من الأمور المسلم بها ان التشريعات عندما تضع أي إجراء من الإجراءات القضائية، انما تتوخى من ذلك غاية منشودة وهدفاً يسعى إلى تحقيقه، فمن غير المتصور ان يتم وضع إجراء لا يرمي إلى فائدة أو غرض معين، والا انتفت الغاية من تشريعه، والتبليغات القضائية شأنها في ذلك شان أي اجراء قضائي يهدف إلى تحقيق غاية معينة، وتتمثل هذه الغاية في أعمال مبدأ المواجهة بين الخصوم في الدعوى المعروضة. اذن تهدف التبليغات القضائية إلى اعمال مبدأ مهم للغاية في الدعوى المدنية، الا وهو مبدأ المواجهة بين الخصوم، هذا المبدأ الذي يحتل حيزاً كبيراً من الأهمية في قانون المرافعات، في الوقت نفسه يشكل إحدى الضمانات المهمة من ضمانات صحة التقاضي. وبخصوص تعريف هذا المبدأ، فالملاحظ ان شراح قانون المرافعات قد أسهبوا الكلام حول تعريف المبدأ. ومما قيل حول هذا المبدأ هي ان المواجهة تعني وجوب ان تتخذ الإجراءات في مواجهة الخصوم بحيث يتسنى للخصوم معرفتها سواء عن طريق اجرائها في حضورهم، أو عن طريق إعلانهم (تبليغهم) بها لتتاح لهم فرصة الاطلاع عليها ومن ثم مناقشتها(1).

في حين يذهب رأي آخر(2). ان المواجهة تعني وجوب ان يواجه الخصوم في الدعوى بعضهم بعضاً بادعاءاتهم ودفاعهم لدى المحكمة. مهما يكن من امر، يمكن القول بان فلسفة هذا المبدأ تتمحور حول فكرة مفادها ان من حق الخصوم في الدعوى المدنية معرفة كل ما يقدم في الدعوى من أدلة أو دفع أو وثائق وما إلى ذلك، وحقهم في مناقشة كل ذلك مناقشة حرة، وإذا كان هذا الأمر من حق الخصوم فانه في نفس الوقت يمثل واجباً ملقى على عاتق القاضي، بمعنى انه ملزم بذلك ومكلف بتهيئة كل ما من شأنه جعل المواجهة متحققة بين الخصوم(3).وقد أولى الفقه الإسلامي عناية خاصة بهذا المبدأ باعتباره من المبادئ التي تحمي حقوق المتقاضين، كما ان مشروعية هذا المبدأ ثابت بنص الكتاب والسنة، فضلاً عن اعتماده كمبدأ أساسي في نظام التقاضي لدى السلف الصالح تجدر الإشارة ان مبدأ المواجهة تمثل فرعاً من فروع حق الدفاع، وهذا يمثل ظاهرة تمتاز بها الدعوى المدنية، فمن الأمور المتفق عليها في فقه القضاء المدني انه من الواجب إعلام أطراف الدعوى بالادعاءات والأدلة المقدمة في الدعوى المعروضة، اذ لا يجوز الحكم على شخص ما لم يسمع دفاعه أو دعوته للدفاع عن نفسه(4).ان الحديث عن مبدأ المواجهة بين الخصوم، يقتضي بالضرورة الإشارة إلى إجراء يرتبط به ألا وهي شفوية المرافعة، وتعد شفوية المرافعة من ضمانات المحاكمة، وهي بطبيعة الحال تسهل مهمة القاضي، وذلك لان السماع من الخصوم شفاهةً افضل في ايصال الفكرة إلى ذهن القاضي من المحررات المكتوبة والتي قد يكتنفها بعض الغموض أو ما شابه ذلك. وهذا بلا شك يمهد السبل أمام القاضي للاستنباط السليم في الدعوى وصولاً إلى إصدار الحكم العادل فيها(5).

وقد قيل في تعريف شفوية المرافعة(6). انها تعني الفصل في الدعوى من قبل القاضي وذلك بناءً على أقوال الخصوم والتي يبدونها شفاهة في الجلسة فضلاً عما يتخذ من إجراءات في حضور الخصوم وغيابهم. ويمكن عن طريق شفوية المرافعة التحقق من صحة أو عدم صحة الأحكام التي يصدرها القضاة، فعن طريق الشفوية تتم المطابقة بين الأحكام وبين الإجراءات التي اتخذت أمامهم، وهذا بلا شك يمنح الجمهور فرصة الرقابة على عمل القضاة ومدى صحة أحكامهم(7).ورغم كل ما تتسم به مبدأ شفوية المرافعة من مزايا، إلا ان دوره قد انحسرفي الوقت الحاضر في زاوية ضيقة، والسبب في ذلك لا يرجع إلى تضاءل أهمية هذا المبدأ، بل العكس في ذلك فهو لا يزال يشكل حجر الزاوية في نظام التقاضي إلا أن هناك أسباب عدة أدت إلى قلة اللجوء اليها، من أهمها ان شفوية المرافعة تأخذ الكثير من وقت المحاكم في وقت كثرت الدعاوى المعروضة على المحاكم مما يقتضي حسمها بشكل سريع والحيلولة دون تراكم الدعاوى(8).

وإذا كان مبدأ المواجهة تقتضي حصول مواجهة بين المتقاضين من اجل ان يرى كل طرف الدليل المقدم ضده من قبل خصمه، حيث لا يجوز للقاضي ان يسمع من متقاض دون الآخر، بل عليه ان يواجههما، الا انه يمكن تصور قيام المحكمة بنظر الدعوى مع غياب أحد أطرافها مما يعني عدم حصول مواجهة بين الخصوم، وهذا يعد استثناءً من مبدأ المواجهة بين الخصوم. من اجل ذلك وحفاظاً على حقوق المتقاضين، فقد عالجت التشريعات المقارنة مسألة الغياب في الدعوى المدنية والاثار المترتبة عليها، فلا يمكن ان تعد مسألة الغياب عقبة تحول دون حسم الدعاوى. الملاحظ ان الغياب يتخذ أشكالاً عدة، فقد يكون الغياب من قبل طرفي الدعوى، وقد يكون من جانب المدعي أو قد يكون من جانب المدعى عليه وهذا ما سنبحثه تباعاً. بدءاً، لابد من الإشارة إلى ان التشريعات ورغبة منها في الحد من إجراء المرافعات الغيابية، وذلك لما يترتب على المرافعات الغيابية من أمور قد تنعكس سلباًعلى الدعوى منها ما قد يتخذه الخصوم وسيلة للمماطلة والتسويف، من اجل ذلك فقد قطعت هذه التشريعات الطريق أمام هذه المحاولات واعتبرت من اجل ذلك ان المرافعة تكون حضورية إذا حضر الخصم جلسة واحدة فقط وان تغيب بعدها عن باقي الجلسات(9).

والفرض الأول الذي يمكن تصوره هو غياب كل من المدعي والمدعى عليه، فاذا ما تغيب الطرفان عن الحضور في الجلسة الأولى رغم تبليغهما، ففي هذه الحالة اعتبر المشرع العراقي(10). ان الدعوى تترك للمراجعة إذا اتفق الطرفان على ذلك، والعلة هنا واضحة الا وهي رغبة المشرع في إمكانية فض النزاع بين المتقاضين بشكل ودي بعيداً عن إجراءات القضاء، فاذا ما بقيت الدعوى كذلك عشرة أيام ولم يطلب المدعي أو المدعى عليه السير فيها عندها تعد الدعوى مبطلة بحكم القانون، بمعنى ان الدعوى تبطل بقوة القانون وان لم يحكم القاضي بذلك. أما المشرع المصري واللبناني فقد اعتبرا ان تغيب المدعي والمدعى عليه من الحضور في الجلسة الأولى دون عذر مقبول يكون موجباً لشطب الدعوى(11). وشطب الدعوى لا يعني زوال الخصومة، وإنما يعني عدم السير فيها، فتبقى إجراءات الخصومة السابقة على الشطب قائمة ومنتجة لكل آثارها وتبقى الدعوى مشطوبة حتى يظهر أحد الخصوم رغبته في نظرها وذلك بان يطلب إعادتها إلى جدول القضايا المتداولة(12). ونرى ان موقف المشرع العراقي بخصوص هذه المسألة اكثر دقة وموضوعية من موقف باقي التشريعات، وذلك لان المشرع العراقي لم يحكم على الدعوى بالأبطال بمجرد عدم حضور الطرفين للجلسة الاولى، وانما منح الاطراف فرصة للتروي وإمكانية حل النزاع سلمياً فاذا ما مضت مدة العشرة أيام عندها يحكم بالابطال، على عكس التشريعات الأخرى والتي قررت الشطب مباشرة عند عدم حضور الطرفين للمرافعة، من جهة أخرى نرى ان المدد(13).التي منحتها بعض هذه التشريعات لامكانية استئناف نظر الدعوى بعد قرار الشطب مدد طويلة جداً مما يكون مدعاة للتسويف والمماطلة في وقت ازدادت الحاجة فيها إلى سرعة حسم الدعوى وضرورة عدم التأخير فيها.

اما الفرض الثاني الذي يمكن ان يثار حول مسألة الغياب، فهي احتمال غياب المدعى عليه وحده عن حضور المرافعة رغم تبليغه بالشكل المقرر قانوناً، ففي هذه الحالة تجرى المرافعة بحق المدعى عليه غيابياً إذا لم يكن قد حضر أي جلسة من جلسات المرافعة، وحضورياً (وجاهياً) إذا كان قد حضر جلسة واحدة من جلسات المرافعة. إلا ان المحكمة إذا رأت ان المدعى عليه لم يكن قد تبلغ بالشكل المقرر قانوناً، عندها تقرر المحكمة تأجيل نظر الدعوى إلى حين استكمال إجراءات التبليغ وذلك حتى لا يتم سلب حق من حقوق المدعى عليه(14)..

والفرض الثالث حول مسألة الغياب، هو تغيب المدعي من حضور المرافعة وحضور خصمه المدعى عليه، هذا الافتراض مع ندرة وقوعه الا ان التشريعات عالجته ورتبت عليه أحكاماً. وقد تباينت مواقف التشريعات إزاء هذا الافتراض والحلول التي جاءت بها. فقد خير المشرع العراقي(15). المدعى عليه في حال غياب خصمه أما ان يطلب إبطال عريضة الدعوى، أو ان يطلب النظر في دفعه للدعوى ان كان له دفوع. ان ابطال عريضة الدعوى لا يمنع من إقامتها مجدداً وذلك بعد دفع رسم جديد للدعوى، اما النظر في دفع المدعى عليه فقد يكون سبباً لرد الدعوى من الناحية الموضوعية. في حين ان المشرع المصري(17) ذهب إلى ان المحكمة تحكم في الدعوى إذا غاب المدعي أو المدعون أو بعضهم في الجلسة الأولى وحضر المدعى عليه. اما المشرع اللبناني(18). فقد ميز بين افتراضين، فيما إذا كان غياب المدعي بعذر أو بدون عذر، ففي الحالة الأولى إذا كان غياب المدعي بعذر، هنا يتوجب على المحكمة ان تؤجل نظر القضية إلى جلسة تالية يبلغ المدعي بموعدها، أما إذا كان تغيب المدعي بدون عذر ففي هذه الحالة للمدعى عليه ان يطلب إما إعلان سقوط الاستحضار وأما الحكم في الموضوع. وقد منح المشرع الأردني(19). الحق للمحكمة وبناءً على طلب المدعى عليه ان تقرر إسقاط الدعوى أو الحكم فيها إذا لم يكن للمدعى عليه دعوى متقابلة، أما إذا كان للمدعى عليه في الدعوى ادعاء متقابل فله الخيار في طلب إسقاط الدعوتين أو إسقاط الدعوى الأصلية أو السير في الدعوى المتقابلة أو الحكم بهما معاً.من كل ما تقدم، يبرز الدور الفعال للتبليغات القضائية، من حيث ان المرافعة لا تخطو أية خطوة إذا لم تكن التبليغات قد تمت وفق الشكل المقرر قانوناً، كل ذلك من أجل أن تتم مواجهه صحيحه بين الخصوم، ولان نقص التبليغات يعني نقص إجراء قضائي جوهري في المرافعة مما يقتضي تكملته وعدم تجاوزه، حتى ولو اقتضى الأمر تأجيل نظر الدعوى إلى حين استكمال التبليغات، فبدون هذه التبليغات لا يمكن تصور حضور الأطراف للمرافعة، وبالتالي لا تكون هناك مواجهة بين الخصوم.

____________________________

1-د. أمينة مصطفى النمر، قوانين المرافعات، الكتاب الأول، منشأة المعارف، الإسكندرية، دون سنة نشر، ص43.

أستاذنا د. عباس العبودي، شرح احكام قانون المرافعات، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 2000، ص46-47.

2- د. احمد مسلم، قانون القضاء المدني، دار النهضة العربية، بيروت، 1966، ص179.

3- راجع، د. جلال علي العدوي، أصول أحكام الالتزام والاثبات، منشاة المعارف، الاسكندرية، 1996، ص315.

4- للمزيد من التفصيل راجع: جليل حسن الساعدي، كفالة حق الدفاع اثناء نظر الدعوى المدنية، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون، جامعة بغداد، 1993، ص17 وما بعدها.

5- للمزيد من التفصيل راجع رسالتنا الماجستير الموسومة، مبدأ حياد القاضي المدني، دراسة مقارنة، المقدمة إلى كلية القانون، جامعة الموصل، 1999، ص67.

6- د. امينة النمر، مصدر سابق، ص51.

7- د. امينة النمر، مصدر سابق، ص51.

8-راجع: د. عبد المنعم الشرقاوي، د. فتحي والي، المرافعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1977، ص106.

9- راجع الفقرة (1) من المادة (55) مرافعات عراقي والمادة (83) مرافعات مصري والمادة (465) أصول لبناني، الفقرة (2) من المادة (67) أصول أردني.

10- راجع الفقرة (1) من المادة (54) مرافعات عراقي، في حين أن المشرع الأردني منح المحكمة حق تأجيل الدعوى أو إسقاطها، م (67) الفقرة (5) أصول.

11- راجع المادة (82) مرافعات مصري، والمادة (464) أصول لبناني.

12- د. عبد المنعم الشرقاوي، د. فتحي والي، مصدر سابق، ص155-156، د. محمود محمد هاشم، مصدر سابق، ص305.

13- وهي (60) يوماً في قانون المرافعات المصري، راجع المادة (82) من قانون المرافعات.

14- راجع الفقرة (1) من المادة (56) مرافعات عراقي، المادة (84) مرافعات مصري، المادة (468) اصول لبناني، المادة (69) اصول اردني.

15- راجع الفقرة (2) من المادة (56) مرافعات عراقي.

16 راجع المادة (82) مرافعات مصري.

17- راجع المادة (466) أصول لبناني.

19- راجع الفقرة (4) من المادة (67) أصول أردني

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .