قد تحتاج محكمة ما منظورة أمامها دعوى إلى أتخاذ أجراء خارج سلطتها، من شأنه أن يؤدي إلى تطبيق العدالة بصورة أدق كأن يكون سماع شاهد يسكن خارج الاختصاص المكاني للمحكمة أعلاه أو جمع ادلة معينة منتجة في تلك الدعوى أو أن تكون هناك عقبات تمنع المحكمة من أتخاذ ذلك الأجراء بنفسها ففي هذه الحالات أو المشابهة لها، تحتاج المحكمة إلى أن تنيب غيرها من المحاكم في النطاق الداخلي لدولة تلك المحكمة أو السلطة الدبلوماسية أو القنصلية للدولة طالبة الإنابة في نطاق العلاقات الخاصة الدولية للقيام بتلك الاجراءات نيابة عن المحكمة التي تنظر النزاع. ذكر علماء اللغة للإنابة معنيين أولها الرجوع وثانيهما أقام بمقام. قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (وأناب فلان إلى الله إنابةٌ، فهو منيبٌ، إذا نابَ ورجعَ إلى الطاعةِ وناب عني فلان في هذا الأمر نيابة، إذا قام مقامك)(1).

أما أبن فارس فقد ذكر أن نوب تدل على أعتياد مكان ورجوع إليه(2)، وقال الزمخشري (وأناب إليه نوبةٌ ومناباً أي رجع مرة بعد أخرى … وناب عنه نوبة وهو ينوب منابة)(3). وأن الأستنابة هي ذاتها الإنابة. ومن إذ الأصطلاح القانوني وضعت عدة تعاريف للإنابة القضائية فقد عرفها الاستاذ الدكتور أدور عيد بأنها (عمل بمقتضاه تفوض المحكمة أو (القاضي) محكمة أخرى (أو قاضياً آخر) للقيام مكانها أو في دائرة أختصاصها، بأصدار بعض إجراءات التحقيق والاجراءات القضائية الاخرى التي يقتضيها فصل الدعوى المرفوعة أمامها، والتي تعذر عليها مباشرتها بنفسها بسبب بعد أعاقه أو أي مانع آخر)(4)، أما الدكتور عكاشة محمد عبد العال فقد عرفها بأنها (تعني أن تنسيب سلطة قضائية بمناسبة دعوى منظورة أمام محاكمها، سلطة قضائية أو دبلوماسية، تابعة لدولة اجنبية، بقصد القيام بجمع أدلة الاثبات أو أنجاز تحقيق يقتضيه الفصل في النزاع المعروض عليها ويتعذر عليها أن تقوم به بطبيعة الحال بنفسها)(5) . أما الاستاذ الدكتور عز الدين عبد الله فأنه لم يورد تعريفا للإنابة القضائية وأنما وضع شرطين لتحقيق الإنابة القضائية في العلاقات الخاصة الدولية، أولهما التجاء قاضي المحكمة إلى الممثل الدبلوماسي أو إلى قناصل التابع دولته في الدولة المراد اتخاذ اجراء فيها أو إلى سلطة مختصة في هذه الدولة والشرط الثاني أن تسمح الدولة المطلوب منها تنفيذ طلب المحكمة الاجنبية بمباشرة الإنابة على أقليمها(6). ولم يكن موضوع الإنابة القضائية على صعيد الفقه فقط، بل نصت عليها القوانين الداخلية للدول المتعلقة من ذلك المادة (101) من قانون المرافعات العراقي رقم (83) لسنة 1969 والتي نصت على ما يأتي:

1-يجوز للمحكمة أن تطلب بوساطة وزير العدل من القنصل العراقي أو من يقوم مقامة استجواب الخصم أو تحليف اليمين أو الاستماع إلى شهادة الشاهد إذا كان مقيما في الخارج.

2-في الأماكن التي ليس فيها قنصل عراقي أو من ينوب عنه يتم ذلك بوساطة محكمة محل اقامة الخصم أو الشاهد في الخارج إذا وجد أتفاق قضائي بين جمهورية العراق وبين ذلك البلد أو على اساس المعاملة بالمثل.

3-على المحكمة التي تنظر الدعوى أن تثبت البيانات الخاصة التي يطلب الأستجواب عنها أو صيغة اليمين التي يراد تحليفها أو الاسئلة التي توجه إلى الشاهد(7).

والملاحظ أن بعض القوانين الداخلية لم تنظم أحكام الأنابة القضائية خارج حدود تلك الدول ومنها القانون المصري. فمن المعلوم أن قانون المرافعات والتحكيم المصري الحالي رقم 13 في 1986 جاء خالياً من أية قواعد تتعلق بالأنابة القضائية وهذا الفراغ قد أنتقد من قبل الفقه المصري من ناحيتين،

الأولى: إن المشرع المصري ذاته قد نظم الأختصاص القضائي الدولي للمحاكم المصرية (م 28 وما بعدها من قانون المرافعات)، وأن ثبوت الأختصاص الدولي للقاضي المصري، لا يكفيه الفصل في النزاع ذي الطابع الدولي، إذ لا يمكنه القيام بالأجراءات اللازمة كافة لذلك ولضرورة أتخاذها في الخارج، فكان تنظيم الأختصاص الدولي للمحاكم الوطنية يستتبع بالضرورة تنظيم كيفية أتخاذ تلك الأجراءات في الخارج.

الثانية: أن مصر قد وقعت على بعض الأتفاقيات الدولية في مجال المرافعات المدنية الدولية وأصبحت طرفاً فيها وتلك الأتفاقيات تنظم مسألة الأنابة القضائية، مما كان يقتضي أفراد بعض النصوص لها في تقنين المرافعات، وعلى غرار ما يفعل المشرعون في القانون المقارن(8). كذلك عقدت اتفاقيات دولية كثيرة للتعأون القضائي، نظمت أحكام الإنابة القضائية وكأن منها اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، مثل الاتفاقية المعقودة بين حكومتي العراق وبريطانيا، الموقع عليها في بغداد 25 تموز 1935، و المعاهدة العراقية التركية بشأن التعاون القضائي والمدني والجزائي والتجاري المعقودة سنة 1946 والتي نصت المادة الحادية عشرة منها على أنه: ( للسلطات القضائية في احدى الدولتين المتعاقدتين استنابة السلطات المختصة في الدولة الاخرى للقيام ضمن صلاحياتها القضائية بأي عمل أصولي أو قضائي فيما يختص بالامور المدنية أو التجارية……… )(9). كذلك عقدت اتفاقيات دولية متعددة الأطراف مثل اتفاقيتي لاهاي لعامي 1905 و 1954(10). وأتفاقية لاهاي 18/إذار / 1970 للحصول على الأدلة في الخارج، أما في نطاق جامعة الدول العربية فقد عقدت اتفاقية الإنابة القضائية لعام 1953، كذلك عقدت اتفاقية الرياض للتعأون القضائي لعام 1983 والتي نظمت أحكام الإنابة القضائية في الباب الثالث من المادة 14 وحتى المادة 21 منها(11).

وعلى الرغم من أن دور القضاء هو تطبيق القإنون فأن ذلك الدور قد بين الإنابة القضائية من خلال التطبيق العملي لها إذ جاء في قرار لمحكمة التمييز العراقية، بالاضبارة رقم (911/حقوقية/1967 بتاريخ 31/8/1969 ) ، (وجد أن الحكم الاستئنافي قد صدر مؤيدا للحكم البدائي في الاحتفاظ للمدعى عليهم ، بحقهم تحليف اليمين بعدم الكذب بالاقرار الموجه إلى(ع) إليه أمام السفارة السويسرية، التي ترعى المصالح العراقية في كولون وإذ أن تحليف اليمين بالإنابة صحيح حسب أحكام المادة (13) من قانون الدبلوماسية والقنصلية رقم (15) لسنة 1936)(12) ، وعلى الرغم من تعدد التعاريف للإنابة القضائية من جانب الفقه وتنأول التشريعات الداخلية والقضاء وحتى الاتفاقيات الدولية لموضوعها إلا إن الغاية المقصودة من كل ذلك واحدة وهي إتخاذ اجراء من قبل محكمة اخرى لا تنظر أصل النزاع أو من هيئة دبلوماسية أو قنصلية، بناء على طلب محكمة من دولة اجنبية تنظر الدعوى الاصلية وصولاً لتحقيق العدالة. أما الطبيعة القانونية للإنابة القضائية، فقد ذهب جانب من الفقه إلى أن هذه الطبيعة هو عمل بمقتضاه تفوض المحكمة أو القاضي، محكمة أخرى أو قاضياً آخر لقيام بدلاً عنها(13). بأتخاذ أجراء من أجراءات التقاضي للحصول على دليل أو مجموعة أدلة ضمن دائرة أختصاص هذه المحكمة الأجنبية. وقد أنتقد هذا الرأي على أن الإنابة القضائية ليست عملاً وأنها الطلب لقيام بعمل. ذهب أتجاه آخر إلى أن الإنابة القضائية طلب القيام بأجراء معين تقدمه سلطة قضائية التي تنظر أصل النزاع، ويعطي هذا الطلب تفويضاً للسلطة المنابة للقيام بعمل لأجراء قضائي، لا تستطيع المحكمة المنيبة القيام به بنفسها، خصوصاً أن الإنابة القضائية قد تكون غير ملزمة في بعض الحالات، وأن السلطة المنابة تستطيع أتباع الأجراءات التي تراها لازمة لغرض تنفيذ الإنابة المطلوبة منها. الملاحظ بأن هذا التفويض يقتصر فقط على هذا الأجراء المراد أتخاذه في الخارج، ولا يمتد إلى الدعوى الأصلية المنظورة من قبل المحكمة المنيبة، فطلب الإنابة لا يعد بذاته أجراء من الأجراءات التحقيقية، ولكن هذا الطلب يفوض سلطة أخرى لأجراء الإنابة القضائية تقوم هذه السلطة بالعمل بأسمها. على وفق هذا الرأي فأن الإنابة القضائية ليست عملاً وأنما طلب للقيام بعمل يفوض بموجبه السلطة المنابة للمساعدة في تحقيق حسن سير العدالة لدى سلطة قضائية أخرى تنظر الدعوى أمامها(14). مما تقدم يمكن أن نعرف الإنابة القضائية بأنها طلب يقدم من سلطة قضائية لوجود دعوى منظورة أمام أحدى محاكمها إلى سلطة قضائية اخرى أو دبلوماسية للقيام بأجراء قضائي لا يمكنها القيام به بذاتها يقتضيه الحكم في النزاع المعروض أمامها.

____________________

1-الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق د. مهدي المخزومي و د. أبراهيم السامرائي، ج8، منشورات وزارة الإعلام، جمهورية العراق، 1985، ص381.

2- فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ج5، بدون سنة نشر، ص367.

3- الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، 1979، ص656.

4- د. أدور عيد: الأنابات والاعلانات القضائية وفقا لقواعد القانون الخاص الدولي وأتفاقية الدول العربية في عام 1953، معهد البحوث والدراسات العربية، 1969، ص8.

5- د.عكاشة محمد عبد العال، الأجراءات المدنية والتجارية الدولية، الأسكندرية، مطبعة الدار الجامعية، 1986، ص291.

6- د. عز الدين عبد الله، القانون الدولي الخاص، ج2، الطبعة السادسة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1969، ص810 وما بعدها. أنظر د. أبو العلا علي أبو العلا النمر، مقدمة في قانون الأجراءات المدنية والدولية الطبعة الأولى/ دار النهضة العربية، القاهرة، ص57 والدكتور أحمد عبد الكريم سلامة، المجلة المصرية للقانون الدولي، مسائل الأجراءات في الخصومة المدنية الدولية، المجلد الثاني والاربعون، القاهرة، 1986، ص113. وكذلك Raymond Vander Elstet Martha Weser، Belge، Dorit International prive، Tome Premier، Brvylant، Bruxelles، 1983، p. 26. Geraldine Beliard، Eric Riquier and Wang Ziao Yan، Glossaire de Droit international، prive. Bru Ycant، Bruxell 1992، p. 70. Andre Huet، les conflits de lois enmatiere de prevue، volume v1، Paris، 1965، p. 59 والذي عرف الإنابة القضائية (تكون على شكل طلب أو أنتداب معطى من قبل سلطة قضائية إلى الاخرى أو دبلوماسية في سبيل جمع الحجج ، العناصر المعلومات أو أنجاز أحكام واجراءات التحقيق ذلك لأن السلطة القضائية لا تستطيع بحثها أو اكمالها في اختصاصها الخاص بها ) Hute P. 59.

7- الغيت هذه المادة ومجموعة من المواد الاخرى بموجب قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 إذ تم أحلال المادة (16) من قانون الاثبات التي تشير إلىنفس المعنى بدلاً عنه.

8- الدكتور أحمد عبد الكريم سلامة، مصدر سبق ذكره، ص113.

9- الدكتور رشدي خالد، اتفاقيات التعاون القانوني و القضائي بين العراق و الدول الاخرى، بغداد، منشورات مركز البحوث القانونية سنة 1982، ص 110 و ص 166.

10- يلاحظ أن العراق لم يوقع أو يصادق على أي من هذه الاتفاقيات الدولة متعددة الاطراف وأن ثلاث دول عربية قد صادقت على هذه الاتفاقية ( 1954 ) و هي كل من مصر و لبنان والمغرب Raymond Vander Elst et Martha weser. Op،. cit، p. 358..

11- صادق العراق على هذه الاتفاقية بموجب قانون رقم (110) لسنة 1983 والمنشور في جريدة الوقائع العراقية رقم 2976 في 16/1/1984.

12- د. عبد الرحمن العلام، شرح قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 مع المبادئ القانونية لقرارات محكمة التمييز العراقية، بغداد 1972، مطبعة العاني، ص500.

13- د. أدور عيد، مصدر سبق ذكره، ص9.

14- د. أبو العلا علي أبو العلا النمر، مصدر سبق ذكره، ص59.

المؤلف : عبد المطلب حسين عباس الموسوي
الكتاب أو المصدر : الانابة القضائية في القانون الدولي الخاص
الجزء والصفحة : ص8-13

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .