تنص المادة 144 من قانون العقوبات العراقي على ما يأتي (للمحكمة عند الحكم في جناية او جنحة بالحبس مدة لا تزيد على سنة ان تأمر في الحكم نفسه بإيقاف تنفيذ العقوبة اذا لم يكن قد سبق الحكم على المحكوم عليه عن جريمة عمدية ورأت من أخلاقه وماضيه وسنه وظروف جريمته ما يبعث على الاعتقاد بأنه لم يعود الى ارتكاب جريمة جديدة وللمحكمة ان تقصر إيقاف التنفيذ على العقوبة الاصلية أو تجعله شاملا للعقوبات التبعية والتكميلية والتدابير الاحترازية واذا حكم بالحبس والغرامة معا جاز للمحكمة ان تقصر إيقاف التنفيذ على عقوبة الحبس فقط. وعلى المحكمة ان تبين في الحكم الاسباب التي تستند اليها في إيقاف التنفيذ)(1). يتبين من هذا النص أنه لابد لجواز الامر بوقف التنفيذ من توفر شروط معينة تتعلق بعضها بنوع الجريمة موضوع المحاكمة وبعضها بالعقوبة المحكوم بها والبعض الآخر بشخص المجرم وحالته.

1.الشروط المتعلقة بنوع الجريمة موضوع المحاكمة:

يجوز وقف التنفيذ بالنسبة للمادة 144 من ق.ع.ع. بالأحكام الصادر في الجنايات والجنح وغير جائز في المخالفات (2). قد كان من الأولى ان لا يقتصر جواز وقف التنفيذ على الجنايات والجنح بل ان يشمل المخالفات أيضاً، لان علة إيقاف التنفيذ تتوفر في المخالفات كذلك، اذ يتعرض المتهم بها للحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية هي بطبيعتها قصيرة المدة، فيتوافر بذلك المجال الذي يتاح فيه لنظام وقف التنفيذ ان يؤدي وظيفته العقابية (3). اما اذا رد بأن القسم الأكبر من المخالفات عبارة عن غرامات بسيطة لا يشين المحكوم عليه دفعها فالجواب على ذلك أن المحكوم عليه قد يتعذر عليه دفع الغرامة فتنفذ عليه بالإكراه البدني وهذا من شأنه ان يعرضه الى مساوئ الحبس قصير المدة ويجعله في موقف أسوأ من موقف المحكوم عليه في جناية او جنحة وفي ذلك تناقص واضح لا شك فيه (4)، وعليه كان المشرع العراقي ان يجيز وقف التنفيذ بالنسبة للمخالفات أيضاً.

2.الشروط المتعلقة بالعقوبة المحكوم بها :

تجيز المادة 144 إيقاف تنفيذ كل حكم بالحبس مدته سنة او اقل لا فرق في أن تكون العقوبة صادرة في جنحة أو في جناية استعملت فيها أسباب الرأفة او ظرف من الظروف المخففة وفقا للمادتين 130، 132 من قانون العقوبات (5)، كما تجيز المادة للمحكمة ان تقصر إيقاف التنفيذ على العقوبة الأصلية او تجعله شاملا للعقوبات التبعية والتكميلية والتدابير الاحترازية، فإذا لم ينص في الحكم صراحة على الايقاف بالنسبة للعقوبات التبعية والتكميلية والتدابير الاحترازية فلا يوقف تنفيذها على الرغم من إيقاف تنفيذ العقوبة الأصلية (الحبس). ويلاحظ من نص المادة 144 من ق.ع.ع. أنها لا تجيز إيقاف التنفيذ بالنسبة للغرامة مهما بلغ مقدارها، ويبدو ان سبب ذلك جاء من منطلق ان نظام وقف التنفيذ يهدف اساسا لتفادي أضرار سلب الحرية ذي المدة القصيرة (6). أما اذا كان الحكم صادر بالحبس والغرامة فيجوز للمحكمة أن تقصر إيقاف التنفيذ على الحبس فقط – دون الغرامة. يلاحظ أخيرا من نص المادة 144 من ق.ع.ع.، أن وقف التنفيذ لا ينصرف الا الى العقوبات فلا يجوز في التعويضات وسائر أحوال الرد.

3.الشروط المتعلقة بشخص المجرم وحالته :

تشترط المادة 144 من ق.ع.ع. لجواز وقف التنفيذ (أن لا يكون الجاني قد سبق الحكم عليه لجريمة عمدية بغض النظر عن جسامتها سواء أ:أنت جناية او جنحة أو مخالفة ومهما قدم تاريخ ارتكاب تلك الجريمة، اذ لم يحدد القانون فترة زمنية بين الحكم السابق وبين الحكم اللاحق الذي يراد إيقاف تنفيذ (7). وتأخذ بهذا الشرط كثير من التشريعات الجنائية الحديثة (8) وسبب هذا الشرط ان وقف التنفيذ امتياز مقرر لإصلاح بعض طوائف المجرمين أي المجرمين لأول مرة وذلك لإبعادهم عن مساوئ العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة وتشجيعهم على تقويم انفسهم وعدم عودتهم الى الإجرام (9). على أنه يلاحظ بأن صحة هذا الشرط ليست مطلقة، ذلك لأنه من غير المستبعد ان يكون هناك بعض المجرمين العائدين قد تبعث ظروفهم على الاعتقاد بعدم احتمال ارتكابهم لجرائم أي : عدم خطورتهم فيكون والحالة هذه الافضل الا تقف صحيفة سوابقهم حائلا دون اصلاحهم عن طريق وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها عليهم، وقد نجد العكس أحياناً بمعنى ان هناك أشخاص الذين ارتكبوا جرائمهم لأول مرة ولكن حالتهم وظروفهم تدل على عدم جدوى معاملتهم معاملة جيدة بتطبيق نظام إيقاف التنفيذ عليهم (10). ولذلك لا تتفق مع ما ذهب إليه المشرع العراقي عند وضعه لشرط عدم سبق الحكم على الجاني لجريمة عمدية للتمتع بوقف التنفيذ، ونرى ان يترك الأمر لتقدير المحكمة حسب ما يتبين لها من ظروف كل مجرم على حدة، اما التخوف من ان المحكمة قد تسيء استخدام سلطتها التقديرية فيمكن تفاديه عن طريق إلزامها بفحص شخصية المتهم علاوة على التزامها بأن تسبب حكمها وفي هذا ضماناً كافيا لمراعاة مدى استحقاق المحكوم عليه او عدمه لإيقاف التنفيذ (11).وعلاوة على الشرط آنف الذكر فإن المادة 144 من ق.ع.ع. تشترط لجواز الأمر بوقف التنفيذ شرطا آخر وهو أن (ترى المحكمة من أخلاق المحكوم عليه وماضيه وسنه وظروف جريمته ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود الى ارتكاب جريمة جديدة)(12). إن هذا الشرط يوضح ان الخطورة الإجرامية للمحكوم عليه قد انتفت وان عودته الى سلوط طريق الجريمة ثانية قد اصبحت بعيدة الاحتمال، ولتحقيق هذا الشرط ينبغي اعطاء المحكمة سلطة تقديرية واسعة بحيث انبحثها يشمل جميع ظروف المحكوم عليه وسلوكه قبل وبعد ارتكاب الفعل الاجرامي، ومن الافضل ان يشمل البحث أيضاً الظروف التي يتوقع ان يعيش فيها بعد إيقاف تنفيذ العقوبة.

الأمر بوقف التنفيذ :-

عند توفر الشروط التي سبق بيانها (التي تتعلق بالجريمة والمجرم والعقوبة) يجوز عندئذ لمحكمة الموضوع ان تأمر بوقف تنفيذ العقوبة (المادة 144 من ق.ع.ع)، فالأمر بالإيقاف اختياري متروك لتقديرها فهي حرة في منحه او منعه في ضوء ظروف القضية المعروضة ودراسة الحالة الشخصية للمحكوم عليه.ويجوز للمحكمة ان تأمر بإيقاف التنفيذ بناء على طلب الخصوم او من تلقاء نفسها دون حاجة؛ لان يطلبه أحد لأن الأمر بوقف تنفيذ العقوبة هو كتقدير نوعها ومقدارها من صميم عمل محكمة الموضوع فمن حقها ان تأمر او لا تأمر بوقف تنفيذ العقوبة التي يحكم بها على المتهم (13).

وعندما تقرر محكمة الموضوع وقف تنفيذ العقوبة عليها ان تبين في الحمك نفسه الأسباب التي استندت عليها في إيقاف التنفيذ (المادة 144 من ق.ع.ع.) وإلا فإن الحكم به يكون معيباً لأنه يحتوي على خطأ جوهري بسبب إغفاله التسبب الذي أوجبه القانون الأمر الذي يستوجب نقضه (14). أما اذا رفض الأمر بوقف التنفيذ فلا يجب على المحكمة بيان أسباب رفضها الإيقاف حتى ولو كان المحكوم عليه قدم طلبا؛ لأن الاصل في الأحكام تنفيذها ووقف التنفيذ خروج عن الاصل فيستلزم بيان الأسباب الموجبة والمبررة له (15).

مدة إيقاف التنفيذ وأثر انقضائها :

إن مدة إيقاف التنفيذ هي ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ صدور الحكم لا من تاريخ اعتباره نهائيا (مادة 146 ق.ع.ع.) ولقد وجد المشرع ان هذه المدة كافية لاختبار المحكوم عليه ومعرفة ما اذا كان جديرا بوقف تنفيذ العقوبة من عدمه، ولا يجوز للمحكمة ان تغير مدة إيقاف التنفيذ سواء بالزيادة او النقص (16). وإذا انقضت مدة إيقاف التنفيذ ولم يكن قد صدر خلالها حكم بإلغاء الإيقاف فلا يمكن تنفيذ العقوبة المحكوم بها، ويعتبر الحكم بها كأن لم يكن (م149 ق.ع.ع.) أي يسقط بكل آثارها الجنائية. ولا يعتبر هذا الحكم سابقة في تطبيق أحكام العود، ويزول كل ما يترتب عليه من آثار متعلقة بالأهلية المدنية او الحرمان من أي حق من الحقوق او المزايا (17) على أنه يلاحظ بأن مضي الثلاث سنوات لا يؤثر فيما يترتب للغير من الحقوق بموجب الحكم كالتعويضات والرد والمصاريف، فهذه الأمور ليست عقوبات ولا تسري عليها احكام وقف التنفيذ (18).

التزام المحكوم عليه خلال فترة إيقاف التنفيذ :

تنص المادة 145 من قانون العقوبات العراقي على أنه (للمحكمة عندما تقرر إيقاف تنفيذ العقوبة ان تلزم المحكوم عليه بأن يتعهد بحسن السلوك خلال مدة إيقاف التنفيذ وفقا لأحكام المادة 118 أو أن تلزمه بأداء التعويض المحكوم به كله او بعضه خلال أجل يحدد في الحكم او تلزمه بالأمرين معا) يتضح من نص المادة ان المشرع اجاز للمحكمة ان تلزم المحكوم عليه خلال فترة إيقاف التنفيذ ما يلي :-

1.التعهد بحسن السلوك :

ويكون هذا التعهد تحريرا وفق نموذج معين يتضمن تعهد المحكوم عليه بأن يكون حسن السيرة والسلوك خلال المدة المقررة قانونا لوقف التنفيذ، ويلزم المحكوم عليه بأن يودع صندوق المحكمة مبلغا من المال او ما يقوم مقامه تقدره المحكمة بما يتناسب مع حالته المالية على أن لا يقل هذا المبلغ عن عشرين دينار ولا يزيد عن مائتي دينار ويجوز ان يدفع المبلغ عن المحكوم عليه شخص آخر، ويجوز للمحكمة ان تحدد في الحكم أجلاً لدفع المبلغ أو ما يقوم مقامه لا تزيد مدته على شهر من تاريخ صدور الحكم (19). ومما لا شك فيه أن الأمر بوقف التنفيذ وتعليقه على تقديم تعهد من قبل المحكوم عليه يعتبر اجراء لا يخلو من فائدة في كثير من الاحيان، اذ يساعد في مضاعفة تهديد المحكوم عليه وبالتالي يضمن استبعاد عودته لسلوك طريق الجريمة (20)

2.أداء التعويض :

ولم يكتف المشرع بأن اجاز للمحكمة ان تلزم المحكوم عليه بأن يتعهد بحسن السلوك بل أجاز لها أيضاً أن تلزمه بأداء التعويض المحكوم به كله او بعضه وقد أراد المشرع بذلك ان يمكن المحكمة في سبيل إفساح المجال أمامها لإصدار القرار المناسب في ضوء الظروف والملابسات التي تكتنف القضية المعروضة أمامها.

3.التعهد بحسن السلوك والتعويض معا :

وعلاوة على ذلك فان المشرع قد أجاز للمحكمة عند أمرها بوقف التنفيذ أن تلزم المحكوم عليه بالتعهد بحسن السلوك وأداء التعويض معا في ضوء ظروف القضية وملابساتها.

__________________________________________

1-اخذت هذه المادة من المادة (69) من قانون العقوبات البغدادي والمادة (55) من قانون العقوبات المصري.

2-ان جواز إيقاف التنفيذ بالنسبة للجنايات والجنح جاء مطلقا بغض النظر عن نوعها وجسامتها. على ان هذا لا يمنع القضاء من حرمان الذين ارتكبوا جرائم معينة من الانتفاع بمزية وقف التنفيذ خاصة اذا كانت هذه الجرائم من الجرائم المخلة بالشرف (كالسرقة والاختلاس وخيانة الأمانة والاحتيال والرشوة .

3-انظر محمود نجيب حسني، المرجع السابق، 595.

4-محمود محمود حسني، شرح قانون العقوبات، الطبعة الأولى، ص527، 1950 أكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، 242.

5-إن تحديد قانون العقوبات العراقي لمدة العقوبة السالبة للحرية التي يجوز وقف تنفيذ2ها بسنة او أقل يعتبر تنفيذ العقوبة في هذه الحالة يعتبر غير مقبول لأنه سوف يخل بوظيفة العقوبة في الردع الخاص والعام.

6-ولكن هذا التدبير لا يلقي له سند في الأحوال الأخرى التي يتعذر على المحكوم عليه دفع الغرامة فتحل محلها عقوبة الحبس بكل ما يترتب عليها من مساوئ وعليه كان من الاصوب الا يحرم المشرع المحكمة من سلطة وقف تنفيذ عقوبة الغرامة تاركا لها تقدير الظروف التي تقتضي ممارستها لهذه السلطة، انظر اكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، ص224.

7-محسن ناجي، المرجع السابق، ص54. على أنه يلاحظ بأن التدابير المفروضة سابقا على المحكوم عليه والتي لا تتصف بصفة العقوبة وان كانت سالبة أو مقيدة للحرية لا تحول دون وقف التنفيذ، انظر اكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق ص251.

8-لم يأخذ قانون العقوبات المصري بهذا الشرط. إذ منح القاضي سلطة تقديرية واسعة بإمكانه ان يوقف التنفيذ حتى بالنسبة للمجرمين العائدين (انظر المادة 55 من قانون العقوبات المصري).

9-انظر السعيد مصطفى السعيد، الاحكام العمة في قانون العقوبات العراقي، الطبعة الرابعة، ص67 – 1962.

10-انظر احمد راشد، القانون الجنائي، الطبعة الثانية ص658 – 659، 1974.

11-انظر محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص590.

12-ان ما ذهب إليه المشرع العراقي بهذا الخصوص يتلاءم مع مبدأ التفريد القضائي للعقوبة إذ ان المجرم يعامل معاملة تفريدية لها طبيعة ذاتية تتناسب مع مجموع ظروفه، ولكن شرط (عدم سبق الحمك على الجاني لجريمة عمدية) قد قلل من عمق هذا المبدأ.

13-انظر محمود مصطفى، المرجع السابق، ص533. السعيد مصطفى السعيد، المرجع السابق، ص773، أكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، ص258.

14-أكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، ص262.

15-انظر علي احمد راشد، المرجع السابق، ص660. محمود محمود مصطفى المرجع السابق ص534، السعيد مصطفى السعيد، المرجع السابق ص773

16-قرير تمييزي رقم 1978 – جنايات – 1971 بتاريخ 4/9/1971.

17-انظر رؤوف عبيد، المرجع السابق، ص589.

18-انظر السعيد مصطفى السعيد، المرجع السابق، ص776. محمود محمود مصطفى، المرجع السابق، ص353.

19-انظر المادة (18). قرار تمييزي رقم 1579 – جنايات- 1971 بتاريخ 24/7/1971 محسن ناجي، المرجع السابق، ص542.

20-انظر أكرم نشأت إبراهيم، المرجع السابق، ص272.

المؤلف : علي حسين خلف –سلطان عبد القادر الشاوي
الكتاب أو المصدر : المبادئ العامة في قانون العقوبات

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .