يقصد بطريقة تولية الوظيفة العامة على أساس الانتخاب ، تقييد سلطة الإدارة في شغل الوظيفة العامة عن طريق اشتراط إجراء انتخابات عامة يشترك فيها الشعب. أو انتخابات مغلقة تقتصر على فئة النظراء لاختيار من يشغلون بعض الوظائف. وبذلك تنتقل السلطة المطلقة للإدارة في هذا المجال إلى الناخبين(1). أو اختيار الموظفين لشغل وظائف معينة بواسطة أغلبية الناخبين المعينين(2). وقد كانت هذه الطريقة سائدة في الحضارة الإغريقية وأخذت بها مدينة أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد. حيث كان يتم اختيار الحكام وكبار الموظفين والقادة بأسلوب الانتخاب من خلال تعبير الشعب عن إرادته. وهكذا وجدت إلى جانب الديمقراطية السياسية التي تقوم على مشاركة المواطن عن طريق الانتخاب ، ما عُرِفَ بالديمقراطية الإدارية التي تحقق مشاركة المواطنين على الصعيد المحلي أو المرفقي في صنع القرار الإداري. من خلال هذه التعاريف يتضح ان فكرة الانتخاب أساسا في تولي الوظائف العامة تكون ناتجة عن مبدأ السيادة الشعبية للامة وكونها مصدراً للسلطات باعتبار ان السيادة تكون في هذه الحالة مجزأة على أفراد الشعب . أي ان كل فرد من أفراد الشعب السياسي يمتلك جزءاً من هذه السيادة ، فكما ان أفراد الشعب السياسي يقومون باختيار ممثليهم في السلطة التشريعية . فلها ان تقوم كذلك باختيار من يقومون بالعملية التنفيذية والقضائية في الدولة. أي ان الأفراد المقرر لهم حق الانتخاب يقومون باختيار الموظفين الذين سيقومون بتنفيذ سياسة الدولة العامة وتسيير الأمور اليومية في الدولة .

وكذلك أولئك الذين يقومون بالفصل في المنازعات. أي أعضاء السلطتين التنفيذية والقضائية أو في بعض الحالات يقوم بهذا الاختيار زملاء المرشح لوظيفة أعلى أو لمنصب معين. حيث يعتبر الانتخاب في هذه الحالة مرادفاً للديمقراطية السياسية وتطبيقاً لها في مجال الإدارة أو تحقيقاً لها في هذا المجال أو على الأقل تحقيق انسجام مع المبدأ الديمقراطي ذاته(3). فتهدف هذه الوسيلة إلى تحقيق مبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة عن طريق إبعاد نفوذ ويد الإدارة والتقليل من دورها وتأثيرها في عملية اختيار الموظفين. بحيث تكون عملية كهذه في يد أفراد الشعب الذي سيقرر بإرادته عن طريق الانتخاب من يقوم من بين أفراد الشعب بتنفيذ سياسة الدولة وتسيير أمورها. وقد أخذت بعض الدول بطريقة الانتخاب لاختيار الموظفين لبعض الوظائف. مثال ذلك اختيار القضاة وحكام الولايات ونوابهم وبعض القادة التنفيذيين في أمريكا والقضاة في روسيا الاتحادية. إلا ان أسلوب الانتخاب للتعيين في الوظيفة العامة وان كان يحقق ديمقراطية الإدارة ويسمح للمواطنين بالاختيار بين المرشحين لتولي الوظائف العامة قد تعرض لبعض الانتقادات واهمها:

1-انه من الصعب – لاعتبارات عملية وإدارية – تعميم طريقة الانتخاب لاختيار جميع الموظفين وفي جميع المجالات وذلك على مختلف مستويات الوظائف ومجموعاتها وفئاتها. ولهذا فان الأخذ بهذه الطريقة يمكن ان يقتصر على قطاعات معينة من الموظفين كالقضاة وكبار الإداريين في الإدارات اللامركزية الإقليمية ” كالمجالس البلدية أو المحافظة ” وبعض الإدارات اللامركزية المرفقية ” كالمؤسسات العامة “.

2-ان أسلوب الانتخاب لا يسفر عادة – وبالضرورة – عن اختيار افضل المرشحين لتولي الوظائف العامة من ناحية التأهيل العلمي والكفاءة الفنية وذلك لاعتبارات متعددة أهمها. ان الناخب قد لا يكون قادراً بحكم مستواه الثقافي على إجراء المفاضلة وحتى إذا كان قادراً على ذلك فانه يتأثر عند الاختيار باعتبارات سياسية أو عائلية أو عشائرية أو شخصية تدفعه إلى اختيار الأقرب إلى نفسه وان لم يكن هو الاصلح.

3-ان الموظف المنتخب يتأثر في الغالب في ممارسته لوظيفته بالمعركة الانتخابية وظروفها ، بما في ذلك مواقف واتجاهات جماهير الناخبين. مما قد يوقعه في أحيان كثيرة تحت تأثير الناخبين فيعمل على إرضائهم ضماناً لتجديد انتخابه وتحقيق مطالبهم الشخصية مما يفقده الحياد في أداء مهمته ويترتب على ذلك بالتالي تفشي المحسوبية واعلاء المصالح الشخصية فوق المصلحة العامة.

4-ان الانتخاب يتم عادة بصورة دورية – كل عدة سنوات – وهذا لا يساعد الموظف المنتخب على الاستقرار والاستمرار اللازمين لنجاحه في عمله(4).

فهذه الطريقة من طرق تولي الوظائف العامة وان كانت تستخدم في أضيق الحدود في مختلف الدول غير انه حتى في هذا النطاق الضيق الذي تستخدم فيه هذه الطريقة فان الدول لا تجريها على نمط واحد. بل ان بعضها يوسع نسبياً من مجالات استخدامها بينما يطبق البعض الآخر تطبيقاً شديداً من دائرة هذه المجالات ويقصرها في بعض الدول على المستوى الأكاديمي. وهذا ما سيتضح من إيراد التطبيقات العملية في بعض الدول. ولكن وان كانت الكلمة الفصل تعود إلى أفراد الشعب السياسي في الدولة وان نطاق ودور الإدارة فيها ضيقاً إلى ابعد الحدود. ولكن على الرغم من هذا فان هناك ضوابطاً وشروطاً تحكم العملية الانتخابية. وهذا الانتخاب محكوم بضوابط وشروط تحكم الانتخاب . فهناك ضوابط وشروط يلزم توافرها في كل من الناخبين والمرشحين.

فكما ان الإدارة تكون مقيدة في عملية اختيار ممثلي الشعب في السلطة التشريعية، فيجب ان يترك لأفراد الشعب السياسي الناخبين عملية اختيار الموظفين من بين المتقدمين للوظيفة ومن ثم تتحقق المساواة ما بين المرشحين لتولي الوظائف العامة وبعيداً من تدخل الإدارة أو تأثرها بأية اعتبارات سياسية أو محسوبية أو محاباة. فكلما كان الاختيار والعملية الانتخابية قد توفر لها الشروط الموضوعية كلما أمكننا ان نحقق المساواة بين المواطنين المرشحين في تولي الوظائف العامة على أساس الجدارة أو الصلاحية وليس اختياراً عشوائياً . فنجاح الأشخاص الذين يفوزون بالانتخابات يعتبرون شاغلين للوظائف التي تقدموا للعمل فيها بمجرد ظهور نتائج الانتخابات لمصلحتهم دون الحاجة إلى صدور قرار بإضفاء الولاية الوظيفية دون ان يكون للجهة الإدارية أي سلطة في نزع هذه الولاية عن هذا الموظف الذي فاز بالانتخابات. ومثال ذلك ما تسير عليه الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الفدرالي السويسري بالنسبة إلى بعض الوظائف الناشئة عن الانتخابات نفسها. أو قد يصدر قرار بتولية الشخص الذي فاز بالانتخابات. فبداية الرابطة الوظيفية للشخص المرشح الذي فاز بالانتخابات تبدأ من لحظة إصدار القرار بتعيينه في الوظيفة. وللإدارة إذا تبين لها ان قرار التعيين لهذا الشخص يفتقر إلى الشروط التي يتطلبها الانتخاب فتعترض الجهة الإدارية المسؤولة وبالتالي يسحب قرار التعيين(5).

__________________

1- Andre De Laubadrer: Traite elementaire de droit administratif troisleme editition 1963 ، p.58.

2- د. نواف كنعان / القانون الإداري ، ك2 ، ط1 ، الاصدار الثاني ضمن سلسلة المكتبة القانونية 424 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن ، 2001 ، ص61.

3- Robert charven: justice et politique. Edition 1968 . p.186.

وكذلك د. احمد حافظ نجم / مبادئ علم الإدارة العامة ، 1979 ، ص361.

4- Marx Fritz Morstain: The administrative state chicago، 1957، p.52.

– د. طلعت حرب محفوظ / مصدر سابق ، ص191.

– د. انور رسلان / الوظيفة العامة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1981 ، ص130-131.

– د.عبد الغني بسيوني عبد الله / القانون الإداري ، منشات المعارف بالاسكندرية ،مصر ، 1991 ، ص 233-234.

– د.ماجد الحلو / القانون الإداري ، دار المطبوعات الجامعية ، الإسكندرية ، 1994 ، ص259-260.

5- د.عثمان خليل عثمان / الوظيفة العامة ، ط1961 ، ص48.

المؤلف : مصطفى سالم مصطفى النجفي
الكتاب أو المصدر : المساواة ودورها في تولي الوظائف العامة

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .