد والتخلي عن الأعراف الدولية كسبيل لحماية الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم الخروج عن هيمنة واستغلال الدول المتقدمة لها،وقد أثمرت ضغوط الدول النامية على الصعيد الدولي فعقدت الأمم المتحدة مؤتمرا مهما عام 1964 وهو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية C-N-U-E-D وقد كان ذلك بداية لعمل جاد لتحقيق مطالب الدول النامية.

البند الثاني : تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات، وأثره على توجهات الاستثمار الدولي.

أضحت الشركات المتعددة الجنسيات من أهم المعالم الرئيسية للنظام الاقتصادي العالمي الجديد فهي تلعب دورا رئيسيا في حركة النظام الاقتصادي الدولي، وبخاصة منذ الربع الأخير من القرن العشرين وحتى الآن.
عرف العالم منذ القرن الخامس عشر، بداية لظهور الشركات المتعددة الجنسيات من خلال شركة “فوقرس” FUGGERS التي اشتغلت على أساس تعددي في الكثير من الدول الأوروبية( )، إلا أن الظهورالمعاصر لها بدا واضحا ابتداء من القرن السابع عشر، إبان تجلي شركات ذات نشاط دولي وقد تزامن مع تطور النظام الرأسمالي، الذي أصبحت العملية الإنتاجية فيه داخل المشروع الرأسمالي تتسم بالبعدالدولي بدلا من اقتصارها على البعد الداخلي أو الوطني ، وأصبحت العملياتالإنتاجية تتعدى الحدود الإقليمية لتلك الدولة إلى بلدان أخرى، ومع هذا التطور بدأ التفكير في تنظيم هذه العمليات الإنتاجية( ).
وقد كانت هذه الفترة مع بداية الثورة الصناعية، حيث اندفعت الدول الأوروبية للبحث عن المواد الأولية اللازمة لتشغيل مصانعها، وعن أسواق لتستقبل ما تنتجه هذه المصانع من منتجات( )، والواقع أن هذه الشركات كانت الأداة الدول الكبرى في الاستعمار، والسيطرة الاقتصادية على العالم خلال القرون الثلاثة الماضية، وتعتبر شركة خليج هدسون وشركة الهند الصينية نموذجين واضحين لهذه الشركات الكبرى.
أما إذا انتقلنا إلى القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، فقد كان نشاط هذه الشركات يتمثل في الاستثمار بغرض الحصول على عائد رأسمالي دون أن يصاحب هذا الاستثمار سيطرة المستثمر الأجنبي على مشروع إنتاجي معين( )، واتجهت الاستثمارات هذه الشركات في تلك الفترة إلى قطاع إنتاج المواد الأولية (الزراعة، المناجم، استخراج البترول)، وهي المواد اللازمة لعملية الإنتاج الصناعي في الدول الرأسمالية المتطورة، كما كانت تستثمر هذه الشركات الأجنبية كل إمكانياتها في دول العالم الثالث الخاضعة للدول الاستعمارية في صورتها التقليدية، في حين تخصصت الدول النامية في إنتاج المواد الأولية، وفي المقابل تخصصت الدول الرأسمالية المتطورة في إنتاج السلع الصناعية.
وبعد الحرب العالمية الثانية ،أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات من أهم سمات العصر الحديث، حيث اتخذت أهمية كبيرة على الصعيد الدولي، حين تحولت دول العالم من نمط الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية العابرة للقوميات، ويبرز هنا دور الشركات المتعددة الجنسيات وهو يعتبر رمز لسيطرة القطاع الخاص على جميع مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية، وأصبحت هذه الشركات توجه سياسات الحكومات الدول فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية وقد تزايد الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وشاركت في ذلك أيضا الثورة التكنولوجية والنمو المتزايد للتجارة الدولية، وحركات رؤوس أموال عبر الدول.
وقد ساهم كل ذلك إلى تعميق عالمية الاقتصاد( )، وان ما حققته الشركات المتعددة الجنسيات من مكاسب كبيرة أصبحت بلا منازع ذات قوة اقتصادية لا يستهان بها تستطيع من خلالها أن تأثر على النظام الاقتصادي العالمي، في كافة جوانبه المالية ،والنقدية والتجارية وكذلك على العلاقات بين الدول ذاتها بل أنها أصبحت تتدخل في الشؤون السياسية للدول المضيفة وتهدد سياستها الوطنية واستقلالها.
ونظرا لما تتميز به الشركات المتعددة الجنسيات من الضخامة، والانتشار والقدرة على توجيه الاستثمار، ونقل التكنولوجيا وتدويل الإنتاج، والتغلغل في مختلف نواحي النشاط العالمي، لتفوقها التكنولوجي الفني الهائل، وتملكها لميزانيات ضخمة تفوق ميزانيات دول مجتمعة( )، فقد أصبح لهذه الشركات قدرتها الاقتصادية الذاتية التي تمكنها من السيطرة على الاقتصاد العالمي، ولكون هذه الشركات تميل دائما إلى أن تكون احتكارية.
وتشير تقديرات تقرير الاستثمار الدولي، الصادر عن الأمم المتحدة عام 2003، إلى أن الشركات المتعددة الجنسيات تؤثر بشكل كبير على توجهات الاستثمار الدولي ، حيث بلغ حجم الاستثمار الدولي المتدفق في العالم في تلك السنة قد بلغ أكثر من 300 مليار دولار، والتي تدفقت في مختلف مناطق العالم. ( )
إن الشركات المتعددة الجنسيات، تنفذ الجزء الأكبر من الاستثمارات الدولية سنويا ، ويلاحظ في هذا المجال أن الخريطة الاستثمارية للاستثمار الدولي تتأثر بتوجهات النشاط الاستثماري للشركات المتعددة الجنسيات ، حيث لوحظ أن من أهم سيمات وخصائص تلك الشركات هي تلك الخاصية المتعلقة بالتركيز الاستثماري ، فقد لاحظنا أن هذه الشركات تتركز استثماراتها في الدول المتقدمة بل وفي عدد محدود من الدول المتقدمة، حيث تستحوذ هذه الدول على 85% من النشاط الاستثماري من تلك الشركات، ومن ناحية أخرى تحصل الدول النامية على نسبة 15% فقط من النشاط الاستثماري للشركات المتعددة الجنسيات، حيث يكون الاستثمار الأجنبي المباشر جزءا من الإستراتجية العالمية لها.
وما يزيد من قوة هذه الشركات هو التنافس الشديد بين الدول لجذب الاستثمارات التي تقوم بها وخاصة الدول النامية، ويعتبر هذا التنافس ورقة رابحة بيدها، تستغله في تركيز نفوذها في النظام العالمي( )، وهذا بغية تحقيق مصالحها، وفي المقابل فإن الدول النامية أو الدول المستقبلة لهذه الاستثمارات في حاجة ماسة لجذبها، وذلك للاندماج في منظومة الاقتصاد العالمي.
و قد استنجدت الدول النامية بالاستثمار الأجنبي، لمعالجة معضلة التخلف وذلك لأسباب التالية( ):
 ندرة رؤوس الأموال نتيجة الانخفاض أسعار المواد الأولية وتدهور أسعار النفط للبعض منها في تلك الفترة.
 تفاقم عبء المديونية الخارجية.
 تزايد حدة المشاكل الاجتماعية للدول النامية، ويتجلى ذلك في ارتفاع نسبة البطالة، وإفلاس المؤسسات المحلية، وتناقص نسبـة الاستثمارات العموميـة، وهـي مشاكل هـددت الاستقرار السياسي لهذه الدول في حـد ذاته.
ولهذا اعتبر الاستثمار الأجنبي عنصرا حاسما في عملية التنمية، تستطيع من خلاله الدول النامية تغطية فجوة الاستثمار ، وضمان الحصول عل عنصري المال والتكنولوجيا، وتوفير جانب من فرص العمل سواء داخل الشركات الأجنبية أو داخل المشروعات التي تنشأ على اثر دخول الشركة الأجنبية( ).
غير أن ذلك لن يتم إلا تحت هيمنة الكيانات الاقتصادية العملاقة، التي تسعى دائما إلى السيطرة المباشرة على الثروات الإستراتيجية للعالم وتأمينها وفي مقدمتها البترول المصدر الأول للطاقة في العالم( )..
وقد اختلفت أراء التنمويين حول دور الشركات المتعددة الجنسيات في عملية التنمية، وظهر الاختلاف في اتجاهين رئيسين:

– الاتجاه الأول:
يرى انه لا محيص للبلدان النامية من اللجوء لتلك الشركات في برامج الاستثمار، وذلك لأنها تمثل المميزات التالية :
 توفير رؤوس الأموال و التكنولوجيا اللازمة للتنمية لديها.
 إنشاء مناصب عمل جديدة والقيام بتدريب اليد العاملة المحلية على استخدام التقنيات.
 الإسهام في تحسين موازين المدفوعات بتحويل رؤوس الاموال بهدف تمويل المشاريع الجديدة.
 إحداث فاعلية في السوق المحلية بفعل احتكاكها بالأسواق الخارجية( ).

– الاتجاه الثاني:
يرى أن اللجوء إلى الشركات المتعددة الجنسيات للإجراء الاستثمار في البلاد النامية لا يحقق الأهداف المرجوة منه وذلك :
-إن تلك الشركات تهدف أساسا لتحقيق مصالحها الخاصة دون مراعاة المصالح الوطنية للبلد المستقبل، وإنها تستغل ذلك البلد بدل أن تنميه.
– إن الإمكانيات المالية والتكنولوجية والمعرفية لتلك الشركات تجعلها في وضع تفاوضي قوي أمام البلدان النامية الشيء الذي يؤدي إلى تلبية مصالح تلك الشركات أكثر من مصالح البلدان النامية محققة بذلك أرباحا أعلى من تلك المحققة في الدول المصنعة.
-إن تلك الشركات تستقدم تجهيزات ومعارف مغالي في أثمانها، وهو ما يؤدي إلى عجز ميزان مدفوعات البلد المستقبل بعكس ما ينتظر ، ويرى البعض أن إعادة الاستثمار تلك الشركات لجزء من أرباحها في البلد النامي بالاستغناء عن تحويل أموال جديدة يعود سلبا على عمليات التحويل المنتظرة ، لأنه يقلل منها مع الاستمرار في التمتع بالمزايا المقررة للاستثمار الأجنبي .
-إن تلك الشركات تقدم رشاوى للمسئولين السياسيين والإداريين في البلد النامي ، لتسهيل نشاطها وتوسعها فتسهم بذلك في توسيع الفساد والرشوة ، الشيء الذي سيؤدي إلى اضطرابات سياسية وتذمر جماهيري ( ).
ونظرا للقوة الزاحفة لهذه الشركات ، فقد اتسم تطور الأوضاع بالتعقيد وبذلك شهد القانون الدولي صراعات بين البلدان المستقبلة للاستثمار والشركات المتعددة الجنسيات ، حيث رأت الدول النامية ضرورة تنظيم هذه الشركات لما تمثله من خطر داهم عليها( ).
وكان من نتيجة ذلك أن طرح موضوع الشركات المتعددة الجنسيات على بساط البحث والدراسة وذلك من اجل وضع حدود لنشاط وسلوك هذه الشركات من جهة، والبحث عن نظام دولي موحد للاستثمارات من جهة أخرى، وهذا ما سنتطرق إليه بالتفصيل في المبحث الثاني حول الجهود الدولية التي بذلت على المستوى العالمي والإقليمي والوطني لتقنين القواعد المنظمة في الاستثمار الأجنبي والمدونات السلوك التي وضعت لحد من تصرفات هذه الشركات وتقيد سلوكها( ).
إذن على ضوء ما سبق ذكره يمكن القول أن الشركات المتعددة الجنسيات أو بالأصح الشركات ذات النشاط العالمي حسب ما يروق للبعض تسميتها من اخطر الأدوات التي يتم بها الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية ، حيث بدا هذا النوع من الاستثمار في التغلغل لدى الكثير من الدول النامية ، يسيطر على أهم مجالات اقتصادها ( معادن ، زراعة ، طاقة ، صناعة تحويلية وخدمات ).
ويمكن القول انه لا يكاد يخلو مجال من مجالات الحياة الاقتصادية الدولية يخرج عن نطاق أنشطة هذه الشركات، ولعل ما يدل على ذلك التغيرات الرئيسية ، التي طرأت على الاقتصاد العالمي على مدى العقدين الأخيرين ، والتي من بينها الدور الذي أصبحت تضطلع به هذه الشركات في العلاقات الاقتصادية الدولية ( ).

المبحث الثاني : فشل المجتمع الدولي في إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية.

ما أدى إلى حرمان العلاقات الدولية الاقتصادية نحو تنظيم دولي للاستثمارات، هو ذلك الفشل الذي شهدته بداية ما بعد الحرب و تعكر صفو العلاقات بين الدول، حيث أن الاستثمار الدولي قد شهد في هذه الفترة تراجعا كبيرا بسبب الحربين العالميتين ، وظاهرة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي ساد فترة ما بين الحربين، كما أن الظروف الاقتصادية الدولية في تلك الفترة لم تكن تسمح بنمو اكبرللاستثمارات الأجنبية بسبب عدم الاستقرار وثبات الأوضاع النقدية في أوروبا نتيجة التضخم الذي ساد معظم الدول الأوروبية، وبسبب الكساد الاقتصادي الكبير الذي حلبالنظام الرأسمالي، فضلا عن غياب تنظيم قانوني موحد للتجارة الدولية، ولاسيما ما يتعلق باختلاف السياسة الجمركية من دولة لأخرى كان يشكل هو الآخر عائقا أمام الاستثمارات الأجنبية، وبالتالي إيجاد تنظيم دولي لها( ).
غير أن هناك عدة ظروف ومعطيات قد ساهمت في الإسراع نحو التفكير ببلورة إعداد مشروع نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية وهي:
 حصول العديد من البلدان النامية على استقلالها ، قد اظهر الحاجة الماسة إلى ذلك التنظيم.
 توسع( ) نشاط الشركات المتعددة الجنسيات في العالم سواء في المناطق المصنعة و النامية ولما لها من اثر كبير على توجهات الاستثمار الدولي.
 ضعف وقصور القواعد الدولية العرفية في توفير الحماية اللازمة و الضرورية للاستثمار الأجنبي.
سنتطرق في هذا المبحث إلى: مظاهر الجهود الدولية التي سعت لتقنين القواعد المنظمة للاستثمار الأجنبي وذلك في المطلب الأول ، ثم إلى تبيان تقييم هذه الجهود الدولية مبرزين أسباب فشل المجتمع الدولي نحو إيجاد نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية في مطلب ثاني.

المطلب الأول :مظاهر الجهود الدولية الساعية لتقنين القواعد المنظمة للاستثمار الأجنبي.

لما كان من المسلم به أن الاستثمارات الأجنبية الخاصة، يمكن أن تخدم مصالح المستثمر الأجنبي والدول المصدرة لرأس المال والدول المستوردة له على حد سواء( )، فقد كان من المنطقي أن تسعى الدول إلى ابتداع وسائل قانونية مناسبة لتنظيم الحركة الدولية لانتقال رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة، بغية تشجيعها على الانتقال عبر الحدود وهذا لن يتأتى إلا بوضع نظام قانوني دولي موحد للاستثمارات الأجنبية .
لذلك قامت الكثير من الدول النامية باستصدار تشريعات داخلية توضح فيها قواعد ومعاير معاملة الاستثمارات الأجنبية ووسائل تسوية المنازعات المتعلقة بها، وفي نفس الاتجاه أخذت الدول المصدرة لرأس المال بفكرة ضمان الاستثمارات الخاصة بغية حماية رعاياها في الخارج ضد المخاطر الغير التجارية التي من الممكن أن تتعرض لها فيالدول المضيفة، ولنفس السبب بذلتمحاولات من اجل وضع تقنين شامل للقواعد التي سوف تنظم حقوق وواجبات هذه الاستثمارات على المستوى العالمي بحيث تحظى بقبول الجميع .
كانت البداية عام 1929، حيث عقد مؤتمر دولي لدراسة مسألة معاملة الأجانب من قبل عصبة الأمم المتحدة ثم تلاها ميثاق هافانا سنة 1948، تحت إشراف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والعمل غير انه لم ينفذ وقد جمدت برامجه لانتقادات رجال الأعمال الأمريكيين بسبب ضعف قواعد المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية التي لا يمكنها أن تكفل حماية فعالة لها( ). كما ظهرت محاولات أخرى لكنها لم تتخذ صفة العالمية مثل “اتفاق بوجاتا الاقتصادي” بين بعض الدول أمريكيا اللاتينية لعام 1948، وتقنين غرفة التجارة الدولية حول معاملة الاستثمار الأجنبي لسنة 1949 وفي سنة 1959 كان مشروع اتفاقية حماية الاستثمارات في الخارج أو ما يعرف بمشروع”abs show cross”، غير انه لم يحقق نجاح يذكر، كما ظهر مشروع مدرسة هارفارد للقانون الدولي حول مسؤولية الدولة على الأضرار التي تصيب مصالح الأجانب الاقتصادية لسنة 1961، و قرار معهد القانون الدولي حول المركز القانوني للاستثمار رؤوس الأموال في الدول النامية والاتفاقيات المرتبطة بها لعام 1967.
وقد شهد القانون الدولي صراعات ومشاكل معقدة بين البلدان المستقبلة للاستثمار والمستثمرين الرامين إلى وضع حدود لحرية البلدان المستقبلة لرؤوس الأموال ، وذلك في بداية الأمر بطرح قضايا تتعلق بالتعويض في حالة التأميم، وإعادة التفاوض حول عقود الامتيازات التي تبرمها الشركات المتعددة الجنسيات مع الدول المستقبلة لرؤوس الأموال ، ومن جملة ما طرح في تلك الفترة المطالبة بوضع نظام شبه دولي ،وهو ما دفع البنك الدولي إلى وضع اتفاقية واشنطن المتعلقة بحل النزاعات بين الدول ورعايا دول أخرى في مارس 1965، كما وضعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” مشروع اتفاقية لحماية الأموال الأجنبية التي تمت الموافقة عليها في 12/10/1967 غيران أول تقنين وضع لتنظيم نشاط الشركات المتعددة الجنسيات كان سنة 1972 من قبل غرفة التجارة الدولية ، حيث و في إطار ذلك الاتجاه عملت أوساط الأعمال على المطالبة بتنظيم تصرف الدول اتجاه الاستثمارات . ومن ثم كان مولد نوع من التقنين التصرف( ) أو مدونة السلوك “code de conduite “، حيث جاء ذلك التقنين على شكل توصيات فقطتم من خلالها مطالبة الأطراف الثلاثة :الشركات المتعددة الجنسيات ، والدول المستقبلة للاستثمارات، والدول المصدرة لها . وقد كانت تهدف في بداية الأمر إلى تقليص حرية السيادة الدولة اتجاه الشركات المتعددة الجنسيات . فبالنسبة للدول المستقبلة رؤوس الأموال فعليها الابتعاد عن سياسة المراقبة وترك نوع من الحرية لهذه الشركات من خلال عدم عرقلة تحويل رؤوس الأموال ،والقروض والأرباح على التكنولوجيا وعدم فرض مشاركة رأسمال المحلي . في المقابل على الشركات المتعددة الجنسيات إعلام الدول المضيفة ببرنامج مخططها حتى لا تتعارض والأهداف التنموية لها، في حين تضع هذه المدونة على عاتق الدولالأصل ضمان المخاطر غير التجارية للاستثمارات تلك الشركات بالخارج والامتناع عن مطالبتها بتحويل حد أدنى من الأرباح إلى تلك البلدان، وعدم عرقلة تصدير رؤوس الاموال وتفادي الازدواج الضريبي ( )، وفي إطار قيام نظام اقتصادي دولي جديد، ظهر ميثاق حقوق الدول وواجباتها الاقتصادية سنة 1974، والذي بموجبه عبرت الدولة النامية بجلاء عن موقفها الرافض لقواعد العرف الدولي التقليدي المتعلقة بالاستثمارات الدولية، وقد حاولت بموجبه المطالبة بتبني قواعد دولية جديدة يتسنى له من خلالها تنظيم الحركة الدولية للانتقال رؤوس الأموال الخاصة لتحقيق مصالحها( ). وقد قام المجلس الاقتصادي و الاجتماعي أحد الأجهزة الرئيسية لهيئة الأمم المتحدة عام 1976 لتشكيل لجنة مكونة من 48 عضوا منتخبين على أساس توزيع الجغرافي، أسندت لها مهمة صياغة نص مشروع التقنين المتعلق بالشركات المتعددة الجنسيات.وأيضا على الصعيد الاممي ونضيف التقنين الذي وضع من طرف الأمم المتحدة في ديسمبر 1980، على شكل توصية ولقد تعلق ذلك التقنين بالممارسات التقييدية LES PRATIQUES RESTRICTIVES، ومنها اتفاقيات الاحتكارات ACCORDS DE CARTELS وقد ظل الحال على ما هو عليه، وتوالت الجهود الدولية الواحدة تلوى الأخرى سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي إلى آخر المحاولات سنة 1995،وهو الاتفاق متعدد الأطراف في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ضمن محاولاتها الرامية لتقنيين قواعد الاستثمارات الدولية. .. سنتناول في هذا المطلب أهم محاولات تنظيم الاستثمارات على المستوى الدولي في إطار محور الجهود العالمية ثم الجهود الإقليمية ثم التطرق إلى الجهود الوطنية .

الفرع الأول : الجهود العالمية.

البند الأول : محاولات تنظيم النشاط الاستثماري على الصعيد المنظمات العالمية.

تعود فكرة صياغة تقنين متعدد الأطراف لحماية الاستثمارات الأجنبية إلى بداية الثلاثينيات بعد الأزمة التي عرفها الاقتصاد العالمي، مما دفع بعصبة الأمم عام 1929 إلى ضرورة الإسراع في تبني فكرة مشروع تقنين، وقد تمحور موضوعها في تلك الفترة حول إنشاء ميثاق متعدد الأطراف لحماية الاستثمارات الأجنبية يتم من خلاله وضع آليات قانونية موحدة وفعالة لتسهيل انتقال الحركة الدولية لرؤوس الأموال ، وبسبب كثرة التحفظات التي أبداها أعضاء المنظمة فان المحاولة باءت بالفشل ( )..
ومنذ ذلك التاريخ ، والمجتمع الدولي يسعى جاهدا لإيجاد تنظيم دولي متعدد الأطراف للاستثمار الأجنبي، وقد تركز الاهتمام حول اقتراحين هما: إبرام معاهدة دولية متعددة الأطراف، أو إنشاء ميثاق دوليلحماية الاستثمار الأجنبي لتتجسد المحاولة عندها فيما عرف بميثاق هافانا عام 1948، وقد كان الميثاق موجها بالدرجة الأولى إلى الشركات الأجنبية بصفة خاصة ( ) .
وقد احتوى على نصوص موجهة جاءت لتكمل”اتفاقات بروتين وودس” BRETTON WOODS، وقد عالج مشروع الميثاق في المادة 12 منه موضوع الاستثمارات الدولية بصفة خاصة، والتنمية الاقتصادية بصفة عامة، إلا أن مشروع “ميثاق هافانا” لقي معارضة شديدة من قبل الدول الغربية، لا سيما وأن المادة المذكورة تعطي حصانة لسيادة الدول المضيفة للاستثمار من خلال النص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لها، بالإضافة إلى ما تمنحه من تفويض للدول المصدرة للرساميل في منح أو رفض الترخيص للاستثمار الأجنبي المتواجد على إقليمها( ) وهذا ما يتعارض ومصالح الدول الكبرى الذين كانوا يرون أنه قيد كبير على الاستثمار.
كما تضمن الميثاق مبادئ أخرى من بينها مبدأ الدولة الأولى بالرعاية الذي يعتبر من أهم المبادئ التي جاء بها ميثاق هافانا، وقد نصت المادة 16 منه على أنه:” كل المزايا والمنافع والامتيازات والحماية التي تعطى بواسطة دولة عضو لمنتج أصلي أو قادم من أي دولة أخرى تمتد دون شرط لمنتج قادم من أي دولة من الدول الأعضاء” .
غير أن المحاولات الدولية نحو تدوين النظام القانوني للاستثمار، لم يقتصر على محاولات هافانا، وإنما كانت هناك محاولات سبقته كتلك التي تضمنها قرار غرفة التجارة الدولية عام 1931، الذي أوصى بضرورة إبرام اتفاقية لضمان الأموال التي تخص مواطني الأطراف المتعاقدة في أقاليم الدول المتعاقدة الأخرى( )، ثم تلاها اقتراح أخر عام 1949 من طرف نفس الغرفة، والمتعلق بإعداد مشروع قانون دولي للمعاملة العادلة لرؤوس الأموال في الخارج لينعقد مؤتمر كراتشي عام 1960 بعد الحملة العنيفة والانتقادات الشديدة التي وجهت لمشروع غرفة التجارة الدولية، وبموجبها تم ضم دوائر الأعمال لعدد من الدول المختلفة، حيث تم فيه تحرير دليل الاستثمارات الدولية الذي أعترف فيه بواجبات المستثمر تجاه الدول المضيفة للاستثمار، إلا أن المحاولات لم يضفى عليها الصبغة الدولية إلا بعد محاولة إرساء قواعده من طرف هيئة الأمم المتحدة.
وتتمثل المحاولات التي تمت في إطار المنظمات العالمية إلى قسمين:

أولا: محاولات المنظمات الدولية الحكومية: تتمثل هذه المحاولات فيما يلي:

-جهود هيئة الأمم المتحدة بين الأجهزة الرئيسية والوكالات المتخصصة:
لم يكن سهلا على هيئة الأمم المتحدة إصدار قانون دولي للاستثمارات، إذ أن معظم المشاريع التي تقدمت بها أجهزتها الرئيسية ومنظماتها المتخصصة( ) باءت بالفشل نتيجة التناقض من جهة، وتضارب المواقف بين الدول الكبرى والدول النامية من جهة أخرى، إلا أنه ومع ذلك قامت الهيئة بمجهود معتبر في ميدان البحث عن نظام دولي للاستثمارات، ومساعدة الدول النامية في الاستفادة منه وذلك من خلال وضعتنظيم دولي خاص بالشركات المتعددة الجنسيات ليحد من نشاطها وسلوكها ، وفيما يلي سنتعرض لبعض ما قامت به بعض الأجهزة الرئيسية للهيئة ووكالاتها المتخصصة حسب التطور التاريخي:
لقد عقد أول مؤتمر الخاص بالتجارة و التنمية C.E.D.C.N.U عقب القرار الذي أصدره المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في أوت 1962 تحت رقم 917 في 23/03/1964 بجنيف، والذي تبنى تصريح مشترك يتعلق أساسا برسم سياسة دولية لتجارة المواد الأولية ، والرفع من الحواجز الجمركية التي غالبا ما تعيق صادرات الدول النامية، حيث قدمت عدة مشاريع لتقنين القانون الدولي للاستثمار، وضبط حرية ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات وتقيد سلوكها اتجاه الدول المستقبلة لرؤوس الأموال.
وكان من جملة ما تقدمت به الدول النامية ضرورة وضع مدونة سلوك أو تقنين التصرف، حيث دفعت تلك المطالب المجلس الاقتصادي و الاجتماعي إلى إصدار اللائحة رقم 1721 المؤرخة في 28/07/1972.
والتي دعت من خلالها إلى تشكيل فريق مميز من الأوساط الاقتصادية والسياسية والثقافية للعمل على وضع توجيهات تحكم نشاط الشركات المتعددة الجنسيات ، وهو ما تتوج في الأخير بقيام ذلك الفريق بتقديم تقرير أوصى فيه بوضع مدونة السلوك ، الفريق بتقديم تقرير أوصى فيه بوضع مدونة السلوك ، وقد ظهر الإعلان الثلاثي للمنظمة الدولية للعمل OIT كأول مدونة سلوك اعتمدت على المستوى الدولي ( ).
ولعل السبب في اهتمام منظمة العمل الدولية بالشركات المتعددة الجنسيات أن تلك المنظمة تهتم بالعمل وظروفه، والتي توفرها الجهات المستخدمة للعمال، والتي منها الشركات المتعددة الجنسيات، حيث تظم تلك المنظمة ممثلي الحكومات وممثلين آخرين غير حكوميين هم ممثلي نقابات العمال وأرباب العمل.
وتجدر الإشارة إلى أن هده المنظمة بدأت في التفكير في تنظيم العلاقات بين الشركات المتعددة الجنسيات والسياسة الاجتماعية مند 1972 وقد تمخض أول تقرير عن هدا اللقاء الثلاثي في فيفري 1973.وكذلك حث الأطراف المعنية على احترام سيادة الدول المستقبلة وتطبيق القوانين الوطنية واحترام التنظيمات الدولية في ذلك المجال.
وقد تضمن الإعلان الثلاثي الصادر عن منظمة العمل الدولية ستة 06 أقسام:
القسم الأول: عبارة عن أحكام عدة تؤكد الأهداف التي أدت إلى وضع الإعلان. أما الأقسام الخمسة الأخرى فتناولت على التوالي: السياسة العامة-التشغيل-التكوين- ظروف العمل والحياة- علاقات العمل، حيث جاء فيما يتعلق بالعمالة والتشغيل: الحث على رفع المستوى في ذلك المجال والمساواة في فرص العمل بين العمال وكذلك استقرار العمال.أما في مجال التكوين: فقد نص الإعلان الثلاثي على التزام يقع على عاتق الدول والحكومات تقوم بموجه لتحديد سياسة التكوين حتى تعمل في إطارهاالشركات المتعددة الجنسيات من خلال تدريب العمال والرفع من مستوى كفاءتهم بهدف تلبية حاجات المشروعات وسياسة العمالة.
أما في مجال ظروف العمل والحياة فقد تناول الإعلان الثلاثي مسائل الأجور والأرباح والصحة والأمن.
في حين تطرق في مجال علاقات العمل إلى الحق في حرية تكوين النقابات، والحق في إنشاء تنظيمات عمالية وفق اتفاقيات ومبادئ منظمة العمل الدولية OTI ، ولقد اعتمد الإعلان الثلاثي فيما يتعلق بالمفاوضات الجماعية على حقوق العمال والتزام الشركات المتعددة الجنسيات، وكذلك دور الحكومات، وتناول من جهة أخرى فحص الاعتراضات والشكاوي من طرف العمال ضد الشركة المستخدمة لهم وكذلك مسائل المشاورات وتسوية المنازعات( ) . وقد تم إعلان الثلاثي للمبادئ في 16 نوفمبر 1977، وكان يهدف إلى تشجيع دور الشركات المتعددة الجنسيات في دفع النمو الاقتصادي والاجتماعي في مختلف الدول ، وفي المقابل حث كل الشركات على احترام أهداف سياسات الدول المستقبلة للاستثمار.
وباهتمام بمسألة نقل التكنولوجيا انعقد مرة أخرى تقنين مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وذلك بخصوص وضع تنظيم دولي يحكم ممارسات ناقلي التكنولوجيا في سنتياقو 1972 ، وأول ما يلاحظ على هذا التقنين أنه لم يقتصر على نشاطات شركات متعددة الجنسيات ، وإنما فقط بوضع قواعد السلوك المتعلقة بمسائل خاصة ، لاسيما وأن التنظيم الدولي لنشاطات الشركات بدأ في أصله في صيغة جزئية.
ولذلك طالبت الدول النامية بضرورة وضع قواعد السلوك المتعلقة بنقل التكنولوجيا ،حيث نشأ عن تمركز التكنولوجيا في الدول الكبرى وشدة حاجة الدول النامية إليها وضعا اقتصاديا غير متوازن ، حيث أصبح مالكي التكنولوجيا يستعملون هذه الأخيرة كسلاح، حيث نجد أن الدول النامية تحصل على التكنولوجيا مقابل شروط باهظة وقيودا مرهقة وقد أدى ذلك إلى مطالبتها بضرورة إقامة نظام اقتصادي دولي جديد يقوم على العدل والتوازن، في حين أن الدول المتقدمة كانت تتمسك بالنظام القائم وترفض فكرة النظام الجديد( ).
ولم تجدالدول النامية وسيلة أمامها، إلا أن تثير مسألة نقل التكنولوجيا على هيئة الأمم المتحدة من خلال الجمعية العامة ، والتي أحالت بدورها المسألة إلى مؤتمر التجارة والتنمية، وبعد دراسة المؤتمر للمسألةرأى أن أهم وسيلة لتنظيم نقل التكنولوجيا بين البلدان النامية التي تبحث عن الوصول إلى تكنولوجيا متطورة، والدول المتقدمة المالكة لها هو وضع مدونة السلوك الدولية خاصة بنقل التكنولوجيا، ولقد كانت المفاوضات المتعلقة بوضع هذه المدونة جد صعبة ( ). ودعما لتحقيق مطالب الدول النامية فقد صادقت الجمعية العامة على ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول وذلك بتاريخ 12/12/1974،حيث نصت المادة الثانية منه على الأفضلية الممنوحة للاستثمارات الموجهة للدول النامية،وكذلك الضمانات المفترضة فيما يتعلق بالمخاطر غير التجارية( ).
وقد جاء ذلك بعد إدراك الأمم المتحدة وبعض أجهزتها وتأكدها من شمولية نشاط الشركات المتعددة الجنسيات، واستحواذها شبه كلي على قطاع إنتاج المواد الأولية والتي أصبحت تستغل لزيادة ثراء الشركات الاحتكارية، وهذا ما يولد صراع ونشوب نزاع حول ممارسة حق السيادة الوطنية لكل بلد على ثرواته الطبيعية على كافة الأنشطة الاقتصادية التي تمارس نطاقها الإقليمي.
وقد أعطى الميثاق بموجب المادة السالفة الذكر، الحق لكل دولة في ممارسة سيادتها على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية، وإخضاع كافة الاستثمارات الأجنبية لتنظيمها الداخلي دون أن تكون مجبرة على إعطاء آية معاملة تفضيلية لأي استثمار أجنبي كان ولها الحق في تنظيم المشروعات الأجنبية في نطاق ولايتها الوطنية والإشراف عليها بما يتماشى مع سياستها الاقتصادية والاجتماعية كما لها الحق في تأميم ممتلكاتها الأجنبية ونقل ملكيتها مقابل دفع تعويض يأخذ بعين الاعتبار القوانين والأنظمة المطبقة في الدولة المضيفة، إلا إذا اتفقت الدول المعنية على إتباع وسائل أخرى( ).
إن ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول يعتبر من بين أهم المواثيق الدولية التي أخذت بعين الاعتبار مصالح الدول النامية كطرف في العلاقة الاستثمارية خلافا لبعض المواثيق الدولية التي لم تعط أي اهتمام لمصالح تلك الدول، وبغية التقليل من أهميته عمد الفقه الغربي إلى التشكيك في شرعيته لتجريد الميثاق من أية قيمة.معتبرا نصوصه غير ملزمة كونها صادرة في شكل لائحة عن الجمعية العامة.( )
بتاريخ 11-07-1976 قامت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” بإصدار إعلان خاص بالاستثمارات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات في إطار ما يسمى بالمبادئ التوجيهية “PRINCIPES DIRECTEURS”، حيث يكتسب التنظيم محل البحث أهمية من خلال حقيقتين الأولى أنه شامل في مضمونه والثانية أنه حكومي في منشئه ( ).
حيث أن قيام دول منظمة OCDE بوضع تنظيم دولي شامل لنشاطات الشركات المتعددة الجنسيات باشتراك الدول المصدرة والمضيفة للاستثمارات الأجنبية لم يكن محل الصدفة، وإنما كانت هناك ظروف ساهمت إلى إخراج هذا المشروع ليرى النور على الحيز الدولي ولعل من أهمها :
 نمو الشركات وعدم خضوعها للتنظيم.

 لمواجهة خطر وزحف هذه الشركات وذلك بالعمل على الحد من أثارها الضارة، وتحقيق نوع من الاستمرار في إطار نظام دولي عادل ومتوازن وهذا لن يتأنى الوصول إليه إلا بتكريس الأهداف الثلاثة( ) وهي:
– تحسين مناخ الاستثمار الأجنبي المباشر.
– تشجيع المساهمة الايجابية للشركات في التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدول الأطراف.
– حل المشاكل التي تعتري نشاطات هذه الشركات.
وتجدر الإشارة إلى أن مبادرة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ارتبطت مباشرة بالمطالبة بنظام اقتصادي دولي جديد كما جاءت كرد على المطالبة( ) وقد كان من جملة تلك المطالب قضية وضع ميثاق دولي متعدد الأطراف لحماية الاستثمارات وطالبت من أجل ذلك بوضع قواعد تنظيم معاملة الشركات من طرف السلطات العمومية.
ومنذ تلك الفترة نظرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المشكلة من ممثلي الحكومات في تلك المسائل، ويتم الاتفاق حول مبدأ تجميع المسائل المتعلقة بالشركات المتعددة الجنسيات في نص واحد، ولقد كان تقرير النص في فترة امتدت من 1974 إلى 1975 بمساهمة ممثلي أوساط الأعمال والنقابات، وكان النص النهائي عبارة عن حل وسط بين المواقف المتعارضة لمختلف الفاعلين.
وقد جاء شمل ومحتوى تنظيم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” في عدة وثائق مترابطة بعضها ببعض وهي الإعلان عن الاستثمارات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات الموقع عليه في 26 جوان 1976 من طرف الدول الأعضاء، ثم المبادئ التوجيهية للمتعددة الجنسيات الملحقة بالإعلان وهي عبارة عن توصيات مشتركة من طرف الحكومات إلى هذه الشركات، تتضمن التشاور البيوحكومي حول تطبيق المبادئ التوجيهية والمعاملة الوطنية وتشجيع وعراقيل الاستثمارات الدولية والالتزامات المتفق عليهاومواجهة( ) المبادئ التوجيهية.
ومن أهم النقاط التي احتوى عليها تنظيم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ما يلي( ):
تحديد سياسة العامة للشركة : بحيث يكون على هذه الأخيرة أن تراعي أثناء نشاطها أهداف البلدان المستقبلة فيما يتعلق بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي بما يتفرع عنه من مجالات.
كما نص التقنين على محاربة الرشوة والفساد، وقام بالامتناع عن مساندة عمليات تولي المناصب العمومية والحزبية إلا عند الحصول على ترخيص بذلك.
وفي هذا الإطار على الشركات، احترام الالتزام القاضي بعدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول التي تنشط هذه الشركات على إقليمها.
المعلومات: بحيث تقدم الشركات كافة المعلومات المتعلقة بمحتوى وحجم عملياتها لسلطات البلد المستقبل كي تتمكن من تقييم مدى احترامها للتنظيم.
المنافسة:وفي هذا الإطار احتوى التنظيم على قواعد تهدف إلى القضاء على كل منافسة غير مشروعة قد تلحق أضرارا بالاستثمارات المحلية.
التمويل: إذ يلزم تنظيم الشركات باحترام أهداف البلد المضيف في مجال ميزان المدفوعات وسياسة الائتمان.
الضرائب: وفي ميدان الضرائب ، يضع التنظيم على عاتق الشركة مسؤولية إعلام السلطات المختصة عن عملياتها ، حتى تتمكن من تحديد الضرائب اللازمة على تلك العمليات.
الضمانات: ومن الضمانات ما هو إجرائي ، يتمثل في مراقبة ومتابعة احترام الشركات للتنظيم ، وتمكين هذه الأخيرة من التعبير عن رأيها ، وهناك ضمانات موضوعية تتمثل في تمتع تلك الشركات بالمعاملة الوطنية ، التي تعتبر إحدى أهم الضمانات التي منحتها هذه المدونة للشركات باعتبار أن معظم الالتزامات المنصوص عليها في هذه المبادئ التوجيهية تقع على عاتق الشركات.
وفي أفريل 1984، وسع مجلس المنظمة من مفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر ليشمل مجمل قانون إنشاء الاستثمارات ومن ثمة يصبح الاستثمار يحظى بالمعاملة الوطنية ووضعت التزام عام يتعلق بعدم التمييز في المعاملة بين المقيمين وغير المقيمين( ).
ووفقا لهذا المبدأ فإنه يتعين على الحكومات عند اتخاذها لأي إجراء والمتضمن للقيود أو استثناءات على مبدأ إبلاغ على لجنة الشركات المتعدد الجنسيات في ميعاد معين وهو ستون يوما لاستثمارات القائمةوثلاثون يوما للاستثمارات الجديدة ،ويجب أن يكون الإبلاغ مقرونا بالأسباب والمبررات التي تدعو لاتخاذ مثل هذه الإجراءات وكذا مدة سريانها وتطبيقها ، وتقوم اللجنة دوريا بفحص مدى تطبيق مبدأ المعاملة الوطنية وتقديم الاقتراحات اللازمة عند الضرورة( ).
وقد أوكلت مهمة مراقبة ومتابعة التطبيق تنظيم منظمة التعاون والتنمية الاجتماعية ، وكذا احترام الشركات المتعددة الجنسيات لهذا التنظيم إلى جهاز احتياطي للمجلس يتمثل في لجنة الاستثمار الدوليوالشركات والمشكلة من ممثلي الحكومات ، على أن تترك المجال مفتوحا أمام ممثلي أوساط الأعمال والنقابات للمشاركة في عمل اللجنة .
التشغيل وعلاقات العمل: وذلك بالنص على احترام الحريات العمالية واحترام قواعد علاقات العمل وحل النزاعات المتعلقة بها، وعدم التهديد بنقل كامل أو بعض عمليات الشركة إلى الخارج، بهدف التأثير على مفاوضات العمل وعلى حق إنشاء المنظمات العمالية، وعلى الشركات الالتزام بتقديم معاملة متماثلة للعمال في كل وحداتها لاسيما فيما يتعلق في الاستخدام والتدريب.
العلم والتكنولوجيا: وذلك بالنص على وجوب احترام الشركات المتعددة الجنسيات للسياسات العملية والتكنولوجية للبلدان المستقبلة وجعل مخططات تلك الشركات تتماشى مع تلك السياسات والمساهمة قدر الإمكان في تطوير قدرات البلد المستقبل في هذه الميادين ، مع الأخذ بعين الاعتبار حماية حقوق الملكية الصناعية والفكرية في إطار الشروط والنصوص الخاصة بها( ).
وفيما يتعلق بالطبيعة القانونية للإعلان فهو عبارة عن توصيات( ) موجهة من الدول الأعضاء إلى الشركات التي تنشط على إقليمها ، وبالرجوع إلى ديباجة النص المتضمن المبادئ التوجيهية نجدها تؤكد صراحة بقولها : إن المبادئ التوجيهية …. هي توصيات موجهة بصفة مشتركة من طرف الدول الأعضاء إلى الشركات المتعددة الجنسيات …. وأن احترام تلك المبادئ التوجيهية تطوعي ولا يشكل التزاما من شأنه ترتيب جزاءات من الناحية القانونية .
وقد علقت لجنة المتابعة ومراقبة المبادئ التوجيهية على ذلك عند مراجعة سنة 1979 بالقول بأنه:”رغم أن احترام المبادئ طوعي ولا يشمل التزاما من شأنه ترتيب جزاء قانوني، فإن للمبادئ التوجيهية Les principales directeurs “، وزن توصية مشتركة من الحكومات والأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية للشركات المتعددة الجنسيات تعكس الآمال المؤكدة التي ما فتئت تعلقها الحكومات على تصرفات الشركات متعددة الجنسيات، من خلال وضع قواعد ومبادئ منصفة يجب إتباعها وملاحظتها من طرف أعضاء المنظمة وأيضا من الشركات.
وعلى الرغم من أن هذه القواعد لا توصف بأنها قواعد ملزمة إلا أنها مع ذلك تكون أحد مصادر القانون في المجالات التي تعالجها النصوص القانونية الوضعية وكمصدر للقانون يمكن أن تكون له أثر واسع على حل المشاكل الناجمة عن نشاطات هذه الشركات.
وقد لقيت المبادئ التوجيهية للمنظمة “OCDE” على رغم عدم الزاميتها قبولا وتطبيقا دوليا ، ومن أمثلة ذلك التطبيق ماحدث في قضية بادجر( )L’affaire badger في مارس1977كما تبنت عدد كبير من حكومات الدول الغربية لهذه المبادئ صفة قانونية على هذه التوجيهات ، ولعل عدم احتواء هذه التشريعات على نص يبيح للشركات المتعددة الجنسيات خرق القانون الوطني للدولة أهم دليل على ذلك.
وفي إطار الجهود الرامية لتقنين قواعد الاستثمارات الدولية قامت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” نحو تنظيم اتفاق متعدد الأطراف ، وهو اتفاق بدأ التفاوض حوله منذ 1995، حيثيتسم بالإلزامية مادام يعتبر معاهدة بمفهوم اتفاقية فينا لقانون المعاهدات، وقد نوقش بين أعضاء منضمة التعاون والتنمية الاقتصادية فقط على أنه يظل الباب مفتوحا لانضمام الدول الأخرى.
وبذلك يكون انضمام الدول النامية قبولا من دول الجنوب لنوع من النظام العام الدولي وصفته وأرادته دول الشمال.ويختلف الاتفاق المتعدد الأطراف عن التقنين الذي وظفته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ذلك أن الاتفاق لا يتناول واجبات المستثمرين تجاه الدول المستقبلة لاستثماراتهم، بل يحدد من جهة التزامات الدول الأطراف تجاه بعضها البعض، وهذا يعني أساسا التزامات الدول المستقبلة لاستثماراتهم، وحقوق الشركات المتعددة الجنسيات تجاه الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المنظمة للاتفاق، وهكذا يكون الاتفاق معاكسا إذن لتقنين تلك المنظمة. والملاحظ أن الاتفاق المتعدد الأطراف يتمحور حول ثلاث مواضيع رئيسية هي:

الموضوع الأول: ويتشكل من القواعد المتعلقة بأمن الاستثمارات من معاملة وحماية من نزع الملكية والتأميم.
الموضوع الثاني: ويتشكل من القواعد المتعلقة بالسماح بحركة الاستثمارات وحرية قرارات التسيير الصادرة عن المستثمرين.
الموضوع الثالث: ويتشكل من القواعد التي تحكم تصرفات الدول المصدرة للاستثمارات.

-الخطوط الموجهة التي وضعها البنك الدولي بشان الاستثمار الأجنبي:
يمكن الإشارة من جهة أخرى إلى أن المبادئ أو الخطوط الموجهة التي وضعها البنك الدولي هي خطوط لا تتسم بالطابع الإلزامي، وما يميز هذه الخطوط هو كونها لم توضع أحادي من طرف دول الشمال، بل بمشاركة دول الجنوب أيضا مادامت قد وضعت داخل البنك الدولي باعتباره منظمة دولية اقتصادية، عالمية حيث وضعت تلك الخطوط وسميت بالقواعد الإرشادية للبنك الدولي بشأن معاملة الاستثمارات الأجنبية لسنة 1992، وتمثل هذه القواعد بحق أهم الجهود( ) المبذولة على المستوى الدولي في سبيل تطوير الإطار القانوني الشامل لمعاملة الاستثمارات الأجنبية و الوصول به إلى درجة الكمال ( )، وتتلخص تلك الخطوط الموجهة فيما يلي :
 من مصلحة كل دولة انتهاج سياسة مشجعة للاستثمارات الأجنبية ، وعلى الدول إذن تسهيل دخول الاستثمارات إلى أقاليمها وخاصة بالتخفيف من الإجراءات المخصصة لذلك .
 تحتفظ كل دولة بحقها في تنظيم قبول الاستثمارات الأجنبية في إقليمها ويكون من مصلحة الدولة استخدام ذلك الحق في تشجيع الاستثمارات لا ردعها.
 وجوب انتهاج سياسة الباب المفتوح أمام الاستثمارات الأجنبية، إلا انه يبقى لكل دولة الحق في تخصيص بعض النشاطات الاقتصادية لمواطنيها، غير انه يجب وضع قائمة لتلك النشاطات كي يكون الأجانب على دراية بذلك، كما يجب أن تكون النشاطات الاقتصادية المخصصة للمواطنين ذات تأثيرفي أمن الوطن.
 عدم فرض شروط خاصة ” “performance requirementيكون من شانها إثقال شروط الاستغلال الحسن ، وإفساد المنافسة بين الشركات الأجنبية و الشركات المحلية ، هذا خاصة وان فرض تلك الشروط يعد ردعا للاستثمارات الأجنبية.
و الملاحظ أن الخطوط التوجيهية تعد حلا وسطا وتوفيقيا بين متطلبات السيادة باحتفاظ الدول بحقها في الرقابة على الاستثمارات هذا من جهة ومن جهة أخرى التأكيد على حرية إنشاء الاستثمارات هو أحسن وسيلة لتشجيع تلك الاستثمارات، ودائما على الصعيد ألأممي نضيف التقنين الذي وضع من طرف مؤتمر الأمم في ديسمبر 1980 على شكل توصية ، ولقد تعلق ذلك التقنين بالممارسات التقييدية “les pratiques restrictives ” ومنها اتفاقات الاحتكارات accords de cartels حول الأسعار، والتفاهم السري من أجل العروض العمومية للشراء وتحديد حصص السوق أو الزبائن التي يمكنها عرقلة قواعد المنافسة الحرة.
-أطروحة صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي:
تندرج أطروحة صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي ضمن الأهداف الأساسية التي ترمي إلى تحقيق غايتين أساسيتين هما:

أ‌- ضمان الاستقرار النقدي الدولي انطلاقا من عمليات ضبط ومراقبة أسعار الصرف للدول الأعضاء.
ب‌- تقديم المساعدة الإنمائية للدول التي تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها عن طريق توفير حد أدنى من السيولة ولبلوغ هذين الغايتين يشترط الصندوق على دول الأعضاء القيام بما يلي:
 رفع القيود وإزالة الحواجز والتخلص من أساليب الرقابة التي تعيق التبادل الدولي، وذلك بإزالة التعريفات الجمركية وكل أشكال الرقابة التي تعيق التبادل الدولي، وذلك بإزالة التعريفات الجمركية وكل أشكال الرقابة عن عمليات الصرف الخارجية ووصولا إلى حرية التحويل للعمولات بين الأعضاء.
 المحافظة على الاقتصاد الدولي، وذلك بإحداث إصلاحات داخلية لتخفيف العجز في ميزان المدفوعات ويتعلق الأمر هنا بالدول التي تعاني اختلالا هيكليا في مجال الإنتاج، والتجارة والأسعار، وتمثل أهم نقاط هذه الإصلاحات في الانفتاح على رأس المال الأجنبي. فمـا هـي آليـات الانفتـاح ؟ أو مـا هـي حـدوده؟
 بالنسبة لآليات الانفتاح على الرأس المال الأجنبي:
تتمثل هذه الآليات في إبرام اتفاقيات إعادة الجدولة للديون كشرط ابتدائي، ثم تتلوها سياسات التصحيح الهيكلي.وإذا كانت مسألة جدولة الديون تعني أكثر جماعة الدائنين، فإن سياسة التصحيح الهيكلي تتعلق أساسا بفتح السوق الوطنية أمام الاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا الصدد أعد الصندوق الدولي وصفة إجبارية لتشجيع تدفقات رؤوس الأموال نحو البلدان النامية، تتضمن:
•الترخيص دون قيد أو شرط للاستثمارات الأجنبية، على أنه يمكن وضع قائمة صغيرة ومحدودة للاستثمارات التي تتطلب التأشيرة، ومثل هذا العمل أكثر فعالية من فحص كل مشروع على حدى،وتحتوي القائمة الصغيرة عادة على النشاطات المرتبطة بالدفاع الوطني، أو الصناعات المحمية على سبيل الحصر.
• تجنب المعايير الواسعة وغير المحددة لتحديد النشاطات الممنوعة على الاستثمار الأجنبي، مثل تشريعات بعض الدول التي تنص على أنه لا يتدخل الاستثمار الأجنبي في النشاطات ذات الطبيعة الإستراتيجية، وتشريع مثل هذا يضر بمصلحة البلد المضيف، و يثير الشك في ذهنية المستثمر، ويعطل بالتالي من حركة رؤوس الأموال.
• التحديد الدقيق لأصناف النشاطات المستفيدة من بعض الامتيازات ومنحها لها مباشرة دون المرور عبر معايير تحكمية أو هامش مفاوضة والتقليل من هامش المفاوضة يسمح للبلدان النامية من ربح الوقت، كما أن ترك هوامش غير مضبوطة للمفاوضات يفتح الباب أمام سلوكيات غير شريفة كالرشوة والاحتيال والتماطل في قبول أو رفض الاستثمار.
•اتخاذ إجراءات مؤقتة لتحفيز الاستثمارات الأجنبية التي يجب أن ترتبط بنوع النشاط المراد تشجيعه فإذا كانت السياسة العامة للدول المضيفة تتجه نتيجة لتشجيع الصادرات فمن الأولى إعادة النظر في المخططات الداخلية والخارجية، وأما إذا كانت هذه السياسة مرتبطة بالتشغيل فإنه يراعي في مشروع الاستثمار المقترح وعدد العمال الممكن توظيفهم وكلما ارتفع العدد كلما ارتفعت حظوظ الترخيص له، على أنه من المحبذ عدم منع امتيازات الاستثمار الأجنبي أكثر من الامتيازات الممنوحة للقطاع الخاص الوطني لأن مثل هذا يؤدي إلى إحباط في نفس المستثمر الوطني وقد ينتج عنه تكتل خفي بين الرأسمال الوطني الخاص والرأسمال الأجنبي بغرض الاستفادة من هذه الامتيازات الممنوحة للأجانب حتى لو كانت على حساب الاقتصاد الوطني لذلك من الأفضل تبني سياسة غير تمييزية بين الطرفين طبقا لمبدأ المعاملة الوطنية
•تبني إعفاءات جبائية مؤقتة ومعقولة، لأن التجربة كشفت أن الإعفاء الكلي من الضرائب ليس ضروريا لجذب المؤسسات الهامة، لأن هذه الأخيرة تنتظر ضرائب عامة أو معقولة، وليس الإعفاء الكلي منها حتى تتمكن من الإعداد العقلاني لمخططها المالي الطويل المدى.
•ضمان تحويل الأرباح، رؤوس الاموال المحولة، و يكون ذلك دون قيد أو شرط دون أن يتدخل البلد المضيف في ذلك، كما يشترط في هذا التحويل أن يتم بالعملة الصعبة ، و بنسبة الصرف المعمول بها.
 بالنسبة لحدود أطروحة صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي:
يعقد صندوق النقد الدولي أن مثل هذه الوصفة قد لا تكون كافية لتدفق الاستثمارات الأجنبية، لأن هذا الأخير قد ينمو إلا في ظل اقتصاد نشيط له معدلات نمو مرتفعة، وهو بذلك يتناقض مع نفسه من جهة، و من جهة أخرى يعترف بصعوبة ذلك في ظل الاقتصاد الراكد أو يعاني من اختلال هيكلية أو وظيفية.
لكن ما هو الحل للخروج من هذه الحلقة المفرغة؟
في هذا الإطار، وبعد تجربة ثماني سنوات مع بعض الدول النامية كمصر والمغرب ودول إفريقية أخرى، توصل صندوق النقد الدولي إلى أنه من غير الممكن تحفيز المستثمرين بقوانين ومراسيم في ظل اقتصاد راكد، بل يجب الوصول أولا إلى تحقيق التوازنات الكلية لهذا الاقتصاد قبل مناداة الأجانب للاستثمار فيه، و تتمثل هذه التوازنات فيما يلي:
– خوصصة القطاع العمومـي، و حل المؤسسـات الـمفلسة.
– التخفيض من نسبة التضخم.
– تحرير التجارة الخارجية و منح الاستقلالية للأعوان الاقتصاديين.
– تنشيط الطلب المحلي عن طريق إعادة رسم مخططـات التوزيع.
– الانتقال من دور دولة الرفاهية إلى دور الدولة الضابطة للاقتصاد.
وهكذا، ومع تحقيق هذه الآليات وغيرها، يمكن للاستثمار الأجنبي أن يجذب نمو هذه الدولة، غير أن واقع الاقتصاد الدولي يكشف خرافة هذا المنهج، إذ غالبا ما يفضل المستثمر الأجنبي الدول ذات النمو المرتفع على الدول التي تقوم بإجراء تصحيحات هيكلية على اقتصادها الوطني.
-مساهمة المنظمات غير الحكومية NGOSفي تنظيم الاستثمار الأجنبي.
لقد اتضح لدى الدول النامية حقيقة الأهداف الخفية والمتسترة التي كانت عادة ما تنادي بها الدول الصناعية الكبرى، خاصة ما يتعلق منها بوضع الاتفاق المتعدد الأطراف الخاص بالاستثمارات الأجنبية، حيث لم يكن ذلك الاتفاق إلا مظهرا من مظاهر الهيمنة والذي كرس بشكل واضح أهداف النظرية الرأسمالية النيوبيرالية العابرة للدول مع حليفاتها الكلاسيكية المتمثلة في المؤسسات الدولية من أجل دفع الدول النامية إلى توقيع على اتفاقية متعددة الأطراف، تخدم مصالح المستثمرين الأجانب دون الدول المضيفة للاستثمار وبالتالي الحكم على مئات الملايين من الرجال والنساء بالتهميش والإقصاء، تخريب البيئة ،العيث بحقوق الإنسان وتحريف المعنى الحقيقي للديمقراطية، هذا ما دفع بعض الجمعيات أو المنظمات غير الحكومية ذات الطابع العلمي والثقافي من جهتها جاهدة من أجل تدارك الأمر وتفويت الفرصة على بعض من الدول الصناعية الكبرى التي تريد استغلال التحولات الاقتصادية العالميةمن جهة والمشاكل الاقتصادية الخانقة التي تتخبط فيها معظم الدول النامية بقصد تمرير مشاريع وأفكار على شاكلة الاتفاقية المتعددة الأطراف MIA، وذلك باقتراح مبادرات تحاول من خلالها إيجاد أرضية وفاق عالمي( )وشامل حول الاستثمار تمس تلك التي أهملتها المبادرات الدولية الحكومية المقترحة أخيرا وخاصة من طرف OCDE، أو WTO..
 مساهمة الجمعية الفرنسية: Le Collectif Français Contre Les Colonnes de l’AMI
لقد أشارت الجمعية الفرنسية إلى أهداف الدول المتقدمة الرامية إلى وضع ميثاق دولي متعدد الأطراف، والخاص بتنظيم الاستثمارات الدولية، والتي لم تكن تريد سوى تكريس أداة سياسية تهدف إلى إخضاع الدول والشعوب إلى قانون الشركات متعددة الجنسيات.
ولمواجهة هذه التحديات ينبغي أن يبذل الجميع خاصة المنظمات غير الحكومية جهودا كبيرة للضغط على أصحاب القرار الدولي، وقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن والحيلولة دون السقوط الحرفي التبعية لهذه الشركات.
ففي بداية شهر ديسمبر من سنة 1998 وتحت ضغط الكثير من الجمعيات والمهنية والوطنية والدولية كان مقر OCDE الذي ثبت فيه اتفاقية متعددة الأطراف حيث قامت الجمعية الفرنسية في إطار تحسسي بمخاطر الاتفاق بالتذكير بمحتوياتها( ).
و التعريف الواسع لمفهوم الاستثمار بحيث قد يوظف في مجال الأموال، الخدمات، الصفقات والمساهمات المالية، وحصص خيارات المصادر الطبيعية، الملكية العقارية، الفلاحية والفكرية.
تغطي الاتفاقية كل القطاعات ماعدا قطاع الدفاع والشرطة.
المعاملة الوطنية ، بحيث لا يمكن أن يعمل المستثمرون الأجانب والاستثمارات الأجنبية بأقل ما يعامل به المستثمرون الوطنيون، في نفس الظروف وأما نظام الاستثمار المطبق على هؤلاء، فهو يسند على مفهوم حق الإقامة وليس على مفهوم رخصة الإقامة الجاري العمل به في كثير من الدول الأخرى.
الالتزام بالنتيجة: Obligation de résultat فالحكومات والدول المضيفة في رأي الذين صاغو هذه الاتفاقية، لا يمكن لها أن تفرض على المستثمرين مثلا توظيف عدد معين من الأشخاص أو الإطارات المحلية أو تفرض عليهم نقل التكنولوجيا، أو إعادة استثمار نسبة معينة من الأرباح في الدولة، فالالتزام بالنتائج ممنوع حتى ولو كان هذا الالتزام لا يتمتع بالصفة غير التمييزية اتجاه الأجانب.
حركة الرسمايل وانتقالها: لا يمكن لأي دولة مضيفة أن تمنع تطبيقات مهما كانت طبيعتها على عملية تحويل الأرباح نحو الدولة الأصلية للمستثمر بما فيها الأرباح الناتجة عن بيع مؤسسة محلية.
فيما يتعلق بالمصادرة فإلى جانب ما تمنحه معظم القوانين والتشريعات على المستوى العالمي من تعويض عادل سريع وفعال على الملكية الأجنبية المؤممة، أو التي صودرت من طرف الدولة المضيفة في إطار حقها السياسي في نزع الملكية للمنفعة العامة( ).
تضيف اتفاقية الاستثمار المتعدد الأطراف مفهوم جديد يسمى” Equivalentes à l’expropriation mesures “بالإجراءات المعادلة للمصادرالذي يقضي للمستثمر الأجنبي الحق في التعويض عن ما سيفقده من أرباح في المستقبل “Compensation pour perte de profites futur” .
الإبقاء على القوانين الحالية قائمة بدون تغيير أو تبديل فبمقتضى الاتفاقية تتعهد الحكومات بعدم تمرير اي قانون جديد سلبا على ما تفق عليه سابقا ، كما تتعهد في فترة معينة ليست بعيدة بإزالة وإلغاء كل القوانين المطبقة حاليا والتي تتعارض في فحواها مع قواعد MIA.
آلية فض النزاعات: إن اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف لا تعترف إلا بالخلافات التي يكون طرفاها المستثمرين الخواص الأجانب والدول المضيفة للاستثمار على عكس ما تفرضه قواعد WTO التي تحصرها في النزاعات التجارية التي تقع بين الدول لا غيركما أن الدول المضيفة لا يمكن لها أن ترفع شكاوى ضد المستثمرين الأجانب الخواص مهما كانت طبيعة وجسامة النزاع.
مدة الاتفاق: تشترط الاتفاق المتعدد الأطراف MIA مدة لا تقل عن خمسة سنوات للانسحاب من الاتفاقية وكل مشروع استثماري سبق وأن أقيم في الدولة المنسحبة يجب أن يكون خاضع لقواعد MIA لمدة تقدر ب15سنة.
مسؤولية المستثمرين: لا تحتوي اتفاقية الاستثمار المتعددة الأطراف على بند يحمل المستثمرين الأجانب في حالة عدم التزامهم بالتعهدات المتفق عليها سابقا، وأما بشأن وضعيـة الاستثمارات الأجنبية في الآونـة الأخيرة فتجيب الوثيقة عليها من خـلال المنهج التالي:
بالنسبة للاستثمارات المالية : عرف هذا النوع من الاستثمارات طورا كبيرا في السنوات الأخيرة،كما أن آلياتها الهشة ساهمت بشكل كبير في الاستقرار المالي الخطير الذي أصاب الكثير من دول العالم( ).
كما يشهد على ذلك الاضطرابات التي عرفتها معظم بورصات الدول الغربية في تلك الفترة ورغم هذه الاهتزازات والآثار السلبية التي حملتها معها، فمازالت هناك ضغوطات كبيرة تمارس من طرف الدول المصنعة الكبيرة بالتواطؤ مع المؤسسات المالية والتجارية الدولية نحو تحرير أكثر لحركة انتقال رؤوس الأموال في العالم، وما اتفاقية MIA متعددة الأطراف إلا مثال واضح يكرس المسعى ويؤكد عليه.
وتتجلى مخاطر الاستثمار غير الخاضع لمراقبة الدولة وفق الجمعية الفرنسية في:
تهجم الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة على الاستقرار الاقتصادي للدولة من خلال( ):
– اتجاهها نحو إغراق الكون بالإنتاج بفضل الحجم الكبير من الأموال التي يعاد استثمارها من طرف كبريات الشركات المتعددة الجنسيات مما سينتج عنه انخفاض حاد وسريع للأسعار مصحوب بتسريح كبير للعمالة وانخفاض للأجور .
– التخفيض المستديم للعمالة بمقارنة مع رقم الأعمال خاصة العمال المحلين منهم، فانتشار تقنية الإدماج-الاكتسابM8-AS الدولية، وكثرة مناطق التبادل الحر التي من خلالها يتمتع المستثمرون الأجانب بامتيازات خاصة، ولا يخضعون في تسييرهم للموارد البشرية وللتشريع الاجتماعي للدولة المضيفة أدى إلى تدمير العمل ونسف مبادئه الإنسانية بصفة عامة،كما.كان له تأثير سلبي على مستويات التشغيل بصفة خاصة.
أما تهجم الجمعية الفرنسية ضد البيئة : فترى أن الحرية الكاملة التي يتمتع بها الرأسمال العابر للدول أثر بصفة واضحة على البيئة الطبيعية، فمثلا سببا للأحكام والقواعد التي وقعت عليها إراديا الدول الثلاثة المنظمة إلى منطقة التبادل الحر NAFTA : تصفها الجمعية الفرنسية المذكورة بأنها مجرد نسخة مصغرة من اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف أو كما نسميها MINI-AMI.
أمكن للشركة الأمريكية ETHYL التي تنتج مادة MMT من رفع شكوى ضد حكومة كندية تطلب فيها تعويضا عن الأضرار قدره 250 مليون دولار، وذلك لإرغامها على إلغاء قانون مصوت عليه في شهر أفريل من سنة 1997، والتي بموجبه منعت الحكومة الكندية استيراد هذا النوع من المواد، فاتفاقية NAFTAتسمح لشركة تنتمي إلى دولة عضو أن ترفع دعوى ضد دولة عضو أخرى إذا ما رأت أن هذه الأخيرة وضعت عراقيل عمدية ضد حرية التجارة ،ولقد تحججت شركةETHYL في دعواها بأن القانون المذكور ما هو إلا مصادرة خفية لملكية تتوتر في أرباح مستقبلية حرمت منها، و كونها متأكدة من الخسارة إذا ما التجأنا إلى قواعد التحكيم التي تعتمدها NAFTA، فضلت الحكومة الكندية فض النزاع بطرق ودية ،و ذلك بدفع 13 مليون دولار، كتعويض لهذه الشركة وبإلغاء القانون المذكور بمعنى أخر، فإنه يمثل هذه الأدوات القانونية المكرسة في اتفاقية MIA أو NAFTA تستطيع الشركات تستحوذ على سلطة نفوذ تجعلها دائما فوق سلطة الدول والحكومات.
وتبعا للاستثمار الكبير الذي حققته شركةETHYL في نزاعها مع الحكومة الكندية، قامت العديد من الشركات الأمريكية برفع شكاوي ضد دول أخرى عضو في منطقة التبادل NAFTA كما قامت به أخيرا شركة METAM CLAD بطلب تعويض قدره 90 مليون دولار من الحكومة المكسيكية بسبب أن حاكم ولاية SAN LOIS POTOSI ، منع فتح مصنع لها لمعالجة نفاية ، وحجته في ذلك أن إعادة فتحه سوف يلوث المياه الصالحة للشرب التي يتزود منها سكان المنطقة أما شركة ETAM CLAD، فتجزم على أن التصرف ما هو في الحقيقة إلا نوع من المصادرة المقدمة وتطالب بالتعويض على الأضرار التي سوف تصيبها من جراء هذا الإجراء وبالترخيص لفتح المصنع.
إن اتفاقية الاستثمار المتعددة الأطراف MIA حسب الجمعية الفرنسية المذكورة سيكون لها تأثيرات مشابهة لتأثير NAFTH ولكن على مستوى أكبر وأشمل، كما أن اتفاق كهذا سوف يدخل لا محالة مع عدة اتفاقات متعددة الأطراف أخرى خاصة ما تعلق منها بالبيئة.
وترى الجمعية الفرنسية بخصوص التهجمات ضد الثقافة( ) بأن العولمة العالمية ومحاولة إقامة عالم موحد مسير فقط من طرف آليات السوق يتنافى مع مفهوم الخوصصة الثقافية للدول فالكثير من المثقفين المتعاطفين مع الجمعية المذكورة يرون أن النضال ضد MIA ما هو في الحقيقة إلا نضال من أجل الثقافة بالمفهوم الواسع للكلمة، وكذلك من أجل الحضارة وباقي النشاطات الإنسانية، فالتطور غير المنظم للاستثمارات المباشرة أو الاستثمارات الحالية ومفهـوم تحريـر التنظيم LA DEREGULATION الخاص بحركة رؤوس الأموال يشجع حسب الجمعية الفرنسية الاقتصادية الموازية والمشبوهة فالنشاطات الاقتصادية الغير شرعية أصبحت تنتشر بسرعة وتتجه شيئا فشيئا نحو التدويل، وأما النشاطات التي تلتزم القانون فهي مجرمة ف”اتفاقية النافتا” وآلياتها حسب الجمعية تشجع على الانجاز في المخدرات مثلا وتسهل انتقالها من دولة إلى أخرى بدون مشاكل تذكر خاصة فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك.
إن الأهداف الأساسية لينيوليبراليين LES NEO-LIBERAUX حسب الجمعية الفرنسية هو إضعاف الحركة وتحديد قدراتها في توفير الخدمات العمومية عبر موجة الخصوصية، التي ما فتئت تتوسع إلى حدود غير معقولة، ففي حالة الخصوصية الجزئية، أو الكلية للخدمات العمومية تمنع اتفاقية MIA تطبيق ما يسمى بالتعريفة التفصيلية الخاصة ببعض شرائع المجتمع لأن المؤسسات المخوصصة في رأيها يجب أن تنشط بناء على اعتبارات تجارية فقط لا على أساس اعتبارات إنسانية ومنه على هذا الأساس سيصبح توفير هذه الخدمات في مناطق ضعيفة الموارد الاقتصادية وبالتالي سينتج عنه عدم المساواة بين المواطنين أمام الخدمة العمومية.
والنتيجة نفسها سوف تحدث بالنسبة للتغطية الاجتماعية لعدد كبير من المواطنين مثلما ما هو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية أين يتجاوز عدد المواطنين الذين لا يستفيدون من أي تأمين على المرض أربعين مليون نسمة.
إن تدفقات رؤوس الأموال الغير خاضعة للرقابة تخلق حسب الجمعية الفرنسية مشاكل أخرى على العملية الديمقراطية، فالدولة مثلا لا تستطيع أن تحدد نسبة عملتها الوطنية، ولا يمكن لها مراقبة مداخل ومخارج رؤوس الاموال الوطنية والأجنبية التي تصبح مرتبطة بالسوق وآلياته.
اتفاقية “ACPIR”:
تعترف الاتفاقية بأن الاستثمار الأجنبي المدروس بشكل جيد، المسيطر عليه بكل حزم، يمكن أن يساهم ايجابيا في ترقية معيشة الشعوب وجمال المدينة وفي هذا الصدد لا يمكن الإنكار في أن للمستثمرين الأجانب حقوقا يجب أن يستفيدوا منها: الحق في شفافية التشريعات المنظمة للاستثمار في الدولة المضيفة ، الحق في التعويض الابتدائي والعادل في حالة مصادر الملكية إذا كانت الأغراض المنفقة العامة :كما أنه يقع على عاتقهم اللوم اتجاه العمال الذين يشتغلون عندهم اتجاه الجماعات المحلية الذين تتموقع فيها مؤسساتهم واستثماراتهم وكذلك اتجاه الدول التي تستضيفهم وعلى العموم لكل دولة الحق في الاستقبال والترحيب بالاستثمارات التي تتناسب مع المشروع الاقتصادي أو الحالي المقترح تتوافق مع القوانين الاجتماعية والقواعد المنظمة لتهيئة الإقليم ورفض البقية التي لا تلتزم بالأطروحة والأسس المذكورة .
إن اتفاقية “ACPIR ” تطمع من خلال مقترحاتها إلى التعريف بقواعد تريدها أن تكون عالمية ، دائمة وقابلة للتطبيق ، تصاغ هذه القواعد بطريقة ديمقراطية بمشاركة عدد كبير من المواطنين النشطين في الحركات الاجتماعية الوطنية والدولية ، في النقابات المهنية في السياسة ، الايكولوجيين ، المثقفين …. سواء كانوا على المستوى الوطني أو الدولي.
إن الجمعية الفرنسية المذكورة، وبعد تحليل الواقع الذي يبين بأن مفهوم الحرية بمنظور المدرسة النيوليبرالية سوف يؤدي لا محالة إلى إقصاء وتهميش أغلبية شعوب العالم خاصة النامية منها ، تدمير الطبيعة ، والقضاء على الأنظمة السياسية الديمقراطية ، ورغم أن الحرية بهذا المفهوم تؤدي في بعض الأحيان إلىنجاحات ، إلا هذا لا يمنع انتقادها واقتراح ما قد يثيرها ويكملها ، بحيث تحدث في الأخير التوازن والمساواة بين الشعوب وتأمين الحسن للديمقراطية فيما بين كل المواطنين بدون استثناء.
مساهمة حركة التنمية العالمية (World developpement mouvement – WDM) في محاولة البحث عن إطار دولي عادل ومتوازن لتنظيم الشركات المتعددة الجنسيات:
بعد اعتراف الحركة WDM بأن الاستثمارات الأجنبية تعتبر بحق المصدر الأساسي للتدفقات المالية اتجاه دول العالم الثالث ،وهي في تطور متزايد و متسارع في آن واحد، ومن خلال هذا الواقع تطرح الحركة إشكالية مفادها أن مستقبل العالم الثالث ، أصبح حقيقة مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بالقراراتالتي سوف يفصل فيها في المستقبل القريب ، خاصة فيما يتعلق بكيف وبأي طريقة يمكن أن تجعل الاستثمارات الأجنبية تعمل وتنشط بشكل يرضي طرفي العلاقة ؟
إن الهدف من الحركة WDM من خلال هذه العبارة هو تأمين أن الاستثمارات الأجنبية خاصة تلك التي مصدرها الشركات المتعددة الجنسيات تساهم فعلا في تنمية شركائها من دول العالم خاصة الدول الفقيرة منها من خلال الفوائد الثلاثة الأكثر طلبا وهي: عمل، رأسمال، والمعرفة الفنية والتقنية بقدر ما تستفيد هي – أي الشركات المتعددة الجنسيات- من منافع وامتيازات كبيرة توفرها لها عادة الدول المضيفة ، إن مثل هذه الشركات أصبحت لا تعبأ كثيرا بهذه الأهداف حسب WDM فهي لا تهتم سوى استغلال الفرص المتاحة لجعل الأمور أسوء مما كانت عليه في السابق، سواء تعلق الأمر بالدول الصناعية أو بالدول النامية( ).
وتقترح الحركة WDM إطار تنظيميا واسعا وشاملا للاستثمارات الأجنبية وليس مجرد اتفاقية دولية موحدة، أي بمعنى أخر محاولة تقوية الآليات الموجودة بدلا من استحداث إجراءات وتدابير جديدة ، هذه الآليات( ) تتضمن ما يلي:
-اتفاقية استثمار دولية بهدف ترقية جودة الاستثمارات من جهة وتحديد مسؤولية الشركات المتعددة الجنسيات من جهة أخرى.
– إشراك هيئات أممية متخصصة كمنظمة الصحة العالمية ، ومنظمة العمل الدولية في تنظيم المسائل الهامة للاستثمار الدولي.
– ترقية إستراتيجية تنمية وطنية ملائمة خاصة بالدول الفقيرة.
– ترقية آليات قانونية وطنية خاصة بالدول المصدرة للاستثمارات لتقييم ومراقبة شركائها ومؤسساتها المتموقعة في الخارج.
– إعادة تنظيم ذاتي SELF REGULATION خاص بالشركات المتعددة الجنسيات الهدف منه ترقية الممارسة الاستثمارية الجيدة.
وترى الحركة WDM أن فوائد الاستثمار الأجنبي تكون أكثر فعالية عندما تتوافق مع العوامل التالية:
– المساهمة برأسمال جيد وأحسن وأفضل من شراء شركة سبق لها وأن كانت موجودة.
– المساهمة في التنمية الاقتصادية عن طريق إدخال صناعات جديدة تخلق المضافة أو ترفع من نسبتها.
– تحويل التكنولوجيا والمهارات التجارية والتسييرية إلى العمال والإطارات المحلية.
– توفير مناصب شغل ذات جودة عالية ومتكيفة مع المهارات المحلية مع الاستعداد لتكوين عمال وإطارات محلية جديدة.
– دعم الصناعات المحلية عن طريق إعطاء الأولوية في التموين بالموارد الطبيعية الخام لعقود التوريد المحلية ، التي يكون أحد أطرافها مؤسسة وطنية منتجة عوض اللجوء إلى التعاقد الخارجي من خلال عمليات الاستيراد مع شركات أجنبية.
– عدم منافسة الإنتاج المحلي،و في هذا الإطار يحبذ التعامل مع شركات أجنبية تنتج من أجل التصدير على تلك التي تنتج بقصد احتياجات السوق المحلي فقط.
– يحبذ استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تحسن من ميزان المدفوعات وتوفر بالتالي للدولة المضيفة الحجم الكافي من العملة الصعبة.
وتؤكدWDM على الصيغة العالمية لهذه المعايير، بحيث أضحت حقيقة معايير معترف بها من طرف الكثير من المنظمات و المؤسسات الدولية ، وتشهد على ذلك بما انتهى إليه ملتقى الخبراء الذي أشرفت عليه “UNCTD ” حول اتفاقيات الاستثمار الموجودة وأبعادها التنموية.المنعقد بجنيف في مايو من سنة 1997 من توصيات انحصرت كلها في نقطتين أساسيتين:
– التزام في أي مبادرة اتفاق استثمار دولي بالأطر التي تأخذ بالحسبان الأهداف التنموية للدول المضيفة ، بحيث تسمح لهاته الأخيرة بمتابعة تجسيد إستراتجية التنموية الاقتصادية التي قد رسمتها من قبل.
– ينبغي على هذه الأطر، ألا تكون أداة يصعب من خلالها على الدول النامية حماية ثقافتها ونظامها البيئي ، الآليات الاقتصادية والأهداف الاجتماعية.
وفي الأخير تدعو WDM من خلال مبادرة الأخلاق التجارية ما THE ETHICAL TRADING INITIATIVE المنظمات غير الحكومية الأخرى وبمساهمة بعض الشركات الكبرى إلى ضرورة تطوير قانون السلوك الدولي الذي من شأنه أن يساهم في تنظيم علاقة متوازنة وعادلة في ما بين مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وحق الدول المضيفة في التنمية والرفاهية بما تقتضيه سياستها التنموية( ).
مساهمة هيئة OXFAM الخيرية في النقاش العام حول الاستثمار الأجنبي المباشر:
إن اهتمام OXFAM بموضوع الاستثمار نابع من نشاطاتها المكثفة في ميدان الإغاثة الخيرية على المستوى الدولي خاصة إذا تعلق الأمر بالدول الفقيرة اقتصاديا أو دول أنهكت كاهلها الحروب “الفتن الداخلية ” المجاعات والأمراض ، وقد خاضت هذه الجمعية حملة ضد مشروع اتفاقية المتعددة الأطراف الخاصة بالاستثمار MIA وشملت الجوانب الشكلية المقاربة التي انتهجتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDO ” في إعداد وصياغة مشروع الاتفاقية ، المبادئ التي ارتكزت عليها الاتفاقية و أحكامها ، وترى الهيئة أن عيوب هذه المبادرة تتمثل في عيوب( ) من ناحية الشكل ومن ناحية الكيفية :
أ- من ناحية الشكل :
– تغطيتها لكل القطاعات الاقتصادية وتكييفها الموسع و غير المحدود لمفهوم الاستثمار.
– التوسع في مفهوم الحكومات المضيفة بحيث تشمل حسب مشروع الاتفاقية الجماعات المحلية المقاطعات والحكومات الوطنية إذا تعلق الأمر بالدولة فيدرالية سواء كان ذلك بموافقة الجهات المذكورة أو بدون موافقتها.
ب- من ناحية الكيفية :
ترى الهيئة بأنه بصدد إعداد و صياغة الاتفاقية في حد ذاتها أن المشروع المقترح من طرف OCDO يتميز بـ:
 نقص فضيع في الشفافية وعدم إشراك كل المهتمين في العملية بما فيهم المنظمات غير الحكومية والوكالات، سواء على المستوى الحكومي وغير الحكومي.
 إقصاء الدول النامية من المشاركة في المفاوضات رغم أنها أول المستهدفين من هذه الاتفاقية.
 اختيار النموذج التفاوضي من الأعلى إلى الأسفلTOP :DOWN NEGOCIATMG.MODEL عوض النموذج الأسفل-الأعلى BOTTOM-UP الذي يعتمد مفاوضة قطاع بقطاع.
 عدم الاهتمام لاتفاقية المقترحة بالجوانب الاجتماعية ،والبيئة بشكل كافي وملائم.
وفيما يتعلق بمبادئ موضوع الانتقاد من طرف الهيئة المذكورة والتي كرستها الاتفاقية فيعاب عليها:
-أكيد الاتفاقية على المسائل المتعلقة بحماية المستثمر الأجنبي وحقوق الملكية الفردية بدون أن يقابل تأكيد مماثل على التزامات المستثمر على ما تعهد به من خلال بنود العقد الذي يربطها بالدولة المضيفة.
-التكييف الضيق لمبادئ عدم التمييز، أو ما اصطلح عليه بالمعاملة الوطنية، بحيث يصبح المستثمر الأجنبي يعامل ليس فقط معاملة حسنة، ولكن أكثر مما يعامل المستثمر الوطني.
-منع إخضاع الاستثمارات الأجنبية إلى أي نوع من الرقابة الوطنية إلا في حالات استثنائية شريطة أن تكون موضوع التفاوض ابتدائي بين طرفي العلاقة وتقترح هيئة OXFAM الخيرية مجموعة من الأسس التي يجب أن يأخذها المجتمع الدولي بعين الاعتبار ويتمسك بها بكل مبادرة مستقبلية في هذا الشأن .
-إن تحرير الاستثمار الأجنبي لا يكون في حد ذاته هدف ، بل أداة ووسيلة لترقية التنمية المستدامة ومحاربة الفقر في الدول التي تشتكي من هذه الآفات وبالتالي ينبغي في دعوة المستثمرين الأجانب الحرص على عامل الجودة والتوزيع العادل لتدفقات استثمارية أجنبية على كل الدول المحتاجة.
-يجب أن يقابل قوة الشركات المتعددة الجنسيات والامتيازات التي تستفيد منها خلال توقعها في الأسواق العالمية المختلفة حتمية إخضاعها لمسؤولية في حالة الإخلال بالتزاماتها التعاقدية من جهة ، وتقوية قدرات الدول المستضيفة في تنظيم نشاطاتها ومراقبتها من جهة أخرى.
-إن قواعد الاستثمار الدولي لا يمكن أن تصاغ لوحدها بدون أي علاقة وانسجام مع السياسات الاجتماعية والبيئية وقواعد المنافسة والجباية الملحقة بها.
-ينبغي قبل صياغة أي قواعد قانونية دولية حول استثمار العمل على أن لا تكون متناقصة مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحكومية من جهة ما تقتضيه المعاهدات الدولية في هذا المجال.
-ينبغي على أي مفاوضات مستقبلية يكون موضوعها الاستثمارات الأجنبية أن تكون حقيقة متعددة الأطراف ديمقراطية وشفافة متعددة التخصصات ، موسعة وتحوز على ثقة جميع الأطراف سواء على المستوى الوطني والغير حكومي.
– تطوير آليات المشاركة العمومية في النقاش الدائر حول المسائل الجوهرية للاستثمار عبر وسائل الاتصال المختلفة ، والمساهمة الفعالة في إيجاد بديل متوازن وعادل وبالتالي رفض الادعاءات التي تقوم بها إمكانية إيجاد بديل أخر عن ما هو منصوص عليه في اتفاقية الاستثمار المتعدد الأطراف المقترح من طرف OCDE.
-إن تدخل المنظمات الغير حكومية NGOS ومساهمتها في المسائل المرتبطة بالسياسة الاقتصادية الدولية ليس بالأمر الجديد ، فلقد شهدت سنوات الثمانيات بداية من التجنيد المنظم للكثير من المنظمات الغير حكومية سواء المتمركزة منها في الشمال أو في الجنوب ضد سياسات التعديل الهيكلي وبرامج الاستقرار الاقتصادي الذي أشرف عليها صندوق النقد الدولي بالاشتراك مع البنك الدولي في كل من إفريقيا وأسيا وأمريكيا اللاتينية.
-لقد ساهمت مثل هذه التدخلات لإصلاح بعض سياسات وممارسات البنك الدولي والبنوك المتعددة الأطراف الأخرى: خاصة فيما يتعلق بالبيئة الشفافية والحتمية استشارة الشعوب قبل المبادرة بأي سياسة تنموية وطنية.
-فيما يتعلق بالمسائل الاستثمارية فلقد جاء على لسان الأمين العام “NCTAD” السيد “Rubens Ricupero” أن الجهود المستمرة للمنظمات الغير حكومية بينت في الكثير من الحالات أنه يمكن جدا تحدي القوى الكبرى المهيمنة ونوه في هذا الصدد بالانتصارات الأخيرة التي حققتها هذه المنظمات فيما يخص معاهدة نزع الألغام ، إنشاء المحكمة الدولية الجنائية التي قادها المجتمع المدني ضد مشروع اتفاقية الاستثمار المتعددة على المستوى الدولي وتحسيس الشعوب بمخاطرها.
هذا إن دل على شيء إنما يدل على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية في المساهمة في تطوير القواعد العبر دولية الخاصة بالمجال الاقتصادي.
البند الثاني: محاولات تنظيم النشاط الاستثماري في إطار الاتفاقيات العالمية الجماعية:
وهو المسار الأضعف ، حيث تم إبرام بعض الاتفاقيات المتعددة الأطراف على المستوى العالمي من أجل تنظيم الاستثمار الأجنبي غير أنه حدثت تجزئة لهذا التنظيم وهو ما يشمل في الحقيقة مرحلة هامة من مراحل تطوير النظام القانوني الشامل لمعاملة الاستثمارات الأجنبية وهذه الاتفاقيات هي :
-اتفاقية إجراءات الاستثمار المتصل بالتجارة في إطار المنظمة العالمية للتجارة “OMC”
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، والدول تسعى في تحرير التجارة الدولية وإزالة الحواجز التجارية التي تعوق تدفق السلع عبر الدول ، من أجل ذلك فقد عقدت مؤتمرات دولية بهدف تحرير التجارة الدولية ، وتم التوصل من خلال ميثاق هافانا لعام 1948 إلى وضع جديد لتنظيم التجارة الدولية أطلق عليه، الاتفاقالعام للتعريفات الجمركية والتجارة الجات( ) ونتيجة ذلك أجريت سبع مفاوضات متعددة الأطراف من أجل تحرير التجارة الدولية، كان أخرها وأهمها (جولة أورغواي) والتي نجحت في إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1994، وقد أسفرت جولة أورغواي للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف من عدة اتفاقيات( )، ويعد اتفاق إجراء الاستثمار المتصلة بالتجارة أحد أهم الاتفاقات التي تم التوصل إليها في ختام مفاوضات جولة أورغواي، حيث يتناول هذا الاتفاق موضوع الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال أهم الأحكام التي تضمنها اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة وذلك كالأتي:
-التعريف بإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة:
يقصد بها تلك القوانين واللوائح وكذا القواعد والإجراءات التي تنظم التعامل مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة حيث يكون لها تأثير أو انعكاس على التجارة الدولية.
تقوم حكومات الدول المختلفة عادة بفرش مجموعة من القوانين واللوائح والإجراءات التي تنظم أسلوب التعامل مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويتحقق ذلك من خلال تقرير عدد من المزايا والحوافز لجلب تلك الاستثمارات وتوجيهها إلى مجالات معينة تتمتع بأولوية خاصة وفقا لخطط وبرامج التنمية الاقتصادية التي تطبقها الدولة وبالمقابل قد تضع الدولة بعض القيود والتدابير أو الشروط التي تحدد من دخول رأس المال الأجنبي تجنبا لبعض مخاطره.
وقد حدد اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة معنى هذه الإجراءات بأنها:” تلك الشروط التي تضعها السلطات المحلية على الاستثمارات الأجنبية التي ترغـب في العمل على نطـاق إقليمها، والتي تنطـوي على تقييـد للتجـارة العالمية “( ) .
أسباب إدراج اتفاق إجراءات الاستثمار ضمن جولة أورغواي:
أمضت العديد من الدول النامية عقودا من الزمن في وضع الحواجز والعقبات أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، وقد اشتملت تلك الحواجز على قيود الحصة المسموح للمستثمر الأجنبي امتلاكها في مؤسسة ما، وقيود على أنواع المشروعات التي يمكن للمستثمر الأجنبي القيام بها، ورغم أن هذه القيود لم تكن تستهدف إلى حد بعيد سد الطريق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر بقدر ما هدفت لتشجيع الاستثمارات المحلية، إلا أنها أدت إلى تثبيط الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإضعاف نوعيتها، ولكنها أدت في المقابل في كثير من الأحيان إلى إقامة مشروعات مشتركة بين المستثمرين المحليين والأجانب ورغممعقوليتها من الوجهة التجارية، إلا أنها كانت تصطدم بعقبات أبرزها ضعف نوعية الشريك المحلي أو نتيجة الصعوبة المتأصلة في إدارة المشروعات المشتركة.
وقد أسفرت القيود التي فرضتها الدول النامية على الملكية الأجنبية للمشروعات المحلية عن أثر معاكس تمثل في انخفاض الحوافز الضرورية لدى المستثمرين الأجانب لإنجاح مشروعاتهم وقد اشتملت القيود وأنظمة التحكم في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ، والتي وضعتها الدول النامية على العديد من العناصر( ) قد يكون أهمها:
– الحظر الصريح على الاستثمار في مجالات اعتبرت إستراتيجية.
– اشتراطـات الحصول علـى الموافقـة الرسميـة.
– وجود معايير غامضة بشأن الحصول على الموافقة.
– الضرائب الباهظة التي تستلزم إجراءات تعويضية من خلال حوافز الاستثمار.
– القيود التي تفـرض علـى حصـة الشركـة الأجنبية فـي المشروعـات.
– الشروط التي تنص على نسبة محددة من المستلزمات المحليـة (المحتوى المحلي).
لذا أصبحت تلك القيود والإجراءات محور نقاش في جولة الأورغواي بغية تحرير للتجارة الدولية .
ونظرا للأهمية التي اكتسبتها الاستثمارات الأجنبية في مواجهة أوجه النشاطات الاقتصادية الأخرى لاسيما التجارة الدولية، لم يكون من الغريب أن تتمتع اتفاق إجراءات الاستثمار بعناية خاصة حضيت باهتمام كبير من جانب الاقتصاديين والمستثمرين المهتمين بشؤون التجارة الدولية.
ولقد كانت هناك جملة من الأسباب( ) التي ساهمت في إدراج هذا الاتفاق ضمن جولة أورغواي تتمثل فيما يلي:
– لا يخلو اتفاق من فكرة مبدأ تحرير التجارة، إذ يعد أهم أهداف منظمة التجارة العالمية على الإطلاق سواء على مستوى الإطار الدولي أو اتفاقيات الاتحادات الجمركية أو مناطق التجارة الحرة، ويعتبر رأس المال في نظر الدول الصناعية الكبرى في حد ذاته سلعة من السلع التي يتم تداولها وانتقالها وفقا للمبادئ تحرير التجارة السلعية استيرادا أو تصديرا، وانطلاقا من ذلك تقضي بحرية انتقال رؤوس الأموال فيما بين الأعضاء الذي ينظر إليها على أنها ليست أحد عناصر العملية الإنتاجية وإنما سلعة متداولة.
– يعد تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات ،وأثرها الكبير على توجهات الاستثمارات الأجنبية الذي أصبح أهم أهداف نشاطاتها الكبرى، انجر عن هذا الاتفاق أثار مهمة على العلاقة بين الدول المضيفة والشركات المتعددة الجنسيات التي أصبحت توظف أموالها بغرض الاستفادة من المزايا النسبية التي يتمتع بها الإنتاج في بعض البلدان من ناحية انخفاض تكلفة العمالة أو وفرة المواد الأولية اللازمة لعملية الإنتاج، وذلك من أجل إنتاج سلعة قليلة التكلفة وذات قدرات تنافسية مرتفعة في الأسواق العالمية.
ومن أجل إدراج مبدأ تقرير انتقال رؤوس الأموال ضمن اتفاق1994، وإزالة القيود المعوقة للتجارة في هذا الصدد مارست هذه الشرعيات ذات القدرة النفوذية ضغوطات كبيرة على حكومتها في الدول الصناعية كون أن ذلك يقف أمام مصالح الدول الكبرى المصدرة لرأس المال .
– إن هذا الاتفاق يعد أحد الاتفاقيات المتعلقة بالمكونات الأساسية للتجارة الدولية بمفهومها الواسع، حيث يشير إلى الجهود الدولية المبذولة لتوسيع دائرة التبادل الدولي عن طريق إدخالها لمفاهيم والمحددات الخاصة بالحركة الدولية لرؤوس الأموال، وإخضاعها لنفس قواعد الجات لسنة 1994.
الأحكام الرئيسية لاتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة:
 نطاق تطبيق الاتفاق: نصت المادة الأولى من الاتفاق على أنه ينطبق هذا الاتفاق على تدابير الاستثمار
المتصلة بالتجارة في السلع (والبضائع) وحدها، ومن ثمة فإن هذا الاتفاق لا ينطبق على إجراءات الاستثمار غير المتصلة بالتجارة في السلع.
 إجراءات الاستثمار المحظورة طبقا لاتفاق التريميز (TRIMS):طبقا لهذا الاتفاق تعتبر إجراءات الاستثمارات
المحظورة، تلك الإجراءات التي تخالف الالتزام بمبدأ معاملة الاستثمارات الأجنبية بنفس معاملة الاستثمارات الوطنية، أو مع الالتزام بمبدأ الإلغاء العام للقيود الكمية ، وهذا ما نصت عليه المادة الثانية من اتفاق إجراءات الاستثمار التي تنص على أنه: “لا يجوز لأي عضو أن يطبق أي إجراء للاستثمار متصل بالتجارة يتعارض مع أحكام المادة الثالثة بخصوص مبدأ الالتزام بالمعاملة الوطنية أو المادة 11 بخصوص الالتزام بالإلغاء العام للقيود الكمية من اتفاقية الجات1994، حيث لا يوجد هناك انفصال بين الجات واتفاق تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة.
 تدابير الاستثمار المقيدة لحرية التجارة: لايخضع الاستثمار الأجنبي المباشر لقواعد منظمة التجارة العالمية،
ماعدا في قطاع الخدمات وعليه فبإمكان الحكومات اتخاذ تدابير التي تراها مناسبة لتشجيع الاستثمار الأجنبي، وان كان ذلك بشكل تفضيلي وتمييزي، ومن هذه التدابير تأمين الأسس السليمة والشفافة من أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي الذي يعتمد كثيرا على الثبات في المعاملة.
ويمكن تقسيم( )تدابير الاستثمار المقيدة للتجارة إلى قسمين: الأول يتعلق بالمعاملة الوطنية، والثاني يتعلق بالقيود الكمية . وتتخلص أهم الأحكام (المبادئ) التي تعتبر مقيدة لحرية التجارة الدولية فيما يلي:
– مبدأ المعاملة الوطنية: جاء النص على المبدأ في المادة الثانية من الاتفاق حيث منعت الاتفاقية على الدول الأعضاء القيام بتطبيق تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة، والتي تتعارض مع الالتزام بالمعاملة الوطنية المنصوص عليها في الفقرة الرابعة من المادة السابقة من اتفاقية الجات 1994 على النحو الآتي:
– شرط المكون المحلى : ويعني اشتراط قيام المشروع الاستثماري الأجنبي بشراء أو استخدام منتجات محلية المنشأ أم من أي مصدر محلى، سواء كان الشراء محددا بمنتجات بعينها أو بحجم معين أو بقيمة معينة أو في قيمة الإنتاج المحلى للمشروع.
– شروط التوازن التجاري :ويعني تقييد استيراد المشروع الاستثماري الأجنبي أو استخدامه لمنتجات مستوردة من الخارج بكمية معينة تمثل نسبة محددة من حجم أو قيمة ما يصدره المشروع من منتجات محلية.
– حظر القيود الكمية: يحظر الاتفاق أيضا على الدول الأعضاء القيام بتطبيق التدابير أو الإجراءات الاستثمارية المرتبطة بالتجارة، بما يتعارض مع الالتزام بحظر القيود الكمية المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 11 من اتفاقية الجات 1994 والتي تشمل: ( )
-تقييد استيراد المشروع الأجنبي لمنتجات تستخدم في إنتاجه المحلي، أو ترتبط بهذا الإنتاج سواء كان هذا التقييد بصفة مطلقة ، أو مرتبط بما يستورده المشروع من منتجات أو بحجم قيمة ما يصدره المشروع من إنتاجه المحلي، ويعتبر هذا التدبير من متطلبات توازن التجارة التي تؤدي إلى التقييد الكمي للواردات.
-تقييد استيراد المشروع الأجنبي لمنتجات تستخدم في إنتاجه المحلي،أو ترتبط بهذا الإنتاج عن طريق تقييد حصوله على النقد الأجنبي بمبلغ يتناسب مع قيمة النقد الأجنبي التي تتدفق إلى البلد المضيف، ويطلق على هذا التدبير شرط توازن العملات الأجنبية، و الذي يؤدي إلى التقييد الكمي للواردات.
– تقييد قيام المشروع الأجنبي بالتصدير أو البيع من اجل التصدير، سواء كان ذلك محددا بمنتجات بعينها أو بحجم معين أو بقيمة الإنتاج المحلي للمشروع، ويترتب على هذا التدبير التزام المشروع ببيع نسبة معينة من إنتاجه أوحدا أدنى منه في السوق المحلي للدولة المضيفة للاستثمار، ويطلق على هذا التدبير شرط حدود التصدير، وهو يؤدي إلى التقييد الكمي للصادرات.
الضمانات التي نصت عليها الاتفاقية: إن اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة في إطار المنظمة العالمية للتجارة، وباعتباره اتفاقية جماعية دولية يجب أن يتضمن وكأي اتفاق آخر، مجموعة من الضمانات التي تكفل الالتزام الكامل لقواعده، ومن خلال استقراء ما احتوى عليه الاتفاق من أحكام نجد انه قد أشار إلى مجموعة من الضمانات الموضوعية والإجرائية والتي تتماشى مع أهداف هذا الاتفاق.
الضمانات الموضوعية:تختص بكل الأوضاع المتعلقة بمسالة إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة على النحو ( ):
1-. مبدأ خضوع استمرار فرض تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة للرقابة: اعترافا من واضعي اتفاقات الجات بإمكانية وجود أوضاع وظروف تهتم باستمرار فرض التدابير المقيد للاستثمار من قبل الدول النامية ،و الأقل نموا ثم منح هذه الدول الحق في استمرار فرض القيود والتدابير المذكورة، وباعتبار أن الهدف المنشود للمنظمة العالمية للتجارة هو تحرير التجارة الدولية من القيود تكريسا لمبدأ حرية التجارة، إلا انه قد تم النص على مجموعة من القيود التي تتشكل خروجا عن الهدف المنشود.و تتمثل في :
– ضرورة مواجهة الدولة العضو لصعوبات تمنع تنفيذ أحكام الاتفاق.
– ضرورة خضوع طلب مدة الفترة الانتقالية لرقابة مجلس التجارة في السلع، الذي عليه أن يضع في اعتباره في هذا الطلب الاحتياجات الإنمائية والمالية والتجارية للعضو المعني.
02- مبدأ مراعاة أوضاع الاستثمارات الجديدة:أجاز الاتفاق للدول الأعضاء أن تقوم بتطبيق أحكام
الفترة الانتقالية المحددة لإلغاء إجراءات الاستثمار المقيدة للتجارة على المشروعات الاستثمارية الأجنبية الجديدة والتي تنتج منتجات متشابهة لمنتجات مشروعات قائمة من قبل، ولتفادي تشويه ظروف المنافسة بين الاستثمار الجديد والاستثمار القائم لابد من تطبيق هذه الإجراءات بغية توحيد ظروف المنافسة ويشترط لذلك أخطار مجلس التجارة في السلع بإجراءات الاستثمار بالنسبة للاستثمارات الجديدة ، بحيث يتم إلغاء الإجراءات فيما بعد عن المشروعات الجديدة والمشروعات القائمة في نفس الوقت.
03-. مبدأ إنهاء التقييد الدائم الإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة:من أجل تحقيق هذا المبدأ، فقد ألزمت المادة 5 الفقرة 1 من الاتفاق كل الدول الأعضاء في منظمة العالمية للتجارة OMC بأن تقوم بإلغاء الإجراءات أو التدابير القائمة من خلال تشريعاتها المختلفة، والتي تعيق الاستثمار في مجال التجارة، ومن أجل ذلك أوجب الاتفاق المعنى على الدول الأعضاء القيام بإخطار مجلس التجارة في السلع بكافة تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة التي يطبقونها والتي لا تتطابق مع أحكام الاتفاق، وذلك من خلال ثلاثة أشهر من بدء نفاذ اتفاقية منظمة التجارة العالمية، ولمعرفة مدى التقدم من أجل إنهاء التقييد القائم لإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة فانه مما لاشك فيه أن الإخطار سوف يلعب دورا هاما في اختفاء رقابة فعالة من جانب أجهزة المنظمة من جهة، والدول الأعضاء المعنية من جهة أخرى.
04-. مبدأ عدم التحايل أو استغلال الفترة الانتقالية لنفاذ الاتفاق: نصت المادة الخامسة من الفقرة الرابعة من الاتفاق على أنه: “لا يجوز لأي عضو أن يعدل خلال الفترة الانتقالية أيا من التدابير الاستثمار التي قام بالإبلاغ عنها خلال 90 يوما من بدء سريان اتفاقية منظمة التجارة العالمية، ولعل الهدف من ذلك هو منع احتمال استغلال بعض الدول أو تحايلها لفرض تدابير جديدة لتقييد الاستثمار في مجال التجارة، وذلك من خلال منع الاتفاق لتقييد إجراءات الاستثمار التي أدخلت قبل ما يقل عن 180 يوما من تاريخ نفاذ اتفاقية المنظمة وبالتالي عدم الخضوع لأحكام الفترة الانتقالية .
05-. مبدأ التدرج في إلغاء إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة: من أجل مراعاة الأوضاع الاقتصادية لم يسمح الاتفاق للدول الأعضاء الإنهاء الفوري لتلك التدابير، حيث حدد ذلك بموجب مرحلة انتقالية يتم من خلالها إلغاء تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة تدريجيا ومعنى ذلك أنه يتعين على الدول الأعضاء خلال هذه الفترة القيام بإلغاء إجراءات وقوانين الاستثمار التي تتعارض مع أحكام هذا الاتفاق، ومن خلال هذه مدة قدرها سنتين من تاريخ سريان اتفاقية المنظمة التجارة العالمية بالنسبة للدول المتقدمة و5 أعوام بالنسبة للدول النامية و7 سنوات بالنسبة للدول الأقل تقدما.
الضمانات الإجرائية : يتعين عل الدول الأعضاء ،طبقا لما نصت عليه المادة الخامسة من اتفاق الاستثمار اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها أن تضفي وتكفل تحقيق ضمانة شكلية لاحترام قواعد ومبادئ اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة، وتتجلى هذه الإجراءات الشكلية من خلال تنفيذ فحوى المبادئ التالية:
-مبدأ حسن النية: يأخذ هذا المبدأ مجال تطبيقية من خلال التزام كل دولة عضو بأن يجيب على كل الطلبات المقدمة من الأعضاء الأخرى، وهذا من أجل إتاحة الفرصة لمشاركة الجميع مع الأعضاء الآخرين للتشاور في أية مسألة تتعلق بالاستثمار والتي تنشأ بموجب الاتفاق بينهم( ).
-مبدأ مراعاة المصالح الاقتصادية للعضو : يمثل هذا المبدأ سمة مميزة جاءت به اتفاقات الجات ومقتضى هذا المبدأ عدم التزام أي عضو في منظمة التجارة العالمية بالكشف عن أية معلومات يؤدى إفشاؤها إلى عرقلة سريان القانون، أو تكون المعلومات متناقضة للصالح العام أو يمكن أن تسيء إلى المصالح التجارية المشروعة لمنشآت الدول العضو.
-مبدأ الشفافية : ويتحقق هذا المبدأ من خلال قيام الدول الأعضاء بإخطار الأمانة العامة لمنظمة التجارة العالمية بكافة تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة التي تطبقها تلك الدول، وكذلك الأخطار بكل الموضوعات المتصلة بالهدف من الاتفاق على مستوى الحكومة المركزية أو السلطات الإقليمية والمحلية، وذلك خلال مدة 90 يوما من بدء نفاد الاتفاقية.
ومن أجل تطبيق الضمانات السابقة، سواء الموضوعية أو الإجرائية فانه ووفقا لنص المادة السابعة من الاتفاق، فقد تم بإنشاء لجنة مختصة بإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة العالمية وتكون عضويتها مفتوحة لكل الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ، هدفها مراقبة سير وتنفيذ الاتفاق المعني، والقيام بمسؤوليات والمهام التي يعهد إليها أو يحددها مجلس التجارة في السلع، كما تقوم اللجنة المذكورة بالمساعدة والإشراف على مشاورات الأعضاء الخاصة بإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة، وتقوم اللجنة بإعداد تقرير سنوي ترفعه لمجلس التجارة في السلع متضمنا ملاحظاتها حول الأمور الخاصة بتنفيذ الاتفاق.
-اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار:
ظهرت فكرة إنشاء جهاز دولي لضمان الاستثمارات في فترة الخمسينيات من القرن الماضي وذلك بغية تغطية الخسائر الناجمة عن الأخطار السياسية وغير التجارية، التي تتعرض لها المشاريع الاستثمارية التي تزاول الأنشطة الاقتصادية في الدول المضيفة، وفي هذا الصدد تعددت الآراء وتباينت حول خطط ضمان الاستثمار متعددة الأطراف LES PLANS DES GARANTEES DES INVESTISSEMENTS MULTILATERALES، إذ تدور هذه الآراء والمقترحات في مجملها حول أهمية إقامة مؤسسة أو منظمة دولية لضمان الاستثمارORGANISATION INTERNATIONAL GARANTIES DES INVESTISSEMENT ، تعمل وفقا للقواعد المتعارف عليها في القطاع المصرفي ، وتخضع لإشراف وإدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير BIRD باعتباره المؤسسة الدولية الوحيدة المسئولة عن إدارة عمليات الاستثمارات الدولية( )، حيث جرت مناقشة هذه الفكرة في البنك الدولي للإنشاء والتعمير في عدة مناسبات خلال الفترة من عام 1962 إلى 1982 دون اتخاذ أي قرار في هذا الشأن.
كما تم إحياء الفكرة من جديد في خطاب رئيس البنك الدولي كلاوسن في الاجتماع السنوي لمجلس البنك الدولي عام 1982، وبعد دراسات تفصيلية أجراها المختصون في البنك ومناقشات غير رسمية مع المديرين التنفيذيين للبنك ، انتهى العمل بوضع مشروع اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمانالاستثمارAMGI والذي تم إقراره في سبتمبر1985، ولعل من أهم الأسباب والمعطيات التي أدت بميلاد هذه المنظمة ما يلي:
تعتبر فكرة الحماية القانونية والضمان الذي يتحقق عبرها ، أحد أبرز الأسباب التي تحدو بالمستثمر الأجنبي أن يقرر أين ستكون وجهته في العالم النامي بالتحديد ، وخاصة في مجال التنمية( ).و يفضل المستثمر الأجنبي التأمين على استثماراته بواسطة هيئة دولية، حتى وإن كانت دولته تطبق نظاما وطنيا للتأمين على الاستثمار، ويرجع هذا التفضيل إلى أسباب متعددة، أهمها:
– تخفيض أقساط التأمين نظرا لتوزيع عبء الخسائر بين عدد كبير من الدول.
– توحيد شروط التأمين بين الاستثمارات الأجنبية المختلفة، مما يؤدي بالنتيجة إلى المساواة في معاملة تلك الاستثمارات.
– إمكان ضمان المشروعات الدولية المشتركة التي لا تتمتع بجنسية دولة معينة بالذات.
– نظرا للدور الذي يمكن أن تضطلع به هيئة الضمان الدولية في إرساء قواعد قانونية موحدة لمعاملة الاستثمارات الأجنبية.
هذه الفكرة تتمثل في منح المستثمر الأجنبي ضمانات ضد أي مخاطر قد يتعرض لها مشروعه الاستثماري في البلد النامي المضيف ضمانات يتحقق فيها معنى الحماية ضد أي خطر غير تجاري كالحرب أو التأميم أو منع تحويل ناتج الاستثمار إلى الخارج، هذه المخاطر لا تتعلق بالتعامل التجاري ولا تدخل في توقعات الأفراد، وتحققها يعني الأضرار بمصالح المستثمر الأجنبي، بما ينتج عنه أضرار أكبر بمصالح التجارة الدولية فضمان هذه المخاطر يجعل المستثمر بمنأى عنها ويحقق له الأمان القانوني حال تحققها ، ويجعل من المشروع الاستثماري دوما على شاطئ الأمان.
إن فشل( ) النظم القانونية الداخلية التي جاءت لتمنح بعض الضمانات للاستثمارات الأجنبية هي التي شجعت وأنشأت الحاجة لضرورة وجود هيئة ضمان دولية تحقق أمانا أوسع للمستثمر الأجنبي، وتمنح الضمان للاستثمارات من خلال ما قد يتعرض له من مخاطر غير تجارية، ولعل إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار أتى كي يلبي هذه الحماية، فالدول المتعاقدة في هذه الاتفاقية واعتبارا منها للحاجة إلى تعضيد التعاون الدولي في مجال التنمية الاقتصادية ، ودعم مساهمة الاستثمار الأجنبي، وعلى خصوص الاستثمارات الأجنبية الخاصة في تلك التنمية، وإدراكا لما يترتب على رفع المخاوف المتعلقة بالمخاطر غير التجارية من تسيير وتشجيع تدفق الاستثمار الأجنبي إلى الدول النامية، خاصة وأن هذه الأخيرة بحاجة لجذب أي استثمار يحقق لها مطامحها في تحقيق التنمية عبر منح هذه الاستثمارات ميكانيزمات قانونية واقتصادية ووسائل فاعلة وضمانات تحقق للمستثمر اطمئنانا على مشروعه الاستثماري القادم به إلى هذه الدولالنامية، وحوافز من شأنها أن تشجع هذا المستثمر على الإقبال على الاستثمار وهو مطمئن أن هدفه الأساسي وهو الربح سوف يتحقق ضمن إطار هذه المنظومة المتكاملة في هذا البلد المضيف.
وقد تم إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار( )، التي أنشأت بموجب اتفاقية سيول في :12/10/1985، (AMGI) MULTILATERAL DE GARANTEE DES INVESTISSEMENTS AGENCE، تحت إشراف البنك الدولي للإنشاء والتعمير، من أجل تقديم ضمانات مالية للمستثمرينالأجانب ضد المخاطر غير التجارية التي قد تتعرض لها في الدول المضيفة، كوسيلة لتحسين المناخ الاستثماري في الدول النامية ، وتسهيل انسياب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة إليها ، ولم تدخل الاتفاقية حيز التطبيق فعليا إلا في سنة 1987.
نبذة تاريخية عن فكرة إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار AMGI: لقد جاءت أول مبادرة تهدف إلى إنشاء تنظيم دولي لضمان الاستثمار باقتراح من لجنة الخبراء التابعة للجمعية الاستشارية لمجلس أوروبا سنة 1957، وجاء في ذلك الاقتراح إنشاء صندوق الضمان والمعونة المالية ، يغطي الاستثمارات الأوروبية في إفريقيا، وفي نفس تلك السنة طالب نائب رئيس الأمريكي السيد نيكسون (الذي أصبح بعد ذلك رئيسا لبلاده)، إجراء دراسات للنظر في إمكانية إنشاء صندوق دولي لضمان الاستثمار في الخارج، تديره هيئة خاصة لحماية الاستثمارات من أخطار التأميم( )، وتخفيض قيمة العملة أو منع تحويلها وغيرها من الأخطار السياسية.
وفي سنة 1958 تكرس ذلك المطلب في بحث قدمه الأستاذ “روبنسون”، إلى اللجنة الخاصة ببحث سياسة التجارة الخارجية الأمريكية بمجلس النواب الأمريكي، واقترح البحث عن إنشاء شركة دولية من قبل الحكومات والأفراد، وإحدى المنظمات الدولية كالبنك الدولي مثلا( ).
وموازاة لذلك قدم عضو في مجلس الشيوخ الفرنسي اقتراحا مماثلا في نفس السنة ، إلى لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد البرلماني الدولي، الشيء الذي أدى إلى موافقة ذلك الاتحاد على فكرة إنشاء صندوق دولي لضمان الاستثمارات الأجنبية الخاصة تشرف عليه الأمم المتحدة ، وفي نفس السنة اقترحت إنشاء نظام لضمان الاستثمارات الأوربية في الخارج ضد المخاطر السياسية ، تقوم بتنفيذه هيئات وطنية تعيد التأمين لدى وكالة ضمان أوربية تنشأ لذلك الغرض( )، ومن جهة أخرى وافقت الجمعية الاستشارية لمجلس أوربا سنة 1959 على إنشاء صندوق دولي لضمان الاستثمارات الأوربية في إفريقيا، وفي السنة التالية تم نشر العديد من الاقتراحات المتعلقة بإنشاء هيئة دولية لضمان الاستثمارات الأجنبية.
ومن تلك المقترحات ما قدم لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE مثل “اقتراح مافري”و”اقتراح ستراوسن” وغيرهما، ومنها ما قدم إلى غرفة التجارة الدولية مثل ما هو الشأن بالنسبة لاقتراح “فان إيفن”.
أما الاقتراحات الجماعية فمنها مشروع الجمعية الدولية لتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية الخاصة (APDI)، وفي لقاء طوكيو في جويلية من عام1961، قامت مجموعة مساعدة التنميةDAG التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بدراسة عدة اقتراحات تتعلق بموضوع إنشاء هيئة دولية لضمانالاستثمارات ، حيث تم الطلب من البنك الدولي لقيام بدراسة حول النظم الممكنة للضمان الدولي للاستثمار، وتقدم البنك بتلك الدراسة في مارس 1962، وقامت منظمة التعاونوالتنمية الاقتصادية سنة 1963 بالنظر في تلك الدراسة إلى جانب دراسات أخرى منها دراسة الأستاذ متزجر، وفي سنة 1965 تبنت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قرارا حول إنشاء هيئة دولية لضمان الاستثمارات، عرضته على البنك الدولي لكي يضع اتفاقية دولية في الموضوع .
وبعد ذلك شكل البنك لجنة من الديرين التنفيذيين، بدأت بمناقشة المسائل الرئيسة التي يمكن أن يتناولها المشروع المقترح، ثم وضعت مشروع اتفاقية الذي وزع في30-11-1966، وبهدف الزيادة من تعميق الدراسة شكلت لجنة جديدة من المديرين التنفيذيين ناقشت الموضوع بصفة مطولة من مايو 1967 إلى أوت 1968، وتمخض عن تلك المناقشات مشروع ثان تم توزيعه في25 -6-1968، وبعد تعديله تم عرضه على مجلس مديري البنك في 19-8-1968.
وقد توالت الاقتراحات حول مدى أهمية مواصلة مناقشة فكرة تدويل هذه البرامج الوطنية والمضي بها قدما نحو منظمة دولية متعددة الأطراف على المستوى العالمي تكون لها سلطات ضمان الاستثمارات الأجنبية بالخارج بشكل يحل محلها، أو يكمل هذه البرامج الوطنية، وقد جاء في هذا السياق الاقتراح الذي تقدم به تشارلز روبنسون CHARLES ROBINSON( )وحمل فيما بعد اسم PLAN DE ROBINSON في مايو1973، إذ اعتبر أحد هذه الاتجاهات البارزة نحو تدويل البرامج الوطنية والاتجاه بها نحو العالمية.
ثم ظهر بعد ذلك اقتراح أخر حظي هو أيضا بالاهتمام من قبل الأوساط المهتمة بمحيط ضمان الاستثمارات، ويتعلق الأمر باقتراح بيترز جبريل( )PROPOSITION DE GABRIEL وينصرف هو الأخر إلى إنشاء برنامج متعدد الأطراف لتأمين الاستثمارات الخاصة المباشرة ضد الأخطار السياسية أو بالأخص غير التجارية، ويخضع للإشراف المباشر لإحدى الوكالات الدولية المتخصصة.
أما عن تجسيد الفكرة ، فقد ترتب عن إحياءها من طرف رئيس البنك الدولي آنذاك السيد كلاوزن، في أول خطاب له في الاجتماع السنوي لمحافظي البنك سنة 1981 ( ).
وقد وضعت إدارة البنك دراسة بعنوان: الملامح الرئيسية لوكالة الاستثمار الدولية المقترحة، وذلك عل إثر دراسات قام المختصون ومناقشات غير رسمية مع المدراء التنفيذيين ، ليقوم بعد ذلك البنكالدولي بعرضها عليهم في مايو 1984، وإدراج ذلك الاتفاق فيما بعد تعديله ومناقشته في مشروع اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار ، وهو مشروع تم توزيعه في أكتوبر من نفس السنة، وبعد مشاورات مع دول الأعضاء عدل المشروع، وعرض مرة أخرى على تلك الدول في مارس 1985، ثم نوقش المشروع مرة أخرى في الفترة ما بين جوان إلى سبتمبر من نفس السنة من طرف لجنة مشكلة من المديرين التنفيذيين وخبراء من دول الأعضاء.
وقد تم الموافقة على النص النهائي لذلك المشروع في سبتمبر 1985 واصدر توصياته إلى مجلس المحافظين لكي يصدر قرار بعرض الاتفاقية على الدول الأعضاء للتوقيع عليها وهو ما تم بالفعل في 11 أكتوبر 1985 في سويسرا، وقد تقرر دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بعد المصادقة عليها من طرف 20 دولة على الأقل، من بينها 05 دول من المجموعة الأولى (أي الدول المتقدمة).
لكن بشرط أن تبلغ قيمة مساهمات مجموع تلك الدول ثلث رأس الوكالة. وجاءت الاتفاقية مشكلة من15 فصلا وملحقين، تعلق أولهما بالضمانات التي تقوم بها الوكالة وفقا للمادة 24 من الاتفاقية، وتعلق ثانيهما بتسوية المنازعات التي تثور بين الدول الأعضاء والوكالة وفقا للمادة 57 من الاتفاقية، ولقد دخلت تلك الاتفاقية حيز التنفيذ والتطبيق فعلا في سنة 1987.
النظام القانوني للوكالة الدولية لضمان الاستثمار: نصت الفقرة ب من المادة 01 من الاتفاقية على تمتع الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بالشخصية القانونية كالتمتع بالتعاقد وإبرام المعاهدات مع الدول والمنظمات الدولية الأخرى وحق التصرف والتقاضي أمام محاكم التحكيم الدولية والمحاكم الداخلية، وحق تملك العقارات والمنقولات، ولا شك أن التسليم للوكالة بالشخصية القانونية الدولية يعني أهليتها للدخول في علاقات تعاونية مع أشخاص القانون الدولي الأخرى في إطار الغرض منها( ).
كذلك تتمتع الوكالة شأنها في ذلك شأن المنظمات الدولية أثناء ممارستها لعملها في أراضي كل من الدول الأعضاء بالحصانات والامتيازات التي تمكنها من أداء وظائفها، فممتلكاتها وأموالها محصنة ضد إجراءات التفتيش والاستيلاء والمصادرة ونزع الملكية( )، ولا يجوز انتهاك حرمة أرشيفها وأوراقها، وتعفى ممتلكاتها وعملياتها من الضرائب والرسوم الجمركية، لذلك يتمتع العاملون في الوكالة بالحصانة القضائية بالنسبة للأعمال التي يقومون بها بصفاتهم الرسمية شأنهم في ذلك شأن الموظفين الدوليين الآخرين.
-أحكام العضوية.
بالرغم من أن العضوية في الوكالة الدولية مرتبطة ارتباطا وثيقا العضوية في البنك الدولي إلا أنه ليس هناك التزام على أعضاء البنك الدولي بالانضمام إلى عضوية الوكالة، فهي متاحة لجميع الدول الأعضاء في البنك الدولي وسويسرا( )، سواء كانت دولا مصدرة لرأس المال أو مستوردة له حسب ما يتضح من نص المادة 61، الفقرة ب، الخاصة بسريان الاتفاقية، و المادة 35 الخاصة بالتصويت.
مما لا شك فيه أن مبدأ عمومية العضوية وشمولها للفئتين من الدول ، يحقق فائدة مشتركة لهما، فالدول المستوردة للاستثمارات تستطيع من خلال عضويتها في الوكالة الإسهام في إدارتها ورقابتها من الداخل، كما تضمن الدول المصدرة من خلال عضوية الدول المستوردة سلوكا أفضل من جانبها تجاه الاستثمارات الأجنبية، خاصة إذا ترتب على هذه العضوية قبول التزامات معينة في معاملة الاستثمارات ( ).
هذا وقد وضعت الاتفاقية الدول المتقدمة المصدرة لرأس المال في الطائفة الأولى من الجدول أ كأعضاء أصليين في الوكالة بشرط انضمامهم للاتفاقية قبل 30-10-1987، وهي الدول الأعضاء في السوق الأوربية المشتركة: استراليا، كندا، اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية، جنوب إفريقيا.
أما الدول المنتمية للطائفة الثانية فهي الدول النامية ومنها: الصين، الهند، و الدول العربية، ودول وسط وجنوب أمريكا اللاتينية.
كما تنص الاتفاقية على إمكانية انسحاب الأعضاء من الوكالة بعد انقضاء 03 سنوات من الانضمام إليها، وفق المادة 51 من الاتفاقية.
– عوارض العضوية:
يمكن وقف عضوية دولة ما عند الإخلال بالتزاماتها، و تظل الدولة الموقوفة محملة بكافة التزاماتها وفقا لحكام الاتفاقية خلال مدة الوقف( )، كما تتفق الوكالة والدولة التي فقدت عضويتها على الترتيبات الضرورية لتسوي المطالبات والالتزامات المتبادلة بين الطرفين، كما يجب موافقة مجلس الإدارة على تلك الترتيبات( ).
– أهداف الوكالة:
أنشأت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بغية تشجيع تدفق الاستثمارات لغايات تطوير و إنماء البلدان النامية و لأهداف إنتاجية، و لأغراض تكون حافزا للمزيد من عمليات نقل التكنولوجيا، الذي يؤدي في النهاية و عبر الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تنمية حقيقية مستدامة، لا تنمية زائفة، بما يعود بالنفع على جميع الدول الأعضاء، و لعل زيادة المعلومات ورفع مستوى كفاءة الخبرات المرتبطة بعملية الاستثمار تعد عاملا أساسيا لتحقيق مثل تلك الأهداف ( )، في ظل ما يهيمن على عالم التجارة الدولية ضمن إطار من المصالح، فيما يعرف بالنظام العالمي الجديد.
ولا دلالة على ذلك أكثر من محاولة الوكالة الدولية القيام بالوظائف تكون عونا لها في تحقيق أهدافها بتشجيع الاستثمارات الأجنبية عبر إعطائها تأمينات ضد المخاطر غير التجارية التي من الممكن أن تتعرضلها خاصة أن مثل هذه المخاطر تعتبر فوق توقعات الأفراد على عكس المخاطر التجارية التي تدخل دائما في الحسبان، و تخرج عن نطاق ما تصبو إليه الوكالة.
تقوم الوكالة إذن بأية أعمال من شأنها تحقيق أهدافها ومن أجل تشجيع تدفق الاستثمارات، لقد نصت الاتفاقية بوضوح على الأهداف التي تصبوا إليها الوكالة، ويتوجب على الوكالة عند قيامها بالأنشطة المتعلقة بتشجيع الاستثمار أن تستهدف باتفاقات الاستثمار المبرمة بين الدول الأعضاء، وأن تسعى لإزالة المعوقات الماثلة أمام تدفق الاستثمارات بينها، وكذلك تقوم بالتنسيق مع الهيئات الأخرى المعنية بتشجيع الاستثمار الأجنبي( )، ومن أمثلة ذلك المؤسسة الدولية لضمان الاستثمار لتحقق الهدف الرئيسي وهو تشجيع الاستثمار، وذلك بغية تلافي الازدواجية في أنشطة مؤسسات الدولية والإقليمية ولعل المادة الثانية، كانت محددة حينما تحدثت عن هدف الوكالة وأغراضها والتي نصت على أنه:”هدف الوكالة هو تشجيع تدفق الاستثمارات للأغراض الإنتاجية فيما بين الدول الأعضاء، وعلى وجه الخصوص إلى الدول النامية الأعضاء تكملة لأنشطة البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، وشركة التمويل الدولية، ومنظمات تمويل التنمية الدولية الأخرى، وفي سبيل تحقيق هدفها تقوم الوكالة بما يلي”:
– إصدار ضمانات للاستثمارات التي تقدم لإحدى الدول الأعضاء، ضد المخاطر غير التجارية بما في ذلك التأمين المشترك وإعادة التأمين ضد هذه المخاطر.
– القيام بأوجه النشاط المكملة المناسبة التي تستهدف تدفق الاستثمارات إلى الدول النامية الأعضاء وفيما بينها.
– ممارسة أية صلاحيات ثانوية أخرى كلما كان ذلك ضروريا ومرغوبا فيه لخدمة الهدف منها.
كما تختص الوكالة أيضا وفق المادة 23 المخصصة لتشجيع الاستثمار بما يلي:
تقوم الوكالة بإجراء الأبحاث، وبالأنشطة اللازمة لتشجيع تدفق الاستثمارات ، وبنشر المعلومات المتعلقة بالفرص المتاحة للاستثمار في الدول النامية الأعضاء توخيا لتحسين الظروف المتعلقة بتدفق الاستثمار الأجنبي إلى تلك الدول ، ويجوز للوكالة بناء على طلب أي من الأعضاء أن تقوم بتقديم المشورة والمساعدات الفنية فيما يتعلق بتحسين ظروف الاستثمار في إقليم ذلك العضو ، وعلى الوكالة بصدد قيامها بتلك الأنشطة العمل على ما يلي:
-أن تستهدف باتفاقات الاستثمار ذات الصلة بين الدول الأعضاء.
-أن تسعى إلى إزالة العقبات في كل من الدول المتقدمة والدول النامية والتي تعوق تدفق الاستثمار إلى الدول النامية الأعضاء .
-أن تنسق مع الهيئات ا لأخرى المعنية بتشجيع الاستثمار الأجنبي وخاصة شركة التمويل الدولية.
كما تقوم الوكالة أيضا:
-تشجيع التسوية الودية للمنازعات بين المستثمرين والدول المضيفة.
-السعي إلى الدخول في اتفاقيات مع الدول النامية الأعضاء،وعلى الوجه الخصوص عندما تحل محل المستثمرين الذين تعوضهم عن الأضرار التي تصيبهم من جراء التعرض للمخاطر غير التجارية طبقا لعقود الضمان المبرمة وفقا للاتفاقية ( )، الدول التي يتوقع أن تكون من الدول المضيفة، تكفل للوكالة في شأن الاستثمارات التي تضمنها معاملة لا تقل تمييزا عن أفضل معاملة وافق العضو المعني لإضفائها على هيئة ضمان الاستثمار، أو دولة من دول بموجب اتفاقية تتعلق بالاستثمار، وتتعين موافقة مجلس الإدارة بالأغلبية الخاصة على هذه الاتفاقيات.
-تشجيع وحماية الاستثمار وتيسير إبرام الاتفاقيات المتعلقة بالاستثمار فيما بين الدول الأعضاء، على الوكالة أن تهتم بصورة خاصة في مجال جهودها التشجيعية بزيادة حركة الاستثمارات فيما بين الدول النامية الأعضاء.
– المخاطر التي تغطيها الوكالة:
يقتصر ضمان الوكالة للاستثمارات على المخاطر السياسية، ولقد ذكرت اتفاقية سيول أربعة أنواع من تلك المخاطر مع السماح للوكالة لتغطية أخطار أخرى تجارية، بناء على طلب مشترك من المستثمر، والدولة المستقبلة للاستثمار وموافقة مجلس إدارة الوكالة بأغلبية خاصة، حيث نصت المادة 11 من الاتفاقية على المخاطر التي يمكن تغطيتها من قبل الوكالة، ومن أهم المخاطر التي نصت عليها الاتفاقية فهي كالأتي:
 المخاطر المتعلقة بتحويل العملة:
وهي تلك المخاطر الناجمة عن فرض قيود من قبل الدولة المضيفة، والخاصة بتحويل المستثمر للعملة المحلية إلى عملية قابلة للتحويل، أو عملة أخرى مقبولة للمستفيد من الضمان، ويشمل ذلك تراخي حكومة الدولة المضيفة في الموافقة خلال فترة معقولة على طلب التحويل المقدم من المستفيد من الضمان.
ويجب أن تتوفر شرطان لصلاحية هذا الخطر للتأمين عليه من قبل الوكالة وهما:
01- أن تكون القيود المفروضة جديدة، أي تفرض بعد تاريخ عقد الضمان .
02- أن تفرض هذه القيود على العملة التي تمثل عوائد ، أي رأس المال الناجم عن الاستثمار المضمون.
وبالنسبة لعقود الضمان ضد خطر تحويل العملة المحلية إلى عملة أخرى قابلة للتحويل ، فيجب أن يذكر في العقد نوع من العملة الأخرى التي تضمن الوكالة خطر عدم قابلية تحويل العملة المحلية لها ( )..
بصفة عامة، فإن خطر تحويل العملة التي تقوم الوكالة بضمانه يشمل جميع صور القيود التي تفرضها حكومة الدول المضيفة سواء تم فرضها قانونيا أو عمليا، وكذلك القيود التي تفرضها الهيئات العامة وغيرها من الأجهزة العامة للدولة المضيفة.
كما يشمل نص المادة أيضا أحوال تراخي الدول المضيفة في الموافقة خلال فترة معقولة على طلب التحويل المقدم من المستفيد من الضمان.

 مخاطر نزع الملكية:
إن مخاطر نزع الملكية وما شابه ذلك من إجراءات ناجمة عن عمل تشريعي أو إداري أو أي عمل أو امتناع عن عمل تقوم به الهيئات الإدارية في الدول المضيفة، ويترتب عليه حرمان المستثمر من ملكية استثماراته أو من السيطرة عليها، أو من منافعها الجوهرية له.
تحدد لوائح عمل الوكالة هذه الإجراءات بأنها تشمل على سبيل المثال: التأميم- المصادرة- الحراسة الاستيلاء – الحجز- تجميد الأصول .. ، وتشير عبارة ” إجراء تشريعي أو إداري ” الواردة في نص المادة السالفة الذكر، إلى الإجراءات التي تتخذها السلطات التنفيذية، كامتناع الجهات الإدارية عن اتخاذ الإجراءات الواجبة إذا كان ذلك يشكل خرقا للالتزام القانوني مفروض على السلطات الإدارية المختصة سواء كان مصدر هذا الالتزام عقد استثمار، أو القانون الوطني للدولة المضيفة، أو القانون الدولي، ولكن هذه الإجراءات لا تشمل ما تقوم به الهيئات القضائية بصدد قيامها بوظائفها( ) .
كما تستفيد الاتفاقية من نطاق ضمانها الإجراءات ذات التطبيق العام التي تتخذها حكومة الدولة المضيفة من أجل تنظيم النشاط الاقتصادي في الدولة، ويشرط أن لا تنطوي هذه الإجراءات على تمييز يضر بالمستفيد من الضمان.
 مخاطر الإخلال بالعقد:
لقد نصت الاتفاقية على مجموعة جديدة من المخاطر، وتتمثل هذه المخاطر في قيام الدولة المضيفة بخرق التزاماتها التعاقدية مع المستثمر الأجنبي متى أقترن ذلك بإنكار العدالة في إحدى ثلاث حالات يستحق المستثمر التعويض فيها وهي كالآتي ( ):
– عدم وجود هيئة قضائية أو تحكيمية يمكن للمستثمر اللجوء إليها لمتابعة مطالبه العقدية، و إنصافه في مواجهة الدولة المضيفة.
– تأخر الهيئة عن إصدار حكم في موضوع النزاع خلال مدة معقولة وكان التأخير غير مبرر على النحو الذي يحدده عقد الضمان.
– عدم تمكن المستثمر من تنفيذ القرار أو الحكم الصادر لصالحه من الهيئة المذكورة.
وتبدو أهمية هذه المجموعة من المخاطر بشكل واضح بالنسبة للمستثمر، وذلك لأن معظم أنظمة الضمان الوطنية لا تغطيها، ومن ناحية أخرى فإن ضمان هذه المخاطر يعمل على تعزيز الثقة بعقود الاستثمار وتزيد من مصداقية الترتيبات التعاقدية بين الدولة المضيفة للاستثمار والمستثمرين الأجانب و تقوي ثقة الآخرين بأن عقدهم سوف تتم حمايته عند قيام الدولة المضيفة بمحاولة الإخلال بتلك العقود من جانبها.
 مخاطر الحرب والاضطرابات الأهلية التي تجتاح الدولة المضيفة:
يقصد بهذه المخاطر الثورات والتمرد والانقلابات، وما يماثلها من الأحداث السياسية التي تتميز بخروجها من سيطرة الحكومة المضيفة، غير أن نص الاتفاقية لا يشمل الأعمال الإرهابية والأنشطة المماثلة التي تستهدف المستفيد من الضمان بعينه، والتي يجوز تغطيتها طبقا لأحكام المادة 11 فقرة ب، وعلى كل حال يجب أن يكون الدافع من وراء هذه الاضطرابات والفتن، تحقيق أغراض سياسية وإيديولوجية لكي تكون صالحة لضمان الوكالة الدولية.
ويعني ذلك استبعاد الأضرار الناتجة عن أعمال شخصية أو انتقامية فردية من نطاق ضمان الوكالة، وبذلك تكون مؤسسات الضمان الدولية كالوكالة الدولية، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار والتي قامت بسد النقص الموجود في مؤسسات الضمان الوطنية والتي يقتصر الضمان فيها فقط على الحرب والثورات.
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن الوكالة يمكن أن توسع من نطاق ضمانها لتغطية أنواع محددة من المخاطر غير التجارية ، وذلك بناء على طلب مشترك يقدمه كل المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار ، وبشرط موافقة مجلس الإدارة بالأغلبية الخاصة ، وبشرط ألا تتعلق هذه المخاطر بالأضرار الناجمة عن إعادة العملة أو انخفاضها ، كما استبعدت الاتفاقية من نطاق الضمان كافة الخسائر الناتجة من إجراءات وأحداث وقعت قبل إبرام عقد الاستثمار أو عقد الضمان ، أو عن الإجراءات الحكومية التي سبق وأن سبق عليها المستثمر أو كان مسئولا عنها( ).
الفرع الثاني: الجهود الإقليمية.
تمثل هذه الجهود حلا وسطا بين الفشل الدولي في التوصل إلى اتفاقية دولية متعددة الأطراف بشأن وضع إطار قانوني شامل لتنظيم معاملة الاستثمارات الأجنبية، وبين المقاربة الثنائية لإبرام اتفاقيات حماية وتشجيع هذه الاستثمارات، التي تتميز بأنها تراعي مصلحة أطرافها في المقام الأول أكثر من الاهتمام بوضع الإطار المذكور.
تتم هذه الجهود الجماعية الإقليمية بين دول تتمتع بقدر كبير من التجانس من حيث الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والثقافية في تسهيل حركة رؤوس الأموال فيما بينها من أجل تحقيق المصلحة المشتركة وتعزيز التكامل الاقتصادي فيما بينها( ).
البند الأول: محاولات تنظيم النشاط الاستثماري على مستوى دول تنتمي لتقسيم القاري.
من بين أهم هذه الاتفاقيات نذكر:
أولا : على مستوى دول تنتميلنفس القارة.
-على الصعيد الأوروبي:
بعد الحرب العالمية الثانية أفاقت أوروبا على نفسها وهي تعيش أوضاعا سيئة، فقد دمر اقتصادها نتيجة الحرب ومزقت وحدتها بين السيطرة الأمريكية على الأجزاء الغربية، والسيطرة السوفيتية على الأجزاء الشرقية، وكذلك وجدت عوائق تجارية كانت تحد من التبادل التجاري بين الدول الأوروبية الغربية، بالإضافة إلى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية الذي أدى إلى الحد من حجم التجارة الخارجية، وبدأت أوروبا في البحث عن حلول للخروج من هذا المأزق، فوجدت أن الحل يكمن بالسير في الطريق باتجاه التكامل الاقتصادي بين البلدان الأوروبية.
وأثبت التكامل الاقتصادي الأوروبي تقدما ملحوظا خلال الخمسين عاما الماضية، وذلك بضم المزيد من الدول الأوروبية في تكتلات اقتصادية، فمثلا الجماعة الاقتصادية الأوروبية(EEC)، بدأت بست دول أعضاء والآن تحتوي على 25 دولة عضو جميعها من الدول الأوروبية، وفي عام 1948 شكلت كل من بلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا إتحادا جمركيا أطلق عليه البنلوكس (BENELUX).
وفي عام 1951 أسست دول البنلوكس الثلاث بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا جماعة الفحم والفولاذ الأوروبية، التي كانت تعتني بتنسيق الإنتاج والتوزيع وبعض الأشياء الأخرى التي تتعلق بها هاتين الصناعتين في الدول الست المذكورة، بالتوقيع على اتفاقية باريس عام1951، ولكن هذه الدول الست 06 (بلجيكا/ هولندا /لوكسمبورغ/فرنسا/ ألمانيا الغربية/إيطاليا )، قامت لاحقا بتطوير التعاون بينها إلى أبعد الحدود ، وذلك بالتوقيع على معاهدة روما عام 1957، وهي معاهدة تتعلق بتأسيس الجماعة الاقتصادية الأوروبية والتي أصبحت تعرف باسم: السوق الأوروبية المشتركة لسنة 1956.
 اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة لسنة 1956: لقد ورد في اتفاقية روما الخاصة بإنشاء السوق الأوروبية
المشتركة ، التأكيد على تنظيم العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول الأعضاء ، في حين لم تكن هناك مبادرة بشأن وضع قواعد تنظم الاستثمار الأجنبي بصفة مباشرة، وعموما فقد كان من أهم بنود( ) معاهدة روما لعام 1957 المتعلقة بتأسيس الجماعة الاقتصادية الأوروبية كالأتي:
– إلغاء الرسوم الجمركية ونظام الحصص بين الدول الأعضاء .
– إزالة عوائق التي تحول دون انتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال بين الدول الأعضاء .
– توحيد التعريفة الجمركية التي تتعامل بها الدول الأعضاء مع العالم الخارجي، ووضع سياسة موحدة في مجال التجارة الخارجية والزراعة والنقل.
– تطبيق إجراءات تسمح بالتنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية لدول الأعضاء.
ويذكر أن دول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي لم تتمكن من تكوين سوق أوروبية مشتركة وموحدة على الكيفية التي خططت لها “معاهدة روما” في سنة 1957، إذ لم تكتمل الوحدة الجمركية بين الدول، كما لم يتم تحرير حركة العمل ورأس المال بين هذه الدول بالكامل ، ولذلك وضع برنامج وإجراءات قابلة للتنفيذ تؤدي إلى خلق السوق الأوروبية مشتركة وموحدة ، وتتكون السوق الأوروبية الموحدة لعام 1992 من مجموعة بنود رئيسية ولعل من أهمها:
– عدم فرض قيود جمركية وغير جمركية جديدة في مواجهة الدول الأعضاء لبعضها البعض والتفرغ لإزالة مجموعة القيود الفعلية القائمة.
– تحويل الحدود الدولية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي تعيق حرية حركة الأفراد والسلع والخدمات ورؤوس الأموال إلى حدود دولية موحدة ومشتركة لجميع الدول الأعضاء وتسمح بحرية مرور السلع،الخدمات وعناصر الإنتاج.
أما في مجال الاستثمارات فلم تكن المجموعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي) تتناول قضية الاستثمارات الأجنبية إلا بطريقة عرضية وذلك من خلال كون الدول الأعضاء طرحت القضية فيما يتعلق بتحقيق الحريات الأساسية في الاتفاقيات، وخاصة حرية تنقل الأموال، وقد ثار جدال وتساؤل حول علاقة الفصل الرابع بمدى إلغاء أو ترك التنظيمات الوطنية المتعلقة بإنشاء الاستثمارات وتصفيتها، وتحدد اللجنة الأوروبية ثلاث ميادين للتنظيم الدولي للاستثمارات وهي:
– قبولالاستثمارات(Admission).
– المعاملة الوطنية للاستثمارات الأجنبية.
– والإجراءات التي تتضمن احترام التزامات اتجاه المستثمرين وهذا ما بجسد نظرة مشمولة ( Globalisation)، من حيث عدد المشاركين ومن حيث الدلالة.
إن اللجنة الأوروبية بصدد الدراسة الشاملة، ترى أن الأمر لا يتعلق بالبحث عن حل لمشكلة الاتحاد الأوروبي، أو لمشكل ما بين دول الأعضاء بل تتعلق بالتفاوض حول حل لمشكلة شاملة تهم كافة الدول على حد سواء، وهي مشكلة تنظيم الاستثمارات الدولية بأوجهها المتعددة، التي من بينها إنشاء والتصفية والمعاملة والعلاقة بين حرية الاستثمار، وحرية التجارة والمنافسة وحل النزاعات، أي أن الأمر يتعلق بكامل النظام القانوني للاستثمارات، ومدى وجود قواعد دولية موحدة ومنظمة لها .
 منظمة التجارة الحرة الأوروبية (EFTA) لسنة 1960: تأسست منظمة التجارة الحرة الأوروبية عام 1960،
من سبع دول أوروبية غربية وهي (المملكة المتحدة – النمسا – الدانمارك – النرويج – البرتغال – السويد – سويسرا)، وانضمت فنلندا إلى هذه المنظمة كعضو مزامل (ASSOCIATE – MEMBER) لا يتمتع بكامل الحقوق والامتيازات عام1961، وقد حققت إيفتا تجارة حرة في مجال البضائع الصناعية 1967، ولكنها اتخذت قليلا من التدابير الاحتياطية الخاصة بخفض العوائق على تجارة المنتجات الزراعية، ولقد احتفظت كل دولة بنظامها الخاص ضد العوائق التجارية اتجاه الدول غير الأعضاء في ايفتا (EFTA)، مما أدى إلى انحرافات تجارية (TRADE-DEFFECTIONS) بين الدول الأعضاء( ).
وهذا يشير إلى دخول البضائع المستوردة من بقية دول العالم إلى الدولة العضو ذات التعريفة الجمركية المنخفضة في إيفتا (EFTA)، وذلك لتجنب دفع الرسوم الجمركية المرتفعة التي تفرضها الدول الأعضاء الأخرى ويتطلب مقاومة انحراف التجارة التحقق من البلد المنشأ التي تصنع فيه السلع المستوردة، والبلد الأخير الذي تصل إليه هذه السلع وبطبيعة الحال فإن هذه المشكلة لا تكاد تظهر في الإتحادالجمركي، لأن الدول الأعضاء في الإتحاد تفرض ضريبة موحدة خارجية على الواردات من العالم الخارجي تجنبا لحدوث الازدواج الضريبي .
وهذا كله يعطي دفعا قويا نحو نمو الاستثمارات الأجنبية وتدفقها، وبالتالي تسهيل حركة انتقالها فيما بين الدول الأعضاء والعالم الخارجي. وفي سنة 1970 انضمت “أيسلندا” مع انسحاب “المملكة المتحدة” و”الدانمارك” عام 1973، لتصبح “فنلندا” دولة دائمة كعضو كامل العضوية سنة 1986.
وفي سنة 1991، كانت الإيفتا (EFTA) تظم سبع دول أعضاء وهي: “النمسا- فنلندا- أيسلندا- لايجبستنسيتن- النرويج – السويد – سويسرا ” ، ويقع مركزها الرئيسي في جنيف، وقد عملت هذه المنظمة (EFTA) على توحيد التعريفة الجمركية والسماح بحركة حرة لمعظم السلع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال ، وهو ما أدى في الأخير إلى إعطاء نوع من شبه المعاملة التنظيمية للاستثمار .
-على الصعيد الإفريقي:
إن من أبرز الاتفاقيات التي حضيت من قبل التنظيمات الإقليمية الإفريقية نجد:
 اتفاقيات المعونة المتبادلة وضمان القروض: والتي قامت بإبرامها المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا ( )،
والتي تمت على مستوى وسط إفريقيا وذلك بتاريخ 09-06-1966 عن طريق مجموعة من الدول إفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية وهي : “ساحل العاج- فولتا العليا- داهومي – النيجر- الطوغو”، بإبرام اتفاقية أيبجان عام 1973 تم بموجبها إنشاء هيئة دولية عامة تمثلت في “صندوق المعونة المتبادلة وضمان القروض” مقرها أبيجان.( )
وتعتبر هذه الاتفاقية صورة من صور اتفاقيات الجماعية الإقليمية لرؤوس الأموال الأجنبية، وقد جاء في ديباجتها :”أنه ورغبة في منح أقصى قدر من الضمان والأمان للرساميل الأجنبية المستثمرة في إقليم هذه البلدان، تنشأ هيئة دولية عامة مقرها أبيجان وتعرف بصندوق المعونة المتبادلة وضمان القروض “.
حيث تقوم الهيئة المذكورة بضمان القروض الأجنبية التي تحصل عليها الدول الأعضاء وهيئاتها العامة أو المشروعات الخاصة التي يكون مركزها القانوني ونشاطها الأساسي في أقاليم الدول الأعضاء ، شريطة أنتكون الأموال محل الضمان مخصصة لتمويل المشاريع الاقتصادية المنتجة ، والتي تساهم في بناء الأسس الاقتصادية للدول المتعاقدة ، وتتشكل موارد الصندوق المخصصة لضمان القروض من مساهمات الدول الأعضاء وعائدات استثماراته المالية ، والعملات التي يحصل عليها من عمليات الضمان التي يقوم بها والمنح والإعانات ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصندوق تلقى إعانة من صندوق المعونة والتعاون الفرنسي بقيمة 100 مليون فرنك فرنسي( ).
 اتفاقية تشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتحاد المغرب العربي: تم إبرام هذه الاتفاقيـة تطبيقا لنص
المادة 03- فقرة 03 من “معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي” المبرمة في 17-02-1989، وتهدف هذه الاتفاقية حسب نص المادة الأولى منها: ” تشجيع انتقال رؤوس الأموال المملوكة لمواطني الاتحاد بين الدول الأعضاء، التي تتعهد بتمكين المستثمر من الحصول على التسهيلات والضمانات المقررة بموجب هذه الاتفاقية على أساس المعاملة المنصفة والعادلة ( )”.
وتعتبر تجربة إنشاء اتحاد المغرب العربي النموذج العملي لدراسة الأسس الخاصة للاستثمارات الأجنبية في إطار الاتفاقيات الجهوية متعددة الأطراف، حيث بدأت هذه التجربة بالتوقيع على معاهدة الإنشاء بمراكش بتاريخ: 08-02-1989، وقد قامت هذه الاتفاقية بتنظيم الاستثمار الأجنبي من خلال:
– توقيع اتفاقية منع الازدواج الضريبي المؤرخة في 23-07-1990، والتي لها أهمية خاصة على الاستثمارات الأجنبية الخاصة بين الدول الأعضاء ، بحيث يعفى المستثمر من أداء الضريبة في البلد المضيف متى أداها في البلد المصدر.
– توقيع اتفاقية جمركية حول إلغاء الرسوم الجمركية على البضائع المحددة في الاتفاقية المؤرخة في09-03-1991.
– إنشاء منظمة حـرة للتبادل قبل تاريخ جانفي 1992.
– إنشاء وحـدة جمـركية قبل تاريـخ جانفي 1995.
– إنشاء وحدة اقتصادية مندمجة كليا قبل جانفي 2000.
إلا أن أهم الاتفاقيات التي لها علاقة مباشرة بالاستثمارات المتبادلة تتمثل في اتفاقية تشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتحاد الموقعة في الجزائر بتاريخ 23- 06- 1990، والمصادق عليها من قبل الدولة الجزائرية بموجب المرسوم الرئاسي رقم90/420 المؤرخ في 22-12-1990.
وتقوم هذه الاتفاقية على الأسس التالية( ):
– الاعتماد على معيار الجنسية في منح ضمانات الاستثمار حيث يستفيد منها بالخصوص المواطن الحامل لجنسية أحد الأطراف المتعاقدة.
– حرية الاستثمار كما نص عليها الفصل الثاني من الاتفاقية بحيث يلتزم العضو المتعاقد لتشجيع انتقال رؤوس الأموال المملوكة لمواطني الدول الأخرى ويشجع على استثمارها بكل حرية في كافة المجالات غير الممنوعة على مواطني البلد المضيف.
– المعاملة المنصفة والعادلة للمستثمر المنتمي إلى إحدى الدول المتعاقدة.
ويذكر أنه قد ظهرت بعض المحاولات الضعيفة جدا في إطار بعض المنظمات الإقليمية الإفريقية، والتي لم ترى النور وتتمثل في:
– جماعة شرق إفريقيا الاقتصادية التي تأسست في 1967 من كينيا، تنزانيا، أوغندا، حيث انهارت هذه المنظمة عام 1977.
– منظمة التجارة التفضيلية لشرق وجنوب إفريقيا وتضم 19 عضوا، تمتد من السودان شمالا إلى لموزنبيق جنوبا، وأنشأت عام 1981، وقد جاءت هذه المنظمة بغية وضع برنامج لتأسيس اتحاد جمركي قبل نهاية العقد.
-على الصعيد الأمريكي:
وتنقسم أهم الاتفاقيات الإقليمية على الصعيد الأمريكي إلى قسمين:
 على مستوى أمريكا اللاتينية (تقنين الأنديين):قامت مجموعة من دول أمريكا اللاتينية كـ”بوليفيا، الشيلي، كولومبيا، الإكوادور”، بغية تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها، ومحاولة الشركات متعددة الجنسيات بأقاليمها، فأصدرت بهدف تحقيق ذلك تقنينا لتنظيم الاستثمارات الأجنبية، عرف باسم تقنين مجموعة الأنديين (ANDEAN).
ولقد تناول ذلك التقنين كل المسائل التي تطرحها الشركات المتعددة الجنسيات، حيث يندرج هذا التقنين في إطار سياسة التكامل الإقليمي للبلدان المذكورة، الهادفة إلى الحد من النفوذ الأجنبي، وجعل الاستثمارات الأجنبية تساهم بفعالية في دفع عجلة التنمية الاقتصادية لتلك البلدان، وبذلك تجسدت أهداف( ) التقنين المذكور فيما يلي:
– تحويل المشاركة الأجنبية في المشاريع الاستثمارية إلى أقليـة.
– إبعاد الاستثمارات الأجنبية عن القطاعات الحيوية للاقتصاد.
– تنمية التكنولوجيا الوطنية لتحل محل التكنولوجيا الأجنبيـة.
وتتجلى الخطوط العريضة التي جاء بها تقنين مجموعة الأنديين فيما يلي( ):
 معاملة الاستثمارات الأجنبية:
يميز تقنين أندين في مجال معاملة الاستثمارات الأجنبية بين نوعين منها : الاستثمارات القائمة والاستثمارات الجديدة.
 فيما يخص الاستثمارات القائمة: يهدف التقنين المذكور إلى جملة من الأهداف:
– تخفيض المساهمة الأجنبية في القطاعات الاقتصادية الحيوية بغية تكريس اضمحلال التبعية الاقتصادية ، وتحقيق الهدف المنشود المتمثل في السيادة الوطنية.
– السماح بنسبة كبيرة للمساهمة الأجنبية في القطاعات الأخرى غير الحيوية ، شريطة استمرارها بشرط تنازل عن المزايا الممنوحة لها، والتي لا تتمتع بها الاستثمارات المحلية وتحدد التنظيم القطاعات التي يجب نقل المساهمة فيها إلى 20% قبل 01-07-1979، وهي القطاعات التجارة الداخلية بالجملة، والاتصالات والمواصلات الداخلية،كما يمكن للدول إضافة قطاعات أخرى ترى فيها من شأن المحافظة على سيادتها الوطنية أن يتحول فيها رأس المال الأجنبي إلى أقلية .
– تنظيم البنوك التجارية الأجنبية من خلال النص على وجوب وصول نسبة المشاركة الأجنبية خلال السنوات الثلاث التالية لسريان التقنين إلى أقل من 20% وإلا فقدت الشركة حق تلقي الودائع المحلية.
 فيما يخص الاستثمارات الجديدة: لقد تم تحديد المجالات المفتوحة أمامها،حيث تضمن التقنين التزاما يقع على
عاتق المستثمر الأجنبي، يتم من خلاله التوقيع على اتفاق التنازل التدريجي، حيث حصر الاستثمار في خمسة 05 قطاعات حيوية: التجارة الداخلية – الخدمات العمومية(كالنقل الداخلي ،المياه ، الكهرباء ،الصحة..) – قطاع الاتصالات- قطاع الخدمات المالية(كالتأمين- البنوك -…) – المنتجات الأخرى التي يكون تصنيعها مقتصرا على “بوليفيا والإكوادور”.
نلاحظ هنا عدم ضم قطاع استغلال الثروات الطبيعية إلى القطاعات المحظورة على الاستثمارات الأجنبية، من خلال وضع قيد على الشركة التي تريد الاستثمار في هذا المجال أو القطاع لتخلي عن الامتيازات المحصل عليها، غير أن للدول حرية عدم تطبيق تلك الأحكام.
هذا وتعمل الشركات الأجنبية في قطاع المحروقات حسب شروط هي أن يسمح بالاستثمار حتى 01 -07-1981، وأن يكون في إطار عقود امتياز البترول والغاز المبرمة لمدة 20سنة، مع السعي إلى إشراك المشروعات العامة في الامتيازات، كما أنه يمكن منع الاستثمار الأجنبي في تلك المجالات وقصرها علىالشركات المحلية أو المشتركة التي تعرف بالاتفاق الثنائي المشترك ( )، أو على أن يتم تحويله للقطاع العام بقرار من اللجنة المختصة أو من طرف الدولة العضو في التقنيين.
 مراعاة الطبيعة الاقتصادية للنشاط محل التنظيم:
لقد احتوى تقنين الأنديين على بعض المرونة مثل إعطاء الدول الأعضاء أو اللجنة إمكانية منح استثناءات فيما يتعلق بالتنازل التدريجي مثلا، أو فيما يتعلق بالقطاعات غير المفتوحة لرأس المال الأجنبي، أو القطاعات المسموح مشاركة رأس المال الأجنبي فيها ، على أن تخضع تلك الاستثناءات لشرط الحصول على مقابل مثل التخلي عن مزايا سبق منحها للشركة أو وجود ضرورة ملحة للشراكة الأجنبية.
وبغية إضفاء آلية المراقبة فقد تم إقامة مكاتب للرقابة وكذا وضع مجموعة من القواعد التي توجه الاستثمارات الأجنبية من خلال الحصول على التراخيص في المجال المفتوحة فيها، وكذا وضع قواعد تتعلق بإعادة تصدير رؤوس الاموال إلى الخارج، وما يتعلق بالاستدانة.
وتكمن الطبيعة القانونية للتقنين في كونه يتميز بأنه قرار ملزما للدول الأعضاء قرارا تنظيميا المترتب عن السلطة التنظيمية للمنظمة الدولية ، ورغم الطبيعة الإلزامية للتقنين إلا أن ذلك لم يمنع من مواجهة صعوبات حول تطبيقه.
 نقل التكنولوجيا:
لقد فرض تقنين أندين بصدد عمليات نقل التكنولوجيا ، مجموعة من القيود في مجال : التراخيص ورسوم الابتكار والعلامات ، حيث أوكل مهمة تنظيم تلك العمليات إلى مكاتب الرقابة ، وذلك بالحصول مشاريع الاستثمار على الموافقة المبدئية من تلك المكاتب أو الحصول على التراخيص .
وعموما لا يتم الترخيص باتفاقيات نقل التكنولوجيا إذا كانت تتضمن شروطا يتم بموجبها خلق ارتباط دائم بالمنتجات الأجنبية أو توريد خدمات أجنبية، كما يمنع اشتراط استثناءات على القيود المتعلقة بتصدير المنتجات التي يشملها الترخيص أو ما شابهها.
ونفس الشيء بالنسبة لحق الشركات المرخص لها بتحديد سعر البيع أو إعادة البيع ، والنفقات المتعلقة بالحقوق الخاصة بالعلامات والبراءات غير المستخدمة، أو بإخضاع النزاعات للقضاء الأجنبي للدولة المصدرة للتكنولوجيا ،كما يحظر التقنين استخدام التكنولوجيا المنافسة .
كما يلح التقنين للدول الأعضاء بضرورة رفع مستوى التكنولوجيا المحلية ، بحيث يخول اللجنة وضع برنامج محدد يهدف إلى تجميع مصادر التكنولوجيا الدول الأعضاء ، والاستفادة من الاستثمارات التي تجري في مراكز البحث الوطنية والمشتركة ، كما تم العمل على وضع قانون لحماية الملكية الصناعية .
 تنظيم الشركات المتعددة الجنسيات المنتسبة للدول الأعضاء ذاتها:
أصدر التقنين قرار رقم 46 المؤرخ في: 1971 والمعدل في سنة 1982بالقرار رقم 169 والخاص بتنظيم الشركات المتعددة الجنسيات الجهوية والمتمثلة فيما يلي( ):
– أن يكون تأسيس تلك الشركات من طرف مواطني دول مجموعة الأنديين وبمساهمة 60 % على الأقل من طرف رعايا دولتين أو أكثر من دول المجموعة، وهي نسبة رفعها القرار رقم 169 لسنة 1982 إلى 80 % على أن يبقى للدول مقر الشركة تحديد الحدين الأعلى والأدنى لنسبة المشاركة الأجنبية في النسبة المتبقية .
– يجب منح المعاملة الوطنية لتلك الشركات في ميدان معدلات الائتمان وإعادة الاستثمار وتصدير الأرباح، وكل المزايا الأخرى المقررة في نطاق مجموعة الأنديين، إضافة إلى عدم خضوع تلك الشركات للقواعد المتعلقة بالتنازل التدريجي التي تخضع لها الشركات الأجنبية .
– يجب أن يظهر دور المساهمة الإقليمية في التوجيهات المالية والإدارية والتجارية والفنية لتلك الشركات.
– يجب أن يكون هدف تلك الشركات تحقيق التكامل الاقتصادي والتنمية بين الدول الأعضاء ، مع العمل على تنسيق برامجها مع مخطط التنمية في البلدان الأعضاء.

– على مستوى أمريكا الشمالية (اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية “NAFTA”) :
بدأت فكرة النافتا – وتعني اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية- بالظهور في عهد “الرئيس جورج بوش الأب” الذي تميز اقتصاده بالركود، وأخذت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن حل للخروج من حالة الركود الاقتصادي إلى حالة الانتعاش، فوجدت أن الحل يكمن في تشجيع التجارة الدولية باعتبارها الإلية التي تحرك النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمار، وعملا بذلك فكرت الولايات المتحدة الأمريكية في إنشاء اتفاقية للتجارة الحرة بينها وبين دولة كندا والمكسيك.
وبالرغم من أن وجود فكرة اتفاقية تتعلق بتجارة السيارات الحرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا منذ عام 1965 ، إلا أن البلدين لم تتمكنا من التوصل إلى اتفاقية حرة شاملة وعلى المستوى الاقتصاد القومي كله والاستثمارات خاصة إلا في عام 1988، حيث تم التفاوض والاتفاق على اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية “NAFTA”،والتي بدأ سريان مفعولها في 01-01-1994، حيث قامت هذه الاتفاقية على إزالة الضرائب بين الدول الثلاث الأعضاء على مدى 15عاما، وفي نفس الوقت قامت بتخفيض العوائق غير الضريبية.
وفي مجال الاستثمار ( )، قامت اتفاقية “NAFTA” بإلغاء القوانينالاكتفاء المحلي المكسيكية ، وتم السماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في المكسيك ، ولأول مرة لقيت الشركات الأمريكية نفس المعاملة التي تلقتها الشركات المكسيكية ، أي العمل بمبدأ أو قاعدة المعاملة الوطنية للاستثمارات الأجنبية ، وقد وافقت المكسيك على إلغاء شروط التصدير التي ترغم الشركات على التصدير كشرط لسماح لها بالاستثمار .
وقد ظهرت محاولات إقليمية أخرى على الصعيد الأمريكي، إلا أنها باءت كلها بالفشل ونخص بالذكر:
-السوق المركزية لأمريكا الوسطى “CACM”:حيث قام بتأسيس هذه السوق مجموعة من الدول عام 1960 وهي (كوستاريكا– السلفادور-جواتيمالا- هندوراس -نيكاراغوا)، وقد حلت هذه السوق في عام 1965، ثم أعيد تكوينها عام 1990.
-منظمة التجارة الحرة لدول أمريكا اللاتينية “LAFTA”:أسست هذه المنظمة بواسطة المكسيك ومجموعة من الدول اللاتينية حيث يضم كل من الدول التالية:(بوليفيا، الإكوادور، الشيلي، كولومبيا، لبيرو، فنزويلا)، حث كانت تسعى هذه الدول إلى تحقيق تكامل اقتصادي بينها، وإنشاء سوق مشتركة إلا أنه في عام 1980 حلت محله منظمة التكامل الأمريكي”LAIA”.
-السوق المشتركة للمخروط الجنوبي(MERCOSUR): تشكلت هذه السوق من دول الأرجنتين والبرازيل ولباراغواي ولأورغواي في عام 1990، حيث أنشأت اتحاد جمركي عام 1995، وانضمت إليها بوليفيا والشيلي عام 1996.
-على الصعيد الأسيوي:
تتعدد أشكال المنظمات الإقليمية في أسيا، والتي سعت إلى محاولة تكوين اندماج اقتصادي بينها وتسهيل حرية حركة انتقال رؤوس الأموال بينها، ولكن سنركز تناولنا هنا فقط على منظمة إقليمية برزت على الصعيد الأسيوي وهي رابطة جنوب شرقي أسيا (الآسيان).
 رابطة جنوب شرقي أسيا(الآسيان):ارتبطت نشأة رابطة الآسيان بمجموعة متغيرات إقليمية وعالمية شاهدتها
منطقة جنوب شرق أسيا في الستينات، كان أبرزها ظهور التكتلات الاقتصادية العملاقة وبداية ظهور دول جنوب شرق أسيا كقوة اقتصادية متنامية تسعى لإيجاد دور لها على الساحة العالمية، ومنافسة التكتلات الاقتصادية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي، وبالرغم من أن بداية الرابطة كانت اقتصادية بحتة إلا أنها شكلت تقدما ملحوظا حيث جاءت أهداف ومبادئ الرابطة معبرة على هذا الاندماج – الجانب الاقتصادي – .
وقد جاءت البداية من خلال التوقيع على المعاهدة الخاصة بإنشاء رابطة أمم جنوب شرقي أسيا(الآسيان) في أغسطس 1967، كتجمع اقتصادي لمواجهة التهديد الشيوعي في جنوب شرقي أسيا (والذي مثلته بصفة رئيسية فيتنام في ذلك الوقت)، حيث ضمت الدول المؤسسة كل من (اندونيسيا – ماليزيا – الفلبين- سنغافورة – تايلندا- )، وانضمت إليهم سلطنة بروناي عام 1984، وفيتنام عام 1995، ولاوس وميانمار عام 1997، وكمبوديا عام 1999، وقد ظلت الآسيان منظمة إقليمية محدودة الفعالية إلى أن أخذت طريقها الجدي نحو تحقيق مزيد من الفاعلية على المستويين الإقليمي والدولي، وهو ما تحقق في “اجتماع بالي باندونيسيا” عام 1976 بحضور رؤساء الدول وحكومات الدول الخمس المؤسسة، وفي الاجتماع الثاني في “كوالالامبور” عام 1977 حيث شكل هذان الاجتماعان نقطة تحول في تاريخ الرابطة.
ومع بداية التسعينيات اتجهت الرابطة إلى إنشاء شبكة هائلة من المؤسسات، فضلا عن تدعيم العلاقات الاقتصادية والثقافية على النحو الذي جعلها أكبر أقاليم العالم الثالث ازدهارا .
ففي 28 يناير 1992 تم التوقيع على “إعلان سنغافورة” لإنشاء منطقة التجارة الحرة لدول الآسيان، بهدف الوصول بالتعريفة الجمركية إلى صفر في المائة 00%، وحددت أهدافها بحيث تشمل تحرير التجارة في منطقة الآسيان، وصولا إلى إسقاط الحواجز الجمركية، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتكييف الرابطة مع الأوضاع الاقتصادية الدولية، وقد كان الموعد المحدد للانتهاء من هذه الخطوات عام 2003، إلا أنه في اجتماع وزراء اقتصاد الدول الأعضاء في 28أفريل1995 تم الاتفاق على الإسراع بتخفيض الرسومالجمركية بهدف إنشاء منطقة التجارة الحرة قبل عام 2003، وهو ما تحقق في 24 نوفمبر 2000، بتوقيع “اتفاقية الجات”، وبموجب هذه الاتفاقية ستعمل الرابطة على إزالة جميع الرسوم الجمركية على السلع التقنية، وتطوير اتصالات الانترنت السريعة للغاية، وزيادة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية فيما بين الدول الأعضاء، والعمل على إزالة كافة القيود التي تعترض سبيل تطور ونمو الاستثمارات الأجنبية، كما هو الحال بإلغاء الازدواج الضريبي.
-على مستوى دول لا تنتمي لنفس القارة:
 التنظيم الإقليمي الأفريقي الأوروبي للاستثمارات الأجنبية: لقد ظهرت مجموعة من الاتفاقيات الأفريقية
الأوروبية في إطار محور الجهود الجماعية الإقليمية المتعددة الأطراف ويذكر أن هذه المحاولات لم تتم على مستوى القارة ذاتها وإنما ظهرت بالاتحاد جهود دول مختلفة من قارات مختلفة ، ولقد ورد في القسم الرابع من اتفاقية روما الخاصة بإنشاء السوق الأوروبية المشتركة ، التأكيد على تنظيم العلاقة بين السوق المشتركة وبين الدول النامية ما وراء البحار ، مما يعني أن الاتفاقية الأفريقية الأوروبية جاءت كتجسيد لاتفاقية روما ، ويرتكز العمل التنظيمي فيها على أساس إطلاق حرية تنقل رؤوس الأموال والأشخاص فيما بين الجانبين مع منح تسهيلات تجارية وجمركية للسلع الواردة من الدول النامية المعنية دون المعاملة بالمثل.
وتعتبر اتفاقية ياوندي واتفاقية لومي الإطار التنظيمي لهذه العلاقة الإقليمية المتعددة الأطراف.
-الاتفاقية ياوندي: وقد مرت على مرحلتين هما:
 الاتفاقية الأولى: أبرمت عام 1963 بياواندا عاصمة الكاميرون بين منظمة السوق الأوروبية المشتركة و18
دولة نامية، من بينها 17 دولة إفريقية ومدغشقر، وعرفت باسم اتفاقية ياوندا .
 الاتفاقية الثانية: أبرمت عام 1969، وانضمت بموجبها ثلاث دول وهي: كينيا ، أوغندا ، تنزانيا ، وعرفت
باتفاقية اروشا، وفي عام 1975 وبعد مفاوضات شاقة شاركت فيها منظمة الوحدة الإفريقية انتهى إلى تنازل السوق الأوروبية المشتركة عن بعض الشروط خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الزراعية، وكذلك التفضيلات المطبقة بين انجلترا ودول الكومنولث.
اتفاقية لومي: تم إبرام هذه الاتفاقية بين السوق الأوروبية المشتركة وبين 46 دولة نامية من إفريقيا والبحر الكاريبي والمحيط الهادي والمحيط الهندي، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في بداية سنة 1976، وفي أكتوبر سنة 1979 جددت الاتفاقية لفترة 05 سنوات وعرفت باتفاقية لومي الثانية، وما تميزت به اتفاقية لومي الثانية عن سابقاتها هو إنشائها لصندوق موازنة أسعار التصدير (STABEX)، الذي يقضي بالتزام دول السوق بتعويض الدول النامية عن الأضرار التي تتعرض لها صادراتها من جراء انخفاض معدلات أسعار تلك الصادرات، وقد خصص لذلك مبلغ 375 مليون وحدة أوروبية خلال سريان مدة الاتفاقية التي حددت ب خمسة 5 أعوام. ( )
أن ما يميز هذه الاتفاقيات في مجال الاستثمارات الأجنبية أنها عملت بمبدأ حرية تنقل رؤوس الأموال والأشخاص والتمويل عن طريق القروض التي يقدمها بنك الاستثمار الأوروبي وصندوق التنمية الأوروبي( ).
وبعد بروز ظروف دولية جديدة من خلال انتشار حركات التحرر في معظم الدول النامية، وبالأخص في إفريقيا وأسيا، ونظرا للمزايا الاقتصادية التي حققتها السوق الأوروبية المشتركة كان لها صدى واسعأكسبها الخبرة التي مكنتها من السعي نحو توسيع النطاق الجغرافي للدول المنتسبة للسوق من خلال فتح المجال للانضمام دول أخرى، وهو ما حدث بالفعل في نهاية السبعينات، حيث بلغ عدد الدول المنتسبة 74 دولة خلال اتفاقية لومي الثالثة ( )، ومن بين الدول النامية التي كانت تحظى بثقل وتمركز كبير في علاقاتها المالية والتجارية مع المجموعة الأوروبية هي: (نيجيريا- زائير- زامبيا – الكاميرون- الغابون- ليبيريا- وجزر القمر) ، وتتراوح النسبة التي تحصل عليها هذه الدول بين 60-70%، حيث انفردت نيجيريا لوحدها ب 30% .
 التنظيم الإقليمي العربي الأوروبي للاستثمارات الأجنبية:
لقد ارتكزت أسس العلاقة بين الدول الأوروبية والعربية في مجال تنظيم الاستثمار على المستوى الإقليمي المتعدد الأطراف من خلال إبرام مشروع اتفاقية خاصة بحماية وتشجيع المتبادلة فيما بينهما ويقوم مشروع الاتفاقية على مبدأ الحماية ضد المخاطر غير التجارية، وقد نصت المادة 12 منها على:” إذا تعرضت استثمارات شركات أو مواطني إحدى الدول المجموعتين العربية والأوروبية لدى دولة من دول المجموعة الأخرى لخسائر ناجمة عن الحرب أو أي عمل عسكري أخر ، أو نتيجة لاضطرابات الأهلية العامة كالثورات والانقلابات والفتن وأعمال العنف ذات الطابع العام يكون لها نفس الأثر، فإن الدولة المضيفة للاستثمارات التي لحقها الضرر تلتزم بالتعويضات المناسبة في حدود المعاملة التي تتلقاها شركاته أو مواطنوها ممن قد يصيبهم أضرار مماثلة أو في حدود المعاملة التي تتلقاها شركات ومواطنو دولة من الغير، أيهما أفضل “( ) .
ويتجلى الإطار القانوني لمشروع هذه الاتفاقية فيما يلي :
-اعترافه بمبدأ سيادة الدولة على إقليمها من خلال إقراره لحق اتخاذ أي إجراء تراه الدولة المضيفة ضروريا ، حتى وإن كان التعامل الدولي وقواعد القانون الدولي العرفي يلزمان الدولة التي تتخذ مثل هذه الإجراءات أن تراعي في ذلك القواعد التي وضعتها الأعراف الدولية في مجال أخذ ملكية الأموال الأجنبية، مثل مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الاستثمارات المؤممة أو المنزوعة، وعليه إن مشروع الاتفاقيات العربية الأوروبية لحماية وتشجيع الاستثمار، لم يمنع الدول الأعضاء من اتخاذها لإجراء من إجراءات التأميم أو نزع الملكية، أو ما شابه ذلك إزاء الاستثمار الأجنبي المتواجد على إقليمها تحقيقا للمصلحة العامة، شريطة الالتزام بالتعويض .
– يقوم مشروع الاتفاقية على شروط وقيود أخذ الملكية، وهو ما تضمنته المادة 3 -الفقرة الثانية التي نصت على أنه: “ليس لأي طرف أن يتخذ تدابير تحرم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أحد مواطني الطرف الأخر من ممتلكاته ما لم يستوفي الشروط التالية:
– أن تكون التدابير المتخذة تستهدف الصالح العام وبموجب القانون – ألا تتصف التدابير المتخذة بالتمييز بين المستثمرين- أن تتضمن التدابير المتخذة النص على دفع تعويض عادل ، حيث يمثل هذا التعويض القيمةالحقيقية للممتلكات ويجب دفعه دون تأخير وبالكيفية التي يكون فيها مؤثرا وفعالا للمواطن الذي يستحقه( )”.
– استبعاد أعمال العنف الفردية ، والاضطرابات الداخلية التي تحدث داخل المشروع أو بسبب العاملين فيه ، وقد ميز مشروع الاتفاقية بين الأضرار الناجمة عن عنف سياسي وبين الأضرار التي يكون مصدرها عنف مبني على مطالب مهنية أو تجارية ، فهذه الأخيرة لا تعد من قبل المخاطر السياسية ، وبالتالي لا تحظى بالحماية وفقا لمشروع الاتفاقية .
– يختلف التعويض حسب مشروع الاتفاقية باختلاف نوع وطبيعة المخاطر:
– بالنسبة للمخاطر الحروب والثورات، فقد اكتفى مشروع الاتفاقية بتطبيق مبدأ التعويض وفقا لما يقره قانون الدولة المضيفة، وشرط الدولة الأولى بالرعاية ، بحيث يتم التعويض على أساس مبدأ الحد الأدنى من المعاملة.
– أما المخاطر المتعلقة بالتأميم ونزع الملكية والاستيلاء، أو أي إجراء مشابه تتخذه الدولة المضيفة يكون التعويض فيها مساويا للقيمة الفعلية للاستثمار وعائداته، وبالعملة التي تم الاستثمار بها أو بعملة يرتضيها المستثمر.
وعليه فمشروع الاتفاقية تركت السلطة التقديرية للدولة المضيفة، ولتنظيمها الداخلي في التعويض عن الأضرار الناجمة عن مخاطر الحرب والثورات، وغيرها من المخاطر التي لا ترتبط في وقوعها بفعل إرادة السلطة العامة للدولة، في حين حدد كيفيات التعويض وشروطه بالنسبة للمخاطر الناتجة على الإرادة المباشرة لسلطات الدولة، كالتأميم ونزع الملكية والاستيلاء، وغيرها من صور إجراءات أخذ ملكية المال الأجنبي.
البند الثاني: محاولات تنظيم النشاط الاستثماري في إطار دول لا تخضع للتقسيم القاري.
-على المستوى العربي:
لقد خاضت الدول العربية تجربة الاتفاقيات الإقليمية متعددة الأطراف في مجال حماية وتشجيع الاستثمارات العربية ، وتأتي الاتفاقية( ) الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية في طليعة هذه الاتفاقيات من حيث موضوعها كإطار عام لتنظيم. الاستثمار بين الدول العربية كدول مصدرةلرؤوس الأموال، ودول مستوردة له، كما ظهرت من قبل اتفاقية تشجيع رؤوس الأموال العربية وانتقالها بين الدول العربية سنة 1970، وقد تمخض عن ذلك إنشاء المؤسسة العربية لضمان الاستثمار التي تم توقيعها في 02-05-1971 ( ).
 اتفاقية إنشاء المؤسسة العربية لضمان الاستثمار لسنة 1971: إذا كانت المحاولات والجهود الدولية الإقليمية
التي بذلت في بداية النصف الثاني من القرن العشرين لإنشاء جهاز دولي لضمان الاستثمارات الأجنبية ، لم يكتب لها النجاح ( )، فقد نجحت على النطاق الإقليمي العربي، حيث أسفرت المحاولات العديدة عن ميلاد المؤسسة العربية لضمان الاستثمار1971، والتي تعد أول نموذج إقليمي لهيئات الضمان الدولية في العالم المعاصر .
وقد تم الإعداد لمشروع الاتفاقية المنشئة لهذه المؤسسة من قبل الصندوق الكويتي للتنمية العربية في عام 1968، وذلك بعد أن أقره مؤتمر خبراء التمويل العرب في يونيو 1970، وتم التوقيع على الاتفاقية في 03 مايو 1971 في الكويت من قبل خمس دول عربية وهي (الأردن- السودان- الكويت- سوريا – مصر) ، ثم توالت التوقيعات عليها حتى أصبح عدد الدول العربية الموقعة عليها الآن 22 دولة عربية، لتصبح الاتفاقية نافذة بمجرد أن صادقت عليها خمس دول عربية اكتتبت في %60 من رأس المال المؤسسة ( ).
وتعد المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أول مؤسسة ضمان إقليمية دولية في العالم تخضع للقانون الدولي، وتقبل بصفة أساسية الاستثمارات العربية من الدول المصدرة والمستوردة لرؤوس الأموال وتظم دولا مختلفة النمو ذات أنظمة سياسية واجتماعية مختلفة( ).
 هدف المؤسسة العربية:
يتضح من نصوص الاتفاقية المنشئة للمؤسسة أن الهدف البعيد التي تسعى المؤسسة إلى إدراكه هو تشجيع انتقال رؤوس الأموال العربية المتعاقدة لتمويل جهودها الإنمائية لصالح شعوبها ، ودعم علاقتها الاقتصادية في إطار من التعاون الفعال( )، وذلك من خلال تقديم ضمان مالي للمستثمر العربي الذي يستثمر أمواله في قطر عربي أخر غير بلده ، بحيث يدفع له تعويض عند تعرض استثماره للمخاطر غير التجارية التي حددتها الاتفاقية( ) .
 ماهية المستثمر طالب الضمان:
عملية الضمان: لكي تقوم المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بتقديم ضمانها للاستثمارات داخل الدولة العربية المضيفة لها، والوفاء بالتزاماتها اتجاه المستثمر المؤمن له، فلابد أن يكون هناك عقد أو اتفاق فقد ابرم بين المؤسسة كهيئة ضامنة وبين المستثمر العربي المضمون، ثم تقوم المؤسسة بعد إبرام العقد بإصدار ما يسمى بـ” الضمانة “.
وتعرف عملية الضمان بأنها :” تعهد من جانب الهيئة الضامنة بأن تتحمل عن المستثمر المتعاقد معها الخسائر الناجمة عن نوع محدد أو كل المخاطر التي قد تتعرض لها استثماريته في الخارج تشجيعا له على القيام بهذا الاستثمار”( ).
شروط الضمان: لكي توفر المؤسسة العربية ضمانها للمستثمر العربي، فلا بد من توافر عدة شروط: نصت عليها المادة 17 من اتفاقية إنشاء المؤسسة على أنه:
– يشترط في المستثمر الذي يقبل طرفا في عقد التأمين أن يكون فردا من مواطنين الأقطار المتعاقدة، أو شخصا اعتباريا تكون حصصه أو أسهمه مملوكة بصفة جوهرية لأحد هذه الأقطار أو لمواطنيها، ويكون مركزه الرئيسي في أحد هذه الأقطار ويشترط في جميع الأحوال ألا يكون المستثمر من مواطني القطر المضيف.
– تتضمن عقود التأمين ما يجيز للمؤسسة تعديل العقد أو فسخه، أو اتخاذ أي إجراء مناسب أخر إذا تخلف بعد إبرام العقد شرط من الشروط الواردة في الفقرة السابقة، إلا أنه يجب أن تتوافر هذه الشروط عند مطالبة المستثمر بما يستحقه من تعويض عن الخسائر المؤمن عليها.
– إذا تعددت جنسيات المستثمر يكفي أن تكون إحداها جنسية أحد الأقطار المتعاقدة، فإذا كان التعدد ما بين جنسية أحد هذه الأقطار وجنسية القطر المضيف يعتد بهذه الأخيرة.
 الاستثمارات الصالحة للضمان:
نصت الفقرة الأولى من المادة 15 من الاتفاقية على أن الاستثمارات الصالحة لضمان المؤسسة تشمل كافة الاستثمارات ما بين الأقطار المتعاقدة سواء كانت من الاستثمارات المباشرة بما في ذلك المشروعات وفروعها ووكالاتها وملكية الحصص والعقارات أو من استثمارات الحافظة بما في ذلك ملكية الأسهم والسندات، وكذلك القروض التي يجاوز أجلها ثلاث سنوات أو القروض ذات الأجل الأقصر التي يقرر المجلس على سبيل الاستثناء صلاحيتها للتأمين.
يتضح من النص السابق أن ضمان المؤسسة يشمل( ):
– الاستثمار المباشر: يتمثل في ملكية المستثمر لكل أو بعض رأس مال مشروع خاضع لسيطرة المستثمر، سواء اتخذ المشروع شكل المنشأة أو نشاط مملوك كليا للمستثمر أو بالمشاركة مع الغير أو يكون المستثمر شريكا في شركة تضامن .
– المساهمة في رأس مال شركة:ويمثل في ملكية المستثمر لأسهم أو حصص في رأس مال الشركة.
– الاستثمار غير المباشر: ويتمثل هذا الاستثمار في القروض سواء طويلة أو متوسطة الأجل والتي لا تقل مدتها عن ثلاث سنوات، والتي يقدمها المستثمر إلى مشروع قائم في أحد الدول الأعضاء في المؤسسة.
– ضمان معدات مقاومات:كالمعدات التي يستخدمها مقاول ينتمي لأحد الأعضاء لتنفيذ عقد في دولة عربية أخرى، بشرط أن تكون تلك المعدات مستوردة من خارج الدولة التي يجري فيها التنفيذ أو مشتراة من سوقها المحلية بعملة محولة من الخارج أو قابلة للتحويل للخارج.
– ضمان ائتمان الصادرات: أي القروض المرتبطة بعمليات التصدير والاستيراد فيما بين الدول الأعضاء حتى ولو قل أجلها عن ثلاث سنوات، إذا كانت تتعلق بتصدير مواد أوليةمن منتجات إحدى الدول الأعضاء أو بسلع يتم تصنيعها كليا أو جزئيا في هذه الدولة أو تم تجميعها أو تشكيلها فيها مادام قد ترتب على ذلك عائد اقتصادي واضح لتلك الدولة.
كما يلاحظ أن الاتفاقية قد توسعت في مد ضمانها للاستثمارات ولم يقتصر ضمان المؤسسة على الاستثمارات الخاصة فحسب، بل إن الاتفاقية اعتبرت الاستثمارات المختلفة وكذلك الاستثمارات العامة التي تعمل على أسس تجارية من بين الاستمارات الصالحة للضمان( ).
 المخاطر الصالحة للضمان:
 المخاطر السياسية: أشارت المادة 18- الفقرة أ- 1 من الاتفاقية إلى هذه المخاطر حينما نصت على أن
التأمين الذي توفره المؤسسة يغطي كل أو بعض الخسائر المترتبة على تحقق واحد أو أكثر من المخاطر غير التجارية التالية: اتخاذ السلطات العامة بالقطر المضيف بالذات أو بواسطة إجراءات تحرم المستثمر من حقوقه الجوهرية على استثماره، وخاصة المصادرة والتأميم وفرض الحراسة ونزع الملكية والاستيلاء الجبري ومنع الدائن من استيفاء حقه أو التصرف فيه وتأجيل الوفاء بالدين إلى أجل غير معقول.
ونلاحظ من هذا النص أن الاتفاقية قد توسعت في ذكر المخاطر السياسية بضمانها، والتي يمكن أن يتعرض لها الاستثمار الأجنبي، سواء كان الاستثمار مباشرا كملكية المشروع كاملا أو المساهمة في ملكية حصص منه، أو استثمارا غير مباشر كالقروض المقدمة لحكومة الدولة المضيفة أو إحدى هيئاتها العامة.
إن ضمان المؤسسة يغطي كافة صور التأميم السائدة في العمل الدولي، سواء كان التأميم إنمائيا أو إصلاحيا أو إيديولوجيا، فقيام الدولة المضيفة بتأميم الاستثمار المضمون أمر يوجب الاستحقاق التعويض إذا أدى ذلك إلى حرمان المستثمر المضمون من حقوقه الجوهرية على استثماراته، ويصرف النظر عن مشروعية طابع الإجراء أو مدى مخالفته للقانون، فالاتفاقية أوجبت ضرورة التعويض بمجرد تحقق الخسائر الناجمة عن الخطر المؤمن ضده دون وصف أخر.
ومما لاشك فيه أن قيام المؤسسة بضمان مثل هذه المخاطر يتفق مع أهداف المؤسسة من حيث مد حمايتها إلى أكبر قدر من الأخطار، الأمر الذي يزيد من فعالية دورها في تحريك رؤوس الأموال العربية وتشجيعها على الاستثمار في المنطقة العربية.
 مخاطر العجز عن تحويل العملة( ): نصت المادة 18- الفقرة1 – ب من الاتفاقية على أنه: يغطى التأمين
الذي توفره المؤسسة كل أو بعض الخسائر المترتبة على تحقق واحد أو أكثر من المخاطر غير التجارية التالية :(اتخاذ السلطات العامة بالقطر المضيف بالذات أو بواسطة إجراءات جديدة تقيد بصفة جوهرية من قدرة المستثمر على تحويل أصول استثماره، أو دخله منه أو أقساط استهلاك الاستثمار إلى الخارج)، ويشمل ذلك التأخير في الموافقة على التحويل بما يتعدى فترة معقولة، كما يشمل فرض السلطات العامة عند التحويل سعر صرف يميز ضد المستثمر تمييزا واضحا.ولا يدخل في نطاق هذا الخطر الإجراءات القائمة بالفعل عند إبرام عقد التأمين، كما لا يدخل فيه إجراءات التخفيض العام لسعر الصرف أو أحوال انخفاضه .
ويمكن لخطر العجز عن تحويل العملة أن يتخذ ثلاث صور( ) بينتها المادة 18- الفقرة 1 – ب من الاتفاقية ونصوص عقد الضمان التي أبرمتها المؤسسة:
الصورة الأولى: تتمثل في رفض السلطات العامة في القطر المضيف تحويل مستحقات المستثمر المضمون من العملة المحلية إلى الخارج بعملة قابلة للتحويل أيا كان نوعها ولا يهم شكل الرفض، فقد يكون صريحا أو ضمنيا وعلى أي حال فالخطر يتحقق من اليوم الذي يتم فيه الرفض، ولكن التعويض لا يكون مستحقا للمستثمر المضمون إلا بعد مرور 90 يوما من تاريخ الرفض أو تسلم العملة أيهما جاء لاحقا.
الصورة الثانية: تتمثل في التأخير في الموافقة على تحويل العملة المحلية المستحقة للمستثمر المضمون إلى خارج القطر المضيف بما يتعدى فترة معقولة، وقد حددت عقود الضمان المختلفة هذه المدة ب90يوما، تبدأ من اليوم الذي تم فيه تقديم طلب التحويل مستوفيا شروطه أو من تاريخ تسلم العملة المحلية .
ويمكن اشتراط مدة أطول من 90يوما وذلك في حالة التأخر في الموافقة على التحويل، ولاشك أن هذا الأمر له ما يبرره، حيث أن التأخير يرجع في أغلب الأحيان إلى أسباب تتعلق بالبيروقراطية وسوء الإدارة الحكومية التي يواجهها المستثمرون العرب في أكثر من البلدان العربية المضيفة للاستثمارات، كما يرجع التأخير إلى عدم توافر العملات القابلة للتحويل لدى الدولة المضيفة.
أما في حالة الرفض فقد اكتفت العقود بمرور60 يوما فقط من تاريخ الرفض، أو تسلم العملة لقيام الخطر على أساس أن ذلك الموقف يفيد اتخاذ الدولة المضيفة لإجراء من شأنه تقييد حقوق المستثمر على استثماره.
الصورة الثالثة: تتمثل في قيام سلطات القطر المضيف بفرض سعر صرف تمييزي ضد المستثمر عند التحويل ، ويتحقق ذلك في حالة لو تعذر على الطرف المضمون خلال 60 يوما من تاريخ الموافقة على التحويل أو من تاريخ استلام العملة المحلية أيهما جاء لاحقا لإجراء التحويل عن طريق مشروع بسعر الصرف لا يقل عن 99 % من سعرا لصرف المعني يوم نشأة الخطر.
ويقصد بسعر الصرف :” السعر الرسمي المعتمد من المصرف المركزي في القطر المضيف للاستثمار، والذي ينطبق على تحويلات المستثمرين الأجانب فيما يتعلق بالعائد على استثماراتهم، وفي حالة تعدد أو تغير سعر الصرف في نفس يوم تحويل، فإنه يأخذ بمتوسط أسعار الصرف المطبقة لدى المصارف الرئيسية في القطر المضيف، وعند تعذر الكشف عن سعر الصرف في اليوم المعني تطبق القواعد السالفة في أقرب يوم سابق يتاح فيه تطبيقها.”
ويلاحظ أخيرا أن الاتفاقية قد استبعدت من نطاق خطر العجز عن التحويل بصفة عامة إجراءات التخفيض العام لسعر الصرف أو أحوال انخفاضه، كما أن الضمان لا يشمل الخسائر المترتبة على التضخم أو تخفيض العملة، وأساس استبعاد هذه المخاطر من نطاق ضمان المؤسسة أنها تعد من المخاطر التجارية التي يجب على المستثمر توقعها في الحسبان.
ومما تجدر الإشارة إليه أن خطر العجز عن التحويل قد تتعرض له الاستثمارات المباشرة، وغير المباشرة على حد سواء، حيث أن المستثمر المضمون يعجز في كلا الحالتين عن تحويل أمواله إلى خارج الدولة المضيفة أيا كانت الصورة التي يتخذها هذا المال، سواء كانت أرباحا أو أقساط استهلاك أو أصل القرض وفوائده.
 مخاطر الحرب والاضطرابات الأهلية: تنص المادة 18- الفقرة ج من الاتفاقية على أن يغطي التأمين الذي
توفره المؤسسة كل أو في بعض الخسائر المترتبة على تحقق واحد أو أكثر من المخاطر غير التجارية الآتية:
-“كل عمل عسكري صادر عن جهة أجنبية أو عن القطر المضيف تتعرض له أصول المستثمر المادية تعرضا مباشرا ، وكذلك الاضطرابات الأهلية العامة كالثورات والانقلابات والفتن وأعمال العنف ذات الطابع العام التي يكون لها نفس الأثر “.
يتضح من نص المادة السالفة الذكر، أن المؤسسة العربية تلتزم بتغطية الخسائر المترتبة على تحقق كل عمل عسكري يصدر عن جهة أجنبية أو عن القطر المضيف للاستثمار والتي تتعرض له الأصول المؤمن المادية تعرضا مباشرا، ورغم أن الاتفاقية لم تنص على الحرب كأحد المخاطر التي تقوم المؤسسة بضمانها، إلا أن الأعمال العسكرية قد تكون حروبا أو ثورات، ومن ثم فقد تواترت عقود الضمان المختلفة التي أعدتها المؤسسة على إدراج الحروب، وما يماثلها من مخاطر كالثورات أو أعمال العنف ذات الطابع العام، ولا شك أن الهدف من الاتفاقية والعقود هو حماية الاستثمارات التي يملكها المواطنون العرب من أي ضرر يصيبها.
ولكي يمتد( ) ضمان الاتفاقية إلى خطر الحرب أو الثورات، فيجب أن تكون الأخيرة قد تعرضت لأصول المستثمر المادية تعرضا مباشرا، أما الأصول غير المادية لاستثمار الطرق المضمون كالحسابات والنقود والمستندات وكذلك الأوراق التجارية والمالية فلا يشملها الضمان.
-على المستوى الإسلامي:
تعود نشأة منظمة المؤتمر الإسلامي إلى عام 1969، وذلك في القمة الإسلامية بالرباط، حيث تم إقرار ميثاق المنظمة في المؤتمر الثالث لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة عام 1978، وقعته ثلاثون دولة إسلامية ، وقد انبثق عنه إنشاء البنك الإسلامي للتنمية بجدة .
وبموجب إبرام اتفاقية إنشاء المنظمة المؤتمر الإسلامي( ) التي وقعت عليها الدول الإسلامية بهدف تشجيع انتقال رؤوس الأموال، والاستثمارات بين الدول الأعضاء، وتحدد الاتفاقية المبادئ الرئيسية لتشجيع انتقال رأس المال بين أعضاء المؤتمر، وحماية استثماراتها ضد المخاطر غير التجارية ، وضمان إعادة تحويل رأس المال المستثمر وأرباحه إلى الخارج ، وأصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول ابتداء من فيفري 1988، كما شاركت في تأسيس المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات ، وذلك في الاجتماع السنوي الثالث المنعقد بتاريخ :19-02-1992 بمدينة طرابلس بليبيا، ويتكون رأس المال هذه المؤسسة من جزأين : 50% يكتتبه البنك الإسلامي للتنمية ، %50 الباقية يكتتبه باقي الأعضاء .
ويتمثل هدف هذه المؤسسة هو توسيع نطاق العمليات التجارية ، وتدفق الاستثمارات بين الدول الأعضاء ، ومن أجل تحقيق أهدافها تقدم المؤسسة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية تأمين الصادرات أو إعادة التأمين بالنسبة للسلع التي تتوافر فيها الشروط المحددة في الاتفاقية ، وذلك بأن تدفع لحملة سندات التأمين تعويضا معقولا بالنسبة للخسارة الناجمة عن المخاطر المحددة في الاتفاقية ، أو المخاطر التي يحددها مجلس الإدارة ، وعموما يقوم المؤتمر الإسلامي للتنمية على ما يلي:
 ضمان معاملة متساوية وغير تمييزية بين جميع الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي .
 عدم الاقتصار على التعريفات الجمركية بل يجب أن تمتد بصورة تدريجية لتشمل التسهيلات شبه جمركية وغير جمركية.

الفرع الثالث :جهود الأنظمة القانونية الوطنية لتنظيم الاستثمار.

البند الأول: الأنظمة الوطنية لحماية وتشجيع الاستثمار.

تتعدد مظاهر التأطير القانوني لعملية الاستثمار عموما داخل الدولة بين القانون الإداري والقانون التجاري ، بالإضافة إلى تقنينات الاستثمار باعتبارها قوانين خصوصية .
فبالنسبة للقواعد القانون الإداري التي تحكم عملية تنظيم النشاط الاستثماري فتتجلى في:
 منح التراخيص الخاصة بالاستثمار (تقديم وثيقة الترخيص) .
 التدخل بشأن كل ما يتعلق بتنظيم إقامة الأجانب، والقوانين التي تخصص بعض النشاطات للقطاع العام أو
للمواطنين ، كذلك أحكام الرقابة على الأسعار وكل التشريعات الاجتماعية وقوانين البناء.
ويتدخل القانون التجاري بالأحكام التي تنظم الشركات على الخصوص ، حيث توضح حقوق وواجبات الخاصة بالشركات الأجنبية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتكريس المعاملة التمييزية بين الشركات الوطنية والشركات الأجنبية، ويختلف الشكل القانوني للشركة، حسب مشاركة الدولة في رأس المال الشركة، وهنا تتباين معاملة الشركة وفق مدى مشاركة الدولة المستقبلة أو عدم مشاركتها، كما يتدخل القانون التجاري أيضا عن طريق الوثائق الضرورية لإنشاء أو عمل الشركة، وبالمساهمات توزيع رأس المال وطرق التمويل بين الأجنبي والمحلي ، وقروض وعتاد مستورد ومحلي، كما يطرح من جهة أخرى تنظيم الشركة من سلطات مجلس الإدارة وصلاحيات الجمعية العامة وقضايا المحاسبة ، ونشاط الشركة التجاري ، هذا إضافة إلى مسألة إنهاء الشركة والطبيعة القانونية له (إنهاء قضائي أو إداري، ونقل الأموال الناتجة عن الإنهاء)( ).
غير أن ما يهم هنا في هذه الدراسة هو تقنينات الاستثمارLES CODES DES INVESTISSEMENTS ، حيث تهدف قوانين الاستثمار إلى التحكم في النشاط الاقتصادي من جهة وإلى دفع التنمية من جهة أخرى ، وقد شعرت البلدان النامية إلى ضرورة التحكم في اقتصادها بهدف تحقيق المخططات الاقتصادية ، وحماية شركاتها الوطنية أمام المنافسة الدولية، خاصة في مرحلة الانطلاق، وذلك بفرض التزامات على المستثمرين الأجانب، غير أنها في المقابل هي بحاجة إلى رؤوس الأموال ، وإل القدرات الأجنبية لبناء وتطوير اقتصادها بغية تغطية النقص في الرأس المال المحلي ، وبالتالي وضع أحكام تحتوي على ضمانات قانونية ، وامتيازات تشجيعية لتلك الاستثمارات.
 الطبيعة القانونية لتقنينات الاستثمار الداخلية:
تتسم أغلبية التقنينات الخاصة بالاستثمار بكونها أنظمة قانونية محددة ، وغالبا ما تضعها السلطات التشريعية داخل الدولة ، وقد يظهر التقنيـن في شكـل قانـون، وأحيانـا في شكـل أمـر (ORDONNANCE)، أو مـرسـوم (DECRET)، أو قـرار (ARRETE)، أو تنظيم (REGLEMENT).
ونشير من جهة أخرى إلى أن التقنينات تتسم بالتنوع ( ) والاختلاف في أحكامها، ولا تقتصر عبى مجال قانوني معين، بل تجمع أحكاما من القانون التجاري وأخرى من القانون الجبائي والجمركي، وأحكاما من قانون العمل، كما تحتوي التقنينات على عنصر الخارجية (EXTERIEURITEE ) ، حيث تستلهم عناصر من القانون الدولي ، وخاصة فيما يتعلق بنقل الملكية وحل النزاعات بالنص على التحكيم ، أو اختصاص قضاء أجنبي ما ، وعلى الرغم من أن التقنينات ذات طابع تشريعي ، فهي تترك جزء من المبادرة للمعنيين في وضع قرار الترخيص بالاستثمار، والتي غالبا ما تأتي من قبل الطرف الخاص عن طريق العناصر التعاقدية التي يحملها الترخيص، وهي عناصر تظهر بشكل جلي في اتفاقيات الاستثمار بين الحكومة والشركات الأجنبية.كما تكتسي التفنينات بالطابع السياسي ، إذ أن التجارب أظهرت مدى تأثر مختلف التقنينات وتطبيقها بالوضع والتوجه السياسي للبلد المعني، مثل ما هو الشأن بالنسبة لتأثر المسارالتشريعي في ميدان الاستثمار بالجزائر، من خلال التحول الذي طرأ على هذا البلد، كونه كان ينتهج اقتصاد موجه وذلك بتبنيه لتشريعات ذات نمط اشتراكي إلى اقتصاد حر، يقوم على أساس تحررية في ميدان الاستثمار.
وللإحاطة بمسألة التقنينات الداخلية للأنظمة القانونية للاستثمار نتناول النقاط التالية:

أولا : توجيه الاستثمارات: قد تتجسد عملية توجيه الاستثمارات وفق النقاط الرئيسية التالية:
 حظر الاستثمارات في قطاعات معينة:
لقد شهدت عملية التنمية في البلاد النامية ، وفي مراحلها الأولى على الأقل، حماية بعض القطاعات الاقتصادية من دخول المال الأجنبي إليها، وذلك بغية رد المنافسة الكبيرة للأجانب، أو نتيجة لتصورات سياسية، وعموما نجد تقسيما ثلاثيا ( )للقطاعات الاقتصادية منها: القطاع العمومي / القطاع المختلط / قطاع مفتوح للمبادرة الخاصة .
وقد ظهر هذا التقسيم في البلدان التي تأخذ بالاقتصاد الموجه، وهناك من الدول من أبعد قطاع التجارة من تطبيق قانون الاستثمار وإذا كان البعض منها يسمح بنشاط الشركات التجارية في إطار القانون العادي ، فهو من جهة أخرى لا يخضعها لامتيازات جبائية، أو ضمانات قانونية خاصة، وحجته في ذلك إلى أن القطاع التجاري في نظر البلدان المستقبلة، يتميز بنوع من التطور والسرعة، فلا يحتاج إلى محفزات .
 الحصر في بعض أنواع الاستثمار:
قد تحصـر بعض البلدان الاستفادة من مزايـا تقنيـنات الاستثمار في الاستثمارات الجديدة ، وذلك بهدف دفع الاقتصاد إلى عملية التنمية ، من خلال تشجيع رؤوس الأموال الجديدة إلى الدخول في البلد المستقبل للمشروعات الأجنبية ، وما دام الأمر كذلك فهي لا تمنح الامتيازات الجبائية إلا على الاستثمارات التي تأتي بعد نشر التقنينات، حيث كانت ترى في الاستثمارات القديمة على أنها عملية للاستعمار، ولا تستحق التمتع بالامتيازات المقررة.
غير أن هذه الفكرة قد لقيت انتقادا شديدا من قبل الفكر الغربي ، الذي رأى بأن :”تقييم مناخ الاستثمار يتوقف أيضا على مدى معاملة الدولة للاستثمارات الموجودة ، من خلال قول فرانسو لوشار F.LUCHAIRE :” إن أحسن ضمان يقدم للمستثمر الجديد يكمن في احترام الاستثمارات السابقة ” ( ).
إلا أن “كريستيان هابرلي” عند تناوله البلدان الإفريقية، رأى أن حجة البلدان النامية في استبعاد الاستثمارات القديمة من نطاق التمتع بالمزايا الجبائية للاستثمارات كونه يمثل خسارة للمصالح الجيائية دون تشكيل مزايا مباشرة للدولة، غير أن هناك تقنينات ليبرالية كليا تمنح مزايا دون تمييز بين أنواع الاستثمارات القديمة والجديدة، هذا فضلا عن الانفتاح الكلي الذي نشهده الآن في عهد العولمة الرأسمالية، وهناك من يضع شروطا لمنح تلك الامتيازات للاستثمارات الموجودة ومنها على سبيل المثال، أن تكون الشركة الموجودة تعاني من منافسة الشركة المتمتعة بتلك الامتيازات.

ثانيا : الترخيص بالاستثمار.
تنص كافة التقنينات عموما على وجوب الحصول على ترخيص بالاستثمار، حيث يختلف طبيعة الترخيص بحسب أهمية المشروع، فقد تجعل بعض البلدان شكل الترخيص مبسطا للمشروعات قليلة الأهمية أما إذا تعلق الأمر بمشروع ذا أهمية كبيرة ، فيكون شكل الترخيص أكثر تعقيدا،وهذا ما يظهر بشكل جلي بالنسبة للشركات الهامة التي تتخذ بشأنها قرارات الترخيص بواسطة مراسيم من مجلس الوزراء، مثل ما يتعلق بعقود الدولة التي تفترض مفاوضات مسبقة مع الوزارة المعنية ، ويتجلى في مواصفات اختيار الاستثمارات ، وهذا ما يحدث عموما في عصر الانفتاح الكلي، وهي كما لخصها “الأستاذ فوير” على النحو التالي ( ) :
– المساهمة في الاقتصاد ، وفي التنمية أوفي السياسة الاجتماعية للبلاد.
– استعمال الثروات المحلية أو القيمة المضافة المحلية.
– التنويع في الصادرات وتخسين ميزان المدفوعات أو الإسهام ألخدماتي .
– الإشراك الشركات المحلية وخاصة الاستثمار في القطاعات الهامة والصناعات المتقدمة.
– تكوين العمال والإطارات.
– تعويــض الـواردات.
– الاستثمار في الفلاحة أو الصناعات الزراعية L’agrée – industrie .
– شروط التمويل وأهمية المشاركة المحلية .
– إنشاء عدد أدنى من مناصب العمل .
– استيراد العتاد الجديد العالي النوعية.
– اشتراط تمركز موقع الشركة في البلد المستقبل .
وتوجد إجراءات خصوصية في تشريع بعض البلدان ومنها مثلا:
– ألا يهدف الاستثمار إلـى إحـداث احتكارات.
– ألا تضر الاستثمارات بمصالح الشركات الموجودة .
– أن تساهم في الاندماج الاقتصادي لبلدان المنطقة.
– أن تحترم القيم الوطنية والاجتماعية للبلد المستقبل.
وفي حالات أخرى تقيم الاستثمارات وفق الاعتبارات التالية:
– سرعة مرد وديتها .
– أهمية الإسهام غير المالي .
– الأثر على الأجور والأسعار الوطنية، وتنشيط قطاعات اقتصادية أخرى، أو البحث التنموي في البلاد وغياب التلوث .

ثالثا: أجهزة تطبيق قانون الاستثمار .
تنص التقنينات على إنشاء أجهزة مؤسسية لتطبيق قانون الاستثمارات وقد تكون وكالة الاستثمارات، أو لجنة أو مجلس، أو أجهزة أخرى للتنسيق، فمثلا تتكون لجان الاستثمار في العديد من البلدان الإفريقية من مختلف الوزراء المعنيين بما فيهم وزير التخطيط، ومدراء المؤسسات المالية والجمركية، وأحيانا تظم أعضاء المجالس النيابية وممثلي النقابات، وكذلك ممثلين عن الغرفة التجارية والصناعية، فأجهزة الاستثمار إما أن تكون تابعة لإحدى لوزارات كوزارة الاقتصاد والمالية، أو البنك المركزي أو مستقلة.
وقد تتمثل مهام تلك الأجهزة في الدور الاستشاري، بحيث تنظر في طلبات الاستثمار وتعطي توصيات حول القرارات التي يبقى لأجهزة إدارية أخرى أن تتخذها، وقد تتمثل في البلدان التي بها أجهزة مركزية للتنسيق، في دور أوسع كالموافقة على الطلبات، ومنح التشجيعات المقررة في التقنينات، وتسجيل الشركات الأجنبية المستثمرة، ومراقبة تطبيق قوانين الاستثمار.

رابعا : إجراءات جلب الاستثمارات. تقوم الدولة بإجراءات عديدة من شأنها جلب الاستثمار نذكر منها:
 الإجراءات المتعلقة بنظام الشركة :
تنظم تقنينات الاستثمار كتقنيات نفل الملكية، وتحويل الأرباح والأجور، والأموال إلى الخارج، إلا أن الأحكام المتعلقة بها تطرح قضية علاقتها بالتشريع العادي، وهو ما لم تفصل فيه التقنينات، وبالنسبة للضمانات الممنوحة في هذه المجالات، نجد أن معظم التقنينات لا تشير إلى مسألة نزع الملكية ، في حين أن هناك تقنينات قد تعرضت لها بالنص على أن نزع الملكية والتأميم قد يجريان بغرض المصلحة أو المنفعة العامة في مقابل تعويض بعملة قابلة للتحويل تعادل المبلغ المنصوص عليه في مرسوم الترخيص.
 الضمانات المتعلقة بالتحويل:
نظرا لأن مسألة رؤوس الأموال مهمة بالنسبة للدولة المستقبلة لها، فإن مسألة ضمان تحويل رؤوس الأموال إل الخارج ( )، تشكل عبئا ثقيلا على البلد النامي، وذلك لحاجة هذا البلد للأموال ، هذه الحاجة دفعت العديد من البلدان إلى عدم منح حرية كاملة في التحويل، أما البعض الأخر فقد ترك التحويل حرا.
غير أنه بالرجوع إلى العمل التطبيقي، نجد أن عملية التحويل تخضع إل ترخيص كي يتسنى مراقبة الصرف ، وقد تنص التنظيمات على تحديد فترة لا يسمح فيها التحويل مجزء وممتدا على عدد من السنوات، كما أن القوانين بعض البلدان تنص على إمكانية التعليق المؤقت للتحويل عندما يحدث اختلال كبير في ميزان المدفوعات، ومن مظاهر التقييد أيضا نجد :
خضوع تحويل نتائج تصفية الشركة أو التنازل عن أسهم من تلك الشركة إلى ترخيص من البنوك المحلية ، كما أن هناك قيودا تتمثل في اعتراف بعض الدول النامية المنتمية إلى منطقة نقدية معينة (منطقة الفرنك مثلا أو الإسترليني ) بحرية التحويل لكن في حدود تلك المنطقة فقط .
وفيما يتعلق بتحويل الأرباح، فإلى جانب البلدان التي وضعت قيودا ، هناك البعض منها حدد النسبة القابلة للتحويل من تلك الأرباح مع تجديد مدة انتظار قبل التحويل، كما أن الدول التي لا تقيد التحويل تخضعه إلى اقتطاع جبائي في المصدر “RETENUE FISCALE A LA SOURCE ” كي تشجع على إعادة الاستثمار في البلد المستقبل.
هناك من البلدان من قلص من إعادة استثمار الأرباح محليا، وذلك لتفادي الزيادة الكبيرة في الأسهم الأجنبية التي تحول مستقبلا.
كما تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن العديد من البلدان المستقبلة للاستثمارات قد أخذت بعملية مراقبة عمليات الافتراض التي يبرمها المستثمرون الأجانب، وهذا ما حدث في بلاد أمريكا اللاتينية عندما جعلت من الاستفادة من تسهيلات القرض المحلي محدودة فيما يتعلق بالمبالغ والمدة، أما الاقتراض من الخارج فقد أخضع إلى ترخيص مسبق.
 المزايا الجبائية والجمركيةوبعض الامتيازات الأخرى:
إن استهداف الربح هو الذي يبعث بالمستثمر الأجنبي إلى البحث عن أحسن معاملة في الميدان الجبائي والضريبي، ذلك أن الضرائب بأنواعها تمثل اقتطاعا من الفوائد المحصل عليها.
وتختلف السياسة الضريبية من بلد لآخر، فقد يقوم البلد المستقبل بردع الاستثمار وإعاقة تدفق رؤوس الاموال، عندما تقتطع مبالغ ضخمة من أرباح الشركة المستثمرة، أو بالتحفيز على الاستثمار إذا كان الاقتطاع ضئيل.
 الضريبة كرادع للاستثمار:
تتمثل العوائق( ) التي تجعل من السياسة المتبعة رادعة للاستثمارات الأجنبية عموما في الحالات التالية:
-الازدواج الضريبي:
حيث يمكن أن توقع كل من دولة المستثمر والدولة المستقبلة ضرائب على صاحب الاستثمار، ويحدث هذا عند اختلاف المعايير المطبقة في كلا البلدين، ومن تلك المعايير: معيار الجنسية ومعيار الإقامة، ومعيار موقع المال أو مصدر الدخل، ويؤدي الازدواج الضريبي إلى اقتطاع أكبر من ذلك الذي يحدث في حالة الأحادية الضريبية.
-التمييز في فرض الضرائب:
إن السياسة الضريبية عمل سيادي تتمتع به كافة الدول، حيث يكون لها حرية سواء في توحيد المعاملة الضريبية تجاه مختلف الأشخاص أو ممارسة التمييز الضريبي كأن توقع ضرائب على الرعايا الأجانب تفوق تلك الموقعة على المواطنين. وهذا ما يؤدي إلى إعاقة حرية تنقل حركة رؤوس الاموال إلى البلد المستقبل، بحيث تتوجه تلك رؤوس الاموال إلى الدول الخالية من ذلك التمييز.
-المغالاة في الأعباء الضريبية:
قد تلجأ الدولة المستقبلة لرؤوس الأموال ، إلى الإفراط في وضع الضرائب، وهذا ما يؤدي إلى ردع المستثمر الأجنبي عن الاستثمار في تلك الدولة، وعليه وجب على البلاد النامية تفادي تلك المغالاة، وكذلك عدم تغير قيمة الضرائب باستمرار، ذلك أن الاستقرار الضريبي يعد أيضا من عوائق قدوم رؤوس الاموال الأجنبية إلى البلد المستقبل.
-الضريبة كمحفز للاستثمار:
هناك بعض الدول تعتمد في سياستها التنموية على محفزات ضريبية لتشجيع الاستثمار لديها حيث تمنح هذه الامتيازات وفق ما تأتي به الاستثمارات من إيجابيات لعملية التنمية ووفق التجاوب مع المشاريع الاقتصادية للدولة المستقبلة، كما أن هناك تقنينات تنص على إمكانية خصم نفقات البحث منالدخل الخاضع للضريبة ، ومن الإعفاءات أيضا ما يتعلق بالضريبة على العقارات، أو على أرباح رؤوس الأموال المنقولة .
وفي المجال الجمركي تعفي بعض الدول المستثمر الأجنبي إعفاءا كليا أو جزئيا من الرسوم الجمركية على التجهيزات والآلات والمواد الخام الضرورية لمشروع الاستثمار وقد يكون الإعفاء لمدة حياة المشروع أو لمدة محددة وهذا يرجع إلى إرادة الدولة المعنية.
 امتيازات أخرى:
-إنشاء المناطق الحرة:
تعرف المنطقة الحرة بأنها جزء من إقليم الدولة يسمح فيه باستيراد البضائع الأجنبية وتخزينها وإعادة تصديرها ، وممارسة الأعمال التجارية والصناعية، في ظل إعفاء من الرسوم الجمركية والضرائبالمقررة داخل الدولة في الحدود التي يقررها القانون( )، وقد تكون المنطقة الحرة جزء من مدينة أو مدينة بأكملها أو ميناء بحريا أو مطارا من المطارات يتم تعيين حدوده الجغرافية، كما أنها قد تكون من جهة أخرى منطقة حرة عامة تظم العديد من المشاريع الصناعية والمستودعات، وقد تكون منطقة حرة خاصة تظم مشروعا واحدا فقط ، بالنظر إلى طبيعته الخاصة ، وتنقسم المناطق الحرة من حيث طبيعة نشاطها إلى مناطق تجارية تسمح الدولة بدخول السلع فيها بقصد التخزين مع إمكان إجراء بعض العمليات التجارية عليها بهدف إعادة تصديرها، ومناطق صناعية تسمح الدولة بإقامة بعض الصناعات فيها وتصرح بدخول البضائع إليها بقصد إجراء بعض العمليات الصناعية عليها كالمزج أو الخلط أو التصنيع أو التجميع ، قبل إعادة تصديرها إلى الخارج( ).
والهدف من وراء إنشاء المناطق الحرة يتجسد في الواقع في جذب رؤوس الأموال الأجنبية للمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك بما يقدم لها من مزايا وحوافز ضريبية كما أن هذه المناطق تحقق أهدافا أخرى يمكن إجمالها في ما يلي ( ):
– زيادة حجم الصادرات وتقليل الواردات ، إذ توجه المشروعات الاستثمارية التي يتم إنشاؤها في المناطق الحرة جزءا كبيرا من إنتاجها للتصدير .
– رفع مستوى المعرفة الفنية والتكنولوجية إضافة إلى توفير فرص العمل أمام الأيدي العاملة الوطنية .
– تنشيط قطاع الخدمات في الدولة ، كالنقل والتأمين ، لتلبية حاجات المشاريع القائمة في المناطق الحرة ، فقد أدى إنشاء المناطق الحرة في دولة الأمارات العربية مثلا إلى تأسيس عدد كبير من الشركات التي تزاول نشاطا تجاريا خدميا( )..
– تطوير الإنتاج عن طريق قيام الصناعات الوطنية بتوفير متطلبات مشروعات المنطقة الحرة من مستلزمات الإنتاج المحلية أو القيام بإجراء بعض العمليات التكميلية على منتجات هذه المشروعات.
-الحماية الجمركية: يقصد بالحماية الجمركية عموما قيام الدولة بفرض ضريبة جمركية مرتفعة نسبيا على السلع والبضائع المستوردة المماثلة للمنتجات المحلية أو منع استيرادها وبعبارة أخرى فإن الحماية الجمركية تتضمن في الواقع قيام الدولة باستخدام الضريبة الجمركية كوسيلة لرفع أثمان السلع المستوردة ، لكي تستطيع السلع المحلية ، حتى ولو كانت منتجة من قبل المستثمر الأجنبي يزاول نشاطه في الدولة ، من منافسة السلع المستوردة في السوق الوطنية .
وتأخذ تشريعات معظم الدول النامية بنظام الحماية الجمركية بهدف تخفيف العبء عن الصناعات المحلية والحيلولة دون تدهور صناعاتها الناشئة، ولابد من التنويه هنا إلى أن الأخذ بهذا النظام من شأنه أنيشجع رأس المال الأجنبي على الاستثمار في الدولة مستفيدا من الحماية التي توفرها تلك الدولة للسلع المنتجة محليا، وللصناعات الناشئة التي يغلب أن ينساب إليها رأس المال الأجنبي في الدول النامية، وأيا كان الأمر فإن لجوء الدولة إلى هذه الصيغة القانونية كحافز لاستقطاب رأس المال الخارجي يحتم عليها مراعاة الاعتبارات التالية:
– يتعين أن لا تضفي الحماية الجمركية إلا على الصناعات المحلية التي تنسجم ومتطلبات الدولة والتي تكون قادرة في الوقت ذاته على منافسة الصناعات الخارجية ، إذ أن هدف الدولة من فرض الحماية الجمركية أساسا هو زيادة إنتاجها وتنويع صادراتها ، لذا فإنه لا يجوز لها حماية الصناعات التي لا تستطيع تحقيق تلك الأهداف .
– يجب أن تكون الحماية الجمركية مؤقتة، وذلك بأن تحدد لها مدة معينة، حتى لا يطمئن المشروع محل الحماية إلى وضعه الاحتكاري، ولا يجد هناك ما يحفزه على تطوير إنتاجه وتقليل أسعار منتجاته، لذلك فإنه ينبغي عدم المغالاة في معدل الحماية الجمركية ومدتها بل يكتفي بالحد اللازم لنمو الصناعات الناشئة .

البند الثاني: الأنظمة الوطنية لضمان الاستثمار الأجنبي.

أولا: نشأة وتطور نظام الضمانات الوطنية ومدى أهميتها.

لقد أدت ظاهرة تداخل مصالح المستثمرين الأجانب ودولهم، إلى بروز شعور قوي يقضي بضرورة حمايتهم وضمان ممتلكاتهم من الخسائر الناجمة عن الحروب والثورات وأعمال التعدي التي يتعرضون لها في الدول المضيفة لهم ماداموا يساهمون في تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية المرجوة من تواجدهم بالخارج ، لذا فإن فكرة الضمانات المالية قد عرفتها الدول الأوروبية منذ القرن التاسع عشر من خلال ما أبرمته من اتفاقيات فيما بينها لضمان قروض رعاياها بالخارج ( )
إن الضمانات المالية الممنوحة من طرف حكومات مقرضي الأموال تشكل وسيلة هامة في تدويل العلاقات القانونية للاستثمارات التي هي في أصلها علاقات خاصة، كما أكدها حكم محكمة التحكيم الصادر في عام 1901، بين فرنسا والشيلي الذي جاء فيه : “إن طبيعة الضمان المعطى من طرف الدولة لدائنيها الخواص لا يشكل واقعة معترف بها من طرف القانون الدولي … وأن أثار القانونالدولي لا يمكن أن تنتج إلا من خلال معاهدة دولية، أما الضمانات المالية التي ثار بشأنها الخلاف، لا تعدو أن تكون مجرد عقد من عقود القانون الخاص” ( ).
وقد تطور نظام الضمان الوطني في مفهومه وفي آلياته، وأصبح نظاما يعرف بأنه :عقد توافق بمقتضاه حكومات الدول المختلفة على تأمين استثمارات رعاياها في الخارج ضد المخاطر السياسية والاقتصادية، ويحدد عقد التأمين التزامات كل طرف ( ).
مع الإشارة إلى أن هذه الفكرة قبل تطورها كانت تتضمن خدمة الدين وفوائده مما أضفى عليها طابع الائتمان المالي، الذي كان يعكس الاهتمام السياسي والاقتصادي للقوى العظمى بمصالحها الاقتصادية والمالية .إلا أن هذه الفكرة قد تطورت وأنصب الضمان الوطني في الوقت الحاضر على المشروع الاستثماري ككيان قانوني .
ولقد أثير التساؤل حول الغاية من إنشاء نظام الضمان منذ الوهلة الأولى لظهوره في الولايات المتحدة الأمريكية، وتباينت وجهات النظر حول دوافعه وأبعاده الحقيقية ، فاعتبر البعض أنه مجرد محاولة من بين المحاولات العديدة التي تقوم بها السلطات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية لتشجيع انتقال رؤوس الأموال الخاصة إلى الخارج، وما تحققه من منافع اقتصادية ومصالح سياسة للاقتصاد الأمريكي باعتبار أن القطاع الخاص أقدر من القطاع الحكومي على الاضطلاع بمهام الاستثمار ومن ثم فإن تشجيع الاستثمارات الخاصة بالخارج يعتبر امتداد للاقتصاد الحر، لأن انتقال رؤوس الأموال يستتبع انتقال السلع والبضائع .
أما الرأي الثاني: فيرى بأن انتقال المال يؤدي إلى انتقال الثروة، ويعني ذلك أن الهدف من نظام الضمان الوطني : هو تقديم خدمة للدول المستفيدة منه مما يجعله جزءا من برنامج المساعدة الأمريكية ، ويستند أنصار هذا الموقف إلى أن كون نظام الضمان الأمريكي قد ارتبط في نشأته بفكرة المساعدة الأمريكية لدول أوروبا الغربية أثناء إعلان مشروع مارشال ( ).
أما الفريق الثالث ، فيذهب إلى اعتبار نظام الضمان الوطني امتياز ، جاء لخدمة طائفة معينة من المستثمرين وحمايتهم من المخاطر التي يتعرضون لها في الدول المضيفة ، وأنه يعتبر بمثابة خدمة تسدى لهم من خلال تأمين خسائرهم ونقل عبئها إلى خزينة الدولة.

ثانيا : بعض نماذج الأنظمة الوطنية لضمان الاستثمار.

-نظام الضمان الأمريكي:
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أول مبتدع لفكرة نظام الضمان ضد المخاطر غير التجارية وكان ذلك عام 1948 بموجب قانون التعاون الاقتصادي، وقد اعتبر غرض نظام الضمان سياسيا محضا، وأن الهدف منه هو إبعاد أوروبا المنهارة من شبح الوقوع تحت النفوذ الشيوعي مما دفع بالولايات المتحدةالأمريكية إلى بذل قصارى جهدها لإعادة بناء الاقتصاد الأوروبي وفقا لأسس النظام الرأسمالي ( )، ذلك أن انتشار الأفكار الاشتراكية في أوروبا الغربية والأوضاع المزرية التي كانت تعيشها شعوب هذه المنطقة، كان في الإمكان أن يؤدي إلى انتشار الأفكار الشيوعية، في الوقت الذي لم يصب فيه جهاز الإنتاج الصناعي والزراعي للولايات المتحدة الأمريكية بأي خسارة شيء الذي سمح لها بمد يد المساعدة لحلفائها للمد الشيوعي ، وقد اتخذت المساعدة الأمريكية في بادئ الأمر:صورة القروض العامة والمساعدات الحكومية الرسمية، إلا أن ضخامة حجم المساعدات المطلوبة أثقل كاهل الخزينة العمومية للدولة، وبالتالي أضحت المساعدة الأمريكية غير ناجعة لتغطية الاحتياجات الأوروبية، الشيء الذي دفعهمإلى التفكير في إيجادوسائل أخرى من مسائلالتمويل لدعم البناء الأوروبي، فكان الاتجاه نحو الاستعانة بالاستثمارات الخاصة ( )، كما اقتصر نظام الضمان الأمريكي على تغطية خطر واحد، وهو خطر عدم تحويل الأموال وعائداتها، لأن الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية كانت تعاني من نقص في رؤوس الأموال، مما قد يدفع بهذه الدول إلى فرض رقابة نقدية تحول دون تحويل رؤوس الأموال خارجها، وهذا الوضع في حد ذاته يشكل خطرا يستوجب ضمانه، مما جعل نظام الضمان الأمريكي يقتصر على تغطية خطر عدم التحويل، لكنه وبتوسع نظام الضمان إلى مناطق أخرى من العالم خارج نطاق دول أوروبا الغربية صادف أنواعا أخرى من المخاطر، مما أدى إلى توسيع نطاق المخاطر المشمولة بالضمان بشرط أن يكون المشروع الاستثماري قد حصل على موافقة الإدارة الأمريكية.
إن نظام الضمان الأمريكي أصبح يغطي مختلف أنواع المخاطر، وفي أي منطقة من مناطق العالم ، ماعدا المخاطر التي تعود إلى غش أو خطأ جسيم ارتكبه المستثمر، ويرجع البعض الفضل فيما حققه برنامج الضمان الأمريكي من تطور إلى الجهد الذي بذله الرئيس الأمريكي ازنهاور في إقناع الكونجرس الأمريكي بتوسيع نطاق نظام الضمان، وقد أدى ذلك إلى توطين الاستثمارات الأمريكية وجعلها في منأى عن أية منافسة أجنبية، الأمر الذي مكنها من التواجد في مختلف مناطق العالم.

 أنظمة الضمان الأوروبية:
لقد أدركت الدول الأوروبية أن إنشاء أنظمة وطنية لضمان استثماراتها بالخارج أصبح أمرا ضروريا، بغية الوقوف في وجه الاستثمارات الأمريكية الأمر الذي جعلها تسارع إلى إنشاء أنظمة وطنية لضمان استثمارات رعاياها في الخارج، ومن بين هذه البرامج ما يلي:
-برنامج ضمان الاستثمارات الألمانية:
قامت ألمانيا الاتحادية بإعمال نظام ضمان الاستثمار بالخارج في سنة 1960 بعد عملية إعادة بناء الاقتصاد الألماني الذي دمرته الحرب العالمية الثانية ، حيث كانت تطلع الحكومة الألمانية الاتحادية إلى القيام بدور فعال في الاقتصاد العالمي لتحقيق عدد من الأهداف الاقتصادية من ناحية، ولإقناع الدول النامية من الاعتراف بدولة ألمانيا الشرقية من ناحية أخرى ( )، ولقد عقدت الحكومة الألمانية الاتحادية(49) اتفاقية ثنائية مع دول العالم النامي حتى بداية النصف الثاني من عقد الثمانينات لتنظيم أوجه التعاون الاقتصادي في مجال الاستثمارات المباشرة الخاصة، كون أن برنامج ضمان الاستثمارات الألمانية الاتحادية جاء لتغطية الخسائر الناجمة عن المخاطر السياسية التي قد تتعرض لها الاستثمارات الألمانية المباشرة الخاصة ومن ثم إعطاء أولوية لنمط التنمية الاقتصادية الذي يقوده الاستثمار الخاص من جهة، والعقبات الخطيرة الواجب التغلب عليها لتنشيط وتشجيع الاستثمارات الألمانية الخاصة المباشرة للاطلاع بدور فعال في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول النامية .
وتتولى منظمة الضمان (TAG) مهمة إدارة برنامج ضمان الاستثمارات الألمانية المباشرة الخاصة باعتبارها إحدى الوكالات التابعة للحكومة الألمانية التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة، ومن مهام المنظمة أنها تتولى دراسة الطلبات المقدمة لقبول تغطية الأخطار وإبداء الرأي حول إمكانية إخضاعها لمظلة التأمين الدولي، أما الموافقات النهائية لقبول التأمين على الاستثمارات الألمانية بالخارج فهي من اختصاص إحدى اللجان المتخصصة التابعة للرئاسة المباشرة لوزارة الاقتصاد الاتحادية، وتخضع عملية إقرار الموافقات النهائية لقواعد معينة، وفي مقدمتها التأكد من الآثار الاقتصادية المرغوب فيها على عملية التنمية بدول العالم الثالث ومقدار الفوائد الاقتصادية التي يجنيها الاقتصاد الألماني.
أما فيما يتعلق بمسألة المشروعات المقترح تغطيتها فهي( ):
– الشركات الألمانية التي لها فروع خارجية بالدول المضيفة.
– الأخطار السياسية وغير التجارية الثلاث المتعارف عليها وهي: أخطار نزع الملكية والمصادرة والتأميم، وأخطار الحروب.
– أخطار عدم القابلية للتحويل بالنسبة للعملة حيث تتبع نظام الصفقة الواحدة .
إن أنماط الاستثمار القابلة للضمان فهي تتعلق بحقوق الملكية ، القروض والمنح المقدمة في إطار المشروعات المشتركة ، وحقوق براءة الاختراع وحقوق الامتياز، وفي قطاع البترول فإن عملية التغطية التأمينية تخضع لشروط إضافية ، وهذا لخصوصية وطبيعة عملية الاستثمار في هذا القطاع، وأما من حيث طول الفترة الزمنية التي تتطلبها عملية التأمين الدولي فهي في الظروف العادية خمسة عشرة سنة، وعشرون سنة في بعض الأحوال الاستثنائية، وتصل نسبة الخسارة المدفوعة إلى حدود 95% من إجمالي قيمة رأس المال المستثمر.
-نظام الضمان السويسري:
صدر في 10 سبتمبر 1969 قانون وطني لضمان الاستثمار بالخارج المخاطر السياسية، خلافا للقانون الصادر في 28 سبتمبر 1958، والمتعلق بتشجيع الصادرات وتطوير التجارة الخارجية ، حيث يهدف هذا الأخير إلى رفع حجم مساعداتها المالية التي تقدمها إلى الدول النامية تماشيا مع قرارات الأمم المتحدة القاضية بتخصيص 01% من الناتج القومي للدول المتقدمة، إلى جانب حماية مستثمريها من المخاطر الناجمة عن الظروف السياسية والاقتصادية لمعظم الدول النامية، وقد جاء في البرقية التي وجهها المجلس الفيدرالي السويسري إلى الجمعية الوطنية السويسرية خلال مناقشتها لمشروع قانون الضمان:”إن الحالة الاقتصادية غير مستقرة للدول السائرة في طريق النمو وعدم وضوح النهج السياسي لمن شأنهما أن يؤثرا على الاستثمارات التي تتم في هذه الدول”.
وقد جاء إنشاء نظام الضمان السويسري ، نتيجة حتمية عن تزايد أنظمة الضمان الوطنية التي أنشأتها معظم الدول الأوروبية الأخرى ، حيث أصبح عدد الدول التي تمتلك أنظمة وطنية لضمان الاستثمار في تزايد مستمر ، لذلك جاء القانون السويسري لحماية وتشجيع الاستثمارات السويسرية من المنافسة الأوروبية.
 برنامج ضمان الاستثمارات اليابانية:
بدأت اليابان في إعداد وإقرار أول برنامج لضمان استثماراتها بالخارج عام 1956 متأثرة بالظروف الاقتصادية العالمية، ومستفيدة في نفس الوقت من الخبرة الأمريكية في مجال ضمان الاستثمار باعتبارها التجربة الرائدة في هذا المجال، وأخضعت اليابان برنامجها الوطني لتأمين استثماراتها الخاصة المباشرة بالخارج للإدارة المباشرة من قبل وزارة التجارة الدولية والصناعة (MINISTRY INTERNATIONAL TRADE AND INDUSTRY)، حيث تعكس مدى الاهتمامات الخاصة للحكومة اليابانية في مجال ضمان الاستثمارات اليابانية بالخارج.
وبدأت برامج ضمان الاستثمارات اليابانية في الخارج محدودة ( )، والنشاط خلال الفترة 1956 إلى منتصف عام 1970، حيث أعدت (MITI) برنامجين لتأمين استثماراتها الدولية يتعلق البرنامج الأول باستثمارات رؤوس الأموال في حين يتعلق البرنامج الثاني بالأرباح الناتجة عن العمليات الاستثمارية في الخارج، وفي عام 1970 تم إدماج هذين البرنامجين في برنامج واحد تحت عنوان “مشروع تأمين الاستثمار عبر البحار THE OBVERS INVESTEMENT INSURANCE Schème”(OIIS)مع إدخال عدد من التعديلات لتوسيع نطاقه والزيادة من كفاءته في أعوام 1972-1974 -1981.
وفي مجال عمليات التغطية والحماية التأمينية التي قدمتها برامج ضمان الاستثمارات اليابانية بالخارج فإنه يمكن القول: أن حجم هذه العمليات خلال فترة 1956 ومنتصف عام 1970 بلغت قيمته 68.6 مليون دولار، ثم قفزت إلى 407 مليون دولار خلال فترة 1973 ، ثم سجلت رقما قياسيا في نهاية عام 1981 حيث بلغت 5.851 مليار دولار.
وبعد ازدهار الاستثمار الأجنبي المباشر لليابان في الخارج خلال فترة الثمانينات ، حيث أقامت الكثير من مرافق الإنتاج عبر البحار، لتصل قي أواخر الثمانينات ذروة الإنتاج 67.5 مليار دولار(نحو 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي).
أما من حيث المشروعات المؤهلة الصلاحية للخضوع للحماية التأمينية التي يوفرها برنامج ضمان الاستثمارات اليابانية بالخارج، فإنه يشترط أن تكون الاستثمارات القابلة للتغطية من بين المشروعات الاستثمار الجديد المؤدي إلى خلق طاقة إنتاجية جديدة أو أحد المشروعات التوسع في الاستثمارات القائمة لزيادة حجم الطاقة الإنتاجية، وتؤدي في نفس الوقت إلى تنمية العلاقات الاقتصادية الدولية بين اليابان والعالم الخارجي.

المطلب الثاني: الأسباب التي أدت إلى فشل المجتمع الدولي في إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية.

يعد السعي نحو وضع تنظيمات متعددة الأطراف ذات مدى عالمي في مجال الاستثمار، من الظواهر القانونية التي طبعت الساحة الدولية في مجال القانون الاقتصادي الدولي، إذ حاولت الدول المصدرة و المستوردة لرؤوس الأموال سواء على المستوى الوطني و الإقليمي و العالمي، إلى البحث عن ميثاق عالمي لحماية الاستثمارات الأجنبية يرضي الدول المصدرة والمستوردة للرساميل على حد سواء، غير أنه من الملاحظ قد ظهرت صعوبة عملية يتم من خلالها تدويل قانون دولي( ) يساهم في حل المشاكل المتعلقة بحماية الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

الفرع الأول: انعدام آلية قانونية دولية موحدة ومنظمة للاستثمار الأجنبي.

البند الأول: وجود تناقض بين مفاهيم الاستثمار الأجنبي في الفقه المقارن.

تتغذى تناقضات البحث عن مفهوم موحد للاستثمار الأجنبي من تمايز في الأفكار بين مختلف أعضاء المجتمع الدولي حول الإطار الأمثل لتنظيم الاستثمارات الأجنبية في ظل ما يعرف بالتعاون الدولي الاقتصادي، ويخضع هذا الإطار لمنطق تنازعي تولدت عنه أطروحتين متباينتين، و هما:
-أطروحة الدول الصناعية الكبرى:
تقوم هذه الأطروحة على ثلاث (03) فرضيات، و هي:
 الفرضية الأولى: تنظر إلى الاستثمار الأجنبي على أنه وسيلة من وسائل التقسيم الدولي للعمل.
 الفرضية الثانية: وتعتقد أن الاستثمار الأجنبي أداة لتأطير التبعية المتبادلة بين الدول.
 الفرضية الثالثة: وتعتبر الاستثمار الأجنبي أداة لتدويل الاقتصاد الدولي.
بالنسبة للفرضية الأولى والمتعلقة بالتقسيم الدولي للعمل:
تميز الاقتصاد الدولي حسب أطروحة الدول الصناعية الكبرى بالتطور النوعي لعملية التخصص واندماج الاقتصاديات النامية مع اقتصاديات الدول المتطورة من خلال التعاون الإنتاجي الدولي، ونمو المشاريع ذات الطابع التكاملي، والتي تحقق في شكل استثمارات مباشرة أو غير مباشرة.
و يتم إثراء هذه الاستثمارات على ضوء عاملين هما:
-العامل التكنولوجي: والذي أتاح للدول الصناعية الكبرى فرصة التخلي عن الصناعات التقليدية والاكتفاء بالصناعات الأكثر تقدما كالمعلوماتية والمواصلات وشبكات الانترنيت، وهي صناعات توفر لهذه الدول بنوك معطيات تتجمع فيها كافة مؤشرات وتطورات الاقتصاد العالمي، ومن خلالها يتم وضع برامج الاستثمار الأجنبي في الدول النامية وضبط حركة رؤوس الأموال الصناعية.
-العامل الثاني: و يتمثل في تطوير أشكال التبادل الدولي، حيث بدأت الدول الصناعية بالتخصص في بعض العقود الجديدة للتعاون مثل عقود الخبرات، وعقود المعرفة، أو عقود التصدير بطريقة التفكيك، أو عقود نقل الفروع الصناعية، ويتعلق بإنشاء بعض الصناعات في الدول النامية، وهي عقود لا تنطوي على إستراتيجية للتنمية، بقدر ما تنطوي على نقل فروع لصناعات الشركات الرأسمالية الكبرى إلى الدول المضيفة،و ذلك من أجل ثلاثة غايات( ):
 الاستفادة من قوة العمل المحلية الرخيصة و غير الخاضعة للحماية الاجتماعية المكلفة.
 إمكانية تفرغ الشركات الأم لفروع الإنتاج الأكثر تقدما و التي تعتبرها الأكثر ربحية من الصناعات التقليدية.
 إمكانية لنقل الصناعات شديدة التلوث من بيئة الشركة الأمة إلى بيئة البلد المضيف، خاصة بعد سلسلة القيود التي فرضتها الدول المتقدمة على هذه الشركات، والتي أجبرتها على تحمل نفقات كبيرة لاقتناء معدات خاصة بإزالة التلوث.
بالنسبة للفرضية الثانية: المتعلقة بكون الاستثمار الأجنبي أداة لتأطير التبعية المتبادلة:
في هذا الشأن تعتقد الدول الصناعية الكبرى أن الاستثمار الأجنبي هو الأداة المثلى لتنظيم التبعية بين الدول أيا كان وضعها أو حجمها الاقتصادي، تتلخص هذه التبعية في كون أن كل دولة مهما كانت قوتها الاقتصادية في حاجة ماسة إلى تبادل اقتصادي مع دولة أخرى، و هي حاجة ذات بعدين ، إما لاقتناء السلع و الخدمات المنتجة في الخارج، أو لتصريف المنتجات عن طريق الحاجة إلى أسواق جديدة.
كان الدافع وراء تكريس هذه الفرضية أزمة الطاقة التي تعرضت لها البلدان الصناعية عقب قرار الحظر الذي اتخذته البلدان العربية للنفط سنة 1973 و الذي بين لحكومات الدول الصناعية مدى تأثير علاقة التبعية على اقتصادها ، و رغم اجتياز حدة الأزمة، إلا أن المبدأ في حد ذاته لم يتغير ، بل اتخذ أشكالا جديدة ذات بعد مالي بحت، تجلت في ارتباط اقتصاد الدولة النامية باقتصاديات دول مركز، وهكذا فكل توتر مالي أو أزمة سيولة في الغرب ينجر عنه تأثير سلبي على مستوى النمو في البلدان النامية.
من ذلك مثلا أن ارتفاع سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية نتج عن تدهور أسعار البورصة وتناقض تدفقات رؤوس الأموال تجاه البلدان النامية، وانكماش في نسبة الاستثمارات الأمريكية في الدول النامية، الشيء الذي زاد من حدة عمق الأزمة الاقتصادية لدول العالم الثالث.
و لعل أهم مثال يضرب على ذلك انهيار البورصة الأمريكية في سنة 1987 كان له أثر المباشر على الاقتصاد الجزائري الذي خسر أكثر من 70% من إيراداته بالعملة الصعبة نتيجة انخفاض قيمة الدولار الأمريكي ، كما أن الهزات النقدية التي تلتها أثرت على قدرة السلطة المحلية في مواجهة تكاليف الأزمة ( ).
وما تصريح مجموعة الدول السبع الكبار (7G) في جوان 1990 ب”نابولي الإيطالية”، والمتعلق بضرورة التعاون الدولي في مجال السياسات النقدية والمالية إلا خير دليل على ذلك، وفي هذا الصدد يرى أحد الخبراء الدوليين أنه:”على مؤسساتنا أن تتجاوز بشأن مستقبلها المشترك وبشأن الاختيارات المتوفرة، وبالتالي بشأن الأولويات إذا ما أرادت تجنب الانهيار الكلي للاقتصاد العالمي”.
يقصد من وراء هذا التعاون المشترك إشراك البلدان النامية في الاقتصاد العالمي ، وهو إشراك لا يتأكد إلا بضمان تدفق مالي و استثماري تجاه هذه الدول.
بالنسبة للفرضية الثالثة و الأخيرة، فتتعلق بكون الاستثمار أداة لتدويل الاقتصاد:
حيث يتميز الإطار الدولي الحالي للتعاون الاقتصادي في إطار العولمة بالميل إلى توسيع التجارة الدولية وتشجيع الاستثمارات والشركات متعددة الجنسيات، و يظهر هذا الميل في الأعمال التالية:
 الانتقال من التعاون الاقتصادي الثنائي إلى التعاون الدولي بالتكتلات،حيث تم إنشاء مناطق واسعة للتبادل الحر كالاتحاد الأوربي أو الجمعية الاقتصادية للتبادل الحر بين دول أمريكا الشمالية NAFTA أو منطقة جنوب آسيا، والباسيفيك APEL، وهي تكتل قائم على أساس التنافس الحر في الأسواق الدولية طبقا لإستراتيجية التجارة الحرة المبنية على الحماية الهجومية بدل الحماية الدفاعية، و التي تتضمن الحق في اتخاذ سياسات مضادة للإغراق و التخفيف التنافسي لحماية قطاعات المستقبل، ومنح الامتيازات الجبائية والجمركية للمستثمرين الأجانب، و لهذا السبب قامت الدول الصناعية ذاتها بتشجيع التكتلات الجهوية داخل العالم النامي، ومن ذلك مثلا الحوار الأورومغاربي، أو الحوار الأمريكي ألمغاربي و الذي ينظر إلى المغرب العربي كتكتل موحد،وليس كدول منعزلة.
 إبرام الاتفاقيات الدولية لتنظيم التجارة الدولية، سواء في إطار الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية GATT أو المنظمة العالمية للتجارة OMC و التي أسندت لها مهمة الإزالة التدريجية للحواجز الجمركية بين الدول.
 تشجيع الدول على إنشاء مناطق حرة Zones Franches للاستثمار الأجنبي أين تلغى فيها كل الحواجز الجمركية وحتى في بعض الأحيان تنظيمات الحماية الاجتماعية، و هي حواجز تجعل جزء غير خاضع للسيادة الوطنية بالمفهوم الحقيقي لها ( ).
-أطروحة الدول النامية:
إن الدول النامية ولمواجهة المناخ الاقتصادي المتردي، لم يكن من حل أمامها غير الاستنجاد بالاستثمار الأجنبي الذي سيحقق لها جملة من الفوائد أهمها :
 الاستفادة من عامل نقل التكنولوجيا، الخبرات، والمهارات الفنية ليس فقط في مجال التجهيزات، وإنما أيضا – وهذا هو المهم – في مجال مناهج التسيير والمعرفة العلمية .
 الحصول على رؤوس الأموال بالعملة الصعبة كافية لتمويل التنمية المحلية بشكل عام وتمويل الخزينة العمومية بشكل خاص، من خلال الاقتطاعات الضريبية والجمركية على مدا خيل المستثمر، وهذا الهدف تسعى إليه أغلب قوانين الدول النامية .
 المساهمة في التخفيف النسبي لحدة المشاكل الاجتماعية للدول المضيفة عن طريق خلق مناصب شغل دائمة أو مؤقتة، والامتصاص الجزئي أو الكلي لنسبة البطالة مع تحسين مستوى الإطارات المحلية، لأن المستثمر الأجنبي سيضطر إلى تشغيل اليد العاملة المحلية الأقل تكلفة، بدل استيراد اليد العاملة من بلده الأصلي.
غير أن هذه الأهداف بقيت مجرد حبر على ورق ، فعقلية المستثمر الأجنبي لا يرى في استثمار رؤوس الأموال إلا تحقيق أقصى الأرباح ، حتى ولو تعارضت مع البرامج المحلية للتنمية وهو ما أدى إلى تعميق أزمة التخلف بدل علاجها ، وفي هذا الصدد يكشف الكاتب “بريش راؤول”:”أن الخدعة الكبرى وراء البحث عن هوية للاستثمار الأجنبي هي الاعتقاد أن الرأسمالية هي الآلية الوحيدة لبث وتوزيع التقنية وهو توزيع مرتبط بالمصالح الاقتصادية المتولدة عن التكنولوجيات الحديثة، فالتقدم حسب النظرية الغربية هو تزايد الإنتاجية وخلق شروط ملائمة للتركيز الديناميكي للمداخيل وتفجير العوامل المؤدية إلى التراكمات المالية “.
لكن مثل هذا التفجير لا يمكن أن يحدث إلا في ظل تناسق اجتماعي ، وهو الحاضر الغائب في الدول النامية ، الحاضر من حيث وجوده في الخطابات الرسمية التي يجريها المسئولون للبلدان النامية مع نظرائهم من الدول الرأسمالية الكبرى ، والغائب من حيث التطبيق العملي له ، إذ تزداد حدة الهوة بين المجتمع المدني والسلطات الحاكمة له ، وبذلك يصبح التخلف بمثابة القطيعة التاريخية بين الخطابين رغم مجهودات السلطات المحلية لتحقيق التنمية قصد اجتذاب أقصى ما يمكن جذبه من الاستثمار الأجنبي ، إلا أنها أصيبت بخيبة أمل فضيعة اتجاه المستثمرين الأجانب ، والذين فضلوا عدم طرق أبواب هذه الدول ، بحيث اعتمدوا على معيار جديد هو معيار الانتقائية ، والذي يقصد منه اختيار البلد الذي يتوفر على أعلى معدلات النمو( ) ، وليس البلد الذي يتوفر على أكبر الضمانات .
فمعدل النمو الاقتصاد المحلي ، هو الضمان الأساسي لجذب الاستثمارات الأجنبية ، حيث كلما ارتفع هذا المعدل كلما تزايدت تدفقات رؤوس الأموال ، والعكس صحيح أي كلما انخفض معدل النمو كلما انخفضت نسبة الاستثمار الأجنبي.
وتأسيسا على ذلك لم يعد المستثمر الأجنبي يهتم كثيرا بطبيعة النظام السياسي حتى وإن كان شيوعيا ، مثلما أثبتته تجربة الصين الشعبية وجمهورية الفيتنام والتي عرفت في السنوات الأخيرة تدفق معتبر لرؤوس الأموال الأجنبية ، نظرا لمعدلات النمو المرتفع التي حققتها اقتصادياتها ، كما أن الاستثمار الأجنبي يشترط في نسبة النمو أن تكون طبيعية وليست اصطناعية ، وأن تكون مستقرة وليست ظرفية.
وفي ضوء تلك التناقضات بين مفاهيم الاستثمار الأجنبي ، فإنه يمكن القول أن الفقه المقارن قد فشل في التوصل إلى تعريف محدد للاستثمار الأجنبي ، إذ أنه ليس من السهل حصر مفهوم الاستثمار في تعريف فقهي يتسم بالثبات والجمود ، حيث أن ذلك لا يتلاءم مع كون مفهوم الاستثمار يمثل مفهوما متغيرا( ) ومتطورا حسب مستجدات العصر خصوصا الاقتصادية منها .
وهكذا فقد عجز المجتمع الدولي سواء عن طريق الجهود الدولية العالمية منها والإقليمية والجهود الوطنية سواء الاقتصاديين والقانونيين في وضع تعريف محدد ومتفق عليه للاستثمار الأجنبي، حيث نلاحظ أن وجهة نظر كل تعريف ترتكز على أحد الخصائص التي تتميز بها الاستثمارات الأجنبية، مع إهمال الجوانب الأخرى من الاستثمار، ومن ثم فإن هذه المحادثات لم تعط تعريفا عاما وشاملا للاستثمارات،كون أن قيام الاستثمار الأجنبي بين أطراف ذات أهداف مختلفة ومصالح متناقضة( )، انعكاسا للتناقض القائم بين البلدان الرأسمالية المصدرة لرؤوس الأموال، والبلدان المضيفة لها، وهذا الأمر قد ترتب عنه في ظل تلك التناقضات صعوبة التوفيق بين المصالح المتضاربة للدول النامية والشركات المتعددة الجنسيات.

البند الثاني: صعوبة التوفيق بين المصالح المتضاربة للدول النامية والشركات المتعددة الجنسيات.

إن البحث عن ما يسمى بعولمة قانون الاستثمار من خلال ما يعرف بقانون الدولي للاستثمار ، كان غاية الدول الكبرى للمحافظة على الشركات المتعددة الجنسيات ، وكانت هذه الدول مقتنعة بأنه يمكن التوصل إلى اتفاق بين كل الدول حول مسألة الاستثمار الأجنبي المباشر ، حيث حاولت هذه الدول المتقدمة المصدرة للاستثمار بإيجاد مشروع ، وبالتالي السعي نحو تكريس أكبر حماية لاستثماراتها في الدول النامية خاصة، باستعمال هذا الاتفاق كنص قانوني تعده هي حسب مصالحها ثم تفتحه للدول الأخرى ،خاصة النامية منها وكل الدول المستقبلة للاستثمار والتي هي بحاجة إليه لتنظم إليه وتصادق عليه.
غير أن هذا المشروع كان حيلة قانونية( ) ، حاولت من خلالها الدول الأوروبية اغتصاب اختصاص المشرعين الوطنيين، وتفادي تطبيق القوانين الداخلية على الاستثمارات الأجنبية التي تعتبرها مخالفة في مضمونها لما هو مطبق في الواقع ، ففي هذا الإطار تلخص إحدى الدراسات للمشروع هذا التبرير بقولها : … تطبق عدة من دول الجنوب معاملة واقعية تجاه المستثمرين الأجانب بعيدة جدا عن المعاملة القانونية المحتواة داخل القانون ( ) .
وقد وصف أحد الخبراء في مجال قانون الاستثمار الدولي هذا الفشل بوجود لعنة تضارب المفاوضات حول خلق اتفاق متعدد الأطراف ، مما يعني أن كل الدول معنية بتوحيد أحكام الاستثمار ولا يمكن أن يتم ذلك بعزل البعض منها خاصة الدول المضيفة له( ) ، هذا من جهة ومن جهة أخرى وجود اتفاق بين الدول في بعض المبادئ والاختلاف حول بعض النقاط الأخرى ، مما جعل فرنسا مثلا تنسحب من المفاوضات.
زيادة على التصادم الواقع بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية حول بعض المسائل مثل الاستثناء الثقافي والقوانين الممتدة الأمريكية ، وبند الاندماج الإقليمي ، لكن كان أهم سبب هو عدم إشراك الدول النامية في المفاوضات رغم حضور البعض منها كملاحظين.
وتتجلى صعوبة التوفيق بين المصالح المتضاربة للدول النامية والشركات المتعددة الجنسيات من خلال المسائل الآتية::
 تحرير الاستثمار لمصلحة شركات الدول على مصلحة الدول الوطنية:
تعتبر الدول النامية أن هناك إجحاف من قبل المنظمات الدولية قد لحق بها من جراء حرمانها من وضع قيود على الاستثمارات الأجنبية ، دون إلزام الشركات متعددة الجنسيات بالامتناع عن التلاعب بالأسعار ، وفرض أسعار احتكارية على السلع التي تتعاطى بها ، كما تعتبر الدول النامية أن إلغاء قيود على الاستثمارات هو مطلب موجه فقط إليها دون غيرها ، ولذلك تطالب الدول النامية بإعادة النظر في صياغة اتفاقية إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة ، لكون أن هناك تعارض بين المصالح وتضاربها.
إن مخاوف الدول النامية تنطلق من أن عولمة الأسواق المالية وتحرير الاستثمارات يمكن أن تنجر عنه المخاطر التالية( ):
 المخاطر الناجمة عن تقلبات رأس المال بشكل مفاجئ.
 مخاطر التعرض البنوك للأزمات كالإفلاس وغيرها.
 مخاطر التعرض للمضاربات القاسية التي يصعب مواجهتها.
 مخاطر الهروب الأموال الوطنية للخارج ، وهو الأمر المألوف في الدول النامية.
 إضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة النقدية والمالية من خلال التلاعب بأسعار العملة الوطنية.
 مخاطر دخول الأموال القذرة ، وهي مخاطر تدخل عبر آليات التحرير رأس المال المحلي والدولي .
وترى الدول النامية انطلاقا من ذلك ضرورة وضع ضوابط أثناء مراجعتها لاتفاقيات الدولية المتعلقة بتحرير الاستثمارات الأجنبية ، كون أن هذه الأخيرة غالبا ما تتم بواسطة الشركات المتعددة الجنسيات.
لهذا السبب فشلت أغلب المنظمات الدولية في وضع ميثاق دولي متعدد الأطراف، ومن ثم صعوبة إيجاد معادلة تجمع بين مصالح الدول النامية وأهداف الشركات المتعددة الجنسيات، وعموما يمكن إجمال أهم الأسباب التي ساهمت في فشل المنظمات الدولية نحو إيجاد نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية من خلال النقاط التالية:
– إن كافة المنظمات الدولية تقوم بضغوط كبيرة على الدول الأعضاء لإملاء سياسات اقتصادية عليها بصرف النظر عما إذا كانت ملائمة أم لا، وأغلب الجهود الدولية الرامية إلى وضع ميثاق دولي متعدد الأطراف جاءت لتكريس وخدمة مصالح الدول الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات على حساب مصالح الدول الضعيفة (الدول النامية).
– إن المنظمات الدولية أداة ووسيلة بيد مجموعات الضغط الاقتصادية الدولية، وأن أغلب الشركات المتعددة الجنسيات هي من صنيع هذه الدول العظمى.
– تهميش الدول الصغرى الضعيفة إذ لا وزن لها في اتخاذ القرارات الخاصة والهامة، ويمكن القول أن أعلب الجهود الدولية التي سعت لتقنين النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية كان في ظل غياب هذه الدول .
– وعلى غرار فشل الاتفاقيات الدولية العالمية، لم تكن الاتفاقيات الجهوية بأوفر حظا منها وذلك لأنها لم تتعدى مرحلة النضج، حيث لم تتوصل إلى إيجاد آلية قانونية دولية موحدة ومنظمة للاستثمارات الأجنبية وذلك لجملة للأسباب ( ):
 عدم الملائمة والانسجام بين إستراتجيات التنمية .
 غياب الإرادة السياسية .
 التناقضـات الهيكليـة.
 ضعـف الأطـر المؤسسـاتيـة للهيئــات الجهويـة.
 غياب هياكل المساعدة والدعم التي تمنح للدول أقل تقدما.
 غياب التنسيق بين السياسات الاقتصادية للدول المتكتلـة .
وهناك مسائل أخرى، قد لا تتفق بينها الدول النامية والشركات المتعددة الجنسيات:
 قضية الضرائب: مادامت الشركات المتعددة الجنسيات تهدف إلى تخفيف الأعباء على الصعيد العالمي ، فإن
مسألة الضرائب تعد من أهم المواضيع التي تطرحها الشركات ، ويتجلى ذلك من خلال السياسة الاحتكارية التي تتبناها هذه الشركات من خلال التلاعب بالأسعار التي يحددها فرع من الشركة عند بيعه بعض المكونات إلى فرع أخر تابع لها ، وهذا بغية تخفيض الضرائب ، ويحدث هذا عندما يكون المشروع المشترك معتمدا على تصدير منتجاته من خلال الشركة الأم ، أو مبنيا على استيراد أجزاء أو مكونات من فروع الشركة في الخارج.
 استخدام التكنولوجيا : ويحدث هذا عندما يقبل الشريك الأجنبي على احتكار بعض التكنولوجيات
البعيدة عن الاستعمال من طرف المشروع ، وهذا من شأنه أن يلحق ضررا بالمشروع، ويمكن أن يحجم الشريك الأجنبي عن استخدام تقنيات التكنولوجيات الجديدة والمتطورة التي تم وضعها داخل المشروع.
 مشاكل ثقافية : قد يؤدي الاختلاف في مصادر ثقافات الشركاء إلى حدوث سوء تفاهم بينهم، حيث
ترى الدول النامية أن الشركات المتعددة الجنسيات كثيرا ما تقزم الثقافة المحلية، وتريد طمس مكوناتها، بينما ترى الشركات ضرورة تطهير المحيط المحلي من الفساد والرشوة والتعفن.
 التسويق وقضايا العمالة: من المسائل الصعبة التي تطرح أثناء التفاوض بين الدول النامية والشركات المتعددة
الجنسيات مسألة إبرام اتفاقية المشروع، فنجد مثلا وبالأخص مسألة التسويق، فتتعارض الأهداف فيها، فمن جهة يسعى الشريك المحلي إلى السيطرة على قنوات التوزيع والتسويق التي يراها إحدى طرق الضمان لاستمرار مساهمته في المشروع، أما الشريك الأجنبي فيرى من جهته أن ذلك قد يتعارض مع خطط الشركات المتعددة الجنسيات، التي غالبا ما يكون المشروع المعني بالنسبة لها مجرد جزء من إستراتجية مدروسة للتغلغل في أسواق البلدان النامية
 توزيع الأرباح وسياسات الاستثمار : قد يفضل الشريك الأجنبي تحويل أرباحه من المشروع بدل إعادة
استثمارها في البلد المستقبل ، وهذا ما لا يتفق مع نظرة الشريك المحلي ، الذي يريد بقاء رؤوس الاموال للاستفادة منها في مجال التنمية .
 حقوق التصدير: غالبا ما يفضل الشريك الأجنبي عدم تصدير المنتجات التي تكون جودتها أقل من جودة
مثيلاتها المصنعة في البلدان الأخرى إلى أسواق توزع فيها منتجات مصنعة من طرف فروع أخرى من شركات متعددة الجنسيات، ومن ثم تعمل هذه الأخيرة فرض قيود صارمة على التصدير، في حين يرى الشريك المحلي أن المشروع هو وسيلة للتوسع في الأسواق الخارجية.
 الشفافية : يعتبر عدم توفر البيانات الدقيقة التي يتأسس عليها التقييم من الصعوبات التي تواجه المشاريع في
بعض البلدان النامية، لاسيما عندما تتبنى هذه الدول معايير محاسبية تختلف عن المعايير الدولية.
 تقييم مسؤولية الإدارة ودرجة استقلالها : من المسائل التي تطرحعلى المشاريعبين الدول النامية والشركات المتعددة الجنسيات نجد محاولة إبعاد تدخل الشركة الأم في شؤون المشروع، حيث تحبذ الدول النامية إلى الاكتفاء بمنط توجيهات عامة واضحة مع ترك حرية المشروع ومسؤولية تحمل نجاحه أو فشله وهذا ما لا يمكن تقبله من طرف الشركات المتعددة الجنسيات لأنه يتنافى مع السياسة الاحتكارية لها.
 الاختلاف حول خط الإنتاج: حيث قد تختلف توجهات الشريكين فيما يتعلق بخط الإنتاج، فقد يريد
أحدهما توسيع ذلك الخط بمرور الزمن ، في حين يعترض الشريك الأخر على ذلك .
 تغير العلاقات : هناك صعوبات تنشأ أثناء سير المشروع ، والناتجة عن تغير نظرة أحد الشريكين إلى الأخر،
فقد يحدث أن تتبدل نظرة الدول النامية عند ملاحظتها التطور غير المتوقع في التكنولوجيا، وهو تطور قد يلغي الحاجة الأولية للمشروع، كما لو يتطلب المشروع تكنولوجيات جديدة ترتب حاجة لرأس المال أضخم بهدف المحافظة على القدرة التنافسية ، وهو ما يراه أحد الشريكين ضروريا، بينما لا يوافقه الشريك الأخر، أما الشركات المتعددة الجنسيات فقد تتغير نظرتها وفقا لتطور معرفتها للأوضاع المحلية.
هذا وقد يؤدي تطور الأوضاع الاقتصادية إلى تغير نظرة أحد الشريكين إلى الأخر ، وهو ما يحدث عندما يكون الاتفاق المنشئ للمشروع يتضمن التزام الشريك الأجنبي بشراء نسبة معينة من إنتاج المشروع ، ثم يتضح بعد ذلك أن تلك النسبة غير مناسبة للبيع في الأسواق الأخرى ، ومن ثم تخلق صعوبة في علاقات الطرفين تجعل من إعادة التفاوض شيئا ضروريا .
 بيع استيراد المواد والمكونات :
يحدث هذا عندما يعتمد المشروع في بدايته على استيراد مكونات من الخارج ، إلا أن ظهور مصادر محلية لتلك المكونات يدفع الشريك الأجنبي إلى تفضيلها خاصة ، وأنها تكون في العادة أقل سعرا ، غير أن الشريك الأجنبي لا يتبع الشريك المحلي في التوجه الجديد ، ويظل متمسكا بالمصادر الأولية للاستيراد .
 اختلاف حجم الشركاء:
قد يؤدي اختلاف الحجم بين الشريكين (المحلي الصغير والأجنبي الكبير) إلى التباين في النظر إلى أهمية المشروع ، فيتبادر في ذهن الشريك المحلي أن الشريك الأجنبي لا يعير اهتماما كبيرا للمشروع ، خاصة في الحالة التي يقوم بها الشريك الأجنبي بوضع مسيرين للمشروع على أساس نظام التعاقب بين الموظفين التابعين له ، وهو ما لا يسمح لهم بأخذ الوقت الكافي ليصبح عملهم فعالا لاسيما بعد السيطرة على كافة جوانب المشروع.
البند الثالث: التداخل فيما بين اتفاقيات الاستثمار الدولية والسياسات الوطنية المحلية للدول.
هناك مجموعة من التحديات العامة ( )التي تواجهها البلدان النامية بشأن الاستثمار الأجنبي.
يتعلق التحدي الأول ببنية شبكة اتفاقيات الاستثمار الدولية القائمة، حيث أن هذه البنية تتميز بكونها مجزأة ومنشطرة للغاية، وتتألف من عدة اتفاقيات دولية عالمية كانت أو جهوية التي لا يوجد بينها أي تناسق أو انسجام على صعيد المنظومة ككل، وهذه المنظومة أقل استقرارا من منظومة تقوم على بنية متباينة ومتماسكة، وهي على الأرجح أكثر هشاشة، وأقل مناعة، عندما يقع عليها الضغط، لكن في غياب قواعد استثمار عالمية ليس للبلد أي خيار غير الاستثمار في إبرام اتفاقيات ثنائية. ومن التحديات الأخرى القائمة مسألة التعامل مع التفاعل بين اتفاقيات الاستثمار الدولية من جهة و سياسات الاستثمار الوطنية من جهة أخرى.
ومن أجل إيجاد مناخ استثماري سليم مواتي للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، يلزم توافر شروط إطارية مناسبة سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، و في هذا الصدد يمكن لاتفاقيات الاستثمار الدولية أن توجد معايير هامة تؤخذ بها في الإصلاحات السياسية على الصعيد الوطني، وفي المقابل يمكن للظروف الوطنية أن ترسم حدود ما يمكن الاتفاق عليه في اتفاقيات الاستثمار الدولية، كما هو الحال كثير من الأحيان على صعيد مسألة حرية الاستثمار والبعد الاجتماعي والبيئي للعولمة وهناك مجموعة أخرى من التحديات ذات الصلة بالتنمية مثل مدى موازنة المصالح العامة، والمصالح الخاصة، فمن الشواغل التي على الحكومات مواجهتها مسألة الحرص على أن لا تطفئ المصالح الخاصة للمستثمر الأجنبي على الشواغل العامة المشروعة مثل ما يتعلق منه بالقضايا الاجتماعية وقضايا العمل وحماية البيئة وحقوق الإنسان.
وفيما يتعلق بحقوق الإنسان يمكن توجيه انتقادات عامة ومحدودة على السواء للاتفاق المتعدد الأطراف المتعلق بالاستثمارات إلى تقديم دعم ملموس لحقوق المستثمرين دون النص على أي التزامات موازية، وباختصار فإن رؤية الاتفاق أبدت من الناحية المفاهيمية “حقوق المستثمرين” بينما أنكرت مسؤولياتهم اتجاه الأفراد أو الدولة.
ومن ناحية أخرى اقتراح الاتفاق ومنح قيود واسعة النطاق على النشاط المحلي فيما يخص الاستثمار، مما يعني الحد بشكل خطير من قدرة الدولة بحكم سيادتها على الاستجابة للشواغل المحلية، وهكذا واجهت الدولة خطر التحول إلى خدمة الاستثمارات بدلا من حماية الشعب، هو أول التزاماتها في ميدان حقوق الإنسان، وبذلك ترغم على مخالفة الالتزامات الواردة في العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، أو إخلالها في مركز ثانوي الأهمية. وأخيرا أثارت الأحكام المتعلقة بحل النزاعات والتجريد من الملكية مخاوف بشأن انعدام الشفافية وفرض قيود لإبرامها على حرية تصرف البلدان المخفية تحت ستار صالح التنمية.
وتتعلق قضايا حقوق الإنسان التي أثارها الاتفاق المتعدد الأطراف المتعلق بالانتشارات بأربعة 04 مجالات واسعة:
الشرط الأول متعلق بمساواة الأجانب بالمواطن، وشروط الأداء وآلية حل المنازعات والحكم المتعلق بالتجريد من الملكية، وكان الحكم المتعلق بمساواة الأجانب المواطن يشترط على الدول أن تمنح المستثمرين الأجانب معاملة تفضيلية لا تقل عن المعاملة التي تخص بها المستثمرين من مواطنيها مما يحظر حماية الدولة وتشجيعها للمؤسسات المحلية أو القطاعات الاقتصادية، ومن شأن هذه التدابير أن تؤدي إلى خفض درجة الحماية المتوفرة لليد العاملة، لأن البلدان تتنافس لتوفر المزيد من الحوافز المعنوية للاستثمار الأجنبي في سباق نحو تحديد مستويات لاستعمال المواد الخام المحلية وتنمية الموارد البشرية وظروف العمالة، وبفضل أية إشارة إلى إخضاع المستثمرين لأي من اللوائح المتعلقة بالبيئة أو حقوق الإنسان أو العمل أو أي من اللوائح الراهنة أو المقبلة التي قد ترغب البلدان في تنفيذها.
وفيما يخص آلية حل النزاعات المحتملة الوارد تصورها في الاتفاق المتعدد الأطراف المتعلق بالاستثمارات( )، فإنه يجوز للمستثمرين أن يقيموا دعوى ضد الحكومات وطلب تعويض مالي، إذا ما اعتبر أن أي سياسة حكومية تنتهك حقوق المستثمرين كما ينص عليها الاتفاق، غير أنه لا يوجد حق إيجابي مماثل يسمح للدول بتقديم المستثمرين إلى محكمة دولية، وعلاوة على ذلك فإن الاتفاق متعدد الأطراف المتعلق بالاستثمارات، لم يوفر آلية لتقصي الإدعاءات التي يكون لها أثر سلبي على رغبة الحكومات في تنفيذ أو إبقاء القوانين التنظيمية المحلية المتعلقة بأمور من بينها حقوق الإنسان، وحماية الشعوب الأصلية، وإعمال الحق في بيئة صحية وحماية حقوق العمال، وأخيرا فإن حكم التجريد من الملكية في الاتفاق متعدد الأطراف المتعلق بالاستثمارات كان فضفاضا أكثر مما ينبغي، حيث أنه لم يتضمن حدودا كافية للتعريف ذي الصلة لحماية الإجراءات المعقولة التي تتخذها الدولة من أجل الصالح العام، ويحظر عمليا على الدولة المتعاقدة اتخاذ التدابير الرامية إلى تحسين إطارها التنظيمي الذي قد تمس عمليات المستثمرين.
خلاصة القول فالاتفاق متعدد الأطراف المتعلق بالاستثمارات قد أهمل عددا من أبعاد الالتزامات الإيجابية للدولة بمراعاة حقوق الإنسان وتشجيعها وحمايتها، فلا يجوز تشجيع الاستثمار على حساب النمو السليم للإنسان، أو التنمية البشرية المستدامة، و ينبغي ألا يتم النمو الاقتصادي وعملية التحرير على حساب قدرة الحكومات على حماية جميع الأشخاص المتواجدين على إقليمها، وغالبا ما تكون أفضل طريقة لضمان حقوق الإنسان تدعيم قوة الحكومات على حماية الموارد وحقوق الإنسان لجميع الأشخاص المقيمين على أرض دولة ما.
وعلاوة على ذلك، يمكن اعتبار هذا خرقا من جانب كل الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بالالتزامات لمراعاة المعايير الدولية لحقوق الإنسان وحمايتها وتنميتها، والجوانب الإجرائية التي تم من خلالها تصور مشروع الاتفاق وصياغته ومناقشته، في نهاية الأمر تأكد هاجس بعض الدول التي تخشى إرساء عولمة تتركز فيها فوائد التنمية في أيدي زمرة من الجهات الاقتصادية الفاعلة الفاحشة، وتحرم منها الأغلبية الساحقة من البشرية، وكان الاتفاق المتعدد الأطراف المتعلق بالاستثمارات في شكله وجوهره يمثل الرفض المطلق لجميع مبادئ حقوق الإنسان الدولية الأساسية.
ويتعين على البلدان المضيفة أن تتضمن مرونة تنظيمية كافية عن اتفاقيات الاستثمار الدولية بما يتيح لها السعي إلى تحقيق جدول أعمالها السياسي المحلي، وقد أدى هذا إلى ضرورة المناداة بمراجعة بعض نماذج معاهدات الاستثمار الدولية متعددة الأطراف والإقليمية، وإدخال بعض التعديلات عليها خاصة على القواعد الأجنبية المتعلقة بالتحكيم، إضافة إلى ضرورة توطيد البعد الإنمائي، فمن المسائل التي تثار كيفية ضمان تناول شواغل التنمية بصورة متناسبة في سياق اتفاقي، من تلك الاتفاقيات مثلا إشارات في الديباجة وهيكل الاتفاق، وصياغة المحتويات الموضوعية وإدراج أحكام تتعلق بالمساعدة التقنية، ووسائل التقييد المناسبة بما في ذلك الفترات الانتقالية وآليات الرصد، وما إلى ذلك…
وترى كثير من البلدان النامية أن اتفاقيات الاستثمار الدولية ليست متوازنة، لأنها تكتفي بتحديد التزامات البلدان المستقبلية دون أن تحدد التزامات المستثمرين إلا من جوانب محدودة، و السؤال المطروح هو: ما إذا كان ينبغي إدراج التزامات المستثمر مباشرة في اتفاقيات الاستثمار الدولية بدل الأعضاء فقط؟ بترك مرونة تنظيمية للبلد المضيف بفرض تلك الالتزامات عن طريق القوانين المحلة، أو الإشارة في اتفاقيات الاستثمار الدولية إلى معايير فرعية للمسؤولية الاجتماعية للشركات.
يبقى التحدي الأكبر هو بناء القدرات، حيث تجد البلدان نفسها حاليا مطالبة بالاضطلاع بمهمة إدارة منظومة، فاتفاقيات الاستثمار الدولية متنامية التعقيد، ومن شأن هذه الحالة أن تتسبب في مشاكل خاصة قوامها البلدان النامية، نسب المحفوظات والقدرات المتعلقة بالموارد البشرية والمالية، ومحدودية القوة التفاوضية، ونقص الخبرة، قد تواجه تلك البلدان صعوبات ذات شأن في التفاوض حول اتفاق الاستثمار الدولي الصحيح أو ترجمة الالتزامات الدولية إلى قانون وطني، ووضع سياسات اقتصادية وإنمائية متجانسة، وبلورتها بصورة سليمة في شبكات اتفاقيات الاستثمار الدولية التي تبرمها، والبلدان النامية التي تعيش تغيرات سياسية متواترة، ولها وضع تفاوضي ضعيف وتواجه أيضا خطرا هائلا يتمثل في إبرام اتفاقيات استثمار دولية غير منسقة.
مما يزيد من المشاكل المتعلقة بالقدرات في البلدان النامية تواجد المنازعات بين المستثمرين والدول في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل عدم تواجد حلول قانونية موحدة بشأن منازعات الاستثمار الأجنبي، وكذا ما يتطلبه الاستعداد الكافي للمنازعات بين المستثمرين والدولة، والدفاع عن مصالح هذه الأخيرة يتطلب استعمال الموارد المالية والتقنية المتزايدة في البلدان النامية ضمن حدود لا طاقة لها بها، يضاف إلى ذلك ما أثير من شواغل إزاء قرارات التحكيم التي يمكن أن تنص على تعويضات كبيرة، ومسألة التكاليف الباهظة المتعلقة بالدفاع عن القضايا، لهذا بدأت الكثير من الدول في تحاشي التحكيم، مما يدل على أن الأساليب البديلة لتسوية منازعات الاستثمار إليها نادرا في اتفاقيات الاستثمار في إطار الدولة، رغم أنها متاحة في إطار الصكوك الدولية، مثل تسوية المنازعات في إطار المركز الدولي لمنازعات الاستثمار، ولجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي “الاونسترال”، ويجب النظر في إسناد دور أبرز الأساليب البديلة لتسوية المنازعات، مثل الوساطة والتوفيق، اللذان قد يحققان مزايا متعددة أفضل مما يتيحه التحكيم الدولي.

الفرع الثاني : فشل الأنظمة القانونية الوطنية لتنظيم وحماية الاستثمار

البند الأول: الاختلاف بين الأنظمة القانونية الوطنية في تنظيم الاستثمار

إن مجالات الاستثمار تختلف من دولة لأخرى، و هذا ما يؤدي إلى تباين الاتجاهات المحددة للاستثمار، وتختلف باختلاف استراتيجيات وخطط التنمية الاقتصادية و الاجتماعية فيها، وبالتالي يمكن القول بأن هناك ثلاث اتجاهات( ) تأخذ ها الدول النامية في تشريعاتها بخصوص القواعد المنظمة لملكية الأجانب واستثماراتهم في قطاعاتها الاقتصادية( ).
تتجلى هذه الاتجاهات فيما يلي:
 الاتجاه المقيد:
يتسم بوضع العديد من القيود على ملكية الأجانب واستثماراتهم، والدول التي تأخذ بهذا الاتجاه قد تفرض حظرا كليا على حرية الأجانب في التملك أو في استثمار أموالهم في غالبية القطاعات الاقتصادية التي تحتكرها الدولة أو مؤسساتها العامة، خاصة الصناعات الأساسية اللازمة للتنمية في القطر المضيف، ومشاريع المنافع العامة والموارد الطبيعية وموارد الطاقة والنقل( ).
وقد تترك الدولة القطاع الخاص يتولاه المواطنون أو الأجانب في بقية المجالات الاقتصادية الوطنية، وقد تكتفي الدولة بأن تحظر على الأجانب تملك العقارات دون استغلالها، كالاستثمار في الأراضي الزراعية دون تملكها، أو تحظر الدولة على الأجانب الاشتغال بتجارة الجملة أو بعمليات التصدير والاستيراد.
 الاتجاه الموسع:
يتسم بتوفير مناخ ملائم للاستثمار الأجنبي، وذلك بإتباع أساليب مختلفة تعكس الرغبة في جذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في الدولة الآخذة بهذا الاتجاه، قد ينص تشريع الاستثمار على مبدأ المساواة في المعاملة بين المستثمرين الوطنيين والأجانب، ويتيح للأجانب الاستثمار في جميع المجالات المفتوحة أمام المواطنين، ويخضعون لقواعد قانونية موحدة، كما هو الحال بالنسبة لأغلب التشريعات العربية التي تسوى في المعاملة بين العرب.
وقد تفسح الدولة الأخذة بالاتجاه الموسع المجال أمام رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة بالاستثمار في جميع المجالات الاقتصادية، وتكتفي فيها بالحصول على ترخيص أو موافقة جهة حكومية مختصة “لجنة الاستثمار أو وكالة الاستثمار” بهدف التأكد من مدى قدرة المشروع المقترح على المساهمة في تحقيق الأهداف المرسومة في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة المضيفة، وبالتالي تمنح له مزايا تفضيلية.
 الاتجاه التوفيقي:
يحاول هذا الاتجاه التوفيق بين الدولة النامية في جذب رؤوس الأموال الأجنبية الخاص مع ما يرافقه من خبرات فنية وإدارية للاستثمار فيها، وبين احتفاظها في نفس الوقت بالسيطرة على قطاعاتها الاقتصادية الرئيسية.
فالدولة إما أن تحظر على الأجانب الملكية أو الاستثمار في القطاعات التي تعتبر هامة بالنسبة لها، مع السماح لهم بالاستثمار في بعض القطاعات المحظورة والقطاعات الاقتصادية الأخرى، شريطة مساهمة رأس المال الوطني في رأس المال المشروع المستثمر بنسبة مئوية حتى تتمكن الدولة من السيطرة على المشروع، أو تفسح الدولة المضيفة المجال العام أمام الأجانب للاستثمار في جميع القطاعات بإنشاء بعض القطاعات الاقتصادية المهمة التي تشترط المشاركة المحلية في الاستثمار بنسب مئوية من رأس المال يختلف من مشروع لأخر.
وقد أدى اختلاف الاتجاهات المحددة للاستثمار إلى تباين الدول في تشريعاتها الوطنية الداخلية حول النظم القانونية الوطنية لتنظيم الاستثمار، وهذا ما قد يشكل عقبة أمام توحيد الجهود الدولية لإيجاد نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية، ويمكن تقسيم هذه النظم إلى:
 نظم جاذبـة (النمط التشجيعي).
 نظم مانـعـة (النمط القمعي).
 نظم الرقـابـة (النمط الرقابي).
 النظم الجامعة: “النمط التشجيعي”.
تسمى بالنمط التشجيعي، حيث تضع الدولة الآخذة به في مقدمة أولوياتها جذب الاستثمارات الأجنبية الخاصة، وتعمل على توجيهها وتستند في ذلك على نظام المعاملة الأفضل، الذي يراد منه منح أفضليات وتحفيزا غير عادي للمستثمرين الأجانب عن طريق تبني تقنينات الاستثمار التي تعتبر تعهدا من الدولة بإرادتها المنفردة في مواجهة المستثمر الأجنبي، حيث تمنع هذا الأخير من المزايا والحصانات التي تبعث ف نفسه الطمأنينة والأمن والحماية، وذلك قصد إنجاز مشاريعهم، أو تقديم خدماتهم المادية أو المعنوية للدولة المضيفة، ومثل هذا النمط قائم على فكرة الأفضلية، حيث أن الاستثمار الأجنبي مفضل على الاستثمار الخاص الوطني، ويعود ذلك التفضيل إلى سببين مهمين هما:
 ارتباط السلطات المحلية للدولة المضيفة المراكز والتكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم، وتحتل عندئذ مركز تابع تجاه المركز.
 اعتقاد الدول المضيفة بإمكانيات الاستثمار الأجنبي، وأنها أكثر أهمية من إمكانيات القطاع الخاص الوطني، ويكرس مثل هذا الاعتقاد مبدأ التمييز في المعاملة بين الاستثمارات، وهو ما يخالف أحد القواعد الرئيسية للقانون الدولي للاستثمارات.
ومن بين هذه الدول التي تبنت تشريعاتها هذا النمط من الاستثمار:التشريع المصري الصادر عام 1974، تحت رقم: 43. و التشريعات المغربية و التونسية، وتشريعات بعض دول أمريكا الجنوبية كالبرازيل، الشيلي و الأرجنتين( ).
 النظم المانعة: ” النمط القمعي”.
تنظر إلى الاستثمار على أنه خطر أساسي يهدد الاستقلال الاقتصادي للدولة المضيفة، ويتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، وفي هذا الإطار لا تقبل الدولة التي تنتمي إلى هذا النظام تواجد رساميل أجنبية فوق أرضها، إلا إذا أثبت المستثمر الأجنبي أنه لن يمس بالمصالح الوطنية لاقتصاد الدولة المضيفة، وهو إثبات يخضع لمعايير قانونية وتقنية منصوص عليها في المخططات الوطنية للتنمية.
يقوم هذا النمط على فكرة الاختلاف، ومعناه أن هناك سياسة تمييزية بين الأجانب والوطنيين، حيث يفضل الاستثمار الخاص الوطني على الاستثمارات الأجنبية، لذا لا تسمح هذه النظم بأي استثمار إلا وفقا لشروط معينة، وغير مطمئنة للمستثمر الأجنبي من حيث الحقوق والواجبات مثل:
 عدم السماح لدولة الأصل بالحلول محل رعاياها في المطالبة بحقوقهم في مواجهة الدولة المضيفة.
 عدم تجاوز نسبة معينة من الأرباح محولة للخارج.
 إعطاء الاختصاص بالفصل في المنازعات الناشئة عن الاستثمار للقضاء الوطني( ).
خاصة وأنه لا يوجد في القانون الدولي العام ما يلزم الدولة بالإذن للاستثمارات الأجنبية.
ومن بين تشريعات الدول التي أخذت بهذا النظام: تشريع جمهورية الصين الشعبية، التي لا تجيز الاستثمار الأجنبي إلا في المجالات التي تعجز الدولة، أو القطاع الخاص الوطني القيام بها، و هو ما يحد من درجة تدخل الاستثمارات الأجنبية.
إن تبني مبدأ الأفضلية لمصطلح الاستثمار الأجنبي، فإننا نكون أمام أحد الحظرين( ) هما:
– حظر انتشار الإحباط لدى الاستثمار الخاص الوطني:
مما يجعله في وضعية مواجهة مع سلطات بلده خصوصا إذا كان الممول الأساسي لإيرادات الدولة عن طريق الجباية العادية.
– حظر انتشار ظاهرة التصرفات الانتهازية بين المستثمرين الأجانب:
بحيث يلجأ الاستثمار الأجنبي إلى إبرام صفقات مشبوهة مع الأجانب قد تحدث أضرارا بليغة بالاستثمار الوطني.
 نظم الرقابة:(النمط الرقابي).
توجد في الدول التي تعتمد على الذات في تنمية مواردها الاقتصادية، ولا يمثل الاستثمار الأجنبي هدفا استراتيجيا و لا ضرورة مطلقة بالنسبة لها.
وهدف هذه النظم هو تحديد حجم الاستثمارات الأجنبية بدقة، وذلك لتحديد آلية قانونية إحصائية محايدة في مواجهة رؤوس الأموال الأجنبية، ولا تمثل أي خاصية جاذبة.
من خلال عرض هذه الأنماط تبين لنا مدى اختلاف الأنظمة القانونية الوطنية لهذه الدول، وهي أنظمة مبنية أساسا على عنصر المساواة في المعاملة، بحيث كلما تساوت نكون أمام نظام تشجيعي، وكلما اختل توازنها نكون أمام أحد النظامين الردعي أو الرقابي.
وهذا ما يشكل صعوبة دولية أمام توحيد الجهود والتنسيق في مجال إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية.

البند الثاني: عيوب ومساوئ الأنظمة القانونية الوطنية للاستثمار.

يعاب على هذه الأنظمة القانونية بما يلي( ):
– أن الحماية الوطنية للاستثمار الأجنبي متباينة في أهدافها، وفي حجم نطاق المزايا والضمانات الممنوحة للمستثمرين من دولة لأخرى، بل وحتى في نطاق الدولة الواحدة، مما يجعلها خاضعة للاعتبارات السياسية الظرفية، وتغيير النصوص التشريعية.
– الاختلاف في الآليات المتبعة في أسلوب الحماية الوطنية المتبع من قبل الدول المصدرة، والمستوردة للاستثمار، رغم وحدة الهدف المعلن عنه، و المتمثل في تشجيع تنقل الاستثمار إلى الدول النامية.
– مهما كانت الأداة الوطنية توفر الضمانات وتمنح المزايا والحوافز للمستثمر الأجنبي، فإنها أداة غير فعالة بالنسبة له لقابليتها للتعديل والإلغاء بالإرادة المنفردة من جانب الدول المضيفة، في الوقت الذي لا يكون هناك التزام على هذه الدولة بتعويض المستثمر عن ضرر لحق به نتيجة تصرفاتها، ما دامت لم تخالف أحكام القانون الدولي فيما يتعلق بقواعد الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، حيث أن ما يتضمنه القانون الوطني من مزايا وحقوق للمستثمرين الأجانب، حيث أن ما يتضمنه القانون الوطني من مزايا وحقوق للمستثمرين الأجانب لا يعد التزاما دوليا في مواجهة الدول الأخرى.
– إن برامج الضمانات الوطنية، وإن كانت توفر الأمان للمستثمر الوطني، حيث تضمن له الحصول على التعويض المناسب في حالة تعرض استثماره في الخارج لأحد المخاطر غير التجارية المؤمن ضدها، بمقتضى عقد الضمان المبرم بينه وبين هيئة الضمان الوطنية، إلا أن هذه الوسيلة تعيبها طول وكثرة الإجراءات التي يجب أن يتبعها المستثمر للحصول على التعويض المتفق عليه، رغم تحقق الخطر محل الضمان، وذلك متى اعتبرت هيئة الضمان أن المستثمر قد ساهم في وقوعه.
– هذه البرامج الوطنية لا تخدم إلا فئة معينة من الأجانب و هم رعايا الدولة المصدرة لرؤوس الأموال المنفذة لبرامج الضمان، وتؤدي إلى تحميل دافعي الضرائب في هذه الدولة تبعة تصرفات الدولة المستوردة لرأس المال، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراخي الأخيرة في تحسين مناخها الاستثماري أو إساءة معاملة الاستثمارات في إقليمها.
– إن تعدد أجهزة الاستثمار في الدولة وتضارب اختصاصها يمكن أن يؤدي إلى إرباك المستثمر وتعطيله أعماله.
– إن معظم تشريعات الاستثمار الوطنية لا تعطي تأصيلا قانونيا لعملية الاستثمار، بل إنها تتفق بدرجة أو أخرى، على اعتبار ما يأتي( ) مالا مستثمرا يسري عليه قانون الاستثمار، كما أن هذا الاتجاه ينطوي على خلط واضح مصطلحي المال المستثمر والاستثمار في الوقت الذي ينبغي فيه تجنب مثل هذا الخلط، وبخاصة في نطاق قوانين الاستثمار، وذلك لسهولة تحديد الضمانات القانونية والمزايا الاقتصادية التي يتمتع بها المشروع الاستثماري، ومن ثم فهو يجمع بين أشكال مختلف الاستثمار بطريقة تسمح بالتفرقة بينهما، وذلك لما لهذه التفرقة من أهمية كبيرة لاسيما في تحديد المعاملة التفضيلية التي يقررها التشريع لبعض صور الاستثمار دون الصور الأخرى، فضلا على أن إدخال كل عناصر المال في الاستثمار لا يعطي فائدةملموسة، بل إنه قد يتسبب في إحداث إشكاليات وعقبات عن طريق الاستثمار الذي قد تقتضي عملية تنفيذه تدخل أموال أخرى غير تلك الواردة في القانون، ذلك أن المشرع لا يمكنه أن يحيط بكل صور الأموال المستثمرة، كما أنه لا يمكنه أن يتنبأ بما ستفرزه التطورات الاقتصادية والتكنولوجيا من ظهور أنواعا أخرى من الأصول المادية أو المعنوية التي تدخل في نطاق الاستثمار.
– وجود عوائق أمام تدفق الاستثمار الأجنبي: عند النظر في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى البلدان النامية نجد أن القدر الأكبر والأوفر قد توجه منها إلى عدد قليل من تلك البلدان، خاصة الواقعة منها في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، ففي سنة 1994 حصل 11 بلدا على حوالي 86% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية، أما التدفقات نحو بلدان أخرى فقد تميزت بالركود، ولعل أهم العوائق التي تحول دون تدفق الاستثمار الأجنبي في ظل الأنظمة القانونية الوطنية نذكر:
 ضعف الحماية الوطنية:
رغم قيام العديد من البلدان النامية بإصلاحات قانونية منها منح المعاملة المتساوية للاستثمارات الأجنبية والوطنية، ومنع المصادرة والنص على التعويض السريع و الكافي عند حدوث التأميم، وحق اللجوء إلى التحكيم لفض النزاعات المتعلقة بالاستثمار، إلا أنها مازالت تعاني من ضعف النظام القضائي من خلال تجريده من محتوى التعويض السريع والفعال والكافي، إضافة إلى إلزام المستثمر الأجنبي من إتباع وسائل التقاضي المحلية قبل اللجوء إلى التحكيم يجعل المستثمر الأجنبي أما من قضاء محلي ضعيف ومعيب ويقلص من ثقته في مناخ الاستثمار.
 المغالاة في تقدير قيمة العملة المحلية وعملية الحصول على العملة الصعبة:
رغم أن العديد من البلدان النامية قد أجرت إصلاحات في الميدان النقدي والمالي منذ أواخر الثمانينات وخطت في اتجاه تحرير نظم الصرف والتخفيض من قيمة العملة المحلية، وسماح بعضا منها بتحديد سعر الصرف من خلال السوق، إلا أن تقدير العملات من وجهة نظر المتتبعين لقضايا النقد ما زال يتسم بالمغالاة، كما لازالت هناك قيود على تبادل العملات، ثم إن تحرير عملات الصرف قد تم في بعض البلدان عن طريق قرارات لم تتبع بخطوات تشريعية ملائمة، وهو ما جعل مناخ الاستثمار يتسم بعدم التيقن في أعين المستثمرين.
 القيود على التجارة:
رغم الخطوات التي اتخذتها الكثير من البلدان النامية لتشجيع الصادرات والقضاء على الواردات، فإن إصلاحاتها التجارية ظلت ناقصة من عدة أوجه، إذ لازالت بعض البلدان تمارس الحماية، وهذا ما يساعد على تقوية المنافسة الحقيقية في السوق المحلية، ولا يحقق مستوى لسعر الصرف، و يشجع على التصدير، إضافة إلى العائق الكبير الذي تشكله إدارات الجمارك، وهي إدارات قد تجهض الإصلاحات التجارية بإجراءاتها البيروقراطية ومواقف موظفيها بل و المرتشين، وهذا ما يترجم في الواقع عدم وصول المعدات المستوردة الجمركية التي يستحقها المصدرون لزمن غير معقول، كما تعد عملية التخليص مكلفة خاصة عندما تمر بمستويات متعددة.
 التشوهات الضريبية:
رغم أن العديد من البلدان النامية قد منح إعفاءات ضريبة معتبرة للاستثمارات قصد جلبها، إلا أن السياسات الضريبية لم تعطي الثمار المرجوة، وذلك للأسباب التالية:
– كثيرا ما تنطوي التشريعات الضريبية بما فيها من إعفاءات على تفضيل المستثمرين الجدد وتمييز ضد المستثمرين المتواجدين من قبل في البلد المستقبل كما قد تنطوي تلك التشريعات على تمييز ضد المستثمرين المواطنين.
– انقضاء فترة الإعفاء الضريبي تؤدي إلى زيادة مفاجئة في الأعباء الضريبية على الشركات، ثم إن الإعفاءات الضريبية غالبا ما تمنح عن طريق إجراءات إدارية معقدة تشجع على الفساد الإداري، وهو ما دفع إلى اعتقاد بعض الملاحظين أن النظام الضريبي المستقر والتلقائي المتميز بأسعار معقولة، والخالي من التمييز قد يكون أفضل للمستثمرين، والدولة المستقبلة في نفس الوقت.

الفصل الثاني: ماهية الاتفاقيات الثنائية ودورها في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية.

المطلب الأول : مفهوم الاتفاقيات الثنائية.

ظل العرف الدولي– ولفترة طويلة – يحتل مكان الصدارة بين مصادر القانون الدولي، حتى أتت المعاهدات الدولية لتزحزحه من مكانه، وتتصدر بدلا منه قائمة مصادر القانون الدولي.
لقد تطور الدور الذي تلعبه الاتفاقيات الدولية في الحياة الدولية تطورا واضحا واكب التطور الذي لحق بالمجتمع الدولي من ناحية وبالعلاقات التي تدور في إطاره من ناحية أخرى، فالمجتمع الدولي لم يعد مجتمع الدول الأوروبية المسيحية كما كان من قبل، كما أن العلاقات التي تدور فيه لم تعد قائمة على فكرة التعايش Coexistence، وإنما ظهرت مشكلات وحاجات ومصالح مشتركة للدول اقتضت تضافر جهودهم، وتضامنها لمواجهتها، كل ذلك انعكس بأثره بالضرورة على الدور الذي تلعبه المعاهدات الدولية، فلم تعد فحسب وسيلة من شأنها تقييد تصرفات الدول كل في مواجهة الأخرى عن طريق إرساء الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهما، ولم يعد دورها قاصرا على اعتبارها وسيلة للتوصل إلى الحلول الوسط بين الإدعاءات المتباينة للدول الأطراف، كما أن موضوعاتها لم تعد قاصرة على الأمور التي تهم العلاقات الثنائية بين الدول الأطراف كمعاهدات الحدود والملاحة والتحالف، وإنما أصبحت تهتم بأمور جد حساسة ولها علاقة مصيرية بالتنمية ومستقبل الشعوب.
لذلك ليس من الغريب إذن أن تشهد تزايد مضطرد ( ) في عدد المعاهدات الدولية الجماعية سواء متعددة الأطراف أو كانت ثنائية ، خاصة تلك التي تنظم أمورا تتعلق بالمصالح المشتركة لمجموع أعضاء المجتمع الدولي، أو لعدد من الدول الواقعة في إقليم معين، أو بالأحرى بين دولتين تجمعهما أهداف ومصالح مشتركة .
ولقد دعا ذلك التطور إلى الشعور بالحاجة إلى وجود تقنين للقواعد التي تحكم هذا النوع من التصرفات الدولية وليزيد من ثراء فروع القانون الدولي أي القانون الدولي ألاتفاقي.
المبحث الأول: ماهية الاتفاقيات الثنائية.
إن كلمة معاهدة Traité تعني وجود اتفاق بين دولتين أو أكثر لتحديد الحقوق والواجبات المتبادلة، أو لحل مسألة أو تنظيم رابطة أو تعديل علاقة ، أو لوضع قواعد وأنظمة تتعهد الدول باحترامها والعمل بها .
فالمعاهدة هي في الدرجة الأولى اتفاق بين أطراف دولية، وإن يكن لهذا الاتفاق أسماء مختلفة ، وأشكال متباينة وأغراض محددة، ولتحديد مضمون هذه الكلمة فضل فريق من الفقهاء إلى اعتبار أن هذه الكلمة تطبق على الاتفاقات الدولية المتعلقة بموضوع مهم كمعاهدات التحالف والصلح والمعاهدات التجارية .
وإلى جانب كلمة معاهدة نجد كلمة اتفاقيةConvention فما المقصود بها؟ وهل هناك فرق بينها وبين تعبير معاهدة؟
إن التعبيرين مترادفان تصعب التفرقة بينهما في أكثر الأحيان، فالمادة 38 من نظام محكمة العدل الدولية، مثلا تتحدث عن الاتفاقيات الدولية وتستعمل هذا التعبير أو المصطلح ككلمة مرادفة لكلمة معاهدة، ومع ذلك فالبعض يؤكد أن تعبير اتفاقية يستعمل ويفضل على تعبير المعاهدة في الحالات الآتية ( ):
 عندما يكون أحد الأطراف منظمة دولية لأن المعاهدات تفرض تدخل رئيس الدولة، وليس للمنظمات الدولية رئيس مماثل، ولذلك فإن المعاهدات التي تعدها الأمم المتحدة أو فروعها تدعى اتفاقيات في أغلب الأحيان .
 عند الحديث عن الاتفاقيات الجماعية التي تتضمن قواعد قانونية دولية ، كاتفاقيات لاهاي حول قانون الحرب وتسوية النزاعات الدولية ، واتفاقيات جنيف حول المواضيع المختلفة (قانون المعاهدات وقانون البحار).
 عند الحديث عن الاتفاقيات في الحقل الاقتصادي ، كاتفاقيات الجمركية والاتفاقيات الدولية للاستثمار.
قبل الحديث عن الاتفاقيات الثنائية للاستثمار ودورها في مدى تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية، لابد من التطرق إلى ماهية الاتفاقيات الثنائية في القانون الدولي .

من المتفق عليه أن الاتفاقيات الدولية الثنائية كانت أو متعددة الأطرافأصبحت الآن تحتل مركز الصدارة بالنسبة لمصادر القانون الدولي، لما لها من دور بارز في بناء النظام الدولي من الناحية الهيكلية.
فعلى صعيد العلاقات الدولية تعتبر الاتفاقيات من أهم مصادر القانون الدولي وأحسن الوسائل للارتباط القانوني فيما بين الشعوب بهدف التعاون والتقارب وتجاوز الخلافات، ومن جهة أخرى فإن معظم النزاعات الدولية تخص بطلان أو تفسير الاتفاقيات الدولية، كما أن المحتوى العملي للعلاقات الدولية تنظمه اتفاقيات دولية سواء على المستوى السياسي أو القانوني أو الاقتصادي.
و الجديـر بالـذكـر أن الاتفاقيـات بمختلـف أنواعها ساهمت في خلق قواعد عرفية أو هيـئت الأرضيـة لخلـق مثل هـذه القواعـد.
هذه الأهمية جعلت موضوع الاتفاقيات الدولية بوصفها أحد مصادر القانون الدولي تمتاز عن غيرها بالتدوين، وبالتالي دقة أكثر، بالإضافة إلى أنها تعبر عن الإرادة الصريحة لأطرافها، وهو ما جعل الكثير من الدول الضعيفة، خاصة الدول النامية تفضلها عن غيرها من المصادر، منه نلاحظ الارتفاع اللامتنـاهي للاتفاقيات بمختلف أنواعـها، وخاصـة الثنائية منذ النصف الثاني من هذا القـرن، حيث أصبح الإنسان لا يكـاد يقوم بعمل إلا وكـان خاضـعا لنص تعاهـدي أو اتفاقيـة دوليـة.
الفرع الأول: تعريف الاتفاقيات الثنائية وتحديد خصائصهاوتميزها عن غيرها من المفاهيم المشابهة لها.

البند الأول: تعريف الاتفاقيات الثنائية وتحديد خصائصها .

يقصد بالاتفاقية الثنائية بأنها :”اتفاق دولي يعقد بين دولتين كتابة، ويخضع للقانون الدولي سواء في وثيقة واحدة أو أكثر، وأيا كانت التسمية التي تطلق عليه “، وبعبارة أخرى هي :” اتفاق مكتوب يتم بين دولتين يقصد ترتيب أثار قانونية معينة وفقا لقواعد القانون الدولي “.
يستخلص من هذا التعريف أنه ينبغي توافر الاتفاقية الدولية على الخصائص الآتية:
أولا: إن الاتفاقيات الدولية لا تبرم إلا بين أشخاص القانون الدولي .
إن أي اتفاقات تبرم بين غير هؤلاء ومما كانت الصفة الدولية التي قد تتسم بها، لا تدخل في عداد الاتفاقيات الدولية، فمثلا لا تعتبر من قبيل الاتفاقيات الدولية الاتفاقات التي تتم بين دولة وأحد رعايا الدول الأجنبية أو إحدى الشركات الأجنبية الخاصة ، من قبيل المعاهدات مهما كانت أهمية هذا الاتفاق ( ).
ولقد أكدت محكمة العدل الدولية ، هذا المعنى في قضية البترول لأنجلو – إيرانية ، حينما ادعت إنجلترا أن اختصاص المحكمة بنظر الدعوى يتأسس على قبوله من جانب إيران في سنة 1933 في كافة المنازعات المتعلقة بتطبيق المعاهدات والاتفاقيات التي تقبلها إيران. ثم ادعت إنجلترا بعد ذلك أن عقد الامتياز المبرم بين شركة البترول الانجلو – إيرانية من ناحية ، وبين الحكومة الإيرانية من جهة أخرى يعد ذو طبيعة مزدوجة ، فهو من ناحية عقد امتياز بين إيران والشركة المذكورة ، ومن جهة ثانية يعتبر معاهدة بين الحكومـة الإيرانية والحكومة البريطانيـة على أن محكمة العدل الدولية قد رفضت هذا النظر وقررت أن هـذا التصرف “لا يعدو أن يكـون عقد امتيـاز بين الحكومة الإيرانيـة وبين كيـان أجنـبيforgien corporation ، وأن حكومة المملكة المتحدة لا تعتبر طرفا في هذا العقد “( ) .
ولقد استقر القضاء الدولي على التسوية بين الاتفاقيات الدولية من حيث الأحكام التي تخضع لها بغض النظر عن التسميات التي تطلق عليها، ومن ذلك مثلا ما ذهبت إليه المحكمة الدائمة للعدل الدولي في رأيها الاستشاري الخاص بقضية النظام الجمركي بين النمسا وألمانيا من أن التعهدات الدولية الملزمة يمكن أن تفرغ في وثائق قد تطلق عليها تسميات مختلفة .
أما محكمة العدل الدولية فلقد قررت في قضية جنوب غرب إفريقيا:” أن المصطلحات ليست العنصر الحاسم في تحديد طبيعة الالتزامات أو الوفاق الدولي، فيما جرى عليه عمل الدول والمنظمات، وقضاء المحاكم الدولية يفصح عن وجود تباين كبير في استعمال هذه المصطلحات، والتي يستفاد منها أن خصائص المعاهدة قد ألحقت بأنماط مختلفة من التصرفات الدولية وفق ما يعرف بتعدد التسميات ووحدة الأحكام ” ( ) .
وقد قسمت المادة الثانية/ الفقرة أ من معاهدة فينا سنة 1979 الرأي الراجح فقها وقضاء، وذلك بتعريفها للمعاهدة بأنها : “تعني اتفاق بين دولتين أو أكثر كتابة ، ويخضع للقانون الدولي سواء في وثيقة واحدة أو أكثر، وأيا كانت التسمية التي تطلق عليه”.
ثانيا: أن تصاغ في وثيقة مكتوبة :
اشترطت معاهدة فينا أن يفرغ الاتفاق الدولي المتعدد الأطراف أو الثنائي في معاهدة ما في قالب كتابي ، حيث جاء ذلك في المادة الثالثة – الفقرة 1- أ ، ولعل الدافع إلى ذلك هو الاستجابة لإلى متطلبات الوضوح والبساطة .
إن الكتابة ليست شرطا لصحة المعاهدة أو الاتفاقية ، وإنما هي شرط لسريان أحكام معاهدة فينا على المعاهدة المعنية ، حيث نصت المادة الثالثة منها تحت عنوان : ” الاتفاقيات الدولية التي لا تدخل في نطاق هذه الاتفاقية “.
على أن عدم سريان هذه الاتفاقية …على الاتفاقيات التي لا تتخذ شكلا مكتوبا لن يؤثر على القوة القانونية لتلك الاتفاقات، كما لا يؤثر على إمكان تطبيق أي من القواعد التي تضمنتها الاتفاقية الحالية على تلك الاتفاقات باعتبارها من قواعد القانون الدولي بغض النظر عن هذه الاتفاقية .
وطبقا لما يعرف باسم “مبدأ حرية شكل المعاهدة الدولية”، فإن معاهدة فينا لا تشترط أي شكلا أخر ينبغي أن تأتي عليه معاهدة ما ، ماعدا الشكل الكتابي في الحدود التي ذكرناها .
إن الدول حرة في اختيار أسلوب التعبير عن إرادتها، وطريقة وشكل وصياغة هذا التعبير كما أنه ليس من الضروري أن يتم إثبات المعاهدة في وثيقة واحدة، بل من الجائز أن تتكون المعاهدة من عدة وثائق منفصلة يستفاد من مجموعها اتفاق الأطراف بشأن تنظيم علاقة معينة ، وهذا طبقا لنص المادة الثالثة – الفقرة 1- أ – السابق الإشارة إليها .
ثالثا: خضوع موضوع الاتفاقية لأحكام القانون الدولي.
حتى يتسنى إضفاء الصبغة الدولية على الاتفاقية ينبغي أن يخضع موضوع الاتفاقية لأحكام القانون الدولي، ولعل الدافع من وراء هذا الشرط، هو الرغبة في إفراز المعاهدات الدولية من الاتفاقات التي تتم بين أشخاص القانون الدولي العام دون أن ترقى إلى مستوى المعاهدة الدولية، فليست كافة الاتفاقات التي تبرم بين هؤلاء تعد من قبيل المعاهدات الدولية، حيث أن هناك من الاتفاقات التي تبرم بناء على الإرادة الشارعة لأشخاص القانون الدولي ويكون القصد منها إرساء قواعد قانونية دولية جديدة، أو تأكيد ما هو قائم منها بالفعل، وهذه الطائفة من الاتفاقيات تعد من قبيل المعاهدات الدولية على أنه توجد طائفة أخرى من الاتفاقات تعد من العقود ذات الطبيعة الخاصة وهي إما عقود تبرم فيما بين أشخاص القانون الدولي العام وفرد أو هيئة خاصة، حيث يراعي أن الدول لم تبرم هذه الاتفاقيات بإرادة شارعة وإنما بإرادة خاصة تخضع في مظاهرها الدولية لأحكام القانون الدولي وتحكمها في مظاهرها الخاصة الأحكام والقوانين الخاصة .
ومعنى ذلك أن الدول لا تستطيع إبرام هذه الاتفاقيات ما لا تتفق مع أحكام القانون الدولي، وخروج الدولة عن مقتضيات ذلك يثير تعرضها للمسؤولية الدولية .
رابعا: أن تنتج المعاهدة الدولية أثار قانونية محددة.
تشترط معاهدة فينا أن تتضمن الاتفاقيات الدولية مجموعة من الحقوق والالتزامات المعينة، تكون بمثابة أثار قانونية محددة تحكمها قواعد هذا القانون، ولعل الدافع من وراء ذلك هو استبعاد بعض التصرفات من دائرة المعاهدات الدولية، كون أنها تفصح عن مواقف أصحابها بشأن مشكلة ما دون أن تتضمن مع هذا التزامات محددة ، ومثال هذه التصرفات:إعلانات المبادئprincipes Des Déclarations، البيانات المشتركةCommuniques Communes ، اتفاقات الشرفاء Gentile men’s Agrements ..
والملاحظ أن جميع المعاهدات لا تهدف إلى وضع قواعد قانونية، فبعضها لا ينتج أثار قانونية معينة، فكثيرا من الاتفاقيات تبرمها دولتان أو أكثر دون أن ترتب أي التزام قانوني، ومن ثمة فهي اتفاقات لا تخضع لحكم المعاهدات، ولا تقيد الدول المشتركة، ولا يترتب على عدم احترامها أو تنفيذها أي التزام قانوني، ولا تعدو أن تكون سوى التزام أدبيبحت ( ).

البند الثاني: تمييز الاتفاقيات الثنائية عن غيرها من المفاهيم المشابهة لها .

أولا: الاتفاقيات الثنائية والمشروع الثنائي المشترك (Joint Verdure).
تختلف الاتفاقيات الثنائية عن المشروع الثنائي المشترك في النقاط التالية:
تخضع الاتفاقيات الثنائية لأحكام القانون الدولي ، فهي معاهدة دولية تسري عليها كافة المبادئ العامة للمعاهدات الدولية ، حيث تعد مشروع دولي يشترك في إنشائه دولتان بقصد ممارسة نشاط اقتصادي ، إذ يتفق الطرفان بموجبه على الشكل القانوني الذي يأخذه هذا المشروع ، فقد يأخذ شكل شركة وطنية ذات نظام دولي تتمتع بموجبه الشركة بجنسية إحدى الدول الطرفي في الاتفاقية ، على أن تخضع للأحكام الواردة في الاتفاق الدولي ( ) ، بينما المشروع الثنائي المشترك فيخضع للقانون الداخلي للدولة المضيفة التي تريد إشراك العنصر الأجنبي ضمن مشاريع محلية ، وهو استثمار أجنبي يقوم على أساس المشاركة مع رأس المال الوطني ، وتتحدد نسبة المشاركة في رأس المال المشروع في ضوء القانون الداخلي للدولة المضيفة.
إن الاتفاقيات الثنائية لا تتم إلا بين أشخاص القانون الدولي وبالأخص دولتين، بينما المشروع الثنائي المشترك فيمكن أن يتم بالاشتراك مع مستثمر خاص، يمكن أن يكون فردا أو شركة خاصة أو عدة شركات، وكذا الشريك الوطني فردا أو مجموع أفراد أو شركة خاصة أو هيئة حكومية .
ويتم تحديد الشكل القانوني للمشروع الثنائي المشترك بالنظر إلى أسماء المساهمين فيها، إما القطاع العام وإما القطاع الخاص، فإذا كان جميع المساهمين في المشروع (الأجانب والوطنيون) ينتمون إلى القطاع الخاص، يأخذ المشروع عندئذ شكل الشركة الوطنية العادية التي تنص عليها قوانين البلد المضيف .
أما إذا كانت الحكومة أو إحدى الهيئات العامة هي التي تشارك الأجنبي في رأس المال المشروع، فإن هذا المشروع يأخذ في غالب الأحيان شكل الشركة الوطنية العادية التي تتمتع بجنسية الدولة المضيفة، ولكنها تتميز عن الشركات الوطنية الأخرى بأحكام خاصة، حيث تمنح لها إعفاءات أو امتيازات معينة لا تشاركها فيها الشركات الأخيرة ( ).
ثانيا: الاتفاقيات الثنائية وعقود النقل الدولي للتكنولوجيا :
أثار الفقه والقضاء الدوليين نقاشا حادا وواسعا حول مسألة التفرقة بين العقد Contrat، والاتفاق Accord في إطار القانون الدولي الاقتصادي ، ذلك أن البعض من فقه القانون الدولي قد اتجه متأثرا بالخصائص المميزة لاتفاق الدولة مع الأشخاص الأجنبية، لا سيما وأن القانون الدولي أو على الأقل المبادئ العامة للقانون des droit , les principes Généraux ، قد يختار كقانون واجب التطبيق على العلاقة – إلى القول باعتبار هذا النوع من العقود الدولية مثل غيره من الاتفاقيات التي تبرمها الدولة مع أشخاص القانون الدولي ، بينما لا يسلم البعض الأخر بهذا الوصف، وعليه كيف يمكن تذليل ذلك الخلاف الفقهي بشأن عقود الدولة لنقل التكنولوجيا ؟
يرى أنصار اتجاه وعلى رأسهم الفقيه الألماني بوكشتيجل Bokstiegel القائلين باعتبار عقود نقل التكنولوجيا اتفاق مثل باقي الاتفاقيات الدولية ويستندون في ذلك إلى أن استخدام اصطلاح الاتفاقيةconvention إنما يكون للإشارة إلى الاتفاق الدولي الذي يهدف إلى وضع قواعد قانونية، حيث اتجه هذا الفقه إلى وحدة مؤدى هذه المصطلحات كلها، وهي كونها تدور حول فكرة قيام اتفاق بين دولتين تترتب عليه النتائج المعينة، وأن العمل الدولي قد جرى على استعمال اصطلاحي المعاهدة والاتفاقية كمرادفين.
وفي ضوء تلك المسألة المبدئية نتعرض للأسس التي يتخذها الفقه بشأن القول بانتساب عقود الدولة لتنقل التكنولوجيا إلى الاتفاقيات الدولية إذ يرون أن تلك عقود الدولة الخاصة بنقل التكنولوجيا تنتمي بطبيعتها لقانون المعاهدات ولا تختلف عن الاتفاقيات الثنائية خاصة إذا اشتملت على العناصر التالية( ) :
– لأن يبرم الاتفاق في صورة اتفاقية دولية Traites International .
– أن يتولى إبرامها الدولة أو إحدى السلطات العامة التي يعطيها النظام القانوني الداخلي السلطة والأهلية لإبرام الاتفاقيات.
– أن ينتج الاتفاق التزاما على عاتق الدولة المتعاقدة بألا تمارس بعض سلطاتها العامة، ومن أهمها تجنيد التشريعات السارية وقت التعاقد على ما هي عليه من أحكام .
– اختصاص قضاء التحكيم الدولي بنظر ما ينشب بين الأطراف من منازعات نتيجة إخلال أحد الأطراف بالشروط المتعاقد عليها.
– تضمين العقد صراحة أو ضمنيا إرادة الأطراف في استبعاد القانون الوطني للدولة المتعاقدة من التطبيق على العقد، وما قد ينشأ عنه من منازعات.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أنه إذا ما توافرت هذه العناصر مجتمعة كان الاتفاق السمة الدولية ولو كانت مقيدة وقد ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك بأن أعترف للمشروع الخاص الأجنبي بالشخصية المعنوية الدوليةPersonalitée International وإن كان حددها بحدود الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد.
وقد استند الفقه إلى قضاء التحكيم الدولي بشأن المنازعات الخاصة بعقود الدولة من خلال التحكيم المعروف بتحكيم Texaco حيث رأى المحكم أن العقد محل النزاع هو عقد مداول Contrat internationalise ، ومن ثمة فقد أعتبره مكافئا ومماثلا للاتفاقية الدولية، ورتب على ذلك مسؤولية على عاتق الحكومة الليبية باعتبار أن عملها يعد عملا غير مشروع .
أما الرأي الأخر فقد رأى أن عقود الدولة ، سواء كانت لنقل التكنولوجيا أو غير ذلك من أغراض التنمية الاقتصادية لا تندرج في إطار الاتفاقيات الدولية ، وقد أتجه الفقه والقضاء الدوليين إلى أن تضمين العقد شرطا يقضي بأن القانون الدولي أو المبادئ العامة للقانون هي القواعد الواجبة التطبيق على العلاقة العقدية لا يستتبع تحول العقد إلى اتفاقية دولية بالمعنى الذي تقصده اتفاقية فينا لقانون المعاهدات .
نخلص إذن مما سبق إلى أنه وإن كان من المقبول أن يطبق اصطلاح الاتفاق AGREEMENT، أو العقد Contrat، من خلال قبول الضمانات التي تسعى بضمان تنفيذ العقد، إلا أنه من غير الجائز أن تؤدي العناصر المحيطة بالعقد سواء كانت اقتصادية أو سياسية إلى اعتبارها موضوعا مباشرا يدخل في نطاق تطبيق قانون المعاهدات الدولية.
 الاتفاقيات الثنائية والاتفاقيات المتعددة الأطراف:
يمكن تمييز الاتفاقيات الثنائية عن الاتفاقيات المتعددة الأطراف من خلال ما يلي:
– من حيث عدد الأطراف:
تتميز الاتفاقيات الثنائية عن الاتفاقيات الجماعية من خلال عدد الأطراف ، ونقول عن اتفاقية دولية ما أنها اتفاقية ثنائية إذا أبرمت بين دولتين فقط ، في حين توصف الاتفاقيات الجماعية بأنها متعددة الأطراف إذا أبرمت بين أكثر من دولتين (Multilatéraux)، والتمييز هنا قائم على الناحية الشكلية تتعلق بعدد الأطراف المشاركة في المعاهدة، ومن الأمثلة على ذلك: معاهدة فرنسا عام 1919 التي وقعتها 28 دولة، وميثاق الأمم المتحدة عام 1945 الذي وقعته 51 دولة، واتفاقية جنيف لعام 1949 حول حماية ضحايا الحرب التي وقعتها 124 دولة، ومعاهدة موسكو لعام 1969 حول الحظر الجزئي للتجارب النووية التي وقعتها 105 دولة .
– في مجال البدء في تنفيذ الاتفاقيات:
إن تاريخ البدء في تنفيذ الاتفاقيات الثنائية يكون حسب اتفاق الدولتين، إما عند تبادل التصديقات، وإما عند إيداع جميع التصديقات، وإما عند التوقيع وإما بعد مدة معينة يتفق عليها شهرين مثلا بعد التوقيع أو التصديق، وتحديد المدة للبدء بالتنفيذ تعد وسيلة هامة لضمان التنفيذ واتخاذ إجراءات اللازمة له.
أما بخصوص تاريخ البدء بتنفيذ الاتفاقيات المتعددة الأطراف فتختلف باختلاف المعاهدات، فبعضها ينص على وجوب إيداع جميع التصديقات قبل المباشرة بالتنفيذ مثل معاهدة الحلف الأطلسي مثلا، وبعضها ينص على وجوب الحصول على عدد معين من التوقيعات أو عدد معين من الدول المنظمة (الاتفاقية الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان)، وهناك بعض الاتفاقيات تتطلب الحصول على تصديقات بعض الدول للبدء بالتنفيذ، لأن لهذه الدول أهمية خاصة في المعاهدة، أو لأن تنفيذ المعاهدة بصورة كاملة يتوقف على انضمام هذه الدول إلى المعاهدة، وكثيرا ما يضاف إلى هذه الشروط شرط أخر ينص على أن تنفيذ الاتفاقية الدولية يبدأ بعد شهر أو أكثر من إيداع عدد معين من التصديقات.
– بالنسبة للانضمام إلى الاتفاقيات:
يقصد بالانضمام بأنه عمل قانوني تصبح به دولة ليست طرفا في معاهدة أو اتفاقية طرفا فيها، ويتحقق ذلك بإعلان يتم وفقا لبند المعاهدة يجيز هذا العمل، ونصت المادة 15 من اتفاقية فينا حول قانون المعاهدات حيث ترى في ذلك طريقة للتمييز عن موافقة الدولة عن الارتباط بمعاهدة ما.
كأصل عام هناك حرية الانضمام إلى الاتفاقيات المتعددة الأطراف، حيث أن أغلب الاتفاقيات الجماعية تترك المجال مفتوح أمام الدول باستثناء الحالات التي يمكن أن يكون فيها الانضمام محدودا أو مقتصرا على بعض الدول التي تقيدها المعاهدة، كالدول الموقعة على معاهدة سابقة معدلة بمعاهدة جديدة أو الدول الأعضاء في منظمة دولية، أو دول القارة أو منطقة جغرافية معينة، وقد يكون الانضمام بسيطا أو مشروطا ( ).
بينما الاتفاقيات الثنائية فهي منحصرة فقط بين دولتين متعاقدتين ولا مجال لانضمام الدول إليها.
– في مجال التحفظ:
يجب التمييز في مجال التحفظ عند التصديق بين الاتفاقيات المتعددة الأطراف والثنائية:
في المعاهدات المتعددة الأطراف، يعتبر اللجوء إلى التحفظ أمرا مشروعا، كون أن هذه المعاهدات تتضمن قواعد عامة، وهي مفتوحة أمام الجميع للمشاركة فيها، وبما أن كل الدول حرة في الاشتراك أو عدم الاشتراك فيها فإنها تفضل أحيانا تقييد مدى اشتراكها .
أما في الاتفاقيات الثنائية فأثر التحفظ أصعب، والسبب في ذلك هو أن هذه المعاهدات تضع على عاتق الطرفين المتعاقدين التزامات محدودة ومتبادلة، تشكل موجبات الطرف الأول فيها العوض أو الثمن المقابل موجبات الطرف الأخر، ولهذا فإن التصديق المشروط بالتحفظ غير مقبول.
– في مجال انتهاك أحكام المعاهدة:
عندما يتعلق الأمر بمعاهدة ثنائية الأطراف Bilatéral،فإنانتهاك أحد أطرافها لأحكامها، يخول للطرف الأخر التمسك بهذا الإخلال كأساس لإنهاء المعاهدة أو إيقاف العمل بأحكامها كليا أو جزئيا( ). وعلى الرغم من ندرة السوابق القضائية في هذا الشأن، إلا أننا قد نجد في النزاع البلجيكي الهولندي حول الجسور التي شيدتها بلجيكا على نهر الموز مثلا لهذا الفرض ، فلقد بررت هذه الدولة مسلكها المخالف لأحكام المعاهدة المبرمة بينهما عام 1863 أن هولندا قد فقدت حقها في التمسك بالمعاهدة المذكورة في مواجهتها، لأنه قد سبق لها أن انتهكتها هي الأخرى، الأمر الذي يحق لبلجيكا أن توقف العمل بالمعاهدة.
وعلى الرغم من أن المحكمة لم تفصل في هذه الواقعة، إلا أنه قد جاء في هذا الرأي المعارض لكل من القاضي إينزيليوني والقاضي هدسون أن حجة بلجيكا في هذا الشأن تعد متفقة مع العدالة.
أما فيما يتعلق بانتهاك معاهدة متعددة الأطراف Multilatéral ، فإن الوضع يختلف ذلك أن معاهدة فينا في المادة 60 الفقرة الثانية تفتح المجال لأكثر من حل في هذا الشأن فتنص على أنه: “يترتب على الإخلال الجوهري بأحكام معاهدة متعددة الأطراف من جانب أحد أطرافها ما يلي:
– يخول هذا الإخلال للأطراف الأخرى باتفاق جماعي فيما بينهم إيقاف العمل بالمعاهدة كليا أو جزئيا أو إنهائها إما: في العلاقة بينهم، وبين الدولة التي أخلت بأحكامها، أو العلاقة فيما بين الأطراف.
– يخول الطرف الذي تأثر بصورة خاصة عن هذا الإخلال التمسك به كأساس لإيقاف العمل بالمعاهدة كليا أو جزئيا في العلاقة بينه وبين الدولة التي أخلت بالمعاهدة .
– يخول لأي طرف أخر ماعدا الطرف الذي أخل بالمعاهدة التمسك بهذا الإخلال كأساس لإيقاف العمل بالمعاهدة كليا أو جزئيا بالنسبة إليه، إذا كانت طبيعة هذه المعاهدة تجعل الإخلال الجوهري بأحكامها من جانب أحد الأطراف يغير بصورة أساسية وضع كل طرف فيما يتعلق بأداء التزاماته المستقبلة طبقا للمعاهدة.
إن أهم ما يستخلص من هذا النص هو أنه لا يمنح للدول الأطراف في المعاهدة مجرد حق التمسك بإنهاء المعاهدة أو إيقافها في مواجهة الطرف المخل مثل ما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيات الثنائية، وإنما خولهم الحق في الاتفاق بينهم جميعا فيما عدا الطرف المخل بطبيعة الحال على إنهاء المعاهدة أو وقفها في علاقاتهم به، أو بإنهائها أو وقفها في علاقاتهم المتبادلة بينهم جميعا.
رابعا:الاتفاقيات الثنائية وعقد الاستثمار.
هناك أمورا تجمع بين الاتفاقيات الثنائية وبين عقود الاستثمار حيث أن الاتفاقية الثنائية تشبه عقد الاستثمار من نواحي عدة أهمها:
– مبدأ الرضا:
إن رضا الطرفين هو أساس الرابطة القانونية في الاتفاقية الثنائية وهو الذي يميز هذه الأخيرة عن القانون، فالقانون يطبق على الجميع ويلزمهم دون أن يطلب رضاهم أو دون أن يفسد عدم رضاهم، بينما تعتبر مسألة الرضا عنصرا أساسيا في الاتفاقية الثنائية لصحة انعقادها وكذلك الأمر بالنسبة إلى عقد الاستثمار، الذي يتم بين الطرفين عموما كالهيئة الدولية أو الوطنية مع المستثمر.
– مبدأ العقد شريعة المتعاقدين :
فكما أن عقد الاستثمار يفرض غلى الأطراف المتعاقدة احترام بنوده ، فإن الاتفاقية الثنائية أيضا تلزم كذلك الدول بتنفيذ الواجبات المنصوص عليها في الاتفاقية .
– مبدأ نسبية الآثار و النتائج :
وهذه لا تقيد إلا الأطراف المتعاقدة، أي أن الآثار العقد الاستثمار لا تمس إلا المتعاقدين والآثار الاتفاقية لاتصل مبدئيا إلى الغير.
غير أن الاتفاقية الثنائية تختلف عن عقد الاستثمار في أمور مختلفة أهمها:
-الاختلاف الأول:
يكمن في الأساس القانوني الذي يستند إليه كل منهما ،فالأساس القانوني لعقد الاستثمار في نعظم الأنظمة التشريعية في العالم هو القانون ، أو بصفة خاصة هو القانون المدني الذي يعين شروط صحة انعقاد العقود ، أما الاتفاقيات الثنائية فإن العرف أو القواعد العرفية هي التي تكون قانونها الأساسي .
-الاختلاف الثاني:
يكمن في مسألة تدخل القاضي ومراقبة صحة انعقاد العقد أو عدم تنفيذه، فالقاضي يقوم بواجبه هنا بحرية تامة عندما يعرض عليه عقد من العقود ، ولكنه يجد غضاضة وحرج عندما يطلب منه النظر في اتفاقية من الاتفاقيات.
-الاختلاف الثالث :
يكمن في دور العنف والإكراه ، فالعنق في النظام الداخلي هو عيب من عيوب الرضا يبيح للطرف المتضرر إلغاء العقد الذي أبرم تحت وطأته ، أما النظام الدولي فإن التقاليد والأعراف فتجيز العنف والإكراه إلى حدود معينة .

الفرع الثاني: العناصر المكونة لاتفاقيات وتحديد أهمية تقسيم وتصنيف الاتفاقيات الثنائية للاستثمار.

بعد أن أظهر الواقع العملي الدولي أن التشريعات الداخلية للدولة المضيفة للاستثمار، وكذلك مبادئ العرف الدولي وسائل غير كافية ، وغير فعالة لتقديم الحماية الضرورية واللازمة للاستثمارات الأجنبية ( )، ضد المخاطر غير التجارية ،وفي ظل غياب نظام قانوني دولي موحد للاستثمارات خاصة بعد فشل المجتمع الدولي في إيجاد ميثاق متعدد الأطراف ، فقد كان لابد من البحث عن وسائل قانونية أخرى تكفل هذه الغاية ، وقد جاءت الاتفاقيات الثنائية بين الدول المصدرة لرأس المال، والدول المستوردة له لتحقيق هذا الغرض، ومما لاشك فيه أن تقرير الضمانات والحماية والتشجيع في هذا النوع من الاتفاقيات يزيد من شعور الدولة المضيفة بالمسؤولية تجاه الدولة الأخرى المتعاقدة عندما تتعامل مع المستثمرين الأجانب.
ونظرا لأهمية هذه الاتفاقيات( )قامت الدول المصدرة لرأس المال بإعداد نماذج لاتفاقيات ثنائية لحماية وتشجيع الاستثمارات فيما بين الدول المتعاقدة. Prototype Investissement Treaty .
لتكون أساسا للتفاوض مع الدول المستوردة لرأس المال الراغبة في ذلك، وتستمد هذه النماذج مرجعيتها من مصدر معين واحد، وهو مشروع اتفاقية حماية الأموال الأجنبيـة الذي أعدتـه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) لعام 1967.
وعليه يمكن القول أن الاتفاقيات الثنائية جاءت لتطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية من خلال الإشارة إلى جملة من الالتزامات التي يتعهد بها كلا من الطرفين تجاه الأخر، وهي تدور حول مفاهيم ثلاثة أساسية في قانون الاستثمارات: الحماية والتشجيع، المعاملة، والضمان.
ورغم بعض التباين في الاتفاقيات الثنائية، يمكن القول أنها عادة ما تحتوي على أحكام، تتعلق بحماية الاستثمارات والمساعدة والتعاون الاقتصادي والتقني، بل وأحكام تتعلق بالتجارة، وقد تكون أشكال الاتفاقيات مطبوعة بالطابع السياسي للدولة النامية ، الشيء الذي يصعب من إيجاد نموذج موحد.
وتنحصر مزايا الاتفاقيات الثنائية فيما يلي :
– تعد أكثر نجاحا من الاتفاقيات الجماعية، لأن تحقيق الاتفاق في الأخيرة ليس بالمهمة السهلة.
– هـي مرنـة تستجيب لرغبـة الدولتين المتعـاقدتين وتراعـي ظـروفهما المشتـركـة.
– تنص على الحماية العامة والضمان العام للأشخاص ، وممتلكات المستثمرين من رعايا الدول المتعاقدة ، لذلك سميت بمعاهدات الغطاء أو اتفاقيات المظلة ” Traites De Couverture umbrela Traites لأنها تعطي للمستثمر حقوقا خاصة وتضمن أثار الالتزامات التعاقدية لعقود الاستثمار ، بمعنى تصير الاتفاقية الثنائية بمثابة غطاء تتحول بمقتضاه الالتزامات الواردة يعقد الاستثمار إلى التزامات دولية يترتب على تعديل الدولة المضيفة لأي منها بمقتضى قانون داخلي المسؤولية الدولية ضدها ، كما تضمن إرساء القواعد القانونية الواضحة. حول عقود اتفاقيات الاستثمار وتفادي الخلاف حولها مما يحفظ الاستقرار القانوني الواجب توافره( ).
– كما تقوم بدور حماية الاستثمار في النظام القانوني الدولي ، وتحدد بدقة حقوق المستثمر الأجنبي وامتيازاته ، وواجبات الدولة المضيفة، وهذه الضمانات الخاصة تمثل في الحقيقة معاملة تفضيليةUn Traitement Preferntiel ، من جانب الدولة المضيفة، وبالتالي إذا أبرم أحد رعايا الدولة المتعاقدة عقد استثمار مع الدولة المضيفة فإن هذه الحقوق والامتيازات تثبت له بمقتضى الاتفاقية ذاتها وليس بموجب العقد( ).
– كما أن هذه الاتفاقيات الثنائية عملت على إخراج مسألة الاستثمار الأجنبي من نطاق الاختصاص الداخلي، وإخضاعها لقواعد دولية اتفاقية ملزمة، إنها تستهدف تحديد الإطار القانوني للاستثمارات الأجنبية في الدول المتعاقدة، أي إعطاء الصفة الدولية الملزمة لكثير من القواعد الدولية العرفية التي رفضتها الدول النامية، وهو إنجاز هام نظرا لعدم وجود اتفاق دولي حول القواعد التي تعبرعن حكم القانون الدولي في تطوره المعاصر في موضوع الاستثمار الأجنبي ( ).

البند الأول: العناصر المكونة لاتفاقيات الاستثمار الثنائية.

تعتبر الاتفاقيات الثنائية الطابع المميز لعلاقات التعاون فيما بين الدول، ومحور الأساسي الذي تنفرد به هذا النوع من الاتفاقيات في ظل الاقتصاد العالمي، لما تتصف به من مرونة في تحقيق أهداف الأطراف المتعاقدة وكذا لقيامها على المبدأ التعاقدي الذي يجسد إرادة الدول كوحدات قانونية وسياسية متساوية في السيادة.
وقد ظهر هذا النوع من الاتفاقيات في بادئ الأمر بشكل النمط التقليدي الذي يشتمل على موضوعات عدة ترتكز أساسا على مبدأ حرية التجارة والتعاون الاقتصادي إلى جانب تنظيم الاستثمار، ولكن في نطاق ضيق( )، غير أنه بعد تطور العلاقات الاقتصادية الدولية، ظهر نوع أخر من هذه الاتفاقيات تقوم أساسا على فكرة التمييز بين الاتفاقيات المتخصصة في حماية وتشجيع الاستثمار، باعتبار أن المستثمر الأجنبي لم يعد يقتصر على المطالبة بحماية رؤوس الأموال فقط، وإنما أصبحت هناك ضرورة لوضع ضمانات وامتيازات بغية تشجيع الاستثمار الأجنبي ، وهو نوع جديد ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وارتبط في انتشاره بظهور الدول حديثة الاستقلال، واستعمل بصفة خاصة من طرف بعض الدول المصدرة لرؤوس الأموال مثل ألمانيا وسويسرا وبريطانيا، والغاية منه هو حماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي.
وعموما رغم تباين الاتفاقيات الثنائية، إلا أنها تجتمع كلها في العناصر المكونة لها وهي كالتالي :
– تعريف الاستثمارات الأجنبية: حيث تحتوي الاتفاقيات الثنائية عموما على تعريف جد واسع للاستثمار ، وذلك بهدف تمكين الدول المصدرة للرساميل خاصة لضمان حماية فعالة لتلك الرساميل.
– مسألة نزع الملكية :حيث يعتبر مسألة نزع الملكية من أهم العوائق التي يخشاها المستثمر الأجنبي ، فهي محور صراع الدول المصدرة والمستقبلة للرساميل، إلا أن كافة الاتفاقيات الثنائية تعترف ضمنيا بحق الدولة المستقبلة في نزع الملكية سواء تعلق ذلك بمواطنيها أو بالأجانب .
أما عن شروط نزع الملكية عادة فتشترط أغلب الاتفاقيات الثنائية :
-أن يكون نزع الملكية بسبب المصلحة العامة .
-أن يتبع إجراءات قانونية .
-أن لا يكون تمييزيا .
-أن يرتب تعويضا عادلا وفعليا ، مثل ما هو متعارف عليه دوليا تعويض فوري ومناسب وفعلي.
كما أن مبدأ الحلول Subrogation ، معترف به في كل الاتفاقيات الثنائية، وبذلك تتم المحافظة على المصالح المالية للدولة ، التي قامت بتأمين رعاياها ضد المخاطر غير التجارية ، وأدت إلى تعويضها عن خسائر ناتجة عن نزع الملكية .
– معاملة الاستثمار الأجنبي: عادة ما تنص الاتفاقيات الثنائية على مبدأ المعاملة الوطنية ، وشرط الدولة الأكثر رعاية ، حيث تؤكد تلك الاتفاقيات إلى أن أفضل المبدأين يطبقان على الاستثمارات الأجنبية المعنية ، والنص على هذين المبدأين يكتسي أهمية خاصة في الحالة التي يكون فيها البلد المستقبل للاستثمار يمنح للمستثمرين الأجانب مزايا لا يمنحها لرعاياه، كما أن بعض الاتفاقيات الثنائية تضع بعض القيود والاستثناءات على المبدأين المذكورين ، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالدخول في تنظيمات للتعاون الاقتصادي الجهوي، مثل ما يحدث غالبا في مناطق التبادل الحر، والأسواق المشتركة والاتحادات الجمركية .
وتجدر الإشارة إلى نظم معاملة الاستثمارات متعددة، حسب ما تتضمنه الاتفاقيات الثنائية نورد منها سبعة نظم حددها الأستاذ شوارز نبرغرG. Schwarzenbegger هي ( ):
– الحد الأدنى من النموذج ( قواعد القانون الدولي العرفي).
– نموذج المعاملة التفضيلية ( حالة المستعمرات أو العلاقات الوثيقة جدا ).
– شرط الدولة الأكثر رعاية النموذجي.
– النموذج الوطني.
– النموذج حول المعاملة المماثلة.
– نموذج الباب المفتوح ( معاملة متساوية بين الأطراف في إقليم أخر ليس خاضعا لسيادتها) .
– نموذج المعاملة المنصفة .
ويرى الأستاذ كريستيان هابرلي أن هناك تقنيين في وضع تلك الأحكام وهي:
-أحكام غير مباشرة : وهي تلك الأحكام النسبية التي تحدد من خلالها حقوق وواجبات الأطراف سواء بالرجوع إلى القانون الدولي الشامل ( مبدأ النموذج الأدنى)، أو بالرجوع إلى القانون الداخلي للأطراف المتعاقدة ( مبدأ المعاملة الوطنية)، أو بالرجوع إلى اتفاق مبرم مع دولة أخرى شرط الدولة الأكثر رعاية.
– أحكام مباشرة: وهي تلك الأحكام المطلقة والتي تضع على عاتق الدولة التزامات بمنح حق معين لرعايا الطرف الأخر، ويمكن أن تكون خصوصية، ويمكن أن تكون عامة مثل معاملة عادلة ومنصفة، وعدم التمييز، ومعاملة تفضيلية.
– مدة الاتفاقية : عادة ما تتناول كافة الاتفاقيات الثنائية المسائل المتعلقة بدخولها حيز التنفيذ وتمديدها الضمني، وشروط إنهائها، وفي هذا الصدد تطرح مسائل عدة تتعلق بهذه الاتفاقية
-قضية بدئ سريان الاتفاقية ودخولها حيز التنفيذ:
حيث تختلف من اتفاقية لأخرى، فهناك من الدول من تقوم بتطبيق الاتفاقيات عمليا على الاستثمارات التي أجريت قبل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ مثل ما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيات الثنائية السويسرية، بخلاف الاتفاقيات الثنائية الألمانية بصدد معاملة الاستثمارات الجديدة التي تشترط حصولها على نفس وثائق القبول.
– قضية أثار إنهاء الاتفاقية :
وفي هذا المجال فإن إنهاء الاتفاقية لا ينهي كل الالتزامات المتفق عليها، بحيث يستمر المستثمرون في التمتع بكافة الضمانات الممنوحة عن طريق الاتفاقية كاملة لمدة عشر سنوات أو عشرين سنة، ويهدف النص على مثل هذه الأحكام إلى منع الدولة من إنهاء الاتفاقية بغرض تفادي التعويض عن نزع الملكية.
– مسألة تحويل الأموال إلى الخارج:
وهي من أكبر انشغالات المستثمر الأجنبي الذي يود تحويل أمواله وفوائدها، وكذلك الأموال الناتجة عن تصفية الشركة ، ونجد أن معظم الاتفاقيات الثنائية متشابهة في مسألة الاعتراف بمبدأ حرية التحويل ، وهناك من الدول من تبنت تشريعات جديدة بشأن هذه المسألة ، وذلك بعدم السماح بتحويل نسبة الأموال إلى الخارج إلا بقدر نسبة الأموال المستثمرة داخل تراب الدولة المضيفة، وتختلف كل دولة بشأن إجراءات تحويل الأموال إلى الخارج ، فنجد مثلا أن بعض الاتفاقيات الثنائية السويسرية تضع قائمة مفصلة لأنواع المداخيل المستفيدة من ذلك الضمان، كما تنظم الاتفاقيات الثنائية بدقة إجراءات التحويل من خلال (المدة- معدل الصرف وفق نظام الصندوق النقد الدولي).
– حل النزاعات :
ويجب التمييز ، في هذا الصدد بين نوعين من النزاعات:
– النوع الأول: هو ذلك النزاع الذي ينشب بين الدول الطرفين في الاتفاقية الثنائية حول تفسير أو تطبيق
الاتفـاقيـة.
– النوع الثاني: هو ذلك النزاع الذي يثار بين الدولة الطرف في الاتفاقية، ورعايا الطرف الأخـر.
فالأول عادة ما يخضع للتحكيم، أما النوع الثاني فيخضع إلى التحكيم المؤسساتي منه، كعرض النزاع على المركز الدولي لتسوية النزاعات بين الدول ورعايا الدول الأخرى أو غيره .
فالملاحظ هنا هو وجود نوع من التباين في العمل الدولي في مجال فض النزاعات المتعلقة بالاستثمار، فيما بين الاتفاقيات الثنائية، فهناك من الدول التي تفضل وتعطي أهمية كبيرة للحل التحكيمي مثل الاتفاقيات السويسرية، وهناك من الدول من تولى مسألة التنظيم الدقيق لكل حالات الخلاف المحتملة ، وذلك بهدف تفادي اللجوء إلى التحكيم باستمرار مثل الاتفاقيات الألمانية .

البند الثاني :أهمية تقسيم وتصنيف الاتفاقيات الثنائية للاستثمار.

تنقسم الاتفاقيات الدولية بحسب أطرافها ( )إلى اتفاقيات متعددة الأطراف واتفاقيات ثنائية، ومن جهة إطارها التنظيمي وطبيعتها القانونية إلى اتفاقيات عقدية واتفاقيات تنظيمية، أما من حيث موضوعها فتقسم إلى اتفاقيات عامة، واتفاقيات خاصة، وما يهمنا في دراستنا هذه من مختلف التقسيمات، التقسيم الأخير، لأنه يبرز لنا الأداة المتبعة في تنظيم وحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي ، وفي نفس الوقت يعكس لنا الجانب العملي التطبيقي المتبع في نطاق العلاقات الدولية .
وبتتبع تاريخ تطور الاستثمارات الدولية ، يمكن الخروج بثلاثة أنماط من الاتفاقيات الثنائية :
 النمط الأول:( الاتفاقيات الثنائية العامة).
يمثل هذا النوع من الاتفاقيات الشكل التقليدي لاتفاقيات الصداقة والتعاون فيما بين الدول المتعاقدة، ويتولى تنظيم كافة أوجه النشاط الاقتصادي بشكل عام بما فيه الجانبين التجاري والمالي دون أن يتناول الاستثمار، فهو لا يتضمن ترتيبات خاصة بالاستثمار والمستثمرين، وإنما يدرسه ضمن إطار ضيق يدخل في إطار تنظيم الاقتصاد بصفة شاملة وعامة .
وقد ظهر هذا النوع من أنواع الأنماط التقليدية للاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية عموما وهو ما يسمى ب: “اتفاقيات الصداقة والتجارة والملاحة” treaties of friendship commerce and navigation
حيث تعتبر من أكثر الدول تمسكا واستعمالا لهذا النوع من الاتفاقيات في نطاق علاقاتها الدولية، رغم أنها تعد الدولة الأولى في تصدير الاستثمار إلى الخارج ، ويرى الأنصار المؤيدين لفكرة الأخذ بأسلوب الاتفاقيات الثنائية العامة ضرورة تبني هذا الأسلوب في مجال ترقية وتطوير التعاون ، وتوطيد أواصر الصداقة فيما بين الشعوب الدول المتعاقدة من خلال وضع مبادئ وأحكام عامة تشمل كافة الأنشطة ودون تمييزها عن الاستثمارات الأجنبية، فرأس المال عندهم ما هو إلا عنصر إنتاج لا يمكن فصله عن بقية العناصر الإنتاجية الأخرى ، الأمر الذي يستدعي لتنظيمه وتحديد أطره ووسائله في إطار ما يعرف بالعلاقات العامة للتعاون بين الدول.
ومن أهم الاتفاقيات العامة( )المبرمة في هذا الشأن نجد: الاتفاقية الصداقة والملاحة والتجارة المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وايطاليا في 02 فيفري 1948، حيث جاء في إطار بند خاص بالاستثمار:”على أن ممتلكات مواطني وشركات وهيئات أي من الطرفين المتعاقدين يجب ألا يستولي عليها في إقليم الطرف الثاني إلا طبقا للقانون، ويشترط دفع تعويض حال وعادل وفعال”، وكذلك الاتفاقية المبرمة مع نيكاراغوا، وقد جاء فيها بند خاص يقضي بعدم اتخاذ أي طرف من الأطراف المتعاقدة لتدابير تتصف بعدم المعقولية أو بالتمييز، بما يؤثر في الحقوق المكتسبة قانونا لمواطني أو شركات الطرف الأخر في المشروعات التي يؤسسونها، ولا يتم الاستيلاء عليها إلا بناء على مقتضيات المصلحة العامة مقابل تعويض يتسم بالفعالية والعدل.
وتتميز الاتفاقيات الثنائية العامة بالمميزات والخصائص الآتية( ):
– العمومية وعدم الدقة في تحديد أطر الاستثمار :
إن هذا من الاتفاقيات لا يصلح لأن يكون إطارا قانونيا وتنظيميا فعالا للاستثمار الأجنبي، كون أن الحماية المقررة في هذا النوع من الاتفاقيات (اتفاقية الصداقة ) لا تتضمن تحديدا دقيقا لتنظيم وحماية الاستثمار الأجنبي، فالأحكام المتعلقة بها تتصف بالعمومية وعدم الدقة في تحديد أطر الاستثمار، فارتباط موضوع هذه الاتفاقيات بالأنشطة الاقتصادية والتجارية بين الدول المتعاقدة أهمل جانب مهم وهو الاستثمار الأجنبي.
وبالرجوع تاريخيا نجد أن اتفاقيات العامة المتعلقة بالتجارة والصداقة والملاحة ارتبطت نشأتها بظهور سيادة فلسفة النظام الرأسمالي القائم على المصلحة الذاتية، والبحث عن الأسواق الخارجية لتصريف منتجات الدول الصناعية الكبرى، ولبسط نفوذها على المواد الأولية المتواجدة في البلدان النامية (أسيا – إفريقيا – وأمريكا اللاتينية)، أي الدول التي كانت تحت سيطرة هذه الدول (الاستعمار).
– انعدام الآليات والقواعد القانونية اللازمة لحل المشاكل التي تواجه الاستثمار:
باعتبار أن هذا النوع من الاتفاقيات لا يتناول الاستثمار إلا من جانب ضيق خلاف الأوجه النشاطات الاقتصادية الأخرى ، فإنها لا يمكنها توفير حماية لازمة للاستثمارات الأجنبية، وحل المشاكل المتعلقة بها، وهو أمر جلي يظهر من خلال اهتمام هذه الاتفاقيات بتنظيم التجارة الدولية وحسن الجوار، فالنصوص الواردة بها محدودة والمتعلقة بحماية مواطني كل من الدولتين وأموالهم تهدف إلى حماية الأشخاص كرعايا أجانب أكثر مما تهدف إلى حماية الاستثمار كنشاط اقتصادي ومالي وقانوني، وهذا ما يؤثر سلبا على المناخ الاستثماري، لأن المواقف المتباينة لكل من الدول المصدرة والمستوردة لرؤوس الأموال حول الاتفاق على القواعد الموضوعية والإجرائية الخاصة بتنظيم الاستثمار وتزايد المخاطر الناجمة عن التأميم ونزع الملكية والاستيلاء ، وغيرها من صور نزع ملكية أموال الأجنبي، كل هذه المشاكل لا يمكن لاتفاقيات الصداقة والتجارة أن تحققها فيظل سعي الدول النامية إلى ضرورة إيجاد حماية دولية خاصة للاستثمارات الأجنبية.
 النمط الثاني: اتفاقيات الثنائية لضمان الاستثمار.
قامت بوضع هذا النوع من الاتفاقيات دولة الولايات المتحدة الأمريكية، وعملت بها معظم الدول النامية، وتتجلى مهمتها الرئيسية في تكملة نظام حماية الاستثمارات الأمريكية، وتنص على حق البلد المستقبل للرؤوس الأموال الأجنبية النظر في المشاريع الأمريكية ولا يحظى الاستثمار بالحماية في الولايات المتحدة الأمريكية إلا بعد حصول على موافقة البلد المستقبل مع حق الولايات المتحدة الأمريكية بتبني دعوى الحماية الدبلوماسية لحماية رعاياها المستثمرين في الخارج (النظام الأمريكي لتأمين الاستثمارات) بحلول محل رعيتها عندما تنتهك حقوقهم المترتبة بموجب الالتزامات التعاقدية مع هذه الدول المستقبلة للاستثمارات، وبالتالي المطالبة بالتعويض.
وقد عيب على هذا النوع من الاتفاقيات كون أنها ذات مدى محدود، ولا تعدو أن تكون ذات سمة إلزامية قانونية مستمدة من قوة الاتفاق، وذلك لأنها لا تلزم الدولة المستقبلة باتخاذ إجراءات التشجيعية، أو بالعكس الامتناع عن بعض الأعمال كنزع الملكية.
 النمط الثالث: الاتفاقيات الثنائية الخاصة.
تعتبر الاتفاقيات الثنائية الخاصة ، من أكثر الأساليب شيوعا من حيث التطبيق الدولي لها ، وقد دفع قصور النوع الأول من الاتفاقيات العامة إلى التسارع الدول المصدرة لرؤوس الأموال إلى انتهاج أسلوب الاتفاقيات الخاصة بالحماية والتشجيع الاستثمار كآلية من آليات الحماية الدولية الاتفاقية بغية إضفاء الصفة الإلزامية على بعض القواعد العرفية الدولية التي ما فتئت تشكل هاجس لدى الدول النامية ، وترفضها كإطار لتنظيم وحماية الاستثمار الأجنبي ، وقد رضخت الدول النامية لمطالب الدول المصدرة لرؤوس الأموال رغم وجود بعض البنود التي تشكل ضررا بمصالحها نتيجة:
– الحاجة الماسة لرؤوس الأموال الأجنبية.
– محدودية الموارد المالية للدول الناميـة.
– الضغـوطـات الممارسـة عليهـا.
وقد ظهر هذا النوع من الاتفاقيات الثنائية الخاصة بعد الحرب العالمية الثانية بمقتضى التعاون الاقتصادي الأمريكي الصادر عام 1948، ولقد لقي صدا كبيرا وانتشارا مذهلا في مطلع الستينات إلى معظم الدول المصدرة للاستثمارات وذلك لاعتبارين أساسين هما ( ) :
 تزايد المخاطر غير التجارية التي أصبح يتعرض لها الاستثمار الأجنبي في الدول حديثة العهد بالاستقلال، بسبب العداء الذي تذمره شعوب هذه الدول لكلما هو أجنبي لارتباط الاستثمار خلال مرحلة تاريخية معينة.
 لقد أدى ظهور وانتشار الأفكار الاشتراكية كعقيدة سياسية ومنهج اقتصادي في كثير من الدول النامية إلى التصعيد من احتمالات المخاطر غير التجارية ضد الملكية الخاصة مما زاد من مخاوف المستثمرين، مما دفع بالدول المصدرة لرأس المال إلى تبني نمط الاتفاقيات الخاصة بالحماية والتشجيع، ولعل من أهم الدول التي أخذت بهذا الأسلوب، وتمسكت به في نطاق علاقاتها مع الدول النامية نجد: فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، سويسرا .
وقد نصت الاتفاقية الجزائرية الفرنسية المبرمة عام 1993 عملا بهذا النوع من الاتفاقيات، وكتجسيد لهذا النهج الجديد في مجال حماية وترقية الاستثمار الأجنبي، حيث جاء في الديباجة: “أن الطرفين المتعاقدين ورغبة منهما في تشجيع وحماية الاستثمار لصالح تنميتها الاقتصادية يصادقان على الاتفاق المبرم بينهما، والمتعلق بالتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار”.
وترجع أسباب ميل الدول إلى هذا النمط من الاتفاقيات إلى:
– إن الدول لم تجد وسيلة أنسب لها من الاتفاقيات الثنائية الخاصة لمواكبة ومسايرة التطور الاقتصادي في نطاق العلاقات الدولية، سواء لتحقيق ما تصبو إليه من تنمي و وتقدم ،أو من حيث تجسيد إرادتها في تعاملاتها كوحدات قانونية وسياسية قائمة ومتميزة عن بعضها البعض.
– إن الاتفاقيات الثنائية الخاصة أصبحت تمثل الإطار القانوني والتنظيمي للاستثمارات الأجنبية بدءا من قيام المشروع ودخوله في إقليم الدولة المضيفة إلى حين تصفيته وتحويل رأسماله إلى الخارج ، كما أن لها أهمية تكمن في توضيح وتحديد التزامات أطرافها من حيث محتوى الحقوق والالتزامات الواردة بها .
– قوة إلزاميتها والقدرة على تنفيذ الالتزامات الدولية الواردة فيما بين أطرافها ، وإثارة المسؤولية الدولية عند عدم التزام أحد الأطراف بتنفيذ تعهداته ، وفي هذا الصدد أشار الأستاذ طلعت الغنيمي إلى:” إن المسؤولية الدولية لا تقوم على ما تحتويه نصوص الاتفاق من التزامات وحقوق فيما بين الأطراف المتعاقدة، بل تقوم أساسا على امتناع أحد الأطراف عن تنفيذ الاتفاق ذاته”.
وقد جاء في ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 ما ينص على ضرورة احترام الالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية .
إن معظم الاتفاقيات الثنائية المبرمة فيما بين الدول المصدرة والمستوردة، والخاصة بحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، تتشابه في الشكل والمضمون، ولا تختلف عن بعضها البعض إلا في مسائل محدودة، وهذا ما جعلها تمثل الإطار القانونيالأمثل لتعاملالدولي، لمالها من خصائص تجعل منها إطار قانوني شامل يتضمن أحكام مشتركة فيما بين الدول قادرة لأن تكون مصدر للقانون ألاتفاقي، لأنها تستمد قوتها من قوة الاتفاق، وهذا ما أشارت إليه محكمة العدل الدولية الدائمة من خلال إقرارها بمبدأ سمو الاتفاقية الدولية على إرادة الدول المتعاقدة بقولها:”إن الالتزام الناشئ عن الاتفاقيات يكون التزاما قانونيا ملزما وليس مجرد التزام أخلاقي”.
ومعنى ذلك أنه لا يمكن للدول المتعاقدة الخروج عن الالتزامات التي يفرضها الاتفاق الدولي، وأن أي إخلال بالالتزامات الواردة في الاتفاقيات الدولية يترتب عن إثارة المسؤولية الدولية للطرف المخل، الذي يعتبر عمله عملا غير مشروع من الناحية الشرعية الدولية، لكون أن الاتفاقية تمثل أثار لاحقة على تنفيذها، ولا تعدو أن تنظم العلاقة بين الأطراف المتعاقدة فقط .
ويتماشى هذا الرأي مع الموقف الذي يرى أن قاعدة المتعاقد عبد تعاقده، فهي قاعدة من القواعدالأساسية التي يقرها القانون الدولي.

المطلب الثاني: الإطار القانوني لمفهوم الاستثمار في ظل الاتفاقيات الثنائية.

تعتبر الاتفاقيات الدولية أداة فعالة وإطارا قانونيا لتحديد الالتزامات فيما بين الأطراف المتعاقدة، لذا فهي تتضمن في الغالب تعريفات لبعض المفاهيم والمصطلحات الواردة بها، حيث يمثل لفظ الاستثمار أولى الأولويات في اتفاقيات الحماية، نظرا لما يتميز به هذا المصطلح من غموض وشمولية في محتواه، لذلك تلجأ الأطراف المتعاقدة في الاتفاقيات الثنائية إلى تحديد المضامين العامة الواردة في هذه الاتفاقيات تجسيدا لمبدأ سلطان الإرادة التي تقوم عليه، باعتبار ذلك يعد أمرا مستساغا.
ويتحدد الإطار القانوني لمفهوم الاستثمار في كون أن معظم الاتفاقيات الدولية الثنائية اتجهت نحو التوسع ( ) في مفهوم الاستثمار الأجنبي ، بحيث يشمل كل إسهام في مشروع عن طريق تقديم أصول فيه سواء كانت تلك الأصول مادية ملموسة أو معنوية كالمعرفة الفنية والتكنولوجية وبراءة الاختراع، ولا يقتصر فقط على الاستثمارات النقدية أو المادية أو المنظورة.

الفرع الأول:تعريف الاستثمار في الاتفاقيات الثنائية.

رغم أن الكثير الاتفاقيات الثنائية تتبنى المفهوم الموسع للاستثمارات الأجنبية التي تعني تحول رأس المال من بلد لأخر، وهو في العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب من خلال تحول الرساميل من البلاد المصنعة إلى البلاد النامية، إلا أن أغلب هذه الاتفاقيات في مجال تحديدها وتعريف الاستثمار تأخذ بأحد الأسلوبين التاليين:
 الأسلوب التعدادي:
يقصد بالأسلوب التعدادي هو ذلك الأسلوب الذي يتولى ذكر مكونات الاستثمار وعناصره دون أن يتولى حصرها، وهذا الأسلوب قد اتبع في بعض التشريعات الداخلية للدول كأداة لتحديد مضمون الاستثمار( ) .
مثال ذلك نص المادة الأولى، الفقرة الثالثة من الاتفاقية المبرمة بين مصر والإتحاد السويسري في 25-07-1983، بشأن تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين الدولتين، حيث تنص هذه المادة على أن لفظ :” الاستثمارات يصدق على جميع الأصول المقبولة طبقا للتعريفات القائمة في أي من الدولتين المتعاقدتين وعلى الأخص وبدون حصر.”
– الممتلكات الثابتة والمنقولة، وكذلك الحقوق المعنوية، كحق الرهن بجميع الأشكال المقررة للرهن وحق الانتفاع وسائر الحقوق والتأمينات المماثلة .
– الأسهم أو أية أنواع الأخرى من الحقوق في الشركات .
– حقوق الامتياز المقررة في القانون العام ومن ضمنها امتياز للبحث واستخراج ولاكتشاف الثروات الطبيعية.
– الملكية الأدبية وحقوق المؤلف والحقوق المتعلقة بالملكية الصناعية والأعمال الفنية والمهارات والعلاقات والأسماء التجارية.
– المطالبات المتعلقة بنقود وأعمال لها قيمة اقتصادية.
وأي تغيرات مقبولة في أشكال الأصول التي تستثمر لن تؤثر في تصنيفها الاستثماري، كما حاولت بعض الاتفاقيات إعطاء مفهوم شامل (314) للاستثمار الأجنبي من خلال تحديد الأموال المستثمرة المشمولة بأحكامها فتضع معيارا عاما لتلك الأموال ثم تورد بعض الأمثلة الإيضاحية لها مثل ما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمارات بين العراق والسودان لسنة 1999 التي تنص على أنه تعني كلمة الاستثمار جميع أنواع الأصول التي يمتلكها أحد مستثمري طرف متعاقد ، وتستثمر في إقليم الطرف المتعاقد الأخر، ويشمل مصطلح الاستثمار بوجه خاص وليس على سبيل الحصر:
– حقوق الملكية المنقولة وغير المنقولة ، كذلك الضمانات المختلفة بالرهون العقارية و الامتيازات والرهون الأخرى.
– قيم وأسهم وسندات وحصص الشركات.
– المطالبة بأموال أو أي قيمة اقتصادية متعلقة بالاستثمار.
– حقوق الامتياز الممنوحة بموجب القوانين النافذة لدى الطرف المتعاقد بما في ذلك الحقوق المتعلقة بالبحث عن الموارد الطبيعية واستخراجها واستغلالها.
– حقوق الملكية الفردية والصناعية والعناصر غير المتعلقة بالأصول التجارية مثل العلامات التجارية، البراءة، السمعة التجارية، وأي حقوق أخرى، وفق تعريفها في قوانين ولوائح الطرف المتعاقد الذي تقع في إقليمه، والمستخدمة في مشروع استثماري مرخص.
نصت الاتفاقية الثنائية( ) بين حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وحكومة الجمهورية الإيطالية بشأن حماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي الموقعة في 21-07-1996 ب عمان، على أنه:” تفسر كلمة استثمار على أنها توع من الممتلكات المستثمرة قبل أو بعد نفاذ هذه الاتفاقية من قبل أي شخص طبيعي أو معنوي من إحدى الدولتين المتعاقدتين على أرض الدولة المتعاقدة الأخرى بما يتفق مع القوانين والأنظمة الأخرى في تلك الدولة، بصرف النظر عن الشكل أو الإطار القانوني المتبع في ذلك”.
و تشمل كلمة استثمار و بدون حصر:
– الأموال المنقولة وغير المنقولة والحقوق العينية بما في ذلك الضمانات على أموال الغير إلى المدى الذي يمكن استثمارها فيه.
– الحصص، سندات القروض وأسهم رأس المال، أدوات الدين بما في ذلك السندات الحكومية والعامة بشكل عام.
– الديون النقدية وأي حقوق خدمات ذات قيمة اقتصادية مرتبطة بأي استثمار، وكذلك الدخل والأرباح الرأسمالية التي أعيد استثمارها.
– حقوق التأليف، والعمولات التجارية، وبراءات الاختراع، والرسوم الصناعية، وغيرها من حقوق الملكية الفكرية والصناعية والمعرفة الفنية، والأسرار والأسماء والسمعة التجارية.
– أي حقوق اقتصادية مترتبة بموجب القانون، أو عقد، وأي امتياز أو تراخيص منحت طبقا للأحكام السارية والمتعلقة بالنشاطات الاقتصادية، بما في ذلك حقوق اكتشاف واستخراج واستغلال المصادر الطبيعية.
تفسر كلمة “مستثمر” على أنها: الشخص الطبيعي أو المعنوي في إحدى الدولتين المتعاقدتين الذي يستثمر في أرض الدولة المتعاقدة الأخرى، وأي شركات تابعة لشركة أجنبية أو مملوكة أو شقيقة لها، ويكون مركزها الرئيسي في أرض إحدى الدولتين المتعاقدتين، و تتم السيطرة عليها من قبل هذا الشخص الطبيعي أو المعنوي.
وردت تعريفات الاتفاقيات لمفهوم الاستثمار في إطار الاتفاقيات التي أبرمتها الجزائر مع الدول الأجنبية قصد حماية وتشجيع وضمان الاستثمارات المتبادلة.
في هذا الإطار ميزت المادة الأولى من الاتفاق الجزائري والاتحاد البلجيكي اللكسمبورغي المصادق عليه بموجب المرسوم رقم: 91/345 المؤرخ في 05-10-1991 بصدد كلمة الاستثمارات بين الممتلكات المادية كالعقارات أو المنقولات، والممتلكات المعنوية كالحقوق الصناعية وبراءة الاختراع، يضاف إليها المداخل الناتجة عن الاستثمار أو إعادة الاستثمار، والمتمثلة في الأرباح والفوائد وزيادة رأس المال والتعويضات و الإتاوات( ).
في حين عرفت المادة سالفة الذكر المستثمر على أنه:”كل شخص طبيعي يتمتع بجنسية الأطراف المتعاقدة، وكل شخص معنوي له مقر اجتماعي على إقليم أحد الأعضاء”.
وفي نفس السياق تعـرف الاتفاقية الجزائريـة الإيطاليـة المصادق عليها بموجب المرسوم رقم:91/346 المؤرخ في 05-10-1991 الاستثمارات على أنها: ” كل عنصر من الأموال مهما كان نوعه، وكل إسهام نقدي أو عيني أو خدمات مستثمرة أو أعيد استثمارها في كل قطاع اقتصادي مهما كان نوعه”.
وتعتبر في نظر هذا الاتفاق، وعلى سبيل المثال لا الحصر كالاستثمارات:
– الأملاك المنقولة والعقارية، وكذلك الحقوق العينية مثل الرهن العقاري، والرهن الحيازي، وحق الانتفاع، والحقوق المماثلة لها.
– الأسهم والحصص الاجتماعية وكل شكل من الأشكال الأخرى للمشاركة، حتى وإن كانت أقلية غير مباشرة ي الشركات المؤسسة على إقليم إحدى الأطراف المتعاقدة.
– الالتزامات، الديون والحقوق في الخدمات التي لها قيمة اقتصادية.
– حقوق المؤلف، حقوق الملكية الصناعية، الأساليب التقنية، الأسماء المسجلة و المحل التجاري.
– امتيازات القانون العام، أو الامتيازات التعاقدية لا سيما تلك المتعلقة بالحقوق الناتجة مباشرة عن الاتفاقيات المبرمة بين المستثمر المستفيد من الامتياز وصاحب الامتياز.
– بالنسبة للمداخيل فقد عرفتها المادة الأولى، الفقرة الثالثة من ذات الاتفاق على أنها: ” تمثل المبالغ الناتجة عن الامتياز بصفة مطلقة، وخاصة الأرباح والفوائد، وزيادة رأس المال والأرباح الموزعة والتعويضات والإتاوات”.
ويراعى في تحديد المادة الثانية من النظام رقم: 90/03 لإضفاء صفة المقيم على الشخص الحائز لها المتوسط الحسابي للمداخيل خلال السنتين الأخيرتين، أو المتوسط السنوي الذي يحسب منذ بدئ النشاط إذا كان هذا الأخير انطلق منذ أقل من سنتين، وهي معايير غير كافية وخصوصا أن أغلب المشاريع المعتمدة هي مشاريع جديدة، وليس لها أي مدخول ثابت، وكما أنها تفتح المجال أمام مشكل التحايل للحصول على رخصة الإقامة.
ويقصد بكلمة مستثمر حسب ذات الاتفاقية على أنه : “كل المواطنين الطبيعيين المنتمين إلى أحد الدولتين، على أنه بالنسبة للمواطن الطبيعي فإنه مبني أساسا على معيار الجنسية، بينما بالنسبة للشخص المعنوي فإنه يقوم على أساس المركز الرئيسي للمصالح الاقتصادية، كما هو معرف بتشريع وتنظيم كلا من الدولتين المتعاقدتين.”.
أما بشأن تحديد الشخص فالجزائر قد أخذت بالمعيار ألاتفاقي، وقد ورد في الاتفاقيات التي أبرمتها الجزائر مع شركائها الأجانب، وهي تستند إلى معايير معروفة في القانون الدولي، ويتمثل فيما يلي:
 معيار المقر الاجتماعي:
وأخذت به اتفاقية الجزائر، والاتحاد البلجيكي اللكسمبورغي المؤرخة في: 24-04-1991، و المصادق عليه بموجب المرسوم رقم: 91/345 المؤرخ في أكتوبر 1991، حيث تنص المادة الأولى للفقرة ب، على أنه:” الشركات وتعني كل شخص معنوي أسس طبقا للتشريعات اللكسمبورغية أو الجزائرية، أو له مقر اجتماعي على إقليم بلجيكا، لكسمبورغ، أو الجزائر.”( ).
والملاحظ على هذا المعيار أنه يعتمد على مبدأ الإقليمية في تأسيس المقر الاجتماعي وهو بذلك تناقض ومحتوى القانون الداخلي.
 معيار الاندماج أو التسجيل:
أخذ به الاتفاق الجزائري الأمريكي الموقع بواشنطن في: 22- 06- 1990، والمصادق عليه بموجب المرسوم الرئاسي رقم 90-319 المؤرخ في:17-10-1990 والذي نص عليه في المادة الأولى منه على أنه:” تشير عبارة التغطية إلى أن تأمين أو ضمان للاستثمار الصادر وفق هذه الاتفاقية من قبل مؤسسة الاستثمارات الخاصة لما وراء البحار، أو من قبل أي وكالـة تخلفها من وكـالات الولايات المتحدة الأمريكيـة، أو مـن أي هيئـة أخرى أو مجموعـة من الهيئـات تبعا لترتيبـات مؤسسـة الاستثمارات الخاصة لما وراء البحار”.
ومفهوم هذا المعيار أن الدولة التي يكون فيها مكان تكوين الشركة هي التي يمنح لها الشخصية المعنوية، ويخضع لها نظامها القانوني، أما من حيث فائدته فهو إمكانية امتداد الحماية الدبلوماسية للشركات العامة في الدول المضيفة، ومثل هذا المعيار في الواقع المؤسس على مبدأ سلطان الإرادة وله دور حصري أو محدد، وقد يؤدي ذلك إلى توسيع القانون الأمريكي، غير أن هذا المعيار يمتاز بالغموض في حالة ما إذا تم نقل المقر الشيء الذي جعل منه معيارا غير فعال وقليل التحقيق، كما أنه يفتح مجالا للغش الجبائي.
 معيار الرقابة:
نصت عليه المادة الأولى، الفقرة الثالثة من اتفاقية الجزائر فرنسا، الموقعة بتاريخ: 13-02-1993 بالجزائر، والمصادق عليها بموجب المرسوم رقم: 94/01 و التي ترى بأن المستثمر كل شخص معنوي مشكل منه على إقليم أحد الطرفين المتعاقدين طبقا لتشريع أحد الطرفين، بحيث تنص على أنه:” يجب أن تكون الشركات – الشخص المعنوي مراقبا بطرق مباشرة أو غير مباشرة من طرف مواطني المتعاقدين، أو من طرفي أشخاص معنوية لها مقرعا الاجتماعي على إقليم أحد الطرفين المتعاقدين.”.
والملاحظ على هذا النص أنه حاول الجمع بين فكرة المقر الاجتماعي وربطها بالإقليم، و التشريع الوطني وربطه بفكرة الرقابة، والتي تتم بشكل مباشر أو غير مباشر.
والمعلوم أن مبدأ الرقابة يرتبط أساسا بالأغلبية في رأس المال والتي تخول للحائز عليها سلطة الرقابة والإشراف، مثل ما عرفته الجزائر في إطار قانون الشركات ذات الاقتصاد المختلط، والذي يمنح المؤسسة الوطنية51% من رأس مال الشركة.
غير أن الصيغة التي ورد بها نص المادة الأولى من الاتفاق الجزائري الفرنسي حول الاستثمار تطرح نوعين من الرقابة، رقابة مباشرة ورقابة غير مباشرة، و إذا كانت الرقابة المباشرة سهلة التحديد بالنظر على بعض المؤشرات المظهرية كجنسية الشركاء، أو جنسية المسيرين، فإن الرقابة المباشرة غير محدودة المعالم، لذلك على الطرفين لتطبيق هذا الاتفاق يمكن تطبيق الرقابة المباشرة على شركة ما على وجه الخصوص، بتوافر العناصر التالية:
 صفتها القانونية كفرع للشخص المعنوي لأحد الطرفين المتعاقدين.
 نسبة مساهمة غير مباشرة في رأس مالها من طرف شخص معنوي لأحد الطرفين المتعاقدين، يسمح لهذا الشخص المعنوي بمراقبة فعلية وخاصة عند وجود مشاركة تفوق نصف رأس المال.
 الامتلاك المباشر أو غير المباشر لحقوق الانتخاب داخل الشركة التي تسمح لشخص معنوي لأحد الطرفين المتعاقدين من الحصول على موقع حاسم داخل الأجهزة المديرة للشركة أو التأثير بصفة حاسمة على سيرها.
غير أن الطرفين المتعاقدين فضلا جنسية رأس المال على جنسية الشركاء في تأسيس معيار الرقابة، بحيث يرتبط بنسب المساهمة في رأس مال الشخص المعنوي والذي يفوق نسبة النصف منه، ولو أنها أغفلت حالات التغيرات الممكنة لعنصر من عناصر الرقابة، والتي تتمثل فيما يلي:
– حالة إعادة توزيع الأسهم المخصصة في رأس مال الشركة، كأن تشتري الشركة الأجنبية جزء من حصة الشريك الوطني، والعكس صحيح.
– حالة تغير أغلب العناصر الإدارية، وتتغير هذه العناصر بتغير معيار الرقابة.
– حالة اكتساب حقوق الانتخاب داخل الشركة بشكل غير مباشر.
– الحصول على موقع حاسم داخل الأجهزة المديرة للشركة.
– حالة التحويل الدولي للمقر الاجتماعي، بحيث يمكن تغيير جنسية الشركة، مع تحويل هذا المقر حسب قواعد القانون الدولي، كما يعتبر هذا التحويل بمثابة تعديل النظام الأساسي للشركة. في الجزائر يخضع كل تحويل للمقر الاجتماعي إلى رخصة من قبل السلطة المختصة، وهي حاليا مجلس النقد والقرض( ).
وما يلاحظ على هذا المعيار أنه لم يتعرض لمصير الشخصية المعنوية بعد تحويل المقر، وفي هذا الإطار اختلف الفقه بشأن ذلك، حيث يرى البعض أن الشخصية المعنوية المكتسبة في ظل قانون التأسيس تزول إثر التحويل، ولذلك يجب على الشركة إعادة تأسيس نفسها من جديد طبقا لقانون البلد المقر الجديد، أما البعض الآخر فيرى أن الشركة تبقى متمسكة بتحقيق الشخصية الاعتبارية ، كون التحويل يشكل مجرد تعديل للقانون الأساسي.
و يتبين مما سبق أن المشرع الجزائري قد اعتبر من قبيل الاستثمار جميع الأموال التي تأخذ شكل الحصص النقدية أو العينية دون حصر لها أو تجديد لحجمها، شريطة أن تكون منشأة أو منمية لقدرات الإنتاج، أو تكون مخصصة لإعادة التأهيل، إلى غير ذلك من صور ومراحل الاستعمال، مما يوحي بأن المشرع الجزائري قد مزج بين التعداد والغاية الوظيفية للاستثمار.
والجدير بالملاحظة أن الأسلوب لا يميز بين الاستثمار الأجنبي المباشر، والاستثمار غير المباشر، إنما يجمعهما معا، بحيث لا يترك مجالا للخلاف بين الأطراف المتعاقدة فيما يتعلق بقائمة عناصر الاستثمار طالما أنه مفتوح وغير محدد مما يسمح بإدراج أي نوع من أنواع الاستثمار.
بينما تذهب بعض القوانين إلى التركيز على الاستثمارات المباشرة من خلال النص على تنفيذ المشروعات والتوسع فيها واقتناء الآلات والمعدات وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، وعمليات إعادة الاستثمار، وجميع الصور تفيد بأن الاستثمار المستهدف هو الاستثمار المباشر بمختلف أشكاله كالتشريع المصري الخاص باستثمار رأس المال العربي والأجنبي( ).
لكن الأسلوب التعدادي المتبع في تعريف الاستثمار لا يسلم من النقد، على أساس أن التعداد لا يضع تعريفا معياريا تأصيليا( ) لعملية الاستثمار التي تقع على الأموال المستثمرة، كما أن التعداد لا يشمل كل عناصر المال الذي يمكن استثماره، ولا يحقق أي فائدة ملموسة، بل إنه قد يشكل عقبات في طريق الاستثمار، الأمر الذي يستدعي تدخل طوائف أخرى من الأموال وراء غير تلك الواردة في القانون.

البند الثاني: أسلوب الإسناد لقانون الدولة المضيفة.

يقوم هذا الأسلوب على إسناد عناصر الاستثمار موضوع الاتفاقية إلى التشريعات الداخلية للدولة المضيفة الطرف في الاتفاقية، غير أن تبني هذا الأسلوب من الناحية العملية يشكل عائقا كبيرا في ظل صعوبة إلمام الأطراف المتعاقدة بجميع تشريعات الاستثمار لكل طرف من أطراف المتعاقد معها، وهو أمر غير ممكن إن لم نقل مستحيلا خاصة إذا كان تشريع الاستثمار لدى بعض الدول يحيل إلى نصوص أخرى يصعب حصرها ومعرفة محتواها، أو كانت أحد الدول المتعاقدة في الاتفاقية لا تملك تشريعا مقننا للاستثمار من خلا تواجد بعض النصوص المبعثرة والمتفرقة بين مختلف القوانين، وهذا ما يشكل وجود تباين في نطاق ومفهوم الاستثمار تبعا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة حسب ما ينص عليه تشريعها الخاص.
ومن بين الاتفاقيات الدولية التي أخذت في تعريفها للاستثمار الأجنبي بفكرة الإسناد إلى قانون الدولة المضيفة، الاتفاقية الجزائرية الفرنسية، وتجنبا لفكرة الإطلاق في مفهوم الاستثمار الأجنبي عمل المشرع الجزائري على تقييد مضمونه من خلال ربط مفهومه بالمساهمة في القدرات الإنمائية، حيث اشترط في ظل تشريع تطوير الاستثمار وفق المادة الثانية من الأمر التشريعي الصادر عام 2001، بأن لا تقبل الأموال الأجنبية الموجهة للاستثمار، إلا إذا كانت منشئة و منمية للقدرات الإنتاجية، حيث جاء وفق الاتفاقية سالفة الذكر بأن :” الاستثمارات تكون في صالح التنمية الاقتصادية لطرفي الاتفاقية.”.
وهذه العبارة توحي إلى أمرين:
أولا: إن مدلول الاستثمار ينصب على الأموال التي تساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية، مما يعطي للدولة المضيفة سلطة الاختيار الملائم والمناسب لطبيعة الاستثمار، واستبعاد من نطاقه كافة الأموال المعدة للاستهلاك، والأموال التي لا تكون لها علاقة بالبناء الاقتصادي، لأن خروج تلك الأموال عن مقتضيات التنمية الاقتصادية من شأنه أن يجعل تلك الاتفاقيات الحماية أداة سيطرة وتحكم وليس أداة تعاون ( )، لأن أموال الاستثمار في نظر مفهوم تلك الاتفاقيات الثنائية الدولية يجب أن تكون لها قيمة اقتصادية واجتماعية، وحتى لا تتحول ذلك إلى أموال للاستهلاك الشخصي( ) كالاقتراض من أجل بناء مسكن، أو اقتناء سيارات، وهي حالة يصبح بمقتضاها الاستثمار الأجنبي عبء تقيلا على شعوب الدول المضيفة، ومن ثم لا تصبح له فائدة على التنمية الاقتصادية.
لذا تميل أغلب الاتفاقيات الثنائية إلى الأخذ بالمفهوم الضيق للاستثمار الأجنبي، وذلك توخيا للمسؤولية التي يمكن أن تثار بين الدول المصدرة للأموال، من خلال النزاع حول بعض المسائل التي قد لا تكون لها صلة بالاستثمار، لأن تحديد مفهوم الاستثمار في الاتفاقيات الدولية وخاصة الثنائية منها، ينبغي أن يراعى فيه ما إذا كان الاستثمار يأخذ طابعا تبادليا، بحيث ينتقل بين الدولتين المتعاقدتين، كما هو الحال بالنسبة للاتفاقيات المبرمة بين الدول المتقدمة والدول النامية.
ثانيا: الأمر الثاني الذي استهدفته العبارة المشار إليها في الاتفاقية سالفة الذكر، أن الاتفاقية أخذت بعين الاعتبار التكافؤ، حيث اشترطت أن تكون الاستثمارات في صالح التنمية الاقتصادية لطرفي الاتفاقية، ولن يتسنى لها ذلك إلا باستبعاد المفهوم الواسع والأخذ بالمدلول الضيق للاستثمار الأجنبي.
وقد أخذت الاتفاقية الدولية لحماية وتشجيع الاستثمارات بالمفهومين معا، فلجأت في تحديدها للاستثمار إلى ذكر العناصر المكونة له دون تحديد لها، وقد يتعدى الأمر ليشمل الأنشطة الأخرى المرتبطة بالاستثمار، ولو بشكل غير مباشر كالأنشطة التجارية المتممة للاستثمار، والتي بدونها لا يمكن لهذا الأخير أن يقوم بدوره كاملا .
وتستعمل الاتفاقيات في تعريفها للاستثمارات عبارات قد تزيد من مرونة وحرية التصرف، كما جاء في الاتفاقية الجزائرية الفرنسية، حيث ذكرت أن: “أي تعديل في شكل الأصول المستثمرة لا يغير من صفتها كاستثمار”، ومثل هذه العبارة تمنح من دون شك قدرا كبيرا من المرونة للمستثمرين في تغيير أصول استثماراتهم داخل المروعات دون أن يؤثر ذلك على وصفها، أو أن يفقدها صفتها كاستثمار من الناحيتين القانونية والاقتصادية.
إن الصفة المزدوجة للاستثمار كنشاط اقتصادي يحتوي على مجموعة من العناصر المالية والمادية، وكتنظيم قانوني يجسد المشروع الاستثماري قد تباينت بشأنه التعاريف الفقهية، ونظرا لأن الاستثمار عمليةمركبة تجمع ما هو اقتصادي وقانون، لم تتوصل الاتفاقيات الدولية ولا الفقه في وضع تعريف جامع ومانع وشامل للاستثمار الأجنبي، حتى وإن كان لرجال الاقتصاد فضل السبق عن رجال القانون في تعريفهم للاستثمار، فما هو تعريف الاستثمار عند الاقتصاديين وعند القانونيين؟
لقد عرف رجال الاقتصاد الاستثمار الأجنبي بتعريفات مختلفة اعتمدت في أساسها على مدى إبراز دوره في زيادة الثروة بوصفه عنصرا من عناصر النشاط الاقتصادي ، ومصدر توسع في القدرات الإنتاجية، لذلك جاءت تعاريفهم متأثرة بالصفة الديناميكية للاستثمار، فعرفوه على أنه:”مجموع الإضافات الصافية من المنتوجات الرأسمالية إلى الثروة الوطنية.”( ).
كما عرفوه بأنه:” إضافة جديدة إلى الأصول الإنتاجية الموجودة في المجتمع خلا مرحلة زمنية معينة( )، أو أنه تحويل المدخرات إلى أصول رأسمالية.”.و إذا كان هذا التعريف الأخير يقوم على فكرة تحويل رأس المال النقدي إلى رأس مال عيني، وهذا الوصف ينطبق على الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن التعريفين السابقين قد ركزا على وظيفة الاستثمار كعنصر من عناصر الإنتاج، ومن ثم فإن مفهوم الاستثمار عند أصحاب هذه التعاريف يقوم على الهدف من توظيف رأس المال وقدرته على خلق وزيادة الثروة.
أما تعريف الاستثمار عند رجال القانون فقد انصب على الجانب التنظيمي والإجرائي كعلاقة قانونية فيما بين الأشخاص، أو فيما بين الدول، فعرفه البعض بأنه:”تقديم الأموال المادية والمعنوية من شخص طبيعي أو معنوي يحمل جنسية دولة ما للمساهمة في مشروع قائم، أو سيتم إنشاؤه بالدولة المضيفة قصد القيام بنشاط اقتصادي بطريق مباشر أو غير مباشر( )”، أي أنه انتقال لرأس المال الخاص عبر الدول للمساهمة في الاستغلال الاقتصادي بقصد تحقيق ربح متميز لا يمكن تحقيقه في بلدها الأصلي.
كما عرفه البعض بأنه:” انتقال لعناصر الإنتاج عبر الحدود الدولية للمساهمة في الاستغلال الاقتصادي”، وحسب هذا التعريف فإن الاستثمار يأخذ شكل الأصول المادية من عتاد ومعدات ومواد تكنولوجية، وغيرها من الأمور التي تدخل في مفهوم العناصر الإنتاجية، بحيث ينطبق هذا الوصف على استثمارات الشركات متعددة الجنسيات.
أما مفهوم الاستثمار وفق إسناده لقانون الدولة المضيفة في الاتفاقيات الدولية، فيتجلى من خلال بعض الاتفاقيات ثنائية الأطراف، حيث تنص الاتفاقية الثنائية الجزائرية الفرنسية الخاصة بحماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة في المادة الأولى ، الفقرة هـ على أن” هذه الاستثمارات يجب أن يتم قبولها طبقا لتشريع الطرف المتعاقد الذي يتم الاستثمار على إقليمه”.
إن تحديد مفهوم الاستثمار وفق الإسناد إلى قانون الدولة المضيفة له مزايا كبيرة ومتعددة من خلال إعطاء فرصة وحرية للدول المضيفة للاستثمارات في تنظيم ومراقبة الاستثمار الأجنبي الذي يدخل ضمن أراضيها بما يتماشى وأهدافها الاقتصادية( )، إذ بموجبه تستطيع أن تمارس نوعا من الانتقاء بين الاستثمارات الأجنبية المفيدة، والاستثمارات التي تكون لها آثار سلبية على اقتصادياتها الوطنية، أو تكون مضرة بالبيئة.
وتقضي المادة الرابعة من المرسوم التشريعي المتعلق بترقية الاستثمار أنه من بين الشروط التي يجب على المستثمر مراعاتها لقبول دخول استثماره، المحافظة على البيئة، وما دامت الاتفاقيات الدولية متعددة أو ثنائية الأطراف تنص على ضرورة مراعاة التشريع الداخلي للدولة التي يتم تنفيذ الاستثمار على إقليمها، فإن ذلك يعني أن الاستثمارات التي تتم وفق الاتفاقيات الثنائية الجزائرية، يجب أن تراعي عند دخولها تراب الجزائر المحافظة على البيئة.
على ضوء ما سبق ذكره، يمكن القول بأن القانون الدولي بصفة عامة يعترف للدول المضيفة للاستثمار الأجنبي بحقها بقبول أو رفض الاستثمار الأجنبي داخل إقليمها وفقا لمبدأ السيادة على الإقليم، وهو ما يخول لها هذا الحق أن ترفض شروطها على المستثمر الراغب في الاستثمار على أراضيها، وبصفة خاصة تقر أغلب الاتفاقيات الدولية للاستثمار بسلطة الدولة المضيفة في تنظيم الاستثمار الأجنبي على إقليمها ضمانا لمصالحها الوطنية.

الفرع الثاني: القواعد الموضوعية التي تحكم تنظيم الاستثمار في ظل الاتفاقيات الثنائية.

تتضمن الاتفاقيات الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي قواعد موضوعية لمعاملة رعايا كل طرف لدى الطرف الآخر المتعاقد معه، وعليه فهذه الاتفاقيات تعد من أفضل الوسائل لحماية الاستثمارات الأجنبية، لأن أي إخلال من جانب الدولة المضيفة لقواعد المعاملة الواردة في المعاهدة يشكل خرقا لالتزام دولي مما يوجب مسؤوليتها الدولية، وإن كانت الدولة أصلا ليست ملزمة بتحقيق المساواة بين الأجانب ومواطنيها فيما يتصل بالحقوق والالتزامات، ومع ذلك فسلطتها ليست مطلقة وإنما مقيدة باحترام ما استقر عليه العرف الدولي من ضرورة احترام الحد الأدنى من المعاملة.
لذلك لا يزال هناك جدل وخلاف قائما بشأنه فيما يتعلق بصفته كقاعدة دولية معترف بها في نطاق القانون الدولي المعاصر، وكذلك من حيث مضمونه( ).
ولقد جاءت الاتفاقيات الثنائية لتحسم الأمر، وتستكمل ما لم تستطع القواعد العرفية الدولية تحقيقه، أي العمل بالاتفاق على رفع الحد الأدنى من الحماية الموضوعية والإجرائية في مجال حماية الأموال الأجنبية، وتنقسم قواعد المعاملة الاتفاقية في ظل هذا النوع من الاتفاقيات إلى نوعين:
نوع لم تحدد المعاملات مضمونه بشكل مباشر أو غير مباشر، وإنما تركت الحرية للأطراف المتعاقدة في ضوء كل حالة على حدى، ويطلق على هذا النوع اسم قواعد المعاملة غير المشروطة.
نوع ثان حددت المعاملات مضمونه بشكل غير مباشر من خلال الإحالة إلى قوانين الدول المتعاقدة، أو اتفاقيات مع دولة ثالثة، وتسمى هذه القواعد بقواعد المعاملة المشروطة.

البند الأول: قاعدة المعاملة غير المشروطة.

يقصد بقاعدة المعاملة غير المشروطة تلك القاعدة التي لا تعرف تحديدا لنطاقها ومضمونها بشكل مباشر أو غير مباشر في نطاق الاتفاقيات الدولية،وإنما يترك تحديد مضمونها تبعا لظروف التطبيق، وبعد دراسة كل حالة، وبعد التشاور بين الأطراف، وبالاستعانة بالأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن،كون هذه القاعدة غير محدودة المضمون، الأمر الذي يجعل تحديد نطاقها متروك لإرادة الأطراف المتعاقدة.
وهذه الصفة هي التي تجعله يتمتع بقدر كبير من المرونة، إلا أن هناك اتفاقيات دولية متعددة الأطراف، وأيضا ثنائية أخذت بهذا الأسلوب من خلال تبنيها لهذه القاعدة، غير أن هذا الأسلوب يكون في نفس الوقت مصدر إبهام وغموض( ). وهذا ما يخلق صعوبة كبيرة عند تحديد المعيار الذي يتبع في ضبط مضمونه، الشيء الذي قد يزيد من مخاوف المستثمرين، ويؤدي إلى عرقلة حركة رؤوس الأموال، واحتمال زيادة المخاطر غير التجارية، لكن عدم تحديد مضمون هذه القاعدة دفع بالفقه إلى البحث عن معايير وقواعد مكملة لها، ومن بين قواعد المعاملة غير المشروطة نجد:
 قاعدة المعاملة العادلة والمنصفة:
جاءت هذه القاعدة كتجسيد فعلي لأسلوب المعاملة غير المشروطة، حيث تعتبر من أقدم القواعد التي استقر عليها العرف الدولي في هذا الشأن، وقد تضمنته أغلب الاتفاقيات الثنائية الدولية الخاصة بتنظيم الاستثمار، ومن أمثلة ذلك ما أقرته اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين العراق والجزائر المبرمة عام 1999، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية على أنه:” على كل طرف متعاقد أن يضمن معاملة عادلة ومنصفة ضمن إقليمه لاستثمارات المستثمرين التابعين للطرف المتعاقد الآخر، والمحددة وفق قوانين وأنظمة تشجيع الاستثمار لديه”.
تضمن الاتفاق الجزائري البلجيكي( ) الخاص بحماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة النص على قاعدة المعاملة العادلة والمنصفة، وذلك من خلال ما ورد في المادة الثالثة، الفقرة الأولى، والتي جاء فيها أن: “تتمتع كل الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة التي تمت من طرف أحد الأطراف المتعاقدة على إقليم الطرف المتعاقد الآخر بمعاملة منصفة وعادلة.”.
تعرضت هذه القاعدة للنقد باعتبار أن مبدأ المعاملة العادلة والمنصفة يكتنفه الغموض، ويصعب تحديد مضمونه بصورة خالية من الشك، كما أشارت تقارير متعددة عن مركز الأمم المتحدة للشركات متعددة الجنسيات، إلى أن هذه القاعدة مبهمة وغامضة، وأن هناك عناصر متعددة تدخل في تكوينها، مثل مبدأ عدم التمييز، وقواعد الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، كما اختلف الفقهاء في تحديد محتوى( ) هذه القاعدة، فقد ذهب البعض إلى أن معيار المعاملة العادلة والمنصفة، ما هو إلا تسمية لمعيار الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، وهذا ما عبرت عنه أيضا إدارة القانون الدولي العام بوزارة الخارجية السويسرية بقولها: “إن المعاملة العادلة والمنصفة ليست في الحقيقة سوى تعبير عن المعيار الدولي التقليدي المسمى بشرط الحد الأدنى”.
غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد تعدى إلى غير ذلك من خلال تحديد مضمون الاستثمار وفق هذه القاعدة، فهل يتحدد وفق قواعد القانون الدولي؟ أم أنه متروك لإرادة الأطراف المتعاقدة و أنظمتها؟
لقد تطرقت إلى هذه الإشكالية بعض من الاتفاقيات الثنائية، كما جاء ذلك في الاتفاقية الجزائرية الفرنسية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، والتي نصت على ذلك بصريح العبارة، على أن:”المعاملة العادلة والمنصفة تتحدد وفقا لقواعد القانون الدولي”، كما أخذت بهذا المعنى أيضا الاتفاقية المبرمة بين الدولة الجزائرية والاتحاد الاقتصادي البلجيكي اللكسمبورغي، حيث نصت المادة الثالثة، الفقرة الثالثة، على أن المعاملة العادلة المعترف بها لا تكون بأي حال من الأحوال أقل امتيازا مما هو معترف به من قبل القانون الدولي، ونفس هذا المفهوم ذهب إليه الفقه، من خلال اعتماده في تحديد مضمون قاعدة المعاملة العادلة والمنصفة على قاعدة الحد الأدنى للمعاملة، معتبرا ذلك بمثابة معيار واحد لتطابقها من حيث الأساس الذي تقوم عليه، فكلاهما يقوم على ما تقره قواعد القانون الدولي العرفي( ).
غير أن هذا المعيار انتقد، لأنه لا يحل الإشكال نظرا للاختلاف القائم بين الدول المصدرة والمستوردة حول الطبيعة القانونية لقاعدة الحد الأدنى كقاعدة من قواعد القانون الدولي، لأن الالتزامات الواردة في الاتفاقيات المتعددة الأطراف والثنائية غالبا ما تفوق في محتواها المعاملة التي يقررها مبدأ الحد الأدنى المقرر في القواعد العرفية الدولية، لذلك لا يمكن أن تكون قاعدة المعاملة العادلة والمنصفة متطابقة مع قاعدة الحد الأدنى وهو ما حذا القول به من طرف اتجاه فقهي الذي اعتبر أن معيار المعاملة العادلة والمنصفة يعني المساواة في المعاملة بين المستثمرين الوطنيين والأجانب، وعدم التمييز بينهم، وقد أخذت بعض الاتفاقيات الثنائية بهذا المفهوم من خلال ما تفرضه من تعهدات على عاتق الدول المتعاقدة، حيث نصت على إعطاء الدول المتعاقدة لرعايا الدول المتعاقدة معها معاملة لا تقل عن تلك التي تعطيها لرعاياها المواطنين، مثل ما جاء في الاتفاق الجزائري الإيطالي( ) الخاص بحماية وتشجع الاستثمار من خلال نص المادة الثالثة التي جسدت هذا المفهوم بتأكيدها على:”أن تمنح كل الدولتين المتعاقدتين على إقليمها للاستثمارات والمداخيل التابعة لها التي تمت من قبل المواطنين والأشخاص المعنويين أنفسهم”، وهذا ما يتماشى مع ما ورد في قانون الجزائر لترقية الاستثمار، حيث نصت المادة 14 من الأمر رقم: 01-03 الصادر في 20-08-2001، على أنه:”يعامل الأشخاص الطبيعيون والمعنويين الأجانب بمثل ما يعامل به الأشخاص الطبيعيون والمعنويين الجزائريون في مجال الحقوق والواجبات ذات الصلة بالاستثمارات”.
والواقع أن إعمال المشرع الجزائري بمبدأ المساواة في المعاملة يعود إلى حقيقتين بارزتين، وهما:
 التعبير عن رغبة الجزائر في التوجه نحو اقتصاد السوق الذي يقوم على أساس فتح المجال أمام المستثمر الأجنبي دون وضع قيود تمييزية بينه وبين الاستثمار الوطني.
 التعبير عن حقيقة وعي وإدراك عميق لروح التعاون الذي يجب أن يسود العلاقات الدولية دون تمييز في ممارسة الأنشطة الاقتصادية بين الوطنيين والأجانب.
غير أن الأخذ بقاعدة المساواة بين الوطني والأجنبي على إطلاقهما في المعاملة يثير بعض الصعوبات والإشكاليات، والتي تتمثل في صعوبة تحديد مضمون هذه القاعدة، وكيفية تكييف في الحالة التي تكون فيها الحقوق المقررة بموجب التشريعات الداخلية للدول، والتي تكون على أساسها فكرة المساواة أقل من الحقوق المقررة بموجب القانون الدولي، أو الحالة التي يكون فيها تباين في محتوى ونطاق الحقوق في ظل الدولتين المتعاقدتين ، هل يحتكم إلى ما تقره القوانين الوطنية للبلدين المتعاقدين؟ أم على أساس ما تقره قواعد القانون الدولي؟ وكيف يكون الحال إذا كانت المعاملة الوطنية دون المستوى المعتاد للحد الأدنى المقرر دوليا؟ هل في مثل هذه الحالة يؤخذ بمضمون القاعدة المعاملة الوطنية أم بمضمون ما تقرره قواعد القانون الدولي العرفية ؟
يذهب البعض من الاتفاقيات الثنائية في تفسيرها لمدلول المساواة إلى أن المراد بهذا المدلول لا يعني مساواة الأجانب بالوطنين، وإنما مساواة الأجانب بعضهم البعض، أي أن المساواة يجب أن تقوم على أساس ما تقرره المعاملة الوطنية، لأن الغاية من هذه الاتفاقية هو إخضاع الاستثمارات الأجنبية والوطنية لتشريعات الدول للاستثمار، وليس العكس.
 تنفيذ الالتزامات العقدية بحسن نية:
تفترض القواعد التقليدية للقانون الدولي على جميع الدول بتنفيذ الالتزامات التعاقدية بحسن نية، وذلك للحفاظ على المصالح التعاقدية بين الدول، ويرى جانب من الفقه أمام عجز قاعدة المعاملة العادلة والمنصفة في تحديد مضمون أسلوب المعاملة غير المشروطة، وبقاء مضمونه دون تحديد، إلا أن هذه القاعدة لا تعدو أن تخرج عن كونها مجرد تطبيق لمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية، فالدولة عند معاملة المستثمرين المقيمين على إقليمها عليها أن تنفذ التزاماتها التعاقدية بحسن نية، من خلال وجوب اتخاذ سلوك موضوعي والذي يتطلب من الدول المتعاقدة تنفيذ التزاماتها دون تمييز وفق هذا المبدأ، بحيث لا يجوز لأي طرف كان اتخاذ إجراءات تحكيمية ضد مصالح المستثمر الأجنبي المتواجد على إقليمها، حتى وإن كانت الدولة كأصل عام حرة في تنظيم ممارسة النشاط الاقتصادي على إقليمها، ومقيدة باتخاذ إجراءات نزع ملكية أموال الأجنبي وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.
ومن بين أهم الاتفاقيات الدولية التي جاءت مكرسة لهذا المبدأ نجد الاتفاقية العربية الموحدة لرؤوس الأموال المصادق عليها من قبل الجزائر عام 1955، حيث نصت المادة التاسعة من الاتفاقية المذكورة بأن:” نزع الملكية للنفع العام يجب أن يتم على أساس غير تمييزي وفقا للأحكام القانونية المتعلقة بتنظيم نزع الملكية لغرض المصلحة العامة، والتي هي مسألة نسبية يتم تحديدها وفق إرادة الطرف الذي يتم تنفيذ الاستثمار على إقليمه”، فالدولة المستقبلة للاستثمارات هي وحدها صاحبة الحق في تقرير مصلحتها وحاجتها للأموال المستولى عليها، أو المنزوعة.
إن مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات التعاقدية وفق الاتفاقيات الثنائية يعد في مثل هذه الأوضاع المعيار الفعلي لتجسيد تلك الالتزامات، لأنه لا يقوم على أساس الالتزامات التبادلية تصدر بمجرد توافق إرادات الأطراف المتعاقدة، ومن ثم يجب إعمال هذا المبدأ حتى في ظل غياب نصوص عقدية، فهو مبدأ يقوم على أساس تعهد من جانب واحد للطرف الملتزم به في ظل صدوره عن الإرادة المنفردة.
كما يمكن قيامه حتى في حالة عدم وجود اتفاق مسبق بين الدولة المستقبلة للاستثمارات ودولة المستثمر الأجنبي، متى كان محضيا بقبول الدولة التي ينفذ على إقليمها وفقا لأنظمتها وقوانينها سارية المفعول.
إن مبدأ حسن النية يمثل قاعدة قانونية مستقلة عن القواعد الأخرى التي تلجأ إليها الدول في مجال تطبيق تعهداتها، فهو مبدأ يتم العمل به كقاعدة مكملة لما تم الاتفاق عليه بين الأطراف المتعاقدة شأنه شأن الأنظمة القانونية الوطنية، على غرا ما أخذ به التشريع الجزائري، الذي ينص على أنه: ” يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبحسن نية.”.

البند الثاني: قاعدة المعاملة المشروطة.

يقصد بقاعدة المعاملة المشروطة السلوك( ) الذي تقرره الاتفاقية في معاملة المستثمر بأحكام نسبية، ويتم من خلال الإحالة إلى القواعد الموجودة في القوانين الوطنية للدولة المتعاقدة، غير القواعد الواردة فيها كإحالتها على معاملة المستثمر الأجنبي بنفس معاملة الوطني، أو الإحالة إلى أحكام اتفاقية مبرمة مع دولة ثالثة، كما هو الحال في شرط الدولة الأولى بالرعاية، ويعرف هذا الأسلوب المعاملة غير المشروطة، وذلك لقيامه على شرط الإسناد لقواعد قانونية أخرى، غير تلك الواردة في الاتفاقية.
وتعتبر قاعدتا المعاملة الوطنية وشرط الدولة الأولى بالرعاية من أهم القواعد المتبعة في هذا النمط من الأسلوب، وتتجلى هذه القواعد فيما يلي:
 قاعدة المعاملة الوطنية: (Traitement National)
يقصد بقاعدة المعاملة الوطنية للاستثمار الأجنبي عموما تمتع هذا النمط من الاستثمار بالحقوق والضمانات والمزايا ذاتها التي يتمتع بها الاستثمار الوطني في الدول المتقبلة للاستثمار، وبالشروط نفسها.
والأصل أن يتم تقرير هذا المبدأ في التشريع الداخلي للدولة( )، بيد أن الغالب هو النص عليه في الاتفاقيات الدولية لا سيما ثنائية الأطراف، إذ تحرص الكثير من اتفاقيات التعاون الاقتصادي، وتلك المتعلقة بتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية، على إيراد هذا المبدأ بهدف توفير الحماية القانونية الكافية لرأس المال الأجنبي عموما، وتشجيع الاستثمارات خصوصا، وذلك بأن تتعهد الدولة بأن تقرر لأموال واستثمارات مواطني وشركات الدول المتعاقدة الأخرى نفس الضمانات القانونية والمزايا الاقتصادية المقررة لأموال والامتيازات الاقتصادية لأموال واستثمارات مواطنيها وشركاتها المنصوص عليها في تشريعاتها الداخلية.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد مصدر نشأة هذه القاعدة، حيث يكون هناك من أرجح نشأتها وتكوينها إلى المذهب الفردي الذي يدعو إلى تسيير ممارسة النشاط الاقتصادي دون التفرقة بين الوطنيين والأجانب من خلال التأكيد على مبدأ حرية انتقال رؤوس الأموال والأشخاص والسلع للكافة، دون التفرقة، وذلك قصد تشجيع المبادلات التجارية ورؤوس الأموال، ويعد هذا المبدأ من أكثر الوسائل تحررا( ) في معاملة الأجانب، باعتبار أنه يهدف إلى مساواة الأجانب بالوطنيين، وبالتالي تشجيعهم على القدوم إلى الدولة وممارسة نشاطهم فيها.
بينما يرجع البعض الآخر نشأة هذه القاعدة إلى الفقيه الأرجنتيني “كالقو” باعتباره أول من نادى بفكرة مساواة الأجانب في معاملاتهم بالوطنيين، وذلك كتعبير عن موقف دول أمريكا اللاتينية الرافض لقاعدة الحد الأدنى لمعاملة الأجانب المعمول بها في القانون الدولي التقليدي (قواعد العرفية الدولية)، التي تتمسك بها الدول المصدرة لرؤوس الأموال، وذلك كأساس لتحديد المسؤولية الدولية عن الأضرار التي تصيب الرعايا الأجانب في الدول المضيفة( ).
أما الرأي الثالث فيذهب إلى أن مصدر نشأة هذه القاعدة يرجع إلى القانون الدولي التقليدي مستشهدا في ذلك التطبيقات الدولية لهذه القاعدة من خلال أحكام المحاكم الدولية، غير أن الخلاف لم يقتصر على مصدر نشأة القاعدة، وإنما امتد ليشمل مضمونها، لأن العمل بمقتضى هذه القاعدة يستدعي أن تكون المعاملة الوطنية تساوي أو تتجاوز الحد الأدنى لمعاملة الأجانب في القانون الدولي، ويثار التساؤل في إطار قاعدة مساواة الأجنبي بالوطني عما إذا كان من الممكن للمستثمر الأجنبي أن يتمتع بحقوق تفوق تلك التي تمنح للمستثمر الوطني؟
يرى الفقه وفق العمل بقاعدة تشبيه الأجانب بالوطنيين، أو ما يعرف بقاعدة المعاملة الوطنية أن الحقوق المقررة للأجانب في القانون الدولي لا مكن بأي حال من الأحوال أن تتجاوز حقوق المواطنين، لأنه لا يتصور للمجتمع الدولي أن يعترف للأجنبي بحقوق تزيد على حقوق المواطن، فليس من حق الأجنبي المطالبة بوضع ومعاملة أفضل من تلك التي يتلقاها مواطنو الدولة المضيفة، فالحد الأقصى للحقوق وفق أصحاب هذا الرأي هي عبارة عن مقدار الحقوق التي يتمتع بها الوطني.
أما الجانب الآخر من الفقه، فيرى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الربط بين الحقوق التي يتمتع بها الوطني، وتلك الحقوق التي يتمتع بها الأجنبي، فهذا لا توافق مع طبيعة مركز كل منهما داخل الدولة، وذلك لأن مركز كل من المواطن و الأجنبي لا يتم تحديده وفقا لنفس المعيار، لأنه لا يمكن للأجنبي مثلا أن يتمتع بالحقوق العامة و الحقوق السياسية، التي تعتبر حقوقا حكرا وخالصة للمواطنين، فهي حقوق ترتبط أساسا بفكرة ولاء الشخص للدولة التي ينتسب إليها، ولا يمكن منحها للأجانب إلا بنص صريح في المعاهدة( )، لأن الحقوق التي يتمتع بها الوطني دون الأجنبي هي أمر دخل ضمن نطاق اختصاص الدولة المطلق، وتستطيع الدولة أن تنزل به دون الحد الأدنى المقرر بمقتضى العرف الدولي، ولا يفرض عليها القانون الدولي أي قيد في هذا الصدد.
رغم ما تتميز به قاعدة المعاملة الوطنية من سهولة وبساطة، كونها تحيل إلى نظام قانوني واضح ومفصل داخل حدود الدولة المضيفة، إلا أن هذه القاعدة يعاب عليها من نواحي عدة:
– إن مبدأ المعاملة الوطنية للاستثمار الأجنبي لا يقدم الحماية القانونية الكافية( ) لهذا النمط من الاستثمار، حيث أن تلك الحماية تظل في الواقع غير محددة المضمون فضلا عن قابليتها للزيادة أو النقصان بحسب إرادة المشرع الوطني في الدولة المستقبلة للاستثمار، فقاعدة المعاملة الوطنية لا تضمن معاملة مناسبة أو كفيلة للاستثمارات التي تشملها حماية الاتفاقية، فهذه الأخيرة لا تحتوي قواعد محددة يجب تطبيقها على المستثمر، فمضمون هذه القواعد يخضع أساسا للإرادة المنفردة للدولة المضيفة للاستثمار، وهذا لا يعني أن هذه القواعد غير مستقرة ، ويمكنها أن تتغير وفق معطيات وظروف معينة من شأنها أن تبدل من نطاق هذه الحماية، سواء بالزيادة أو النقصان، وكل ذلك إعمالا لمبدأ المساواة بين الأجانب والوطنيين.
– إن العمل بقاعدة المساواة في المعاملة بين الأجانب والوطنيين على أساس المزايا الممنوحة من خلال التشريعات الوطنية قد يلحق الغبن بالأجانب خاصة إذا كانت الحقوق الممنوحة لمواطني الدولة المضيفة أقل بكثير من الحقوق التي تمنحها دولة المستثمر لمواطنيها، أو لرعايا الدولة الأولى بالرعاية.
– إن العمل بشرط المعاملة الوطنية يفترض فيه وجوب قيام رابطة الجنسية واستمرارها فيما يتعلق برعايا الدول المتعاقدة، فالاتفاقيات الثنائية لا تحمي إلا رعايا الدول المتعاقدة، مما يعني ذلك استبعاد عديمي الجنسيةواللاجئين في نطاقها.
 شرط الدولة الأولى بالرعاية ( ): (La Clause de la Nation la plus favorisée)
يقصد بهذا الشرط أن تتعهد الدولة الملتزمة به بمقتضى اتفاقية دولية بتمكين رعايا الدولة المستفيدة منه من الحصول على أفضل معاملة قررتها الدولة الملتزمة بالشرط إلى رعايا دولة ثالثة، أي تمكين المستثمرين الذين يحملون جنسية الدولة المستفيدة من هذا الشرط من الحصول على جميع الضمانات والمزايا التي قررتها أو تقررها الدولة المستقبلة للاستثمار إلى استثمارات أجنبية أخرى.
و يفترض هذا الشرط وجود ثلاث دول هي:
 الدولتان طرفا الاتفاقية المتضمنة الشرط، أي الدولة الملتزمة به ، والدولة المستفيدة منه.
 دولة خارجة عن الاتفاقية، وهي الدولة الأكثر رعاية التي يتمتع رعاياها بأفضل معاملة يلقاها رعايا دولة أجنبية لدى الدولة الملتزمة به.
وقد برزت أهمية هذا الشرط بصفة خاصة في نطاق الاتفاقيات المعروفة معاهدات الصداقة والإقامة، والمعاهدات الخاصة بشؤون المالية والجمركية، وبصفة عامة في الاتفاقيات الدولية التي تعقد لتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول.
ومنها الاتفاقيات الثنائية الخاصة بحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، حيث تعد هذه الأخيرة من أكثر المعاهدات التي تأخذ بهذا الشرط، فقد جمعت غالبيتها في نص واحد بين قاعدة المعاملة الوطنية وشرط الدولة الأولى بالرعاية.
من ذلك ما نصت عليه المادة الأولى، الفقرة الثانية من الاتفاقية المبرمة بين مصر وإيران عام 1974 بقولها: “إن استثمارات ومواطني شركات أي من الطرفين لن تعامل في أراضي الطرف المتعاقد الآخر معاملة أقل تفضيلا من المعاملة التي يتلقاها مواطنو وشركات الأخير، أو تلقاها استثمارات ومواطنو وشركات دولة ثالثة”.
إن هذا الشرط لا يحدد بشكل مباشر الضمانات والمزايا القانونية التي تمنحها الدولة المستقبلة لرؤوس الأموال الوافد إليها والتابع للدولة المستفيدة منه، وإنما يكتفي بتقرير معاملة قانونية معيارها أفضل معاملة يتمتع بها المستثمر غير الوطني في تلك الدولة، ولهذا فإنه يشمل الضمانات القانونية التي منحتها الدولة المستقبلة للاستثمار، أن تلك التي من الممكن أن تمنحها في المستقبل لأي استثمارات أجنبية وافدة إليها، ما لم تنص الاتفاقية الدولية على خلاف ذلك.
وقد يرد على هذا الشرط بصفة عامة، بحيث يشمل كافة الحقوق والضمانات التي تتمتع بها الاستثمارات الأجنبية في الدولة المضيفة، كما قد يتم تقييده بنص صريح في الاتفاقية التي تضمنته، بحيث يقتصر على بعض الحقوق والضمانات دون بعضها الآخر، كأن يستبعد من نطاق أعماله الضمانات التي تقررها الدولة للاستثمارات الوافدة إليها من دول ترتبط معها بروابط ذات طبيعة خاصة، مثل جامعة الدول العربية، والدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي.
ويختلف هذا الشرط باختلاف الرؤية والزاوية التي ينظر إليها من خلاله:
 الشرط المشروط وغير المشروط:
إن الشرط المشروط هو ذلك الشرط الذي لا تستطيع الدولة المستفيدة منه الحصول على المزايا التي تمنح للدولة الثالثة، إلا إذا قدمت نفس المقابل الذي قدمته الدولة الثالثة.
أما الشرط غير المشروط فهو ذلك الشرط الذي تستطيع الدولة المستفيدة بموجبه الحصول على كافة المزايا التي تمنحها الدولة الملتزمة به لأي دولة ثالثة، وبدون مقابل، و مؤدي هذا الشرط هو امتداد المزايا المتبادلة التي تضمنتها المعاهدات الحديثة التي أبرمت في إطار التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين الدول المتجاورة، أو التي تربطها روابط اقتصادية وثيقة إلى كافة الدول الأجنبية المستفيدة من شرط الدولة الأولى بالرعاية المدرج في الاتفاقيات السابقة.
 الشرط المقيد أو المطلق:
الأصل أن إدراج هذا الشرط في أي اتفاقية يتناول موضوعها محددا، فهذا يقيد نطاق تطبيقه في إطار هذا الموضوع، أما إذا كان مطلقا فإن لكل دولة طرفا فيه الحق في أن تستفيد من المزايا الممنوحة للاستثمارات ومواطني الطرف الآخر، ومن المتصور تقييد إعمال هذا الشرط فيما لو كانت الدولة الملتزمة به قد سبق لها الارتباط بمعاهدات منحت بمقتضاها حقوقا وامتيازات خاصة للدول المجاورة لها، أو الدول التي ترتبط معها بروابط وثيقة من الوجهة الجغرافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، أو السياسية، كالاتفاقيات التي تبرم ما بين أعضاء في اتحاد جمركي، أو الاتفاقيات المبرمة بين الدول الأعضاء في منظمة إقليمية كجامعة الدول العربية، أو تلك التي تبرم في إطار الاتحاد الأوربي.
إذا كان هذا الشرط يحقق للدولة المستفيدة منه والملتزمة به فائدة كبيرة، إلا أنه بالرغم من ذلك قد تعرض لعدد من الانتقادات أهمها:
– إن هذا الشرط لم يعد متماشيا مع متطلبات العلاقات الدولية الاقتصادية الجديدة، و تطورات روح العصر في ظل ظاهرة التكتلات الإقليمية كالاتحادات و التعهدات الإقليمية بما يتضمنه من امتيازات أخرى سبق لها وأن ارتبطت مع الدول الأعضاء الاتحاد أو التعاهد باتفاقيات تضمنت شرط الدولة الأولى بالرعاية.
– قابلية زيادة أو نقصان في الحقوق والمزايا والتسهيلات الممنوحة للاستثمارات، ومواطني الدولة الأولى بالرعاية، الأمر الذي سينعكس على مقدار الحقوق والتسهيلات التي يتمتع بها الاستثمارات ومواطني الدول المستفيدة، كون أن هذه الحقوق والمزايا التي تحصل عليها الدول المستفيدة المرتبطة من حيث وجودها ونطاقها، والتي تتمتع بها الدولة الأولى بالرعاية، وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في النزاع بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بشأن المحاكم القنصلية المراكشية سنة 1952، بقولها: “إن الدولة المستفيدة من شرط الدولة الأولى بالرعاية إلا في حدود ما تتمتع به هذه الأخيرة من حقوق ومزايا، وبالتالي فإن إلغاء الحقوق والمزايا المقررة للدولة الأولى بالرعاية أو الانتقاص منها أثره على الدولة المستفيدة من الشرط”.
– لا يتضمن هذا الشرط شأنه في ذلك شأن المعاملة الوطنية تحديدا مباشرا وتفصيليا واضحا للحقوق التي تمنحها الدولة الملتزمة به لرعايا الدولة المستفيدة، وإنما يكفل هذا الشرط للدولة المستفيدة مجرد الحق في أن تطالب الدولة الملتزمة به بمنح رعاياها مركزا مساويا لما يتمتع به رعايا الدولة الأولى بالرعاية.
– هذا الشرط يمثل خطورة بالنسبة للدول الملتزمة به، حيث يفقدها القدرة على المساومة مع الدولة المستفيدة به في المستقبل، كما أنه يقيد الدولة الملتزمة في منح أي امتياز تريد منحه لدولة أخرى.
– إن إسراف الدولة في الالتزام بشرط الدولة الأولى بالرعاية يجعلها تتردد( ) كثيرا في عقد معاهدات تحدد فيها حقوق وامتيازات للأجانب من رعايا دول أخرى خشية أن يترتب على هذا المسلك تمتع رعايا كافة الدول المستفيدة بهذه الحقوق والمزايا، فهذا الشرط من شأنه أن يشل يد الدولة المستفيدة من الشرط، رغم أن هذه الأخيرة لم تكن هي المقصودة أصلا بهذا الامتياز.
– هذا الشرط هو معيار غير آمن وغير مضمون، كون أنه لا يضمن شأنه في ذلك شأن قاعدة المعاملة الوطنية للاستثمارات التي تشملها حماية الاتفاقية معاملة مناسبة، إذ أن المزايا والحقوق التي تمنح لها الاستثمارات التابعة لأحد الأطراف المتعاقدة والمقررة أصلا لرعايا الدول الأخرى، بالاتفاق مع الدول المضيفة لا تخضع لإرادة الدولة المتعاقدة المضيفة لرأس المال.
أما تحديد نطاق حقوق الأجنبي، فبالرغم من أنه يدخل ضمن اختصاص المشرع الوطني ، إلا أنه يجب أن لا تنزل الدولة في معاملتها للأجنبي عن الحد الأدنى المقرر في القانون الدولي، فإذا رأت الدولة أن تتجاهل قواعد الحد الأدنى بالنسبة لرعاياها فإنها تظل مع ذلك ملتزمة باحترامها في معاملتها للأجانب، فمنح الأجنبي على الوطني بمعاملة أفضل في هذه الحالة إنما هو للوصول بالأول إلى الحد الأدنى المقرر في القانون الدولي، وليس للتمتع بمركز أعلى من الوطني.
وتأسيسا على هذه القاعدة فقد قضت المحكمة الدائمة للعدل الدولي سنة 1926 في حكمها الصادر في قضية المصالح الألمانية في سيليزيا العليا البولندية – وقد سبقت الإشارة إليها – بأنه: “لا يجوز للدولة أن تفرض معاملة لا يقررها القانون الدولي على الأجانب المقيمين في إقليمها، في حين أنها تقرر نفس المعاملة بالنسبة للوطنيين.”.
و يذهب الرأي الراجح في الفقه، إلى أن مبدأ المعاملة الوطنية للاستثمار الأجنبي الذي يرد في الاتفاقات الدولية لا يقتصر أثره على الضمانات والمزايا المقررة للاستثمار الوطني بمقتضى القوانين الداخلية للدولة وفق إبرام الاتفاقية، بل إنه يشمل كذلك جميع الضمانات والمزايا التي تقررها التشريعات الوطنية اللاحقة لإبرام اتفاق دولي، وذلك في الحالة التي يتبين فيها أن المشرع الداخلي الوطني لم يقصد قصر التمتع الحقوق على الوطنيين فقط، ويبرر هذا الاتجاه موقفه في الواقع أن أساس تلك الضمانات والحقوق الجديدة لم تكن من بين الحقوق التي تصورتها الدولة المتعاقد معها على شرط مساواة الأجانب بالوطنيين.
غير أنه إذا التطور التشريعي اللاحق بإبرام الاتفاق الدولي إلى الانتقاص من الضمانات والمزايا المقررة للاستثمار الوطني، فإن هذه الحالة تؤدي إلى بالضرورة إلى الانتقاص من الحماية القانونية.
على أن معيار المعاملة الوطنية الوارد في المعاهدات ليس مطلقا، وإنما يقتصر تطبيقه فقط على الموضوعات التي نصت عليها المعاهدة لتنظيمها، أي في نطاق الحقوق والمزايا المتعلقة بالاستثمار فقط، فكل ما يتمتع به المستثمر الوطني من حقوق ومزايا وتسهيلات بشأن استثماراته، وجب أيضا أن يحض المستثمر الأجنبي بالتمتع بها، ولا يجوز للدولة المتعاهدة أن تطلب المساواة بين رعاياها واستثماراتهم، وبين رعايا واستثمارات الدولة المضيفة خارج نطاق الدولة الحقوق المقررة للاستثمار، كأن تطلب الدولة المساواة بين رعاياها ورعايا الدولة المعنية في نطاق تأشيرات الدخول والإقامة، أو في نطاق التعريفات الجمركية.
فيما عدا ذلك على الدولة بمقتضى تشريعاتها الداخلية أن تساوي بين الأجانب والوطنيين، ويقصد بالمساواة( ) هنا المساواة في القانون والواقع، وفي الحاضر والمستقبل، فمثلا يجب على الدولة المضيفة أن تطبق على قبول المشروع أو منح الترخيص مثلا، أو غير ذلك من مجالات الاستثمار، نفس القواعد التي تطبقها على المشروع الوطني، لأن قيام الدولة مثلا بأي إجراء من شأنه الإخلال بمبدأ المساواة سيؤدي إلى ترتيب المسؤولية الدولية عليها، لأنه تكون بذلك قد انتهكت أحكام المعاهدة الدولية التي تفرض المعاملة الوطنية، كما لو قامت الدولة باتخاذ جميع إجراءات التأميم في مواجهة ممتلكات الأجانب دون الوطنيين، على نحو يجعل من الصفة الأجنبية المبرر الوحيد لاتخاذ هذه الإجراءات.
معاملة الاستثمار الأجنبي وفقا لمبدأ المعاملة بالمثل أو التبادل: (la Réciprocité)
مقتضى هذا المبدأ أن تعامل الدولة المستثمر الأجنبي بالمعاملة ذاتها التي يلقاها رعاياها في إقليم الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته، ويعد هذا المبدأ في الواقع وسيلة شائعة وهامة لتحديد الضمانات القانونية التي يحظى بها الاستثمار الأجنبي في الدولة المستقبلة له، ويتخذ مبدأ المعاملة بالمثل عدة صور، فقد تنص عليه الدولة في قوانينها الوطنية، ويعـرف عندئذ بالتبادل التشريعي (La Réciprocité Juridique) وقد تكتفي الدولة بمنح المستثمر الأجنبي الحقوق والمزايا نفسها التي يجري العمل على منحها لمواطنيها في الدولة الأجنبية، ولولم يكن ذلك بموجب نص صريح،ويسمى بالتبادل الواقعي.
غير أن الغالب أن يجري الاتفاق على هذا المبدأ بين دولتين أو أكثر بموجب اتفاقية دولية تبرم بينهما، وهو ما يسمى بالتبادل ألاتفاقي أو الدبلوماسي، وأا كان الشكل القانوني لمبدأ المعاملة بالمثل، فإنه يتخذ من حيث المضمون صيغا مختلفة، وذلك لتجسيد الفعالية في مدى حماية الاستثمار غير الوطني وضمانه، وبالرجوع إلى الواقع الدولي نجد من أهم تلك الصيغ ما يلي:( )
 تبادل الحق بالحق:(Droit pour droit)
ومعنى هذا المبدأ أن تقوم الدولة بمنح المستثمر الأجنبي الضمانات والمزايا ذاتها التي تمنحها دولة ذلك المستثمر لرعايا الدولة الأولى( )، وتقوم هذه الصيغة من صيغ التبادل في الواقع الدولي على فكرة التطابق أو التماثل، حيث يشترط فيها أن يكون الأداء الذي تلتزم به إحدى الدول مماثلا لأداء الدولة الأخرى، ويشترط أن تكون ممارسة هذا الحق في الحدود نفسها في كلتا الدولتين، بحيث لا يكفي لتحقيقها أن يكون الحق الممنوح للمستثمر الأجنبي في الدولة هو الحق نفسه الذي تخوله الدولة التي يتبعها هذا المستثمر لرعايا الدولة الأولى.
ومن بين محاسن هذا المبدأ أنه يحقق توازنا موضوعيا بين الدولتين المتعاقدتين، فهو لا يجيز للمستثمرين الأجانب أن يتمتعوا بضمانات قانونية في الدولة لا تتمتع بها استثمارات تلك الدولة في الدول الأخرى، وطالما أنه يؤدي إلى إيجاد نوع من التوازن بينما تعطيه الدولة وما تأخذه، فإنه لا تثار أي إشكالية (شبهة الغبن)، الذي قد يلحق إحدى الدول لصالح الدولة الأخرى.
ورغم تلك المحاسن إلى أنه يعاب عليه من ناحية أنه لا يفضي إلى إيجاد التوازن الحقيقي في الضمانات الممنوحة بين الدولتين المتعاقدتين، ويرجع ذلك إلى سببين مهمين هما:
– إن محل التزام واحد بالنسبة إلى كليهما، إلا أنه قد يكون أكثر غرما لإحداهما وأكثر غنما للأخرى، وذلك نتيجة لتباين حجم الاستثمارات كل من الدولتين في الدولة الأخرى.
– اختلاف شروط التمتع بالضمان محل التبادل، ونطاقه باختلاف القوانين الوطنية للدول المتعاقدة.
 التبادل على أساس المعاملة الوطنية:
يقصد بهذا المبدأ عموما أن تقرر الدولة معاملة الاستثمار الوافد إليها معاملة الاستثمار الوطني نفسها شريطة أن تلقي استثماراتها في تلك الدولة الأجنبية المعاملة القانونية ذاتها، و تتميز هذه الصيغة من صيغ المعاملة بالمثل بالسهولة واليسر، غير أنها لا تؤدي إلى تحقيق توازن حقيقي (Un Véritable équilibre). بين الدول المتعاقدة في نسبة الضمانات القانونية التي تقررها، فقد تكون إحدى الدولتين سخية في منح الضمانات والمزايا لاستثماراتها الوطنية، بينما تكون الأخرى عكس ذلك، وفي مثل هذه الحالات تفضي ذلك إلى عدم التعادل بين حقوق الدولة والتزاماتها، ولم يتسنى لها الوصول إلى تحقيق ذلك ، إلا إذا كانت تلك الدول تتقارب في نظمها القانونية من حيث الضمانات والمزايا التي تخولها للاستثمارات الوطنية.
 التبادل على أساس التعادل:
و مقتضى هذه الصيغة من صيغ المعاملة بالمثل، أن تتعهد الدولة بمنح المستثمر الأجنبي مزايا معينة في إقليمها، مقابل حصول مواطنيها وشركاتها في الدولة الأجنبية على مجموعة أخرى من المزايا ترى أنها تعادل في الأهمية التي قررت منحها للمستثمرين الأجانب، وإن كانت لا تطابقها وتسعى الدولة من تقرير هذا المبدأ في الواقع الدولي إلى حماية مواطنيها الذين يقدمون بالاستثمار الأجنبي، وذلك من خلال تمكينهم من الحصول على ضمانات معينة تظهر حاجاتهم إليها في الخارج، مقابل توفير ضمانات أخرى للمستثمرين الأجانب الذين يزاولون نشاطهم في إقليمها، ومثال ذلك كأن تتعهد الجزائر مثلا بدفع تعويض كامل وحال وفعال للاستثمارات الفرنسية التي تزاول نشاطها فيه مقابل تعهد فرنسا بالسماح لرأس المال الجزائري بالاستثمار في صناعات معينة محظورة أساسا على الاستثمار غير الوطني.
غير أن هذا المبدأ لا يؤدي دوما إلى تحقيق المساواة في الضمان بين الدولتين المتعاقدتين فقد تنتظر الدولة من الأخرى المبادرة من جانبها أولا بمنح المزايا والضمانات كشرط مقابل لقيام الأخرى بتقرير ضمانات مماثلة، كما يؤدي ذلك إلى أن يلحق الغبن إحداهما على حساب الأخرى.

المبحث الثاني: دور الاتفاقيات الثنائية في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية.

لقد انتشرت شبكة ضخمة من الاتفاقيات الثنائية بنوعيها: اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار، والاتفاقيات الضريبية، رغم تبني أغلب الدول المستقبلة للاستثمار الأجنبي لقوانين وظنية أكثر تحررا، ما يلاحظ على أغلب هذه الاتفاقيات أن صياغتها( ) ، جاءت وفق ظاهرة عالمية عامة- متماثلة، أي جاءت كنتيجة حتمية لتطور حركة و ديناميكية العلاقات الاقتصادية الدولية ، الذي أدى إلى تكاثر الاتفاقيات لتخلق شبكة عالمية كبديل للاتفاق المتعدد الأطراف.
وهناك نوعان من الاتفاقيات الثنائية التي ساهمت في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية، وتتمثل في:
الاتفاقيات الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي الذي سنتناوله في المطلب الأول.
الاتفاقيات الثنائية لمنع الازدواج الضريبي الذي سنتطرق إليه في المطلب الثاني.

المطلب الأول: دور الاتفاقيات الثنائية في حماية و تشجيع الاستثمار الأجنبي.

قد تبرم دولتان أو أكثر اتفاقية (Un traité) لتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة في ما بينها، و تتضمن هذه الاتفاقيات من هذا النوع عموما، قدرا من الضمانات التي تتمتع بها استثمارات كل منها في الأخرى.حيث تسعى الدول المصدرة للاستثمار عموما إلى توفير الحماية القانونية الكافية لأموال مواطنيها في الخارج، و لما كانت الضمانات التشريعية التي يقررها قانون الاستثمار في الدولة لا تحقق تلك الحماية الكافية، بسبب قابليتها للتعديل و الإلغاء، فإنها تلجأ في هذا الخصوص إلى وسائل قانونية أخرى .
لعل من أهمها: عقد اتفاقيات ثنائية للاستثمار بينها و بين الدول المستقبلة له، و تهدف معظم تلك الاتفاقيات في الواقع لتشجيع الاستثمار الأجنبي وحمايته، وخلق الظروف الملائمة له للإسهام في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية( )، و يتم ذلك عن طريق تقنين القواعد القانونية الضابطة لهذا النوع من الاستثمار، من خلال تحديد حقوق و واجبات طرفي المستثمر و الدولة التي يجري فيها الاستثمار.
و عموما تهدف أغلبية الاتفاقيات الثنائية على تحقيق ما يلي( ):
 تشجيـع الاستثمـارات المتبادلـة.
 إعطاء ضمانات لحماية الاستثمارات.
 ضمان معـادلة عادلة للاستثمارات.
 ضمان تعويض فوري في حالة نزع الملكية.
 ضمان حرية تحويل العائدات الاستثمارية.
 وضع إطار قانوني ملائم يتولى الفصل في المنازعات التي تنشب بين المستثمر والبلد المضيف، مع أحقية اللجوء إلى الاحتكام الدولي.
لهذا فإن اتفاقيات الاستثمار الثنائية تتضمن في حقيقتها أحكاما تكفل للاستثمار الحماية القانونية من بعض المعوقات التي قد تتعرض سبيله، حيث تضع إطارا قانونيا و تنظيميا و تشريعيا ، أي اتفاقيات كبحية سواء وطنية أو دولية، فعلى المستوى الوطني جاءت هذه الاتفاقيات من أجل منع كافة القيود على الدول المستقبلية للاستثمارات من أجل نزع كافة الاستثناءات، اجتماعية كانت أو بيئية معرقلة للاستثمارات، و يزيل كل العوائق من الدخول فيه، وفي حركته و تطوره.
فالاتفاق الثنائي يرمي إلى حماية المستثمرين فوق الحماية الوطنية، كما أن الاتفاقيات الثنائية تنشأ في نفس الوقت آلية قانونية لتسوية النزاعات التي قد تتسبب بين الدولة و المستثمر الأجنبي، و بالتالي فإنها تظم أحكاما قانونية مماثلة، تلاءم الأحكام التي ينص عليها الاستثمار الوطني، بيـد أنها تتميـز عنه في أنها تنشئ حقوقا و التزامات تعاقدية (Contractuelles)،أو اتفاقية (Conventionnelles) بين الدولة المستقطبة للاستثمار، و الدولة المصدرة له، بحيث لا يمكن تعديلها أو إلغاؤها بالإرادة المنفردة لأحد الطرفين.
كما أن لتلك الاتفاقيات من جانب آخر أن تؤثر في القانون الوطني للأطراف المتعاقدة، و يظهر ذلك التأثير بشكل واضح في القوانين الداخلية التي تسنها هذه الأطراف للوفاء بمتطلبات الاتفاقات الدولية، و التزاماتها.
تشير الإحصائيات المختلفة إلى كثرة الاتفاقيات الثنائية الخاصة بالحماية و تشجيع الاستثمارات الأجنبية ، حيث ونظرا لكثرتها أصبح من الصعب إعطاء أرقام حقيقية لعدد الاتفاقيات الممضاة، أو التي في صدد الإمضاء في تاريخ معين، نظرا لخصوصية هذه العقود التي تهم دولتين، كون أنه لا يوجد كيان ممركز لإحصاء هذه العقود.
فقد حاول البنك العالمي إحصاء الاتفاقيات الثنائية، لكن لم يبدأ بنشرها على موقعه إلا منذ فتـرة 1959-1996 خلافا لمؤتمر التجارة و التنمية (CNUCED) الذي نشر إلى غاية 1999 .الرسم البياني(01) المرفق يوضح ذلك.
أما الحالة الراهنة للاتفاقيات الثنائية، فهناك عدة تقييمات موجودة هنا وهناك مثلا:
المديرية العامة للتجارة في الاتحاد الأوربي، المحافظ (LHMY) أعطت رقم:1800اتفاقية ثنائية، كما أحصى مؤتمر التجارة و التنمية (CNUCED) في نهاية 1999 حوالي 1845 اتفاقية ثنائية، ولم تتوقف حركة الاتفاقيات الثنائية عند هذا الحد حيث بلغت سنة 2000 – 2001 حوالي 2000 اتفاقية ثنائية.
يقصد بالاتفاقيات الثنائية لتشجيع و حماية الاستثمار:
“تلك التي تهدف إلى تشجيع الاستثمارات التي تتم باحترام تشريعات الدولة المضيفة بالترخيص بإبرام عقد المساعدة التجارية و الإدارية و التقنية التي لها علاقة بالاستثمارات.”( ).
الشكل البياني رقم : 01.

أنظر النسخة المرفقة

الفرع الأول: الحماية الموضوعية للاستثمارات الأجنبية الخاصة في الاتفاقيات الثنائية.

لقد أصبحت الاتفاقيات الثنائية وسيلة قانونية دولية لتحقيق الحماية الكاملة للاستثمارات الأجنبية الخاصة، وبما أن الغرض الأساسي لاتفاقيات الاستثمار الثنائية يتمثل في حماية و تشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة و تحسين مناخ الاستثمار بهدف دعم التعاون الاقتصادي بين الأطراف المتعاقدة( )، لذلك فقد اهتمت تلك الاتفاقات بتوفير العديد من الضمانات منها المخاطر غير التجارية المتمثلة في إجراءات الاستيلاء على أموال الأجانب عن طريق التأميم، أو نزع الملكية أو المصادرة، والإجراءات التي تضعها الدولة على الصرف الأجنبي، وما يترتب عليه من تقييد لحرية المستثمر في تحويل أرباحه إلى الخارج، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن الأعمال العسكرية أو الثروات و الاتفاقيات.

البند الأول: الحماية الاتفاقية ضد مخاطر التأميم، ونزع الملكية.

تتمثل أهم الضمانات التي نصت عليها اتفاقيات في تحصين المال الأجنبي ضد إجراءات اخذ الملكية كالتأميم والمصادرة و غيرها من الإجراءات المماثلة، وعدم السماح بالمساس به إلا عند تحقق شروط معينة( )، ومقابل دفع التعويض الحالي والكافي والفعال، وهي شروط تحقق التوازن بين مصلحة المستثمر الأجنبي ومصلحة الدولة المضيفة.
تعمل الاتفاقات الثنائية على تلافي القصور الذي يشوب التشريعات الوطنية من ناحية إمكانية تعديل نصوصها التي لا تجيز أو تسمح بتأميم في أي وقت ، لتجعل الأمر يتم في إطار اتفاقية دولية، تكون أكثر إلزاما للطرف المضيف للاستثمار، وهذا المبدأ تأخذ به اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين مصر و لبنان عام 1997 والتي أكدت هذا المبدأ في المادة الخامسة 05 منها و التي قضت بأنه:
” لا ينبغي لأي من الطرفين المتعاقدين أن يتخذ بصورة مباشرة أو غير مباشرة إجراءات بنزع الملكية أو التأميم، أو يتخذ أية إجراءات أخرى لها الصفة نفسها أو المفعول نفسه بشأن استثمارات المستثمرين التابعين للطرف المتعاقد الأخر، إلا إذا كانت تلك الإجراءات متخذة في سبيل المنفعة العامة ، كما هو مقرر بمقتضى القانون ، على أساس غير تميزي، و بموجـب الطرق القانونية شريطـة اتخاذ ترتيبات لدفع تعويض فعال وملائم” ( ).
 في مجال نزع الملكية هناك قيود اتفاقية التي يمكن أن تقررها الاتفاقيات الثنائية على حق الدولة المستقبلية للاستثمار، و التي تتمثل في ما يلي:-
أ‌- حظر نزع الملكية:
تتضمن معظم الاتفاقيات الدولية الثنائية و المتعلقة بالاستثمار الأجنبي شروطا تقيد من حق الدولة المستقبلية للاستثمار في نزع ملكية المشروعات الاستثمارية الأجنبية، ذلك نزع الملكية يمثل بصورة أو بأخرى، عائقا كبيرا في سبيل استقطاب رأس المال الأجنبي، و من ثم فقد تصل تلك الشروط إلى حد حظر اتخاذ هذا الإجراء القانوني بشكل مطلق، وذلك بهدف تقديم أقصى درجات الضمان للمستثمر الأجنبي لتشجيعه على ممارسة نشاطه الاقتصادي و التجاري. وقد يكون الحظر من جهة أخرى مشروطا بشروط معينة ترمي في مجملها إلى توفير الأمان القانوني للاستثمار الوافد، وقد ينضب الحظر على كل نظم وقد يرد على بعضها دون البعض الآخر، وذلك بحسب الحاجة إلى رأس المال الأجنبي و الاتجاه الذي تعتنقه الدولة في مواجهته.
 الحظر المطلق لنزع الملكية:
تحرص بعض الاتفاقيات الثنائية على تحريم نزع ملكية الاستثمار الأجنبي بصفة مطلقة ، و يعد هذا الحظر في الواقع ضمانا قانونيا مهما للمستثمر الأجنبي، ومثال ذلك اتفاقية دعم و حماية الاستثمارات المتبادلة بين العراق وكوبا، والتي تم إعدادها عام 1998، حيث تهدف إلى خلق مناخ مشترك بين العراق وكوبا، لتقرير وتشجيع استثمار رؤوس الأموال من قبل الأفراد و الشركات لإحدى الدولتين في الدولة الأخرى بهدف تحقيق الرخاء و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، وبصدد الحظر المطلق لنزع الملكية، تقرر المادة 04 من الاتفاقية المذكورة بأن يكون الاستثمار المحقق بمنأى عن إجراءات التأميم والمصادرة، أو أية إجراءات قانونية مشابهة.
يقصد بالحظر هنا الحظر على المصادرة الإدارية دون المصادرة القضائية ، ذلك أن الاتفاق على الحظر المطلق لنزع الملكية من شأنه أن يتعارض مع سيادة الدولة الذي يقرر حرمانها من الحق في التأميم الذي يعد مظهرا من مظاهر سيادتها و وسيلة من وسائل عملها لتحقيق الصالح العام ، كما أن الأخذ بهذا الحظر من شأنه أن يؤدي في الوقت ذاته إلى منع المصادرة التي تفرض عادة نتيجة مخالفة المستثمر لأحكام القانون.
 الحظر المشروط بنزع الملكية:
قد يجيز اتفاق الاستثمار الدولي نزع ملكية المستثمر الأجنبي بشروط معينة ينبغي توافرها لتحقيق ذلك ، مثل ما هو الحال مثلا في الاتفاق الثنائي الخاص بحماية الاستثمارات الأجنبية بين بريطانيا ومصر( ).
حيث ينص في المادة 05 منه على أنه: “الاستثمارات شركات ومواطنين أي بين الطرفين المتعاقدين، يجب ألا تؤمم أو تنزع ملكيتها أو تخضع لتدابير يكون لها أثر مساو للتأميم أو نزع الملكية في إقليم الطرف المتعاقد الآخر إلا للصالح العام الذي يتعلق بالاحتياجات الداخلية لذلك الطرف ، وبناء على تعويض حال و كاف و مؤثر”( ).
كما تنص اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين العراق والجزائر لعام 1999في هذا الصدد على أنه:” لا يتخذ الطرفان المتعاقدان تدابير نزع الملكية أو التأميم أو أية تدابير أخرى يترتب عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نزع ملكية مستثمري الطرف الآخر لاستثماراتهم التي يمتلكونها على إقليمها إلا إذا كان ذلك بسبب المنفعة العامة بشرط أن تكون هذه التدابير قد اتخذت طبقا لإجراءات قانونية ، وان لا تكون تمييزية ، كما يجب أن تؤدي تدابير لنزع الملكية إذا اتخذت إلى دفع تعويض فعلي ومناسب.”.
يكرس هذا المبدأ اتفاقية تشجيع و حماية الاستثمارات بين العراق و السودان ، حيث تقرر بموجب الفقرة 01 من المادة السادسة 06 على عدم خضوع الاستثمارات التي تتم بموجب هذه الاتفاقية للتأميم أو المصادرة ، أو أية إجراءات قانونية أخرى ذات تأثير مماثل بشكل مباشر أو غير مباشر إلا إذا كان ذلك لأغراض المنفعة العامة، وطبقا للقوانين و الأنظمة السائدة في الدولة المتعاقدة التي يتم فيها هذا الإجراء، والذي يشترط فيه ألا يكون تمييزيا، و أن يتم مقابل دفع تعويض فعلي وعادل وفوري.
غير أن هذا الاتجاه من جهة أخرى يضع شروطا معينة لاستعمال هذا الحق، و التي تمثل في حقيقتها قيودا قانونية على حق الدولة في نزع ملكية المستثمر الأجنبي ، ومن ثم فإن هذه القيود تعد ضمانات مهمة له.
إن هذا الاتجاه جدير بالتأييد ، فهو يؤدي في الواقع إلى إيجاد قدر من الموازنة بين تحقيق الضمان و الأمان للمستثمر الأجنبي من خلال عدم التعرض لمشروعه الاستثماري ، إلا طبقا لأحكام القانون ، ومقابل تعويض عادل و بين تمتع الدولة بحقوقها السيادية على نحو يمكنها من القيام بواجباتها في تحقيق المصلحة العامة ، إذن هذا النمط من الضمان ألاتفاقي يعترف للدولة المستقبلة للاستثمار الأجنبي.
أ‌- شروط اللجوء إلى التأميم أو نزع الملكية أو التدابير المماثلة لها:
جمعت كافة الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الجزائر على ضرورة توافر الشروط التقليدية لمشروعية نزع الملكية، وهي: ضرورة المنفعة العامة ، عدم التمييز ، ضرورة التعويض.
على سبيل المثال ، نص الاتفاق المبرم مع رومانيا ، المذكور سابق في مادته الرابعة 04، على أنه:
” لا يمكن أن تخضع استثمارات مستثمري أحد الطرفين المتعاقدين المنجزة على إقليم الطرف المتعاقد الآخر إلى إجراء تأميم أو نزع الملكية ، أو أي إجراء آخر ، إلا في حالة توافر الشروط التالية:
 تتخذ التدابير لأغراض المنفعة العامة ، و بواسطة إجراء قانوني مناسب.
 التدابير المتخذة غير تمييزية.
 تكون التدابير المتخذة مزودة ومصحوبة بأحكام تنص على دفع تعويض حقيقي و ملائم ، وكذلك طرق دفع تعويض حقيقي و ملائم، وكذلك طرق دفع هذا التعويض.
ونفس هذا المعنى نصت المادة السادسة 06 في فقرتها الأولى01 من الاتفاق الجزائري – الكويتي( )، حيث جاء فيها:
“الاستثمارات التي يقوم بها مستثمرون تابعون لأي من الطرفين المتعاقدين في إقليم الطرف المتعاقد الآخر لن يتم تأميمها أو نزع ملكيتها أو إخضاعها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إجراءات ذات أثر يعادل التأميم أو نزع ملكيتها أو سلب الحيازة .
(مشارا إليها مجتمعة فيما بعد بنزع الملكية)، من قبل الطرف المتعاقد الآخر إلا لغرض عام يتعلق بمصلحة وطنية لذلك الطرف المتعاقد ، وفي مقابل تعويض فوري و كاف و فعال شريطة أن تكون تلك الإجراءات قد اتخذت على أساس عدم التمييز و وفقا لإجراءات قانونية معمولا بها بصفة عامة.
وإذا كانت جميع الاتفاقيات الثنائية قد أجمعت على ضرورة التعويض في حال نزع الملكية، إلا أنها اختلفت في طريقة تحديد هذا التعويض.
ب‌- عدم التمييز في نزع الملكية:
تقضي معظم اتفاقيات الاستثمار الدولية الثنائية بضرورة التزام الدولة المستقطبة للاستثمار عند اتخاذها إجراءات نزع الملكية بمبدأ المساواة وعدم التمييز، حيث ينصص الاتفاق الثنائي المبرم بين هولندا وتونس مثلا، والخاص بتشجيع الاستثمارات المتبادلة ( ) على أن: .. ” تدابير نزع الملكية و التأميم يجب ألا تكون تمييزية أو مخالفة لالتزام معين.”.
كما يقرر الاتفاق الثنائي بشأن التشجيع و الحماية المتبادلة للاستثمارات بين العراق و الجزائر لعام 1999 بأنه:
” لا يتخذ الطرفان المتعاقدان تدابير نزع الملكية أو التأميم أو أية تدابير أخرى يترتب عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نزع ملكية مستثمري الطرف الآخر لاستثماراتهم التي يمتلكونها على إقليمها إلا إذا كان ذلك بسبب المنفعة العامة بشرط أن تكون هذه التدابير قد اتخذت طبقا لإجراءات قانونية و أن لا تكون تمييزية.”
و تدرس اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين العراق و السودان هذا المبدأ أيضا ، إذ تقرر بموجب المادة 06 السادسة ، الفقرة الأولى:” عدم جواز اتخاذ إجراءات نزع الملكية من قبل إحدى الدولتين المتعاقدتين في مواجهة الاستثمار الوافد من الدولة الأخرى، إلا إذا كان ذلك لمنفعة عامة ، و على أساس غير تمييزي.”

البند الثاني: الاتفاق على قدر التعويض و أوصافه.

تعتبر قاعدة التعويض العادل المقررة بموجب العرف الدولي و الملزمة للدولة المؤممة لأموال المستثمر الأجنبي غير كافية لتحقيق الحماية الكافية للمستثمر الأجنبي ، فقد مضت الإشارة إلى أن قرار العرف الدولي لمبدأ التعويض العادل لا يتنافى مع إمكان إدانة مقسطا أو مؤجلا أو بالعملة المحلية، كما لا يتطلب أن يكون مبلغ التعويض مساويا لقيمة الأضرار الفعلية التي أصابت المستثمر، فالتطبيقات الدولية قد اكتفت أحيانا بمجرد التعويض المناسب عند عدم وجود اتفاق خاص يقضي بغير ذلك.
في الحقيقة فإن مبدأ التعويض العادل يعد مبدأ غامضا و يصعب تحديد مضمونه بشكل دقيق نظرا لاختلاف مفهوم العدالة من دولة لأخرى( ) ، إضافة إلى استحالة تقرير تعويض في حالة مخاطر الاضطرابات الداخلية والثروات في ظل الأعراف الدولية، كما لا يصح الاكتفاء فقط بالنص على عبارات عامة لا تفيد في تحديد قدر التعويض على نحو واضح، فمثل هذا الغموض في تفسير المقصود بالتعويض العادل لا يتفق مبدأ الأمان والضمان للمستثمر الأجنبي، وهذا ما يتنافى مع الغرض من الاتفاقيات الثنائية التي تسعى إلى حماية وتشجيع رؤوس الأموال بين الدول المتعاقدة( ).
لما كان من الثابت وجوب دفع تعويض ما في حالة نزع الملكية، و كانت حدود هذا التعويض ما تزال محل خلاف و جدل واسع بين الدول و الفقه الدولي ، فإن الاتفاقيات الثنائية لحماية و تشجيع الاستثمار لم تكتف بالأخذ بمبدأ التعويض ، و إنما تضمنت تحديدا دقيقا لأوصاف التعويض المستحق بشكل يمنع من إثارة أي نزاع حوله في المستقبل.
حيث قررت معظم الاتفاقيات الثنائية بتشجيع و حماية الاستثمار الأجنبي حق الدولة المستقطبة للاستثمار في نزع الملكية باستخدام نظم قانونية مختلفة بشرط أداء التعويض، وقد انصب اهتمام واضعي هذه الاتفاقيات في الواقع على تحديد مقدار التعويض المستحق وأوصافه عند اتخاذ الدولة إجراءات نزع الملكية في مواجهة الاستثمار غير الوطني( )
من أجل ذلك فإن الاتجاه السائد في الاتفاقيات الثنائية الدولية المبرمة حديثا من شأن التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات ، هو النص على تأكيد حق الدولة المضيفة في اتخاذ إجراءات التأميم أو نزع الملكية، مع الحرص في نفس الوقت على تنظيم أحكام التعويض، من خلال تحديد أوصافه وبيان شروطه والعملة التي يجب أن يتم بها وزمن تسديده، وغير ذلك من الشروط.
و ذلك على النحو التالي:
أولا: زمن تقدير قيمة التعويض العادل.
عملت الاتفاقيات الثنائية على تحديد اللحظة أو الفترة الزمنية التي يجب أن يتم من خلالها تقييم المال المنزوع ملكيته من المستثمر الأجنبي واتفقت أغلبها على أن ألا تكون الفترة لاحقة لزمن نزع الملكية، وذلك حتى لا تتأثر قيمة المال بالنقص عما كانت عليه قبل نزع الملكية( ).
من الملاحظ أن تلك الاتفاقيات لم تأخذ بزمن واحد لإجراء ذلك التقدير ، إلا أنها اتفقت على أن يكون زمن تقدير التعويض فور نزع الملكية ، مثل الاتفاقية الثنائية بين كل من مصر و روسيا البيضاء ، و بين مصر و حكومة كندا، فقد نصت الأخيرة على أنه:” لن تخضع استثمارات أو عوائد مستثمري أي من الطرفين المتعاقدين لإجراءات تأميم أو نزع الملكية أو أي إجراء مماثل الأثر في إقليم الطرف المتعاقد الآخر ، إلا من أجل الصالح العام ، و وفقا لإجراء قانوني صحيح و بدون تمييز في مقابل تعويض مناسب و فوري( ).
هناك من الاتفاقيات الثنائية التي نصت على أن يكون تقدير التعويض قبل إتمام نزع الملكية، أو قبل الإعلان عنه، وأن يدفع التعويض للمستثمر الأجنبي عشية( ) اليوم الذي اتخذت فيها إجراءات نقل الملكية، ويدفع هذا التعويض دون تأخير، كما نصت على ذلك الاتفاقية التي عقدتها مصر مع ألبانيا، بقولها:
“.. و يكون التعويض عادلا ولا يقل عن القيمة السوقية للاستثمار المنزوع ويكون ذلك قبل وقوع نزع الملكية ، أو التأميم ، أو الإجراءات المماثلة بصفة علنية ، كما يتم دفع قيمة التعويض دون تأخير”( ).
وتقصد الاتفاقيات الثنائية من وراء ذلك أن يتم تقييم قيمة المال في وقت مبكر وقبل أن يصبح الإجراء معلنا للجمهور، لما قد يؤدي ذلك من انخفاض في قيمة المال المنزوع ملكيته.
• ثانيا: مبلغ التعويض.
كما نظمت اتفاقيات الثنائية الزمن الذي يعتد به في تقدير قيمة التعويض فقد نظمت أيضا المعيار الذي يتم بمقتضاه تقدير مبلغ التعويض ، و يذكر أن الاتفاقيات اختلفت بشأن المعيار اللازم لتحديد مقدار التعويض المستحق، فمنها من تبنت معيار القيمة السوقية للاستثمار، و هو معيار عام أخذت به عدد كبير من الاتفاقيات الثنائية ، حيث نصت المادة الرابعة 04 من هذه الاتفاقية المبرمة بين جمهورية مصر و الأرجنتين على :” أن تصاحب هذه الإجراءات قرارات لدفع تعويضات تتم بصورة فورية و مناسبة و نافذة ، و يتم احتساب قيمة التعويض على أساس القيمة السوقية للاستثمار المنزوع ملكيته في الدولة المضيفة للاستثمار ، و هو نفس الحكم في اتفاقية الاستثمار التي أبرمتها مصر مع كل من اليونان و تركيا، حيث نصت كل منهما على الحكم بأن يكون التعويض مبنيا على أساس القيمة السوقية للاستثمار، و يتم احتسابه قبل حدوث الإجراء مباشرة ، أو حدوثه بصفة علنية( ).
و في الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الجزائر مع غيرها من الدول بشأن مسألة التعويضات، قد وردت في نقطتين:
الأولى:التعويض عن الحوادث التي تجري على إقليم إحدى الدول المتعاقدة.
لقد نصت جميع الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الجزائر على تعويض المستثمر المتضرر من جراء حدوث حرب، أو نزاع مسلح أو ثورة، أو حالة طوارئ مدنية ..، و يكون ضمان التعويض مقترنا بحرية التحويل، كما يجب أن لا يقل امتيازا عما يستفيد به مواطنو الدولة المضيفة للاستثمار، أو الدولة الأكثر رعاية.
فعلى سبيل المثال نصت المادة الخامسة 05 من الاتفاق الجزائري الدانماركي( ) على ما يلي:
“يستفيد مستثمرو أحد الطرفين المتعاقدين الذين لحقت استثماراتهم خسائر بسبب حرب أو نزاع مسلح، أو ثورة أو حالة طوارئ وطنية، أو انتفاضة أو اضطرابات أو شغب يحدث على إقليم الطرف المتعاقد الآخر من قبل هذا الأخير فيما يخص الاسترداد، والتعويض أو أي تسوية أخرى من معاملة لا تقل امتيازا بالنسبة للمستثمر عن تلك التي يمنحها الطرف المتعاقد الآخر لمستثمريه أو لمستثمري أي دولة أخرى”.
و هو نفس المعنى الذي نجده في جميع الاتفاقيات الثنائية مع اختلاف طفيف في الصياغة.
الثانية: التعويض عن التأميم ، نزع الملكية ، الحجز ، أو أية تدابير مماثلة.
جاء في الاتفاقيات الدولية ، أن الدول المتعاقدة لا تتخذ أي إجراء غير مبرر أو تمييزي، يمكن أن يعرقل قانونا أو فعليا تسيير الاستثمارات ، صيانتها ، استعمالها ، الانتفاع بها أو تصفيتها. .. نستنتج من خلال دراسة أحكام الاتفاقيات الثنائية أنها ترمي إلى حالتين: .. – الإجراءات التي يكون موضوعها نزع الملكية . – الإجراءات التي يكون آثارها نزع الملكية.
و الملاحظ أنه لا يوجد أي إشكال حين تنص الاتفاقيات الثنائية صراحة على التأميم، و يكون حينئذ هو موضوع نزع الملكية، كنها تضيف عبارة “أية تدابير أخرى”، أو “تدابير ذات آثار مماثلة للتأميم أو نزع الملكية”، وهنا نتساءل: ما المقصود بتدابير أخرى؟.
لا نجد في الاتفاقيات الثنائية أية إشارة لتحديد المقصود بالتدابير الأخرى، لذا تبنى الفقه مسألة تعريفها، حيث توصل الفقهاء إلى تعريف التدابير الأخرى بالتأميمات المقنعة “Nationalisation Déguisée” أو التأميمات الزاحفة “Nationalisation Rampant” ، و تم تلخيصها في 03 ثلاثة أنواع من الإجراءات أو السلوكات:
• الإجراءات أو السلوكات التي تخل بحقوق الملكية. ( كإخضاع الفوائد إلى رسوم باهظة أو إلزام المستثمر على بيع الأسهم إلى الوطنيين ..).
• الإجراءات أو السلوكات التي تمنع المستثمر من استغلال استثماره بالفائدة أو التي تمس بقيمة الملكية. (كالتقييد في استرداد المواد الأولية و التقنيات…).
• الإجراءات أو السلوكات التي تشمل جميع العراقيل الإدارية.
في نفس الشأن نصت المادة05 من الاتفاقية المبرمة بين بريطانيا ومصر والخاصة بحماية الاستثمارات الأجنبية على أنه: “… ذلك التعويض يجب أن يبلغ القيمة السوقية للاستثمار المنزوعة ملكيته قبل نزع الملكية ذاته أو قبل الإعلان الرسمي الحكومي ، و يجب أن يؤدى من دون تأخير، ويمكن تحويله بحرية وفعالية، و يكون للشركة أو المواطن الحق بموجب قانون الطرف المتعاقد الذي اتخذ إجراءات نزع الملكية في إعادة النظر فيه بواسطة هيئة قضائية أو سلطة متنقلة، لذلك الطرف تتقرر عما إذا كانت إجراءات نزع الملكية قد اتخذته طبقا للقانون الوطني، وإذا كان تقييم استثماره قد تم طبقا للمبادئ التي وردت في هذه المادة..”.
هناك العديد من الاتفاقيات التي اعتمدت في تحديد مبلغ التعويض العادل على معيار القيمة السوقية للاستثمار المنزوع ملكيته في الدولة المضيفة للاستثمار مثل ما نصت عليه المادة 06 من اتفاقية الاستثمار المبرمة بين مصر وهولندا بقولها:”أن تكون الإجراءات التي تتخذ مقابل تعويض عادل، ويمثل هذا التعويض القيمة السوقية للاستثمارات المتأثرة بها “( ). غير أن هناك اتفاقيات ثنائية تنبت معيارا أخرا هو معيار القيمة الاقتصادية للاستثمار لغرض تحديد مقدار التعويض في حالة نزع الملكية، وقد أخذت بهذا المعيار الاتفاقية الثنائية الخاصة بالتشجيع و الحماية المتبادلة للاستثمارات بين العراق و الجزائر، حيث تقرر المادة 04 ، الفقرة الثانية هذا الصدد بأنه :” تؤدي تدابير نزع الملكية إذا اتخذت إلى دفع تعويض مناسب و فعلي بحسب مبلغه على أساس القيمة الاقتصادية السارية عشية اليوم الذي اتخذت فيه التدابير أو أعلن عنها، و يحدد مبلغ و كيفية دفع التعويض بأقصى حد بتاريخ نزع الملكية ، و يجب أن يدفع هذا التعويض من دون تأثير و أن يكون قابلا للتحويل بكل حرية ، و ينتج عن هذا التعويض حتى تاريخ حقق فيه فوائد تحسب بمعدل سعر الفائدة الرسمي للطرف المتعاقد المقام لديه الاستثمار.”
• ثالثا: شكل الدفع.
إضافة إلى ما سبق فإن الاتفاقيات الثنائية أخذت بمبدأ فاعلية التعويض ومبدأ الفورية، حيث اشترطت قابلية قيمة التعويض للتحويل ، و أن يتم هذا التحويل دون تأخير.مما يلاحظ على الاتفاقيات الثنائية الحديثة بهذا الخصوص أنها استبعدت أحكام تسديد التعويض على أقساط، كما أنها لم تعد تتمسك بضرورة أن لم يتم تحويل قيمة التعويض بنفس العملة التي وردت إلى الدولة المضيفة بغرض الاستثمار.
 مبدأ فاعلية التعويض:
ومقتضاه قابلية قيمة التعويض للتحويل ، و إذا كان الأصل هو تحويل قيمة التعويض بالعملة التي تم بها الاستثمار( ) ، فإنه يمكن الاتفاق على غير تلك العملة كعملة دولة المستثمر ، حيث نصت المادة 06 الفقرة ج من اتفاقية الاستثمار بين مصر وهولندا عام 1996 المشار إليها سابقا على أنه:
” حتى يكون التعويض كاف عليه للمطالبين يدفع ويكون قابلا للتحويل دون تأخير للدولة التي يحددها المطالبون وبعملة الدولة التي يكون المطالبون من مواطنيها أو بأي عملة قابلة للتحويل يقبلها المطالبون.”.
إضافة إلى ذلك فقد جعلت بعض الاتفاقيات الثنائية تحديد تلك العملة مرهون بموافقة المستثمر عليها، و هذا وفق ما نصت عليه المادة السابعة ، الفقرة الثانية من اتفاقية الاستثمار بين مصر و تركمستان( ) بقولها :” أن تتم التحويلات بالعملة الحرة القابلة للتحويل التي يتم الإنفاق عليها مع المستثمر بسعر الصرف المعلن في تاريخ الاستحقاق.”.
إذا كانت الاتفاقيات الثنائية قد أجمعت على أن ترافق تدابير نزع الملكية بدفع التعويض ، فإنها اختلفت في كيفية تحديده.
حيث نص البعض من هذه الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد البلجيكي – اللكسمبورغي، مع إيطاليا، فرنسا، موزنبيق، كوريا، الدانمارك، النمسا( )، السويد، في حين اكتفت الاتفاقية الجزائرية الاسبانية بأن يكون التعويض مناسبا.
بينما نص الاتفاق المبرم مع رومانيا على أن يكون التعويض حقيقيا، إلا أن بعض الاتفاقيات نصت على أن يكون التعويض ملائما وعادلا كالاتفاق مع نيجيريا، والبعض الآخر استلزم تعويض كاف، وفعال كالاتفاق مع عمان( ) و الكويت.
بالمقارنة مع النصوص السابقة الذكر ، نجد أنها لم تأخذ بالخصائص الواردة في المرسوم التشريعي 93-12 بالنسبة للاتفاقيات المبرمة بعد 1993، ولا بالأمر 01-03 بالنسبة للاتفاقيات المبرمة بعد 2001، ذلك أن كلا من المرسوم 93-12 و الأمر 01-03 نص على أن يكون التعويض عادلا و منصفا.
أجمعت كل الاتفاقيات على أن يتم تحديد التعويض على أساس القيم الفعلية ، أو القيمة الحقيقية للاستثمارات السائدة عشية اليوم الذي تحدث فيه الإجراءات أو أعلن عنها، و يجب أن يتم الدفع دون تأخر، و إن كانت الاتفاقات قد اختلفت في معالجة تأخر الدفع بين تعويض فوري (الاتفاق الجزائري مع البحرين( )، الكويت ، عمان). ، أو تعويض سريع ( الاتفاق الجزائري مع السويد ، نيجيريا ، الدانمارك ، النمسا ، كوريا ، موزنبيق).
تخضع النزاعات المتعلقة بمشروعية كل تأميم أو نزع ملكية ، أو نزاعات تخص تقويم الاستثمار، و دفع التعويض للمحاكم الوطنية للدولة المضيفة للاستثمار ، أي أنها لا تخضع للتحكيم ، فعلى سبيل المثال جاء في المادة الثالثة و الرابعة من الاتفاق المبرم بين الجزائر و النمسا:
“يكون للمستثمر المتضرر مننع الملكية في إطار القانون الداخلي للطرف المتعاقد الذي قام بنزع الملكية ، الحق في مراجعة قضيته و في تقييم استثماره من قبل محكمة أو هيئة أخرى قضائية مختصة لهذا الطرف المتعاقد.”.
 مبدأ الفورية:
ينصرف هذا المبدأ إلى وجوب أن يتم دفع قيمة التعويض على وجه السرعة( )، وكذلك تحويله، إلا أن ذلك لا يعني أن يتم دفع قيمة التعويض مباشرة، أو في نفس تاريخ نزع الملكية أو التأميم، فالأمر يتطلب اتخاذ بعض الإجراءات الإدارية و القضائية التي تستغرق بعض الوقت كي يتم تقدير قيمة التعويض( ) ، لذا فإن الدفع يجب أن يتم خلال مدة معقولة بعد نزع الملكية، أو بعد تقدير قيمة التعويض .
هذا ما عبرت عنه بعض الاتفاقيات الثنائية للاستثمار بأن يتم دفع التعويض طبقا للإجراءات القانونية بدون تأخير لا مبرر له، و قد نصت على ذلك اتفاقية( ) الاستثمار بين مصر والصين لعام 1994 بموجب المادة الرابعة 04 والتي جاءت على أنه:” يجب أن يعادل التعويض قيمة الاستثمارات المنزوع ملكيتها فيالوقت الذي يتم إعلان قرار المصادرة فيه ، و يكون قابلا للتحويل بعملة حرة، و سوف يتم سداد التعويض بدون تأخير لا مبرر له.
و قد أخذت مبدأ الفورية أغلب اتفاقيات الاستثمار الثنائية و نصت عليه منها على سبيل المثال: تلك التي أبرمتها جمهورية مصر مع حكومة الأرجنتين و جاءت المادة 04 منها و التي نصت على:” لا يجوز تأميم أو نزع الملكية في مواجهة استثمارات تقام في أراضي تنتمي لمستثمري الطرف المتعاقد الآخر إلا إذا تم هذا الإجراء على أساس المنفعة العامة وبموجب إجراءات قانونية سارية على أن تصاحب قرارات لدفع تعويضات بصورة فورية ومناسبة و نافذة”.
كما تم الاتفاق بين الجزائر و الاتحاد البلجيكي اللكسمبورغي المصادق عليه بموجب المرسوم رقم: 91/345 المؤرخ في 15-10-1991 بموجب المادة الرابعة منه، على أن يدفع التعويض دون تأخير، في حين تضمن الاتفاق الجزائري الإيطالي المصادق عليه بموجب المرسوم الرئاسي رقم 91/346 المؤرخ في 05-10-1991 بموجب المادة الرابعة منه على حق المستثمر الإيطالي في الحصول على تفويض مناسب ومعادل لقيمة الاستثمارات وعاجل في الدفع وبالعملة القابلة للتحويل ، أو على العملة التي تم بها الاستثمار.
كذلك أبرمت مصر اتفاقية مع المملكة العربية السعودية قضت بأنه:” يستحق المستثمر تفويضا عادلا و عاجلا عما يصيبه من ضرر ، و اقتضاء الفورية في التعويض “، نجده كذلك في الاتفاقية المبرمة بين مصر و تركمستان، و التي نصت على أن يكون:” نزع الملكية مقابل سداد تعويضات كافية و فورية.”.
مما سبق ذكره ، نخلص إلى القول :
إن الاتفاقيات الثنائية إلى حد ما قدمت حماية كافية للمستثمر الأجنبي ضد إجراءات التأميم و نزع الملكية ، و لم تسمح باتخاذ تلك الإجراءات إلا بتوافر شروط معينة، كما سعت تلك الاتفاقيات إلى تجنب قصور التشريعات الداخلية و بالذات في مجال التعويض، فقضت بتقرير مبدأ التفويض، و قامت بتحديد أوصافه و مداه و كيفية تقديرهولا شك أن مثل هذا الاتجاه من شأنه أن يبعث الاطمئنان للمستثمر الأجنبيو يجسد الحماية القانونية المطلوبة للاستثمارات الأجنبيةويعمل على جذبها وتهيئة المناخ المناسب لها.

الفرع الثاني: الحماية الإجرائية للاستثمارات الأجنبية في اتفاقيات الاستثمار الثنائية.

ما من شك أن اتفاقيات حماية و تشجيع الاستثمار على المستوى الثنائي قد عنيت بتحديد نطاق ومضمون حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة، لكن ذلك لا يخلو عند التطبيق العملي من بروز خلافات ومنازعات في تطبيق أحكام تلك الاتفاقيات، سواء تعلق الأمر بتحديد مضمون نطاقها ، أو بنقض أحد الأطراف لالتزاماته.و عليه لا يكفي أن تحدد الدول القواعد الموضوعية التي يتم على أساسها معاملة الاستثمار الأجنبي كوسيلة لتشجيع وجذب الاستثمارات الأجنبية من أجل التنمية الاقتصادية ، و تدعيم الاقتصاد الوطني في الدولة المضيفة، لا يكفي وحده لاطمئنان المستثمر الأجنبي، بل لابد من وجود وسائل أخرى تطمئن المستثمر عند حدوث أي نزاع ينشأ بينه و بين الدولة المضيفة له، يتولى من خلالها فض النزاع سواء كانت هذه الوسائل داخلية أم دولية.
لأن المستثمر حتى ولو كان يعي حقوقه والتزاماته، ويحرص على التمتع بها ، إلا انه قد يكون أكثر حرصا تجـاه الوسيلة التي يعتمد عليها في فض نزاعه عندما تصطدم حقوقه و مصالحه مع حقوق الدولة المضيفة( )، حتى و إن أقرت له الدولة المضيفة بحق اللجوء إلى جهاز قضائي مستقل ومحايد كتعبير منها عن رغبتها في إيجاد الوسيلة المناسبة لحسم ما قد يثور من خلاف عند تصادم المصالح .
يتعين لكفاية هذا الاطمئنان للمستثمر أن تكون هناك هيئة قضائية محايدة غير تلك الموجودة داخل الدولة المضيفة لرأس المال ، يمكن للمستثمر الأجنبي أن يلجأ إليها عند قيام أي نزاع بينه و بين الدولة المضيفة للاستثمار، ذلك أن خضوع مثل هذا النوع لاختصاص المحاكم الوطنية للدولة المضيفة لا يدعو إلى اطمئنان المستثمر وارتياحه، وذلك لتمثله في أي قضاء خاص يتبع الدولة المضيفة لرؤوس الأموال( ).
لذا فإن الحماية الإجرائية لا تقل من حيث أهميتها عن الحماية الموضوعية ، لأن المناخ الاستثماري لا يتأثر فقط بالنظم و القواعد السائدة في الدولة المضيفة، وفي الاتفاقيات المتضمنة للقواعد التي تحكم روابط الاستثمار في مرحلة الثبات و السكون، بل يتأثر هذا المناخ الاستثماري أيضا بطرق و أساليب التسوية عند تنفيذ الاستثمار.
وإزاء هذا تشكيك في قدرة المحاكم القضائية المحلية على حل المنازعات الاستثمارية( )، فقد برز التحكيم كوسيلة أكثر فاعلية وحيادية لتسوية المنازعات الاستثمارية والتجارية، ومن وسائل جذب الاستثمار الأجنبي، وكضمانة إجرائية و قضائية للاستثمار الأجنبي( )، لأن التسوية القضائية الداخلية للنزاع قد يكتنفها المزيد من التعقيد والغموض، و قد يجد المستثمر الأجنبي نفسه عاجزا عن مقاضاة الدولة أمام قضائها من منطلق حصانة الدولة أمام قضائها الداخلي ، مما يجعلها تتمتع بمبدأ السيادة من جهة، ومن جهة ثانية جهل المستثمر الأجنبي لطبيعة إجراءات التقاضي الداخلية للدولة المضيفة. كما أنه لا يمكن للمستثمر الأجنبي مقاضاة الدولة المضيفة أمام القضاء الدولي باعتبار أن التقاضي أمام القضاء الدولي لا يكون إلا بين أشخاص القانون الدولي، ولا يعتبر الفرد كذلك.

البند الأول: أسباب اللجوء إلى التحكيم في ظل منازعات الاستثمار.

أولا:التحكيم كوسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية.

لا ينبغي أن يفهم التحكيم على أنه حق من حقوق المستثمر الأجنبي يمكنه من اللجوء إليه عند نشوب أي نزاع بينه وبين الدولة المضيفة للاستثمار فحسب، بل إن اللجوء إلى التحكيم يعتبر وسيلة هامة لجذب وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.
من الثابت و المستقر عليه أن القضاء الوطني للدولة هو صاحب الاختصاص الأصيل بالفصل في منازعات الاستثمار، ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك ، و ينعقد اختصاص القضاء الوطني بذلك وفقا لمبدأ سيادة الدولة على إقليمها، فالدولة حرة في وضع القواعد التي يحدد بمقتضاها نطاق اختصاص محاكمها بالنظر للمنازعات ذات الطابع الدولي( ).
إذا كان الأصل أن منازعات الاستثمار تخضع لسلطة القضاء الوطني دون غيره، فإن أية تسوية لتلك المنازعات لا تتم عن طريق محاكم الدولة فإنها تعد استثناء، وهذا الاستثناء يعد امتيازا أو تسهيلا للاستثمارات الأجنبية منحته لها قوانين الاستثمار رغبة في جذب المزيد من الاستثمار للمساهمة في التنمية الاقتصادية للدولة المضيفة للاستثمار( ).
ثانيا: التحكيم كضمانة إجرائية قضائية للاستثمارات الأجنبية.
يتميز التحكيم بمجموعة من المزايا تدفع المستثمرين الأجانب المتعاملين على صعيد الاقتصاد الدولي إلى تفضيل اللجوء إليه كبديل عن القضاء الوطني للدولة، حيث أصبح التحكيم في الوقت الحالي سواء كان تحكيما دوليا أو خاصا أو إقليميا الوسيلة والقضاء الطبيعي، وأهم أسلوب يرغب المتعاملون في الاستثمار الدولي والتجارة الدولية اللجوء إليه لحسم خلافاتهم الناتجة عن تعاملاتهم، متقدما في ذلك على قضاء الدولة المضيفة للاستثمار .
فلا تكاد تخلو اتفاقية ثنائية أو عقد من عقود الاستثمار، أو عقود علاقات اقتصادية دولية من شرط يقضي بإتباع التحكيم عند حدوث نزاع أو خلاف متعلق بتلك الاتفاقيات أو العقود، و بحيث أصبح التحكيم هو الأصل وليس الاستثناء بخصوص تسوية منازعات الاستثمار، و لا شك أن هذا الاتجاه قد ارتبط و تأثر بما فرضته التطورات الاقتصادية المعاصرة الهادفة إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية.
لقد أصبح من الضروري في الوقت الحالي لكي تقوم الدولة المضيفة بجذب الاستثمارات اللازمة لتنمية اقتصادياتها و مواردها، فإنه لابد من توفير الحماية الكافية لتأمين الاستثمار الأجنبي، فرأس المال الأجنبي يحتاج إلى الأمان و المستثمر يحتاج إلى طمأنينة ضد المخاطر غير التجارية التي يمكن أن يتعرض لها ، و يحتاج إلى ضمانات تنزع القلق عن نفسه .
من أهم هذه الضمانات ، الضمانات الإجرائية المتمثلة في توفير وسائل مناسبة أمام المستثمر الأجنبي تمكنه من حماية حقوقه قضائيا ، ذلك أن المشكلة الحقيقية التي يواجهها المستثمر الأجنبي الخاص ليست مشكلة تعريف حقوقه والتزاماته ، أو تحديد مداها، بل المشكلة تكمن في البحث عن وسيلة مستقلة ومحايدة و فعالة تمكنه من اللجوء إليها للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينه و بين الدولة المضيفة ، خصوصا و أن الاستثمار الأجنبي الخاص كثيرا ما يجد صعوبة في الحصول على مساندة دولته له في دعواه ضد الدولة المضيفة التي أضرت بمصالحه الاستثمارية .
من أهم هذه الوسائل بالطبع “التحكيم التجاري الدولي” لذا جرى العمل في المنازعات المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية من نطاق اختصاص محاكم الدولة المضيفة و إحالته على محكمة أو هيئة تحكيم يختارها الأطراف مما يكفل سرعة الفصل في النزاع، كما يبدد مخاوف المستثمر الأجنبي من الخضوع للقضاء العادي للدولة المضيفة .
و حرصا من الدول – لا سيما النامية منها – على جذب و تشجيع الاستثمارات الأجنبية فقد أقرت التحكيم، و نصت عليه في معظم قوانين الاستثمار الصادرة عنها كوسيلة لفض المنازعات المتعلقة بالاستثمار ، كما تبنته الكثير من الدول في الاتفاقيات الثنائية ، و يعتبر التحكيم ضمانة قضائية للاستثمار الأجنبي و ذلك لما يتميز به من الخصائص.
من أهم هذه الخصائص ما يأتي:
• سرعة الإجراءات أمام قضاء التحكيم:
يتميز قضاء التحكيم عن القضاء العادي بالقدرة على الفصل في المنازعات المعروضة عليه بصفة عامة، و الاستثمارات الأجنبية بصفة خاصة في وقت أقل، فمن المعروف أن جميع الأنظمة القضائية في العالم – سواء التابعة للدول المتقدمة، أو النامية – تعاني من بطئ في الإجراءات، والتراخي في الفصل في الدعاوى على نحو أدى إلى زيادة عدد المنازعات المعروضة على الجهاز القضائي في الدولة، و تراكمها بشكل هائل ، أدى إلى عزوف الكثير من المتقاضين عن اللجوء بمنازعاتهم أمام القضائي الوطني العادي، واختيار التحكيم كبديل مضمون من حيث سرعته في الفصل في المنازعات المفروضة عليه.
لما كانت المعاملات في مجال الاستثمارات تتميز بالطابع الاقتصادي الذي يقوم على أساس الحرية و الديناميكية ، فقد كان لابد على الأطراف المتعاقدة أن تتسم الخلافات القائمة بينهما في أسرع وقت ممكن ، تفضل بالقطع اللجوء إلى التحكيم بدل الانتظار ، فعامل الوقت في ظل المعاملات الاقتصادية عامل جوهري في اختيار التحكيم لما يقدمه من عدالة سريعة ، و يرجح ذلك إلى عاملين رئيسين :
– التزام المحكم بالفصل في المنازعة في وقت محدد يحدده الأطراف كأصل عام:
حيث يلتزم المحكم في ظل القوانين الوطنية المعاصرة المنظمة للتحكيم بأن يفصل في المنازعة المتفق بشأنها على التحكيم في خلال فترة زمنية محددة لا تتجاوز عادة أثنا عشر 12 شهرا ، و ذلك ما لم تحددله الأطراف فترة زمنية أطول، و لا يملك المحكم من هذه المدة كأصل عام إلا إذا اتفقت الأطراف صراحة على هذه المدة.
– قضاء التحكيم قضاء من درجة واحدة:
يتميز قضاء التحكيم كقضاء خاص على خلاف قضاء الدولة الذي يعتبر مبدأ التقاضي على درجتين من مبادئه الأساسية ، بما أنه قضاء من درجة واحدة ، فالحكم الصادر عن المحكم يتمتع بحجية الأمر المقضي ، و لا يجوز الطعن عليه بأي طريق غير عادي من طرق الطعن ، و هو طريق الطعن بالبطلان ، و للأسباب الواردة حصرا في القانون، و الطعن بالبطلان لا يوقف تنفيذ حكم التحكيم كأصل عام.لما كانت سرعة الفصل في المنازعات باعتبارها الميزة الأساسية في قضاء التحكيم، فهذا لا يعني أن التحكيم من أجل الوصول إلى تحقيق هذه العدالة السريعة أن يتجاوز الضمانات الأساسية للتقاضي كاحترام حقوق الدفاع و المساواة بين الأطراف المتخاصمة ، إذ أنه من الثابت أن المحكم حتى و لو كان محكما بالصلح لا يمكنه الالتفات عن هذه المبادئ الأساسية للتقاضي .

• سرية قضاء التحكيم:
من الخصائص المميزة لقضاء الدولة ما يعرف بمبدأ علنية الجلسات، والتي تعتبر من الضمانات الأساسية للتقاضي، وهذه الميزة التي تميز قضاء الدولة، تعد أحد الأسباب لعزوف المستثمرين عن اللجوء إلى القضاء الداخلي للدولة المضيفة، واختيارهم لقضاء التحكيم.
فاختيار المستثمرين الأجانب لقضاء التحكيم كوسيلة لفض النزاعات على رؤوس الأموال مبعثه ما يتميز به التحكيم من سرية ، لأن المتعاملون على صعيد الاستثمارات الدولية يرغبون في عدم معرفة المنازعات الناشئة بينهم، و أسبابها ودوافعها نظرا لما قد تؤدي إليه هذه المعرفة من المساس بالمراكز المالية أو الاقتصادية لهؤلاء المستثمرين الأجانب.
على الرغم من أن مبدأ سرية جلسات التحكيم من الأمور اللصيقة بهذا النظام، وهو ما لا يدعو إلى ضرورة حث الأطراف على احترام هذا المبدأ في اتفاقياتهم ، فإنه من الملاحظ أن العديد من لوائح التحكيم تفرز نصوصا خاصة تقتضي هذه السرية، فعلى سبيل المثال تنص المادة 20 ، الفقرة السابعة 07، من لائحة غرفة التجارة الدولية في باريس على مبدأ سرية جلسات التحكيم، وكذلك المادة 35 من لائحة المؤسسة الأمريكية للتحكيم، وكذلك المادتان 73 و76 من لائحة المنظمة العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية (OMPI).
و عليه فميزة السرية التي تطلق قضاء التحكيم، تعد وفقا لما يذهب إليه البعض ، أحد العناصر الطبيعية المكونة لهذا النظام، و الذي لا تقوم له قائمة بدونها، و هذه الميزة هي التي تدفع المستثمرين كوسيلة لحل المنازعات بينهم، فالتحكيم ليس مجرد قضاء خاص، ولكنه علاوة على ذلك قضاء يتم في سرية.
غير أن القضاء الانجليزي حدد حالات يجوز فيها الخروج عن مبدأ سرية جلسات التحكيم، فيجوز التنازل عن سرية الجلسات التحكيم في الحالات الآتية :
– الحالة التي يتفق الأطراف المتنازعة على ذلك.
– الحالة التي يصدر فيها قضاء الدولة الأمر بعدم السرية أو سمح بها .
– يجوز أيضا المساس بالسرية إذا كان ذلك من أجل المحافظة على مصالح أحد طرفي التحكيم ، او كانت مصلحة العدالة تقتضي مثل ذلك المساس .
• حرية الأطراف في ظل قضاء التحكيم:
من الأسباب التي تدفع المتعاملين على صعيد العلاقات التجارية الدولية و الاستثمارات الأجنبية إلى اختيار التحكيم كوسيلة لحل المنازعات الناشئة بينهم ما يتمنون به من حرية لا تتحقق لهم في ظل قضاء الدولة ، و يمتد النطاق الزمني لتلك الحرية من لحظة الاتفاق على التحكيم و يستمر حتى بعد صدور حكم التحكيم ، و لذلك فإنه يتعين التفرقة في هذا التفرقة في هذا الصدد بين الحرية التي يتمتع بها الأطراف في ظل قضاء التحكيم و تلك التي تتمتع بها الأطراف حتى بعد صدور حكم التحكيم في بعض الأنظمة.
حرية الأطراف قبل صدور حكم التحكيم: تتمتع الأطراف المتنازعة بحرية لا حدود لها في ظل قضاء ، و تتجلى هذه الحرية من خلال النقاط الآتية:
– اختيار نوع التحكيم، و لها أن تختار إما أن يكون التحكيم مؤسسيا أو تحكيم من تحكميات الحالات الخاصة.
– للأطراف حرية اختيار أو اللجوء إلى التحكيم المطلق أو التحكيم بالقانون.
– للأطراف إمكانية تحديد مكان انعقاد التحكيم و زمانه و القانون الذي يطبقه المحكمون على اتفاق التحكيم.
كما تحدد للمحكم المدة التي يتعين عليه فيها أن ينهي المنازعة المعروضة عليه، و تلك الحرية شبه المطلقة التي يتمتع بها الأطراف في عدم الطعن على حكم التحكيم، وذلك على الرغم من وجود حالة من حالات الطعن بالبطلان، وذلك إذا ما اتفقت الأطراف صراحة على التنازل عن طريق من طرق الرجوع. ..يعتبر كل من القانون البلجيكي و السويسري في طليعة هذه الأنظمة التي تسمح للإدارة الفردية في ظل شروط محددة بالاتفاق على عدم الطعن بالبطلان على حكم التحكيم. …. أيا كانت الأسباب و الدوافع التي تدفع بالمشرع الوطني إلى اختيار هذا المنحى، فإن الذي يعنينا في هذا الصدد إبراز الحرية التي يتمتع بها الأطراف في ظل قضاء التحكيم.
• الطبيعة المختلفة للعدالة التي يقدمها قضاء التحكيم:
يتميز قضاء التحكيم عن قضاء الدولة المضيفة بأنه يقدم عدالة تستجيب لرغبات الأطراف المتنازعة ، و تلك الاستجابة مبعثها ما يتمتع به التحكيم كقضاء خاص من مزايا أساسية:
– التحكيم قضاء متخصص:
من المزايا الأساسية للتحكيم ما يتسم به من تخصص ، فهناك تحكيم مؤسساتي متخصص تلجأ إليه أغلب الدول لفض النزاعات المتعلقة بالاستثمارات مثل ما هو الشأن بالنسبة للتحكيم في إطار المركز الدولي لتسوية المنازعات. إن الفصل في المنازعات الناشئة عن الاستثمارات الأجنبية يحتاج إلى المعرفة و الخبرة القانونية و الفنية المتخصصة اللازمة لتسوية منازعات الاستثمار، لذلك فإن أطراف النزاع يفضلون أسلوب للتحكيم ، لأنه بخلاف القضاء العادي يمكن الاستعانة بخبراء على مستوى عال من الكفاءة العلمية و القانونية للفصل في النزاع المسند إليهم، وبذلك فإن التحكيم أقرب إلى تحقيق العدالة ، لأن المحكم المتخصص أقدر على استيعاب تفاصيل النزاع و تعقيداته من القاضي الذي ينظر على أنواع المنازعات دون أن يكون متخصصا في مجال النزاع .
– التحكيم قضاء مرن:
إذا كان التحكيم قضاء متخصص فإنه أيضا قضاء يتسم بالمرونة، ويقصد بمرونة التحكيم أن المحكم لا يتقيد كالقاضي الوطني بالعديد من القواعد الإجرائية التي لا يمكن لقاضي الدولة المضيفة التحلل منها خاصة في علاقته بالاضطلاع بالخصومة المطروحة عليه، لذلك فإن هناك فلسفة وروحا مغايرة تسيطر على قضاء التحكيم وتختلف عن تلك السائدة في إطار قضاء الدولة، وهذا ما أشارت إليه إحدى هيئات التحكيم المشكلة وفقا لقواعد غرفة التجارة الدولية في باريس( ).
و لعل ما يفسر روح التعاون السائدة بين هيئة التحكيم والأطراف المتنازعة، أن الأطراف المتعاملة تلجأ إلى التحكيم تحت عزيمة وإصرار ودون تردد، فالأطراف المتعاملة على صعيد التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية ترغب في استمرار العلاقات القائمة بينها و التي نشأت المنازعة التي يفصل التحكيم بخصوصها، ولكن على أسس جديدة يساهم قضاء التحكيم في إرسائها، وتحقيق هذه الرغبة يتطلب مفهوما مرنا للعدالة لا يقدر عليه عدا قضاء التحكيم.
ثالثا:دوافع تمسك المستثمر الأجنبي بشرط التحكيم.
يعتبر الالتجاء إلى القضاء الوطني للدولة المضيفة للاستثمار لتسوية المنازعات بين الدول والمستثمر الأجنبي أمرا غير مستحب من وجهة نظر المستثمر الأجنبي، ولا يقابل بالرضا التام من جانبه، فغالبا ما ينظر المستثمر الأجنبي إلى القضاء الوطني للدولة المضيفة بعين الريبة و الشك في خبرة هذا القضاء، وانعدام الثقة في نزاهة وعدالة محاكم الدولة المضيفة ، إضافة إلى عدم قبوله الخضوع بسهولة لقضاء دولة أجنبية ولنظام قانوني عن ذلك السائد في دولته، وعدم الاهتمام بوجهة نظر المستثمر الأجنبي، كما أنه في كثير من الدول لا يوجد نظام قضائي خاص بمقاضاة الحكومات، وإلى غير ذلك من الأسباب .
إن لجوء المستثمر الأجنبي إلى قضاء الدولة المضيفة ليس بالأمر الهين ، لأن لجوءه قد تعتريه مصاعب بسبب الاختلاف في المراكز القانونية لأطراف النزاع ، مما قد يؤدي إلى استحالة تحقيق المساواة بين أطراف النزاع ، و هذا الأمر ينجم عنه عدم ثقة المستثمر بالقضاء المحلي للدولة المضيفة، مهما كانت نزاهته و قدرته و فعاليته .
و قد يصطدم مركز المستثمر الأجنبي بمركز الدولة المضيفة( ) نتيجة تباين مركزهما القانوني من جراء تماسك الدولة المضيفة بمبدأ حصانتها ضد قضائها، بحيث يصبح من غير الممكن للقاضي المحلي التعرض لتصرفاتها تطبيقا لمبدأ الحصانة الرسمية للدولة ذات السيادة بوصفها من المبادئ المعترف بها في القانون الدولي( ).
بيد أن العراقيل التي قد تعترض سبيل المستثمر الأجنبي لا تتوقف عند حد عدم إمكانية اللجوء إلى القضاء الداخلي للدولة المضيفة، بل إنه قد يحصل الأجنبي على حكم قضائي يمنح له التعويضات المستحقة، إلا أنه قد ينجر عنه تنفيذ ذلك الحكم نظرا لما تقرره التشريعات الداخلية من عدم التنفيذ الجبري على الأموال العامة ، ونتيجة لذلك فإن المستثمر الأجنبي لاقتناعه بعدم حيادها مما قد يراوده بعض الشك في الأحكام التي يصدرها قضاء الدولة المضيفة، إلى جانب ذلك هناك أسباب أخرى تجعل المستثمر يتردد عموما في اللجوء إلى قضاء الدولة المضيفة، من ذلك مثلا جهله لإجراءات التقاضي، باعتبارها إجراءات غير مألوفة بالنسبة إليه، فضلا عن تخوفه من احتمال تأثر القاضي الوطني بالمفاهيم السياسية، والاجتماعية، و العقائدية السائدة في بلده، و في مجتمعه، و التي قد تكون سببا في تكوين قناعته فيما يصدره من أحكام .
كما أن القاضي الوطني يكون ملزما بتطبيق قانون دولته حتى و إن كان محل اعتراض من المستثمر ، يضاف إلى ذلك ظاهرة التأخير التي يتميز بها القضاء في الدول المتخلفة عموما نتيجة عدم وجود محاكم مختصة أو نتيجة عدم وضوح الاختصاص القضائي ، و أمام الاعتبارات التي ذكرناها و غيرها، لن يقبل المستثمر الأجنبي باللجوء إلى قضاء الدولة المضيفة ، و إذ كنا نسلم بقدر بوجود بعض العوامل كحقيقة ، غير أن الدوافع الحقيقية لرفض المستثمرين الأجانب فكرة اللجوء إلى القضاء الوطني للدولة المضيفة تعود إلى رفضهم التقيد بتطبيق قوانين الدولة المضيفة و استبعاد منازعات الاستثمار من نطاقها و الإلقاء بها في أحضان القضاء الدولي و هيئات التحكيم الدولي، و ليس مجرد رفض اللجوء إلى القضاء الداخلي.

البند الثاني: دور الاتفاقيـات الثنائية في حل نزاعـات الاستثمار بالاعتماد على التحكيم الدولي إما بصفـة متممـة أو أساسيـة.

تعتبر وسيلة التحكيم من بين الوسائل الأكثر استعمالا لتسوية النزاعات الناشئة بين الدولتين (المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار) في إطار الاتفاقيات الثنائية التي تبرمها الدولة مع الدول الأخرى، حيث يعد التحكيم في الواقع وسيلة قانونية لفض النزاعات الاستثمارية شاع و ذاع النص على استعمالها في قوانين وعقود الاستثمار، في الاتفاقيات الدولية متعددة أو ثنائية الأطراف والخاصة بحماية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، وتصادف هذه الوسيلة بصفة عامة قبولا واسعا لدى الأطراف المتعاقدة باعتبارها تقوم على الاتفاق الاختياري في ما بينها فضلا على أن التحكيم يعد من أقدم( )الوسائل لتسوية المنازعات سواء في القانون الوطني أو في القانون الدولي.
لقد ازداد اللجوء إليه مع توسع و زيادة معدلات التجارة الدولية و نمو الاستثمارات الدولية ، فعقدت الاتفاقيات الثنائية و الجماعية لتنظيم إجراءاته وأحكامه وأثاره ( )، كما أنشأت مراكز التحكيم في مختلف دول العالم( )، هذا ويعرف التحكيم بصفة عامة من الناحية القانونية بأنه:”نظام تسوية المنازعات عن طريق أفراد عاديين يختارهم الخصوم إما مباشرة، أو عن طريق وسيلة أخرى يرتضونها”.
بعبارة أخرى: “هو نظام خاص للتقاضي، ينشأ من الاتفاق بين الأطراف المعنية على العهدة إلى شخص أو أشخاص من الغير للاضطلاع بمهمة الفصل في المنازعات القائمة بينهم بحكم يتمتع بحجية الأمر المقضي.”.
في إطار الاتفاقيات الثنائية لحل النزاعات المتعلقة بالاستثمار وفق اللجوء إلى التحكيم الدولي يوجد نوعان من هذه الاتفاقيات ، فهناك اتفاقيات ثنائية لا تعني بالتحكيم كوسيلة من وسائل تسوية النزاعات الناشئة عن الاستثمار إلا كعنصر مكمل في إطار تنظيمها للاستثمارات المتبادلة بين البلدين ، لأن موضوعها ينص بالأساس على الترقية و الحماية المتبادلة للاستثمارات. بينما ثنائية أخرى فينصب موضوعها على التحكيم التجاري الدولي باعتباره الوسيلة الوحيدة لتسوية النزاع الذي قد ينشأ بين الدولة و رعية الدولة الأخرى من جهة أخرى.

أولا: الاتفاقيات الثنائية التي لا ينصب موضوعها على التحكيم التجاري الدولي إلا بصفة متممة.
(حالة الاتفاقيات الثنائية للتشجيع و الحماية المتبادلة للاستثمارات).تشكل اتفاقيات التشجيع و الحماية المتبادلة للاستثمار حجر الزاوية بالنسبة للتعاون الثنائي بين الدولتين ، ففي الوقت الراهن لا طالما أبرمت العديد من الدول سواء المتقدمة أو النامية العديد من هذه الاتفاقيات ، و الغاية منها ترقية الاستثمار من قبل إحدى رعايا الدولتين على إقليم الدولة الأخرى قد يصطدم بعراقيل أو أن يصبح محل إجراء قد تتخذه الدولة ومن شأنه أن يؤدي إلى نزاعات بين الدولة صاحبة الإجراء ورعية الدولة الأخرى، أو كان ينشأ النزاع عن عمل أو تصرف يقوم به المستثمر الأجنبي ، فيفكر صفو العلاقات بينه و بين الدولة المضيفة للاستثمار.
و درءً لكل هذه النزاعات جاءت هذه الاتفاقيات الثنائية التي تعتبر في الحقيقة بمثابة اتفاقات إطار لتمنح الطرفين كل الوسائل القضائية. (سواء القضاء المحلي أو الدولي لحلها)( ).
لكن قبل اللجوء إلى هذه الوسائل القضائية التي قد تشكل بالنسبة للطرفين نهاية للعلاقات الاستثمارية بينهما يسعى الطرفان في مرحلة أولى و مسبقة إلى حل النزاع بالتراضي … حيث نصت بعض الاتفاقيات الثنائية على إمكانية الرجوع إلى الوسائل الداخلية لتسوية المنازعات المختصة.
رغم إقرارها بالتحكيم الدولي حيث نصت الاتفاقية الثنائية لحماية و تشجيع الاستثمارات المتبادلة بين العراق و الجزائر لسنة 1999 في المادة السادسة 06 ، الفقرة الأولى 01 على أنه:” … أي نزاع ينشأ مباشرة عن استثمار بين أي من الطرفين المتعاقدين و مستثمرين من الطرف المتعاقد الآخر يتم تسويته وديا بين طرفيه المعنيين…”.
-الوسائل الداخلية لتسوية النزاعات الاستثمارية:
يمكن تقسيم هذه الوسائل إلى وسائل ودية و أخرى قضائية.
01- وسائل التسوية الودية:
لقد تناولت اتفاقيات حماية وتشجيع و ضمان الاستثمارات الثنائية بعض وسائل التسوية الودية لحل النزاعات بين المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار، حيث توجب على الطرفين المتنازعين اللجوء إلى هذه الوسائل ، أولا بغية تسوية النزاع، حيث تعتبر التسوية الودية برهانا على نية الطرفين من أجل فض نزاعهما بعيدا عن الطرق القضائية الطويلة الإجراءات أحيانا و المكلفة و المعقدة أحيانا أخرى.
إن عبارة التسوية الودية ، أو عن طريق التراضي قد تشمل المفاوضات ، و كذلك التوفيق ، و لن الغالب في العلاقات الاستثمارية هو توخي الطرفين المتنازعين أسلوب التوفيق في فض نزاعهما قبل اللجوء إلى الوسيلة القضائية ، فما هو محتوى هذين المفهومين ؟ و ما شروط تطبيقهما؟
– التفاوض كوسيلة لفض المنازعات الاستثمارية:
يعتبر التفاوض إحدى الوسائل الأساسية لحل النزاعات الدولية سلميا ، كما أكدت ذلك المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة ، إذ تستخدم التفاوض كوسيلة للتخفيف من حدة التوترات بين طرفي النزاع ، كما أنها تستخدم كوسيلة للتوصل إلى اتفاق خاص ، إذا كان للأطراف المتنازعة رغبة في التوصل إلى الاتفاق حول القضايا المتنازع عليها.
تقوم المفاوضات عموما على الاتصال المباشر بين الطرفين المتنازعين بغية تسوية النزاع الناشب بينهما، وتعد هذه الوسيلة في الواقع من أفضل وسائل تسوية المنازعات، إذ أنها تتميز بالمرونة كما تساهم في تخفيف شقة الخلاف بين الطرفين المتنازعين، ورغم أن التفاوض ليس هو الغالب في العلاقات الاستثمارية، إلا أن بعض الاتفاقيات الثنائية قد أوجبت استنفاذ هذه الوسيلة قبل إحالة النزاع إلى طرق التسوية الأخرى، ولهذا فإنه لا يجوز اللجوء إلى تلك الطرق إلا بعد أن يتعذر حل النزاع بطريق التفاوض .
من بين الاتفاقيات الثنائية التي أخذت بهذه الوسيلة: اتفاقية دعم وحماية الاستثمارات بين العراق ويوغسلافيا لسنة 2000، حيث نصت المادة التاسعة 09 منها على أنه:” تسوى النزاعات التي تنشأ بين مستثمرين أحد الطرفين المتعاقدين و الطرف المتعاقد الآخر من خلال المفاوضات قدر الإمكان.”، وفي مجال التفاوض يشترط الفقه عموما لتحقيق العدالة في المفاوضات ضرورة توافر حد أدنى من المهارة القانونية بين الطرفين المتفاوضين، وإلا كانت نتيجة المفاوضات انعكاسا لسيطرة الطرف القوي على الطرف الضعيف.
أشار إلى هذه الوسيلة مندوبي العديد من الدول أثناء بحثهم بموضوع الوسائل السلمية لحل المنازعات المسبقة يتعارض مع مبدأ التفاوض، كما يعني سعي أحد الأطراف إلى الحصول على مكاسب من جانب واحد على حساب الطرف الآخر تعبير عن عدم الثقة بين الأطراف المتفاوضة ،الدولية أمام لجنة القانون الدولي، مؤكدين بأن نجاح المفاوضات يتوقف على مسعى الأطراف نحو تعاون مخلص بعيدا عن أي شكل من أشكال الضغط أو نكران المصالح المشروعة لأطراف النزاع، لأن الوضع القانوني لأطراف النزاع في المفاوضات يقتضي مراعاة مبدأ المساواة فيما بين الدولتين المتفاوضتين مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح المتبادلة لأطراف النزاع بشفافية و ليونة في المواقف مع العمل بمبدأ التنازل عند الضرورة دون وضع شروط مسبقة من أي طرف.
إن وضع الشروط تأكيدا على عـدم الرغبة في حل النزاع سلميا ، فإن تسوية النزاع عن طريق التفاوض مرتبط بمدى استعداد الأطراف المتفاوضة و رغبتهـا في تقديم تنازلات متبادلة قصد الوصول إلى حل يرضي الطرفين، غير أن ذلك لا يعني عدم التزام الطرفين المتفاوضين بقواعـد ومبادئ القانون الدولي، حتى و إن كان الأسلوب المتبع في حل النزاع يعتمد على الأسلوب الدبلوماسي بعيدا عن التسوية القضائية أو التحكيمية التي تقوم في جوهرها على تطبيق القانون من منطلق مبدأ إقرار العدل والحق القانوني للطرفين المتنازعين التي تقوم في جوهرها على تطبيق القانون من منطلق مبدأ إقرار العدل والحق القانوني للطرفين المتنازعين بدل الترضية السياسية التي تقوم على مبدأ التوافق في المصالح ( ).
– التوفيق:
يعتبر التوفيق إجراء تصالحي لا ينطوي على إصدار قرارات ملزمة لأطراف النزاع لأن وظيفة التوفيق ترتكز على توضيح جوانب الاختلاف واقتراح التسوية الودية، مع الأخذ بعين الاعتبار روح التعاون والتصالح، والمحافظة على استمرار العلاقة التجارية والاستثمارية بين الأطراف المتنازعة. ……التوفيق وسيلة لتسوية المنازعات الاستثمارية يلجأ بمقتضاها طرفا النزاع إلى هيئة محايدة تتولى تحديد الوقائع و اقتراح أسس لتسوية النزاع، يمكن أن يرتضيها الطرفان ، بيد أن قرار هيئة التوفيق غير ملزم، هذا و يتسم التوفيق بوصفه النزاع بغية الوصول إلى اتفاق ما بينهم ، عليه فإنه يختلف عن وسائل التسوية القضائية التي تنتهي بإصدار قرار يتضمن قواعد محددة وملزمة للأطراف، و اتساقا مع هذه المبادئ فإن مهمة هيئة التوفيق لا تخرج عن التقريب بين وجهات نظر الأطراف المتنازعة و السعي إلى بلوغ اتفاق بينهم يتضمن قواعد مقبولة من الطرفين، ولها من جانب آخر أن تتصدر في أية مرحلة من مراحل النزاع توصيات تتضمن قواعد مقبولة من الطرفين ، و لها من جانب آخر أن تصدر في أي مرحلة من مراحل النزاع توصيات تتضمن قواعد للتسوية دون أن يكون لتلك التوصيات صفة الإلزام، ويجب أن يتضمن اتفاق الطرفين على التوفيق بصفة عامة وصفا للنزاع ولمتطلبات الأطراف فيه واسم الموقف الذي تم اختياره.
وفي مجال دراسة الاتفاقيات الثنائية الخاصة بتشجيع وحماية الاستثمار بين الدولة الجزائرية ودول أخرى ، فإننا نجد أن الموفق هو مختص بالنظر في كل نزاع ينشأ بين الدولة الجزائرية ودول أخرى، فعبارة كل نزاع الواردة في أكثر من اتفاق ثنائي( )، تحدد نطاق التوفيق من خلال إعطاء صلاحية واسعة وأكبر للموفق من أجل إيجاد حل توفيقي للمسائل المعروضة عليه.
و الجدير بالذكر أنه إذا توصل الأطراف إلى اتفاق يحرر محضرا بذلك يحتوي على النقاط المتنازع عليها و بخصوص الاتفاق الذي توصل إليه الأطراف، و في حالة عدم تمكن الأطراف من التوصل إلى اتفاق، فإن لجنة التوفيق تتولى تحرير محضر تثبت فيه أن الخلاف قد عرض على التوفيق دون توصل الأطراف إلى حل، وكذلك كإثبات عن استنفاذ إجراءات المصالحة الودية قبل مباشرة أي إجراء آخر.
و قد نصت الاتفاقية الثنائية الخاصة بتشجيع و حماية الاستثمارات بين العراق و السودان لسنة 1999 ، وفق المادة 11 منها، على أن الأصل في تسوية منازعات الاستثمار هو أن تتم عن طريق التوفيق، والجدير بالملاحظة أن نظام التوفيق لا يستخدم إلا نادرا، لأن نظرة الأطراف إليه توحي بأنه إجراء غير ضروري يسبق التحكيم، وأن طالب التوفيق يظهر بمظهر الضعيف أمام الطرف الآخر، لذا فإن إجراء التوفيق لا يكون إلزاميا إلا إذا وجد في العقد أو الاتفاق شرطا يقضي بالتجاء الأطراف إليه كإجراء مصالحة ملزما بين الطرفين( ).
02- وسائل التسوية القضائية:
مدى اختصاص القضاء الوطني بالفصل في منازعات الاستثمار: الأصل أن يختص القضاء الوطني في الدولة التي يجري فيها الاستثمار بتسوية المنازعات الناجمة عنه تطبيقا لمبدأ سيادة الدولة، حيث تعتبر ممارسة سلطة القضاء أهم مظهر من مظاهر سيادة الدولة الداخلية على إقليمها ، لذلك تصر الدول على إخضاع جميع الأموال و الأشخاص الموجودين على إقليمها لمحاكمتها و قوانينها.
و تقرر كثيرا من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالاستثمار الأجنبي جواز إحاطة تسوية المنازعات الناجمة عنه بالقضاء الوطني في الدولة ، ومثال على ذلك الاتفاق الجزائري الإيطالي حول الترقية و الحماية المتبادلة للاستثمارات الموقع عليها بالجزائر في 18-05-1991، في المادة 08 الفقرة 02 أ ، حيث تقرر هذا المبدأ، ونصت الاتفاقية على :” إذا لم يسو الخلاف بتراضي الطرفين يرفع النزاع إلى جهات التقاضي المختصة في الدولة التي تم الاستثمار على إقليمها، أو المركز الدولي لحل النزاعات المتعلقة بالاستثمارات( ). … نفس الموقف جاءت به الاتفاقية المبرمة بين الجزائر وفرنسا في 13-02-1993 و المصادق عليه في يناير 1994، بشأن التشجيع و الحماية المتبادلين فيما يخص الاستثمارات ، حيث جاء في نص المادة 08، الفقرة02 من هذه الاتفاقية بأنه: “.. إذا لم تكن تسوية الخلاف بتراضي الطرفين ممكنة في مدة 06 أشهر من تاريخ رفعه من أحد الطرفين في النزاع ، فإنه يمكن أن يرفع بطلب من المواطن أو الشركة ، أمام الهيئة القضائية المختصة في دولة الطرف المتعاقد المعني بالنزاع،أوإلى المركز الدولي لحل النزاعات المتعلقة بالاستثمارات. نصت اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين العراق و السودان لسنة 1999 في المادة 11 والتي نصت على أنه : ” .. للمستثمر الحق في اللجوء إلى القضاء المحلي في الدولة المستقبلة في أي حالة من الحالات الآتية :
– عدم اتفاق الطـرفين على اللجـوء إلى التوفيـق.
– عدم تمكن الموفق من إصدار تقريره في المدة المحددة.
– عدم اتفـاق الطرفين على اللجـوء إلى التحكيم .
– عدم صدور قرار هيئة التحكيم في المدة المقررة دون وجود سبب معقول.
– عدم صدور قرار هيئة التحكيم في المدة المقررة دون وجود سبب معقول.
و تقضي اتفاقية تشجيع و حماية الاستثمارات بين العراق ويوغسلافيا لسنة 2000 بنص المادة 19 الفقرة 02: “… إذا لم يتم تسوية النزاع بالطرق الودية خلال مدة 06 أشهر فإنه يجوز لأي من الطرفين أن يحيل النزاع إلى المحاكم المختصة للطرف المتعاقد الذي هو طرف في النزاع..”. .. يتضح من هذه النصوص أنها تجعل من القضاء الوطني في الدولي طريقا رئيسيا من طرق تسوية منازعات الاستثمار، بيد أنها تجيز مع ذلك اللجوء إلى طرق أخرى لتسويتها كالتحكيم أو القضاء الدولي. … وأيا كان الأمر فإن الدولة المستقبلة للاستثمار قد تترك للقضاء العادي في هذه الحالة مهمة الفصل في المنازعات الاستثمارية( )، وقد تناط تلك المهمة بمحاكم معينة نظرا لما لها من طبيعة خاصة، كما تعمل بعض دول أوربا بتخصيص هيئة تحكيم للمنازعات التجارية التي تقوم مع المستثمرين أو الشركات الأجنبية( )، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أنشأت لجنة تسوية المطالبات الأجنبية( ). .. الحقيقة إن إخضاع منازعات الاستثمار إلى القضاء الداخلي للدولة المضيفة قبل إحالته على الهيئات الدولية يمثل موقفا مشتركا بالنسبة لأغلبية الدول الناحية، كما يتضح ذلك من خلال الدور الذي لعبته تلك الدول على المستوى الثنائي، من ذلك ما نصت عليه المادة 09 الفقرة 05 من الاتفاقية المبرمة عام 1977 بين ألمانيا و سوريا، و التي جاء فيها:”… قبل عرض أي نزاع على لجنة التحكيم يجب استنفاذ جميع التدابير القضائية الوطنية ، كذلك الاتفاقية المبرمة بين مصر و سويسرا المبرمة عام 1973، والتي نصت في المادة 11 منها: “… تطبيقا لأحكام القانون الدولي العام يتعين استنفاذ الوسائل القضائية الوطنية قبل عرض أي نزاع على الهيئات القضائية الدولية.”. .. وعن مبدأ استنفاذ إجراءات التقاضي الداخلية في مجال حل النزاعات المتعلقة بالاستثمارات الواردة في تشريعات الاستثمار الداخلية، وفي الاتفاقيات الثنائية جاء مطابقا لما هو مقرر في المواثيق الدولية، كما أن الفقه والقضاء الدوليين يعترفان بأن هذه القاعدة لم تنشأ من العدم، بل إنها أداة النظام القانوني الدولي وأنها مبدأ سيادة الدولة على مواردها الطبيعية، وهذا ما خول لها سلطة اختصاص قضائها بكل نزاع يتعلق بالاستثمار الأجنبي، خاصة إذا تعلق الأمر بمستثمر أجنبي و دولة مضيفة له( ). . و قد نجحت الدول النامية في إخضاع منازعات الاستثمار إلى قضائها الداخلي من خلال إسهامها في صياغة قواعد النظام الاقتصادي الدولي الجديد الذي طالبت فيه بضرورة إعادة تحقيق العدل و الإنصاف للنظام القانوني الذي يحكم العلاقات الاقتصادية الدولية، كما جاء ذلك في نص المادة 212 من ميثاق الحقوق و الواجبات الاقتصادية للدول عام 1974، على أنه:” عندما تثير مسألة التعويض خلافا يتم حل هذا الخلاف بمقتضى القانون الوطني للدولة المؤممة، وعن طريق محاكمها، ما لم يوجد اتفاق من قبل الدول المعنية على إتباع طرق سلمية أخرى على أساس المساواة في السيادة، و وفقا لمبدأ الاختيار الحر للوسائل.”.
وهناك عدة مبررات أسندت في مجال اختصاص القضاء الوطني في حل النزاعات المتعلقة بالاستثمارات ، أهمها:
المبرر الأول:
إن الاعتبار الأساسي الذي تقوم عليه هذه القاعدة ، يتمثل في مبدأ سيادة الدول، أي أن سيادة الدول و استقلالها السياسي يقران لكل دولة الحق في إعطاء محاكمها فرصة الفصل في النزاع من منطلق أن قضاء الدولة المضيفة قادر على تحقيق العدالة، و أن حكومة الأجنبي المتضرر ملزمة بأن تعترف لحكومة الدولة المضيفة بأن تعطي لها الفرصة لتطبيق العدالة على الأجانب الموجودين على إقليمها ، فتحقيق العدالة يعد وظيفة( ) أساسية من وظائف الدولة ، وتنازلها عن هذه الوظيفة قد يظهرها بمظهر العاجز عن أداء هذا الواجب الجوهري ، مما يؤدي في النتيجة بالمساس بسيادة الدولة، و من جهة أخرى فإن القضاء الوطني يعد أكثر تفهما و موضوعية في نظر المنازعات التي قد تنشب بين أطراف العلاقة القانونية من أي قضاء آخر قد لا يخصه النزاع، ومن ثم ينبغي أن تستقر ثقة المستثمر في شخص الدولة وقضائها الوطني، كما يجب أن تتأسس العلاقات الاتفاقية بينه و بين الدولة على الثقة المتبادلة و حسن النية.
كما يؤكد ذلك الأستاذ “عبد العزيز سرحان” بقوله:”إن مبدأ السيادة و الاستقلال الوطني يعطي لكل دولة بموجب قانون الشعوب الحق في اشتراط خضوع الأجانب لنظامها الداخلي، و أن أي تدخل أجنبي قبل استنفاذ وسائل الإصلاح المتاحة في النظام القانوني الوطني غير مقبول على الإطلاق( ).
و نفس الموقف عبر عنه الأستاذ “حامد سلطان” الذي يرى بأنه :” من غير العدل أن لا تعطى الفرصة للدولة المضيفة للاستثمار المتسببة في الضرر إصلاح ما تسببت فيه من أضرار ، و قد ينجح الأجنبي في الحصول على التعويض العاجل دون الحاجة إلى الالتجاء للوسائل الدولية، لأن مبدأ المساواة في السيادة يقتضي إعطاء الدولة المسؤولة عن الضرر حقها في مباشرة اختصاصها المخول لها بموجب مبدأ السيادة الذي يقره لها القانون و القضاء الدوليين”.
وفي مجال الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها الجزائر مع غيرها من الدول الأخرى، فقد وقع الاختيار على القضاء الوطني المحلي كحل يأتي في المرتبة الأولى لحل النزاعات المتعلقة بالاستثمار، ويرجع ذلك إلى مبررات وأسانيد تأتي لتدعم هذا الاختيار، منها:
• التخوف من التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات:
التخوف الذي تبديه بعض الدول ومن بينها الجزائر لكل ما هو تحكيم، حيث رفضت الجزائر طيلة ثلاثين سنة مضت الخضوع للتحكيم التجاري الدولي. وترجع أسباب رفض الجزائر والدول العربية اللجوء إلى التحكيم لعدة أسباب ترتبط بالتاريخ أولا، وبالاقتصاد ثانيا، وثالثا بالقانون.
01- أسباب الرفض التاريخية: يمكن إيجازها فيما يلي:
– تقليص ميدان السلطة القضائية بسبب نظام الامتيازات الذي عرفته دول المشرق والمغرب العربي.
– الحماية أو الاستعمار الذي عرفته تونس و المغرب و الجزائر.
و على هذا الأساس يبدوا اليوم اللجوء إلى التحكيم كتقليل من شأن تدخل المحاكم المحلية.
02 -. أسباب الرفض الاقتصادية:
لقد شهدت اقتصاديات الدول العربية خاصة الجزائر على تدخل الدولة تاجرا مستثمرا، صناعيا، مقاولا، ناقلا، مؤمنا. رغم ذلك فالضرورة الاقتصادية ألزمت الجزائر اللجوء إلى التحكيم في الواقع ، رغم أنها تبنت تشريعا يمنع اللجوء إلى التحكيم، فالواضح أن مبادئ الحصانة القضائية والحصانة التنفيذية التي تحمي الدولة ذات السيادة قد أصبحت مقيدة، أو تلاشت بسبب رفض المعيار التقليدي الذي يأخذ بصفة الدولة، ويتطلب المعيار الذي يأخذ بطبيعة تصرف الدولة (التفاوض بين تصرفات التسيير وتصرفات السلطة Opposition .Jus. Gestion au jus imperii) ) لم تتوصل الدول العربية إلى التذرع بحصانتها لتحمي نفسها ضد التحكيم التجاري الدولي.
03-. أسباب الرفض القانونية:
يتعلق الأمر هنا بقرارات التحكيم التي صدرت عن محكمين غريبين، إبعاد القانون الداخلي العربي الواجب التطبيق، ومحاولات تحويل العقود، وقد طرحت في الخمسينات عدة قضايا على التحكيم، حيث استبعد المحكمون الغربيون في كل القضايا التي عرضت أمامهم القانون العربي الواجب التطبيق، على الأساس اعتبرت الدول العربية والجزائر التحكيم الدولي وسيلة لهيمنة بلدان الشمال على الجنوب.
لقد تعنت المحكمون الغربيون في استبعاد القانون العربي و الجزائري الداخلي في عدة قضايا طرحت في السبعينات على التحكيم الدولي، و التي نجحت من خلال هذه المحاولات، و توصلت إلى تحويل العقود و إخراجها عن محلها من مبدأ سلطان الإرادة الذي تم من خلال إبراز محاولة ربط العقد مباشرة بالنظام القانون الدولي، وتسمية العقد شبيه بالمعاهدة والاعتراف للمتعاقد الأجنبي بهذه الصفة، نلاحظ تناقض بحيث اعتبرت الدولة العربية متاجر من أجل إخضاعها للتحكيم الدولي( ).
إن هذا التخوف لم يعد له أي مبرر اليوم بعد تكريس القانون الوصفي للتحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات في العلاقات الاقتصادية الدولية للدولة الجزائرية مع الخارج ، حتى و إن شكل التحكيم في الماضي، و في العقود الاقتصادية التي أبرمتها الشركات الوطنية مع الشركات الأجنبية الحل المبدئي و الكلاسيكي( )، و الاستثناء عن هذه القاعدة كان اللجوء إلى القضاء الوطني نتيجة للأثر السيئ الذي تركته القضايا التحكيمية التي كانت بعض الدول العربية أحد أطرافها في إطار العقود البترولية التي أبرمتها مع الشركات الأجنبية( ).
المبرر الثاني:
يستند الأساس الثاني لقاعدة استنفاذ إجراءات التقاضي الداخلية إلى طبيعة العلاقة التي تربط بين النظام القانوني الدولي و النظام القانوني الداخلي، فالدولة المضيفة ليست سوى كيان قانوني حصلت على امتياز لتسوية النزاع الدولي من خلال أجهزتها الداخلية، وتؤدي وظيفتها كوكيل عن النظام القانوني الدولي في تسوية النزاعات مع الأجانب الناشئة عن انتهاك القانون الدولي، ويؤكد الأستاذ ” محمد سامي عبد الحميد” عن ترابط علاقة القانون الدولي بالقانون الداخلي بقوله :” إنه لا يجوز منطقيا أن تتدخل الدولة عن طريق دعوى المسؤولية الدولية لحماية الإنسان ما لم يحاول حماية نفسه عن طريق الدعوى و التظلم التي يوفرها له القانون الداخلي للدولة التي يدعي إضرارها له، وبالتالي لا يتصور قانون الالتجاء إلى جهاز القضاء للنظام القانوني الأعلى درجة، وهو النظام القانوني الدولي، إلا بعد الالتجاء إلى قضاء النظام القانوني الأدنى درجة( ).
إن مراعاة شرط استنفاذ إجراءات التقاضي الداخلية ضرورة عملية لا يمكن التغاضي عنها، فرغم الاختلاف القائم بين النظام القانوني الدولي و النظام القانوني الداخلي من حيث مصادرهما و موضوعاتهما والأشخاص المخاطبين بادعائهما، فمصلحة المجتمع الدولي تقتضي التقيد بقاعدة استنفاذ وسائل التقاضي الداخلية، لما فيها من إسهام في الحفاظ على العلاقات الودية، والابتعاد عن إثارة المنازعات الدولية التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، بحيث يعتبر اللجوء إلى القضاء الداخلي شرط سابق عن اللجوء إلى القضاء الدولي.
يمثل الأول حكم درجة أولى، و الثاني حكم درجة أعلى منه، و في هذا الصدد يقول الأستاذ “حامد سلطان” :”إن إلزام الفرد قبل مطالبة دولته برفع دعوى المسؤولية الدولية نيابة عنه، باستنفاذ وسائل التقاضي الداخلية، فيه مصلحة مؤكدة للمجتمع الدولي من حيث أنها تلافي أسباب الخلافات الدولية”.
إن مراعاة شرط استنفاذ إجراءات التقاضي الداخلية يؤدي إلى تحقيق المساواة بين جميع الأشخاص المقيمين على إقليم الدولة دون تمييز بينهم على أساس جنسياتهم، أو مركزهم القانوني كأجانب ووطنيين، ولا يجوز للأجنبي أن يطالب بحقوقه أكثر من تلك التي يتمتع بها المواطنون، حتى ولو كانت الحقوق لا تفي بالحد الأدنى المقرر دوليا لحماية الأجانب، يقول الفقيه ” بول دي فيشر ” :”إن قاعدة الاستنفاذ تعمل على ترسيخ دعائم الحفاظ على المساواة بين الوطنيين والأجانب أمام القضاء المحلي”.
المبرر الثالث:
يتمثل الأساس الثالث في إعطاء الدولة المتسببة في الضرر فرصة إصلاح الضرر بوسائلها الخاصة، مما يحول دون قيام المنازعات، فما دام المستثمر الأجنبي لم يستنفذ الوسائل الداخلية لإصلاح الضرر، يصعب معه التأكد ما إذا كان الضرر قد وقع بالفعل، و أنه ناتج عن فعل يمكن نسبته للدولة المضيفة، حيث يفترض في الشخص الذي يذهب إلى دولة أجنبية أن يأخذ بعين الاعتبار وسائل التقاضي التي يقرها القانون الداخلي.
المبرر الرابع:
إن الأخذ بقاعدة شرط استنفاذ وسائل التقاضي المحلية يستند إلى العمل الدولي( )، وما حظيت به هذه القاعدة في نطاق المواثيق الدولية، ومن ذلك ما نصت عليه الاتفاقية الخاصة بحقوق الأجانب عام 1902في مؤتمر المكسيك، و في مؤتمر “مونتيفيديو” عام 1933، كذلك في مؤتمر لاهاي لتقنين القانون الدولي العام لعام 1930، أكدت اللجنة التحضيرية لعصبة الأمم أثناء مناقشتها لموضوع المسؤولية الدولية، و أقرت بأنه لا يجوز رفع دعوى المسؤولية الدولية على الدولة المتسببة في الضرر ومطالبتها بالتعويض عن الأضرار التي تصيب الأجانب إلا بعد استنفاذ إجراءات التقاضي الداخلية التي يسمح بها قانون الدولة المضيفة.
كما تضمن مشروع “جارسيا أمادو” المقدم للجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة عام 1958 التأكيد على قاعدة استنفاذ إجراءات التقاضي المحلية، ونفس التأكيد تضمنه مشروع “هارد فارد” عام 1961، لتعيين قواعد المسؤولية عن الأضرار التي تصيب الأجانب كما تضمن مشروع لجنة القانون الدولي لعام 1978، حول المسؤولية الدولية شرط استنفاذ طرق المراجعة الداخلية المتاحة للأجانب بالنسبة للأشخاص والاعتباريين.
إن مبدأ العمل بشرط استنفاذ وسائل التقاضي الداخلية شرط مقرر في نطاقات القواعد العرفية الدولية، فهو لا يقوم على وجوب النص عليه وضرورة اتفاق الأطراف على العمل به، وما نص المواثيق الدولية عليه إلا مجرد عمل كاشفا لمبدأ عرفي مستقر، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر في 21-05-1959 بشأن قضية L’interhabdel عندما قررت أن شرط استنفاذ الوسائل الداخلية هو مبدأ من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العرفي ، و يعني ذلك أن عدم النص على هذا الشرط في الاتفاقيات الدولية ، أو مجرد السكوت عنه لا يعني استبعاده.
وقد سلم جانب من الفقه بعدم جدوى التمسك بمبدأ استنفاذ وسائل التقاضي الداخلية متى كان الأجنبي المتضرر لا تربطه بالدولة المتسببة في الضرر رابطة إقامة بالنسبة له و لأمواله .
ونخلص مما سبق قوله إلى أن شرط استنفاذ وسائل التقاضي الداخلية، وإن كانت تشكل قاعدة عرفية دولية غير أنها ليست مطلقة ، بحيث يمكن للدول أن تتفق على ما يخالف محتواها، و استبعاد تطبيقها متى تم النص عليها صراحة ، أو في حالة غياب شروط تطبيقها.
-الوسائل الدولية لتسوية المنازعات الاستثمارات:
تتمثل أهم الوسائل القانونية الدولية لتسوية منازعات الاستثمار في ما يلي:
 الموافقة الواردة في اتفاقيات الاستثمار الثنائية على شرط جواز الالتجاء إلى تحكيم المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار:
Centre International pour règlement des différents relatifs aux Investissement
إضافة إلى الرضا الذي يمكن أن يتم عن طريق تشريعات الاستثمار الوطنية ، يمكن أيضا أن تعطي الدولة موافقتها من خلال إبرام اتفاقيات الاستثمار الثنائية ، و ذلك بعرض النزاع على اختصاص المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ، حيث يهدف هذا الأخير عموما إلى تقديم تسهيلات التوفيق و التحكيم في المنازعات الاستثمارية التي قد تثور بين الدول المتعاقدة و المستثمرين من مواطني الدول المتعاقدة الأخرى، ذلك أن إيجاد وسيلة محايدة لتسوية تلك المنازعات من شأنه دعم الثقة المتبادلة بين أطراف الاستثمار ، كما يساعد في الوقت ذاته على زيادة تدفق رأس المال الدولي على الدول التي ترغب في اجتذابه .
تراعي الاتفاقية في سبيل تحقيق هذا الهدف إجراء الموازنة الدقيقة بين مصالح الدول المستقطبة للاستثمار والمصالح المشروعة للمستثمرين ، حيث تعتبر الاتفاقية في أحكامها القانونية المختلفة عن محاولة التوفيق بين مصلحتين:
حاجة المستثمر الأجنبي للضمان. و حاجة الدول النامية إلى رأس المال الأجنبي.
تجدر الإشارة إلى أن الاتفاقيات الثنائية لا تلجأ إلى التحكيم التجاري الدولي كوسيلة لحل النزاعات المتعلقة بالاستثمار إلا بصفة متممة ، أي بعد استنفاذ كافة الإجراءات الخاصة بالتسوية الودية و القضائية ، و لقد تضمنت اتفاقيات الاستثمار الثنائية منها ، النص على التحكيم الدولي كوسيلة متممة لفض النزاعات التي تثور بين الدول المضيفة للاستثمار و رعايا الدول المتعاقدة الأخرى ، كما جاء ذلك في نص المادة 09 من الاتفاقية المبرمة بين الجزائر و الاتحاد الاقتصادي البلجيكي اللكسمبورغي المبرم عام 1991، على أنه :” في حالة عدم التوصل إلى تسوية بالتراضي مباشرة بين الأطراف المتنازعة أو بالتفاوض بالطرق الدبلوماسية خلال مدة 06 أشهر من تاريخ الإشعار يعرض هذا الخلاف بناء على طلب من أحد الأطراف المعنيين بذلك الخلاف، لتحكيم المركز الدولي لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات ..، ولهذا الغرض يعطي كل طرف متعاقد الموافقة المسبقة والقطعية على أن يحال كل خلاف لهذا التحكيم، وتتضمن هذه الموافقة التخلي عن شرط استنفاذ اللجوء إلى الطعن الإداري و القضائي الداخليين.
كما تضمن نص المادة 08 من الاتفاقية المبرمة في 18 مايو بين الدولة الجزائرية و الدولة الإيطالية المتعلقة بالترقية و الحماية المتبادلة للاستثمارات على التحكيم الدولي كإجراء لفض النزاعات التي تثور بين إحدى الدولتين المتعاقدتين ، و مستثمر من الدولة المتعاقدة الأخرى عن طريق المركز الدولي لحل المنازعات المتعلقة بالاستثمارات أو محكمة تحكيمية تنشأ لهذا الغرض.
و قد نصت المادة 11 من الاتفاقية المبرمة بين مصر و اليابان لعام 1977 ، حيث جاء بأنه:” سيوافق كل من الطرفين على عرض أي نزاع قانوني ينشأ عن استثمارات يقوم ها أي مواطن أو شركة تابعة للطرف المتعاقد الآخر إلى التحكيم.”.
لذلك فغالبية الاتفاقيات الثنائية في حالة وجود نزاعات بين الطرفين تفترض اللجوء إلى المركز الدولي لتسوية المنازعات، من ذلك ما نصت عليه اتفاقية الاستثمار المبرمة بين مصر و دولة مالي عام 1998 في المادة 09 منها الخاصة بتسوية الخلافات الخاصة بالاستثمار بين أحد الطرفين المتعاقدين و مستثمر من طرف المتعاقد الآخر من أنه: “إذا تعذر تسوية النزاع وديا بطريق مباشر بين طرفي النزاع في غضون 06 أشهر من تاريخ الإخطار كتابة فإن النزاع يتم عرضه باختيار المستثمر على أي من (أ) محكمة مختصة في إقليم الطرف المضيف للاستثمار، (ب) المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ، و المنشأ وفق اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول و مواطني الدول الأخرى و الموقعة في واشنطن بتاريخ 18-03-1965.
ومن تلك الاتفاقيات أيضا ما نصت عليه المادة 10 من اتفاقية الاستثمار المبرمة بين الحكومة الكويتية و الدانمارك في جوان 2001 من أن :
– أي نزاع قد ينشأ بين دولة متعاقدة ومستثمر تابع للدولة المتعاقدة الأخرى فيما يتعلق باستثمار يعود لذلك المستثمر في إقليم الدولة المتعاقدة تتم تسويته مبدئيا عن طريق المشاورات أو المفاوضات بين أطراف النزاع.
– إذا تقرر ذلك خلال 06 أشهر من تاريخ حدوث النزاع، فإنه يحق لأي طرف من أطراف النزاع إحالة النزاع إلى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار للتسوية عن طريق التوفيق أو التحكيم الملزم، ووفقا لنظم و قواعد المركز( ).
و تعتبر قضية شركة آسيا للمنتجات الزراعية المحدودة. (Asien Agricultural (AAPL) Product Ltd) ضد جمهورية سيريلانكا من أول القضايا التي تأسس فيها اختصاص المركز بناء على نص في اتفاقيات الاستثمار الثنائية يحيل إلى تحكيم المركز الدولي لمنازعات الاستثمار، والذي اعتبرته هيئة التحكيم بمثابة موافقة خطية من الدولة، ففي هذه القضية لم يكن هناك في الاتفاق المبرم بين الطرفين ما يشير إلى اختصاص المركز بالنظر في النزاع، ولم يوقع بينهما أي اتفاق تحكيم، إلا أنه كانت هناك اتفاقية ثنائية لتشجيع وحماية الاستثمار بين بريطانيا وحكومة سيريلانكا مبرمة عام 1980.
وقد أسست شركة ” AAPL” طلبها في اللجوء إلى التحكيم المركز بناء على أن:” على كل دولة متعاقدة الموافقة على إحالة أي طرف متعاقد و رعايا أو شركة تابعة للطرف المتعاقد الآخر بشأن استثمار الأخير في إقليم الطرف الأول إلى التحكيم، ووفقا لقواعد المركز، و قد اعتبرت هيئة تحكيم المركز أنها مختصة بالفعل في هذا النزاع استنادا إلى نص المدة 08 سالفة الذكر، و الذي اعتبرته موافقة نصية من الدولة.
كما استخلصت المحكمة من ظروف إبرام هذه الاتفاقية ولجوء الأطراف إلى تحكيم المركز، إن إرادة الأطراف قد اتجهت إلى تطبيق نصوص الاتفاقية الثنائية المعقودة بين سيريلانكا و بريطانيا عام 1980، وأن هذه الاتفاقية قد صارت جزء من النظام القانوني لسيريلانكا، و من ثم اعتبرت هيئة تحكيم المركز أنها مختصة بالفصل في هذا النزاع استنادا إلى نص هذه الاتفاقية، و قد كانت هذه هي المرة الأولى التي تؤسس هيئة تحكيم المركز اختصاصها بنظر النزاع على نص وارد في اتفاقية استثمار ثنائية( ).
و مما يؤكد الاتجاه نحو قبول اختصاص المركز بنظر منازعات الاستثمار الثنائية ، و بدون وجود لأي اتفاق تحكيم بين الطرفين الحكم الصادر في 21-02-1997، حيث أن النزاع بين المؤسسـة الأمريكيـة للتصنيع و التجارة (American Manufacturing of trading. INC ) ، و جمهورية الزائير.
و تتلخص وقائع النزاع في هذه القضية في أن أفرادا من الجيش الزائيري هدموا ونهبوا شبكة معامل عائدة لشركة أمريكية، و على هذا الأساس تقدمت بموجبه الشركة السابقة بطلب تحكيم لدى المركز الدولي لمنازعات الاستثمار بغية المطالبة بدفع التعويض عن الأضرار التي أصابتها، و قد اعتبرت هيئة التحكيم أنها مختصة بنظر النزاع ، و ذلك بناء على اتفاقية حماية و تشجيع الاستثمار المبرمة بين الولايات المتحدة الأمريكية و جمهورية الزائير سنة 1984، حيث تنص الفقرة 02 من المادة 07 من الاتفاقية المذكورة على أنه : ” يوافق على إحالة منازعات الاستثمار إلى المركز الدولي لمنازعات الاستثمار لتحسم عن طريق التوفيق و التحكيم ، حيث أعلنت هيئة التحكيم أنه بموجب الاتفاقية الاستثمارية بين الطرفين (التي تحيل خلافات الاستثمار بينهما على مركز واشنطن)، فإنه يتبين بوضوح أن الولايات المتحدة الأمريكية و جمهورية الزائير قد وافقتا على أن الخلافات مثل تلك المعروضة على المحكمة التحكيمية يمكن عرضها أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، و يكون كل طرف قد وافق على اختصاص المركز، وهكذا فقد انتهت هيئة التحكيم إلى تقرير اختصاصها بنظر النزاع بين الشركة الأمريكية والزائير، بالرغم من عدم وجود أي اتفاق تحكيمي بين الطرفين.
كما تم تبني هذا الأسلوب في قضية شركة “Wena Hôtel v. Egypt.”المحدودة للفنادق ، و هي إنجليزية ضد الحكومة المصرية، و قد أسست هيئة التحكيم اختصاصها بالنظر في النزاع بناء على نص المادة 18، الفقرة 01 من اتفاقية ثنائية للاستثمار المبرمة بين جمهورية مصر و إنجلترا، و قد حكمت هيئة التحكيم بإلزام الحكومة المصرية بدفع تعويض للشركة إضافة إلى الفوائد و مصاريف التحكيم( ).
و في قضية مماثلة أخرى – قضية شركة يونانية – Cement Shipping and Handling co Middle East
ضد الحكومة المصرية فقد استندت هيئات تحكيم المركز في تقرير اختصاصها بنظر النزاع بناء على اتفاقية استثمار ثنائية بين مصر و اليونان في 16-06 -1993 و التي تقدمت بموجبها الشركة المذكورة بطلب تحكيم إلى المركز الدولي لتسوية النزاعات الناشئة عنها إلى التحكيم أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، و ذلك بغية الحكم بإلزام الحكومة المصرية بدفع التعويض و الفوائد القانونية و المصاريف و الذي قدر مبلغه ب 219.340 دولار أمريكي كتعويض للشركة المدعية.
إن من أهم أسباب لجوء بعض الاتفاقيات الثنائية لحل النزاعات إلى تحكيم المركز الدولي مرده إلى ما تتميز به اتفاقية المركز الدولي من سمتين رئيستين هما:
– إن الاتفاقية تقيم نوعا من التحكيم المؤسسي” Arbitrage International” ، حيث يتضمن نظاما للإجراءات الدولية ، يرسي من خلاله قواعد الثقة بين الدول المضيفة للاستثمار و المستثمرين يتأكد للطرفين أن منازعتهما سوف ينظرها جهاز فني كفء بناء على الأصول القانونية الاقتصادية التي تحكمه بعيدا عن تيارات السياسية الدولية( ).
– إن اختصاص المركز ذو طابع إرادي”caractère volontaire”، واختصاص المركز ليس إلزاميا، فهو ليس أداة جبرية لتسوية منازعات الاستثمار التي تثور بين أعضائه و بين المستثمرين من الدول الأخرى الأعضاء ، كما أن مجرد تصديق الدولة على اتفاقية إنشاء المركز لا يعني سوى استعدادها لقبول تسهيلاته و خدماته دون أن ينصرف ذلك إلى إلزامها باختصاصه بتسوية المنازعات التي تكون طرفا فيها، فمجرد التصديق كذلك لا يعني تعهدها بإتباع إجراءات المركز الخاصة، ذلك أن المادة 25 ، الفقرة 04 حددت شروط انعقاد أو اختصاص المركز، وهي:
– أن يوافق الطرفان ( دولة متعاقدة أو أحد فروعها، أو وكالاتها، والطرف الآخر أحد رعايا دولة متعاقدة أخرى)، على الالتجاء إلى المركز مع تحديد نوع المنازعات التي ستطرح.
– يجب أن يكون النزاع قانونيا (دون تحديد)، لكن ذلك أن يكون النزاع متعلقا بحق أو التزام قانوني، كأن تتعلق بتطبيق بنود الاستثمار بين أطرافه أو بتفسيره أو الاعتداء على حق ما تقرره اتفاقية استثمار ثنائية بين الدولة المضيفة للاستثمار و دولة المستثمر.
– أن يكون النزاع قد نشأ مباشرة عن مشروع استثماري (دون تحديد كذلك لمصطلح الاستثمار، و هو ما يعطي سلطة تقديرية واسعة للأطراف في تقدير ما إذا كانت معاملة ما ، أو صفقة ما تعتبر استثمارا( ).
قد يأخذ رضا الدولة باختصاص المركز شكل معاهدة ثنائية Bilateral Treaty ، فلقد أبرمت الكثير من الدول معاهدات ثنائية لتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية، ولقد بلغ عدد هذه المعاهدات حتى عام 1985 ثلاثمائة وخمسون 350 معاهدة، منها مائة وخمسون 150 معاهدة تحتوي على بند يقضي باختصاص المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.
ويمكن تقسيم تلك المعاهدات الثنائية التي تشير إلى الرضا باختصاص المركز إلى ثلاث 03 طوائف :
الطائفة الأولى:
معاهدات ثنائية تتضمن تعهدا من جانب أي من الدولتين باختصاص المركز على منازعات الاستثمار التي تنشأ في المستقبل بين المستثمرين الأجانب و الدولة المضيفة للاستثمار. و يتوفر الرضا باختصاص المركز بإعلان المستثمر قبوله هذا الاختصاص، و يجوز أن يصدر قبول المستثمر في أي وقت و حتى لحظة تقديم طلب التحكيم إلى المركز، بل إن المستثمر الأجنبي قد يضع إعلانه قبول الاختصاص في ذات طلب التحكيم الذي يقدم إلى المركز.
و لكن لا يصبح تعهد الدولة بالتقديم إلى تحكيم المركز ملزما لها و غير قابل للسحب إلا بعد إفصاح المستثمر عن قبوله الاختصاص و إخطار المركز بذلك، فلا يتوفر الرضا، ذلك أن تعهد الدولة المضيفة للاستثمار بموجب المعاهدة الثنائية بقبول اختصاص المركز هو اشتراط لمصلحة المستثمر الأجنبي معلق تحوله إلى رضا عندما يقترن به قبول المستثمر الأجنبي.
الطائفة الثانية:
معاهدات ثنائية تقضي بأن الدولة المضيفة للاستثمار لا تلتزم باختصاص المركز على منازعات الاستثمار،إلا عندما يطلب المستثمر منها ذلك، أي بناء على طلبه. ويكون ذلك بأحد السبيلين: إما أن تقوم الدولة المضيفة للاستثمار – بناء على طلب المستثمر- بتضمين اتفاق الاستثمار شرط تحكيم يقضي بتقديم منازعات الاستثمار إلى المركز، أو أن تلزم المعاهدات الثنائية الدولة المضيفة للاستثمار للتحكيم أمام المركز إذا ما طلب المستثمر ذلك، و هنا لا يشترط أن يظهر قبول الدولة باختصاص المركز في اتفاق الاستثمار نفسه.
الطائفة الثالثة:
معاهدات ثنائية تنص على جواز تقديم منازعات الاستثمار بين الدولة المضيفة للاستثمار و المستثمرين الأجانب إلى المركز بناء على اتفاق لاحق بين الأطراف، ومثل تلك المعاهدات الثنائية لا تشكل بذاتها قبولا باختصاص المركز من جانب الدولة المضيفة للاستثمار.
و من الصور كذلك التي يأخذها الرضا باختصاص المركز أن تقوم الدولة مضيفة الاستثمار بسن تشريع داخلي يتضمن في أحد نصوصه إقرارا بقبول المثول في التحكيم أمام محكمة المركز ، و تعتنق بعض الدول النامية هذا الأسلوب أملا في تشجيع المستثمرين الأجانب و استقدام رؤوس الأموال الأجنبية.
فقد يتضمن التشريع الداخلي نصا يشير إلى شرط صريح غير قابل للإلغاء من جانب الدولة المضيفة للاستثمار بالتحكيم أمام المركز، و يمثل هذا الشرط إيجابا من جانب الدولة المضيفة للاستثمار يتكون منه الرضا باختصاص المركز إذا ما أعلن المستثمر الأجنبي عن رغبته في الاستفادة من هذا الشرط.
وقد يحيل التشريع الداخلي مباشرة إلى التحكيم أمام المركز كأحد الأساليب الممكنة لتسوية منازعات الاستثمار مع المستثمرين الأجانب، وفي هذا الغرض الأخير يعتبر التحكيم أمام المركز كأحد الأساليب الممكنة لتسوية المنازعات، و لا يحول دون قيام الدولة باللجوء إلى وسائل أخرى منصوص عليها في التشريع الداخلي.
لقد أتيح لمحكمة المركز الفصل في هذه المسألة في قضية SPP vs Egypt. ففي تلك القضية رأت المحكمة أن نص المادة الثامنة من قانون الاستثمار الأجنبي رقم 43 لسنة 1974 يمثل قبولا للتحكيم أمام المركز من جانب مصر، باعتبارها الدولة المضيفة للاستثمار، فنص المادة 08 من القانون المذكور على أنه يتعين تسوية منازعات الاستثمار المتعلقة بهذا القانون بأسلوب يتفق عليه مع المستثمر أو بموجب الاتفاقيات الدولية النافذة في مصر، أو في إطار اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار والتي انضمت إليها مصر بمقتضى القانون رقم 90 لسنة 1971 إذا ما توافرت شروط تطبيق هذه الاتفاقية.
وعند مناقشة مسألة اختصاص محكمة المركز بنظر المنازعة، أبرزت مصر أن المادة الثامنة 08 من القانون المشار إليه تتضمن قائمة من البدائل الممكنة لفض المنازعات مع المستثمرين الأجانب، و لا يوجد ما يجبر الحكومة المصرية على التقديم لوسيلة دون أخرى، ومن ثم فلا يوجد ما يلزم مصر على تقديم المنازعة إلى المركز دون غيرها من البدائل المنصوص عليها في المادة المذكورة.
لقد طرحت محكمة التحكيم هذه الحجة جانبا و ردت عليها بأن نص المادة الثامنة 08 من قانون الاستثمار المصري كان يتضمن علاقة تدرجية بين وسائل المنازعات المذكورة به وهي: الاتفاق بين الأطراف على الوسيلة التي يمكن بها تسوية منازعات الاستثمار، أو تسوية تلك المنازعات طبقا لقواعد اتفاقية ثنائية مبرمة بين مصر و دولة المستثمر الأجنبي، أو طبقا اتفاقية المركز، وحيث أنه لم يكن هناك اتفاق بين الحكومة المصرية والمستثمر الأجنبي على وسيلة لفض المنازعات بينهما، وأنه في ظل غياب اتفاقية ثنائية بين مصر و دولة المستثمر، فإن نص القانون المذكور يشكل قبولا كتابيا صريحا من جانب من مصر باختصاص محكمة المركز وفقا لنص المادة 25-01 من الاتفاقية.
يعتبر حكم التحكيم الصادر عن محكمة المركز من أهم الجوانب في العملية التحكيمية، والمحصلة النهائية و الطبيعية لعمل هيئة التحكيم.
بالنسبة للحكم الصادر من المستثمر، فإنه لا توجد أي عقبة تحول دون تنفيذ الحكم، وذلك لأن أموال المستثمر تقع في إقليم الدولة التي صدر الحكم لصالحها ، و لكنه إذا ما صدر حكم التحكيم لصالح المستثمر ، و امتنعت الدولة المضيفة عن تنفيذ الحكم، فإن المستثمر يجد نفسه في موضع صعب، وذلك لأن السبل التي يضعها المستثمر لحمل الدولة على التنفيذ هي جميعا سبل ضعيفة شأنها شأن الحماية الدبلوماسية ، فهو لا يستطيع أن يلاحق الدولة أمام محاكمها، لأن هذه الدعاوى تخضع للشروط والقيود التي تفرضها القوانين الوطنية في هذه الدولة( ) ، كما لا يجوز الحجز على أموالها في دولة أخرى، لأن الدول تتمتع بالحصانة القضائية والتنفيذية، مما يجعل هذه الدعاوى من غير قيمة( ).
من أجل ذلك فقد تضمنت الاتفاقية بعض الضمانات المفروضة في حالة عدم الانصياع لحكم التحكيم لكي تضمن فاعلية الأحكام الصادرة عن محكمة تحكيم المركز، و ذلك ب:
 اللجوء إلى محكمة العدل الدولية:
تقضي المادة 04 من الاتفاقية إنشاء المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، بأن كل نزاع ناشئ بين الدول المتعاقدة يتعلق بتفسير أو تطبيق الاتفاقية ذاتها، ولا يمكن حله عن طريق التفاوض، فإنه يمكن إحالته إلى محكمة العدل الدولية بناء على طلب أي طرف في هذا النزاع ، إلا إذا اتفقت الدول المعنية على طريقة أخرى لتسوية النزاع.
يتضح من نص المادة 04 أنه في حالة عدم امتثال الدولة المضيفة للحكم الصادر ضدها من محكمة المركز يترتب عليه مسؤوليتها الدولية لخرقها لأحكام الاتفاقية، واستنادا إلى ذلك ، تستطيع دولة جنسية المستثمر رفع دعوى ضد الدولة المضيفة أمام محكمة العدل الدولية وفقا للشروط التي يقررها النظام الأساسي للمحكمة، بفرض استصدار حكم بإلزامها بتنفيذ القرار التحكيمي الصادر ضدها، أو استصدار حكم بالتعويض إذا كانت الدولة المدعية مصابة بضرر مادي من جراء ذلك( ).
إضافة إلى ما سبق فإنه من المتصور عملا، وفي حالة عدم تقييم الدولة المضيفة لحكم التحكيم الصادر ضدها من هيئة التحكيم المركزي فإنها قد تتعرض لمجموعة من الإجراءات والعقوبات التي تشكل في حد ذاتها ضمانة أكيدة وأكثر فاعلية من الضمانات التي نصت عليها الاتفاقية.
فالمعلوم أن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار يعتبر جهازا تابعا للبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ويعمل تحت إشرافه ورقابته، ومن ثم فقد تستخدم سلطة البنك ومركزه المفترق به بين الدول الأعضاء كسلاح فعال وأداة ضغط ضد الدولة المضيفة لإجبارها على تنفيذ حكم التحكيم، كما أن هذا التصرف من قبل الدولة قد يؤدي إلى قلة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة تجاهها وندرتها كذلك يؤدي إلى عزوف وإحجام المستثمرون الراغبون في الاستثمار في هذه الدولة، والبحث عن فرص الاستثمار في مكان آخر، وفي ذلك لاشك أثر عظيم على التنمية الاقتصادية في هذه الدولة.
كما أن من شأن ذلك التصرف أن يؤثر( )على المصالح الاقتصادية للدولة التي يرغب البنك في مساعدتها، ويؤدي إلى الإضرار بعلاقة هذه الدولة مع البنك، والأهم من ذلك أن امتناع الدولة على احترام قرار التحكيم الصادر عن المركز سوف يحرمها من المصادقة اللازمة في المعاملات الدولية، وهذا خطر لا تملك أي دولة أن تتجاهله.
 حل النزاع وفقا للغرفة التجارية الدولية:
لقد لجأت الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين الجمهورية الجزائرية والمملكة الاسبانية( ) في الإطار القانوني لتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات بين الحكومتين بموجب المادة 11 تحت عنوان: “النزاعات القائمة بين أحد الطرفين المتعاقدين ، و مستثمري الطرف الآخر في فقرتها02: “… وإذا لم يكن ممكنا حل النزاع في مدى 06 أشهر ابتداء من تاريخ الإشعار الكتابي المذكور في الفقرة الأولى، فإن المستثمر يستطيع بناء على اختياره تقديمه لمحكمة تحكيمية طبقا لتنظيم مؤسسة التحكيم للغرفة التجارية ب “ستوكهولم” …”.
وكذا الاتفاق المبرم بين الحكومة الجزائرية و الحكومة الفرنسية في الإطار القانوني الخاص بتشجيع و الحماية المتبادلة بين الحكومتين ، و ذلك وفقا للمرسوم الرئاسي رقم:94/01 في الفقرة 03 من المادة 08، على أنه يمكن الرجوع إلى هيئة التحكيم للغرفة التجارية في حالة عدم آجال تعيين المحكمين، وذلك بنصها : “… و في حالة عدم احترام الآجال المشار إليها أعلاه، فإنه يمكن لكل طرف من النزاع الطلب من رئيس هيئة التحكيم للغرفة التجارية ب “ستوكهولم” للقيام بالتقنيات اللازمة..”.
إن الهدف الرئيسي لغرفة التجارة الدولية يرتكز على تحقيق الانسجام والتوافق بين كافة الأنشطة والممارسات ذات الصلة بالتجارة الدولية نجد أن إصدارات غرفة التجارة الدولية في هذا الشأن تعد المربع الأول والأصل في التطبيقات العملية، مثل: “قواعد لائحة الاعتمادات المستنديةDocumentary credits التي تطبقها البنوك في جميع أنحاء العالم، ومصطلحات عقود التجارة الدولية ecoterms التي يلتزم بها المصدرون و المستوردون في تعاملاتهم اليومية، هذا إضافة إلى إصدار النقود النموذجية الدولية للتوزيع و الوكالات التجارية.
تولي غرفة التجارة الدولية عناية خاصة بالتسويق لدوره الهام في تنمية و تطوير تدفقات التجارة الدولية، و لذلك تتعدد إصدارات غرفة التجارة الدولية في هذا المجال في شكل مجموعة من اللوائح و القواعد الهامة مثل لائحة التسويق المباشر Direct Marketing و لائحة الإعلان Advertising و لائحة الرعاية Sponsorship
أ- اللجان الفنية في غرفة التحكيم الدولية:
تضم غرفة التجارة الدولية عددا من اللجان الفنية المتنوعة الاهتمامات، و تجتمع هذه اللجان بصفة دورية منتظمة ، و تختص بدراسة و معالجة القضايا التي تؤثر في قطاع أنشطة الأعمال ، و من أمثلة هذه اللجان :
لجنة البنوك – لجنة الاستثمار الدولي – لجنة الملكية الفكرية و الصناعية – لجنة النقل البحري – لجنة النقل الجوي – لجنة الضرائب – لجنة السياسات التجارية – لجنة التحكيم التجاري الدولي – لجنة التسويق و لجنة البيئة.
تقوم كل لجنة ببحث التطورات التي تحدث في مجال نشاطها بما في ذلك الجوانب الفنية و القانونية ، و تتخذ القرارات الملائمة التي تتبناها باسم مجتمع رجال الأعمال في المحافل الدولية و المحلية. هذا و تتيح عضوية هذه اللجان المعرفة المبكرة بكل جديد يطرأ و الإحاطة بالقرارات التي سوف تتخذ بما يعطي عضو اللجنة ميزة قد يفتقده غير الأعضاء من المهتمين بنفس النشاط ، و يبلغ عدد أعضاء هذه اللجان نحو 500 عضوا من الخبراء المتخصصين و كبار المسؤولين في الشركات دولية النشاط ، و الشركات الوطنية البارزة في بلدان العالم المختلفة.

ب – هيئات التحكيم في الغرفة التجارية الدولية :
توجد عدة هيئات متخصصة تابعة لغرفة التجارة الدولية منها:
– مركز التحكيم التجاري الدولي: يعد أكبر جهة على مستوى العالم تختص بفض وتسوية المنازعات التجارية الدولية ، و يضم محكمة التحكيم التي تقوم بمراجعة الأحكام الصادرة عن هيئات التحكيم المشكلة طبقا لنظام غرفة التجارة الدولية بغرض التدقيق في مدى سلامة الأحكام قبل التوقيع عليها و تنفيذها.
– المكتب الدولي لغرف التجارة IBCC: و يعمل كحلقة وصل بين الغرف التجارية في جميع أنحاء العالم، كما يوفر المكتب الدولي لغرف التجارة مساعدات فنية قيمة لغرف التجارية في البلدان النامية في مجالات التدريب و غيرها، كما يدير المكتب نظام ATA كارنيه الخاص بالفسخ المؤقت عن السلع المستوردة.
– معهد القانون و العرف التجاري الدولي: يرتكز نشاط المعهد على إعداد البحوث و التدريب و نشر المعلومات على المختصين من أكاديميين وممارسين عمليين للتجارة الدولية و خدماتها.
– المجلس الصناعي العالمي للبيئة WICE: تأسس هذا المكتب في عام 1993، و يعتني بالقضايا البيئية التي تمس قطاع الأعمال، و يتكون المجلس من كبار المسئولين و رجال الإدارة العليا في الشركات و المؤسسات الصناعية في مختلف القطاعات على مستوى العالم.
– المكتب البحري الدولي بلندن IMB: يختص بمكافحة القرصنة المسلحة والغش التجاري الدولي في جميع ميادين النقل البحري والبري والجوي، وفي عمليات البنوك والتأمين.
– مكتب الاستخبارات الدولي لمكافحة التقليد CIB: يناهض هذا المكتب التجارة في السلع المقلدة بكافة أنواعها .
– دار نشر غرفة التجارة الدولية: توفر هذه المؤسسة ما يزيد عن 60 مرجعا عمليا يغطي كافة نشاطات وممارسات التجارة الدولية.
أما فيما يخص قواعد التحكيم في الغرفة فتوصي غرفة التجارة الدولية جميع الأطراف الراغبة في اللجوء إلى تحكيم غرفة التجارة الدولية في عقودهم الأجنبية بأن يتبعوا النموذج الموحد التالي: “جميع الخلافات التي تنشأ عن هذا العقد يتم حسمها نهائيا وفقا لنظام المصالحة و التحكيم لغرفة التجارة الدولية بواسطة حكم أو عدة أحكام يتم تعيينهم طبقا لذلك النظام.”.
ثانيا: الاتفاقيات الثنائية المنصبة أساسا على التحكيم التجاري الدولي. (حالة لائحة التحكيم الجزائرية الفرنسية المؤرخة في (27- 03- 1983)( ):
قبل الخوض في تحليل و مناقشة لائحة التحكيم الجزائرية الفرنسية ، يجدر بنا أن نذكر بأن العلاقات الجزائرية الفرنسية شهدت منـذ 1962 إمضاء العديـد من الاتفاقيات الثنائية ، تأتي في مقدمتها “اتفاقية ايفيان”، و”اتفاقية 23-06-1963″، و”اتفاقية 29-07-1965″، وكل هذه الاتفاقيات كانت تشير إلى التحكيم كوسيلة لتسوية النزاعات التي قد تنشأ بين الدولة الجزائرية من جهة والشركات البترولية من جهة أخرى.
لكن بالرغم من أن الجزائر المستقلة كانت آنذاك ضد اللجوء إلى التحكيم باسم السيادة الاقتصادية ، و هي النظرية التي أسست لما يعرف بالسيادة القضائية، إلا أن نفس التحكيم كان يمارس تحت ضغط الشركات الخاصة الأجنبية من ناحية، وحتميات التجارة الدولية من ناحية أخرى( ). وحتى تلعب دورها كاملا في التنمية الاقتصادية الوطنية لم يكن للدولة من جهة أخرى سوى خيار وحيد وهو اللجوء إلى التحكيم، لأنه كان أيضا الضمان الذي يجب أن تقدمه إلى الشركات الفرنسية مقابل العقود الاستثمارية التي كانت تبرمها سواء مباشرة، أو عن طريق الشركات الوطنية، وفي مقدمتها شركة سوناطراك ، ومنذ سنة 1982 شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية مرحلة جديدة، مع إمضاء أول اتفاقية إطار، وهي بروتوكول التعاون الاقتصادي الذي أبرم في 21-06-1982، والذي أعقبته اتفاقيات أخرى في مجالات عديدة، مثل: السكن و العمران، النقل، الفلاحة..، وكانت تعد هذه الوثائق جميعها بمثابة التمهيد للإعلان عن نظام التحكيم الذي سيلحق بها بعد تبادل الرسائل في تاريخ 27-03-1983.
إن النظام التحكيمي يعد بمثابة معاهدة في شكل مبسط( )، يفتح المجال للشركات الجزائرية بأن تلجأ إلى التحكيم التجاري الدولي، إذا ما أبرمت عقودا مع شركات فرنسية، وفعلا لقد تم إبرام عقودا اشتملت على النص على التحكيم المنظم وفق النظام التحكيمي الجزائري الفرنسي.
مثال ذلك ، ما جاء في عقود أبرمتها شركات جزائرية مع شركات فرنسية :” كل نزاع يثور بشأن تفسير أو تنفيذ هذا العقد، و الذي لا يمكن حله بالتراضي يفضل فيه الرجوع إلى النظام التحكيمي المبرم في 27-03-1983 بين الحكومتين الجزائرية و الفرنسية.”.
يعد النظام التحكيمي محدود النطاق بين الجزائر و فرنسا فقط، ومن ثم اعتبر هذا بداية الانفتاح نحو تقبل الجزائر للتحكيم التجاري الدولي ومن ذلك الضرورة الاقتصادية من خلال المرحلة الانتقالية بخصوص تحرير الاقتصاد وآثاره على التحكيم الدولي، حين جاء في عرض الانسياب لمشروع القانون أن: “الإصلاحات هدفها الأساسي تكييف اقتصادنا مع التغيرات الاقتصادية و التجارية الدولية.”.
وقد جاء بشأن التحكيم الدولي:” في العلاقات الدولية بين التجار لدول مختلفة هناك حذر متبادل اتجاه محاكم الدولة، الخوف من تعقيد الحلول المتعلقة بتنازع القوانين و التنازع القضائي، وهذا يحتم بالأطراف لتسوية نزاعاتهم، استخلاف المحاكم الوطنية بالمحكمين الذين يتم اختيارهم من طرفهم.إن النشاط الاقتصادي و التجاري، ولا سيما في الميدان الدولي لا يتقبل تباطؤ الإجراءات القضائية. “.
لقد أثار هذا النظام جدلا فقهيا حول طبيعته القانونية، و موقعه داخل النظام القانوني الداخلي، يتفق العديد من الفقهاء على أن نظام التحكيم ل 27-03-1983 هو اتفاق دولي ملحق بتبادل الرسائل الذي هو أيضا اتفاق دولي حتى و إن لم يكن مصادقا عليه، و هو ما يعرف عادة في القانون الدولي بالاتفاق بشكل مبسط.Accord en forme simplifie ومن جهة أخرى كونه يعد امتدادا لاتفاق التعاون الاقتصادي ، فإنه يستمد قوته الإلزامية منه، خاصة وأن مثل هذا الاتفاق قد تمت المصادقة عليه و تم نشره.
تعود أسباب اختيار نظام( )التحكيم الجزائري الفرنسي كنموذج للاتفاقيات الثنائية التي تنصب بالأساس على التحكيم الدولي كوسيلة تسوية النزاعات بين الدولة والمستثمر الأجنبي، لكون مثل هذا النظام يعد التجربة الوحيدة التي خاضتها الدولة الجزائرية ، ثم لكونه يشكل عمليا وسيلة جد مهمة في إطار العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا، ومن أجل حل العديد من النزاعات التي قد تنشأ بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والفرنسيين، والدليل في ذلك هو أن النظام التحكيمي الجزائري الفرنسي كان قد استعمل من قبل الشركات الفرنسية في مواجهة المجموعات المحلية الوطنية( )، حتى وإن كان في نهاية الأمر يعد اللجوء إليه جوازيا و ليس إجباريا( )، وكغيره من أنظمة التحكيم الأخرى المعروفة دوليا، فقد نظمت اللائحة الجزائرية الفرنسية التحكيم في جميع مراحله بدء من تكوين المحكمة التحكيمية إلى تحديد القانون الواجب تطبيقه، والتصريح بالقرار التحكيمي الذي بواسطته يمكن للمحكمة أن تقول كلمتها الأخيرة في النزاع.
 إجراءات التحكيم:
– تكوين المحكمة التحكيمية: عرفت المحكمة التحكيمية في تكوينها طبقا للائحة التحكيم الجزائرية الفرنسية مرحلتين: 00 / مرحلة التعيين، وما يتبعها من رد للمحكمين واستخلافهـم، وإن اقتضت الضرورة. .. / المرحلة الثانية، فتتعلق بتحديد مهمة واختصـاص المحكمة التحكيمية طبقـا للائحـة.
01-.تعيين المحكمين:
يخضع تعيين المحكم طبقا للاتفاق الجزائري الفرنسي إلى إجراءات محددة، أولها أن الطرف الطالب الذي يرغب في تعيين هذا المحكم يجب أن يقدم طلبا في ذلك، وأهم من ذلك أن يرفق طلبه هذا ببعض المعلومات وأهمها طبقا للمادة 3-3 من الاتفاق : وثيقة يثبت من خلالها وجود اتفاق للتحكيم إلى جانب ذكره اسم وصفة وإقامة المحكم المختار. أما بالنسبة للمطلوب فعليه أن يختار محكما له خلال فترة لا تتعدى 30 يوما، تبدأ من تاريخ تسلمه للطلب، أما في حالة ما إذا لم يقم هذا الأخير باختيار محكم له، فإنه عملا بالمادة 5-1 من الاتفاق ، و إذا كان هذا المطلوب هو الطرف الجزائري ، فإن رئيس محكمة الجزائر هو من يتولى تعيين هذا المحكم، أما إذا كان الطرف المتقاعس هو الطرف الفرنسي فإن لرئيس المحكمة التجارية لباريس صلاحية تعيين هذا المحكم.
و في صورة ما إذا تم تعيين المحكمين فإنه يصبح على عاتق هذين المحكمين مهمة تعيين محكم ثالث ليرأس الهيئة التحكيمية، و يكون ذلك باستعمال القرعة، و بناء على قائمة تكون ملحقة بالعقد وتحتوي على 10 أسماء، وهؤلاء العشرة يجب ألا يحملوا لا الجنسية الجزائرية ولا الفرنسية( ) أما إذا لم تعمد هيئة التحكيم إلى اختيار محكم في حال تقاعس أحد الطرفين، فإن الاتفـاق الجزائري الفرنسي قد خـول لأحد الطرفين أن يلتمس الأمين العام للهيئة الدائمة للتحكيم ب “لاهاي”، الوحيدة المؤهلة لاختيار هيئة أخرى تكلف بتعيين المحكم بدلا من الطرف المتخلف( )، وفي حال عدم اختيار المحكمين المعنيين للمحكم الثالث، فإنه يقع أيضا على عاتق الأمين العام لنفس الهيئة اختيار هذا المحكم.
الملاحظ أن الرجوع في كل مرة إلى الأمين العام للهيئة التحكيمية الدائمة هي نفس الطريقة المتبعة من طرف نظام تحكيم “كندوسي”، إلا أن الشيء المؤكد هو أن مراحل تكوين الهيئة التحكيمية طبقا للائحة التحكيم الجزائرية الفرنسية تبدو معقدة ، وهو ما يتناقض نظريا وعمليا مع المرونة التي يتميز بها عادة التحكيم التجاري الدولي، لكن نعتقد من جهة أخرى أن النص على التعيينات بهذه الطريقة قد يعكس حرص محرري اللائحة على وضع آليات صارمة تحكم كيفية تشكيل المحكمة حتى لا يكون عرضة للمناورات، ما يدفع غالبا الطرفين في مثل هذه الظروف إلى محاولة توقع كل شيء. على صعيد آخر، ولإضفاء مزيد من الفعالية على عملية التعيين ينص الاتفاق الجزائري الفرنسي على أن يكون رئيس هيئة التحكيم من جنسية أخرى غير تلك التي يتمتع بها الطرفان في النزاع، و هذا من شأنه أن يحقق استقلالية رئيس هيئة التحكيم عن الطرفين المتنازعين، إلا أن المستغرب في هذا الاتفاق هو تأكيده على الجنسية كشرط لضمان حياده.
نعتقد أن إبراز عامل الجنسية و التركيز عليه على حساب عوامل أخرى كالإقامة و اللغة قد يعود إلى ما يتمتع به رئيس الهيئة التحكيمية من سلطات واسعة و مدى تأثير هذه السلطة على مصير النزاع، لكن هل أن الجنسية تعد وحدها الكفيلة بتحقيق حياد رئيس الهيئة ؟.
إن حياده قد يتحقق من خلال شخصية المحكم الرئيسي نفسه، و بعبارة أخرى، كان من الأجدر البحث قبل كل شيء عما إذا كان يحمل نفس الثقافة التي قد يحملها أحد طرفي النزاع، أو حتى أحد المحكمين اللذين تتشكل منهما هيئة التحكيم.
أما عن إنتاج الاتفاق الجزائري الفرنسي لنظام تحكيمي تعددي و ليس أحاديا ، فلأنه يعتبر في نظر محرري هذا الاتفاق خير ضمان لتحكيم حر و نزيه، خاصة و أنه المعمول به غالبا من طرف بعض القوانين الوطنية و أنظمة التحكيم الدولية.أما عن نظام المحكم الوحيد، فقد كان ولا يزال محل انتقاد من طرف العديد من الفقهاء ، خاصة إذا كان هذا المحكم من الغرب في قضية يكون أحد أطرافها الدولة( ).
فقد يعاب عليه انحيازه للشركات الأجنبية و اختياره منهجية للحل تختلف تماما عما إذا كانت المحكمة مكونة من عدة محكمين ، و في نظرنا أن اختيار هيئة تحكيمية عوضا عن محكم وحيد من شأنه أن يحقق توازنا في المصالح و تعددا في النظرة بعيدا عن أحادية المفهوم و الاستدلال، لكن في المقابل ، و حتى في هذه الحالة فلنظام تعدد المحكمين عيوب أيضا، فغالبا ما يعاب على النظام تحويل المحكمين الذين يفترض فيهم التحلي بنوع من الاستقلالية و الحياد إلى مجرد موكلين عن الأطراف الذين قاموا بتعيينهم، والوصول في نهاية الأمر إلى إفراغ إجراءات التحكيم من أي محتوى. وعليه فإن نجاح مثل هذا النظام يتوقف على مدى تعاون المحكمين المساعدين، وعلى قدرة المحكم الرئيس على إدارة عملية التحكيم وتحقيق التوازن بين المصالح و احتكامه إلى اتفاق التحكيم الذي يعبر في النهاية عن إرادة الطرفين في تسوية النزاع عن طريق التحكيم التعددي عوضا عن المحكم الوحيد، خاصة وأن أنظمة التحكيم المؤسساتي والحر( )، وكذلك القوانين الوطنية المنظمة للتحكيم التجاري الدولي بوجه عام تمنح الأولوية في اختيار نمط تعيين المحكمين إلى إرادة الطرفين( ).
02-.رد و استبدال المحكمين:
هناك سببان يستدعيان رد المحكم بخلاف نظام التحكيم الوطني الجزائري( )، وهما: عدم الحياد، وعدم الاستقلالية.هذان السببان يقران عدم نزاهة المحكم مهما كان هذا المحكم، سواء أكان وحيدا طبقا لنظام المحكم الوحيد، أو تعدد المحكمين، ذلك أن الاتفاق الجزائري الفرنسي يتحدث عن كل محكم بدون تمييز، إن الاتفاق هنا يفرق بين الاستقلالية والحياد، وفعلا لا يمكن أن يقع تشبيه بالحياد( ) لأن المصطلحين يختلفان من حيث المعنى والمدلول.
اليوم يمكن القول أنه يوجد إجماع بين جميع الأنظمة والمذاهب( ) وفقه القضاء على أن عدم الاستقلالية تعني أن هناك رابطة خضوع المحكم لأحد طرفي النزاع، أما الحياد فيقصد به أن المحكم عند الفصل في النزاع قد تخلى عن أصوله الثقافية. أما نحن فنعتقد أن الاستقلالية يمكن أن تكون قرينة عن حياد المحكم حتى يثبت العكس، لأن الاستقلالية قد لا تعني عمليا بالنسبة لعمل المحكم أنه محايد حتى و إن جاز نظريا عدم الخلط بين المصطلحين.
لكن لتقدير عدم استقلالية المحكم وعدم حياده كان لا بد من اللجوء إلى معايير موضوعية( )، وإلا كان بإمكان أي طرف في النزاع أن يطلب رد المحكم لأي سبب كان، ولهذا الغرض فقد أكد الاتفاق الجزائري الفرنسي على أن هذا التقدير يمكن استخلاصه من الظروف المحيطة بعملية التحكيم، والتي تفيد أن شكوكا تحوم حول نزاهة المحكم سواء من حيث عدم حياده أو عدم استقلاليته.
بعبارة أخرى أن المحايد عليه أن يكون محايدا و مستقلا، ومثل هذين الشرطين قد وقع تكريسهما من قبل الأنظمة القانونية الوطنية( )، و أنظمة التحكيم للمراكز الدولية المعروفة، و في هذا المعنى فإن الاتفاق موضوع الدراسة يلتقي مع هذه الأنظمة و خاصة مع نظام التحكيم “لكنودسي”( )، وكذلك مع نظام الغرفة الدولية للتجارة( )، وإن كان نظام هذه الأخيرة وكذلك نظام “سيردي” كلاهما يأخذ فقط بمعيار الاستقلالية ويصرفان النظر عن معيار الحياد.
يبقى لنا أن نسأل- بعدما تأكدنا من عدم حياد المحكم و استقلاليته- ما هي الإجراءات الكفيلة برد المحكم طبقا للاتفاق؟
أول إجراء يجب القيام به قبل كل شيء، أن يعلم المحكم الطرف الذي عينه بكل واقعة أو عنصر من شأنه أن يطعن في استقلاليته أو في حياده، يمكن أن يقوم بهذا الإعلام إما قبل تعيينه، أو منذ تعيينه، و خارج هذه الحالة التي يعلم فيها المحكم عن عدم حياده أو عدم استقلاليته، فإنه يمكن أن يكون محل رد من قبل الطرف الذي عينه لسبب كان على علم به وقت التعيين ، و هذا طبقا للمادة 6-3 من الاتفاق.
وهي ميزة تعود عادة على التحكيم الخاص الذي من مبادئه أنه لا يسمح برد المحكم إلا لمن قام بتعيينه، بينما إذا رجعنا إلى أنظمة التحكيم الدائمة، فإننا نجد أن تقدير أسباب الرد، أو الرد في حد ذاته لا يعود إلا إلى الهيئة التحكيمية الدائمة، أو إلى لجنة تنشأ لهذا الغرض، و لكن إذا كان رد المحكمين هو من صميم إرادة الأطراف طبقا لمبدأ الإرادة الحرة للأطراف، فبالنسبة لهذا المجال بالذات فالقاعدة هذه ليست دائما محترمة، فقد تستغل من بعض أصحاب النوايا السيئة لإثارة رد تعسفي قد يؤدي في النهاية إلى شل السير العادي للتحكيم.
فقد يخشى أن يتحول الرد من وسيلة لتكوين هيئة تحكيمية غير محايدة ومستقلة،إلى وسيلة مناورة بيد أحد الطرفين، الهدف منها عرقلة إجراءات التحكيم ، و محاولة ربح الوقت على حساب الطرف الآخر. من جهة أخرى ، إلى جانب رد المحكم لأسباب معينة مثلما رأينا، هناك ظروف تستدعي أحيانا استبدال المحكم، و يكون ذلك سواء بعد رده أو عزله، أو عند امتناعه عن القيام بالمهمة المنوطة به، شريطة أن تكون هذه الأسباب حقيقية وليست وهمية( )، إلى جانب حالة الوفاء بعد التعيين ، أو أثناء تأدية المهام.
إن نظام التحكيم الجزائري الفرنسي لم يغفل مثل هذه الحالات، فقد نص على بعض منها صراحة، كحالة الوفاة، أو وجود مانع يحول دون ممارسة المحكم لوظيفته، أو بعد رده طبقا للمادة 07 من نظام التحكيم، إلا أن هذه المادة تضاف إلى الحالات المذكورة سلفا، أي سببا آخرا.
نعتقد أنه بما أن أسباب الاستبدال عديدة ومتنوعة، بحيث يصعب حصرها و تحديدها، ارتئ الطرفان إضافة هذه العبارة حتى يتمكنا من تغطية قدر الإمكان حالات استبدال أخرى قد يفرزها الواقع. على صعيد آخر ، و بما أن هذه الأسباب مجرد عناصر مادية، فنرى أنها تدخل ضمن السلطة التقديرية للهيئة القضائية المختصة للنظر فيما إذا كان السبب المثار خارج الأسباب المحددة أصلا يستوجب استبدال المحكم ، أم لا ؟
أما عن الإجراءات المتبعة في الاستبدال ، فتخضع لنفس إجراءات التعيين و المنصوص عليها في المادة 3و 5من نظام التحكيم، فيكون بذلك الجهة القضائية المختصة في النظر في مدى صحة الإدعاء بالاستبدال من جانب أحد الطرفين المتعاقدين هو رئيس المحكمة الابتدائية، وفي حال عدم استجابة الهيئة المختصة لطلب الاستبدال، يلجأ إلى الأمين العام للهيئة الدائمة للتحكيم ب “لاهاي” للقيام بذلك عوضا عنها، بالنسبة لرئيس المحكمة فبالرغم من سلطة الاستبدال المخولة له قانونا فغالبا ما يستعمل هذه السلطة بحذر، ذلك أن عمل القاضي هو عمل مساعدة، ونتيجة لذلك فهو بقدر ما يقوم ب”إثبات الحالة المؤدية للاستبدال، يسعى لإعادة التعاون إلى مساره بين الطرفين”، إلى جانب “مساعدة المحكمين على مواصلة عمليات التحكيم بدون تأخير “.
– إجراءات سير النزاع أمام هيئة التحكيم :
يقصد بإجراءات سير النزاع تلك القواعد الإجرائية التي يتعين إتباعها بعد تشكيل هيئة التحكيم، و لحين صدور القرار الفاصل في النزاع، و تختلف تلك الإجراءات باختلاف نوع التحكيم و الجهة التي تضطلع به، فإذا ما أنيطت مهمة التحكيم بإحدى هيئات و مركز التحكيم الدائمة فلا يكون لإرادة الخصوم عندئذ دور حاسم في صياغة القواعد الإجرائية التي تنظم و تحكم إجراءات سير المنازعة( ).
إذ يتضمن اللجوء إلى هذه المراكز الدائمة ضرورة الإذعان للإجراءات المقررة في لوائحها، فإنه يكون لأولئك الأطراف دور رئيسي في صياغة القواعد الإجرائية أو في اختيار القانون الذي يحكم سير المنازعة، سواء كان هذا الاختيار صريحا أو ضمنيا، كما يلعب قانون محل التحكيم دورا احتياطيا في هذا الصدد. على أننا نقتصر على بحث إجراءات سير النزاع في هذا النوع الأخير من التحكيم كونه الأكثر شيوعا و انتشارا في مجال تسوية المنازعات الاستثمارية.
أ- التحديد الاتفاقي لإجراءات سير النزاع:
يستطيع الخصوم في التحكيم الحر تنظيم سير النزاع أمام هيئة التحكيم وفقا لقواعد إجرائية ترتبها إرادتهم، كما أنه يمكنهم أيضا الاستهداء في ذلك بقواعد إجرائية يتم اختيارها من العديد من لوائح التحكيم، بحيث تصبح نظاما جديدا لا يرتبط بهذه اللوائح كأن ينظم الخصوم قواعد سير المرافعات أمام هيئة التحكيم و مكانها وميعاد تقديم المستندات، و كيفية سماع الشهود، و إجراء التحقيقات، و الاستعانة بالخبراء. و وإذا كان هذا هو الأصل فإن قيام الخصوم بصياغة قواعد إجرائية مفصلة تحكم سير النزاع يعد أمرا غير مألوف في الواقع العملي، و يرجع ذلك إلى عدم إمكانهم توقع مختلف المسائل التفصيلية التي يثيرها سير النزاع أمام هيئة التحكيم، لذلك فإن الصياغة الاتفاقية لإجراءات سير المنازعة إنما تنصب عموما على بعض الأسس العامة، ثم يحدد الخصوم قانونا وطنيا معينا تسير على هداه إجراءات النظر في النزاع، سواء تم ذلك صراحة أو ضمنا.
ب- اختيار قانون وطني معين لتنظيم إجراءات عرض النزاع:
يلجأ أطراف النزاع في الغالب إلى اختيار قانون وطني معين ليحكم و ينظم إجراءات التحكيم، وفي حالة غياب مثل هذا الاختيار الصريح فإنه يتم اللجوء إلى قانون دولة مكان التحكيم، و يتأسس ذلك في الواقع على تفسير الإرادة الضمنية أو المفترضة لأطراف النزاع تبعا لاختيارهم لمكان التحكيم، بالإضافة إلى ذلك فإن هذا القانون قد يكون أكثر ملائمة لإجراءات سير النزاع بوصفه قانونا محايدا، أو لأنه قانون دولة المحكم الذي يكون أكثر إلماما به. وأيا كان الأمر فإن قانون محل التحكيم يمكن أن يؤدي دورا احتياطيا أو مساعدا، إلى جانب قانون الإرادة في مجال اختيار القواعد التي تحكم إجراءات سير المنازعة، والعلة في ذلك تكمن في أن القانون المختار قد لا يحيط بكل المسائل الإجرائية التي يثيرها النزاع، ومن ثم فإنه يتم الرجوع إلى قانون الدولة التي يجري على إقليمها التحكيم لإكمال هذا النقص.
ج- حرية هيئة التحكيم في اختيار القواعد الإجرائية التي تحكم سير النزاع:
قد لا يفق الخصوم على القواعد التفصيلية التي تحكم إجراءات سير النزاع، و قد لا يختارون قانونا معينا ليحكم تلك الإجراءات، و في مثل هذا الافتراض فإنهم يتركون هذا الأمر لهيئة التحكيم التي تحدد هذه الإجراءات في ضوء ما تراه مناسبا بخصوص النزاع المعروض عليها، و يكون للمحكمين في هذا الفرض سلطة تجديد الإجراءات القانونية التي تنظم سير النزاع، بشرط أن لا تتضمن هذه الإجراءات إخلالا بحقوق و ضمانات الدفاع، و ألا تخل بالمساواة و العدالة بين الخصوم.
– قرار التحكيم:
تنتهي إجراءات التحكيم بإصدار القرار و تبليغه إلى الأطراف، و عندئذ تتخذ الإجراءات الخاصة بتنفيذه، لذا فإن دراسة قرار التحكيم تقتضي منا أن نتناول بالبحث أولا إصدار القرار ثم نتولى و في فقرة ثانية دراسة تنفيذ القرار.
-إصدار قرار التحكيم:
لا يصدر قرار التحكيم في الواقع إلا بعد استنفاد ما لدى الأطراف من أقوال و بحيث تكون الدعوى مهيأة للحسم، ثم تقوم هيئة التحكيم بعد ذلك بدراسة القضية وتدقيقها بغية إصدار القرار في الوقت الذي حددته عند إعلانها ختام المرافعة و يكتب القرار عادة اللغة التي يتفق عليها أطراف النزاع، فإن لم يتفقوا على لغة معينة فإنه يتم الرجوع إلى القواعد الإجرائية للتحكيم لمعرفة اللغة التي تستخدم في هذا الصدد، ويلاحظ أن كثيرا من الاتفاقيات الدولية و القوانين المقارنة تحدد مدة معينة ينبغي أن يصدر خلالها قرار التحكيم، وهو اتجاه جدير التأييد، وذلك حتى لا يتراخى المحكمون في نظر النزاع فتضيع ميزة السرعة التي ينشدها أطراف النزاع من وراء اللجوء إلى التحكيم، والأصل أن يتفق الطرفان المتنازعان على تحديد هذه المدة، فإن لم يتفقا على ذلك فإنه يصار إلى تحديدها وفقا للقواعد القانونية التي تحكم إجراءات التحكيم.
تذهب معظم الاتفاقيات الدولية و عقود الاستثمار إلى ضرورة صدور قرار هيئة التحكيم بأغلبية الأصوات، و يكون هذا القرار نهائيا وملزما ، بحيث لا يجوز الطعن فيه بأي طريقة من طرق الطعن، و مع ذلك فإن بعض الاتفاقيات الدولة تجيز على سبيل الاستثناء الطعن في قرار التحكيم، إذا تأسس هذا القرار على أسباب مخالفة للنظام العام، مثل اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار لسنة 1965.
-تنفيذ قرار التحكيم:
يتضمن قرار التحكيم بصفة عامة احكم على أحد أطراف النزاع و إعطاء الحق للطرف الآخر، و يسعى هذا الطرف الأخير إلى تنفيذ قرار التحكيم، مما يستلزم اتخاذ الوسائل و الضمانات الكفيلة بتنفيذه، لكي لا يتجرد هذا القرار من فاعليته، بيد أن هذا التنفيذ قد يصطدم ببعض العقبات عندما يتعلق الأمر بتنفيذ قرار تحكيمي صدر في إقليم دولة أخرى غير الدولة التي يراد تنفيذ القرار فيها.
و ترجع تلك العقبات في الواقع إلى اختلاف النظم القانونية و الإجراءات الواجبة الإتباع للاعتراف بهذه القرارات و تنفيذها، إذ أن قرارات التحكيم لا تتمتع بقوة تنفيذية في أغلب الدول، ومن ثم فإنه ينبغي إضفاء الصفة التنفيذية على القرار التحكيمي أولا من خلال تقديم طلب إلى المحكمة المختصة في الدولة المطلوب التنفيذ فيها.
و قد بذلت على الصعيد الدولي جهود كبيرة لإزالة هذه العقبات، و نتجت عن هذه الجهود إبرام مجموعة من الاتفاقيات الدولية، لعل أهمها اتفاقية الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لسنة 1958، التي دخلت حيز التنفيذ في 24 سبتمبر 1959، و تجيز هذه الاتفاقية للمطلوب التنفيذ عليه رفض طلب التنفيذ، إذا أقام الدليل على وجود أحد الأسباب التالية:
 نقص أهلية أحد أطراف اتفاق التحكيم وفقا للقانون الذي يسري عليه، أو على وفق قانون الدولة التي صدر فيها قرار التحكيم عندما لا يوجد اتفاق على قانون آخر.
 الإخلال بحقوق المدعى عليه في الدفاع كأن لم يبلغ بتعيين المحكم أو ببدء إجراءات التحكيم أو استحال عليه لسبب أو لآخر تقديم دفاعه.
 عدم مراعاة قرار التحكيم لاتفاق التحكيم، كأن فصل في نزاع لم يشر إليه الاتفاق.
 أن يكـون كل من تشكيل هيئة التحكيـم، و إجراءاتهـا مخالفا لاتفاق التحكيم.
 أن يكون القرار لم يكتسب الدرجة القطعية، أو أبطل أو صدر قرار بإيقاف تنفيذه.

المطلب الثاني: دور الاتفاقيات الثنائية في منع الازدواج الضريبي.

من بين الأهداف الرئيسية التي تسعى إلى تحقيقها الاتفاقيات الثنائية تفادي ظاهرة الازدواج الضريبي الدول، فالدول إن منحت مزايا جبائية ومالية، فإن ذلك لن يكون له جدوى بالنسبة للاستثمار الأجنبي، ولن تكون لها الفاعلية المطلوبة، إلا إذا عمدت البلدان المصدرة لرؤوس الأموال إلى إعفاء المداخيل التي يحصل عليها مواطنوها المستثمرون من نشاطهم في الخارج من دفع الضرائب، وبالتالي العمل على منع الازدواج الضريبي( ).
و أيا كان الأمر فإن دراسة الازدواج الضريبي تقتضي منا أن نبحث أولا عن ماهية الازدواج الضريبي و أثره في إعاقة المستثمر الأجنبي في فرع أول ، ثم إلى منع الازدواج الضريبي بواسطة الاتفاقيات الثنائية في فرع ثان.

الفرع الأول: ما هية الازدواج الضريبي، وأثره في إعاقة المستثمر الأجنبي.

يعترف القانون الدولي بحق كل دولة ذات سيادة في فرض الضرائب و الرسوم و الأشخاص و الأموال الموجودة داخل إقليمها، حيث أنه من المعلوم أن التشريع الضريبي يمثل مظهرا من مظاهر سيادة الدولة، و يترتب على هذه النتيجة أن الأفراد لا يستطيعون الاتفاق فيها بينهم على استثناء تطبيقه كليا أو جزئيا، كما أن الدولة لا تستطيع فرض تطبيقه داخل إقليم دولة أخرى، لأن ذلك سيؤدي إلى انتقاص سيادة دولة أخرى، ومن ثم فقد امتاز التشريع الضريبي بإقليميته، أي يقتصر نطاق تطبيقه داخل إقليم الدولة، وبذلك يمتد نطاق تطبيقه على جميع الأفراد المقيمين داخل الدولة( ).
ويستوي في ذلك أن يكون المكلف بأداء الضريبة وطنيا أو أجنبيا، مقيما أو غير مقيم، ما دامت هناك صلة وثيقة بين المكلف (الممول)، و وعاء الضريبة. إن الدولة تملك في الواقع سلطات واسعة على الأجانب الذين يقيمون في إقليمها، وعلى ممتلكاتهم الكائنة فيه، وعلى الدخول النابعة من موارد في اختصاصها، ويمكنها انطلاقا من سيادتها الإقليمية أن تلزمهم بدفع الضرائب والأعباء المالية الأخرى( )، و عليه يمكن أن تفرض الضريبة على دخل المستثمر بالاستناد إلى مبدأ تبعيته السياسية للدولة (الجنسية)، أو بالاستناد إلى مبدأ التبعية الاجتماعية (الإقامة أو الموطن) ، أو بالاستناد إلى مبدأ التبعية الاقتصادية (البلد محل النشاط).
يؤسس بعض الفقهاء حق الدولة في فرض الضرائب على الأجانب و الأموال و الدخول النابعة من موارد في إقليمها بأن تتحمل أعباء مالية كثيرة في تأديتها لوظائفها المختلفة ، و عليه فإنه يقع على عاتق الأشخاص و الأموال التي تتمتع بالحماية التي توفرها الدولة المساهمة في هذه الأعباء، لذلك يلتزم الأجانب على غرار المواطنين بدفع ما تفرضه الدولة عليهم أو على أموالهم من ضرائب( )، بينما يذهب جانب آخر من الفقه إلى أن التزام الأجانب بدفع الضرائب التي تفرضها الدولة يرجع في الواقع إلى أن خضوع الفرد للضريبة لا يقوم على فكرة تبعيته لها من الناحية السياسية بقدر ما يقوم على تبعيته لها من الناحية الاقتصادية ، بعبارة أخرى فإن الالتزام بأداء الضريبة لا يستند إلى جنسية الشخص ، بل إلى إقامته في الدولة، أو تملكه مالا فيها، أو قيامه بعمل قانوني بها.
وأيا كان الأمر فخضوع المستثمر الأجنبي للضريبة في الدولة التي يزاول النشاط التجاري فيها، إنما يعد حسب تقديرنا مقابل لما توفره الدولة له من الحماية و الأمان والطمأنينة، إضافة إلى إقامته في إقليمها، وتملكه مالا، أو قيامه بتصرف قانوني بها. و تملك الدولة المستقطبة للاستثمار من حيث الأصل حرية واسعة في فرض الضرائب المختلفة على الأجانب الذين يمارسون نشاطا استثماريا في إقليمها، بل لها أن تفرض عليهم أعباء مالية تفوق تلك المفروضة على الوطنيين، بشرط عدم اتسامها بطابع المصادرة و إلا عد ذلك تعسفا منها في استعمال الحق.
إلا أن التطور الهائل في العلاقات الاقتصادية الدولية استدعى حدوث استثناءات على مبدأ إقليمية الضريبة، و هذه الاستثناءات تكون في اتجاهين متعاكسين:
الاتجاه الأول:
يتمثل في قيام الدولة باستثناء تطبيق تشريعها الضريبي داخل إقليمها في حالات معينة، مثال ذلك إعفاء السفراء و الوزراء و المفوضين و غيرهم من الممثلين السياسيين و القناصل، و الممثلين القنصليين الأجانب بشرط المعاملة بالمثل في حدود تلك المعاملة، و مثال ذلك أيضا ما تضمنته تشريعات الاستثمار من نصوص تقضي بإعفاء بعض المشروعات الاستثمارية من بعض أنواع الضرائب لفترة زمنية معينة من تاريخ بدء الإنتاج أو موازنة النشاط.
الاتجاه الثاني:
يتمثل في قيام الدولة بمد نطاق تطبيق تشريعها الضريبي إلى خارج حدود إقليمها، فقد تفرض الدولة ضرائب على دخول رعاياها المقيمين بالخارج بالرغم من أن دخولهم تحققت نتيجة لأنشطة اقتصادية و تجارية، تمت خارج حدود إقليمها، وأن هذا الدخول يخضع لقوانين الضرائب في الدول التي تحققت فيها.
ومع ذلك فالقواعد والإجراءات الضريبية التي تفرضها الدولة يمكن أن تكون عائقا في مواجهة الاستثمار الأجنبي، الأمر الذي ينجم عن هذا الوضع حالات ازدواج ضريبي دولي تعرقل حركة التجارة الدولية بصفة عامة، وحركة انتقال رؤوس الأموال الأجنبية بصفة خاصة.
فعلى الرغم من أن هذا الازدواج الضريبي يعد عملا مشروعا من وجهة النظر القانونية، حيث يستمد مشروعيته من حق السيادة الذي تتمتع به كل دولة على مواطنيها، و على الأجانب المقيمين في إقليمها، و على الأموال و الدخول الناتجة من مصادر فيها، بيد أنه يمثل في الواقع عقبة مهمة أمام استقطاب رأس المال الأجنبي إلى الدول المختلفة للاستثمار فيها، بل إنه يمثل عقبة في سبيل التجارة الدولية عموما، العلة في ذلك تكمن في أن هذا الازدواج الضريبي يؤدي إلى تراكم الضرائب على الدخل أو المال نفسه، نظرا لتعدد الدول التي تدعي اختصاصها بفرض الضريبة، كما أنه يؤدي من جهة أخرى إلى تقليص العوائد التي كان المستثمر الأجنبي يأمل تحقيقها من وراء نشاطه الاستثماري، و من ثم فإن الازدواج الضريبي في الضريبة يمثل عائقا كبيرا أمام انسياب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدول المتخلفة.

البند الأول: مفهوم الازدواج الضريبي.”Double Taxation”.

تعد مشكلة الازدواج الضريبي من أخطر المشاكل التي تواجه الاستثمارات الأجنبية لذلك لا تزال هذه المشكلة تنال عناية كبيرة، نظرا إلى النتائج الخطيرة المترتبة عليها من الناحية الاقتصادية، ولا يزال هناك خلاف حول مفهوم هذه الظاهرة ، حيث لا يوجد تعريف مضبوط و متفق عليه.
أولا: تعريف الازدواج الضريبي.
يعرف الازدواج الضريبي لدى العديد من مختصين المالية العامة، بمشكلة تعدد فرض الضريبة على المكلف بأدائها، ففي الازدواج الضريبي يدفع المكلف بالضريبة على نفس الوعاء أكثر من مرة، لأكثر من إدارة ضريبية، وقد يحدث الازدواج الضريبي على المستوى الداخلي، أو على المستوى الدولي.
يترجم الازدواج الضريبي في القانون الدولي بخضوع نفس الدخل أو الربح لضريبتين أو عدة ضرائب متشابهة و متماثلة في دول مختلفة، تحت تأثير قواعد الإقليم التي تتضمنها القوانين الداخلية لهذه الدول، و عليه في هذه الحالة فالاتفاقيات الدولية هي التي تنظم كيفية تفادي هذه الظاهرة.
ونظرا لخطورة هذه المشكلة فإنها حظيت وما زالت تحظى بعناية كبيرة من قبل السلطات العمومية، والباحثين الاقتصاديين، وذلك نظرا للنتائج الخطيرة الناجمة عنها من الناحية الاقتصادية، بالنسبة للمجال الداخلي كثيرا ما يتدخل المشرع الضريبي بسن القوانين بصورة دقيقة و محكمة لتفادي حدوث هذه الظاهرة( ).
أما الازدواج الضريبي في إطار القانون الداخلي لدولة معينة يتمثل في خضوع نفس الدخل أو الربح لضريبتين متشابهتين، أو لهما نفس الموضوع، ويمكن أن يكون الازدواج الضريبي قانونيا، كما يمكن أن يكون اقتصاديا، فالازدواج الضريبي من وجهة النظر القانونية يتمثل أساسا في خضوع نفس الدخل لنفس المكلف بالضريبة لأدائها مرتين، أما الازدواج الضريبي الاقتصادي فيصف الوضعية التي يتواجد عليها شخصين مختلفين، والذين تفرض عليهما ضريبة على أساس نفس الدخل، وهي حالة أرباح الأسهم (شركة و مساهم).
و مما هو جدير بالذكر، أنه لا يوجد تعريف مضبوط ومتفق عليه لوصف هذه الظاهرة، إلا أنه يمكن تعريف الازدواج الضريبي بصفة عامة:”فرض الضريبة على نفس الشخص المكلف بالضريبة أكثر من مرة على نفس المادة الخاضعة للضريبة و خلال نفس المدة.”( ).

* أقسام الازدواج الضريبي:
ينقسم الازدواج الضريبي من حيث نطاقه ومداه إلى ازدواج ضريبي داخلي و ازدواج دولي، و من حيث نية المشرع إلى ازدواج ضريبي مقصود و ازدواج غير مقصود.
-الازدواج الضريبي الداخلي و الازدواج الدولي.
يقصد بالازدواج الضريبي الداخلي أن تتحقق شروطه داخل إقليم الدولة الواحدة أيا كان شكل هذه الدولة، و تطبق كل من السلطات المالية التابعة لها قانون الضريبة على نفس الشخص، و على نفس الوعاء، و عن نفس المدة.
كما لا يشترط تعدد السلطات المالية التي تقوم بفرض الضريبة، فإما أن تكون السلطة الضريبية واحدة، أي مركزية، فتكون ضريبتين أو أكثر على نفس السلطة و نفس الشخص لأي سبب من الأسباب، أو قد تتعدد السلطات الضريبية، كما هو الحال بالنسبة للدول الفيدرالية (ألمانيا مثلا)، حيث من الممكن أن تفرض الحكومة المركزية ضريبة معينة، ثم تقوم إحدى الولايات بفرض نفس الضريبة مع توفر شروط أخرى، فيحدث الازدواج بفرض الضريبتين، كذلك هو الحال بالسبة للدولة البسيطة، فقد تقوم الحكومة المركزية بفرض ضريبة معينة ، ثم تقوم إحدى السلطات المحلية بمجلس المحافظة مثلا بفرض نفس الضريبة مرة أخرى( ).
و يمكن تجنب الازدواج الضريبي الداخلي، أو منع الازدواج الضريبي بواسطة التشريعات الوطنية، حيث يمثل الاستثمار الأجنبي عموما سببا لتداخل المجال الضريبي بقدر اختلاف معايير تحديد الوعاء الضريبي في الدول التي لها علاقة بالاستثمار، سواء التي يتبعها المستثمر بجنسيته أو يقيم بها، أو التي يجري الاستثمار فيها( ).
و لما كان هذا الازدواج يشكل قيدا مهما على حرية انتقال رؤوس الأموال و التبادل التجاري بين الدول ، فقد صار من اللازم تجنبه على الرغم من كونه عملا مشروعا من وجهة النظر القانونية، لذلك فإن تجنب الازدواج الضريبي يستند حسب تصورنا إلى أساس اقتصادي بالدرجة الأولى، لأنه يمثل في الواقع عائقا خطيرا أمام الاستثمار و التجارة الدولية، كما أنه يستند في الوقت ذاته إلى أساس من العدالة، و تعليل ذلك هو أن تعرض المكلف (الممول) لدفع الضريبة أكثر من مرة عن المال الواحد يعد تجاوزا واضحا لفكرة و قواعد العدالة القانونية الضريبية.
من هذا المنطلق فقد أصبح تجنب الازدواج الضريبي موضعا لاهتمام الدول المختلفة التي سعت و من خلال تشريعاتها الوطنية إلى منع هذا الازدواج بوسائل قانونية متعددة، بيد أن تلك الوسائل تختلف بحسب ما إذا كان الازدواج الضريبي داخليا أو دوليا.
– تجنب الازدواج الضريبي الداخلي:
قدمنا أن الازدواج الضريبي قد يكون مقصودا بذاته من المشرع الوطني رغبة في تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية معينة، وإذ ذاك لا يكون محلا للبحث في سبيل وكيفية تجنبه، ومع ذلك فإن إذا كان هناك ثمة إجراء قانوني بديل يمكن أن يحقق ذات الأهداف، فيتعين عندئذ تجنب الازدواج و اعتماد الإجراء القانوني البديل، أما إذا كان الازدواج غير مقصود فإن تجنبه يختلف بحسب ما إذا كان ناشئا عن وجود سلطتين ماليتين مستقلتين في الدولة، أو عن وجود سلطة واحدة فيها.
أ-.الازدواج الناشئ عن وجود سلطتين متتاليتين، يحدث عادة في الدول الاتحادية، و ذلك عندما تفرض السلطة المركزية و إدارة الولايات ضرائب متماثلة أو متشابهة على الوعاء نفسه، و في هذه الحالة يمكن تجنب الازدواج بأن ينص التشريع على تحديد الاختصاص المالي لكل من هذه السلطات ، بحيث تختص كل منها بفرض ضرائب معينة لا تشاركها غيرها في فرضها، كأن تختص السلطة المركزيـة مثلا بفرض كافة الضرائب على أن تترك ضريبة معينة تختص بها إدارة الولايات، أو أن يتم كذلك تقسيم حصيلة بعض الضرائب التي تفرضها السلطة المركزية كالضريبة على الأرباح التجارية بينها وبين إدارة الولايات فيكون لكل منها نسبة معينة من حصيلة تلك الضرائب( ).
ب-.أما الازدواج الناشئ عن وجود سلطة واحدة في الدولة فإنه يمكن تجنبه بنص تشريعي خاص، و قد يلجأ التشريع في سبيل تجنبه إلى أحد الطرق التالية:
 النص على استنزال مقدار الإيراد الذي خضع للضريبة الأولى من الإيراد الكلي الذي يخضع للضريبة الثانية.
 أن يتم خصم مبلغ الضريبة الأول الذي دفعه المكلف (الممول) من مبلغ الضريبة الثاني الذي يخضع له،
بيد أن هذه القاعدة لا تؤدي –حسب ما نرى- إلى تلافي الازدواج الضريبي إلا بشكل جزئي، و ذلك في حالة اختلاف سعر الضريبة الأولى عن الثانية مثلا.
– تجنب الازدواج الضريبي الدولي:
الواقع في الأمر أنه مكن تلافي آثار الازدواج الضريبي الدولي عموما، إذا ما عمدت الدولة إلى تضمين تشريعها نصا يقضي بعدم فرض الضريبة على نفس الاستثمار الذي سبق أن فرضت عليه ذات الضريبة من قبل دولة أخرى، و لما كانت عوائد الاستثمار الأجنبي تخضع في المرتبة الأولى لضرائب الدولة المستقطبة للاستثمار باعتبارها نصدر الدخل، و حيث إن الازدواج الضريبي الدولي ينجم عن قيام الدولة المصدرة لرأس المال بفرض الضريبة مرة أخرى على عوائد الاستثمار رغم سبق فرضها من قبل الدولة المستقطبة له، فإن المشرع الوطني في الدولة المصدرة لرأس المال يمكن أن يلعب حسب تقديرنا دورا حقيقيا في تجنب هذا الازدواج و التخفيف من آثاره ، و ذلك من خلال السياسة الضريبية التي يتبعها في مواجهة الأموال الوطنية المستثمرة في الخارج.
يلاحظ في هذا الشأن أن تشريعات معظم هذه الدول تتضمن تسهيلات عدة تهدف في حقيقتها إلى تخفيف العبء الضريبي عن مواطنيها الذين يزاولون نشاطا استثماريا في الدول الأخرى، ومن صور تلك التسهيلات إعفاء الأرباح المحولة من فرع تابع لشركة وطنية يمارس نشاطا تجاريا في دولة أخرى من الضريبة بشكل كلي أو جزئي أو خصم مبلغ الضريبة المدفوعة في الخارج من حصيلة الضريبة الوطنية، أو عدم إدخال تلك الأرباح في الوعاء الضريبي إذا أعيد استثمارها في الدول النامية .
يلاحظ في هذا الاتجاه بشكل خاص في الولايات المتحدة و بريطانيا، حتى تعرف كل من هاذين الدولتين نظاما يمكن تسميته “الائتمان الضريبي”، و بمقتضاه يستحق المستثمر الوطني الذي يزاول نشاطا اقتصاديا في الخارج خصما معينا من حصيلة الضريبة الوطنية المستحقة على إيرادات استثماره، ويصل هذا الخصم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى 07% من قيمة الأرباح الصافية بعد دفع الضريبة الأجنبية ، وذلك عند إعادة استثمارها في الدول النامية( ).
و أيا كان الأمر فإن قوانين الدول المصدرة لرأس المال تعتمد طرقا متعددة للحد من آثار الازدواج الضريبي السلبية في حركة رأس المال ، لعل من أهمها ما يلي:
– نظام الإعفاء الكامل:
بمقتضاه تمنح الدولة إعفاء ضريبيا كاملا لإيرادات رأس المال أيا كان الشكل القانوني لاستثماره في الخارج، و عليه فإن المستثمر التابع لهذه الدولة سوف يستفيد من ضمان عدم فرض الضرائب في دولته على عوائده المحققة في الدول الأخرى ، و يلاحظ أن هذا النظام يؤدي إلى تجنب الازدواج الضريبي ، كما أنه يحقق أهداف الدول النامية في اجتذاب رأس المال الأجنبي إليها ، خاصة ما قررت له إعفاءات و حوافز ضريبية، بيد أنه يؤدي في الواقع إلى من جهة أخرى إلى إعراض المستثمر عن إعادة استثمار عوائده في الدولة المستقطبة ، ما دامت تلك العوائد لن تخضع للضريبة عند تحويلها إلى دولته الأصلية( ).
– نظام تأجيل الضريبة الوطنية:
يمكن اللجوء إلى هذا النظام عند قيام شركة تتمتع بجنسية دولة مصدرة لرأس المال بإنشاء فروع أو شركات تابعة لها في الخارج، ففي مثل هذه الحالة لا تستحق الضريبة الوطنية على الأرباح إلا عند تحويلها إلى الشركة الأم (القابضة)، و إذا كان من شأن هذا النظام أن يدفع المستثمر إلى إعادة استثمار عوائده في الدول النامية ، بيد أنه لا يقدم حسب تصورنا مساهمة حقيقية في تلافي آثار الازدواج الضريبي ، إذ أنه لا يعدو أن يكون إعفاء ضريبيا مؤقتا إلى حين تحويل الأرباح إلى الخارج، خاصة و أن بعض القوانين المقارنة التي تأخذ بهذا النظام تقيده زمنيا بحيث تؤجل ضرائب الدخل على العوائد المتحققة في الخارج لمدة محددة تستحق بعدها هذه الضرائب.
– نظام تنزيل الضريبة الأجنبية من وعاء الضريبة الوطنية :
يفترض هذا النظام من حث الأصل أن العوائد (الإيرادات) التي حققها المستثمر في الخارج قد خضعت للضريبة في الدول المستقبلة للاستثمار، فيتم تنزيلها من تلك الإيرادات عند حساب وعاء الضريبة الوطنية، بيد أن هذا النظام لا يترتب عنه أثر ملموس في التخفيف من العبء الضريبي إلا إذا اتحد الوعاء الضريبي لدولتي المستثمر و موطن الاستثمار، فضلا عن أنه لا يمنع الازدواج الضريبي ما دام الدخل الصافي و هذا بعد خصم الضريبة الأجنبية يظل خاضعا للضريبة الوطنية( ).
– نظام خصم الضريبة الأجنبية من قيمة الضريبة الوطنية:
يفترض هذا النظام أن المستثمر قد دفع الضريبة عن إيراداته المحققة في الدولة المستقطبة للاستثمارات، فيتم خصم تلك الضريبة من الضريبة التي تفرضها الدولة المصدرة للاستثمار، و تجيز قواعد القانون في بعض الدول، خصم الضريبة الأجنبية سواء تم دفعها في الدولة مصدر الدخل ، أو لم تدفع لإعفائه منها.
يلاحظ أن هذا النظام يؤدي إلى تلافي الازدواج بشكل كلي إذا كانت الضريبة التي يدفعها المستثمر في الدولة المستقطبة للاستثمار مساويا أو أعلى من الضريبة المستحقة عليه في الدول المصدرة للاستثمار، بيد أنه يظل مع ذلك خاضعا للضريبة في الدولة المصدرة لرأس المال إذا كان معدل تلك الضريبة أعلى من الضريبة في الدولة التي يجري فيها الاستثمار.
– نظام تخفيض سعر الضريبة:
بمقتضاه لا تقدم الدولة إعفاء ضريبيا كاملا لإيرادات الأموال المستثمرة في الخارج، و إنما تنظم معاملة ضريبية مخفضة بالمقارنة للإيرادات المحلية المماثلة، و يتمثل ذلك في صورة سعر للضريبة يقل عن السعر الذي يطبق على الإيرادات المحلية، غير أن هذا النظام لا يؤدي إلى تجنب الازدواج الضريبي أو التخفيف من آثاره، بل إن أقصى ما يؤدي إليه هو أن يراعي في معاملة الإيراد المتحقق في الخارج الذي سبق خضوعه للضريبة في الدولة المستقطبة للاستثمار.
أما الازدواج الضريبي الدولي فيقصد به تحقق شروطه بالنسبة لدولتين أو أكثر، بحيث تقوم السلطات المالية التابعة لدولتين أو أكثر بتطبيق تشريعاتها الضريبية على نفس الشخص، و نفس الوعاء و عن نفس المدة، و قد انتشرت ظاهرة الازدواج الضريبي الدولي في الآونة الأخيرة بسبب نمو التجارة الدولية وحركة رؤوس الأموال بين الدول، فبعد أن كان لكل دولة نطاقها الاقتصادي الخاص بكل سلبياته و إيجابياته تغير الوضع، و ليحل الانفتاح الاقتصاد محل الاقتصاد المغلق، و ليصبح العالم كوحدة اقتصادية وكسوق حرة.
و عادة ما يحدث الازدواج الضريبي الدولي نتيجة مبدأ السيادة الضريبية “La Souverainté Fiscal” الذي يعني السلطة المطلقة للدولة في اتخاذ القرار على إقليمها ، و أن هذه السيادة دائما ما تكون مطلقة و غير محدودة .
فسلطة فرض الضرائب من خصوصيات السيادة المعترف بها لكل دولة دون النظر إلى باقي التشريعات الضريبية المقارنة، فكل دولة تتخذ المعيار المناسب لها، التبعية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، الذي يحقق لها الغرض الذي تسعى إليه، كما أن الدولة بصدد سنها لتشريعها الضريبي نادرا ما تبحث في النظم أو التشريعات الضريبية المطبقة في الدول الأخرى لمنع الازدواج الضريبي.
ومثال للازدواج الضريبي الدولي ما تعلق بالضريبة على أرباح الشركات فقد يكون لمؤسسة ما فروع في دول أخرى، فتقوم الدولة الموجود بها كل فرع من الفروع بفرض ضريبة على أرباح هذا الفرع، و في نفس الوقت الذي تقوم فيه الدولة الموجود بها المركز الرئيسي لهذه المؤسسة بفرض الضريبة نفسها على مجموع أرباح هذه الأخيرة، كذلك فيما يتعلق بالضريبة على نواتج القيم المنقولة (الأسهم و السندات)، فقد يقيم شخص في دولة ما، ويمتلك أسهما وسندات صدرت في دولة أخرى فتقوم الدولة الأولى بصفتها دولة الموطن بفرض ضريبة على دخل هذه القيم المنقولة، كما تقوم الدولة الثانية بصفتها دولة مصدر الدخل، بفرض هذه الضريبة أيضا على الدخل نفسه، وهكذا يتحقق الازدواج الضريبي.
عموما هناك عدة أسباب ساهمت في انتشار هذه الظاهرة ، وتتمثل أساسا فيما يلي( ):
– رغبة الدولة في التوسع في فرض الضرائب لمواجهة الأعباء المالية المتزايدة ، و هو ما قد يدفعها إلى فرض الضريبة الواحدة أكثر من مرة ، أو إلى فرض عدة ضرائب متشابهة على المادة الواحدة.
– رغبة الدولة في إخفاء الارتفاع في سعر الضرائب عن طريق تقسيم السعر المطلوب بين ضريبتين من النوع نفسه.
– رغبة الدولة في التمييز في المعاملة المالية بين الفئات المختلفة من الممولين عن طريق فرض ضريبة إضافية على فئة منهم فضلا عن الضريبة العامة التي تقع عليهم جميعا.
– إنشاء المشروعات الاقتصادية التي تمارس نشاطها في أكثر من دولة ، و انتشار شركات المساهمة التي يتم التعامل فيما تصدره من أسهم و سندات في مختلف الدول.
– الاتساع للأخذ بمبدأ شخصية الضريبة ، و هو ما يتطلب تحديد المركز المالي للممول أي مقدرته التكلفية لكي تفرض الضريبة على الدخل كله، و أيا كان مصدره، بما في ذلك الدخل المتأتي من الخارج.
– سهولة انتقال اليد العاملة و رؤوس الأموال بين الدول المختلفة و كان ذلك بسبب تقدم و انتشار وسائل المواصلات الحديثة.
– تقدم فنون الإنتاج مما أدى إلى نشأة صناعات ضخمة تقوم بها شركات تمارس نشاطها في أكثر من دولة نظرا لأن الأسواق المحلية لا تكفي لتصريف منتجاتها ، مما يجعلها عرضة للضريبة على أرباحها في أكثر من دولة في نفس الوقت.
– تواتر انتقال رؤوس الأموال بين الدول و تشجيع الاستثمارات الأجنبية في البلدان النامية ، نظرا لحاجتها إليها لتحقيق خطط التنمية الخاصة بها.
– تباين المعايير الموجبة لغرض الضريبة( ):
إن فرض الضريبة حق مستمد من السيادة التي تتمتع بها كل دولة على مواطنيها و على الأجانب المقيمين أو المستوطنين في إقليمها ، و الأموال الموجودة بها و الدخول النابعة من مصادر فيها، لذا فإن الضريبة يمكن أن تفرض على دخل المستثمر بالاستناد إلى مبدأ تبعيته السياسية للدولة (الجنسية) ، أو بالاستناد إلى مبدأ التبعية الاجتماعية (الإقامة أو المواطن)، أو بالاستناد إلى مبدأ التبعية الاقتصادية (للبلد محل النشاط).
و تبعا لذلك يميز الفقه الضريبي بين معيارين أساسين تتأثر بهما النظم الضريبية المعاصرة ، عند تحديد السيادة الضريبية:
– 01- معيار الإقليمية:
و هو معيار يستند إلى مبدأ التبعية الاقتصادية، و في ظل هذا المعيار تتحدد السيادة الضريبية للدولة بحدود إقليمها، بحيث يخضع كل نشاط ينشأ في إقليمها، أو أن يكون هذا الإقليم مصدره بصرف النظر عن موطن الممول أو جنسيته.
– 02- معيار الإقامة:
معيار يستند إلى مبدأ التبعية السياسية أو الاجتماعية، أو يسمى هذا المعيار ب ” معيار ادخل القومي ” ، وفي ظله ترى الدولة أن لها حق إخضاع الأرباح الناشئة خارج حدودها الإقليمية عندما يكون هذا الربح متحققا بمعرفة فرد أو شركة يتمتع بجنسيتها أو مقيم بها.
و تتباين الدول في تبني هذه المعايير في تشريعاتها الضريبية ، فمن الممكن أن تأخذ بعض الأنظمة الضريبية للبلدان المصدرة للاستثمارات الأجنبية أو البلدان المضيفة لها بأحد هذين المعيارين ، في حين تأخذ البعض الآخر بالمعيار الثاني، و ينجم عن هذا الوضع حالات ازدواج ضريبي دولي تعرقل حركة التجارة الدولية بصفة عامة، وحركة انتقالات رؤوس الأموال الدولية بصفة خاصة.
و يتحقق الازدواج الضريبي الدولي في أربع 04 حالات( ):
الحالة الأولى: حالة فرض الضريبة على أساس الشخصية الضريبية أو الإقليمية الضريبية، و العينية الضريبية في نفس الوقت، ومثال ذلك أن تفرض دولة ما ضريبة على مستثمر مقيم في إقليمها (الإقليمية) دون الأخذ بعين الاعتبار مصدر الإيراد، و من جهة أخرى تفرض الدولة التي يستثمر فيها هذا الشخص أمواله ضريبة، آخذة بمبدأ العينية، و بالتالي يخضع المستثمر لضريبتين، الأولى لضريبة الدولة المقيم بها،و الثانية لضريبة الدولة المستثمر فيها.
الحالة الثانية: يتم فرض الضريبة من قبل دولتين على أساس الإقليمية الضريبية مع اختلاف معيار فرضها، كأن تشترط دولة (أ) الاحتفاظ بمحل الإقامة المعتاد بها أكثر من 05 سنوات، و أن ترتكز به مصالحه، و في نفس الوقت تشترط دولة (ب)، إخضاع الأجانب للضريبة إذا كان لهم محل إقامة رئيسي،أو ركزوا مصالحهم الرئيسية في الدولة (أ)، فمن أقام بالدولة (أ) أكثر من 05 سنوات، وحدد محل لإقامته الرئيسية في الدولة(ب)، فإنه سيخضع لازدواج ضريبي.
الحالة الثالثة: يتم فرض الضريبة على أساس العينة مع اختلاف معيار فرضها، ومثال ذلك انتشار شركات المساهمة و فروعها في دول متعددة، لا سيما شركة الملاحة الجوية، ما يؤدي إلى تعدد فرض الضرائب، و آية ذلك أن تعتبر كل دولة الأرباح التي تحققها الشركة من جراء مباشرة نشاطها في إقليمها من العناصر الخاضعة لضريبتها الوطنية.
الحالة الرابعة: يتم فرض الضريبة على أساس الشخصية الضريبية و الإقليمية الضريبية ، و مثال ذلك أن تفرض دولة ما ضريبة على الأشخاص التابعين لها أينما كانوا، و في نفس الوقت تفرض الدولة التي يقيم بها هذا الشخص ضريبة ،وبالتالي يخضع المستثمر لضريبتين، الأولى لضريبة الدولة التي يتبع لها بجنسيته، و الثانية لضريبة الدولة المقيم بها.
و على الرغم من أن الازدواج الضريبي الدولي ينتج عن عمل مشروع من جهة القانون الدولي، لأنه لا يوجد قاعدة دولية تحرمه، و يستمد مشروعيته من حق السيادة التي تتمتع بها كل دولة ، إلا أنه يعتبر عملا مكروها و غير مرغوب فيه بالنسبة لتنمية التجارة و الاستثمارات الدولية ، لما يترتب عليه من ضرر بالعلاقات الاقتصادية الدولية.

-الازدواج الضريبي المقصود والازدواج الضريبي غير المقصود.
قد يهدف المشرع الضريبي إلى تحقيق الازدواج الضريبي ، وهو الوضع الغالب في هذا الإطار، بهدف تحقيق أغراض معينة تتركز في زيادة الحصيلة الضريبية و في واقع الأمر يسلك المشرع هذه الطريقة لكي يغطي عجزا طرأ على ميزانية الدولة ، أو لتغطية زيادة النفقات بصورة كبيرة ، أو الرغبة في عدم مواجهة أفراد الشعب برفع معدل الضريبة بما قد يترتب عليه من استياء عام من جانبهم، أو الرغبة في التمييز في المعاملة المالية بين الدخول المختلفة بحسب مصادرها ، كأن تفرض ضريبة إضافية بمعدل متفق على رأي المال ، بحيث تؤدى من الدخل، بالإضافة إلى الضريبة على الدخل الإجمالي ، بقصد معاملة أصحاب رؤوس الأموال معاملة أكثر جدية، وإلى غير ذلك من الأهداف الأخرى ، وإذا كان الازدواج الضريبي عادة ما يكون مقصودا من جانب المشرع، فإن هذا لا يمنع من تحقق الازدواج الضريبي الداخلي بصورة غير مقصودة ، و يحدث ذلك عند تعدد الضرائب المتشابهة، أو من نفس النوع، كما رأينا من قبل، و يكون هنا الازدواج الضريبي اقتصاديا وليس قانونيا، مثل ذلك أن يتمكن المكلف القانوني بأداء الضريبة من نقل عبئها إلى الغير، الذي يكون له أداء نفس الضريبة( ).

أما الازدواج الضريبي الدولي فنادرا ما يكون مقصودا ، و يرجع ذلك إلى مبدأ السيادة السابق ذكره، و استقلال كل دولة بوضع تشريعاتها الضريبية دون النظر إلى تشريعات الدول الأخرى ، ومن ثم فإن الأسس التي تعتمد عليها كل دولة تختلف عن الأخرى ، و في الحالات القليلة التي يكون فيها الازدواج الضريبي الدولي مقصودا ، فإن الغاية منه يكون تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية ، فقد تتعمد الدولة أن تفرض ضريبة على إيرادات رؤوس الأموال التي تستثمر في الخارج ، و هي تعلم أن ضريبة أخرى تفرض في الدولة التي تستثمر فيها هذه الأموال ، وذلك للعمل في الحد من هجرة رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج، أو قد تفرض الدولة ضريبة على إيراد رأس المال الأجنبي على المستثمرين على أرضها، مع علمها أن ضريبة أخرى تفرض في دولة موطن الاستثمارات ،وذلك رغبة في الحد من تدفق رؤوس الأموال الأجنبية و استثمارها في البلاد.

أما الازدواج الضريبي غير المقصود فهو الذي لم يتعمده المشرع، ولم يقصد إحداثه( )، و يقال بأن الازدواج الضريبي الدولي غالبا ما يكون غير مقصود وذلك نتيجة لعدم وجود سلطة عليا تسيطر على تشريعات الدول المختلفة.
ثانيا : شـروط تحقيـق الازدواج الضـريبي.

لكي يتحقق الازدواج الضريبي وجب توافر شروط معينة، وهي:
– وحدة الشخص المكلف بالضريبة.
– وحدة الضـريبــة المفروضـة.
– وحدة المادة المفروضة عليها الضريبة.
– وحدة المدة المفروضة عنها الضريبة.

 وحدة الشخص المكلف بالضريبة:
يشترط لقيام ظاهرة الازدواج الضريبي أن يكون الشخص المكلف نفسه هو الذي يتحمل نفس الضريبة أكثر من مرة. و بالرغم من أن الأمر يبدو بسيطا بالنسبة للشخص الطبيعي ، إلا أن الآراء قد اختلفت في تكييف الازدواج الضريبي من عدمه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية، و خاصة الشركات لكونها أشخاصا معنوية ذات شخصية قانونية مستقلة عن شخصية الشركاء و المساهمين فيها.

ففيما تعلق بأرباح الشركات المساهمة مثلا ، فإنها تخضع لضريبتين ، أولهما ضريبة الأرباح التجارية و الصناعية ، و هي التي تفرض على أرباح الشركة إجمالا قبل توزيعها على المساهمين ، أي أنها تفرض بمناسبة تحقق الربح، و ثانيهما ضريبة إيراد القيم المنقولة ، و هي التي تفرض على الأرباح بعد توزيعها على المساهمين ، أي أنها تفرض بمناسبة توزيع الأرباح على المساهمين ، ففي هذه الحالة ، هل نكون بصدد ازدواج ضريبي؟
من وجهة النظر القانونية ، فإنه لا يتوفر شرط وحدة الشخص المكلف بالضريبة لانفصال شخصية الشركة عن شخصية المساهمين فيه، و بالتالي لا يوجد ازدواج ضريبي .

أما من وجهة النظر الاقتصادية فهي لا تقف عند التنظيم القانوني بشأن انفصال الشخصية القانونية لكل منهما ، بل تتعداه إلى حقيقة من يتحمل العبء الضريبي ، فمن الناحية الواقعية فإن شخص المساهم هو الذي يتحمل عبء الضريبتين في النهاية ، ومن ثم فإنه يوجد ازدواج ضريبي ، و يسمى “الازدواج الاقتصادي”.

 وحدة الضريبة المفروضة:
ويقصد بذلك أن يدفع المكلف نفس الضريبة مع توافر الشروط الأخرى أكثر من مرة أو أن يدفع ضريبتين متشابهتين أو من نفس النوع أو الطبيعة. والجدير بالذكر أن تحديد الضرائب المتشابهة يخضع لوجهتي نظر ، إحداهما قانونية و أخرى اقتصادية .فوجهة النظر القانونية، تعتد بالتنظيم الفني والقانوني للضريبة، حيث أن الضرائب المتشابهة أو التي من نفس النوع لا تمثل ازدواجا ضريبيا، باعتبار أن كل منهما مختلف عن الآخر من حيث التنظيم الفني والقانوني.

أما وجهة النظر الاقتصادية، فإنها تعتد بالنتيجة النهائية، حيث تعتبر الضرائب المتشابهة أو من نفس النوع تمثل ازدواجا ضريبيا ، باعتبار أن الضرائب المتشابهة تمثل عبئا على نفس المادة الخاضعة للضريبة .

مثال ذلك نفترض أن هنالك ضريبتين متشابهتين تفرضان على الدخل إحداهما تفرض عليه مباشرة (الضريبة على الدخل والأخرى تفرض على رأس المال، ولكن سعرها منخفض، فيقوم المكلف بدفع الأخيرة دون المساس بأصل رأس المال.

فمن وجهة النظر القانونية لا يوجد ازدواج ضريبي، كون أنهما يختلفان من حيث التنظيم الفني والقانوني، فالأولى هي ضريبة على الدخل، أما الثانية فهي ضريبة على رأس المال، أما من وجهة النظر الاقتصادية فيكون هناك ازدواج ضريبي باعتبار أنهما يمثلان عبئا على الدخل الوطني، أي أن تحصيل الضريبة قد تم على نفس الوعاء أي الدخل
 وحدة المادة المفروضة عليها الضريبة:
بالإضافة إلى الشروط السابقة يتعين لكي يتحقق الازدواج الضريبي أن يكون وعاء الضريبة، أو المال الخاضع لها محلا للضريبة أكثر من مرة، مثال ذلك، أن تفرض دولة ضريبة على الأرباح التي يحققها الشخص في داخل البلد و خارجها عن مدة معينة، و قامت دولة أخرى بفرض نفس الضريبة على الربح الناتج عن نشاطه في داخل إقليمها، فإن هذا الشص يكون قد تعرض لازدواج ضريبي ، بالرغم من اختلاف الإدارة الضريبية في كل حالة.

 وحدة المدة المفروضة عنها الضريبة:
يشترط أخيرا لتحقق الازدواج الضريبي وحدة المدة التي تفرض فيها الضريبة أكثر من مرة ،فإذا فرضت الضريبة على دخل المكلف في سنة معينة ، ثم فرضت مرة أخرى على دخله ، و لكن في سنة معينة، ثم فرضت مرة أخرى على دخله و لكن في سنة تالية، فإننا لا نكون بصدد ازدواج ضريبي لاختلاف المدة المفروضة فيها الضريبة.

ثالثا: أثر الازدواج الضريبي على انسياب الاستثمارات الأجنبية.
مما لا شك فيه أن الازدواج الضريبي يشكل عائقا أمام الاستثمارات الأجنبية ، بل إنه يمثل عقبة أساسية أمام العلاقات الاقتصادية الدولية، وحرية حركة التجارة الدولية، فهو يعوق انتقال الاستثمارات الأجنبية ، و ذلك لأنه يؤدي إلى زيادة العبء الضريبي الملقى على المال المستثمر ، حيث يخضع هذا المال لأكثر من ضريبة ، نظرا لتعدد الدول التي ترى أن مكن حقها فرض ضريبتها على هذا المال ، ومن ثم فإنه من شأن الازدواج الضريبي أن ينقص العائد الذي كان يأمل المستثمر أن يحققه ، الأمر الذي يترتب عليه إحجام المستثمر عن الاستثمار.

فضلا عن ذلك فإن الازدواج الضريبي يؤدي إلى توزيع عبء الضريبة توزيعا غير عادل بين الممولين الذين يحققون دخولا في خارج بلدانهم، والممولين الذين يقتصر نشاطهم داخل حدود دولتهم، حيث تكون الأعباء الضريبية التي يتحملها الشخص المقيم في دولة ، و يحصل على دخل من الخارج نتيجة لاستثمار أمواله في دولة أخرى ، أكبر من تلك الأعباء التي يتحملها شخص يحصر نشاطه داخل دولة الإقامة ، الأمر الذي يجعل الازدواج الضريبي عائقا هاما في سبيل انسياب الاستثمارات الأجنبية.

و إذا كان الازدواج الضريبي الدولي نتيجة عمل مشروع من وجهة نظر القانون الدولي ، وهو استعمال الدولة حقها في فرض الضرائب، وهو يستمد مشروعيته من حق السيادة الذي تتمتع به كل دولة على مواطنيها و على الرعايا الأجانب المقيمين أو المتوطنين داخل إقليمها، وعلى الأموال والدخول الناتجة عن مصادر فيها، فإن الازدواج الضريبي رغم ذلك يعتبر عملا مكروها، وغير مرغوب فيه من جانب كل الدول المتقدمة، والدول النامية، فمن المعروف أن انتقاص فائض رؤوس الأموال لدى الدول المتقدمة للاستثمار في الدول النامية يحقق نفعا للدول المتقدمة والدول النامية في آن واحد.

حيث تستفيد الدول المتقدمة لتصريف فائض مدخراتها في فرص استثمار مربحة،وتتجنب ما قد يحدثه بقاء هذا الفائض في الداخل من آثار انكماشية تضر بالاقتصاد القومي ، وتستفيد الدول النامية من استغلال موارد الإنتاج المعطلة لديها بسبب نقص رؤوس الأموال اللازمة لهذا الاستغلال.

و إذا كان الازدواج الضريبي الدولي يمثل في الغالب عقبة في سبيل انسياب الاستثمارات الأجنبية و التجارة الدولية في جميع الحالات ،ذلك أن الأمر يتوقف إلى حد كبير على أسعار الضرائب المتعددة من ناحية ، كما يتوقف على فرص الاستثمار و الربح البديلة.

كذلك فإن تجنب الازدواج الضريبي الدولي لا يشكل حتما حافزا من شأنه تشجيع الاستثمارات الأجنبية في جميع الأحوال، ذلك أن وزن العوامل الضريبية وسيادة ضرائب أخرى غير متشابهة، مثل رسوم الإنتاج والضرائب على المبيعات أو على رقم الأعمال قد تشكل عوائق ضريبية ليس من السهل القضاء عليها بمجرد تجنب الازدواج الضريبي الدولي.

وعلى أية حال فالازدواج الضريبي الدولي يغلب أن يكون معوقا لانسياب الاستثمارات الأجنبية، خاصة إذا تبين للمستثمر الأجنبي أن أوجه النشاط التي يمارسها سوف يخضع عائده منها لازدواج ضريبي، حيث يقل الربح عن القدر الذي كان يبتغيه عند ممارسته لنشاطه، ومن ثم يترتب على ذلك أن يحجم المستثمر الأجنبي عن استثمار أمواله خارج إقليم دولته.

الفرع الثاني: منع الازدواج الضريبي بواسطة الاتفاقيات الدولية الثنائية.

يعتبر ازدواج الضرائب الدولي في شتى صوره ، كما بينا آنفا، عبئا ماليا ثقيلا على المستثمر الأجنبي، إذ أنه يؤدي في الواقع إلى استنفاد الجانب الأكبر من إيراداته و عوائده، وهو بذلك يضع المعوقات أمام انتقال رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى وفقا لما تقتضيه الحاجات الاقتصادية ، و يحول دون استثمارها استثمارا صحيحا و منتجا، لذلك فقد سعت قبل ذلك المنظمات الدولية إلى إجراء الدراسات النظرية و تشكيل اللجان المتخصصة للوقوف على الأساليب الفنية و القانونية التي يتم بمقتضاها تلافي هذه الظاهرة القانونية الاقتصادية ، فقد شكلت عصبة الأمم عام 1921 لجنة من الخبراء الاقتصاديين لبحث مشكلة الازدواج الضريبي و آثاره في العلاقات الاقتصادية الدولية والاستثمار الدولي بوجه خاص.

و قد توصلت اللجنة المذكورة إلى تجنب الازدواج الضريبي و الذي يمكن أن يتم بإتباع إحدى الصيغ التالية:

– أن تقوم الدولة المصدرة لرأس المال بإعفاء عوائد هذا الاستثمار من الضريبة الوطنية.
– أن تقوم الدولـة المستقطبـة للاستثمار بإعفـاء عوائـده مـن الضريبة الوطنية.
– أن تقوم كل من الدولتين المصدرة لرأس المال و المستقطبة له بتقسيم إيراداتها من الضرائب المفروضة على عوائد الاستثمار بينهما.

و قد اقترحت اللجنة آنذاك إتباع الصيغة الثانية ، أي أن تقوم الدولة المستقطبة للاستثمار بإعفاء عوائد هذا الاستثمار من الضريبة الوطنية ، بحيث يخضع فقط للضريبة التي تفرضها الدولة المصدرة للاستثمار ، و لا شك في أن هذه الصيغة تحقق مصالح الدول المصدرة لرأس المال على حساب الدول المستقطبة له .

في عام 1922 تم تشكيل لجنة من الخبراء الفنيين في إطار عصبة الأمم التي اقترحت لمنع الازدواج الضريبي التميز بين الضرائب النوعية و الضرائب الشخصية ، بحيث الأولى من قبل الدولة التي يتحقق فيها الدخل ، بينما تفرض الثانية في الدول التي يقيم فيها المكلف ، و وفقا لهذا التقسيم فإن العوائد التي تحققها الشركات التجارية و الصناعية تخضع للضريبة الوطنية في الدول التي تتحقق فيها تلك العوائد، إما إذا كانت الشركة تملك فروعا أو مكاتب أو شركات تابعة لها تمارس نشاطها في دول أخرى، فإن عوائد كل منها تخضع للضريبة في الدول التي تتحقق فيها، و قد وضعت اللجنة بالإضافة إلى ذلك نموذجا لاتفاقية دولية بشأن تجنب الازدواج الضريبي للاهتداء بها عند عقد اتفاقيات دولية في هذا الخصوص.

ثم أنشأت العصبة أخيرا (اللجنة الضريبية الدائمة) التي كانت محورا لانطلاق الدراسات و الحلول المتعلقة بإشكاليات الازدواج الضريبي، و قد استمرت هذه اللجنة في عملها حتى قيام هيئة الأمم المتحدة، حيث أنيطت اختصاصاتها عندئذ بلجنة مالية مختصة انبثقت عن المجلس الاقتصادي و الاجتماعي.

أما على الصعيد العملي فإن الدول المختلفة تحرص على منع الازدواج الضريبي من خلال إبرام الاتفاقيات الدولية الثنائية ، إذ تتضمن تلك الاتفاقيات في الواقع تحديد اختصاص كل دولة متعاقدة من فرض الضريبة و قواعد استحقاقها، كما تقرر في الوقت ذاته طرقا معينة لمنع الازدواج الضريبي ، و الواقع في الأمر أن إبرام مثل هذه الاتفاقيات الدولية يؤدي إلى تشجيع التجارة الخارجية عموما و الاستثمار الأجنبي بوجه خاص، و تعليل ذلك أنها تجعل المستثمر غير الوطني على بينة من أمر المعاملة الضريبية في دولته و تلك التي سيلقاها في الدولة المستقطبة للاستثمار.

البند الأول:مبررات منع الازدواج الضريبي بواسطة الاتفاقيات الدولية الثنائية.
إن تلافي الازدواج الضريبي الدولي عن طريق الاتفاقيات الثنائية و الجماعية يعد حسب تصورنا أكثر فاعلية من مواجهته بإجراء قانوني منفرد من قبل الدولة، وذلك للأسباب الآتية:

– يمكن عن طريق الاتفاقيات الدولية الثنائية التي تبرم بين الدول المصدرة للاستثمار و الدولة المستقطبة له تحقيق الاستبعاد الكلي أو الجزئي للازدواج الضريبي ، حيث تتضمن تلك الاتفاقيات في الواقع تعريفا محددا للدخول التي تستحق عليها الضرائب، و قواعد استحقاقها، و أوجه النشاط التي تفرض عليها الضريبة في الدول المصدرة للاستثمار، أما الإجراء القانوني المنفرد الذي تتخذه الدولة لمواجهة هذه الظاهرة فإنه يكون حسب تقديرنا قليل الأهمية، و العلة في ذلك هي الاختلاف في تحديد الوعاء الضريبي و سعر الضريبة بين الدولة المصدرة للاستثمار و الدولة المستقبلة له ، فضلا عن أن الدولة تملك دائما ، بمقتضى سيادتها الإقليمية الحق في تعديل أو إلغاء قوانينها الداخلية.

– يمكن عن طريق الاتفاقيات الدولية الثنائية إضفاء فاعلية أكثر على الحوافز و المزايا الضريبية التي تقدمها الدولة للاستثمار الوافد، و يتجسد هذا الأمر من خلال التزام الدولة المصدرة لرأس المال ، بمقتضى الاتفاق الدولي ، بالعمل على تحاشي الازدواج الضريبي بينها و بين الدول المستقطبة للاستثمار.

– تؤدي هذه الاتفاقيات الدولية الثنائية في الواقع إلى خلق مناخ نفسي ملائم للاستثمار في الدول ، و بالتالي فإنها تشجع المستثمرين الأجانب على استثمار رؤوس أموالهم في الدول المستقبلة للاستثمار الأطراف في هذه الاتفاقيات ، و يمكن القول بأن الاتفاقيات الثنائية هي الوسيلة المنتشرة لتلافي الازدواج الضريبي الدولي، فكما وجدت دولتان أن لهما مصلحة مشتركة في تلافي ظاهرة الازدواج الضريبي أمكنهما إبرام اتفاقية تتضمن الإجراءات اللازمة لمنع هذا الازدواج.

يمكن القول أيضا أن هذه الاتفاقيات قد زادت في الوقت الحاضر أمام اتساع نطاق العلاقات الاقتصادية الدولية، و عادة ما تتضمن مجموعة من القواعد الاختصاص الضريبي، أهمها:

– تفرض على الدخـول العقارية الضريبـة في الدولة التي يوجـد العقـار علـى إقليمها.
– تفرض على فوائـد الديون العادية الضريبية في الدولـة التي توجد بهـا موطن الدائـن.
– تفرض على فوائد السندات و أرباح الأسهم الضريبية في الدولة التي يوجد بها موطن المدين.
– تفرض على الأجـور و المرتبات و ما في حكمـها الضريبة في الدولة التي ينم فيها العمل.

– تفرض على أرباح المشروعات الضريبية في الدولة التي يوجد بها المركز الرئيسي للمشروع.
– تفرض علـى الدخل العـام للضريبـة في الدولـة التي يوجد بها موطـن الممـول.

البند الثاني: نماذج بعض الاتفاقيات الثنائية الخاصة بمنع الازدواج الضريبي.
لعل من أهم الاتفاقيات الثنائية في هذا الصدد “اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب” المبرمة بين العراق و مصر عام 1968 ، إذ تقر هذه الاتفاقية بصفة عتمة اختصاص الدولة التي يتحقق فيها الدخل بفرض الضريبة عليه، و يحقق هذا الاتجاه حسب تقديرنا مبدأ العدالة القانونية الضريبية ، كما أنه يقلل في الوقت ذاته من ظاهرة ازدواج الضرائب، يضاف إلى ذلك أن الاتفاقية المذكورة تعتمد طريقتي الإعفاء و الخصم لمنع هذه الظاهرة القانونية الاقتصادية، إذ تقرر في هذا الصدد:

– إذا كان المستثمر مقيما في إحدى الدولتين و يستمد دخلا من الدولة المتعاقدة الأخرى ، وكان ذلك الدخل يخضع طبقا لأحكام الاتفاقية للضريبة في الدولة المتعاقدة الأخرى ، فإنه يتعين على الدولة الأولى أن تعفي ذلك من الضريبة، ومن ذلك فإنه يجوز لها عند حساب الضريبة على الجزء المتبقي من دخل ذلك المستثمر، إذا كان سعر الضريبة تصاعديا أن تطبق السعر الضريبي الذي كان يجب أن يطبق لو لم يكن ذلك الدخل قد أعفي على النحو المذكور، و يلاحظ على هذا الحكم أن الاستثناء المقرر في نهايته يقلل في الواقع من أهميته في منع الازدواج الضريبي، إذ يظل ذلك الازدواج ممكن الوقوع ما دامت أن الدولة تملك الحق في فرض الضريبة على الدخل رغم سبق فرضها عليه من قبل الدول الأخرى.

 

– إذا كان المستثمر مقيما في إحدى الدولتين المتعاقدتين، ويستمد دخلا ناجما عن فوائد من الدولة المتعاقدة الأخرى، وكان ذلك الدخل فعلا يخضع للضريبة في الدولة المتعاقدة الأخرى،فإنه ينبغي على الدولة الأولى أن تخصم من الضريبة على دخل ذلك المستثمر مبلغا يساوي الضريبة التي يدفعها في الدولة الأخرى، بشرط أن لا يزيد ذلك الخصم عن دخل ذلك المستثمر مبلغا يساوي الضريبة المتعلقة بالدخل المستمد من الدولة المتعاقدة الأخرى ،

و المحتسب قبل السماح بالخصم، و لا بد من التنبيه هنا إلى أن هذا الحكم لا يستند إلى مبرر قانوني معقول، إذ أنه يمثل في حقيقته تكرارا للحكم الوارد في الفقرة الأولى ، ومن ثم فإنه ينبغي على الدولتين المتعاقدتين إلغاؤه و الاكتفاء بتلك الفقرة، بالإضافة إلى أنه يتعارض في الواقع مع الهدف الذي تسعى إليه الاتفاقية المبرمة ، و الذي يمثل عموما في منع الازدواج الضريبي ، إذ أن هذا النص -حسب رأينا – يكرس ظاهرة الازدواج الضريبي التي أبرمت الاتفاقية لغرض منعها ، ما دام يقرر خضوع الدخل للضريبة على الرغم من سبق خضوعه لضريبة مماثلة في الدولة التي تحققت فيها الدخل.

لعل الاتجاه السليم في هذا الصدد أن يقرر الاتفاق الدولي بشكل صريح بأنه : إذا كان الدخل يخضع للضريبة في إحدى الدولتين المتعاقدتين ، فإنه يتعين على الأخرى إعفاؤه منها.

الاتفاقيات الجبائية ذات البعد العام الموقعة من طرف الجزائر.
الدولــــــــــــــــــــــــة تاريخ التوقيــــــــع رقم وتاريخ مرسوم المصادقة رقم الجريدة الرسمية
إثيوبيــــا 26-05-2002
الأردن 16-09-1997 00-427 17-12-2000 79/2000
أندونيسـيـا 28-04-1995 97-342 13-09-1997 61/1997
إتحاد المغرب العربي 23-07-1990 90-424 22-12-1990 06/1991
إسبـانيــا 07-10-2002
إيطاليـــا 03-02-1991 91-231 20-07-1991 35/1993
الإمارات العربية المتحدة 24-04-2001
البحريــن 11-06-2000
البرتغــال 10-03-1997
بلجيكــا 15-12-1991 02-432 09-12-2002 82/2002
بلغـاريــا 25-10-1998
بولـونيــا 31-01-2000
تـركيــا 02-08-1994 94-305 02-10-1994 65/1994
تـونــس 09-02-1985 85-161 11-06-1985 25/1985
جنوب ايفريقيا 28-04-1998 00-95 07-05-2000 26/2000
رومــانيـا 28-06-1994 95-186 15-07-1995 37/1995
سلطنـة عمان 09-04-2000
سـوريــا 14-09-1997 01-78 29-03-2001 19/2001
فـرنـسـا 17-10-1999 02-121 07-04-2002 24/2002
الفيتنــام 06-12-1999
قـطــر 05-08-1998
كـنــدا 28-02-1998 00-364 16-11-2000 68/2000
كوريا الجنوبية 24-11-2001
لبـنــان 26-03-2002
ليبـيـــا 19-06-1988 89-180 26-09-1989 41/1990
مــــالي 31-01-1999
مصــــر 17-02-2001
المغـــرب 25-01-1994 90-299 13-10-1990 44/1990
النيجـــر 26-05-1998
الهنــــد 25-01-2001
اليمـــن 29-01-2002
المصدر : وزارة المالية، 2003

– الجدول -03 – :
الاتفاقيات الجبائية البحرية و الجوية الموقعة من طرف الجزائر.

الدولـــــة تــاريـخ وتـوقيـع مرسـوم المصـادقــة تـاريخ التوقيـع رقم الجـريدة الرسميـة الملاحظـات
سـويســرا 72-32 /27-07-1972 17-03-1972 66/1972 جــوي
بـريطــانيـا 82-446 /11-12-1982 27-05-1981 51/1982 جــوي
تشيكوسلوفاكيا سابقا متضمنة من طرف القانون رقم 87-08- المؤرخ في 03-02-1987 و المصادق عليها من خلال المرسوم رقم 87-54 المؤرخ في 24-02-1987
18-06-1985
6-9/1987
جــوي.
الإتحاد السوفياتي سابقا 89-31 /14-03-1989 11-06-1983 11/1989 جــوي.
السعودية 89-133 /01-08-1989 09-06-1988 31/1989 جــوي.
المصدر : وزارة الماليــة، 2003

لقد تطورت هذه الشبكة بوتيرة منتظمة نسبيا منذ بداية التسعينات ، لكن المعطيات المتوفرة توضح أن الشبكة الجزائرية ما زالت متأخرة مقارنة بنظيراتها في تونس و المغرب، و توضح الدراسات الأولية للاتفاقيات الموقعة و الاتفاقيات الموجودة في مرحلة التفاوض أو المصادقة ، فتح مجال التفاوض الضريبي المتبادل مع البلدان العربية ، و كذلك البلدان الأسيوية ، مما يظهر اهتمام هذه الدول برغبتها في استثمار رؤوس أموالها في الجزائر.

كما يجب أن نشير إلى أن التطور النسبي الحاصل سببه الإصلاح الجبائي للاتفاقيات الدولية للجباية المتأثرة إلى حد بعيد بأفكار وتحاليل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية(OCDE)وبتعاظم خلال السنوات الأخيرة ظاهرة عولمة الاقتصاد. و قد أبرمت الجزائر عدة اتفاقيات ثنائية لعدم الخضوع للازدواج الضريبي هي:

01- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي، ووضع أسس التعاون المشترك في ميدان الضريبة على الدخل الموقعة بين الجزائر واتحاد المغرب العربي في 23-07-1990، بموجب المرسوم الرئاسي رقم90-424 المؤرخ في 22-12-1990.

02- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي في مادة الضريبة على الدخل والثروة والوقاية من التهرب والغش الجبائي الموقعة بين الجزائر وإيطاليا في 23-02-1991 بموجب المرسوم الرئاسي رقم:91-231 المؤرخ في20-07-1991.

03- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي في مادة للضريبة على الدخل والثروة الموقعة بين الجزائر وتركيا في 02-08-1994 ، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 94-395 المؤرخ في 02-10-1994.
04- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي في مادة الضريبة الموقعة بين الجزائر و رومانيا في 28-06-1994 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 95- 186 المؤرخ في 15-07-1995.

05- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي و قواعد التعاون للتبادل في مادة الضريبة على الدخل و الثروة الموقعة بين الجزائر و اندونيسيا في 28-04-1995 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 97-342 المؤرخة في 13- 09 -1997.( )
06- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي و الوقاية من التهرب الجبائي في مادة الضريبة على الدخل الموقعة بين الجزائر وجنوب إفريقيا في 28-04-1998 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 2000 – 95 المؤرخ في 04-05-2000.( )
07- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي و الوقاية من التهرب الجبائي في مادة الضريبة على الدخل الموقعة بين الجزائر و كندا في 28-02-1999 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 2000 – 364 المؤرخ في 16-11-2000.( )

08- اتفاقية عدم الخضوع للازدواج الضريبي و الوقاية من الغش و التهرب الضريبي و وضع قواعد التعاون المشترك الموقعة بين الجزائر والأردن في16-09-1997 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 2000- 427 المؤرخ في 17-02-2000.( ) و في الوقت الحالي تعمل الإستراتيجية الاقتصادية الجزائرية على تشجيع تدفقات الاستثمارات الأجنبية نحو البلاد، لهذا فالسلطات العمومية تمارس سياسة اتفاقيات جبائية دولية منفتحة اتجاه الاستثمار الأجنبي المباشر كمنح معدل مخفض للاقتطاع من المنبع على أرباح أسهم ” الشركة الأم – الفروع”.

فعلا ، تقود الاتفاقيات الجبائية الدول إلى التحلي، أو الحد من بعض الضرائب ، لأن الإبقاء على العمل بطريقة الاقتطاع من امنع المنصوص عليه في التشريع الجبائي الوطني عند مستويات مرتفعة المطبق على تدفقات الدخول الإجمالية تكون بمثابة عامل مثبط لجزء كبير من الاستثمار الأجنبي ، لهذا يمكننا القول أن الاتفاقيات الجبائية تعمل على ضمان الإيرادات الجبائية للدول، و ذلك ب:
-تدعيم و فرض الضرائب على المقيمين مقابل الحد من فرض الضرائب على المنبع.

-وضع قيد العمل على آليات التعاون بين الدول ، لتجنب التهرب و الغش الضريبيين الدوليين.

نخلص مما تقد إلى أن الازدواج الضريبي يعد عائقا كبيرا أمام استقطاب رأس المال الأجنبي إلى الدولة، ذلك أن المستثمر الأجنبي يسعى إلى تحقيق أكبر عائد ممكن من استثمار أمواله في الخارج ، و بالتالي فإنه و قبل اتخاذه قرارا بالاستثمار في دولة معينة ، يوازن بين العائد المحتمل لاستثماره ، و بين المخاطر التي يتحملها في سبيل الحصول على هذا العائد، فإذا ما قدمت له تلك الدولة من عناصر الموازنة ما يرجح كفة الإقبال على الاستثمار، فإنه يتجه إلى استثمار رؤوس أمواله فيها.

و لعل من أهم عناصر الموازنة – حسب تصورنا – تلك التي تؤثر تأثيرا مباشرا في عوائد الاستثمار، كمنع الازدواج الضريبي ، إذ أن هذا الازدواج و على الرغم من مشروعيته قانونا ، إلا أنه يؤدي إلى تخفيض عوائد الاستثمار.

من هنا فإن الدول المختلفة تسير باتجاه تجنب الازدواج الضريبي وتعتمد في هذا الصدد على وسائل قانونية وأخرى دولية، و يلاحظ على الوسائل الداخلية (التشريعات الوطنية) أنها لا تفضي إلى القضاء على الازدواج المذكور، وإنما تؤدي بصورة أو بأخرى إلى التخفيف من آثاره، أما الوسائل الدولية فإنها أكثر نجاعة و نجاحا في مواجهة هذه الظاهرة القانونية الاقتصادية، إذ أن فحواها يتمثل في الاتفاق بين دولتين أو أكثر على أن تفرض إحداهما دون الأخرى ضريبة معينة على دخل المستثمر الأجنبي.

الخاتمــة:

على ضوء ما تقدم ذكره وعلى مدى هذه الدراسة، يمكننا أن نركز في هذه الخاتمة على أنه مما لا شك فيه أن الاستثمارات الأجنبية، وانتقال رؤوس الأموال الخاصة في المجال الدولي يحقق مصلحة لأصحابه، والدول الوافد إليها على حد سواء، وبقدر ما تكون هناك مصالح في الحركة الدولية لانتقال رؤوس الأموال الخاصة، تكون هناك حاجة قانونية لتنظيم هذه الحركة وتشجيعها خدمة للمصالح المذكورة.

كما أن حماية وتشجيع رؤوس الأموال الخاصة على الاستثمار في الدول النامية والأقل تفتحا، وفضلا عن مزاياه الاقتصادية لأصحاب رؤوس الأموال وفوائده الاقتصادية للدول المصدرة لرأس المال، يعتبر خطوة هامة للإسهام في تنمية الدول الفقيرة، خاصة مع قصور مواردها الداخلية، وعدم كفاية المعونات والقروض التي تتلقاها من الحكومات الأجنبية والمنظمات الحكومية.

من المؤكد أن المخاطر غير التجارية التي يتعرض لها الاستثمار الأجنبي كالتأميم والمصادرة ونزع الملكية، والإجراءات الحكومية الأخرى ذات الأثر المماثل تشكل عائقا في سبيل وفود رأس المال الأجنبي الخاص إلى الدول النامية التي تحتاج إليه، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وجود تنظيم قانوني للاستثمارات الأجنبية، يوفر الحماية اللازمة لها ضد المخاطر غير التجارية التي قد تتعرض لها.

وقد لاحظنا خلال بحثنا هذا أن الإطار القانوني لتنظيم الحركة الدولية لانتقال رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة وتشجيعها، قد اعتمد بصفة أساسية حتى منتصف القرن العشرين على مجموعة من المبادئ العرفية الدولية التقليدية كمبدأ الحد الأدنى لمعاملة الأجانب بشقيه الموضوعي والإجرائي، الذي يكفل حدا أدنى من الحقوق للمستثمرين الأجانب، إلا أن الواقع العملي أظهر بوضوح عدم كفاية وجدوى المبادئ المقررة بموجب العرف الدولي في توفير الضمان اللازم والحماية المطلوبة للاستثمارات الأجنبية، إذ أن حماية هذه الاستثمارات كانت تقوم على أساس نفس القواعد التي تنظم الوضع القانوني للأجانب، أي من خلال التشريعات الوطنية ومبادئ العرف الدولي، إضافة إلى بعض الاتفاقيات الثنائية، كاتفاقيات الصداقة والتجارة والملاحة، و معاهدات الإقامة، واتفاقات التعاون العامة.

وهذه الاتفاقيات تتميز بخصائص عامة مشتركة، ولا تتعلق فقط بالاستثمار الأجنبي، إنما تتناول بالتنظيم مجموعة الأنشطة الاقتصادية والتجارية، كما أن نصوصها الخاصة بالاستثمار الأجنبي تتميز بالعمومية وعدم التحديد، وتستهدف بصفة عامة مبدأ حرية التجارة الدولية على الاستثمارات الأجنبية الخاصة، كما أن تطبيق هذه المبادئ في مجالات عديدة لم يمنع الدول النامية من الاستمرار في سياسة التأميم بفرض تحقيق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

أضف إلى ذلك اصطدام الحماية الدولية للاستثمار الأجنبي بمبدأ السيادة، وخاصة سيادة الدولة على الإقليم وعلى الثروات الطبيعية والموارد الطاقوية، كما أن هذه الإجراءات لم تضمن للدول المصدرة لرأس المال الحصول على التعويضات التي تتطلع إليها في حالة التأميم.

ومع تطور العلاقات الدولية واكتساب الاستثمار الأجنبي أهمية سياسية واقتصادية كبيرة، وتشعب المشكلات التي تثيرها، و لما كان رأس المال الأجنبي الخاص يتحرك أساسا سعيا وراء الربح، فقد ظهرت الحاجة إلى ابتداع وسائل قانونية لإضفاء حماية موضوعية، و إجراءات على الاستثمارات الأجنبية تكون أكثر وضوحا وشفافية.

إن قصور التشريعات الداخلية للـدول و فشـل المجتمع الدولي في إيجـاد ميثاق متعدد الأطراف لحماية و تشجيع الاستثمار الأجنبي هو الذي أظهر الحاجة الماسة إلى عقد اتفاقيات ثنائية بين الدول الصادر عنها رأس المال و الدول الوافد إليها، من هنا أصبحت الاتفاقيات الثنائية أهم وسيلة فعالة لتنفيذ الاستثمارات في الوقت الراهن، حيث ساهمت في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية وذلك من خلال:

– أصبحت الاتفاقيات الثنائية تمثل الإطار القانوني والتنظيمي للاستثمارات الأجنبية بدء من قيام المشروع ودخوله في إقليم الدولة المضيفة إلى حين تصفيتـه وتحويل رأس مالـه إلى الخارج، كما أنها توضح وتحـدد الالتزامـات و أطرافها، من حيث محتوى الحقوق والالتزامات الواردة بها، فهي تنظم أحكاما مماثلة لتلك التي ينص عليها القانون الوطني، وأنها تعطي للمستثمر الأجنبي حرية واسعة و معاملة أفضل من تلك التي توفرها له المشروعات الدولية لتوحيد القواعد الدولية لمعاملة الاستثمارات الأجنبية، ومن تلك التي تنص عليها التشريعات المحلية للدول، فهي تتميز بالمرونة والبساطة والدقة لتحديد الحقوق والالتزامات وتنوعها، كما تراعي ظروفها المشتركة من خلال محاولة إقامة وتثبيت التوازن ين مصالح الأطراف المتعاقدة.

– تتميز الاتفاقيات الثنائية بقوة إلزاميتها وقدرتها على تنفيذ الالتزامات الدولية الواردة فيما بين أطرافها، وإثارة المسؤولية الدولية عند عدم التزام أحد الأطراف بتنفيذ تعهداته، وهذا ما يعطي ضمانة قوية من خلال ما تحتوي عليه من نصوص مفصلة تضمن عدم التعرض لرؤوس الأموال الأجنبية بالتأميم والمصادرة، ونزع الملكية، إلا عند توافر شروط معينة ومقابل تعويض عادل ومناسب، وهذا بخلاف الأنظمة القانونية الوطنية التي مازالت تعاني من السماح الضمني بالمصادرة التعسفية، ومن ضعف النظام القضائي الذي يفرغ مفهوم التعويض والسريع والكافي من محتواه.

– عملت الاتفاقيات الثنائية إلى حد كبير من رفع الحد الأدنى للحماية الموضوعية والإجرائية التي كانت مقررة بموجب القواعد العرفية الدولية، ويظهر ذلك جليا من خلال توفير ضمانات إجرائية تتجلى في الإحالة إلى التحكيم التجاري الدولي كوسيلة لتسوية منازعات الاستثمار التي تثور بين المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة، و بذلك عملت على تكسير الحواجز و الطرق القضائية التقليدية سواء المتعلقة بالحماية الدبلوماسية أو غيرها من وسائل التعاضي المحلية التي كانت تلزم المستثمر الأجنبي عند فض النزاعات بإتباعها، وهو ما يشكل له زعزعة في الثقة نتيجة مثوله أمام قضاء ضعيف ومعيب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاتفاقيات الثنائية تضمنت آليات قانونية سهلة لتسوية النزاعات بين الدولة و المستثمر، فهي تجنب أصلا الخلاف بين الدولتين حول تكييف وتطبيق أحكام الاتفاقية مما يقلل من النزاعات بينهما.

– عملت الاتفاقيات الثنائية إلى حد بعيد على إضفاء فاعلية على الحوافز والمزايا الضريبية التي تقدمها الدولة للاستثمار الوافد، ويتجسد هذا الأمر من خلال إلزام الدولة المصدرة لرأس المال بمقتضى الاتفاق الدولي الثنائي العمل على تحاشي الازدواج الضريبي، حيث تتضمن تلك الاتفاقيات في الواقع تعريفا محددا للدخول التي تستحق عليها الضرائب وقواعد استحقاقها وأوجه النشاط التي تفرض عليها الضريبة في الدولة المصدرة للاستثمار، وتلك التي تفرض عليها في الدولة المستقبلة للاستثمار، وهذا ما يؤدي إلى خلق مناخ نفسي ملائم للاستثمار في الدول، وبالتالي فإنها تشجع المستثمرين الأجانب على استثمار رؤوس أموالهم في الدول المستقبلة للاستثمار الأطراف في هذه الاتفاقيات.

-إن أهم ميزة وصلت إلى تحقيقها الاتفاقيات الثنائية هي إخراج مسألة الاستثمار الأجنبي من نطاق الاختصاص الداخلي وإخضاعها لقواعد دولية اتفاقية ملزمة، حيث أنها تستهدف تحديد الإطار القانوني للاستثمارات الأجنبية في الدول المتعاقدة، أي إعطاء الصفة الدولية الملزمة لكثير من القواعد الدولية العرفية التي رفضتها الدول النامية، وهو إنجاز هام نظرا لعدم وجود اتفاق دولي حول القواعد التي تعبر عن حكم القانون الدولي في تطوره المعاصر في موضوع الاستثمار الأجنبي.

رغم ما قدمته الاتفاقيات الثنائية من مزايا وتسهيلات هامة للاستثمارات إلا أنها قد تعرضت للانتقاد، وهو أن مبدأ التبادلية ” La Réciprocité” التي تقوم عليه هذه الاتفاقيات، و الذي يعني حماية وتشجيع استثمارات كل طرف لدى الطرف الآخر، وإن كان صحيحا وممكنا من الناحية القانونية والعلمية النسبة للاتفاقيات التي تبرم بين الدول المتقدمة، إلا أنه ليس للاتفاقيات الثنائية التي يكون أحد أطرافها دولة نامية، نظرا لأن رعايا الدول الأخيرة لا يملكون الأموال الكافية للاستثمار في الدول المتقدمة، ومن ثم فهم لا يستفيدون من التنازلات التي تقدمها هذه الدول على نحو مواز لما يتمتع به رعايا الدولة المصدرة لرأس المال في هذه الدولة المضيفة الفقيرة، لذلك يقع عبء تنفيذ الاتفاقية الثنائية في المقام الأول على الدولة النامية المتعاقدة، إذ هو تحكم شخصي وأنانية فردية بين الدول.

وهناك مجموعة من التوصيات و المقترحات تتمثل في:
– على الدول النامية التي تتبنى الاتفاقيات الثنائية الخاصة بالاستثمار أن تسعى إلى توحيد الواعد القانونية

الخاصة بمعاملة الاستثمارات الأجنبية ، فهذه القواعد تختلف من اتفاقية لأخرى ، فبعضها يتمسك بما يسمى ” شرط الحد الأدنى”، تستند دول أخرى إلى “شرط المعاملة الوطنية”، في حين تطالب دول ثالثة بشرط “الدولة الأكثر رعاية”، وبعض الدول تكتفي بشرط ” المعادلة العادلة المنصفة”، ولا شك أن هذا التعدد سوف يؤدي إلى صعوبة معرفة المعيار الدولي الذي يحكم معاملة الاستثمار الأجنبي، وينظم ماله من حقوق وواجبات، ويساهم في عرقلة حركة رأس المال ويزيد من احتمالات المخاطر التي يمكن أن تواجهه.

– على الدول النامية التي تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية بالمعنى الحقيقي والفعلي أن تبرم اتفاقيات ثنائية

مع الدول المتقدمة والرائدة في مجال امتلاك رؤوس الأموال الضخمة، و التكنولوجيات الحديثة العالية، وتفادي إبرام هذه الاتفاقيات مع الدول الضعيفة التي لا يمكن لها أن تعينها في أي شيء يذكر، مع إبرام الاتفاقيات الثنائية ذات المدى الطويل.
– على الدول التي تأخذ باتفاقيات الاستثمار الثنائية أن تتجنب حل النزاعات المتعلقة بالاستثمارات إلى

القضاء الوطني للدولة المضيفة، لأنه لا يعقل أن تخضع منازعات ناشئة عن اتفاقيات ذات بعد دولي إلى قضاء داخلي للدولة المضيفة، بل يجب أن تستوي طبيعة النزاعات مع طبيعة هذه الاتفاقيات الخاضعة لأحكام القانون الدولي.فكيف يمكن لنزاع ذو طابع دولي أن يخضع لقانون أو تشريع داخلي؟
– ينبغي على الدول النامية التي تأخذ باتفاقيات الاستثمار الثنائية ألا تكون بالنسبة لها هذه الاتفاقيات أداة

يعب من خلالها حماية خصوصياتها الوطنية و الثقافية و نظامها البيئي، والآليات الاقتصادية والأهداف الاجتماعية وفي نفس الوقت منع إخضاع الاستثمارات الأجنبية إلى أي نوع من الرقابة الوطنية إلا في حالات استثنائية متى يتسنى فتح المجال و الحرية الواسعة لدى الطرف الأجنبي.
– يتعين على الدولة أن تبرم شبكات ضخمة من الاتفاقيات الثنائية أن تتحرى المشروعات التي تعكس

أهداف خطة التنمية الوطنية فيها، و التي يتعين على الاستثمار الوافد إليها ، أن تتجه لتحقيقها و ذلك من خلال وضع مجموعة من الضوابط القانونية التي تبرز هذا الاتجاه.

و من أهم تك الضوابط ما يلي:
-أن يساهم المشروع في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة وبصفة خاصة في المناطق ذات الأولوية فيها.

– أن يساهم في توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني و تقوية نشاطه.
– أن يساهم في تنمية القدرة الإنتاجية للدولة عن طريق الاستخدام الفعال للموارد المالية المتاحة.

– أن يستخدم المشروع الآلات و الأجهزة و التقنيات الحديثة الملائمة للاقتصاد الوطني.

ينبغي على الدول بصدد الاتفاقيات الثنائية أن تلحقها ببعض المبادئ الإرشادية التي يمكن أن تكون موضع التزام أدبي من قبل المستثمرين أثناء مزاولتهم للنشاط التجاري والاستثماري في الدولة بالعمل على :-المساهمة في تحقيق الأهداف الوطنية.

– زرع فكرة الاستعمال الأمثل و العقلاني للموارد المحلية.
– زيادة نسبة المكونات المحلية من مستلزمات الإنتاج كلما كان ذلك ممكنا.
– نهج سياسة سعرية مناسبة سواء للمنتجات الموجهة للاستهلاك المحلي أو الموجهة للتصدير إلى الأسواق الدولية.

– المساهمة في عمليات البحوث والتطوير الضرورية لتمكين القطاعات الإنتاجية المختلفة من متابعة تطوير منتجاتها فضلا عن توفير برامج تعليمية و تدريبية للعمال الوطنيين.

– تماشي الاستثمار مع قوانين ولوائح الدولة المضيفة.
– مواكبة الاستثمار للأهداف و الأولويات الإنمائية المعلنة للدولة المضيفة.

تم بحمد الله و عونه.

قائمة المراجع المعتمدة:
أولا: المراجع باللغة العربية.
01- الكتب:
01- محمد عبد الستار كامل نصار، دور القانون الدولي في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2007.
02- فوزي نعيمي و غراس عبد الحكيم ، دروس في قانون الأعمال الدولي ، أكتوبر 1999.
03-السيد أبو عطية، الجزاءات الدولية بين النظرية والتطبيق، مؤسسة ثقافة الجامعة، الإسكندرية، بدون سنة طبع
04- مصطفى أحمد فؤاد ، مبادئ القانون الدولي العام.بدون دار النشر، 2004.
05- محمد أبو سلطان ، مبادئ القانون الدولي العام.
06- عبد الواحد فار، طبيعة القاعدة الاقتصادية الدولية في ظل النظام الدولي القائم، دار النهضة العربية، 1985
07- ……. أحكام التعاون الدولي في مجال التنمية ، عالم الكتب ، الطبعة 1979.
08- …. ، الجوانب القانونية للاستثمارات العربية والأجنبية في مصر، عالم الكتب، القاهرة، بدون تاريخ النشر.
09- محمود دريد السامرائي، الاستثمار الأجنبي المعوقات والضمانات القانونية، مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى ، 2006.
10- قادري عبد العزيز ، الاستثمارات الدولية ، دار الهومة ، بوزريعة، الجزائر، الطبعة الثانية ، 2006.
11- صفوت أحمد عبد الحفيظ، دور الاستثمار الأجنبي في تطوير أحكام القانون الدولي الخاص، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية ، 2005.
12- عمر هاشم صدقة، ضمانات الاستثمارات الأجنبية في القانون الدولي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولى ، 2008.
13- أحمد قسمت الجداوي، الوجيز في القانون الدولي الخاص، الجزء الأول، الجنسية ومركز الأجانب، دار النهضة العربية ، 1977.
14- عبد الكريم علوان ، الوسيط في القانون الدولي العام ، دار الثقافة ، عمان الطبعة الأولى ، 2007.
15- هشام علي صادق ، الحماية الدولية للمال الأجنبي، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، 2002.
16- …… تنازع القوانين ، دار الفكر الجامعي الإسكندرية، الطبعة الثالثة ، 2002.
17- أحمد أبو الوفاء ، العلاقات الدولية ، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1990.
18- عصام الدين مصطفى بسيم، النظام القانوني للاستثمارات الأجنبية الخاصة في الدول الآخذة في النمو، دار النهضة العربية ، القاهرة. 1972.
19- محمد عبد العزيز بكر، منازعات الاستثمار في آسيا بين القانون والمصلحة، دار النهضة العربية، ط1، 2001.
20- علي ابراهيم ، الوسيط في المعاهدات الدولية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى 1995.
21- علي صادق أبو هيف ، القانون الدولي العام ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، بدون سنة نشر.
22- ابراهيم شحاتة، معاملة الاستثمارات الأجنبية في مصر، دار النهضة العربية ، 1982.
23- ……..، الضمان الدولي للاستثمارات الأجنبية ، دار النهضة العربية ،القاهرة 1971.
24- عجة الجيلالي، الكامل في القانون الجزائري للاستثمار بين الأنشطة العادية و قطاع المحروقات، دار الخلدونية ، الجزائر، 2006.
25- بلحاج العربي، النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الجزائري، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، 2007.
26- محمد الصغير بعلي، دروس في المؤسسات الإدارية ، منشورات باجي مختار، عنابة ، بدون سنة إشهار.
27- هشام خالد ، الحماية القانونية للاستثمارات العربية ، مؤسسة شباب الجامعة ، 1988.
28- عشوش أحمد عبد الحميد ، النظام القانوني للاتفاقيات البترولية ، القاهرة ، 1985.
29- حسين موجي ، معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد ، دار النهضة العربية ، الطبعة 1994.
30- غضبان مبروك، المجتمع الدولي،الأصول والتطور والأشخاص، ديوان المطبوعات الجامعية،بن عكنون، 1994.
31- يحي عبد الرحمان ، الجوانب القانونية لمجموعة الشركات عبر الوطن ، دار النهضة العربية ، 1994.
32- كريم النعمة النوري ، آفاق العولمة في البلدان النامية ، دار الإصدار البلغارية ، 2005.
33- ضياء مجيد الموسوي، العولمة و اقتصاد السوق الحرة ، بدون دار إصدار ، و سنة النشر.
34- رضا عبد السلام ، محددات الاستثمار الأجنبي المباشر في عصر العولمة ، دار السلام، 2002.
35-صلاح الدين حسن السيسي، الشركات متعددة الجنسيات وحكم العالم، عالم الكتب، القاهرة، ط01،2003.
36- حسن عطية الله،سيادة الدول النامية على موارد الأرض الطبيعية،دراسة في القانون الدولي للتنمية الاقتصادية، القاهرة، طبعة 1978.
37- جمال عبد الناصر مانع ، التنظيم الدولي ، دار العلوم النشر و التوزيع ، عنابة 2006.
38- أسامة المجدوب، الجات ومصر والبلدان العربية من هافانا إلى مراكش، الدار المصرية، اللبنانية، القاهرة، 1996.
39- مصطفى سلامة حسين، التنظيم الدولي للشركات المتعددة الجنسيات، دار النهضة العربية ، القاهرة، 1982.
40- ….قواعد الجات، الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،1998.
41- مني محمود مصطفى عبد الرحمان ، الحماية الدولية للاستثمار الأجنبي المباشر و دور التحكيم في تسوية منازعات الاستثمار، دار النهضة العربية 1990.
42- محمد سامي عبد الحميد، ومصطفى حسين سلامة، القانون الدولي العام، بيروت، الدار الجامعية، 1988.
43- …………. و محمد السعيد الدقاق، القانون الدولي العام ، منشاة المعارف ، الإسكندرية ، 2004.
44- علي عبد الفتاح أبو شرار، الاستثمار الدولي نظريات وسياسات، دار المسيرة، عمان الأردن، ط 1،2007
45-خليل حسن، قضايا دولية معاصرة ،دراسة موضوعات في النظام العالمي الجديد، دار المنهل اللبناني ط1،2007
46-جميل العسفي،الاستثمار العربي والأجنبي والمخاطر غير التجارية التي يتعرض لها، مطبعة الطربين،دمشق،ط1، 2002.
47- محمد المجدوب ، القانون الدولي العام ، منشورات الحلبي الحقوقية ، الطبعة الخامسة، 2004.
48- محمد طلعت العتيبي، مدى اعتبار العقود ذات الطبيعة الخاصة (عقد امتياز) من قبل المعاهدات الدولية ، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1983.
49- جلاء وفاء محمدين، التحكيم تحت مظلة المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية ، بدون تاريخ، النشر.
50-…. التحكيم بين المستثمر الأجنبي و الدولة المضيفة للاستثمار، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2001
51- صلاح الدين جمال الدين، عقود نقل التكنولوجيا، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية، 2005.
52- حسام الدين فتحي ناصف، المركز القانوني للأجانب، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1996.
53- محمد بولهان ، الأسس الجديدة للاستثمار في الجزائر ، دار الملكية للنشر ، الجزائر ، 2000.
54- عبد الحميد الغزالي ، مقدمة في الاقتصاديات للكلية، دار النهضة العربية، القاهرة ، الطبعة 1985.
55- محمد بوسلطان بوعلي ، مبادئ الاقتصاد، دار النهضة العربية، القاهرة ، الطبعة 1979.
56- عبد العزيز سعد النعماني ، المركز القانوني للمستثمر الأجنبي في اليمن و مصر ، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة ، الطبعة الأولى 2002
58-……التحكيم التجاري الدولي في الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، الطبعة الثالثة ، 2005.
59- ابراهيم أحمد ابراهيم، القانون الدولي الخاص ، الجزء الأول، الاختصاص القضائي الدولي و الآثار الدولية للأحكام، دار النهضة العربية، القاهرة ، 1995.
60-حفيظة السيد حداد،الموجز في النظرية العامة في التحكيم التجاري الدولي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة1،2004
61- أبو زيد رضوان، الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي، دار الفكر العربي، بدون دار الإصدار، 1981
62- نوري مرزة جعفر،المنازعات الإقليمية في ضوء القانون الدولي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، بدون سنة الطبع.
63-نزيه عبد المقصود مبروك،الآثار الاقتصادية للاستثمارات الأجنبية،دار الفكر الجامعي،الإسكندرية،ط1- 2007
64- محمد كمال فهمي، أصول القانون الدولي الخاص، مؤسسة الثقافة الجامعية، الطبعة الثانية، 1978،
65- محمد عباس محرزي، اقتصاديات الجباية و الضرائب، دار هومة بوزريعة ، الجزائر، 2004.
66-…….اقتصاديات المالية العامة، ديوان المطبوعات الجامعية ، بن عكنون ، الجزائر، الطبعة الثانية، 2005.
67- علي زغدود ، المالية العامة، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، الطبعة الثانية، 2006.
68- سوزي عدلي ناشد، الوجيز في المالية العامة، دار الجامعة الجديدة للنشر، الاسكندرية ، 2008.
69- محمد طاقة، هدى القراوي، اقتصاديات المالية العامة، دار المسيرة ، عمان الأردن، 2005.
70- عطية عبد الحكيم صقر، الازدواج الضريبي في التشريع المالي الإسلامي و التشريع المالي المعاصر، دراسة مقارنة، بدون دار للنشر، بلا سنة طباعة.

02- الأطروحات و الرسائل و المذكرات الجامعية.
 رفيق عطية للكسار، الحمية الدبلوماسية لرعايا الدولة، رسالة دكتوراه ، جامعة القاهرة، ط 1998.
 نور الدين بوسهوة،المركز القانوني للمستثمر الأجنبي في القانونين الدولي و الجزائري، رسالة دكتوراه، جامعة سعد دحلب، البليدة، 2005.
 حسان نادية ، أسباب فشل الأمر رقم: 03-02 المتعلقة بالمناطق الحرة كآلية لتنفيذ الإستراتيجية الجزائرية في مجال الاستثمار ، مقاربة قانونية على ضوء التشريعات المقارنة، أطروحة دكتوراة ، كلية الحقوق بن عكنون ، جامعة الجزائر، 2007.
 حسن طالبي ، تسوية المنازعات في القانون الجزائري للاستثمارات ، رسالة لنيل شهادة دكتوراه دولة في القانون الخاص، كلية الحقوق بن عكنون ، جامعة الجزائر ، 2006
 كعباش عبد الله، الحماية الوطنية و الدولية للاستثمار الأجنبي و ضمانه من المخاطر غير التجارية في الدول النامية، رسالة ماجيستر ، كلية الحقوق ، بن عكنون ، جامعة الجزائر، 2002.
 العربي منور ، تطور مبدأ سيادة الدولة على الموارد و الثروات الطبيعية في إطار الأمم المتحدة، رسالة ماجيستر ، كلية الحقوق ، بن عكنون ، جامعة الجزائر، 1982.
 بن سويح خديجة، النظام القانوني للاستثمار في الجزائر، مذكرة ماجستير، فرع قانون المؤسسات، كلية الحقوق ، بن عكنون، جامعة الجزائر، 1982.
 خذر محمد ، الحماية الدبلوماسية للفرد في القانون الدولي العام، مذكرة ماجستير، فرع القانون الديبلوماسي، كلية الحقوق ، جامعة الجزائر، 2008.
 لحسن زايدي ، الأساس القانوني للحماية الدبلوماسية في القانون الدولي العام ، مذكرة ماجستير ، فرع القانون الدولي و العلاقات الدولية، كلية الحقوق ، بن عكنون ، جامعة الجزائر، 2007.
 مولود مديه، العرف كمصدر للقانون الدولي العام ، رسالة ماجيستير ، جامعة الجزائر، بدون سنة الطبع.
 بن صالح رشيدة، التنظيم الدولي للشركات متعددة الجنسيات، رسالة ماجيستير، كلية العلوم التجارية و الحقوق، بن عكنون ، الجزائر، 2002.
 خنفوسي عبد العزيز، التحولات الاقتصادية العالمية ، و أثرها على النظام الجبائي الجزائري، مذكرة ماجستير، معهد العلوم القانونية و الإدارية ، المركز الجامعي ، سعيدة، 2007.
 إبراهيم ديدي، الاتفاقيات الدولية لضمان الاستثمار، رسالة ماجستير، كلية الحقوق بن عكنون ، الجزائر.
 حدود الحوافز الضريبية في تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، رسالة ماجستير كلية الحقوق، بن عكنون، الجزائر، 2003.

03-المقالات و الأبحاث:

01- محمد لبيب شقير، مفهوم التنمية العربية في ضوء الفكر التنموي المعاصر، صندوق النقد العربي، الكويت 1981.
02- محمود سمير الشرقاوي، المشروع المتعدد القوميات و الشركة القابضة كوسيلة لقيامه، مجلة مصر المعاصرة، العدد 03، 04-10-1975.
03- فوزي النعيمي ، المنظمات غير الحكومية “NGOS” ومساهمتها في المسائل المرتبطة بالسياسات الاقتصادية الدولية، بحث منشور في مجلة الحقيقة ، جامعة أدرار، العدد 07، ديسمبر 2005.
04- زهير الحسيني ، مشكلة العقيدة القانونية للقاعدة العرفية في القانون الدولي العام، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 45، 1989.
05- خالد محمد جمعة،إنهاء الدولة المضيفة ، اتفاقية الاستثمار مع المستثمر الأجنبي ، العدد الثالث، سبتمبر 1999.
06- يوسفي محمد، مضمون و أهداف الأحكام الجديدة في المرسوم التشريعي 93-12 المتعلق بترقية الاستثمارات ، مجلة المدرسة الوطنية للإدارة ENA ، المجلد 09 ، العدد 02 ، 1999.
07- أحمد صادق القشيري ، التأميم في القانون الدولي الخاص، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، العدد الثالث 1987.
08- محمود عبد الحميد سليمان، الحماية الدبلوماسية للمال الأجنبي، المجلة المصرية للقانون الدولي ، المجلد 58، 2002.
09- عبد القادر القادري، دول الحماية الدبلوماسية ، مقال منشور مجلة المغربية للقانون و السياسة و الاقتصاد، كلية العلوم القانونية و السياسة و الاقتصاد ، الرباط ، العدد 12، 1982.
10- النويصي عبد العزيز، أحكام الاستثمار الأجنبي الخاص في القانون الدولي المعاصر، مجلة القانون و الاقتصاد، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، فاس ، العدد 02، 1986.
11- أحمد عبد الكريم سلامة، الحماية الدبلوماسية و مشكلة تعدد الجنسيات، مجلة الدراسات الدبلوماسية ، العدد 09، الرياض 1982.
12- محمود خليل، العولمة والسيادة، إعادة صياغة وظائف الدولة، سلسلة دراسات إستراتيجية الأهرام، العدد 136، فبراير 2004.
13- حسن نافعة ، الأمم المتحدة في نصف قرن، دراسة في تطوير التنظيم الدولي منذ 1945، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت، عدد أكتوبر 1995.
14- عيسى محمد الغزالي ، الاستثمار الأجنبي المباشر، تعاريف و قضايا، مقال منشور في مجلة جسر التنمية ، السنة الثالثة، 2004.
15- إبراهيم شحاتة، القواعد الإرشادية للبنك الدولي، مجلة مصر المعاصرة، العدد 427، يناير 1992.
16- …….. ، دور البنك الدولي في تسوية منازعات الاستثمار ، المجلة المصرية للقانون الدولي ، مجلد 41، 1985.
17-………….، المشروعات المشتركة في إطار التعاون العربي، مجلة السياسة الدولية، العدد 40، أفريل 1975.
18- عبد الوهاب شمام، البلدان النامية (النظام الاقتصادي العالمي الراهن)، مجلة العلوم الإنسانية ، العدد 10، 1998.
19- مصطفى محمود عبد العال عبد السلام، دور المنظمات غير الحكومية في حماية المستهلك (حالة مصر)، مقال منشور في مجلة اقتصاديات شمال إفريقيا، العدد 04 ، جامعة حسيبة بن بوعلي، شلف ، جوان 2006.
20- حسن بدر ألخالدي ، مهن حميد الربيعي، الأهداف الإنمائية في ظل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، مقال منشور في جريدة الصباح العراقية ، العدد 1628، المؤرخة في 19-03-2009.
21- محمود حافظ غانم ، ضمان استثمار الأموال العربية ، بحث قانوني منشور في مجلة المعاصرة، العدد 349، السنة 63، مطابع الأهرام التجارية، القاهرة ، يونيو 1972.
22- أحمد شرف الدين، استثمار المال العربي (تأثير فكرته الاقتصادية في قواعده القانونية ، دارسة منشورة في مجلة مصر المعاصرة، العدد 393، 394، السنة 74، مطابع الأهرام، القاهرة، يوليو 1983.
23- سلطان أحمد بن سليم ، دور المناطق الحرة في تحقيق التنمية الاقتصادية، دراسات اقتصادية ، السنة الأولى ، العدد 03، (1999-2000).
24- صالح عبد الرحيم، مقال بعنوان : الاستثمار الأجنبي ، و حدود الأمن القومي العربي، منشور بمجلة الأهرام الاقتصادية ، السنة 426، العدد 2006، المؤرخة ب 05 -03- 2009.
25- إبراهيم العناني ، الاتفاقيات الدولية في مجال الاستثمار و الازدواج الضريبي و أهميتها في جلب الاستثمار ، مجلة الاستثمار، إصدار الهيئة العامة للاستثمار و المناطق الحرة في مصر، العدد 03، 2000.
26- فؤاد رياض ، الحصانة القضائية للدولة، دراسة منشورة بالمجلة المصرية للقانون الدولي، رقم 19-163.
27- محمد يوسف علوان، تسوية منازعات الاستثمار العربية، مجلة الوحدة الاقتصادية العربية الصادرة عن الأمانة العامة لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية ، السنة الثالثة، العدد 07.
28- المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، الاتجاهات التشريعية لمعاملة الاستثمار ضريبيا في القانون المقارن، و التشريعات العربية، بحث منشور في ندوة المعاملة الضريبية للاستثمار العربي الوافد في الأقطار العربية، عمان ، الأردن، 23-10-1984.
29- السيد عبد المولى، المعاملة التفصيلية الضريبية للاستثمارات الأجنبية في قوانين البلاد العربية، بحث منشور ضمن دراسات حول ضمانات الاستثمار قوانين البلاد العربية، معهد البحوث و الدراسات العربية، القاهرة 1978.
30- منصور قرح السعيد، النظام القانوني للاستثمار الأجنبي، مجلة الحقوق الكويتية، العدد 03، السنة 27، 09-2003.

04- التقارير و الدوريات:
1-.ابراهيم شحاتة، التعليق على اتفاقية استثناء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 41، 1985.
2-. عبد الله عبد الكريم عبد الله، ضمانات الاستثمارات الأجنبية ضد المخاطر غير التجارية ، دراسة في أحكام اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار، ورقة عمل مقدمة ضمن أعمال المؤتمر القانوني الجديد في عمليات التأمين (الضمان)، المنعقد في الفتة بين 24-26 أفريل، جامعة بيروت ، لبنان، 2006.
3-. التقرير أو الدراسة التي أعدها الصندوق الكويتي للتنمية و المقدمة ضمن الاجتماع الثاني لخبراء تمويل العرب، 2006، بشأن الاتفاقيات المعومة و تبادل القروض الإفريقية.
4-. التقرير الصادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ، سنة 1979، بشأن الاستمارات .
5-. تقرير بنك الإسلامي للتنمية ، منشورات بنك جدة، 1985
6-.المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، المناطق الحرة، ورقة قدمت إى ندوة المعاملة الضريبية للاستثمار العربي الوافد في الأقطار العربية ، عمان 22-23 أكتوبر 1984.
7-.دوائر البحوث الاقتصادية في غرفة التجارة و الصناعة ، عمان، المناطق الحرة و دورها في تشجيع الاستثمارات، ورواج تجارة إعادة التصدير، دراسات اقتصادية ، السنة الأولى ، العدد الثالث (1999-2000).
8-. تقرير اجتماع لجنة الاستثمار و التكنولوجيا و القضايا المالية المتصلة بذلك، ورقة قدمت إلى اتفاقيات الاستثمار الدولية ، المفاهيم التي تسمح بدرجة معينة من المرونة لصالح تقرير النمو و التنمية ، مؤتمر الأمم المتحد و التنمية (UNCTED) .في 24-26-03-1999.
9-.فايز الحق، المدلول القانوني لميثاق الحقوق و الواجبات الاقتصادية للدولة، ملتقى القانون الدولي.
10-.تقرير الاستثمار العالمي لعام 2002، الصادر عن برنامج مع الأمم المتحدة الإنمائي.

05-المواثيق و النصوص التشريعية و الاتفاقيات الدولية:
1-. ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945.
2-.اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961.
3-.اتفاقية الوكالة الدولية لضمان الاستثمار 1987.
4-.اتفاقية إنشاء المؤسسة العربية لضمان الاستثمار 1971.
5-.اتفاقية الدولية الخاصة بالاعتراف و تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لسنة 1958.
6-.الدستور المصري لعام 1971.
7-.الدستور اليمني لعام 1994.
8-.ميثاق هافانا لسنة 1948.
9-.الاتفاقية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لحقوق الإنسان لعام 1966.
10-.ميثاق الحقوق و الواجبات الاقتصادية للدول لسنة 1974.
11-.اتفاقية إجراءات الاستثمار المتصل بالتجارة في إطار المنظمة العالمية للتعاون .
12-.اتفاقية تشجيع رؤوس الأموال العربية و انتقالها بين الدول العربية سنة 1970.
13-.معاهدة تشجيع الاستثمار بين ألمانيا الاتحادية و اليمن لعام 1994.
14-.التشريع السوري المتعلق بقانون الاستثمار لعام 1991، القانون رقم 63-277 ، المؤرخ ف 28-07-1963 المتعلق بقانون الاستثمار.
15-.القانون رقم 90-10 المؤرخ في 14-04-1990، المتعلق بالنقد و القرض.
16-.الاتفاقية الثنائية المبرمة في عمان بين حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وحكومة الجمهورية الإيطالية بتاريخ 21-07-1996.
17-.اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين مصر و اليونان عام 1995 ، الجريدة الرسمية ، العدد 31 ، الصادرة في 03-08-1995.
18-.اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات بين مصر و جمهورية الأرجنتين عام 1994 ، الجريدة الرسمية ، العدد 07 ، الصادرة في 17-02-1994.
19-.اتفاقية الاستثمارات الثنائية بين مصر و كندا الموقعة في القاهرة في 13-11-1997 ، الجريدة الرسمية ، العدد 01 ، بتاريخ: 01-01-1998.
20-.اتفاقية الاستثمارات الثنائية بين مصر و هولندا 1996،الجريدة الرسمية،العدد 15 ، بتاريخ: 01-04-1998.
21-.اتفاقية الاستثمارات بين مصر و الصين ،1994، الجريدة الرسمية ، العدد 94، الصادر في 12-12-1995.
22-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر و اتحاد المغرب، عدم الخضوع للازدواج الضريبي ، و وضع أسس التعاون المشترك في ميدان الضريبة على الدخل العربي في 23-07-1990، بموجب المرسوم الرئاسي رقم 90-424 المؤرخ في 22-12-1990 ، الجريدة الرسمية رقم 06 لسنة 1991
23-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر و إيطاليا، عدم الخضوع للازدواج الضريبي في مادة الضريبة على الدخل و الثروة و الوقاية من التهرب و الغش الجبائي، في 23-02-1991، بموجب المرسوم الرئاسي رقم : 91-231 المؤرخ في 20-07-1991 الجريدة الرسمية رقم 35 لسنة 1991
24-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر وتركيا عدم الخضوع للازدواج الضريبي في مادة للضريبة على الدخل والثروة في 02-08-1994بموجب المرسوم الرئاسي رقم 94-395 المؤرخ في 02-10-1994 الجريدة الرسمية رقم65 لسنة 1994
25-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر و رومانيا، عدم الخضوع للازدواج الضريبي في مادة الضريبة في 28-06-1994 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 95- 186 المؤرخ في 15-07-1995، الجريدة الرسمية رقم 37 لسنة 1995
26-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر و اندونيسيا ، عدم الخضوع للازدواج الضريبي و قواعد التعاون للتبادل في مادة الضريبة على الدخل و الثروة في 28-04-1995 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 97-342 المؤرخة في 13- 09 -1997، الجريدة الرسمية رقم 61 لسنة 1997
27-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر وجنوب ايفريقيا، عدم الخضوع للازدواج الضريبي و الوقاية من التهرب الجبائي في مادة الضريبة على الدخل، في 28-04-1998 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 2000 – 95 المؤرخ في 04-05-2000، الجريدة الرسمية رقم 26 لسنة 2000
28-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر و كندا، عدم الخضوع للازدواج الضريبي و الوقاية من التهرب الجبائي في مادة الضريبة على الدخل في 28-02-1999 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 2000 – 364 المؤرخ في 16-11-2000، الجريدة الرسمية رقم 68 لسنة 2000
29-.الاتفاقية الموقعة بين الجزائر و الأردن، عدم الخضوع للازدواج الضريبي و الوقاية من الغش و التهرب الضريبي، و وضع قواعد التعاون المشترك، في 16-09-1997 بموجب المرسوم الرئاسي رقم 2000 – 427 المؤرخ في 17-02-2000، الجريدة الرسمية رقم 79 لسنة 2000
30-.المرسوم الرئاسي رقم03-370 المؤرخ في: 23-10-2003 المتضمن التصديق على الاتفاقية بين الجمهورية الجزائرية و حكومة دولة الكويت لتشجيع و حماية الاستثمارات الموقعة بتاريخ: 30-09-2001 ، بالكويت، الجريدة الرسمية العدد 68 المؤرخة في 02-11-2003.
30-.المرسوم الرئاسي رقم 03-525 المؤرخ في: 30-12-2003 المتضمن التصديق على الاتفاقية بين الجمهورية الجزائرية و حكومة دولة الدانمارك، حول الترقية والحماية المتبادلة للاستثمارات الموقعة بتاريخ 25-12-1999، الجريدة الرسمية العدد 02 المؤرخة في: 07-01-2004.
31-.المرسوم الرئاسي رقم 04-327 المؤرخ في: 10-10-2004 المتضمن التصديق على الاتفاقية بين الجمهورية الجزائرية و حكومة سلطنة عمان، لتشجيع و حماية الاستثمارات الموقعة بالجزائر، بتاريخ: 09-04-2000، الجريدة الرسمية العدد 94، المؤرخة في: 26-06-2002.
32-.المرسوم الرئاسي رقم 02-223 المؤرخ في: 22-06-2002 المتضمن التصديق على الاتفاقية بين الجمهورية الجزائرية و حكومة سلطنة عمان لتشجيع و حماية الاستثمارات الموقعة بتاريخ: 09-04-2000 ، الجريدة الرسمية العدد 44 المؤرخة في: 26-06-2002.
33-.المرسوم الرئاسي رقم 03-65 المؤرخ في: 08-12-2003 المتضمن التصديق على الاتفاقية بين الجمهورية الجزائرية و حكومة دولة لتشجيع و الحماية المتبادلة للاستثمارات الموقعة بالجزائر بتاريخ: 11-06-2000 ، الجريدة الرسمية العدد 10 المؤرخة في: 16-02-2003.
34-المرسوم الرئاسي رقم 91 -354 المؤرخ في: 05-10-1991 المتضمن التصديق على الاتفاقية بين الجمهورية الجزائرية و الاتحاد الاقتصادي البلجيكي اللكسمبورغي لتشجيع و حماية الاستثمارات المتبادلة، الجريدة الرسمية رقم 01 لسنة 1994.
35- المرسوم الرئاسي رقم: 90-01 المؤرخ في:02-01-1994 المتعلق بالمصادقة على الاتفاق بين الجزائر و فرنسا لتشجيع و حماية الاستثمارات ، الجريدة الرسمية رقم: 01 لسنة 1994.
36-.المرسوم الرئاسي رقم: 94-328 المؤرخ في:22-10-1994 المتعلق بالمصادقة على الاتفاق المبرم بين الجزائر و رومانيا لتشجيع و حماية الاستثمارات ، الجريدة الرسمية رقم: 69 لسنة 1994.
37-.المرسوم الرئاسي رقم 95-88 المؤرخ في 24 شوال 1415 المتضمن المصادقة على الاتفاق المبرم بين الحكومة الجزائرية و المملكة الإسبانية ، و المتعلق بالترقية و الحماية المتبادلة لتشجيع و الحماية للاستثمارات المتبادلة، الموقع في: مدريد في 23-12-1994،العدد 23 ، لسنة 1995.