بحث بعنوان الغبن في بيع عقار من لا تتوافر فيه الأهلية

مقدمة :
ينشأ العقد صحيحا لازما متى توفرت فيه أركانه التي يقوم بها من تراضٍ ومحل وسبب و شرائط صحته من أهلية العاقدين وسلامة إرادتيهما من العيوب التي تعتري الإرادة , وبعد ذلك لا يعتد القانون بعدالة العقد من الناحية الاقتصادية , فالالتزامات التي ينشئها العقد قد تكون متعادلة بين المتعاقدين وقد لا تكون , وفي الحالتين لا يتدخل القانون ليعدّل من التزامات الطرفين طالما أن إرادتيهما قد توافقت على إنشائها . إذ يتعين على كل عاقد أن يتأكد عند إبرام العقد من توافر العدل “التبادلي”[1] لمصلحته , فعلى كل إنسان أن يحمي نفسه من الغبن في معترك المعاملات وهو يستطيع ذلك باليقظة المعتادة . وهذا مما فُطر عليه الناس من حرص على جلب المنافع والمصالح , فإذا ما أقدم شخص على التعاقد بحرية افترض أن العقد عادل ,على أن هذا الافتراض قابل لإثبات العكس . بمعنى أن القانون يسمح في بعض الحالات لأحد الطرفين أن يثبت جور العقد وعندئذ يتعين إبطال العقد(كما في م799 المتعلقة بنقض القسمة الرضائية التي تنطوي على غبن يزيد على الخمس بأحد المتقاسمين) أو تقويمه(كما في م393 المتعلقة بتكملة الثمن إلى أربع أخماس قيمة العقار المملوك لناقص الأهلية والمباع بغبن جاوز الخمس). وهكذا يغدو عدل العقد استثناء من الأصل شريطةً لصحة العقد فيتدخل المشرع لإقامة هذا العدل وذلك بتدابير استثنائية تهدف إلى درئ الغبن .

إذا فالغبن[2] -وإن كان يخل بالعدل التبادلي كما ذكرنا- لا يؤثر من حيث المبدأ في التصرفات , و لكنه إن اقترن بالاستغلال فهو يصبح عيبا من عيوب الإرادة إذ يجعل إرادة المستغَل معيبة فيصبح العقد غير لازم لجهته . فالغبن بالاعتبار الأول يتضمن مفهوما ماديا ينظر إلى التفاوت بين الالتزامات المتقابلة فيمكن معرفته بعملية حسابية بسيطة , بخلاف الغبن الاستغلالي ذي المعيار النفسي الذي لابد فيه من التعرف على حالة الضعف التي اعترت المتعاقد المغبون- وقد حددها المشرع بالطيش البين والهوى الجامح- ومن إثبات انتهاز المتعاقد الآخر لحالة الضعف هذه , فيكون الغبن هنا هو نتيجة هذا الاستغلال .
وأساس الاختلاف في الحكم بين الغبن المادي والغبن الاستغلالي أن القانون لا يتدخل بين الأطراف لإقامة التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين , بل انه يتدخل لإقامة توازن آخر هو التوازن القانوني حيث يشترط تمتع المتعاقدين بأهلية الأداء الكاملة وهو في هذا يضمن عدم وقوع الغبن من حيث المبدأ , لأن البواعث الفطرية عند الإنسان تدفعه لتحقيق أسمى المنافع الذاتية بجلب النفع له ودفع الضرر والخسارة عنه[3]. أما في الغبن الاستغلالي فهناك إرادة معيبة فكان لصاحبها التذرع بالغبن الاستغلالي لإبطال العقد .
ولكن واستثناءً من المبدأ المتقدم قد توجد اعتبارات هامة يبني المشرع عليها تدخله لإقامة التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين ولو لم يكن هناك استغلال ما , أي أنه يجعل من عدالة العقد مطلبا يسمو على رضائيته . كأن يكون أحد الأطراف ناقص الأهلية فهنا يتدخل القانون ويقف لحماية ناقص الأهلية لدفع الضرر اللاحق به بقدر المستطاع . هذا ما فعله المشرع لحمايته ودفع الغبن المادي اللاحق به في بيع عقاره م393 , إذ انه يمثل الجانب الضعيف في التعامل وهذا يستدعي الوقوف معه وتقوية جانبه[4]. ونشير إلى أن الغبن المادي والاستغلالي يلتقيان من حيث أنهما يقومان على قواعد أخلاقية تهدف لتحقيق العدالة بين المتعاقدين كما يمثلان تدخلا من المشرع في تكوين العقود .
كما نشير إلى أن ثمة حالات متفرقة أخرى يعتد القانون فيها بالغبن المادي[5] استثناءً من الأصل المتقدم بعدم اعتباره , لكننا سنقتصر في هذا البحث على المادة 393 المتعلقة بالغبن في بيع عقار من لا تتوافر فيه الأهلية, فنبحث في فصل أول في الشرائط المطلوبة لإعمال النص محل البحث . وفي فصل أخر نبحث في الآثار المترتبة على الغبن الواقع تحت حكم هذا النص . وفق ما يلي :

منهج البحث

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

المقدمة

الفصل الأول: شرائط الاعتداد بالغبن في بيع عقار من لا تتوافر فيه الأهلية

المطلب الأول : مفهوم الغبن المادي والنصوص القانونية المتعلقة به

المطلب الثاني : في أهلية مالك العقار المبيع

المطلب الثالث : في التصرف المشمول بالنص

المطلب الرابع : في المال محل التصرف

المطلب الخامس : في الغبن مقداره وتقديره

الفصل الثاني: آثار الغبن في بيع عقار من لا تتوافر فيه الأهلية

المطلب الأول : آثار البيع بالنسبة للمتعاقدين
1. دعاوى البائع
2. الاختصاص وأطراف الخصومة
3. تقادم دعوى تكملة الثمن

المطلب الثاني : آثار البيع تجاه الغير

الخاتمة

الفصل الأول : شرائط الاعتداد بالغبن في بيع عقار من لا تتوافر فيه الأهلية

تقديم وتقسيم :
ذكرنا في مقدمة بحثنا انه لا يعتد بالغبن المجرد عن الاستغلال مهما كان فاحشا طالما لم يقترن بالاستغلال , هذا من حيث المبدأ . واستثناء منه يعتد بالغبن إذا بلغ حدا معينا في بعض الاستثناءات القانونية لاعتبارات معينة . منها هذا النص الذي نبحثه الآن , إلا أن الاعتداد بالغبن في هذه الحالة يتطلب توفر شروط عديدة لا يمكن من دونها إعمال النص , ومن هذه الشروط ما يتعلق بالتصرف ومنها ما يتعلق بالشخص محل الحماية ومنها ما يتصل بالغبن ومنها ما يتصل بالمال المشمول بالحماية . على هذا سنبحث في هذه الشرائط وما تثيره من إشكاليات , وقبل ذلك نلقي الضوء على مفهوم الغبن المادي كاستثناء من الأصل , لنصل إلى النصوص القانونية المكرسة لهذا الاستثناء في مجال حماية من لا تتوافر فيهم الأهلية والتي ستكون موضوع بحثنا .

المطلب الأول : مفهوم الغبن المادي والنصوص القانونية المكرسة له في مجال بيع عقار ناقص الأهلية :

 مفهوم الغبن المادي
الغبن في اللغة النقص إطلاقا وفي القانون هو عدم التعادل بين ما يعطيه العاقد وما يأخذه في المعاوضات المالية[6] فالغبن بهذا المعنى يتضمن مفهوما ماديا حيث ينظر إلى التفاوت الاقتصادي بين الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين دون الالتفات إلى الظروف الشخصية التي تكتنف إرادة الطرفين[7].
والغبن المجرد ينطوي على معيار مادي محض يتمثل في اختلال التعادل بين الالتزامات المتقابلة وهذا الاختلال يتراوح بين الغبن اليسير أو المعتاد أي المتعارف عليه بين الناس وبين الغبن الفاحش الذي لا يتم عادة في المعاوضات المالية , و العبرة في تقدير ما بين الاداءات من تفاوت للقيمة بحسب سعر السوق[8] فالمعيار هذا لايعتد بالظروف الشخصية للمتعاقدين .
على هذا فان هذا المعيار لا يتحقق إلا في المعاوضات المحددة أي التي يتحدد مسبقا فيها مقدار العوضين, فلا يتحقق في التبرعات إذ ليس فيها عوض ولا يتحقق في المعاوضات غير المحددة أو الاحتمالية حيث لا يستطيع كلا المتعاقدين أو احدهما ابتداء تحديد مركزه من الربح أو الخسارة فهي تقوم على الغبن الاحتمالي أساسا الذي لا بد أن يتحمله احد الطرفين , ومثاله عقد بيع مقابل إيراد مدى الحياة وعقد التامين ….[9]

فالغبن المجرد عن الاستغلال يختلف عن الغبن الاستغلالي من حيث النطاق والمعيار والمحل . فهو لا يتصور إلا في المعاوضات المحددة أما الاستغلال فيقع في جميع التصرفات . ومعيار الغبن المادي معيار مادي ينظر فيه إلى الاداءات المتقابلة وما بينها من تفاوت في القيمة المادية أما الاستغلال فمعياره شخصي حيث يعتد بحالة الضعف التي اعترت المتعاقد المغبون فلا يكفي كونه مغبونا . والغبن عيب في العقد أما الاستغلال فعيب في الإرادة[10].

 النصوص القانونية
*المادة 393 مدني ( 1- إذا بيع عقار مملوك لشخص لا تتوافر فيه الأهلية وكان في البيع غبن يزيد على الخمس فللبائع أن يطلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل .
2- ويجب لتقدير ما إذا كان الغبن يزيد على الخمس أن يقوم العقار بحسب قيمته وقت البيع) .

**المادة 394 مدني ( 1- تسقط بالتقادم دعوى تكملة الثمن بسب الغبن إذا انقضت ثلاث سنوات من وقت توافر الأهلية أو من اليوم الذي يموت فيه صاحب العقار المبيع .
2- ولا تلحق هذه الدعوى ضررا بالغير حسن النية إذا كسب حقا عينيا على العقار المبيع) .

***المادة 395 مدني (لا يجوز الطعن بالغبن في بيع تم وفقا للقانون بطريق المزاد العلني ).
بالاستناد إلى هذه النصوص القانونية فان شرائط إعمال الحكم الاستثنائي للغبن والتي سنتناولها بالتفصيل في المطالب الآتية هي :
1. في أهلية مالك العين المبيعة ( من لا تتوافر فيه الأهلية ) .
2. في محل التصرف ( العقار) .
3. في نوع التصرف ( البيع ) .
4. في الغبن (حده وتقديره ) .

المطلب الثاني : في أهلية مالك العين المبيعة :
يشترط أن يكون مالك العين المبيعة غير كامل الأهلية.
لقد قصر القانون حق التمسك بالغبن على الطرف البائع كما سنرى لكنه لم يجعله شاملا كل بائع بل جعله قاصرا على من ( لا تتوافر فيهم الأهلية ) وهؤلاء قد يكونون هم من تصرف بالبيع أو أن نائبهم الشرعي قام به نيابة عنهم , على هذا نبحث فيما يلي ( أ) في اقتصار النص على البائع دون المشتري ( ب) في أحكام الأهلية فنبين المقصود منها في هذا النص وحكمها في التصرفات عموما والبيع خصوصا ( ج) في النائب الشرعي (القانوني) وحكم تصرفاته بما فيها بيع العقار وكذلك في بيعه لنفسه (د) في ملكية ناقص الأهلية للعقار.

أولا* النص ورد لحماية من لا تتوافر فيهم الأهلية لإقامة التوازن بين المتعاقدين حيث أن المشرع وجد أن من الجدير حماية من لا تتوافر فيهم الأهلية باعتبارهم يمثلون الجانب الضعيف في التصرف مما اقتضى تدخله لإقامة نوع من التوازن بين المتعاقدين, وقد قدر المشرع أن البائع مضطر للحصول على المال ببيع عقاره في حين أن المشتري يتوفر لديه المال الكافي إذ هو يسعى لتملك أعيان جديدة فلم يرى المشرع حاجة لنفس الحماية [11] .

ثانيا* أما فيما يتعلق بالأهلية فقد ذكر المشرع عبارة من لاتتوافر فيه الأهلية دون تحديد المشمولين بها, لا جدال في أن الأهلية المذكورة قصد بها أهلية الأداء لا الوجوب فتلك مناطها الوجود وتثبت بتمام الولادة ولا تنتقص بعد وجودها طالما أن الإنسان ما يزال موجودا بخلاف أهلية الأداء التي مناطها العقل والإدراك والتمييز وبذلك تتبع مناطها فتكون معدومة وناقصة و كاملة , وأهلية الأداء هي صلاحية الشخص لمباشرة أعماله القانونية على وجه يعتد به شرعا .
أما الأهلية الكاملة فتكون لمن كان كامل العقل تام الإدراك وهي تثبت لمن أتم الثامنة عشرة من عمره ولم يكن محجورا قانونا لجنون أو لعته أو المحجور قضاء لسفه أو لغفلة[12] .
أما الأهلية المعدومة فتكون لمن لم يبلغ سن التمييز (7 سنوات ميلادية) وكذا لمن أتمها لكن أصيب بآفة عقلية أعدمت لديه قوة التمييز والإدراك كالجنون والعته[13] .

أما الأهلية الناقصة فتكون لمن أتم سن التمييز لكن لم بتم سن الرشد (بين ال7و ال18), وكذا تكون لمن أتم سن الرشد لكن أصيب بآفة عقلية أنقصت لديه الإدراك والتمييز كالسفه والغفلة فصدر حكم قضائي بالحجر عليه[14].
إذا في ضوء أطوار الأهلية التي ذكرتها فان الأهلية – أهلية الأداء – غير التامة سواء كانت ناقصة أو معدومة تكون للآتين (الصغير غير المميز- من لم يبلغ سن السابعة- , المجنون , المعتوه , الصغير المميز- من بلغ السابعة ولكن لم يتم الثامنة عشرة-, السفيه و المغفل المحجوران قضاء).

الآن نبين حكم تصرفات هؤلاء عموما وفي البيع خصوصا :
*بالنسبة لكاملي الأهلية تكون كل تصرفاتهم صحيحة نافذة ولو اقترنت بالغبن الفاحش وقد ذكرنا أن القانون لا يتدخل لإقامة التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين طالما أن التوازن القانوني متحقق.
*بالنسبة لعديمي الأهلية جميعا تكون تصرفاتهم باطلة بطلانا مطلقا لا يقبل الإجازة حتى النافعة منها نفعا محضا, ذلك انه لا يعتد بعبارتهم فتكون تصرفاتهم القولية باطلة .

*أما بالنسبة لناقصي الأهلية فنميز بين من هو ناقص الأهلية قانونا وهو الصغير المميز فتكون تصرفاته إما نافعة نفعا محضا فتكون صحيحة , وإما ضارة ضررا محضا فتكون باطلة , وإما دائرة بين النفع والضرر فتكون موقوفة الآثار إلى أن تجاز أو تبطل ممن له الحق بذلك ( الولي أو الوصي أو القاضي أو الصغير نفسه بعد تمام أهليته , وكذا تجاز هذه التصرفات إذا مرت سنة على اكتمال الأهلية دون أن تبطل أو تجاز ) . ولا شك أن بيع العقار يعد من التصرفات الدائرة بين النفع والضرر فيأخذ حكمه فيكون قابلا للإبطال لمصلحة ناقص الأهلية , كما أن له التمسك بالمادة 393 مدني فيطالب بتكملة الثمن .
أما من هو ناقص الأهلية بحكم القضاء وهو السفيه والمغفل فيكون حكمهما بعد الحجر عليهما كحكم الصغير المميز في تصرفاته النافعة والضارة والدائرة بين النفع والضرر(116\1) .
أما التصرف الذي يصدر من احدهما قبل شهر القرار بالحجر فلا اثر له في صحة التصرف إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ (116\2)[15]0

ثالثا * النيابة الشرعية عن ناقصي الأهلية:
إن من لا تتوافر فيه الأهلية بحاجة إلى من يعاونه في تصرفاته المالية لتكون صحيحة نافذة إذ هو لا يستطيع التصرف في ماله تصرفا نافذا , وهذا الشخص الذي يعاونه في تصرفاته يسمى الولي – من الولاية وهي اصطلاحا سلطة شرعية يسوغ لصاحبها التصرف بالشيء محل الولاية تصرفا نافذا[16]- , وتثبت الولاية على المال للأب, ثم لوصيه ووصي وصيه, ثم للجد العصبي, ثم وصي الجد ووصي وصيه, ثم للقاضي, ثم وصيه, وهذه الولاية تثبت لهؤلاء الستة حصرا وحسب الترتيب السابق . وقد أفرد قانون الأحوال الشخصية تسميات عدة لأولياء المال فالولي هو (الأب والجد) والوصي (وصيهما ووصي وصيهما ووصي القاضي) والقيم( لولي المحجورين لجنون أو لعته أو لسفه أو لغفلة) م(163\1) أحوال.

نبحث الآن في سلطات هؤلاء في التصرف بمال ناقصي الأهلية عموما وبشكل خاص في بيع عقارهم .
1= بالنسبة للولي ( الأب والجد) فقد نصت المادة 172\1 أحوال على أن لهما ولاية الحفظ والاستثمار والتصرف ,لكن الفقرة الثانية قيدت حرية التصرف فنصت على أنه ليس لأحدهما التبرع بمال القاصر أو بمنافعه أصلا ولا بيع عقاره أو رهنه إلا بإذن القاضي وبتحقق المسوغ , فحفظ المال هو واجب على الولي أما استثماره فهو حق له لا واجب عليه لأن التثمير ليس متيسرا لكل الناس إذ يحتاج لخبرة ودراية خاصة قد لا تتوفر في الولي[17] أما التصرف فيصح النافع منه أما الضار فيبطل لأنه لا ولاية له فيه أما الدائر بين النفع والضرر فيصح منه مع مراعاة ما اشترط القانون بشأنه إذنا كبيع العقار ورهنه (172\2) أحوال[18] .

2= بالنسبة للأوصياء ( وصي الأب أو الجد ووصي وصيهما ووصي القاضي) فقد سوى القانون بين وصي الأب والجد _أي المختار_ ووصي القاضي في الصلاحيات فمن واجبهم الحفظ كالأولياء أما الاستثمار أو الاستغلال فمشروط بإذن المحكمة م(182\ج) أما التصرف بمال المحجور فان النافع منها يصح ويبطل الضار ضررا محضا م(180) أحوال أما التصرف الدائر بين النفع والضرر فيصح ما لم تقيده المحكمة بالإذن كما في م(182) ,أما بالنسبة لبيع عقار المحجور فان م(182ف أ ) اشترطت إذن المحكمة لصحته .

3= بالنسبة للقيم على المجنون والمعتوه والسفيه والمغفل فقد نصت م(206) أحوال على أن ما يسري على الوصي يسري على القيم على هذا يكون تصرفه النافع والدائر بين النفع والضرر صحيحا ويبطل الضار ضررا محضا مع مراعاة التحفظات المذكورة في م(182) الواجبة الإتباع بموجب م (206) ومنها بيع أمواله عموما بما فيها العقار. نتساءل في معرض حديثنا عن النائب القانوني عن بيعه لعقار القاصر لنفسه فهل يمكن له ذلك ؟ إن الجواب على ذلك في المادة 447مدني حيث تنص على أنه “لا يجوز لمن ينوب عن غيره بمقتضى اتفاق أو نصٍ أو أمر من السلطة المختصة أن يشتري لنفسه مباشرة أو باسم مستعار ولو بطريق المزاد العلني ما نيط به بيعه بموجب هذه النيابة ما لم يكن ذلك بإذن القضاء ومع عدم الإخلال بما يكون منصوصا عليه في قوانين أخرى” فلا يجوز كما هو واضح أن يشتري النائب الشرعي (ولياً كان أم وصيا أم قيما) عقار ناقص الأهلية الذي أذن له بيعه وسواء أكان بغبن أم بدونه . وهذا النص تطبيق للمبادئ العامة م109 حيث لا يجوز لشخص واحد أن يتولى طرفي العقد .

رابعا* ملكية ناقص الأهلية للعقار:
إن الحقوق العينية العقارية عموما لا تكتسب ولا تنتقل إلا بالتسجيل في السجل العقاري م825\1 . على ذلك فإن النص يطبق فقط في الحالات التي يعد فيها ناقص الأهلية مالكا حسب قيود السجل العقاري , إلا أنه ومع ذلك يعد ناقص الأهلية مالكا قبل تسجيل حقه في السجل العقاري في الحالات التالية (الإرث-نزع الملكية-صدور حكم قضائي) على أن أثر هذا الاكتساب لا يبدأ إلا اعتبارا من التسجيل م825\3 .

ولكن ماذا لو أن القاصر باع عقارا لا يملكه بغبن تجاوز الخمس ثم آل إليه بعد البيع فهل له التمسك بدعوى الغبن الفاحش؟أولا نقول أن هذا البيع لا يكون نافذا تجاه المالك الحقيقي م434\2 و كما انه يعد قابلا للإبطال لمصلحة المشتري م434\1 , لكن هذا البيع “ينقلب صحيحا في حقه إذا آلت إليه ملكية المبيع بعد العقد”م435\2 فبأيلولة العقار للقاصر لم يعد للمشتري إبطال البيع إذ ينقلب البيع صحيحا بحكم القانون[19]وبالتالي يكون للقاصر عندئذ أن يطالب بتكملة الثمن وتقدر قيمة العقار بتاريخ إبرام العقد لا من أيلولة العقار إليه . ومن الواضح أن المالك إذا أجاز البيع لم يكن له ذلك كونه كامل الأهلية ولو كان من باشر البيع ناقص الأهلية. أما إذا بيع عقار ناقص الأهلية ممن لا ولاية له على مال ناقص الأهلية فإن البيع هنا قابل للإبطال لمصلحة المشتري وغير نافذ تجاه المالك(ناقص الأهلية) وإذا أجاز ناقص الأهلية أو نائبه القانوني هذا البيع قبل إبطال العقد أصبح نافذا في حق المشتري وكان للمالك أن يطالب المشتري ولو كان حسن النية(لا يعلم أن العقار مملوك للغير) بتكملة الثمن استنادا إلى قيمة العقار وقت إجازة البيع , وما للأخير إلا أن يرجع على من باعه العقار بما دفعه زيادة على الثمن المتفق عليه في عقدهما.

المطلب الثالث : في محل التصرف :
يشترط أن يكون التصرف وارداً على عقار.
لقد اقتصر النص في حمايته لمن لا تتوافر فيهم الأهلية على بيع العقار وحده دون المنقول ويستوي أن يتم بيع العقار كله أو بعضه أو حقا عينيا واردا عليه . على هذا نبحث في الآتي 1. تسويغ اقتصاره على العقار 2.في مفهوم العقار .

· تسويغ اقتصار الحماية على العقار وحده دون المنقول :
يبدو أن المشرع تأثر بالأصل التاريخي لهذا النص حيث أن هذه القاعدة وضعت في زمن كانت فيه العقارات تمثل الجانب الهام في الثروة فاعتبرها أجدر بالحماية من المنقولات ذلك بخلاف الفقه الإسلامي الذي تشمل حمايته العقار والمنقول على حد سواء .
· مفهوم العقار :
عرفت المادة 84\1 مدني العقار بأنه( كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله منه دون تلف و وما
دونه يعد منقولا) . والعقار ثلاثة أنواع[20] .

1=العقارات بطبيعتها :
عرفت م 84\1 العقار بأنه كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله منه دون تلف فهو يشمل الأراضي وما فوقها كالأبنية والمزروعات المتصلة بالأرض وما تحتها كالمقالع والمناجم[21]. إلا أن العقار بطبيعته قد يعد منقولا بحسب المآل فيعامل معاملة المنقول متى توافرت الشروط القانونية لاعتباره منقولا حسب المآل

2= العقار بالتخصيص :
عرفته م84\2 بأنه المنقول الذي يضعه صاحبه في عقار يملكه رصدا لخدمة هذا العقار أو استغلاله . فالعقار بالتخصيص منقول بطبيعته لكنه يعد عقارا ويخضع لأحكام العقار بما فيها المادة 393 موضوع البحث . ولكن إذا فصل العقار بالتخصيص عن العقار المخصص لخدمته فَقَََََدَ صفته كعقار ولم يعد مشمولا بالمادة393 . فيجب أن يحتفظ العقار بالتخصيص بهذه الصفة وقت البيع كي يُشمل بحكم المادة المذكورة وهو لا يحتفظ بها إلا إن ظل تابعا للعقار المخدوم . فيجب أن يباع معه كي يُشمل بحكم النص مع الإشارة إلى أنه يدخل في تقدير قيمة العقار عند تقدير الغبن .

3= الحقوق العينية العقارية والدعاوى العقارية:
تنص م85\1(يعتبر عقارا كل حق عيني يقع على عقار , وكذلك كل دعوى تتعلق بحق عيني على عقار).
وهي الحقوق العينية الواردة على العقار, وتقتصر على الحقوق العينية الأصلية والحقوق العينية التبعية الواردة على العقار وقد عددتها م85\2 بشكل حصري , فلا تشمل الحقوق الشخصية ولو كان محلها عقارا (كالتزام المؤجر بتسليم العقار المأجور للمستأجر) فهذه تعد من الأموال المنقولة عملا بالمفهوم المخالف للمادة 85\1 التي لا تعد مالا عقاريا إلا كل حق عيني وارد على عقار[22]. تجدر الإشارة إلى أنه ليس كل حق عيني أصلي قابل بذاته لأن يكون محلا للتصرف فالارتفاق مثلا لا يقبل بطبيعته البيع استقلالا عن العقار المرتفق(فلا يتصور بيع حق المسيل أو المرور استقلالا مثلا) . كما أنه بالنسبة للحقوق العينية التبعية فإنها -كما تدل عليها التسمية- تابعة للحق الشخصي الذي تضمنه فلا يتصور أنها بذاتها محلا للبيع بل إنها تتبع الحق الشخصي المضمون , وفي هذه الحالة يثور التساؤل عن إمكان شمول حكم النص لهذه الحالة فهل يعتد بالغبن اللاحق بناقص الأهلية في بيعه لحقه الشخصي المضمون بتأمين عقاري ؟ نعتقد أن لا مجال لتطبيق النص هنا , ذلك أن هذا البيع يتناول مالا منقولا هو الحق الشخصي الذي ينتقل إلى المحال عليه بتأميناته , فلا يعتد بالغبن إذا تجاوز خمس قيمة الدين المحال (إذ لا يزيد في قيمته أنه مضمون بحق عيني تبعي) . كما أن الحق العيني التبعي -الرهن أو التأمين- ليس محل عقد البيع هنا بل من مشتملات الحق الشخصي المنقول .

أما الدعاوى التي تحمي حقا عينيا عقاريا فهي تتصف بطبيعة الحق الذي تحميه فتكون عقارا أيضا, وقد ذكرتها م85\1. إلا أنه يجب ألا يفهم من ذلك أنها مشمولة بحكم النص لأنها بالأصل لا تقبل البيع فالدعوى لصيقة بالحق الذي تحميه فلا يتصور التصرف بها استقلالا عن الحق .

المطلب الرابع : في التصرف :
يشترط أن يكون التصرف بيعاً.
لكن لنا أن نتساءل هل يشمل النص 393 بالحماية تصرف البيع فقط أم أنه يشمل التصرفات الأخرى كالشراء وسائر المعاوضات التي يحتمل فيها أن يقع الغبن الفاحش ؟.

(أ) اقتصار الحماية على الطرف البائع دون المشتري. سبق أن ذكرنا أن القانون تدخل بنص استثنائي لحماية من لاتتوافر فيه الأهلية عندما يغبن-بنسبة معينة كما سنرى- في ثمن العقار الذي يبيعه , ولا يشمل ذلك شراءه ولو كان ذلك الشراء بغبن فاحش وذكرت تسويغ ذلك بأن المشتري بخلاف البائع يتوفر لديه المال فهو غير محتاج للمال بدلالة أنه يسعى لتملك أعيان جديدة , إذن فالحماية تقتصر على البيع لا الشراء لكن ما حكم سائر المعاوضات التي يقع فيها الغبن المادي كالمقايضة م450, وسواها ؟

(ب) اقتصار النص على تصرف البيع. ذكرنا في الأصل العام أن الغبن المادي لا يعتد به لأنه ليس من شان القانون أن يتدخل لإقامة التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين بل القانوني, لكنه وعلى سبيل الاستثناء وبنص خاص [23] يخرج عن الأصل العام وهذا ما فعله في المادة( 393) والاستثناء لا يتوسع فيه أو كما تقول القاعدة الفقهية- ما جاء على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس – فالقياس عدم الاعتداد به وهذا الأصل , الاعتداد به في بيع عقار من لا تتوفر فيه الأهلية هو الاستثناء فلا يتوسع به .نناقش الآن حالات خاصة قد يشملها النص بشروط معينة هي (المقايضة وكذا قسمة الشيوع وتصفية الشيوع بالبيع بالمزاد وتقديم العقار كحصة فيشركة وإيجار العقار والوفاء بمقابل عندما يكون هذا المقابل عقارا).

المقايضة مع المعدل النقدي : عرفت م450 المقايضة بأنها عقد يلتزم به كل من المتعاقدين أن ينقل للآخر على سبيل التبادل ملكية مال ليس من النقود , وهي كما ذكرت تخرج عن النطاق المحدد للمادة 393 كونها تقتصر على البيع وهو حسب م386 عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقا ماليا آخر في مقابل ثمن نقدي .
من مقارنة التعريفين المذكورين يتضح لنا فرق هام بين العقدين وهو وجود الثمن في البيع وعدم وجوده في المقايضة , هذا يمنع تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالثمن على هذا العقد . فلا يصح القول أن م453 تقضي بسريان أحكام البيع على المقايضة إذ أن ذلك مقيدٌ بالقدر الذي تسمح به طبيعة المقايضة , ولكن هناك رأيا آخر[24] يذهب إلى أن النص يشمل المقايضة أيضا ويستند إلى أن علة حكم الغبن الفاحش تتوافر في المقايضة وإلى أن طبيعة المقايضة لا تتعارض مع إعمال هذا الحكم فتقدر قيمة العقار الذي قايض عليه ناقص الأهلية وتنسب إلى قيمة العقار الذي قايض به . ونعتقد أن هذا الرأي محل نظر فالأساس الذي استند إليه هذا الرأي من أن العلة في حكم م393 تتوافر في المقايضة ليس صحيحا . فهذا النص استثنائي لا يجوز القياس عليه وإلا لجاز القياس في كل عقد معاوضة لإمكان تحقق العلة فيها أيضا وهذا ما لا يجوز . فليس كافيا للقول بانطباق النص على غير البيع تحقق العلة من النص فيها . أما الأساس الآخر لهذا الرأي من أن طبيعة المقايضة تسمح بتطبيق النص فغير صحيح أيضا لأن المقايضة بطبيعتها لا تتضمن ثمنا فلا يستقيم إعمال النص المتعلق بالغبن في ثمن العقار في عقد المقايضة إذ لا نستطيع القول أن العين المقايض عليها ثمنا للعين الأولى.

مع ذلك هناك حالات يضيق فيها التفريق بينهما كما في المقايضة التي تشتمل على معدل نقدي م451 .
هنا علينا أن نميز بين حالتين الأولى إذا كان المعدل الغرض منه فقط الموازنة بين الأعيان المقايض عليها لأن لها قيم مختلفة لم تتغير طبيعة العقد بوجود هذا المعدل , أما الحالة الثانية التي يكون فيها المعدل النقدي هو العنصر الغالب فينقلب العقد إلى بيع وتسري القواعد القانونية التي تسري عليه بما فيها م393 [25].
· قسمة الشيوع : قد يكون ناقص الأهلية مالكا لحصة في عقار مملوك على الشيوع فبيعه لهذه الحصة للغير أو لأحد الشركاء لاشك يدخل في نطاق تطبيق النص 393 سواء تم ذلك البيع بعد الإفراز أم قبله , ذلك أن الشريك على الشيوع يعد مالكا لحصته ملكا تاما وله أن يتصرف فيها وأن يستولي على ثمارها وأن يستعملها م781 فإذا كان تصرفه قبل الإفراز ولم تقع الحصة التي تصرف بها في نصيبه فان حق المتصرف إليه ينتقل إلى الجزء الذي آل للمتصرف فإذا كان مغبونا بالثمن –أي البائع ناقص الأهلية- كان له أن يطالب بتكملة الثمن مع الإشارة إلى أن للمتصرف إليه أن يبطل البيع إذا كان يجهل أن المتصرف لا يملك العين المتصرف فيها مفرزة.
هذا بالنسبة للبيع لكن ما حكم القسمة التي يجريها الشركاء لاقتسام العقار الشائع , وما حكم بيعه لعدم إمكان قسمته عينا ( قسمة التصفية).

1. القسمة الرضائية :
هي اتفاق الشركاء جميعا على إزالة الشيوع ويشترط فيهم الأهلية الكاملة أما بالنسبة للقاصرين فيشترط إذن القاضي بإزالة الشيوع م789\1( للشركاء إذا انعقد إجماعهم أن يقتسموا المال الشائع بالطريقة التي يرونها فإذا كان بينهم من هو ناقص الأهلية وجب مراعاة الإجراءات التي يقررها القانون ) , والمقصود بالإجراءات التي يقررها القانون المادة 181 أحوال ( إذا ما كان للقاصر حصة شائعة في عقار فللوصي بإذن من المحكمة إجراء القسمة بالتراضي مع باقي الشركاء ولا تكون نافذة إلا بتصديق القاضي ).
نلاحظ أن القانون أحاط ناقص الأهلية الذي يملك حصة في مال شائع بحمايته ويتجلى ذلك في 1- اشتراط الحصول على إذن القاضي قبل القسمة 2- اشتراط تصديق القاضي لنفاذها . فإن تحقق الشرطان نفذت القسمة وحتى لو أن غبنا يزيد عن الخمس لحق بناقص الأهلية في قسمة العقار الرضائية هنا لا يسري حكم م393 القاصرة على البيع , لكن مع ذلك فان الغبن يسمح لمن وقع به أن يتمسك بحكم م799 [26].

2. القسمة القضائية :
هي القسمة التي تتم بواسطة القضاء عند اختلاف الشركاء في الاقتسام أو لان أحدهم غائب أو غير كامل الأهلية ,ورفضت المحكمة الإذن بالقسمة أو التصديق عليها ,وهذه القسمة قد تتم عينا وقد تتم بالبيع في المزاد العلني وتوزيع الثمن.
أ- القسمة العينية وفيها يقسم المال الشائع إلى أجزاء مفرزة حسب حصص الشركاء وهي لا تتم إلا في الأشياء القابلة للقسمة.

الى أن يستكمل الجزء الثاني ..

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : الغبن في بيع عقار من لا تتوافر فيه الأهلية وآثاره القانونية – دراسة هامة