على الرغم من المزايا الواضحة التي يحققها مبدأ الفصل بين السلطات ، فانه لم يسلم من الانتقادات شأنه في ذلك شأن أي مبدأ آخر وأهم هذه الانتقادات هي :

1- يرى منتقدو مبدأ الفصل بين السلطات ان القصد من هذا المبدأ كان لمحاربة السلطان المطلق للملوك في القرن الثامن عشر ، والقضاء على الملكيات المستبدة . وقد حقق المبدأ الهدف الرئيسي له ، وانقضت هذه النظم الاستبدادية واندثر عصر السلطان المطلق للحكام ، ولم تعد هناك حاجة للأخذ بالمبدأ في الوقت الحاضر(1).

2- ان الأخذ بالمبدأ ، يؤدي إلى تفتيت وحدة الدولة ، مما يعطل أعمالها ، ويعرضها للخطر في أوقات الأزمات لان مباشرة خصائص السيادة تستلزم توحيدها وتركيزها ، وليس فصلها فهذه الخصائص كأعضاء الجسم البشري ، من غير الممكن فصلها عن بعضها وهذا لا يتفق مع الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات(2).

3- ان مبدأ الفصل بينها يؤدي إلى تجزئة المسؤولية وتقسيمها وبالتالي صعوبة حصرها أو تحديدها ، اذ ان تعدد السلطات في الدولة مع استقلالها عن بعضها يؤدي إلى توزيع المسؤولية عليها توزيعاً يضعفها عن القدر اللازم ، اما إذا كانت السلطة مركزه في يد واحدة انصبت عليها المسؤولية كاملة فيزداد الإحساس بها ويتضاعف أثرها ، لانه في حالة الفصل بين السلطات تستطيع أي منها التخلص من المسؤولية وإلقاء التبعة على عاتق السلطة الأخرى(3).

4- ان الواقع العملي في دول كثيرة أثبت انه لابد وان تطغى إحدى السلطات على السلطتين الأخريين ، بحيث ينتهي الأمر بان تميل كفة الميزان إلى جانب تلك السلطة على حساب غيرها وعلى حساب مبدأ الفصل بين السلطات ، أو ينتهي الأمر إلى اضطرار السلطات الثلاث إلى تحقيق نوع من التعاون فيما بينها تفادياً للوقوع في مشاكل الفصل بين السلطات ، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انهيار مبدأ الفصل بين السلطات ذاته(4).

ومما يلاحظ على هذه الانتقادات ان منتقدو المبدأ اعقدوا ان المبدأ يقيم سياجاً منيعاً بين السلطات العامة في الدولة يفصل بينهما فصلاً مطلقاً(5). ويمنع كل اتصال أو تعاون فيما بينها ، فقاموا بتسديد سهام النقد إلى المبدأ انطلاقاً من هذا الفهم الغير صحيح. ولم توجه هذه الانتقادات إلى مبدأ الفصل المرن المشبع بروح التعاون بين السلطات فما زال هذا المبدأ مسلماً به فقهاً وقضاء(6). ومقدراً في العديد من الدساتير الديمقراطية بل انه يعد عماد الديمقراطية التقليدية بحيث إذ زال المبدأ انهدم أساس الديمقراطية وفي تجاهله للديمقراطية ذاتها(7). لقد رفض الواقع العملي مبدأ الفصل المطلق بين السلطات ، فكان لابد من إضفاء نوع من المرونة في فهم هذا المبدأ وتطويره نحو الفصل المشبع بروح التعاون بين السلطات ، وهو المفهوم الذي قصده مونتسكيو نفسه حيث الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث في الدولة ، مع قيام قدر من التعاون فيما بينها لتنفيذ وظائفها في توافق وانسجام ووجود رقابة متبادلة بينها لضمان وقوف كل سلطة عند حدودها دون ان تجاوزها أو تعتدي على سلطه أخرى(8).

وهكذا فالفصل بين السلطات في معناه الحقيقي لا يكون الا نسبياً يسمح بعلاقات التداخل بين السلطات المختلفة تتفاوت قوة وضعنا بحسب النظام السياسي. فإذا كان منح رئيس الدولة الاختصاصات التشريعية الاعتيادية من مظاهر تعاضد السلطات وتعاونها ، فانه يمثل في النظام الرئاسي وسيلة لحماية مبدأ الفصل بين السلطات وكفالة التوازن بينها ، حيث تعتبر هذه الاختصاصات من أهم وسائل التعاون وتبادل الرأي والتوازن والرقابة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فالبرغم من ان الوظيفة التشريعية هي من صميم عمل البرلمان فان السلطة التنفيذية في النظام البرلماني تتدخل في الإجراءات التشريعية وتساهم في سن القوانين عن طريق حقها في اقتراح القوانين والاعتراض عليها كذلك يمارس رئيس الدولة في النظام الرئاسي دوراً تشريعياً ملحوظاً ، فقد استغل الرئيس الأمريكي حقه في الاعتراض على القوانين واستخدمه بفاعلية شديدة في تحقيق أهدافه التشريعية ، كما استخدم الرئيس حقه المنصوص عليه في المادة 2/3 كحق اقتراح فعلي. وقد تبنت الدساتير ـ بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي المعمول به الاختصاصات التشريعية الاعتيادية لرئيس الدولة(9). حيث راعت الدساتير في منح رئيس الدولة هذه الاختصاصات باعتبار ان السلطة التنفيذية بحكم احتكاكها الواضح وأدارتها العامة تكون على جانب كبير من الدراية باحتياجات المجتمع في مجال التشريعات وتقف على ما يعتري القوانين من عيب أو قصور عند التطبيق(10).

وما يجدر ذكره ان الدور التشريعي لرئيس الدولة لا يقتصر على مساهمته في الاختصاصات التشريعية الاعتيادية ، فقد أدت المشكلات المعقدة التي يتعرض لها المجتمع الدولي والظروف الاستثنائية التي تنجم عن الحروب الكبرى إلى تقهقر دور وسلطات التشريع البرلماني ، فمواجهة هذه المشاكل تحتاج إلى سرعة التقرير ووحدته وحزمه ، كما تتطلب في كثير من الأحوال إحاطة الإجراءات المواجهة بسرية تامة ، وهي صفات يفتقر إليها التشريع البرلماني الذي يتسم بالبطء والعلانية وقد ترتب على ذلك ظهور ما يسمى بالتشريع الحكومي أو ظاهرة المرسوم بقانون ، فقد وضعت حالة الضرورة الحكومات المختلفة إلى ممارسة السلطة التشريعية في غيبة البرلمان أو في حضوره بقرارات لها قوة القانون(11). وهكذا اعترفت أغلب الدساتير لرئيس الدولة بقدر معين من الاختصاص التشريعي سواء في الظروف الاعتيادية أو الاستثنائية نتيجة لتطور مفهوم الفصل بين السلطات الأمر الذي أدى إلى ان يحكم رئيس الدولة قبضته على التشريع الوطني.

_________________________________

1- د. عبد الغني بسيوني ـ مصدر سابق ـ ص191.

2- الأستاذ إبراهيم الصغير إبراهيم ـ مصدر سابق ـ ص99.

3- د. نوري لطيف ـ القانون الدستوري المباديء والنظريات العامة ـ الطبعة الأولى ـ ساعدت الجامعة المستنصرية على طبعه ـ 1976 ،ص151.

4- د. أحمد حافظ عطيه نجم ، مصدر سابق ، ص92.

5- يحكم مبدأ الفصل المطلق بين السلطات ثلاثة عناصر :

أولاً : المساواة والقصد منها ان لا تنفرد أية سلطة بسيادة الدولة وانما تتقاسمها فلا يجوز تغليب سلطة على سلطة أخرى ، بحيث لا تكون السلطة التشريعية أقوى من السلطة التنفيذية والعكس صحيح ، مع التسليم في حق السلطة القضائية في الاستقلال بالوظيفة القضائية .

ثانياً : التخصص الوظيفي فكل سلطة تتخصص في وظيفة معينة ، البرلمان يتخصص في التشريع ، والحكومة تتخصص في التنفيذ ، والقضاء من اختصاص السلطة القضائية.

ثالثاً : الاستقلال العضوي أي لا يكون لأية سلطة من سلطات الدولة أي تأثير في السلطة الأخرى ، ولا يحق لأي سلطة مشاركة سلطة أخرى في اداء واجباتها نفسها ولأي سبب كان ، فلا يحق لعضو في السلطة ان يكون في آن واحد نائباً في البرلمان ووزيرا ، وأيضاً لا يحق للبرلمان سحب الثقة من الحكومة وفي المقابل لا يحق للحكومة حل البرلمان.

د. سعيد بو الشعير ـ القانون الدستوري والأنظمة السياسية المقارنة ـ الجزء الثاني ـ النظم السياسية ـ مصدر سابق ص170ـ171. ود. مصطفى أبو زيد فهمي ـ مبادئ الأنظمة السياسية ـ منشأة المعارف ـ الاسكندرية ـ الطبعة الأولى ـ 1984 ، ص216.

6- حكم محكمة القضاء الإداري المصرية في جلسة 20ـ12ـ1954 حيث ذكرت ” ان قاعدة الفصل بين السلطات من وفقاً لما اجمع عليه فقهاء القانون العام في العصر الحديث ، وطبقاً لأسس النظام الديمقراطي والمبادئ الدستورية ، تقوم على عدم فصل السلطات فصلاً تاماً ، وانما هي تتمثل في فصل السلطات فصلاً محدداً بتعاونها وتساندها بحيث تتداخل الاختصاصات بينها أحياناً بما يحقق الصالح العام، وعلى ذلك تقوم السلطة التشريعية بأعمال هي من اختصاص السلطة التنفيذية ، كما تقوم السلطة التنفيذية بأعمال هي أصلاً من اختصاص السلطة التشريعية” د. حمدي ياسين عكاشة ـ القرار الإداري في قضاء مجلس الدولة ، منشأة المعارف الاسكندرية ـ 1987 ، ص19.

7- د. فؤاد العطار ـ النظم السياسية والقانون الدستوري ـ دار النهضة العربية ـ القاهرة 1965ـ1966 ، ص566. وكذلك د. سعيد بو الشعير ـ القانون الدستوري والأنظمة السياسية المقارنة ـ مصدر سابق ص173.

8- ينظر عبدالغني بسيوني ـ مصدر سابق ـ ص192.

9- ينظر عمر حلمي ـ مصدر سابق ـ ص4 ود. عادل الطبطائي ـ المبادئ الدستورية العامة – مطبعة اليقظة الكويت ـ ص1980 ـ ص90.

10- ينظر د. مصطفى أبو زيد فهمي ـ النظام الدستوري للجمهورية العربية المتحدة ـ دار المعارف مصر ، 1966 ، ص477.

11- الواقع ان هذه الظاهرة قد خلقت العديد من المشاكل الدستورية وشغلت الفقه والقضاء زمناً طويلاً في محاولة تطويع الإجراءات الاستثنائية لمبدأ المشروعية ، وعنى الفقه بدراسة المشكلة محاولاً وضع ضوابط موضوعية يسهل رقابتها كوسيلة لحكم حالة الضرورة وحصر آثارها ، وهو ما اضطر بعض الدساتير إلى تنظيم حالة الضرورة وتحديد شروطها وآثارها وكيفية رقابتها ، عمر حلمي ـ مصدر سابق ـ ص5.

المؤلف : تغريد عبد القادر المنقحة
الكتاب أو المصدر : مبدا الفصل بين السلطات

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .