إن الفقه الإسلامي حرص كل الحرص على حفظ هيبة القضاء وإيجاد الضمانات لعدم المساس بها ، فلو وقعت إهانة على محكمة أو صدر أي فعل من أي شخص من الخصوم وغيرهم يمس هيبة القاضي ومحكمته فإن الفقه قرر ضمانات لكل حالة ، على النحو الآتي :

اولاً- منع التطاول على شخص القاضي

وقد حرص الفقه من خلال ما قرره من أحكام على منع التطاول على القاضي بأي قول أو فعل يشكل إهانة له . فلو قال أحد الخصوم للقاضي في أثناء الجلسة أنت أخذت الرشوة من خصمي وحكمت له فإن القاضـي يملك في مثل هذه الحالة تعزير الخصم الذي صدر منه الإهانة التي لحقت بهيبة المحكمة من خلال شخص القاضي(1). كذلك إذا ادعى شخص دعوى على آخر فقضى عليه القاضي على وفق البينات الصحيحة فيرده المقضي عليه بقوله : لا أقبل هذا القضاء موجها كلامه إلى القاضي في الجلسة عقب النطق بالحكم ، فإنه يعزر(2).

ثانياً- منع الإخلال بنظام الجلسة

قرر الفقه الإسلامي قواعد مهمة لمنع أي شخص من الإخلال بنظام الجلسة في المحكمة من خلال محاسبته على الإتيان بأي فعل لا يناسب مجلس القضاء . فإذا أصدر من أحد الخصمين أي فعل لا يناسب مجلس القضاء فإن القاضي تأديباً له ينظر إليه شزراً ، كما أن له أن يرفع صوته عليه تأديباً ، كذلك فإن للقاضي أن يأمر أحد أعوانه بإخراج أحد الخصوم إذا نهاه القاضي عن الكلام فلم ينتهِ . وإذا صدر من أحد الخصوم ما يسيء إلى خصمه أو إلى الشهود أو أهل المشاورة او أحد الجالسين أو إلى القاضي ، فإن للقاضي أن يوقع عليه عقوبة تعزيرية تناسب إساءته(3). ومن ثم فإن للقاضي أن يقوم بكل ما يلزمه لحفظ نظام الجلسات وهيبة مجلس القضاء فله أن يعاقب كل من يمس أو يرتكب أموراً تخل بالنظام في حال لم ينتهِ بنهي القاضي عن طريق تعزيره ، وإن عفا فحسن(4). ويبدو من كل ذلك أن الفقه الإسلامي كان سباقاً في تعزيز الضمانات اللازمة لكفالة الاحترام الأدبي للقضاة ومنع أي مساس بهيبة القضاء ، ولا غرابة في ذلك إذا أدركنا المنزلة الرفيعة التي يقررها الفقهاء لمنصب القضاء وأهميته في حياة الأمة الإسلامية ، ويلاحظ ان الفقهاء المسلمين قد قرروا الآتي :

(1) إن الفقه لم يترك للقاضي الحرية المطلقة في اتخاذ الإجراءات ضد من يصدر منه قول أو فعل في مجلس القضاء ضد القاضي أو غيره ممن حضر مجلس القضاء .

(2) أعطى الحق للقاضي في اتخاذ الإجراءات في حال تعرضه للإهانة المباشرة والصريحة .

(3) في حال صدور قول أو فعل من الخصم يخل بنظام الجلسة فإن هذه الإجراءات تكون متدرجة بأن تكون بالنظر شزراً في أول الأمر ثم نهره في حال عودته بالصوت العالي ثانياً وإلاّ فإخراجه من مجلس القضاء في الثالثة .

(4) الإساءة لمن حضر مجلس القضاء أعطي الحق فيها للقاضي بالتعزير أو العفو .

من ذلك نجد أن في تقرير مثل هذه الأحكام سعة للقاضي في أن يأخذ من هذه الأحكام أيها أنسب لمعالجة الموقف من خلال السلطة التقديرية التي منحت له ، في حين أن المشرع الوضعي لم يعطِ للقاضي مثل هذه السلطة التقديرية في هذه الحالات ،وحسناً فعل الفقه الإسلامي في ذلك ، ونجد أن هذه الضمانات لم تقرر لمصلحة القاضي الشخصية بل لمصلحة المسلمين كونه يمثلهم أي بصفته الوظيفية(5) .

_____________________

1- الفتاوى الانقروية ، المصدر السابق ، ج1 ، ص157 .

2- مواهب الجليل ، المصدر السابق ، ج6 ، ص104 . ويلاحظ هنا أن هذا الحكم الفقهي لا يصادر حق الخصم في إبداء رأيه بعدم قبوله بالحكم ، خارج مجلس القضاء ، لأن ذلك لا يؤثر في لزومه قبله ، بل أنه يسعى إلى حفظ هيبة القضاء من أن يتطاول عليها الخصوم ، ومن ثم فهو حكم لا يتعارض مع الحقوق المكفولة للخصوم بعدم قبول الحكم أو الاعتراض عليه ذلك أنه يوجد في الفقه الإسلامي نظام التقاضي على درجتين ( ما يسمى اليوم في القوانين الوضعية استئناف الحكم) . محمد الحبيب التجكاني، المصدر السابق ،ص26 .

3- المحقق الحلي ،شرائع الاسلام ، ص74 ، اذ جاء فيه [ اذا تعدى احد الغريمين سنن الشرع عرّفه خطأه بالرفق ، فان عاد ادبه بحسب حاله ، مقتصرا على ما يوجب لزوم النمط ]. وكذلك انظر :ابن فرحون ، تبصرة الحكام ، ج 1، ص43-46 .

4- الفتاوى الانقروية ، المصدر السابق ، ج1 ، ص157 . د. خالد رشيد السامرائي ، المدخل في دراسة الشريعة الاسلامية والقانون ، مطبعة التعليم العالي ، الموصل 1989 ، ص 398 . وهو يرى ان الشريعة الاسلامية سبقت اوربا بمنحها القاضي سلطات التعزير وهي – أي اوربا – تفكر ان تمنح قضاتها مثل هذه السلطة في الوقت الحاضر .

5- جاء رجل إلى أبي الموفق سيف بن جابر قاضي واسط في العهد العباسي ، فأغلظ له فحبسه فكلمه فيه أحدهم وقال له : إنما حسبت الرجل لنفسك ، فإن رأيت أن تخرجه فقال القاضي ، لنفسي لا والله ، فلو شتمني وأنا على غير القضاء ما قلت له شيئاً ، ولكن حبسته للمسلمين ، لأن القاضي إذا وهن وهنت أحكامه ، وكان ذلك راجعاً على المسلمين . عن محمد بن خلف بن حيان ، أخبار القضاة ، ج3 ، ص313 .

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .