البــطــلان

يقصد بالبطلان nullity لغة الفساد وسقوط الحكم، أما قانوناً فالبطلان وصف يلحق عملاً معيناً لمخالفته للقانون

مخالفة تؤدي إلى عدم إنتاج الآثار التي يرتبها القانون على هذا العمل لو لم يكن معيباً.

البطلان المطلق والبطلان النسبي

ليس في القانون المدني السوري، أو في القوانين المدنية للأقطار العربية، ذكر للبطلان المطلق أو البطلان النسبي،

وإنما أتت هذه النصوص على ذكر عبارتي: بطلان العقد، وقابلية العقد للإبطال. والسبب في ذلك، هو أن القانون المدني السوري

مستمد من القانون المدني المصري، الذي مرّ بعدة مراحل حتى توصل إلى هذه الصيغة.

ولقد مرّت نظرية البطلان بمراحل عدة. حيث تعقّدت كثيراً لاعتبارات تاريخية واختلاف وجهات نظر الفقهاء فيها.

فالنظرية التقليدية قسّمت البطلان إلى ثلاث مراتب هي:

1 ـ الانعدام، 2 ـ البطلان المطلق، 3 ـ البطلان النسبي.

وتأخذ جمهرة من الفقهاء على هذه النظرية تفريقها بين العقد[ر] الباطل بطلاناً مطلقاً والعقد المنعدم،

لأنهما في مستوى واحد وآثارهما واحدة، وهما متوازيان، وترى عدم التفريق بينهما.

وهناك فريق آخر يذهب إلى عدم الاقتصار على مراتب البطلان الثلاث ويرى تعددها أكثر.

إلاّ أنّ جمهرة أخرى رأت تقسيم النظرية إلى قسمين فقط. هما:

1 ـ العقد الباطل بطلاناً مطلقاً (ويدخل فيه العقد المنعدم).

2 ـ العقد الباطل بطلاناً نسبياً.

غير أنّ هذا التقسيم ما يزال موضع جدل في الفقه التقليدي.

والتقنين المدني المصري القديم (الذي كان سائداً أيام الملكية قبل الثورة)أخذ بهذه النظرية، غير أنها أُلغيت

في القانون المدني الجديد، بعد مناقشة مطوّلة في مجلس الشيوخ. إذ اتُّفق على أن البطلان درجة واحدة:

فكلمة (باطل) تغني عن جملة (البطلان المطلق) وجملة (قابليّته للإبطال) تغني عن جملة (البطلان النسبي).

وأخرج النص فيما بعد على النحو (الحالي) الآتي الذي يقول بأن العقد إما أن يكون باطلاً وإما قابلاً للإبطال، وهذا ما أخذت به نصوص القانون المدني السوري.

إلاّ أنّ بعض القوانين فرقت بين العقد الباطل بطلاناً مطلقاً والعقد الباطل بطلاناً نسبياً، كالقانون السويسري والقانون الإنكليزي.

ومع هذه النصوص، فإن القضاء السوري قد أخذ بنظرية البطلان المطلق والبطلان النسبي في كثير من اجتهاداته مثل:

1 ـ قرار نقض سوري رقم 163 أساس 260 تاريخ 23/1/1961م إذ جاء فيه:

«أن المشرّع الذي منع التعامل بالذهب بموجب نص المادة 1من القرار 18ل.ر لعام1940م رتّب البطلان على مخالفة أحكامه..

. فالبطلان الذي يلحق العقود المحررة بالعملة الذهبية، هو بطلان مطلق لتعلقه بالنظام العام».

2 ـ قرار نقض سوري 1209 سنة 1964م يقول: «إن العقد يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً إذا وقع على عين تم إدخالها بصورة غير مشروعة ويشكل جرماً».

والفرق بين العقد الباطل والعقد القابل للإبطال، هو أنه في العقد الباطل يحق لكل ذي مصلحة أن يتمسّك

بالبطلان وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها لأنه من متعلقات النظام العام، والبطلان لا يزول بالإجازة، وتسقط دعوى البطلان بمضي خمسة عشر عاماً من وقت العقد.

أما في العقد القابل للإبطال، فالأمر يتعلق بحقوق العاقدين، ويزول حق الإبطال بالإجازة الصريحة أو الضمنية

، وتستند الإجازة إلى تاريخ العقد من دون الإخلال بحقوق الغير، ويسقط الحق إذا لم يتمسّك به صاحبه بانقضاء سنة واحدة،

ويبدأ سريان هذه المدّة وفق الأسس المعينة في القانون منها الحالات الآتية:

1 ـ في حال نقص الأهلية: من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب.

2 ـ في حالتي الغلط والتدليس: من اليوم الذي ينكشف فيه.

3 ـ في حالة الإكراه: من يوم انقطاعه.

وفي كل حال لا يجوز التمسك بحق الإبطال لغلط[ر] أو تدليس[ر] أو إكراه[ر]

إذا انقضت خمس عشرة سنة من وقت تمام العقد وتعتبر هذه مدة تقادم مسقط وهي تختلف بين قانون عربي وآخر.

الآثار المترتبة على البطلان

نصت المادة 143من القانون المدني السوري على ما يأتي:

ـ في حالتي إبطال العقد وبطلانه يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد، فإذا كان هذا مستحيلاً جاز الحكم بتعويض معادل.

ـ ومع ذلك لا يلزم ناقص الأهلية، إذا أبطل العقد لنقص أهليته أن يردّ غير ما عاد عليه من منفعة بسبب تغيير العقد

وتقابل هذه المادة نصوص مماثلة في العديد من القوانين المدنية العربية.

ويتضح من هذا النص أنه في حالتي إبطال العقد وبطلانه يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد، وكأن العقد

لم يكن، إلاّ أنه بعد إنشاء العقد تترتّب عليه آثار قبل تقرير إبطاله أو بطلانه، إن كان بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير، وهذه الآثار منها العرضية ومنها الأصلية:

الآثار العرضية: كالزواج غير الصحيح، فهو في الشريعة الإسلامية لاينتج آثاره الأصلية، كوجوب النفقة والتوارث وغير ذلك

. ولكنه ينتج آثاراً عرضية، كوجوب المهر بعد الدخول مثلاً.

وإذا كان العقد في شق منه باطلاً أو قابلاً للإبطال، فهذا الشقّ هو وحده الذي يبطل، إلاّ إذا تبين أن العقد

ما كان يتمّ بغير الشقّ الذي وقع باطلاً أو قابلاً للإبطال، فيبطل العقد كله: (المادة 144من القانون المدني السوري).

مثل: قسمة أعيان بعضها موقوف وبعضها مملوك؛ فتقع قسمة الموقوف باطلة وتبقى قسمة المملوك صحيحة،

إلاّ إذا أثبت من يطعن بالقسمة كلها أنها ما كانت لتتم في المملوك دون الموقوف.

ولكن إذا تعذرت إعادة المتعاقدين إلى ما كانا عليه قبل العقد حكم على المسبب بالتعويض، وهذا التعويض

مبني على أساس المسؤولية التقصيرية التي ارتكبها العاقد لا على أساس نظرية العقد.

وقد نصت المادة 120من القانون المدني السوري على ما يأتي:

يجوز لناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد، هذا مع عدم الإخلال بإلزامه التعويض إذا لجأ إلى طرق احتيالية ليخفي

نقص أهليته (يقابلها نص المادة 119من القانون المدني المصري)، والتعويض هنا مبني على أساس المسؤولية التقصيرية التي ترجع إلى الطرق الاحتيالية.

وهذه الآثار لا تترتب على تلك العقود باعتبارها عقوداً بل باعتبارها وقائع مادية.

الآثار الأصلية: قد يرتب القانون في بعض الحالات على العقد الباطل آثاره الأصلية كونه عقداً،

ويكون في هذه الحالة هو والعقد الصحيح بمنزلة سواء، وهذا خروج صريح عن القواعد العامة،

القصد منه استقرار التعامل الذي يمتدّ إلى العقد الباطل فيرتّب عليه آثاره الأصلية كما لو كان عقداً صحيحاً،

مثال شركة تجارية لم تستوفِ الإجراءات الواجبة قانوناً فإنها تقع باطلة، فتصفية حقوق الشركاء عن المعاملات

التي جرت قبل الإبطال تنتج آثاراً أصلية ناتجة عن العقد الباطل، ويعد تعامل الغير معها صحيحاً ويتحمل الشركاء الربح والخسارة، لأن الشركة قبل البطلان كانت شركة واقعية.

وأثر العقود في هذه الحالة ينصرف إلى العاقدين بالذات وإلى الغير. وما يسري على العاقدين يسري على خلفهما العام والخاص مع بعض الاستثناءات التي أتى على ذكرها القانون.

أما ما يتصل بالغير فقد رتّب القانون حقوقاً له، ليس موضوعها هذا البحث.

حالات البطلان وأشكاله

1 ـ بطلان التصرفات القانونية: عالج القانون المدني السوري حالات بطلان التصرفات

القانونية بدءاً من المادة 111 حتى المادة 138، ومن الأمثلة على بطلان هذه التصرفات:

ـ تصرّف الصغير غير المميّز، أمّا المميِّز فتعد تصرفاته باطلة إذا كانت ضاره له ضرراً محضاً، أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، فتكون قابلة للإبطال لمصلحة القاصر.

ـ تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد شهر قرار الحجر، أما إذا كان التصرف قبل شهر قرار الحجر،

فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد أو كان الطرف الآخر على بيّنة منها.

ـ تصرف ذي الغفلة أو السفيه بعد شهر قرار الحجر إذا كان تصرفه ضاراً له ضرراً محضاً، أما التصرف قبل شهر

قرار الحجر، فلا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال إلاّ إذا كان نتيجة تواطؤ أو استغلال.

ـ تصرفات الأصم والأبكم، والأعمى الأصم، والأعمى الأبكم إذا صدرت منه من دون المساعدة القضائية، وبعد شهر تعيين المساعدة القضائية.

ـ إذا وقع المتعاقد في غلط جاز له طلب إبطال العقد ضمن الشروط التي حددها القانون.

ـ يجوز إبطال العقد للتدليس أو الإكراه ضمن الشروط التي حددها القانون.

ـ يكون العقد باطلاً إذا كان سببه مستحيلاً أو مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة.

2 ـ بطلان الإجراءات: نصت المادة 38 من قانون أصول المحاكمات السوري على ما يأتي:

يترتب البطلان على عدم مراعاة المواعيد والإجراءات المنصوص عليها في المواد:

17 و18 و19 و20 و21 و22 و23 و24 و25 و26 و27 و28 و29 و30 و33 و34 و35 و36.

ورتّب قانون الأصول في المادة 39 كيفية بطلان الإجراءات فأوجب البطلان إذا نصّ القانون صراحة على بطلانه، مثال:

تبليغ مذكرة الدعوة في يوم عطلة رسمية بغير إذن المحكمة، أو إذا سلّم المُحضِر شق التبليغ إلى قاصر،

إذ جاء في اجتهاد لمحكمة النقض السورية ما يأتي: «إذا ثبت أن ابن المخاطب كان قاصراً عندما تبلّغ عن والده الإخطار

، خلافاً لشرح المحضر يجعل التبليغ باطلاً بطلاناً مطلقاً، ويجعل الحكم المؤسس عليه عرضة للنقض».

والبطلان يتحقق أيضاً إذا كان هناك نقص في شكليات سند التبليغ أو البيانات التي يتضمنّها هذا السند. مثال:

«عدم وجود توقيع المحضر على السند» فيعد هذا التبليغ باطلاً ومن ثم فالإجراءات المترتبة على هذا التبليغ تعد باطلة.

والبطلان في مثل هذه الحالات، يزول إذا تنازل عنه من شرع لمصلحته أو إذا ردَّ على الإجراء بما

يدل على أنه عدّه صحيحاً، أو إذا قام بعمل أو إجراء آخر بعدِّه كذلك، فيما عدا الحالات المتعلقة بالنظام العام. (المادة 40 من قانون الأصول).

3ـ بطلان الأحكام: إن الأحكام التي تصدر بالاستناد إلى إجراءات باطلة، تكون باطلة،

لأنه ما بُني على الباطل فهو باطل.ولكن هناك حالات عدة، تكون الأحكام فيها باطلة لعدم توافر الشروط القانونية في هذه الأحكام، منها على سبيل المثال لا الحصر:

ـ حكم صادر عن محكمة الاستئناف، ولكن ليس عن كامل الهيئة وإنما عن مستشار واحد.

ـ إذا رفعت الدعوى ابتداءً باسم شخص متوفٍ وصدر الحكم في حق هذا المتوفى.

ـ عدم التوقيع على مسودّة الحكم.

ـ خلوّ الحكم من المنطوق.

ـ النطق بالحكم من دون كتابته.

وهناك أحكام يُقضى ببطلانها مع انبرامها إذا ارتكب مصدروها خطأ مهنياً جسيماً

أو غشاً أو تدليساً كما هو منصوص عليه بالمادة 486 من قانون أصول المحاكمات السوري

، وتقضي المحكمة المختصة بإبطال التصرفات وإبطال الحكم المبني على هذه التصرفات عملاً بالمادتين 495 و496 من القانون المذكور.