بحث و دراسة حول الاثار القانونية لغياب المحكمة الدستورية

” في غياب محكمة دستورية ”
المحامي موسى فهد الأعرج
مقدمـــــــة ، أولاً : قانون منع الجرائم ، ثانياً : فرض الضرائب والرســــوم ، ثالثاً : إنشاء واختصاص محكمة أمن الدولة ، رابعاً : رقابة ديوان المحاسبة ، خامساً : نظام تقسيم الدوائر الإنتخابية ، سادساً : ضرورة إنشاء محكمة دستورية 0

مقدمـــــــــــه
ــــــــــــــــــــــــ
– لا يمكن أن نتصور مجتمعاً مدنياً بدون محاكم عادية تقضي بين الناس ، فتعلن في أي جانب يكون الحق أو تعاقب المذنب ، إلا أنه يمكن أن نتصور مجتمعاً مدنياً بدون محاكم ادارية تنظر في مدى توافق تصرفات الإدارة العامة مع القانون اذا قامت بهذه المهمة المحاكم العادية أو كانت الإدارة العامة هي الخصم والحكم ( كما كانت قديماً ) وبمعنى آخر اذا كان وجود محاكم عادية أمراً ضرورياً ولازماً لقيام المجتمع المدني فإن وجود محاكم ادارية هو أيضاً ضروري ولكن قد يكون بديلاً لـه وجود المحاكم العادية أو الإدارة القاضية كما كانت تعرف أو تسمى ، فإن وجود محكمة دستورية ضروري ولازم أيضاً 0

– فإذا كانت المحاكم العادية موكولاً اليها الفصل في النزاعات بين آحاد الناس والسهر على تطبيق القانون عليهم وبينهم ، وكانت المحاكم الادارية هي الموكول اليها مراقبة الإدارة العامة ( السلطة التنفيذية ) في تصرفاتها مع آحاد الناس ، فتعلن سلامة أو بطلان هذه التصرفات ، فليس المحكمة الدستورية إلا تلك الجهة التي توكل اليها مراقبة اداء السلطة التشريعية ( والسلطة التنفيذية عندما تشرع ) والسهر على إعمال نصوص الدستور ، فلا تتجرأ السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية ( عند التشريع ) على اصدار قواعد قانونية مخالفة للدستور ذلك القانون الأساسي والأسمى من كل القوانين وأبو القانون كما يقال 0

– والنظام القضائي المتكامل في الدولة الحديثة هو ذلك النظام الذي يكفل الفصل في النزاعات بين الأفراد ورقابة مدى ملائمة أو مطابقة تصرفات الإدارة العامة ( السلطة التنفيذية ) للقانون ( بمعناه العام ) ومدى مطابقة أعمال السلطة التشريعية ( الأعمال التشريعية ) للدستور ، ومن هنا فقد استقر في الدولة الحديثة وجود محاكم عادية وأخرى ادارية وأخرى دستورية ، أو على وجود محاكم تقوم بمهمة المحاكم العادية والمحاكم الإدارية وعلى وجود محكمة أو هيئة وظيفتها مراقبة مدى تطابق أو عدم تطابق الأعمال التشريعية مع أحكام الدستور 0

– ولعل من الغرابة بمكان أن يمضي على تأسيس الدولة الأردنية حوالي قرن من الزمن وعلى استقلالها أكثر من نصف قرن دون أن يكون في بناء النظام القضائي لهذه الدولة محكمة تنظر في دستورية أو عدم دستورية القوانين بالرغم من أن المادة (44) من القانون الأساسي للمملكة لعام 1928 نصت على أن المحاكم تُعَّين بقوانين خاصة على أن تراعى أحكام هذا القانون الأساسي ، وبالرغم من أن المادة (100) من دستور 1952 ( الساري المفعول ) تنص على أن تُعَّين أنواع جميع المحاكم بقانون خاص على أن ينص هذا القانون على انشاء محكمة عدل عليا0

– وقد فهم المشرِّع الأردني منذ أصدر بواكير تشريعاته أن عبارة محكمة عدل عليا هي قاصرة على مفهوم محكمة ادارية ، بل عندما أعمل المشرع الأردني هذا النص الدستوري ، أي عندما أنشأ المحاكم أوكل وظيفة محكمة العدل العليا ( المحكمة الإدارية ) الى محكمة التمييز التي هي على رأس المحاكم العادية فكانت محكمة التمييز تنعقد بصفات ثلاثة ، بصفتها محكمة تمييز حقوقية وبصفتها محكمة تمييز جزائية وبصفتها محكمة عدل عليا ( محكمة ادارية ) 0 بل لقد تأخر انشاء محكمة عدل عليا مستقلة حتى عام 1989 حيث صدر قانونها المؤقت ومن ثم قانونها الدائم رقم 12 لسنة 1992 0

– وبالرغم من أن محكمة العدل العليا قد أعطيت بموجب قانونها بعض الاختصاصات في رقابة دستورية القوانين بطريق غير مباشر ( المادة 9/أ/6 ، 7) وبالرغم من أن بعض الباحثين يرون أنه يمكن مراقبة دستورية القوانين بطريق الدفع الفرعي أمام المحاكم العادية ، إلاَّ أن إنشاء محكمة دستورية يظل ضرورة ملحة ، فقد صدر في غياب الرقابة الدستورية المباشرة عشرات إن لم تكن مئات النصوص القانونية غير الدستورية ، ولعل ما جعل الجدل يحتدم حول ضرورة وجود محكمة دستورية هو صدور أكثر من مئتي قانون مؤقت عن حكومة كانت مدة ولايتها حوالي سنتين ، ويأتي هذا البحث ليضع اليد على بعض هذه النصوص غير الدستورية من غير القوانين المؤقتة وبيان مخالفتها للدستور حتى يمكن أن نبين كيف يمكن أن يؤثر غياب المحكمة الدستورية على إعمال نصوص الدستور ، فنتعرَّض لـِـ :

أولاً : قانون منع الجرائم
ثانياً : فرض الضرائب والرسوم
ثالثاً : إنشاء واختصاص محكمة أمن الدولة
رابعاً : رقابة ديوان المحاسبة
خامساً : نظام تقسيم الدوائر الإنتخابية
سادساً : ضرورة إنشاء محكمة دستورية

أولاً : قانون منع الجرائم :-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– من المقولات المكررة والنصوص المتكررة في دساتير الدول أن الأمة هي مصدر السلطات ، وأن الأمة تمارس سلطاتها على الوجه المبين في الدستور ، وأن السلطات ثلاثة ، تشريعية وتنفيذية وقضائية ، كذلك فإن الفصل بين السلطات الثلاثة هو مبدأ مقرر لا جدال فيه ، وإن كان هذا الفصل لا يعني القطيعة في الاتصال بين هذه السلطات ، ولعل أحسن تعبير عن علاقة هذه السلطات مع بعضها هو القول بأن هذه العلاقة هي علاقة انفصال واتصال ، انفصال في الكينونة والوظيفة واتصال فيما يلزم لتحقيق هذه الوظيفة ، ومثال ذلك أن وظيفة صنع القوانين من حيث المبدأ هي خاصة بالسلطة التشريعية ولكن في نفس الوقت فإن هذه السلطة تتلقى مشروعات القوانين من السلطة التنفيذية لتتعامل معها ومن ثم تخرجها في شكل قوانين سارية المفعول 0

– ولكن مبدأ فصل السلطات يتم خرقه والعصف به اذا مارست احدى السلطات وظيفة سلطة أخرى ، كأن تقوم السلطة التنفيذية بإصدار القوانين ( وليس الأنظمة ) أو أن تقوم السلطة التشريعية بمهمات الفصل في النزاعات بين الناس أو أن تقوم السلطة القضائية بممارسة حفظ الأمن ، ففي كل من هذه الأمثلة اعتداء من سلطة على سلطة أخرى ، أو على وظيفة سلطة أخرى ، كما أن في كل من هذه الأمثلة خرق واضح فاضح لمبدأ فصل السلطات 0

– وخرق مبدأ فصل السلطات هو بالضرورة اعتداء على الدستور ومخالفةٌ لنصوصه ، فالدستور هو الذي يحدد وظائف كل سلطة من السلطات الثلاث ، واحترام كل سلطة للدستور يستلزم منها عدم الإعتداء على وظيفة غيرها من السلطات ، وفي نفس الوقت يستلزم منها التعاون مع السلطتين الأخريين لتحقيق حسن سير مرافق الدولة 0

– واذا كان تعدي السلطة التنفيذية على وظيفة السلطة التشريعية هو الأكثر شيوعاً ( اصدار قوانين مؤقتة في غير حالة الضرورة أو الإستعجال ) فإن تعدي السلطة التشريعية على وظيفة السلطة القضائية عن طريق اصدارها قوانين غير دستورية هو الذي يتيح للسلطة التنفيذية الإعتداء ، بل ويجعل هذا الإعتداء مستنداً الى نصوص قانونية صادرة عن جهة التشريع ولكنها غير دستورية 0

– ولعل قانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1954 يعتبر مثالاً واضحاً وحيَّاً (منذ أكثر من نصف قرن ) على القوانين غير الدستورية التي أتاحت بموجبها السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية الإعتداء على وظيفة السلطة القضائية التي هي النظر والفصل في النزاعات التي تقع بين الأفراد بعضهم مع بعض ( النزاعات الحقوقية ) أو بين الأفراد والمجتمع ( النزاعات الجزائية ) بالإضافة الى أنه يمكِّن السلطة التنفيذية من خرق قواعد دستورية أساسية أخرى تتعلق بالحرية الشخصية التي يكفلها الدستور ومن خرق مباديء دستورية منها أن المتهم بريء حتى تثبت ادانته وآية ذلك :-

1 – من الإطلاع على مواد القانون المذكور يتبين أن الاختصاصات الموكولة بموجبه الى المتصرف ( الحاكم الإداري ) هي اختصاصات في معظمها قضائية ، سواءً كانت من اختصاص الإدعاء العام أو المحاكم ، ومن البديهي أن الحاكم الإداري ( المتصرف ) هو جزء من السلطة التنفيذية ( الإدارة العامة ) ولا ينتمي الى جهة القضاء سواءً كانت الادعاء العام أو المحاكم 0

2 – إن المادة (3) من القانون المذكور تترك سلطة تقديرية بدون حدود للحاكم الإداري في ربط من يرى بكفالة أو تعهد أو القبض على من يرى من الأشخاص ، دون توفر أي دليل ضده ، ولعل العبارات التالية المقتبسة من القانون المذكور تؤيد ذلك ( اذا كان للمتصرف ما يحمله على الاعتقاد) ( رأى أن هناك أسباباً كافية ) ( ظروف تقنع المتصرف ) ( كل من إعتاد ) ( حالة تجعل وجوده طليقاً خطراً على الناس ) 0

3 – إن المادة (5) من القانون المذكور جعلت من الحاكم الإداري ( المتصرف ) جهة تحقيق بدلاً من المدعي العام ، بل أعطته حق الإتهام وإن كانت ألزمته باتباع الإجراءات التي تقع أمام المحاكم الجزائية ، بل أضافت أنه ليس من الضروري اثبات أن المتهم قد ارتكب فعلاً معيناً أو أفعالاً معينة 0

4 – لقد أعطت المادة (6) من القانون المذكور للحاكم الإداري حق مصادرة مبلغ التعهد أو مبلغ الكفالة اذا أدين المتعهِّد أو المكفول بجرم ( أمام المحاكم ) يعتبر أخلالاً بشروط التعهد أو بشروط الكفالة ، بل واعتبرت المادة المذكورة قرار الحكم الاداري نهائياً غير قابل للطعن وأعطته صيغة التنفيذ شأنه في ذلك شأن الأحكام الحقوقية النهائية القابلة للتنفيذ 0

5 – لقد اعتبرت المادة (8) من القانون المذكور التخلف عن تقديم التعهد جريمة عقوبتها السجن ، ولكن لم تحدد مدة لهذا السجن ، بل اذا كان من تخلف عن تقديم التعهد في السجن يبقى في السجن الى أن يقدم التعهد المطلوب أو انقضاء المدة المحددة في قرار اعطاء التعهد 0

6 – لقد أجازت المادة (12) من القانون المذكور للحاكم الإداري أن يوقع عقوبة بدون محاكمة ، حيث أعطته الحق بوضع الشخص تحت رقابة الشرطة مدة لا تزيد عن سنة واحدة ، وأوضحت المادة قيود هذه الرقابة كالإقامة الجبرية ضمن حدود قضاء أو مدينة أو قرية وعدم مغادرته إلا بإذن واثبات وجوده في أقرب مركز شرطة والبقاء داخل المنزل بعد غروب الشمس بساعة وحتى الشروق ، مع حق الشرطة بزيارته في أي وقت للتأكد من وجوده في المنزل 0

7 – ويكفي هنا أن نورد نص المادة (14) من القانون المذكور حيث تقول : (( كل من وضع تحت رقابة الشرطة أو الدرك وتخلف عن مراعاة أحد الشروط المبينة في القرار يعاقب بالحبس مدة أقصاها ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد عن خمسين ديناراً أو بكلتا هاتين العقوبتين ))0

– والغريب أن محكمة العدل العليا التي لها بموجب المادة 9/أ/6 من قانونها اختصاص رقابة دستورية غير مباشرة على القوانين لم تتعرض لدستورية أو عدم دستورية قانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1954 بل اعتبرته ( ضمناً ) فيما عرض عليها من طعون قانوناً دستورياً واجب التطبيق 0

– إلا أن محكمة العدل العليا قد تعاملت مع قرارات الحاكم الإداري الصادرة سنداً لأحكام القانون المذكور باعتبارها قرارات ادارية يجوز الطعن فيها ، فردت الطعون في هذه القرارات أحياناً وقبلتها أحياناً ، ولكن الطعون التي قبلتها لم تستند في قبولها الى رقابتها الدستورية غير المباشرة ( المادة 9/أ/6) من قانون محكمة العدل العليا رقم 12 لسنة 1992 ) 0

– لا أعتقد أن قانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1954 ( الذي بلغ عمره أكثر من نصف قرن ) كان سيعمِّر أكثر من المدة الكافية لتقديم وانتهاء الطعن فيه أمام محكمة دستورية لو كان البناء القضائي في الأردن يشتمل على محكمة تراقب دستورية القوانين 0

ثانياً : فرض الضرائب والرسوم :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
– تنص المادة (111) من الدستور الأردني على أن (( لا تفرض ضريبة أو رسم الا بقانون ولا تدخل في بابهما أنواع الأجور التي تتقاضاها الخزانة المالية مقابل ما تقوم به دوائر الحكومة من الخدمات للأفراد أو مقابل انتفاعهم بأملاك الدولة وعلى الحكومة أن تأخذ في فرض الضرائب بمبدأ التكليف التصاعدي مع تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وأن لا تتجاوز مقدرة المكلفين على الأداء وحاجة الدولة الى المال ))0

– وقد تم تفسير هذه المادة بموجب قرار تفسيري رقم 3 لسنة 1995 تاريخ 5/6/1995 حيث جاء فيه :-

(( ومن تدقيق نصوص الدستور يتبين أن مواد الدستور تتطلب إحياناً إما – صدور القانون – وأحياناً تكتفي بقولها – ضمن حدود القانون- أو – وفق أحكام القانون – وأحياناً – في الأحوال المبينة في القانون – أو حسبما هو مبين في القانون – وأن هذا التنوع لم يأت عفواً بل جاء مقصوداً ويترتب على ذلك أنه حينما تتطلب المادة الدستورية القانون في الموضوع المراد بها يمتنع على السلطة التنفيذية تنظيم ما يتعلق بهذا الموضوع بنظام وحين يكتفي الدستور بالإحالة على القانون لبيان ما يتبع في مسألة معينة فإنه يجيز ضمناً أن يفوض السلطة التنفيذية في اصدار الأنظمة المناسبة في الحدود والشروط التي يعينها ، وحيث أن نص المادة 111 من الدستور واضح الدلالة على أن الضرائب والرسوم باستثناء ما يدخل في بابهما من أنواع الأجور التي تتقاضاها الخزانة المالية مقابل ما تقوم به دوائر الدولة من الخدمات للأفراد أو مقابل انتفاعهم باملاك الدولة لا تفرض الا بقانون فإن ما ينبني على ذلك أنه يمتنع على السلطة التنفيذية فرضها بنظام الا أنه اذا فرضت الضريبة أو الرسم بموجب قانون وانيط بالسلطة التنفيذية حق اصدار الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام القانون فيجوز لها عندئذ اصدار الأنظمة اللازمة لذلك ويكون النظام الذي يوضع لهذا الغرض تنفيذاً وتطبيقاً لأحكام القانون لا خروجاً على المادة 111 من الدستور التي تنص على أن الضريبة والرسم لا تفرض الا بقانون وبالتالي يكون هذا النظام غير مخالف لأحكام الدستور )) 0

– نحن نتفق مع ما ذهب إليه التفسير من أن التنوع الذي جاء في الدستور قد جاء مقصوداً ، ومن هنا كان لا بد من فهم الجار والمجرور ” بقانون ” الواردين في المادة بالمعنى اللغوي ، والمعنى هنا مرتبط بحرف الجر ” الباء ” ، فاللغة كما هو معروف هي وعاء القانون 0

– وفي ظل هذا التفسير صدر العديد من الأنظمة ، منها نظام رسوم جوازات السفر وتعديلاته رقم 70/2003 استناداً للمادة (19) من قانون جوازات السفر المؤقت وتعديلاته رقم 5/2003 حيث نصت المادة (2) من النظام على (( يستوفى عن جوازات السفر ووثائق السفر الرسوم التالية 000)) استناداً الى مادة القانون التي نصت على (( يصدر مجلس الوزارء الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون بما في ذلك تحديد الرسوم الواجب استيفاؤها بمقتضى أحكامه )) كما صدر نظام رسوم القيد في السجل التجاري رقم 70/2004 استناداً الى المادة (22) من قانون الصناعة والتجارة وتعديلاته رقم 18/1998 حيث نصت المادة (3) من النظام فقرة ( أ ) (( تحدد مقدار الرسوم التي تستوفيها الوزارة من التاجر عن قيده في السجل التجاري على النحو التالي 000)) استنادا الى مادة القانون التي تنص على (( يصدر مجلس الوزراء الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون بما في ذلك تحديد مقدار رسوم القيد في السجل التجاري )) ، كما صدر نظام رسوم المحاكم رقم 43/2005 استناداً الى المادة (20) من قانون تشكيل المحاكم النظامية وتعديلاته رقم 17/2001 ، حيث نصت المادة (4) من النظام على (( تستوفى رسوم المحاكم وفقاً لجدول رسوم المحاكم الملحق بهذا النظام )) استناداً الى مادة القانون التي تنص على (( يصدر مجلس الوزراء الأنظمة الخاصة بما يلي : 1 – 0000000000 2 – تحديد الرسوم التي تستوفيها المحاكم 0000000)) 0

– واضح من نص المادة الدستورية (111) ومن قرار تفسيرها (3/1995) أن الضرائب والرسوم لا تفرض إلا بقانون وأنه اذا فرضت بنظام فإن هذا النظام يكون مخالفاً للدستور ، وذلك مرده الى أن اللغة هي الوعاء الذي تسكب فيه النصوص القانونية ، فحرف ” الباء ” هنا هو لالصاق الفعل بالمفعول به ، والفرض هنا هو التعيين أو التحديد ، أي أن إعمال النص الدستوري هنا يقتضي أن تحدد الضرائب والرسوم في صلب القانون 0

– ولعل مما يؤيد صريح نص المادة (111) من الدستور ( فرض الضرائب والرسوم بقانون ) أن الموازنة العامة للدولة تصدر في شكل قانون وهي المتضمنة في جانبها الإيرادات ( التي تشكل الضرائب والرسوم الجزء الأكبر منها ) وفي جانبها الآخر النفقات ، أي أن كل ايراد وكل نفقة يجب أن يكون بقانون ، ولعل الفقرة (5) من المادة (112) من الدستور هي خير دليل ناصع ومؤيد لنص المادة (111) حيث تنص هذه الفقرة على ” لا يقبل أثناء المناقشة في الموازنة العامة أي اقتراح يقدم لإلغاء ضريبة موجودة أو فرض ضريبة جديدة أو تعديل الضرائب المقررة بزيادة أو نقصان يتناول ما أقرته القوانين المالية النافذة المفعول 0000″ 0

– إلا أن القرار التفسيري المشار اليه وبعد أن قرر مبدأ أن الضرائب والرسوم لا تفرض الا بقانون ، أي تحدد وتعين في متن القانون ، لم ينكر على السلطة التنفيذية أن تصدر الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام القانون ، ولكن الذي اختلط في الذهن عند تطبيق مفهوم قرار التفسير هو إدخال فرض الضرائب والرسوم في معنى تنفيذ القانون 0

– فعندما يشتمل القانون على مادة تقول ” يصدر مجلس الوزراء الأنظمة الخاصة 000بتحديد الرسوم التي تستوفيها المحاكم000″ ( مادة 20 من قانون تشكيل المحاكم ) ، أو يشتمل القانون على مادة نصها ” يصدر مجلس الوزراء الأنظمة اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون بما في ذلك تحديد مقدار رسوم القيد في السجل التجاري 000″ ( مادة 22 من قانون الصناعة والتجارة ) وعندما يشتمل النظام على مادة تقول ” تحدد الرسوم على النحو التالي 000″ عندما يكون ذلك فإن القانون لم يفرض الرسوم ، لكن القانون يكون قد فوض مجلس الوزراء بتحديد الرسوم وتكون الرسوم قد فرضت بموجب نظام 0

– وقد يقول قائل ، وما الضير في أن تفوِّض السلطة التشريعية السلطة التنفيذية في فرض الرسوم ما دام أن هناك مادة في القانون توكل الى السلطة التنفيذية تحديد الرسوم وأن ذلك هو ضرب من تنفيذ القانون باعتبار هذا التحديد هو تنفيذ 0

– والإجابة على ذلك جد يسيرة ، فالقاعدة الدستورية العامة الأساس في التشريع هي أن التشريع للسلطة التشريعية وليس للسلطة التنفيذية، وأن ممارسة السلطة التنفيذية للتشريع هو على سبيل الإستثناء وعلى سبيل الحصر وكما هو وارد في الدستور ، فعندما ينص الدستور على أن فرض الرسوم هو بقانون فلا يصح أن يكون بنظام ، ولا يجوز أن تفوض السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية هذه الصلاحية على خلاف ما ذهب اليه قرار التفسير رقم 3/1995 0

– كما أن تحديد الرسوم بموجب نظام لا يدخل في مفهوم تنفيذ القانون ، حتى يصدر التحديد بموجب نظام تنفيذي ، فالنظام التنفيذي هنا يكون مخالفاً للدستور ، أي أضاف حكماً غير موجود في القانون أو جاء بما يخالف القانون الذي يصدر تنفيذاً لـه ( مادة 31 من الدستور ) 0

– بالإضافة الى ذلك فإن النص في الدستور على أن فرض الضرائب والرسوم يجب أن يكون بقانون ، أي مباشرة من قبل السلطة التشريعية، هذا النص عائد الى أن الضرائب والرسوم هي أعباء مالية توضع على عاتق المواطنين ، وفرض الأعباء المالية على المواطنين لا يكون الا ممن يمثلون ارادتهم ، أي ممن انتخبهم المواطنون ، ولا يجوز تفويض ذلك الى سلطة أخرى 0

– وإذا كانت المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساساً في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة الا اذا وافق عليها مجلس الأمة ” ( المادة 33/2 من الدستور ) ولا يجوز لرأس الدولة ( الملك ) أن يبرمها ، فكيف يتم فرض ضرائب ورسوم على الأردنيين ( وهذا بلا شك مساساً بحقوقهم الخاصة ) بموجب نظام يصدر عن مجلس الوزراء 0

– تنص المادة (3) ( مثلاً ) من قانون الضريبة العامة على المبيعات وتعديلاته رقم 6/1999 على ما يلي :-

أ – ((تحدد السلع والخدمات الخاضعة للضريبة الخاصة بمقتضى الجدول رقم (1) الملحق بهذا القانون ويعتبر جزءاً لا يتجزأ منه 0

ب – يصدر مجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير الجداول التالية :-

1 – الجدول الخاص بالسلع والخدمات الخاضعة للضريبة بنسبة أو بمقدار ( صفر ) المشار اليه في هذا القانون بالجدول رقم (2) 0

2 – الجدول الخاص بالسلع والخدمات المعفاة من الضريبة المشار اليه في هذا القانون بالجدول رقم (3) 0

3 – الجدول الخاص بالسلع والخدمات والتي تكون الضريبة العامة والخاصة المستحقة عليها غير قابلة للخصم أو الرد المشار اليه في هذا القانون بالجدول رقم (4) 0

جـ- لمجلس الوزراء بناء على تنسيب مبرر من الوزير اجراء التعديل على أي من الجداول المنصوص عليها في الفقرة (ب) من هذه المادة بحذف أي من السلع أو الخدمات الواردة فيها أو باضافة سلعة أو خدمة جديدة اليها أو نقل سلعة أو خدمة من جدول لآخر ))0

– يمكن القول أن المادة (3) من قانون الضريبة على المبيعات قد حملت في طياتها تطبيقاً صحيحاً للمادة (111) من الدستور هو نص المادة ( أ ) منها ، وذلك عندما ألحقت جدول رقم (1) لبعض السلع والخدمات بالقانون واعتبرته جزءاً لا يتجزأ من القانون ، وفي نفس الوقت جاءت هذه المادة بمخالفة واضحة للمادة (111) من الدستور ، عندما أعطت لمجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير اصدار ثلاث جداول أخرى ( 2 ، 3 ، 4) وأعطت لمجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير تعديل كافة الجداول بحذف أي من السلع أو الخدمات الواردة فيها أوبإضافة سلعة أو خدمة جديدة اليها أو نقل سلعة أو خدمة من جدول الى آخر ( الفقرتان ب ، جـ ) من المادة (3) المشار اليهما 0

– واضح مما تقدم أن فرض الضريبة على السلع والخدمات المبينة في الجدول ( أ ) قد تم في صلب القانون ، حيث أكد النص نفسه ذلك بالقول أن هذا الجدول يعتبر جزءاً لا يتجزأ من القانون ، ولكن هذا الجدول نفسه أصبح عرضه للتعديل ( بالإضافة أو الحذف ) من قبل مجلس الوزارء بموجب الفقرة (ب) من نفس المادة 0 الأمر الذي يمكن معه القول أن فرض الضريبة بموجب الفقرة ( أ ) من المادة (3) لا معنى لـه فهذا الفرض في واقع الحال يمكن أن يتغير ويتبدل بموجب نظام من مجلس الوزراء الأمر الذي يشكل أيضاً خرقاً دستورياً للمشروعية الدستورية الشكلية حيث لا يجوز تعديل القانون بموجب نظام 0

– إن الضرائب والرسوم ما كانت لتُفرض على الوجه المتقدم لو كان في الأردن محكمة دستورية ، فمواد الإحالة في القوانين الى السلطة التنفيذية بتحديد الرسوم والأنظمة التي تحدد الرسوم من وجهة نظرنا كلها نصوص غير دستورية0

ثالثاً : إنشاء واختصاص محكمة أمن دولة :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
– تنص المادة (99) من الدستور على أن المحاكم ثلاثة أنواع ، المحاكم النظامية والمحاكم الدينية والمحاكم الخاصة ، وتضيف المادة (100) من الدستور على أنه (( تُعيَّن أنواع المحاكم ودرجاتها وأقسامها واختصاصاتها وكيفية ادارتها بقانون خاص على أن ينص هذا القانون على إنشاء محكمة عدل عليا )) 0

– في حين تنص المادة (2) من قانون محكمة أمن الدولة وتعديلاته رقم 17/1959 على أنه(( في أحوال خاصة تقتضيها المصلحة العامة يحق لرئيس الوزراء أن يشكل محكمة خاصة واحدة أو أكثر تدعى محكمة أمن الدولة تؤلف كل منها من ثلاثة من القضاه المدنيين و / أو القضاة العسكريين يعينهم رئيس الوزراء بناءً على تنسيب وزير العدل بالنسبة للمدنيين ورئيس هيئة الأركان المشتركة بالنسبة للعسكريين وينشر القرار في الجريدة الرسمية ))0

– وسنداً لنص المادة (3/أ/11) من قانون محكمة أمن الدولة وتعديلاته المشار اليه تختص محكمة أمن الدولة بـ (( أي جريمة أخرى ذات علاقة بالأمن الاقتصادي يقرر رئيس الوزراء إحالتها إليها )) 0

– كما تنص الفقرة (ب) من المادة (6) من قانون الجرائم الاقتصادية وتعديلاته رقم 11/1993 على أن(( لرئيس الوزراء إحالة أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون الى محكمة أمن الدولة بمقتضى الصلاحيات المقررة له بموجب أحكام قانون محكمة أمن الدولة ))0

– واضح أن النص الدستوري أعلاه يوجب أن تعيَّن أنواع المحاكم بالقانون( والمحاكم الخاصة نوع من أنواع المحاكم ) وأن تُعيَّن اختصاصات المحاكم بقانون ( واختصاص المحاكم الخاصة من اختصاصات المحاكم ) 0

– وواضح أن نص المادة (2) من قانون محكمة أمن الدولة يعهد الى رئيس الوزراء تشكيل محكمة أمن الدولة من ثلاثة قضاة من المدنيين أو من العسكريين كما هو واضح أيضاً أن رئيس الوزراء هو الذي يحدد جزئياً اختصاص محكمة أمن الدولة ، فهو يحق لـه بمحض تقديره أن يقرر أن جريمة ما هي ذات علاقة بالأمن الاقتصادي وبالتالي هي من اختصاص محكمة أمن الدولة 0

– ومن النصوص أعلاه يمكن القول أن رئيس الوزراء ( السلطة التنفيذية ) هو الذي يقرر دون معقب عما اذا كان هناك مصلحة عامة تستوجب تشكيل محكمة أمن دولة ، فاذا رأى قرر تشكيلها واذا لم يرَ لم تشكل ، وفي هذا النص مخالفة صريحة وواضحة للمادة الدستورية التي توجب تعيين أنواع المحاكم بالقانون ، فالذي يعين هنا أحد انواع المحاكم ( محكمة أمن الدولة )( وهي محكمة خاصة ) هي السلطة التنفيذية بقرار من رئيس الوزراء ، اذن فوجود محكمة أمن دولة أو عدم وجودها منوط بفعل السلطة التنفيذية 0

– وهنا يمكن القول أن السلطة التشريعية في المادة (2) من قانون محكمة أمن الدولة قد تنازلت عن اختصاصها التشريعي الأصيل في تعيين نوع من أنواع المحاكم ليس إلى السلطة التنفيذية بل الى رئيس مجلس الوزارء ، وإذا نظرنا إلى خطورة الجرائم التي نص قانون هذه المحكمة على أنها من اختصاصها لأدركنا مدى خطورة أن تتنازل السلطة التشريعية عن اختصاصها ( مخالفة بذلك الدستور ) لرئيس مجلس الوزراء ، ولا يجوز للسلطة التشريعية التنازل عن هذا الإختصاص الأصيل ، وعندما تتنازل تكون قد خرجت على نصوص الدستور ويكون تنازلها غير دستوري 0

– يبيح نص المادة ( 2 ) من قانون محكمة أمن الدولة أن يكون جميع أعضاء محكمة أمن الدولة من القضاه العسكريين أو أن يكون جميع أعضائها من القضاة المدنيين أو أن يكون أعضاؤها من القضاة المدنيين والعسكريين ، واذا أعدنا الى الذهن أن مهمة الجيش محصورة بموجب الدستور في الدفاع عن الوطن وسلامته ( المادة 127 من الدستور ) لأدركنا أن تشكيل محكمة أمن الدولة من القضاة العسكريين أو مشاركة قضاة عسكريين في تشكيل هذه المحكمة هو أمر غير دستوري ، لأن ليس من مهمة الجيش تولي القضاء ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ولاية القضاء هي للسلطة القضائية المتكون هيكلها من القضاه المدنيين ، والقاضي المدني هو القاضي الطبيعي كما يقال 0

– كما أن نص المادة (3/أ/11) من قانون محكمة أمن الدولة المشار إليه وكذلك نص المادة (6/ب) من قانون الجرائم الاقتصادية المشار إليه هما نصَّان غير دستوريين لأنهما خلافاً لنص الدستور يعطيان لرئيس الوزراء بقرار منه أن يحدد بعض اختصاصات محكمة أمن الدولة هذه الاختصاصات التي يوجب الدستور تحديدها بالقانون 0

– ونود أن نذكر هنا أن المحاكم النظامية ( وهي احدى أنواع المحاكم التي نص عليها الدستور الى جانب المحاكم الخاصة والمحاكم المدنية) قد تم تشكيلها بقانون ( القانون 26 لسنة 1952 وتعديلاته ) والمحاكم النظامية القائمة مشكلة بموجب القانون رقم 17 لسنة 2001 وتعديلاته ، ومرة أخرى اذا كان الدستور ينص على تعيين المحاكم واختصاصاتها بقانون ( المادة 100) فكيف يتم تشكيل نوع من المحاكم بقانون ويترك تشكيل نوع آخر الى رئيس الوزراء ليقوم بتشكيله بقرار منه 0

– والسؤال الذي يُطرح هدياً بما تقدم ، هل قرار رئيس الوزراء بتشكيل محكمة أمن الدولة ، وقرارات رئيس الوزراء بإحالة بعض الجرائم الى محكمة أمن الدولة سنداً لنص المادة (3/أ/11) من قانون محكمة أمن الدولة وقرارات رئيس الوزراء بإحالة بعض الجرائم الى محكمة أمن الدولة سنداً لنص الفقرة (ب) من المادة (6) من قانون الجرائم الاقتصادية ، هل هذه القرارات قرارات ادارية؟ واذا كانت كذلك فهل تخضع للطعن أمام محكمة العدل العليا باعتبارها هي محكمة القضاء الاداري 0

– طُعن في قرار رئيس الوزراء المتضمن تشكيل محكمة أمن دولة لأنه يستند الى قانون غير دستوري فأجابت محكمة العدل العليا أنها غير مختصة بمناقشة دستورية القوانين ( قرار عدل عليا 237/1991) وفي قضاءٍ تال ٍ اعتبرت محكمة العدل العليا قرار رئيس الوزراء بتشكيل محكمة أمن دولة قراراً ادارياً قابلاً للطعن أمامها وأنه قرار موافق لأحكام الدستور نصاً وروحاً وفيما يلي نص قرارها رقم 33/1996 :-

(( لا يعتبر قرار تشكيل محكمة أمن الدولة قراراً حكومياً أي عملاً من أعمال السيادة ، لأن أعمال السيادة تصدر عن الحكومة باعتبارها سلطة حكم وتباشرها بمقتضى سلطتها العليا ، أما الأعمال التي تباشرها استناداً للقوانين فترسم الطريق لها وتعين اجراءاتها فتعتبر بحكم القرارات الادارية ويعتبر قرار تشكيل المحكمة بحكم القرارات الادارية لأن مصدر تشكيل المحكمة هو قانون محكمة أمن الدولة الذي اشترط تنسيب رئيس هيئة الأركان المشتركة ، وقيام أحوال خاصة يرى معها رئيس الوزراء لتحقيق مصلحة عامة تشكيل المحكمة ، وهو بذلك من القرارات الادارية التي تقبل الطعن بدعوى الإلغاء قرار رئيس الوزراء المتضمن تشكيل محكمة أمن الدولة الصادر في حدود الأحكام المنصوص عليها في قانون محكمة أمن الدولة يعتبر موافقاً لأحكام الدستور نصاً وروحاً وهو مبني على سلطة تقديرية يفترض أنه قائم على أسباب تحمله ترافقه قرينة الصحة والسلامة ما لم يقم الدليل القاطع على عكس ذلك ))0

– وهنا نود التذكير أن قرار محكمة العدل العليا المشار اليه أعلاه قد صدر في ظل حكم المادة (9/أ/6) من قانون محكمة العدل العليا رقم 12 لسنة 1992 والتي تجيز للمحكمة إلغاء القرار الإداري إذا كان صادراً بموجب أي قانون يخالف الدستور ، الأمر الذي يفهم منه ضمناً أن محكمة العدل العليا قد قضت بدستورية المادة (2) من قانون محكمة أمن الدولة ، لأنها اعتبرت أن قرار رئيس الوزراء المتضمن تشكيل محكمة أمن دولة موافق لأحكام الدستور نصاً وروحاً 0

– ومع احترامنا وتقديرنا لما ذهبت إليه محكمة العدل العليا ، إلا أننا نرى أنه قد غاب عنها أن المحاكم حسب نص الدستور يجب أن تشكل بقانون ، وليس بنظام ولا بقرار من رئيس مجلس الوزراء ، وأن القانون الذي يرخص لمجلس الوزراء أو لرئيس مجلس الوزراء بتشكيل محكمة مهما كان نوعها هو قانون غير دستوري ، وأوضح دليل على ذلك أن المحاكم النظامية مشكلة بقانون ( قانون تشكيل المحاكم النظامية وتعديلاته قم 17/2001) 0

– كما أن محكمة العدل العليا ، مع الإحترام ، لم تبيِّن في قرارها المشار إليه مواطن اتفاق القرار المطعون فيه مع الدستور نصاً وروحاً ، صحيح أن القرار المذكور يتفق مع نص المادة (2) من قانون محكمة أمن الدولة ، ولكن نص المادة المذكور بالقطع لا يتفق مع حكم المادة (99) من الدستور ، وبالتالي يكون قرار تشكيل محكمة أمن الدولة هو قرار مستند الى قانون يخالف للدستور ( المادة 9/أ/6 من قانون محكمة العدل العليا ) 0

رابعاً : رقابة ديوان المحاسبة :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
– ينص صدر المادة (119) من الدستور على (( يشكل بقانون ديوان محاسبة لمراقبة إيراد الدولة ونفقاتها وطرق صرفها )) 0

– وتنص المادة (3) من قانون ديوان المحاسبة وتعديلاته رقم 28/1952 على ما يلي :-

(( يتولى ديوان المحاسبة المهام التالية :-

أ – مراقبة واردات الدولة ونفقاتها وحساب الأمانات والسلفات والقروض والتسويات والمستودعات على الوجه المبين في هذا القانون 0

ب – تقديم المشورة في المجالات المحاسبية للجهات الخاضعة لرقابة الديوان 0

جـ- الرقابة على الأموال العامة للتأكد من سلامة انفاقها بصورة قانونية وفاعلة 0

د – التأكد من سلامة تطبيق التشريعات البيئية المعمول بها بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة 0

هـ – التثبت من أن القرارات والإجراءات الإدارية في الجهات الخاصعة لرقابة الديوان تتم وفقاً للتشريعات النافذة ))0

– كما تنص المادة (4) من قانون ديوان المحاسبة المشار إليه على :-

(( تشمل رقابة ديوان المحاسبة ما يلي :-

أ – الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة

ب – المجالس البلدية والقروية ومجالس الخدمات المشتركة 0

جـ- أي جهة يقرر مجلس الوزراء تكليف ديوان المحاسبة بتدقيق حساباتها ))

– تكفلت المادة الدستورية (119) بإيجاد ديوان محاسبة وبيان وظيفة هذا الديوان ، فأوجبت أن يشكل بقانون وحصرت وظيفته في مراقبة إيرادات ونفقات الدولة وطرق صرف هذه النفقات ، وتناولت المادة (3) من قانون الديوان بيان المهام التي يتولاها ديوان المحاسبة وجاءت المادة (4) من نفس القانون لتبين الجهات التي تشملها رقابة ديوان المحاسبة 0

– وعندما يأتي القانون ليبين المهام التي يتولاها الديوان ، أي ليُفصِّل في وظيفة الرقابة الموكولـه للديوان بموجب الدستور وليبين الجهات التي تشملها هذه الرقابة ، فلا غضاضه في ذلك ، ولكن هذا التفصيل يجب أن لا يتعدى مفهوم الرقابة بمعناها الواسع ،وكذلك فإن هذا البيان يجب أن لا يتعدى الجهات الحكومية التي تتعاطى بايرادات الدولة وتتعاطى مع نفقات الدولة 0

– لقد خلص القرار التفسيري رقم (1) للمادة (119) من الدستور الصادر بتاريخ 2/5/1995 ( بالأكثرية ) الى أن (( تعني كلمة الدولة الواردة في المادة (119) من الدستور المطلوب تفسيرها وكذلك في المواد 22/2 ، 112/6 ، 115 من الدستور انما تعني الحكومة بوزارتها ودوائرها والمؤسسات الرسمية العامة التابعة لها )) وذلك جواباً على سؤال عما اذا كانت كلمة ” الدولة ” الواردة في المواد المشار اليها وبخاصة المادة (119) منها تعني الحكومة فقط بوزارتها ودوائرها والمؤسسات الرسمية التابعة لها أم ” الدولة ” بمفهومها العام وتعريفها الدستوري الذي يشمل كل ما في حدودها ، في حين خلص العضو المخالف ( وهو رئيس مجلس وزراء سابق ) الى أن معنى الدولة في المادة (119) من الدستور هو الحكومة ودوائرها الرسمية الواردة في قانون الموازنة العامة فقط أما المؤسسات العامة الرسمية الأخرى فلا تخضع لرقابة ديوان المحاسبة 0

– ولما كانت المادة (3) من قانون ديوان المحاسبة تحدد المهام أو الوظائف التي يقوم بها الديوان وكانت المادة (4) من نفس القانون تحدد الجهات التي تخضع لرقابة الديوان ، فإن أوجه مخالفة هاتين المادتين للمادة (119) من الدستور يمكن اجمالها فيما يلي :-

– واضح من نص الفقرة ( أ ) من المادة (3) المذكورة أن حسابات الأمانات والسلف والقروض والتسويات والمستودعات كلها لا تدخل في مفهوم واردات الدولة ونفقاتها بدليل عطف هذه الحسابات على واردات الدولة ونفقاتها ، ومن المعروف أن المعطوف لا يجوز أن يكون من جنس المعطوف عليه ، وان كان من جنسه فهو يختلف عنه في نطاق الجنس الواحد ، وفي كلا الحالين المعطوف يختلف عن المعطوف عليه ، ومن هنا فإن اضافة الحسابات المشار اليها الى وظيفة الرقابه لا أساس لها في النص الدستوري 0

– أما الفقرة (ب) من المادة (3) المشار اليها فهي تجعل من وظيفة ديوان المحاسبة تقديم المشورة المحاسبية للجهات الخاضعة لرقابة الديوان ، واذا كنا نوافق أن المشورة هنا تهدف الى تسهيل مهمة الرقابة إلاَّ أن المشورة ليست من الرقابة فمهمة الديوان الدستورية هي رقابية وليست استشارية 0

– أما الفقرة (ج) من المادة (3) المشار اليها فقد مدَّت وظيفة رقابة الديوان لتشمل كافة الأموال العامة وليس الإيرادات والنفقات فقط ، بل وقد وقعت في خطأ منطقي عندما سبَّبت الرقابة بالتأكد من سلامة انفاق الأموال العامة ، وكأن الأموال العامة كلها تنفق ، فإذا كان المقصود رقابة الأموال العامة كلها ( وهو كذلك ) فقد خرج النص القانوني عن النص الدستوري ، لأن مهمة الديوان هي رقابة الإيرادات والنفقات فقط ، وليس كل الأموال العامة للدولة ، وإذا كان المقصود هو مراقبة الأموال العامة التي تنفق فقط ، فإن النص القانوني هو تكرار لا لزوم لـه وتغني عنه الفقرة ( أ ) من نفس المادة 0

– أما النص الغريب والمستهجن فهو نص الفقرة (د) من المادة (3) من قانون الديوان ، الذي يعطي الديوان وظيفة ” التأكد من سلامة تطبيق التشريعات البيئية المعمول بها بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة ” ، وكأن المشرع قد بحث عن جهة حكومية لتقوم بهذه المهمة فلم يجد ، فأوكل المهمة الى ديوان المحاسبة ، اذ لا علاقة البتة بين نص هذه الفقرة والنص الدستوري ، بل ان هذه الفقرة قد أتت بوظيفة لا علاقة لها البتة بمهام ديوان المحاسبة المحدد أصلها في المادة (119) من الدستور 0

– كما أوكلت الفقرة ( هـ ) من المادة (3) الى الديوان مهمة لا أظنها إلا تدخل في اختصاص محكمة العدل العليا ، فهي قد أعطت الديوان مهمة التثبت من أن القرارات والإجراءات التي تصدرها الجهات الخاضعة لرقابة الديوان تتوافق مع التشريعات النافذة ( نعم تتوافق مع التشريعات النافذة ) أليس هذه رقابة مشروعية هي من مهام محكمة العدل العليا المخولة بإلغاء القرارات والإجراءات الإدارية اذا وجدت عدم توافقها مع التشريعات النافذة 0

– وإذا كانت الفقرة ( أ ) من المادة (4) من قانون الديوان قد أخضعت لرقابة الديوان ” الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة ” فقد كان يتوجب أن تلحق العبارة التالية في آخر الفقرة وهي ” التي تشكل موازنتها جزءاً من الموازنة العامة ” ، فالمادة (119) من الدستور جاءت تالية وخاتمة لمواد دستورية تتحدث معظمها عن الموازنة العامة للدولة التي تصدر بقانون ( قانون الموازنة ) 0

– تضيف الفقرة (ب) من المادة (4) من قانون ديوان المحاسبة ” المجالس البلدية والقروية ومجالس الخدمات المشتركة ” الى الجهات الخاضعة لرقابة الديوان ، ولا ندري ما هو السبب الذي دعا المشرع الى اضافة هذه المجالس وهل لأموالها علاقة بواردات الدولة ونفقاتها ، قد يكون السبب الشبهة في أن أموال هذه المجالس أموالاً عامة والتصور أن كل الأموال العامة هي ايرادات ونفقات للدولة 0

– إلاً أن المخالفة الدستورية التي يمكن وصفها بالطامة الكبرى هو نص الفقرة (ج) من المادة (4) من قانون الديوان ، والذي جاء بموجب القانون المعدِّل رقم 3 لسنة 2002 والذي أضاف الى الجهات الخاضعة لرقابة الديوان ” أي جهة يقرر مجلس الوزراء تكليف ديوان المحاسبة بتدقيق حساباتها”0

– واستناداً لذلك وبتاريخ 26/1/2005 أصدر مجلس الوزراء قراره رقم (4093) المتضمن تكليف ديوان المحاسبة بالرقابة على الجمعيات ، والهيئات الاجتماعية والنقابات، وذلك عملاً بحكم الفقرة (ج) من المادة (4) من قانون ديوان المحاسبة ، وبتاريخ 23/3/2005 ( أي خلال المدة القانونية ) تم الطعن في هذا القرار في الدعوى رقم 113/2005 عدل عليا على أساس من حكم المادة (9/أ/6) من قانون محكمة العدل العليا رقم 12/1992 ، وأمام محكمة العدل العليا أثارت النيابة العامة دفعاً مفاده (( أن قانون ديوان المحاسبة المؤقت رقم 3 لسنة 2002 المعدل لقانون ديوان المحاسبة رقم 28/1952 قد تحصَّن ضد الطعن فيه لانقضاء المدة القانونية )) 0

– أُثبت فيما يلي ما جاء على لسان محكمة العدل العليا في الرد على الدفع والحكم في الدعوى : –

(( وفي الرد على هذا الدفع :
نجد أن الطعن بمجمله ينصب على أن القرار المشكو منه صدر استناداً الى المادة (4/ج) من قانون ديوان المحاسبة وأن هذه المادة مخالفة لأحكام الدستور الأردني وبخاصة المادة (119) منه 0

وحيث أن المادة (4) من قانون ديوان المحاسبة رقم (28) لسنة 1952 كانت تنص على أن :

(( تشمل رقابة ديوان المحاسبة الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات العامة الرسمية والمجالس البلدية والقروية ))0

وحيث أن المادة (4) من قانون ديوان المحاسبة المؤقت رقم (3) لسنة 2002 المعدل لقانون ديوان المحاسبة رقم (28) لسنة 1952 نصت على:

المادة 4 : يلغى نص المادة (4) من القانون الأصلي ويُستعاض عنه بالنص التالي :-

(( تشمل رقابة ديوان المحاسبة ما يلي :-

أ – الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية العامة والمؤسسات العامة 0

ب – المجالس البلدية والقروية ومجالس الخدمات المشتركة

جـ- أي جهة يقرر مجلس الوزراء تكليف ديوان المحاسبة بتدقيق حساباتها ))0

وحيث أن القرار المطعون فيه قد صدر استناداً الى نص الفقرة (ج) من المادة (4) من القانون المؤقت المعدل رقم (3) لسنة 2002 المشار اليه0

وحيث أن المستدعيين يطعنان في القرار المشكو منه بحجة استناده الى نص غير دستوري 0

وحيث أن هذا القانون المعدل قد نشر بعدد الجريدة الرسمية رقم (4533) الصادر بتاريخ 17/2/2002 0

وحيث أن الدعوى أقيمت بتاريخ 23/3/2005 ، فتكون قد أقيمت بعد انقضاء مدة الستين يوماً المنصوص عليها في المادة (12/أ ) من قانون محكمة العدل العليا رقم (12) لسنة 1992 ، مما يقتضي ردها شكلاً وبالتالي يكون الدفع مقبولاً 0

لهذا واستناداً لما تقدم نقرر رد الدعوى شكلاً وتضمين المستدعيين الرسوم والمصاريف ومبلغ عشرة دنانير أتعاب محاماة0

قراراً صدر وأفهم علناً في 10 ربيع الثاني 1426 هـ الموافق 19/5/2005 ))0

1- لا تعليق سوى أن محكمة العدل العليا في هذا القرار قد ردت الطعن شكلاً لأن الطعن في القرار لم يرفع خلال ستين يوماًمن تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية ( وليس من تاريخ صدور القرار ) ومدة الستين يوماً المنصوص عليها في المادة (12/أ ) من قانون محكمة العدل العليا رقم 12 لسنة 1992 هي للطعن في القرارات وليس في القوانين الصادرة هذه القرارات سنداً لها ، علماً بأن الطعن المذكور كما جاء في القرار صدر بتاريخ 26/1/2005 وتم تقديم الطعن يوم 23/3/2005 أي خلال مدة الستين يوماً( أي تم تقديم الطعن في القرار في اليوم السادس والخمسين من اليوم التالي لصدور القرار ) 0

– إن الفقرة (جـ ) من المادة (4) من قانون ديوان المحاسبة تتيح لمجلس الوزراء اخضاع أي جهة لتدقيق حساباتها من قبل ديوان المحاسبة ، ولا أظن أنه قد غاب عن المشرع أن كلمة ” جهة ” يمكن أن ينضوي تحتها ( على الأقل ) أي شخص معنوي كالشركات الخاصة مثلاً 0

خامساً : نظام تقسيم الدوائر الإنتخابية :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
– تنص المادة (6/1) من الدستور على أن (( الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق واللغة أو الدين))0

– تنص المادة (52) من قانون الإنتخاب لمجلس النواب المؤقت وتعديلاته رقم 34 لسنة 2001 على أن (( تقسَّم المملكة الى عدد من الدوائر الانتخابية وتحدد المقاعد النيابية المخصصة لكل منها بموجب نظام يصدر لهذه الغاية )) ، ويقسِّم النظام رقم 42 لسنة 2001 في المادة (2) منه ، محافظات المملكة الى دوائر انتخابية ، ويحدد لكل دائرة عدداً من المقاعد النيابية ، كما يعتبر البادية محافظة مفترضة ويقسمها الى ثلاثة دوائر هي الشمال والوسط والجنوب ، ويخصص لكل منها ثلاثة مقاعد ، وتضيف المادة (3) من نفس النظام الى مجموع عدد المقاعد النيابية المخصصة بموجب المادة (2) منه ستة مقاعد مخصصة لاشغالها من المرشحات في مختلف الدوائر الانتخابية في المملكة الفائزات بهذه المقاعد وفقاً لأحكام الفقرة (ج) من المادة (45) من قانون الانتخاب لمجلس النواب رقم (34) لسنة 2001 ، وبالنظر في نظام الدوائر الانتخابية المشار اليه أعلاه نجد أنه يقوم في تحديده للدوائر الانتخابية ومقاعدها ( المادة 2 منه ) على أساسين لا يمكن الجمع بينهما ، الأول الأساس الجغرافي الإداري ( دوائر داخل المحافظات ) والثاني الأساس المبني على نمط المعيشة ( بدو الشمال وبدو الوسط وبدو الجنوب ) كما أن تخصيص عدد المقاعد الانتخابية للدوائر المختلقة يقوم على أساسين غير دستوريين هما أساس العرق وأساس الدين ، فالنظام يُقِّسم المقاعد الى مقاعد للمسلمين وأخرى للمسيحيين ومن بين مقاعد المسلمين يحدد مقاعد للشركس والشيشان ، وذلك كله بالمخالفة للمادة (6/أ) من الدستور المبين نصها أعلاه ، وعليه فإن النظام المشار إليه فيه تمييز واضح بين الأردنيين في حق الانتخاب وحق الترشيح ( وهما حقان دستوريان ) ( كما هو واضح أعلاه ) سواءً على أساس ديني أو على أساس عرقي ، بل فيه تمييز بين اتباع الدين الواحد ، وتمييز آخر أساسه نمط المعيشة 0

– وحيث أنه يترتب على إعمال النظام المشار اليه أن يُنتخب نائب ما لأنه ينتمي الى دين معين ، بل وينتخب آخر لأنه ينتمي الى عرق معين ، أو لأنه يعيش في منطقة يسود فيها نمط معيشة معين ، الأمر الذي يعتبر إخلالاً واضحاً بالمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين في الدولة الواحدة 0

– وإذا كان تقسيم الدوائر الإنتخابية ، وتخصيص المقاعد النيابية على الوجه السابق قد أملته الضرورة في بداية عهد الدولة الأردنية ، فقد آن الأوان مع دخولنا القرن الحادي والعشرين أن نعود الى الأصل الدستوري ، ولا يقبل القول أنه قد نشأ عرف دستوري نتيجة ذلك التقسيم وذلك التخصيص ، لأنه لا يمكن أن ينشأ عرف دستوري مخالف لنص دستوري مكتوب 0

– ولعل الصورة الأوضح لخرق الدستور تمثلها الفقرة (ج) من المادة 45 من قانون الانتخاب المؤقت رقم 34 لسنة 2001 والمادة (3) من نظام تقسيم الدوائر الانتخابية رقم 42 لعام 2001 التي أضافت الى المقاعد النيابية المحددة ستة مقاعد للنساء أو ما سمي في حينها بكوتة النساء ، وكأنه لم يكن كافياً مخالفة الدستور عند تحديد المقاعد النيابية من حيث الدين ومن حيث العرق ، فجاءت المادتان المذكورتان ( مادة القانون ومادة النظام ) لتضيفا مخالفة جديدة للمادة (6/11) من الدستور هي عدم المساواة من حيث الجنس 0

– وما دمنا بصدد تبيان مخالفة نظام تقسيم الدوائر الانتخابية فإن هناك خرقاً دستورياً واضحاً يضاف الى ما تقدم ويخل بمبدأ المساواة المقرر في الدستور هو عدم تخصيص المقاعد النيابية على أساس عدد السكان في المحافظات والدوائر المختلفة ، ومثال ذلك محافظة العاصمة المخصص لها 23 مقعداً من أصل (104) مقاعد في الوقت الذي يشكل فيه عدد سكانها حوالي نصف عدد سكان المملكة0

– والحال كذلك ، فإن نظام تقسيم الدوائر الانتخابية لمجلس النواب رقم 42 لسنة 2001 هو نظام مخالف صراحة لنصوص الدستور ، ولأنه جزء لا يتجزأ من القانون بل هو الجزء الجوهري من القانون – فإنه يمكن القول دون تردد أن هذا النظام غير دستوري وما كان سيكون له وجود في ظل وجود محكمة دستورية 0

– وقد يكون مفيداً أن نشير هنا الى أنه كان قد تم الطعن لوقف العمل بقانون الإنتخاب المؤقت ( 34 لسنة 2001) والنظام الصادر بمقتضاه ( نظام 42 لسنة 2001 ) بموجب دعوى العدل العليا رقم 348/2001 ودعوى العدل العليا 350/2001 إلا أنه تم رد الطعنين لعدم المصلحة حيث جاء على لسان المحكمة ما يلي :-

(( أعطت المادة (9/أ/7) من قانون محكمة العدل العليا للمحكمة حق الرقابة القضائية على دستورية القوانين المؤقتة ، وقد جاء هذا النص مطلقاً ويجري على اطلاقه ، وهي المختصة بنظر الطلب بوقف العمل بالقانون المؤقت – قانون الانتخاب لمجلس النواب رقم 34/2001 والنظام الصادر بمقتضاه لأن اصدار القوانين المؤقتة من قبل مجلس الوزراء بمتقتضى المادة (94) من الدستور ليس عملاً من أعمال السيادة 0 يستفاد من أحكام المادة (9/أ/7) و (9/ج/2) من قانون محكمة العدل العليا وما استقر عليه قضاء محكمة العدل العليا والفقه والقضاء الإداري أن المصلحة شرط أساسي لقبول الدعوى ، فحيث لا مصلحة لا دعوى والمشرع لم يجعل من دعوى الإلغاء صفة الدعوى الشعبية يجوز رفعها من أي مواطن ، وانما حصر حق رفعها بمن تحققت لـه مصلحة أكيدة منها مستنداً الى أن القرار المطعون فيه من شأنه أن يؤثر في المركز القانوني للطاعن ولا يصح أن تختلط مصلحة مصلحة الطاعن بالمصلحة العامة بل يجب أن تكون مميزة عنها ومستقلة بذاتها بالاضافة الى أن تكون مصلحته مشروعة وحيث أن دعوى الطعن في دستورية القانون المؤقت ليس من قبيل دعوى الحسبة فإن مناط قبولها أن يتوافر للطاعن مصلحة شخصية مباشرة في رفعها وطالما لم يرد أي دليل يشير الى وجود مصلحة للمستدعين وأنه قد لحق بهم ضرر بسبب صدور هذا القانون باعتبار الضرر أحد أركان المصلحة الشخصية ولعدم توفر شروط المصلحة الشخصية في هذه الدعوى فيتعين عدم قبولها ، ولا يرد قول المستدعين أنهم بصفتهم مواطنون وناخبون ونواب وأمناء أحزاب سياسية اذا لم يكن لهم مصلحة في الطعن بقانون الانتخاب ونظام تقسيم الدوائر الانتخابية فمن هو الذي لـه مصلحة للطعن ذلك أن المستدعين بصفاتهم المذكورة في لائحة الدعوى لا تفترض أن يكون لهم تلقائياً مصلحة شخصية ومباشرة بل لا بد من التحقق من وجود المصلحة واقامة الدليل عليها ))0

سادساً : ضرورة إنشاء محكمة دستورية :-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
– قبل عدة سنوات تم تشكيل لجنة لدراسة امكانية إنشاء محكمة دستورية ، وقد توصلت هذه اللجنة الى أنه لا ضرورة لإنشاء هذه المحكمة في الوقت الحاضر ، نظرا لأن نظامنا القضائي فيه ما يكفي لمراقبة دستورية القوانين ، إضافة الى أن إنشاء المحكمة يحتاج الى قضاة متخصصين ، وكذلك يحتاج الى تعديل للدستور 0

– ومع كامل التقدير للجهد الذي بذلته اللجنة التي كانت مؤلفة من أساتذة كبار نحترمهم ونجلهم، ومع احترامنا للنتيجة التي توصلت إليها اللجنة الكريمة ، فاننا نرى أنها تبنت وأخذت بالرأي الأضعف المرجوح لا بالرأي الأقوى الراجح 0

– فالقول بعدم وجود ضرورة لإنشاء محكمة دستورية في الوقت الحاضر لا يستند الى دليل، فالمحكمة الدستورية لبنة هامة وأساسية في بناء النظام القضائي لكل دولة لها دستور ، ومن المعروف أن رقابة دستورية القوانين أولى من مراقبة مشروعية القرارات الإدارية، لأن هذه الأخيرة ، تنصب على فحص مشروعية قرار إداري غالبا ما يتعلق بفرد واحد من أفراد المجتمع ، في حين أن الرقابة الدستورية تنصب على فحص مشروعية دستورية القوانين فتلغيها أوتبقيها 0 وليس بخاف على أحد الفرق الشاسع والهام ما بين مراقبة قرار إداري فردي ، ومراقبة قانون يتم تطبيقه على أفراد المجتمع كافة أو على الأقل على قطاع كبير من المجتمع ، كما أن معظم المشتغلين بالقانون في الأردن ومن واقع اشتغالهم بالقانون ، يقطعون بأن طريقة الدفع بعدم دستورية القوانين أثناء تطبيقها لا تغني ولا تقوم مقام وجود محكمة دستورية فالدفع بعدم دستورية قانون ما أثناء تطبيقه يقتصر في مفعولـه (أي مفعول الدفع) في حال قبوله ، على تعطيل العمل بالنص القانوني بشأن القضيـــة ( الواحدة ) التي قدم فيها الدفع ولا ينسحب على أية قضية أخرى 0

– وعليه فان الوسيلة الموجودة حاليا للطعن في دستورية القوانين ( طريقة الدفع الفرعي ) لا تقوم مقام وجود محكمة دستورية ولا تغني عنها ، ولو كان الأمر كذلك لاستغنت العديد من الدول عن وجود هذه المحكمة ، واكتفت بوسيلة الدفع بعدم الدستورية ، كما انه لا بد من القول أن وسيلة الدفع بعدم الدستورية هي وسيلة قديمة وجدت في وقت لم تكن فيه المحاكم الدستورية قد عرفت 0

– أما القول بضرورة وجود قضاة متخصصين كشرط لإنشاء محكمة دستورية ، فان إنشاء المحكمة هو الذي يوجد القضاة المتخصصين وليس العكس 0 ولدينا من قضاه محكمة العدل العليا ، ممن هم على رأس عملهم ، وممن أحيلوا على التقاعد ، من يصلح نواة بل قاعدة واسعة للقيام بمهام المحكمة الدستورية ، فخبرة هؤلاء القضاة الأساتذة هي من نطاق القانون العام ، ومحكمة العدل العليا والمحكمة الدستورية كلاهما تعنى بتطبيق القانون العام ، وليس هناك قانون أقرب الى القانون الدستوري من القانون الإداري 0

– أما إذا صح القول بأن إنشاء محكمة دستورية يحتاج الى تعديل للدستور ، ( ونحن لسنا مع هذا الرأي ) ، فما الذي يمنع من تعديل الدستور ، ولا أظن أن شأناً أهم من إنشاء محكمة دستورية يستوجب تعديل الدستور ، فاذا نظرنا في التعديلات التي جرت على الدستور نجد أنها تمت لموجبات قد لا ترقى في أهميتها الى مسألة إنشاء محكمة دستورية 0 هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإذا كان تعديل الدستور غير ممكن فلْنلتفت الى نص المـــادة (100) من الدستور التي تنص على إنشاء محكمة عدل عليـا ( تعين أنواع المحاكم ودرجاتها … بقانون خاص على أن ينص هذا القانون على إنشاء محكمة عدل عليا ) فالمحكمة الدستورية يمكن أن تندرج تحت مفهوم محكمة عدل عليا 0 ذلك أن تحقيق الرقابة على دستورية القوانين هي أعلى درجات العدل ، وإذا كان مصطلح ” محكمة عدل عليا ” قد انصرف منذ وضع الدستور الى القضاء الإداري ، فان ذلك لا يقف حائلا بين أن يكون هناك محكمة عدل عليا إدارية ( محكمة قضاء إداري تراقب مشروعية القرارات الإدارية ) وأن يكون الى جانبها محكمة عدل عليا دستورية (قضاء دستوري يراقب مشروعية القوانين) 0

– فقد وصف المشرع الدستوري (وهو يتوخى بشكل مطلق تحقيق أقصى درجات العدالــــة ) الهيئة التي عقد عليها الأمل في تحقيق العدل وصفها بالعليا، والعدل كما هو معروف لا يتجـــزأ ، فهو عدل بين الأفراد (تقيمه محاكم نظامية) وهو عدل بين الإدارة العامة والأفراد (تقيمه محاكم القضـاء الاداري ) وهو عدل بين السلطة التشريعية من جهة والسلطتين الأخريين والأفراد من جهة أخرى ( تقيمه محكمة القضاء الدستوري)0

– ان كيان الدولة القانونية ،وهي دولة الحاكمين والمحكومين المتقيدين جميعا بالقانون ، لا يكتمل بدون وجود محكمة دستورية ، بل ان كيان الدولة القانونية الحديثة لا يستوي بدون وجود محكمة دستورية ، فاذا كانت المحاكم العادية في الدولة القانونية تقف حائلا بين ظلم الأفراد بعضهم بعضـا ، وكانت المحاكم الادارية (محكمة العدل العليا حاليا ) هي الحارس الذي يقيم العدل بين الادارة العامة (الحكومة) والأفراد ، فان عدم وجود حارس يراقب السلطة التشريعية ويمنع اعتداءها على الدستور (وهي تضع القواعد القانونية التي تلزم الادارة العامة والأفراد) لا يستقيم ومفهوم الدولة القانونية0

– ان الدولة الاردنية التي دخلت القرن الحادي والعشرين بكل ثقة وحداثة وشفافية مسلَّحةً بنهضة تشريعية تشكل ارضية صلبة مؤهلة للبناء عليها ، هي احوج من أي وقت مضى الى محكمة دستورية تكون حارسة لمبادئ ومفاهيم الدستور العليا المتفقة والمنسجمة مع المبادئ والمفاهيم العليا للقانون الدولي ، محكمة تكون قادرة على تحقيق انسجام القوانين الحديثة مع الدستور وفحص المشروعية الدستورية للقوانين القديمة التي تراكمت عبر اكثر من نصف قرن من عمر الدولة دون أي رقابة دستورية 0

– إن القوانين المؤقتة التي أصدرتها وقد تصدرها الحكومة في غياب السلطة التشريعية سنداً للمادة 94/1 من الدستور هي مدعاة للتعجيل بإنشاء محكمة دستورية ، لأن القول بدستورية أو عدم دستورية هذه القوانين المؤقتة هو من صلب اختصاص محكمة دستورية تنشأ لمراقبة دستورية القوانين ، وإذا كانت محكمة العدل العليا قد ردت الطعن بعدم دستورية قانون الإنتخاب المؤقت رقم 34 لسنة 2001 ( لعدم المصلحة قرار 348/2001 وقرار 350/2001 ) ، فإن محكمة دستورية متخصصة سوف تكون أقدر على معالجة هكذا طعن 0

– إن محكمة دستورية متخصصة بالرقابة على دستورية القوانين في حال انشائها سوف يكون من مهمتها دون مواربة ، أن تقضي فيما اذا كان القانون المؤقت المطعون بدستوريته هو ” تدبير ضروري لا يحتمل التأخير ” ، ولعل الفرق شاسع بين قاضٍ اداري ( محكمة العدل العليا ) نطاق حركته رقابة مشروعية القرارات الإدارية الصادرة عن السلطة التنفيذية ، وبين قاضٍ دستوري نطاق حركته رقابة مشروعية القوانين ومطابقتها مع القانون الأسمى في الدولة 0

– وفي الختام فإنني لا أرى ولا أجد سبباً واحداً وجيهاً يدعو الى تحبيذ عدم انشاء محكمة دستورية في الأردن ، لأن وجود محكمة دستورية هو من عناصر وجود الدولة القانونية ، وإذا كنا نؤمن حقاً أن الدستور هو القانون الأسمى في الدولة ، فإن الدعوة الى انشاء محكمة دستورية هي دعوة الى استكمال بناء الدولة القانونية التي تعتبر الرقابة على دستورية القوانين فيها أعلى مراتب رقابة المشروعية وأكبر الضمانات لإرساء مبدأ سيادة القانون.