تباينت آراء الفقه الجنائي حول الطبيعة القانونية لأصل البراءة، ومن أجل الوقوف على ذلك التباين، نبين في فروع خمسة رأي كل منهم وعلى الوجه الآتي:-

الفرع الأول / البراءة بعدّها حيلة قانونية

يقصد بالحيلة القانونية أو ما يعرف بـ” الفن القانوني”، بأنها احدى وسائل الصياغة القانونية التي تجعل الشيء غير الصحيح صحيحاً، توصلاً لأثر قانوني معين، لولاها لما أمكن ترتيب هذا الاثر(1). وقد دفع بعض من الفقه الجنائي، إلى ان “أصل البراءة” مثال واضح للحيلة القانونية – وخاصة عند التلبس بالجريمة- بل وصفت “البراءة” بأنها احد أكاذيب القانون(2)، استناداً إلى ان القانون قد وضع بهذا الأصل “قناع البراءة” على المتهم، بغض النظر عن الوقائع المنسوبة اليه أو ادلتها، بقصد ترتيب نتيجة أو نتائج قانونية معينة، تظهر في مدى الحرية الشخصية التي يجب ان يتمتع بها المتهم خلال الخصومة الجنائية، والتي يعكسها القانون إلى ضمانات لتوفير محاكمة منصفة، فضلاً عن تأثير هذه الحيلة في قواعد الإثبات الجنائي، فلا يتحمل المتهم عبأها، بل ويخضع للمعاملة التي تتفق مع كونه شخصاً بريئاً(3). في الواقع لا يمكن عدّ براءة الإنسان بمثابة حيلة قانونية، لأن هذه الحيلة لا تجد لها – في الأحوال جميعها – أي تطبيق في مجال قواعد القانون الجنائي بأسره(4). كما ان أصل البراءة ليس امراً مصطنعاً بل هو أمر فطر عليه الإنسان وحق من حقوقه الأساسية، بل هو ضمان لا غنى عنه في تأسيس الديمقراطية التي لا تقوم الا على احترام حقوق الإنسان(5). فضلاً عن ان الإثبات في المواد الجنائية – حيث تنعكس احكامه بطريقة مباشرة على حق المتهم في حماية سمعته وحريته وشرفه، وحق المجتمع في تجريم يقيني قائم على الحق والشرعية – لا ينبغي – عند عدد كبير من فقهاء القانون الجنائي – ان نستعين فيه بالحيلة، فإذا كان استخدام الحيلة حتماً في المواد المدنية، باحتساب القاضي المدني مكلف حتماً بإيجاد حل للنزاع، على نحو يكون حرمانه من استخدام الحيل والقرائن نوعاً من التعجيز، فإن القاضي الجنائي ليس مكلفاً بإيجاد حل للنزاع، بل هو مكلف بكشف الحقيقة، فإن تيقن من وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم اصدر حكمه بالإدانة، والا فإن عليه ان يصدر الحكم ببراءة المتهم مما نسب اليه من اتهام(6).

الفرع الثاني / البراءة بعدّها حق شخصي

لم ينته الاتجاه السابق إلى القبول في القانون الجنائي، لذا ذهب جانب آخر من الفقه الجنائي إلى ان “اصل البراءة” ما هو الا حق من الحقوق اللصيقة بالشخصية، تلك الحقوق التي تثبت اساساً لكل فرد في المجتمع كونه من بني الإنسان، بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، وهو حق يثبت له منذ ميلاده، ولا يتصور امكان الحرمان منه لأي سبب أو مبرر(7). ويعد الحق في البراءة الأصلية من الحقوق الأساسية للإنسان، يواجه به السلطة إذا ما تعرض للاتهام، فحق الدولة في توقيع العقاب على المتهم، وسلطتها في جمع الأدلة واتخاذ الإجراءات الجنائية ضده – من استجواب وقبض وتفتيش وغيرها من إجراءات التحقيق والمحاكمة – يمنح الدولة سيطرة على المتهم الذي يقف امامها في موقف اضعف قد يؤدي بحريته، ولا سبيل له في كثير من الأحيان سوى ان يلوذ بحقه الأصيل في ان الأصل في المتهم البراءة(8). وعليه يقرر انصار هذا الجانب – حول الجدل الفقهي في طبيعة اصل البراءة – بأن هذا الأصل “حق شخصي عام” فهو حق شخصي لأنه يستهدف حماية مصالح المتهم بتمكينه من ان يحاكم محاكمة عادلة، والدولة عليها ان تلتزم بتوفير ضمانات هذه المحاكمة، والتي يكمن اساسها (هذه المحاكمة وضماناتها ) في اصل البراءة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو حق يتسم بالعمومية لأنه فضلاً عن حمايته لمصلحة المتهم، يحقق مصلحة عامة متمثلة في كشف الحقيقة، واستيفاء حق المجتمع في العقاب ممن تعدى على المصالح التي يحميها القانون، حفاظاً على كيانه ودعماً لاستقراره(9). وذلك ما دفع بعض الفقه للقول بأن الحق في احترام البراءة يتطابق في الشكل والمضمون مع غيره من الحقوق اللصيقة بالشخصية بصفة عامة، فكما لا يترتب على الترخيص بكشف مكنون السرية في حالات خاصة، الحرمان من هذا الحق، وكما يحدث بجواز تقييد الحرية دون زوال الحق فيها، فإنه ايضا لا يترتب على ثبوت التهمة على المتهم، نشوء حالة واقعية مؤداها انهيار ذلك الحق، ومن ثم الحرمان من مكانته(10). جدير بالذكر في هذا المجال ان التقنين المدني الفرنسي اضاف مؤخراً، المادة (9/1) المتعلقة بأصل البراءة، والتي تميزت بخصوصية، تمثلت في انها قد رفعت من مقام هذا الأصل ليصبح حقاً من الحقوق الشخصية(11). بيد ان فكرة الحقوق الشخصية، كحقوق يحتج بها في الرابطة القانونية بين الأفراد والدولة، لم تلق قبولاً من قبل البعض – يتصدرهم الفقه التقليدي الألماني – قولاً بأن الدولة صاحبة حق ذاتي في السيادة، وهذا يعطيها مكنة فعل ما تريد، فالقانون من صنعها، ومن ثم لا يتصور – على وفق تصورهم – ان يولد التزاماً على عاتقها قبل الأفراد الذين تمارس عليهم تحكماً وعليه فلا حق لهم عليها(12). فضلاً عن أن فكرة الحقوق اللصيقة بالشخصية فكرة مدنية، اما اصل البراءة فلا يخص سوى القانون الجنائي، حتى وان ترتبت عليه بعض الآثار المدنية المتمثلة في التعويض عن الاعتداء عليها. فإذا كان المشرع الفرنسي قد نص في القانون المدني على الحق في احترام اصل البراءة، وذلك في الموضع المخصص لحماية الحياة الخاصة – بعدّ القانون المدني هو القانون الأعم – فإن الفقه قد انتقد هذا الوضع، مما حدا هذا الامر بالمشرع إلى النص على اصل البراءة في قانون الإجراءات الجنائية، وذلك لأنه ثمة فارق بين احترام الحياة الخاصة واصل البراءة، فالأولى لها آثار مدنية بصفة أساسية، في حين ان الثانية لا تتعلق بغير القانون الجنائي، مما يتعين معه ان يكون النص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، وبصفة خاصة في القسم الخاص بالإثبات(13).

الفرع الثالث / البراءة بعدِّها مبدأً قانونياً

إزاء الرفض السابق لعدّ البراءة حيلة قانونية أو حق شخصي، اتجه كثير من فقهاء القانون الجنائي إلى الوجهة التي تقرر بأن الأصل في الإنسان البراءة هو مبدأ اصيل وثابت لا يحتمل التغيير أو التعطيل في القانون الجنائي(14). ومن ثم فهو مبدأ أساسي في العدالة الجنائية يتسم بالاستقرار والسمو، وجوهره ان يتمتع المتهم بكافة ما تمليه نتائج هذا المبدأ من الحرية والكرامة الإنسانية(15). واذا كان انصار هذا الاتجاه حول طبيعة اصل البراءة، قد اتفقوا بأنه مبدأ ثابت لا يمكن تجاهله في دولة يسودها القانون والعدالة الإنسانية، الا انهم لم يكونوا بوضع متحد حول مجال تطبيق البراءة بعدها مبدأ. فالبعض يُعدّه مبدأ في القانون الجنائي أو العدالة الجنائية بصورة عامة(16). والبعض الآخر يخص تطبيق هذا المبدأ في اطار الإجراءات الجنائية فحسب(17). الا ان البعض يتوسع في مجال تطبيقه فيعدّ اصل البراءة مبدأ من مبادئ النظام القانوني عموماً(18). بينما يورده آخرون كونه من مبادئ النظام الديمقراطي فحسب(19). غير ان البعض من الفقه الجنائي يؤكد بأنه يشمل ذلك كله بعدِّهِ مبدأً إنسانياً عاماً(20).

الفرع الرابع/ البراءة بعدِّها قرينة قانونية

إذا كان للاتجاه الأخير – في الطبيعة القانونية لأصل البراءة – انصار ومؤيدون، فإن جانب غالب من الفقه الجنائي يعدّ البراءة “قرينة قانونية بسيطة”، بحيث يعود – على وفق هذا الاتجاه – مصدر وجودها للقانون نفسه(21). ولتوضيح الرأي الذي ينادي به هذا الاتجاه لابد لنا بداية من بيان ماهية القرينة القانونية؟. “القرينة”(22).هي استنباط امر غير ثابت من امر ثابت، والقرينة القانونية هي ما يستنبطه المشرع من واقعه معلومة للدلالة على واقعة مجهولة يراد اثباتها، فيقرر المشرع – بنص – انه ما دامت هناك واقعة ثابتة، فإن واقعة أخرى تثبت بثبوتها(23). والقرينة القانونية تقسم بدورها استناداً إلى حجيتها في الإثبات إلى قرينة قانونية قاطعة(24). وهي التي لها حجة مطلقة ولا تقبل اثبات العكس، كعدّ الصغير الذي لم يتم سن التاسعة غير مميز ولا يسأل جنائياً(25). والى قرينة قانونية بسيطة، وهي التي يمكن اثبات عكسها، ومثالها عدّ تخلف الشاهد عن الحضور امام المحكمة على الرغم من تبليغه، قرينة على امتناعه عن اداء الشهادة، الا انه يمكن إثبات عكس ذلك عندما يبدي الشاهد للمحكمة عذراً مقبولاً لتخلفه، مما يجوز لها ان ترجع عن الحكم الذي أصدرته بحق الشاهد بسبب تخلفه(26). ويذهب فقهاء هذا الاتجاه للتأكيد بأن اصل البراءة هو قرينة قانونية بسيطة، – والقرينة كما أسلفنا هي استنتاج مجهول من معلوم، والمعلوم – على وفق هذا التصور – هو ان الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يتقرر العكس بحكم قضائي وبناء على نص قانوني، وقوع الجريمة واستحقاق العقاب، اما المجهول المستنتج من هذا الأصل هو براءة الإنسان حتى تثبت ادانته بحكم قضائي بات(27). الا ان البعض من الفقه الجنائي انتقد هذا الاعتبار نافياً صفة القرينة القانونية عن اصل البراءة، مستنداً في ذلك إلى عدة اسباب يتمثل أبرزها فيما يأتي:-

أولا/ ان القول بأن الواقعة المعلومة (الثابتة ) – على وفق عدّ البراءة قرينة – تتمثل في مبدأ “الأصل في الأشياء الإباحة”، وان الواقعة المجهولة هي براءة المتهم، هو رأي قد جانب الصواب، لأن اصل البراءة امر معلوم وليس مجهول(28). فضلاً عن ذلك لا يتوافر في هذا الحسبان معيار الراجح الغالب مثل كل القرائن القانونية(29). فلا خلاف بين قاعدتي ان الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الإنسان البراءة، فهما قاعدتان متلازمتان، ولكل منهما مجالها القانوني، فقاعدة الأصل في الأفعال الإباحة قاعدة موضوعية تحمي الأفراد من خطر التجريم والعقاب بغير نص قانوني يحدد ماهية الأفعال المجرمة، ويقرر الجزاء الجنائي لها، فضلاً عن حماية الأفراد من خطر الأثر الرجعي للقانون(30). اما قاعدة الأصل في الإنسان البراءة، فهي قاعدة إجرائية تحمي حريات الأفراد في مواجهة السلطة، كما انها تمثل ضمان لاحترام حقوق الإنسان وحريته ومعاملته على انه إنسان برئ في مختلف مراحل الدعوى الجنائية(31).

ثانيا/ ان القرائن بأنواعها تتطلب واقعة أساسية يجب اثباتها أولا، حتى يمكن أعمال حكم القرينة، ولا ينطبق ذلك على اصل البراءة، الذي لا يتطلب إثبات واقعة أساسية حتى يجوز للمحكمة أعمال حكم الافتراض، ذلك انها ملزمة بأعمال حكمه ولو التزم المتهم الصمت(32) .

كما ان دور القرينة القانونية ينحصر في نقل عبء الإثبات أو في تسهيل عملية الإثبات، ومن المؤكد ان قرينة البراءة لا يقتصر دورها على جعل عبء الإثبات على عاتق سلطة الاتهام، وانما لها دور أساسي آخر لا يقل أهمية عما سبق، يتمثل في انها ضمان هام للحرية الفردية في مجال الإجراءات الجنائية، ومن ثم فإن نطاق تطبيقها لا يقتصر على مرحلة المحاكمة – كما هو الحال في القرينة القانونية – انما يمتد إلى المراحل السابقة عليها(33).

ثالثا/ ان بعض دول العالم لا تنص في قوانينها على قرينة البراءة، ومع ذلك فهي تعمل بها في واقع الامر، وذلك لأن اصل البراءة مبدأ إنساني عام، واصبح من البديهيات بحيث لا يحتاج إلى نص يلزم تطبيقه، ومن ثم فهو ليس قرينة قانونية، وإلا لأحتاج إلى مثل ذلك النص لتطبيقه في تلك الدول(34).

رابعا/ إذا كانت القرائن بأنواعها – فيما عدا القرينة القاطعة – تشترك في انها قابلة لإثبات العكس، وهي في ذلك تتفق مع افتراض البراءة، غير أن هناك فارقاً جوهرياً بين هذه القرائن وبين البراءة، يتجسد في ان البينة المتطلبة إثبات العكس في حالة افتراض البراءة، يجب ان تكون من القوة بحيث لا يتطرق اليها أدنى شك معقول، وليس الأمر كذلك بالنسبة لهذه القرائن(35).

جدير بالذكر في هذا الخصوص، ما خلصت اليه المحكمة الدستورية العليا في مصر – في قضاء لها – بأن اصل البراءة لا يتمخض عن قرينة قانونية، ولا هو من صورها، على أساس ان القرينة القانونية تقوم على تحويل للإثبات من محله الأصلي – ممثلاً في الواقعة مصدر الحق المدعى به – إلى واقعة أخرى، قريبة منها، متصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هي التي يعدّ إثباتها إثباتاً للواقعة الأولى بحكم القانون، وليس الامر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي افترضها الدستور، فليس ثمة واقعة أحلها الدستور محل واقعة أخرى، واقامها بديلاً عنها(36). هذه هي أهم الحجج التي استند اليها بعض من فقهاء القانون لنفي صفة القرينة القانونية عن البراءة، وفي المقابل تولى انصار القائلين بقرينة البراءة الرد عليها، وتأكيد تلك الصفة بالقول: ان فكرة القرينة القانونية تقوم على تبني المشرع للوضع الغالب والراجح من الأمور، ولاشك ان قرينة البراءة لها سند واقعي لا جدال فيه وتمثل جوهر الحقيقة، وهذا السند يكمن في الاعتبارِ القائل بأن الناس جميعاً خالون من الخطيئة إلى ان يثبت العكس، وان المجرمين لا يشكلون سوى أقلية بالنظر إلى المجموع الكلي لهؤلاء الناس(37). والقول بأن القرينة القانونية ينحصر دورها في تسهيل عملية الإثبات، في حين ان دور اصل البراءة يتجاوز مجرد نقل عبء الإثبات إلى دور آخر هام يتمثل في كونها ضماناً للحرية الفردية، ضد تعسف السلطات المختصة بالإجراءات الجنائية، وهو ما يجعلها متميزة عن القرينة القانونية، يرد على ذلك ان كون اصل البراءة أوسع نطاقاً من القرينة القانونية، لا ينفي ان ثمة قاسماً مشتركاً بينهما، وان هذا الفارق لا ينفي عنها صفة القرينة(38). اما القول بأن المشرع في بعض الدول لا ينص صراحة على قرينة البراءة، فإن ذلك لا ينفي عنها صفة القرينة، فإذا لم ينص القانون على قرينة البراءة صراحة، فإنه ينص على اهم نتائجها القانونية التي تتفرع عنها، كتلك المتعلقة بضمانات الحرية الشخصية، وتفسير الشك لصالح المتهم، كما هو الحال في القانون الأمريكي(39).

الفرع الخامس/ البراءة بعدِّها افتراضاً قانونياً

خرج هذا الاتجاه برأي مختلف عما سبق، إذ يذهب بعض من الفقهاء الجنائيين إلى عدِّ اصل البراءة افتراض قانوني، ولا يدحض هذا الافتراض سوى الحكم القضائي البات، مستندين في ذلك إلى ان الإنسان مولود برئ، وبقاءه كذلك من المفترضات الثابتة، استناداً إلى الراجح الغالب من الامور. ذلك ان هذا الافتراض يصف اعتقادنا بأن سلوك أي شخص في مناسبة ما يجب ان يفترض انه كان سلوكاً قانونياً، ما لم تكن هناك وقائع مضادة، وبعبارة أخرى، فإن هذا الافتراض يعني ان أي شخص يكون على البراءة فيما يأتيه من افعال، ما لم تكن هناك وقائع مخالفة تثبت العكس(40). وافتراض البراءة لا يتطلب اثبات واقعة أساسية، حتى يجوز للمحكمة أعمال حكم الافتراض، بينما تتطلب القرينة القانونية – عند عدِّ البراءة كذلك – واقعة أساسية يجب اثباتها أولا حتى يمكن أعمال حكم القرينة(41). وقد انتهت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى ان اصل البراءة هو افتراض قانوني، ذلك على أساس الفطرة التي جبل الإنسان عليها، فقد ولد حراً مبرأ من الخطيئة والمعصية، لذا يفترض على امتداد مراحل حياته ان اصل البراءة لازال كامناً فيه، مصاحباً له فيما يأتيه من أفعال إلى ان تنقض محكمة الموضوع بقضاء جازم – لا رجعة فيه – هذا الافتراض، في ضوء الأدلة التي يقدمها الادعاء العام، مثبتة بها الجريمة التي نسبتها اليه في كل ركن من أركانها، وبالنسبة إلى كل واقعة ضرورية لقيامها(42). رغم ذلك لا يمكن تأييد هذا الاتجاه والقول بأن طبيعة اصل البراءة تكمن في كونه افتراضاً قانونياً قابلاً لاثبات العكس. إذ ان الافتراض القانوني ما هو الا وسيلة عقلية لازمة لتطور القانون، تقوم على أساس افتراض امر مخالف للحقيقة دائماً، يترتب عليه تغيير حكم القانون، دون تغيير نصه(43). وبعبارة أخرى هو امر يفترض انه مطابق للحقيقة، لكنه في الواقع غير ذلك(44). فإذا سلمنا بالامر في عدِّ اصل البراءة افتراضاً قانونياً، فهذا يعني ان افتراض براءة الإنسان هو امر مخالف للحقيقة دائماً، ولاشك في انها نتيجة غير صحيحة، لا يمكن قبولها أو التسليم بها. فضلاً عما يؤكده كثير من الفقه الجنائي ان الافتراض لا يشكل قاعدة إثبات بل انه قاعدة موضوعية، ومن ثم فهي قاعدة لا تسهم في عملية الإثبات كما تسهم قاعدة اصل البراءة بنقل عبء الإثبات نحو سلطة الاتهام. حيث ان الافتراض يتجاوز نطاق الإثبات ويشوه الواقع الذي هو أساس عملية الإثبات، على نحو يستبعد معه كل إمكانيات الدليل العكسي(45). تلك كانت ابرز الاتجاهات في قراءة الفقه الجنائي حول الطبيعة القانونية لأصل البراءة، الا انه وفي نهاية هذا المطلب لابد من الإشارة لما انتهى اليه بعض من الفقه الجنائي من صيغة توفيقية لتلك الطبيعة.

إذ خلص البعض من الفقه الجنائي إلى ان “اصل البراءة” ذات طبيعة مزدوجة فمن ناحية تعد قرينة قانونية بسيطة، تتفرع عنها مجموعة من النتائج القانونية الملازمة لها، ومن ناحية أخرى تعدِّ مبدأ عاماً لأنها تمس الموضوع أو الجوهر المشترك للنظم القانونية الديمقراطية، وترجمة أو إنعكاساً لتصور سياسي معين للمجتمع والقانون الجنائي(46).الا ان البعض الآخر زاد على ذلك معداَ “اصل البراءة” مبدأ أساسيا في النظام الديمقراطي، كما انه مفترضاً من مفترضات المحاكمة المنصفة، الا انه في الأساس هو من حقوق الإنسان، بل ومن الحقوق الأساسية في الدساتير التي اخذت بهذا التعبير، ومن ثم اصل البراءة من الحقوق التي تنال الحماية الدستورية(47).

__________________

1- عطية علي عطية مهنا، “الإثبات بالقرائن في المواد الجنائية”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1988، ص135. مشار اليه لدى: السيد محمد حسن الشريف، المرجع السابق، ص459.

2- وهو رأي للفقيه “كورني – Corni”، انظر في ذلك:

Serge Guinchard et Jacques Buisson، Procedure Penale، Litec، 2000، P.290.

مشار اليه لدى: احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص251.

3- انظر في ذلك: احمد فتحي سرور، “الحماية الدستورية للحقوق والحريات”، المرجع السابق، ص595.

4- انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابو عامر، المرجع السابق، ص42 في الهامش.

5- انظر : احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص252.

6- انظر في هذا المعنى: محمد زكي ابوعامر، المرجع السابق، ص42.

7- احمد سلامة، “المدخل لدراسة القانون”، ج2، القاهرة، دار التعاون للنشر، 1974، ص170.

8- عدلي حسين، “الحماية الجنائية الإجرائية لحرمة الحياة الخاصة في النظام القانوني المصري”، بحث في كتاب “حقوق الإنسان”، م3، محمود شريف بسيوني وآخرين، دار العلم للملايين، بيروت، 1989، ص329.

9- انظر في هذا المعنى: حاتم بكار، “حماية حق المتهم في محاكمة عادلة”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997، ص54.

10- انظر في هذا المعنى: احمد ضياء الدين خليل، المرجع السابق، ص249.

11- انظر في تفصيل ذلك: اسامة ابو الحسن، ” الحماية المدنية للحق في قرينة البراءة”، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص5 وما بعدها.

إذ أضيفت تلك المادة في يناير، كانون الثاني 1993، والذي اعتبر “الحق في احترام قرينة البراءة” من الحقوق الأساسية في القانون الفرنسي، وهو حق واجب الاحترام، من جانب رجال العدالة، وكذلك من جانب كل من يتصور منه الاعتداء عليه – كوسائل الإعلام – الا انه في ظل وجود حق آخر من اكثر الحقوق قيمة بالنسبة للإنسان، وهو حقه في التعبير عن رأيه بحرية، فإن التصادم بين هذين الحقين واقع لا محالة. الا ان العديد من الأحكام الصادرة، تطبيقاً للمادة 9/1 من التقنين المدني الفرنسي أشارت إلى ان “الحق في قرينة البراءة”، يعلو على “الحق في حرية التعبير”.

12- حاتم بكار، المرجع السابق، ص54.

13- انظر في ذلك: السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص460.

14- انظر في ذلك:

– احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص246.

– عبدالستار الكبيسي، المرجع السابق، ص879.

– عبد الحافظ عبدالهادي عابد، “الإثبات الجنائي بالقرائن”، مطبعة الطوبجي، القاهرة، 1989، ص730.

– عبدالحميد الشواربي، “ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائية”، منشأة المعارف،الإسكندرية،1993، ص11

– اسامة عبدالله قايد، “حقوق وضمانات المشتبه فيه في مرحلة الاستدلال”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1989، ص140.

15- H. Wigmore، Atreaties on the Anglo – American System of Evidence، Val.9، 3rd ed، Boston، Little، Broun 8co.، 1940، P.407.

16- عمر فاروق فحل، ” حماية حقوق الإنسان عبر قانون اصول المحاكمات الجزائية”، من بحوث المؤتمر الدولي الثاني عشر للجمعية الدولية لقانون العقوبات، 1979، مجلة العدالة، الامارات، ع26، س8، يناير 1981، ص145.

17- جلال ثروت، “اصول المحاكمات الجزائية”، ج1، الدار الجامعية، بيروت، 1983، ص213.

18- عبدالحميد الشواربي، “ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الجنائي”، المرجع السابق، ص11.

19- احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص246.

20- احمد سعيد صوان، “قرينة البراءة وأهم نتائجها في المجال الجنائي”، المرجع السابق، ص156.

21- انظر في ذلك:

– محمد زكي ابو عامر، “الإثبات في المواد الجنائية”، المرجع السابق، ص42.

– احمد فتحي سرور، “الشرعية والإجراءات الجنائية”، المرجع السابق، ص124.

– عبدالحميد الشواربي، “الاخلال بحق الدفاع في ضوء الفقه والقضاء”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1997، ص128.

– محمد محدة، المرجع السابق، ص226.

– عبدالحكم فودة، “البراءة وعدم العقاب في الدعوى الجنائية”، المرجع السابق، ص466.

– محمد محمد مصباح القاضي، “حق الإنسان في محاكمة عادلة”، المرجع السابق، ص47.

22- وفي اللغة يقال قرن الشيء بالشيء أي وصله به، واقترن الشيء بغيره أي صاحبه، وقرينة الرجل امرأته.

انظر محمد ابو بكر الرازي، مختار الصحاح، المركز العربي للثقافة والعلوم، بيروت، بدون تاريخ، ص391.

23- محمود محمد هاشم، “القضاء ونظام الإثبات في الفقه الإسلامي والأنظمة الوضعية”، جامعة الملك سعود، الرياض، 1988، ص385.

اما القرينة القضائية فهي استنباط القاضي أمراً غير ثابت من أمر ثابت لديه في الدعوى المنظورة. انظر م (102) من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979.

24- جدير بالذكر ان الفقه الحديث لم يعد ينظر إلى القرائن التي لا تقبل اثبات العكس على انها قرائن بالمعنى الفني، وانما يعدها قواعد موضوعية، اراد المشرع ان يفرض احكامها على الناس دون ان يسمح باثبات عكسها.

انظرفي هذا المعنى:محمود نجيب حسني،”النظرية العامة للقصد الجنائي”،دار النهضة العربية،القاهرة،1988، ص40

25- م 3/1 من قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983.

26- انظر في معنى ذلك م (174 ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية، رقم 23 لسنة 1971.

27- انظر: احمد فتحي سرور، “الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1996، ص186.

28- اسامة عبدالله قايد، المرجع السابق، ص139.

29- محمود عبدالعزيز خليفة، “النظرية العامة للقرائن في الإثبات الجنائي في التشريع المصري والمقارن”، رسالة دكتوراه، جامعة عين شمس، القاهرة، 1987، ص747.

مشار اليه لدى السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص461.

30- انظر في تفصيل المبدأ ونتائجه: علي حسين الخلف، سلطان الشاوي، “المبادئ العامة في قانون العقوبات”، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، 1982، ص30 وما بعدها.

31- انظر في هذا المعنى: اسامة عبدالله قايد، المرجع السابق، ص140.

32- احمد ادريس احمد، “افتراض براءة المتهم”، المرجع السابق، ص73.

33- السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص461.

34- احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص156.

35- ويبدو ان هذا الشبه بين القرينة واصل البراءة، هو الذي جعل بعض الفقهاء يدرجون البراءة تحت هذا النوع من القرائن. انظر في هذا المعنى: احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص74.

36- دستورية عليا 3 يولية (تموز) 1995 في القضية رقم 25 سنة 16 قضائية دستورية.

مشار اليه ضمن الاحكام ذات المبادء في قضاء المحكمة الدستورية العليا المصرية في الموقع القانوني (البهاء) على شبكة الانترنت: www.aLbahaa.com

37- السيد محمد حسن شريف، المرجع السابق، ص462.

38- المرجع السابق، ص462.

39- انظر في هذا المعنى: ليونارد كافيس، “حقوق الإنسان في مرحلة المحاكمة في النظام الأمريكي للإجراءات الجنائية”، تقرير مقدم إلى المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي، الإسكندرية، 1989، ص361.

40- احمد ادريس احمد، المرجع السابق، ص73.

41- احمد سعيد صوان، المرجع السابق، ص156.

42- انظر: القضية رقم (5) لسنة 15/ قضائية دستورية/ في 20/5/1995، نشر بالجريدة الرسمية العدد رقم (23) بتاريخ 8/6/1996،. مشار اليه في شبكة الانترنت على موقع البهاء بعنوان www.albahaa.com .

43- ابو زيد عبدالباقي مصطفى، “الافتراض ودوره في القانون”، المطبعة العالمية، القاهرة، 1980، ص106.

44- وكان للافتراضات القانونية أهمية في التاريخ ولا يزال لها بعض الأهمية الآن في القانون، لأنه بوساطتها يتسنى مد نطاق القانون، بسد ما يظهر فيه من النقص، وكانت تستعمل في القانون الروماني لجعل احكام القانون تشمل الاشخاص الذين كان الواجب حمايتهم بمقتضى القانون، ولكن كان من غير المتيسر لهم الحصول على هذه الحماية بمقتضى الإجراءات القانونية المعقدة. انظر في تفصيل ذلك: محمد كامل مرسي، سيد مصطفى، “اصول القانون”، المطبعة الرحمانية، القاهرة، 1923، ص225.

45- انظر في اوجه الشبه والاختلاف بين القرينة والافتراض لدى: عبدالحافظ عبدالهادي عابد، المرجع السابق، ص242 وما بعدها.

46- رؤوف عبيد، “مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري”، دار الجيل للطباعة، ط16، القاهرة، 1985، ص738.

47- احمد فتحي سرور، “القانون الجنائي الدستوري”، المرجع السابق، ص246.

– وسوف نتناول تفصيلاً بيان رأينا في هذه المذاهب في المطلب الثاني (ص74) وما بعدها.

المؤلف : رائد احمد محمد
الكتاب أو المصدر : البراءة في القانون الجنائي

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .