الطبيعة الإلزامية للإدارة الاليكترونية بإتجاه الإدارة

إذا لم يكن هنالك فرض قانوني على المواطن لتقديم معاملته للإدارة على شكل استمارات ومعلومات وبيانات إليكترونيه، فان هناك بالمقابل صعوبات على الإدارة بالمرافق العامة في أن تسن قرارات تقضي بإلزام المواطن بتقديم معاملته عن طريق الانترنيت وذلك لأسباب عديدة، منها عدم توفر أجهزة في الإدارة وعدم توفر البنية التحتية وعدم توفر القدرة لدى الإدارة على تهيئة كوادر فنية أو أجهزة، لكون استخدام الإدارة الإليكترونية ( مفهوماً حديث النشأة في دول العالم كافة وبالأخص بالدول النامية كونها عاجزة عن تقديم أو تسيير العمل بصورة صحيحة في الأصول التقليدية)(1). وهناك جوانب عديدة غير متكاملة وغير متكافئة في استخدام الإدارة الإليكترونية.

فالعوامل التي تم ذكرها مسبقاً لا يمكن التحقق منها في الوقت الحاضر، وإنما البداية تأتي صعبة على بعض الدول في تبني هذا العمل الرائد في التقدم الإليكتروني، وأن تطبيق الإدارة الإليكترونية قد يخلق التزامات إضافية ولاسيما من ناحية تعديل بعض تشريعاتها لتواكب هذا العمل أو هذه الظاهرة العلمية ومثال ذلك التعليم الإلزامي. فإلزامية التعليم تكون بصدور قانون يفرض على الشخص التعلم أو خضوعه لمساءلة قانونية، فإذا كان هذا حقاً ذا طابع فردي ملزم للدولة، فانه بالمقابل لابد من تهيئة وسائل التعليم.

فهل هنالك إلزام يفرض على الدولة فرض التدريب على استخدام التقنيات الحديثة التي تمكن من التعامل مع الإدارة الإليكترونية على مواطنيها (2)؟ لاحظ إنه لم يصدر قرار في أي دولة في العالم يلزم بإصدار تشريعات تلزم الإدارة بالمعاملات الإليكترونية، والنصوص التي صدرت تتراوح ما بين إقرار المبدأ وإلزام بعض الإدارات في قطاعات محددة مثل نشر القوانين و وضع نماذج المعاملات عبر الشبكة مثل التصاريح المالية.

وقد جاء ذلك في إعلان وزراء الوظيفة العامة لدى الاتحاد الأوربي فالمبدأ هو أن يبقى استخدام الإجارة الإليكترونية اختياريا وليس إلزاميا(3). أن التشريعات الحديثة التي صدرت مؤخراً في الكثير من الدول الغربية تتراوح مضامينها بين إقرار المبدأ أي الإعلان عن حق المواطن في الحصول على المعاملات الإدارية والخدمات العامة بوسائل معلوماتية باستثناء ما يشترط القانون صراحة حضوره شخصياً إلى المراكز الإدارية، كما في المادة السادسة عشرهَ من القانون الفرنسي رقم 4 والصادر في 12/4/2000 حيث ألزم الإدارات العامة بتقديم بعض الخدمات اليكترونياً في مجالات أو قطاعات محددة.فضلا عن ذلك فان هنالك العديد من القرارات والمراسيم والتصاريح التي تلزم الإدارة باتباع وسائل الإدارة الاليكترونية ومنها(4):

1- تقرير مجلس الدولة الفرنسي في 27 أيلول 2001 بشأن نشر القوانين وبعض القرارات الإدارية آذ ألزمت الإدارات المختصة بنشر مواز لهذه القوانين والقرارات التنظيمية والمعلومات بوسائل إليكترونية، وقد اقترح أن يتضمن النص القانوني المذكور وجوب نشره في الجريدة الرسمية بشكل إلكتروني في اليوم ذاته الذي نشر فيه ورقياً (5) .

2-في عام 1999 صدر مرسوم في فرنسا يلزم بوضع النماذج الرسمية المعاملات الإدارية عبر شبكة الإنترنت مجاناً في صيغة رقمية ضمن موقع حكومي واحد، على أن تكون هذه النماذج مقبولة لدى قيام المواطنين بطباعتها عن بعد وتقديمها إلى الإدارات بصورة رسمية(6).

3– في مجال التصاريح المالية والضريبية التي بدأت تصبح إلزامية بوسائل إلكترونية بالنسبة إلى الشركات التجارية على وفق شروط تحدد بأدوات تعاقدية، جاء في قانون (Mode line) في فرنسا الصادر في 11/2/1994 أن على الإدارة أن تلاحظ إمكانية تقديم التصاريح المالية بوسائل إلكترونية(7).

وهكذا يخلص الباحث من ذلك إلى إن المبدأ العام إن الإدارة غير ملزمة بإتباع وسائل الإدارة الالكترونية إلا في حالة وجود نص صريح بذلك، أما في الحالات التي ينعدم فيها النص فلا وجود لهذا الإلزام، إذ يبقى استثناءً لا يجوز التوسع عليه ويرى الباحث من جانبه إن من الضروري أن يتم إقرار الطابع الإلزامي لإتباع الوسائل الاليكترونية بالنسبة للمواطن والدولة على السواء، نظرا لأهمية هذه الوسائل وفوائدها العديدة … .

الطبيعة الإلزامية للإدارة الاليكترونية بإتجاه المواطن

الشخص هو نفسه في التعاملات الإليكترونية والتعاملات التقليدية ضمن القوانين الاعتيادية، ففي نطاق التجارة الإليكترونية يتم التعاقد عبر الحاسوب الآلي، بينما يتم التعاقد بالطرائق التقليدية ولكن الفرق إنه في الحالة الأولى يتم العقد بواسطة أجهزة إليكترونية وبذلك تكون له الحقوق والمزايا كافة التي يتمتع بها الشخص المتعاقد بالطرائق التقليدية. وقد صدر التوجيه الأوربي رقم 97 / 7 في 20 أيار 1997 بشأن حماية المستهلك في العقود عن بعد وكذلك صدرت التوجيهات الأوربية رقم 97/489 في 30 تموز 1997 بشأن وسائل الدفع الإلكتروني، وأيضا التوجيه الأوربي رقم 99/93 في 13 كانون الأول 1999 في شأن التوقيع الإليكتروني وكذلك التوجيه رقم 2000/31 في 8 حزيران 2000 بشأن التجارة الإليكترونية(1).هذه هي التشريعات الصادرة عن المنظمات الدولية والتي تبين لنا حماية المستهلك في نطاق التجارة الإليكترونية.

فمن المبادئ الرئيسة في تعزيز الثقة لدى الجمهور بالأعمال الإليكترونية ضرورة احترام الحق في الخصوصية والسرية بالنسبة للمستهلك وذلك بعدم نشر أو بث أية بيانات تتعلق بالأمور المصرفية، وكل هذا يبين أن أداء المعاملات الإدارية والخدمات العامة من المواطنين بالوسائل الإليكترونية ينبغي أن يبقى على الدوام اختيارياً وليس إلزاميا، وقد أكد ذلك المبدأ إعلان وزراء الوظيفة العامة لدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي في 29/11/2001 حيث قرر الإبقاء على الطابع الاختياري للخدمات الإليكترونية في الإدارة العامة(2).

إن مبدأ المساواة بين المواطنين أمام الخدمات العامة لا يتعارض بحد ذاته مع قيام الإدارات والمؤسسات الحكومية بتقديم الخدمات العامة وأداء المعاملات الإدارية بالوسائل الإلكترونية. فالمادة الثالثة من قانون تنظيم التجارة الإليكترونية في البحرين مثلا لا يلزم المواطن بتقديم معاملته إليكترونيا(3)

لكن مسار التحديث يجب أن لا يستفيد منه فقط من يستخدم الانترنيت والشبكات الإلكترونية وإلا وقعنا في حالة التمييز بين المعاملات الإليكترونية كونها ذات درجة معينة من الأهمية، وبين المعاملات التي تتم بالوسائل التقليدية لدى المراكز الإدارية، أي المعاملات التي يحملها المواطنون بأيديهم أمام مكاتب الموظفين بشكل مجموعات في إنجاز المعاملات، مما قد يزعج الموظف فيبدأ بإعاقة العمل لاسيما مع تزاحم المراجعين والتعصب في الروتين للمعاملات. من هنا يخلص الباحث إلى أن الفرد غير ملزم بإتباع الوسائل الاليكترونية في تقديم معاملته، بل إن له حرية الاختيار في إتباع الوسائل التقليدية ام الوسائل الاليكترونية طالما لا توجد نصوص قانونية ملزمة له، وإن كان استعماله للوسائل الإليكترونية اكثر فائدة وأسهل عليه من المراجعات ومتاعبها .
_________________

1 – د. طوني عيسى – الركائز القانونية و التنظيمية للإدارة الإلكترونية – ورقه عمل مقدمه في مؤتمر الكويت حول الحكومة الإلكترونية – 15- تشرين الأول –الكويت 2003، ص2.

2- د. طوني عيسى- مرجع سابق – ص3.

3- د. عيسى ميشال عيسى – الجوانب القانونية للحكومة الإليكترونية – ورقة عمل مقدمة لمؤتمر الكويت حول الحكومة الإليكترونية في 12/10/2003 ص14.

4- د.طوني عيسى – مرجع سابق – ص11.

5–يراجع المواقع المتاحة (www.legifrance.gouv.fr) (www.Cosa. gouv.fr)

6- الموقع المتاح www .impots. gouv. Fr

7- قانون Mode line) )المتاح على الموقع (www.impots.gouv.f r )