الرقابة القضائية على دستورية القوانين :

تتمثل هذه الرقابة في وجوب خضوع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية للرقابة القضائية للتحقق من مدى مطابقتها وامتثالها للنصوص الدستورية، ويرتكز مفهوم تلك الرقابة الى ما يتمتع به الدستور من أعلوية باعتباره قانون الدولة الاسمى ، وان القواعد الواردة فيه هي الاعلى مرتبة ويتوجب على سلطات الدولة احترامها والعمل بموجبها بما في ذلك السلطة التشريعية(1). ويذهب فقهاء القانون الدستوري الى تصنيف الوسائل المتبعة في الرقابة على دستورية القوانين الى نوعين:-

الاولى / تعرف بالرقابة عن طريق الدعوى الأصلية ( رقابة الالغاء ) .

والثانية / تعرف بالرقابة عن طريق الدفع بعدم الدستورية ( رقابة الامتناع ) .

وسنتناول فيما يأتي كل من هذين النوعين بشيء من التفصيل وعلى النحو الآتي:

اولا / الرقابة عن طريق الدعوى الاصلية .

بموجب هذا النوع من الرقابة يحق للافراد او لبعض الهيئات في الدولة مهاجمة قانون معين والطعن في دستوريته عن طريق إقامة دعوى مباشرة أمام القضاء يطلب فيها إلغاء القانون لمخالفته أحكام الدستور، ويقيد عادة رفع هذه الدعوى بمدة معينه من اجل ضمان استقرار القانون والمعاملات(2). ويتمتع الحكم الصادر بإلغاء القانون بحجية مطلقة تجاه الكافة مما يؤدي الى حسم النزاع بشان دستورية القانون بشكل نهائي . ونظرا لأهمية وخطورة إلغاء القضاء لقانون وضعته السلطة التشريعية ، فأن الدساتير المختلفة تنظم دعوى الإلغاء وإجراءاتها ، وتكون الهيئة المختصة بالفصل في هذه الدعوى اعلى هيئة قضائية في الدولة ، ذلك ان ترك امر خطير كالغاء القانون للمحاكم العادية قد يؤدي الى نتائج ضارة بالنسبة لاستقرار النظام القانوني واستقرار المعاملات اضافة الى الصدام بين المحاكم العادية والسلطة التشريعية(3). وتختلف النظم الدستورية بشان الجهة التي يعهد اليها النظر في هذه الدعوى ، فبعض الدساتير اسندت هذا الاختصاص الى المحكمة العليا في النظام القضائي ، وبعضها الاخر اناط مهمة الرقابة الى محكمة دستورية متخصصة يتم انشاءها للقيام بهذه المهمة(4). وايا كانت الاتجاهات الدستورية في تحديد الرقابة على دستورية القوانين، فأننا نتفق والرأي الذي يحصر الاختصاص بتلك الرقابة في محكمة دستورية خاصة ، لان ذلك من شانه ان يضفي على موضوع الرقابة اهمية كبيرة ويمنحها مزيدا من الاحترام من قبل المشرع العادي . فضلا عن ان تشكيل المحكمة الدستورية الخاصة كثيرا ما يضم كفاءات متخصصة في بحث المسائل الدستورية ، كفقهاء القانون الدستوري ورجال السياسة ، وهذا بدوره يؤدي الى سرعة حسم الدعاوى واصدار الاحكام في صحة القوانين العادية . واذا كانت غالبية الدساتير تتجه نحو اناطة الاختصاص بالرقابة على دستورية القوانين للمحكمة العليا في التنظيم القضائي او لمحكمة تنشا خصيصا لهذا الغرض ، فأنه يجب ملاحظة ان تقرير هذه الرقابة يكون متوقفا على نص صريح في الدستور يجيزها ويقررها، اما اذا لم توجد هذه النصوص ، فلا يجوز ممارسة الرقابة القضائية عن طريق الدعوى الاصلية وانما عن طريق اخر وهو الدفع بعدم الدستورية (5). ومن الجدير بالملاحظة ، ان بعض الدساتير التي تبنت نظام الرقابة القضائية على دستورية القوانين عن طريق الدعوى الاصلية ، لم تمنح الافراد الحق في رفع هذه الدعوى بل جعلته حقا مقصورا على بعض الهيئات العامة .ان النتيجة المترتبة ازاء ممارسة دعوى الإلغاء تتطلب منح الافراد دورا مباشرا في ممارسة تلك الوسيلة لحماية حقوقهم الدستورية ذلك ان حرمانهم من ممارسة ذلك الحق يتعارض مع النصوص الدستورية التي تجعل حق التقاضي مكفولا للجميع ، وعليه يجب ان تتضمن الدساتير نصوصا تمنح الافراد الحق في رفع الدعوى ضد القوانين المخالفة للدستور ذلك ان هدف النصوص الدستورية الخاصة بالحقوق والحريات ضمان تلك الحقوق من الانتهاك ، والافراد أدرى من غيرهم بحالات تعرض حقوقهم للانتهاك ، هذا من جانب ومن جانب اخر فأن حصر حق رفع تلك الدعوى بالهيئات العامة من شانه ان يقلل من اهمية تلك الرقابة كسلاح فعال لحماية الدستور واداة لكفالة احكامه ، لان بعض هذه الهيئات تجد من مصلحتها عدم اثارة الطعن بالقوانين المخالفة للدستور اذا كان القانون يتفق وتحقيق اهدافها(6). فضلا عن ان منح الافراد ذلك الحق ينسجم مع ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية في التاكيد على اهمية دور الافراد في حماية حقوقهم وفي مقدمتها الاعلان العالمي لحقوق الانسان(7). والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية(8).

ثانيا / الرقابة عن طريق الدفع بعدم الدستورية .

يفترض اسلوب الدفع بعدم الدستورية وجود دعوى منظورة امام القضاء سواء كانت هذه الدعوى مدنية او تجارية او ادارية او متعلقة بالاحوال الشخصية يراد فيها تطبيق قانون معين، فيدفع احد اطرافها بعدم دستورية ذلك القانون مطالبا بعدم تطبيقه(9). وهكذا يجد القاضي نفسه امام قانونين متعارضين : الدستور وهو القانون الاعلى والقانون الادنى منه هو التشريع العادي(10). فاذا تبين له عدم صحة الدفع فأنه يحكم في النزاع طبقا لهذا القانون ، اما اذا تأكد من مخالفة القانون لاحكام الدستور فأنه يمتنع عن تطبيقه، ويفصل في الدعوى على هذا الاساس، فالقانون لا يلغى اذا ، ولا يجبر المشرع على تعديله او الغائه ويستمر تطبيقه على قضايا اخرى، ومن ثم يكون لحكم القضاء الصادر في هذا الخصوص حجية نسبية مقصورة على النزاع المعروض امامه، الا ان توحيد القضاء بوجود محكمة عليا تميز امامها احكام المحاكم الدنيا يؤدي بالقانون الذي تقر عدم دستورية الى ان يصبح بحكم المعدوم فهو لا يلغى وانما يشل فقط(11). ورقابة الامتناع لا تتقرر لمحكمة معينة في النظام القضائي ، وانما تثبت لجميع المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها . واذا كانت الرقابة عن طريق الدعوى الاصلية تفترض وجود نص في الدستور يجيزها ويحدد المحكمة المختصة بإجرائها ، فأن الرقابة عن طريق الدفع بعدم الدستورية لا تتطلب وجود مثل هذا النص ، وهذا ما انتهى اليه الفقه الدستوري بالقول ان عدم تنظيم الدستور للرقابة على انه قبول لها بواسطة الدفع الفرعي ، وان الرقابة تعد واجبا وحقا للقاضي بحكم وظيفته في الفصل في المنازعات وتغليب القانون الاعلى عندما يتعارض معه قانون ادنى(12). يتضح من استعراضنا لمضمون نوعي الرقابة القضائية على دستورية القوانين ، ان رقابة الالغاء يكون فيها ضمان الحقوق والحريات اقوى منه بطريق الامتناع ، لان الاولى تؤدي الى ضمان استقرار الاوضاع القانونية بعكس الاخيرة التي قد لا يتحقق في ظلها ذلك الاستقرار في المراكز القانونية ، فالقانون الذي تثبت شرعيته امام محكمة من المحاكم، قد لا تثبت شرعيته امام محكمة اخرى على الرغم من ان نظام السوابق القضائية قد خفف من سلبية هذا الاسلوب الرقابي .

______________________________________

1- محمد سعيد مجذوب – مصدر سابق – ص138

2- رعد ناجي الجدة -احسان المفرجي – كطران زغير نعمة– النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق –بغداد – 1990 – ص176

3- احمد العزي النقشبندي – الرقابة على دستورية القوانين وتطبيقاتها في الدول العربية – رسالة ماجستير – جامعة بغداد – كلية القانون –1989 – ص102 .

4-ش عبد الغني بسيوني – المبادئ العامة للقانون الدستوري – الدار الجامعية – 1985 – ص201

5- ابراهيم عبد العزيز شيحا – المبادئ الدستورية العامة – الدار الجامعية للطباعة والنشر – بيروت – 1982 – ص240

6- ابراهيم عبد العزيز شيحا – مصدر سابق –ص236

7- المادة الثامنة منه ( لكل شخص الحق في ان يلجا الى المحاكم الوطنية لانصافه من اعمال فيها اعتداء على الحقوق الاساسية التي يمنحها له القانون ) والمادة العاشرة من الاعلان ذاته ( لكل انسان الحق على قدم المساواة والتامة مع الاخرين ، في ان تنظر قضيته امام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته واية تهمة جنائية توجه اليه ) .

8- المادة ( 14 ) منه ( الناس جميعا سواء امام القضاء ومن حق كل فرد لدى الفصل في اية تهمة جزائية توجه اليه او في حقوقه والتزاماته في اية دعوى مدنية ان تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة ومستقلة حيادية )

9- Georges Burdeau، Drolt Constitution et Institutions، Politques، Par is،1968.p.99

10- احمد العزي النقشبندي – مصدر سابق – ص99

11- (منذر الشاوي – القانون الدستوري ( نظرية الدستور )- مركز البحوث القانونية – بغداد – 1981 – ص 65 وعبد الغني بسيوني– النظم السياسية والقانون الدستوري – مصدر سابق – ص429

12- ابراهيم عبد العزيز شيحا- مصدر سابق- ص248

الرقابة القضائية على دستورية القوانين في القانون الأساسي العراقي لعام 1925 :

نصت المادة (81) من القانون الأساسي على ان (تؤلف محكمة عليا لمحاكمة الوزراء وأعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية او بجرائم تتعلق بوظائفهم العامة ولمحاكمة حكام محكمة التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم وللبت بالامور المتعلقة بتفسير هذا القانون وموافقة القوانين الأخرى لاحكامه ) . من خلال النص المتقدم يتضح أن القانون الأساسي اناط مهمة الرقابة على مطابقة القوانين لاحكام الدستور الى محكمة خاصة اسماها المحكمة العليا (1). وقد بين القانون كيفية تشكيل هذه المحكمة فنصت الفقره (3) من المادة (82) على أن المحكمة العليا تؤلف من ثمانية اعضاء عدا الرئيس ينتخبهم مجلس الاعيان وعلى النحو الآتي : –

1- اربعة أعضاء من بين أعضائه .

2- اربعة اعضاء من حكام محكمة التمييز او غيرهم من كبار الحكام .

وتنعقد المحكمة برئاسة رئيس مجلس الاعيان ، وفي حالة عدم حضوره يترأس الجلسه نائبه ، ومدة العضوية تحدد بالفترة الضرورية للنظر في القضية التي دعيت من اجلها وعند انتهائها تنتهي العضوية . واهم مايؤخذ على القانون الأساسي فيما يتعلق بتركيبة المحكمة ، اولا انه جعل اختيار اعضاء المحكمة العليا من قبل مجلس الاعيان وهو المجلس المعين بجميع اعضائه من قبل السلطة التنفيذية ( المادة/31  الفقرة/ 1) ، واشترط ثانيا أن يكون اربعة من اعضائها من اعضاء مجلس الاعيان ، وهذا فضلاً عن ذلك فأن رئيسها هو رئيس مجلس الاعيان نفسه ، وهؤلاء الاعضاء المعينون من قبل السلطة التنفيذية في الاصل سبق وان ابدوا رأيهم في القانون المطعون في دستوريته عند مناقشته في المجلس الذي ينتمون اليه ، ولهذا فأن رأيهم في القانون معروف مقدماً ، وكثيراً ما يلجأ مجلس الاعيان الى اختيار الاعضاء الاربعة من الاعضاء المؤيدين او المعارضين للقانون تبعاً لرأي السلطة التنفيذية في الاحتفاظ في القانون او الغائه كما اثبت الواقع ذلك (2). وثالثا أن العضو المناط به الرقابة على دستورية القوانين ليس بعضو دائم فوجوده موقوف بالمهمة التي تحال اليه ، وتمثل هذه نقطة ضعف اخرى تتمكن السلطة التنفيذية اذا ارادت ذلك أن تنفذ منها بتأثيرها عليه . فعدم وجود العضو بصورة دائمية يجعل للاعتبارات السابقة اهمية كبيرة ، بينما وجوده بصورة دائمية يقلل كثيراً من اهمية تلك الاعتبارات (3). اما بالنسبة الى تحريك الدعوى امام المحكمة العليا ، فيحال القانون او القواعد القانونية التي تحكمه الى المحكمة العليا بقرار من مجلس الوزراء او بقرار من احد مجلسي الأمة وقرار الاحالة هذا لايؤدي الى انعقاد المحكمة بل يشترط لانعقادها صدور ارادة ملكية بذلك وموافقة مجلس الوزراء ، وقرار المحكمة القاضي بدستورية أو عدم دستورية قانون ما او جزء منه يجب أن يكون صادراً بأكثرية ثلثي اعضاء المحكمة (المادة/86) ، ويترتب على قرار المحكمة بأعتبار احد القوانين او بعض احكامه مخالفاً للدستور الغاء ذلك القانون او الجزء المخالف منه من تاريخ صدور قرار المحكمة على أن تقوم المحكمة بأصدار تشريع يكفل ازالة الاضرار المتولده عن تطبيق الأحكام الملغاة ، ولقرارات المحكمة الصادرة بهذا الشأن قوة الشيء المحكوم فيه ، بمعنى انها قطعية وملزمة للكافة وغير قابلة للطعن فيها امام اية هيئة اخرى ، وبالتالي ينبغي تطبيق تلك القرارات في جميع المحاكم والدوائر (4).( المادة/86 الفقره/ 1 ) . ومن الملاحظات التي تؤخد على سير عمل المحكمة العليا ، أن دعوتها للنظر في احكام قانون مخالف للدستور تتم عن طريق الملك وموافقة مجلس الوزراء ، وعليه يتضح أن الدعوة قد لا تتم مع وجود القانون المخالف اذا كانت هناك مصلحة للجهة الداعية في بقاء هذا القانون ويظهر ذلك بشكل واضح في المراسيم الصادرة عن السلطة التنفيذية ، حيث لا تتمكن اية سلطة من احالتها الى المحكمة العليا ولاتحال الا من قبل السلطة التنفيذية وهي نفسها التي شرعتها ، فهل يتصور من الناحية النظرية أن السلطة التنفيذية اذا كان لها مصلحة في اعمال المرسوم أن تحيله الى المحكمة العليا لفحص دستوريته (5). هنا يتبين أن هذه المراسيم ستكون في مأمن من اية رقابة اذا ارادت ذلك ، واخيراً يؤخذ على القانون الأساسي حصره حق الطعن في دستورية القوانين في السلطة التنفيذية وحدها وبذلك حرم المواطنين من ممارسة هذا الحق الذي تقرر في الاصل لضمان حقوقهم وحرياتهم . مما تقدم يبدو أن المحكمة العليا لم تكن تقدم أي ضمان جدي لحقوق الافراد المدنية والسياسية يحول دون انتهاك السلطة التشريعية والتنفيذية لنصوص الدستور (6).

____________________

1- اختصاص المحكمة العليا بالفصل في دستورية القوانين لا يقتصر على القوانين العادية الصادرة عن السلطة التشريعية بل يشمل ايضا التشريع الفرعي الصادر عن السلطة التنفيذية على شكل مراسيم استنادا الى الفقرة(3 ) من المادة (26 ) من القانون الاساسي . اسماعيل مرزا – مبادئ القانون الدستوري والعلم السياسي – الجزء الأول –النظرية العامة في الدساتير – الطبعة الاولى – شركة الطبع والنشر الأهلية – 1966 – ص226

2- عبد الله اسماعيل البستاني – مصدر سابق – ص 68 .

3- اسماعيل مرزا – مصدر سابق -ص 243 .

4- اسماعيل مرزا – مصدر سابق – ص 228 .

5- حميد الساعدي – مبادئ القانون الدستوري وتطور النظام السياسي في العراق – الموصل – 1990 – ص 158 . و نعمه السعيد – النظم السياسية في الشرق الاوسط – الجزء الاول – مطبعة المعارف – بغداد – 1978 –ص70 .

6- تجدر الاشارة الى أن المحكمة العليا لم تمارس اختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين الامرة واحدة بخصوص قانون منع الدعايات المضرة رقم( 0 2)-لسنه 1938 ، حيث قضت بعدم دستوريته ، ولم يحدث أن نظرت المحكمة بدستورية المراسيم التشريعية الصادرة عن السلطة التنفيذية على الرغم من أن اغلب هذه المراسيم كانت مخالفة لاحكام الدستور. اسماعيل مرزا – مصدر سابق – ص228 .

الرقابة القضائية على دستورية القوانين في دستور21 أيلول1968 المؤقت :

اذا كانت الدساتير المؤقتة التي صدرت في العراق منذ قيام النظام الجمهوري لم تتضمن نصا دستوريا يقرر الرقابة القضائية على دستورية القوانين ، فان دستور 21 ايلول 1968 المؤقت تلافى هذا القصور ، فقد نصت المادة (87) من الدستور المؤقت على ان ( تشكل بقانون محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير أحكام هذا الدستور والبت في دستورية القوانين ، وتفسير القوانين الادارية والمالية والبت بمخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها ويكون قرارها ملزما ) . وعلى اثر ذلك صدر قانون المحكمة الدستورية العليا برقم (159) لسنة 1968 مشيرا الى تكوينها ومحددا اختصاصاتها وطريقة ممارستها . وقد جاء في المادة الاولى من القانون ، تشكل محكمة دستورية عليا برئاسة رئيس محكمة تمييز العراق او من ناب منابه عند غيابه وعضوية : –

– رئيس مجلس الرقابة المالية .

– رئيس ديوان التدوين القانوني .

– ثلاثة من أعضاء محكمة التمييز الدائمين .

– ثلاثة من كبار موظفي الدولة ممن لا تقل درجتهم عن درجة مدير عام .

– اربعة أعضاء احتياط اثنان منهم من حكام محكمة تمييز العراق واثنان من كبار موظفي الدولة ممن لا تقل درجتهما عن مدير عام يعينهم مجلس الوزراء باقتراح من وزير العدل ، ومدة العضوية في المحكمة ثلاث سنوات قابلة للتجديد عدا رئيس مجلس الرقابة المالية ورئيس ديوان التدوين القانوني والعضو الاضافي المؤقت. هذا وقد حددت المادة الخامسة من القانون المذكور حصرا الجهات التي لها حق تحريك الرقابة وهي  رئيس الجمهورية  رئيس الوزراء  وزير العدل  الوزير المختص  محكمة تمييز العراق عند النظر في قضية ما ، ان تطعن بعدم دستورية القانون ، وهذا يعني ان محكمة تمييز العراق لا تستطيع ان تطعن في دستورية قانون ما اذا لم تكن هناك قضية معروضة امامها . اما بالنسبة للجزاء الذي يترتب على اقرار المحكمة مخالفة القانون او بعض مواده لا حكام الدستور ، اعتبار القانون او الجزء المخالف منه ملغيا من تاريخ صدور قرار المحكمة ( المادة/ 6  الفقرة/ 1 ) . مما تقدم يبدو ان نص المادة الخامسة من القانون ، منع استئثار السلطة التنفيذية بالطعن في دستورية القوانين فأشرك معها السلطة القضائية متمثلة في محكمة التمييز والتي تستطيع تحريك الدعوى امام المحكمة الدستورية العليا عند النظر في قضية معروضة عليها(1). ولا بد من الاشارة الى النص المذكور حرم الافراد من الطعن في دستورية القوانين امام المحكمة الدستورية العليا بشكل مباشر ، لكن مع ذلك يذهب الفقهاء الى ان القانون بتخويله كلا من وزير العدل ومحكمة التمييز حق الطعن بدستورية القوانين بطريق الدعوى يكون قد مكن الافراد من الطعن بدستورية القوانين بطريق الدفع امام المحاكم الاعتيادية ، (2). فان ثبت للقاضي صحة الدفع جاز له تأجيل النظر في الدعوى والتقدم برأيه الى وزير العدل ليحرك دعوى الطعن امام المحكمة الدستورية العليا ، وان لم يأخذ القاضي بالدفع واصدر حكمه ، كان لمن دفع بعدم الدستورية ان يطعن في الحكم الصادر متبعا طرق الطعن المقررة قانونا حتى يصل بطعنه الى محكمة التمييز فان اقتنعت المحكمة بدفعه عند النظر في الطعن توقفت عن اصدار قرارها وطلبت من المحكمة الدستورية العليا عن طريق رئيسها البت في دستورية القانون المطعون فيه جدير بالذكر ان المحكمة الدستورية العليا لم تمارس مهامها خلال فترة نفاذ دستور 21 ايلول 1968 المؤقت (3).

___________________________

1-عبد الباقي البكري – المدخل لدراسة القانون والشريعة ألا سلامية – الجزء الأول – مطبعة الاداب – النجف الاشرف – 1972 – ص348

2- عبد الباقي البكري –مصدر سابق – ص348 ونوري لطيف- الرقابة على القوانين وحماية الشرعية الدستورية في الاقطار الاشتراكية والعراق – مجلة القضاء – نقابة المحامين- العدد الثالث – السنة الثامنة والعشرون – 1973 – ص71 .

3- رعد ناجي للجدة واخرون – النظرية العامة في القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق – مصدر سابق – ص402

الرقابة القضائية على دستورية القوانين في دستور 16 تموز 1970 المؤقت :

لم يتضمن دستور 16 تموز 1970 نصا دستوريا ينظم الرقابة القضائية على دستورية القوانين وانما اكتفى بالتأكيد على استقلال القضاء وكفالة حق التقاضي. وفي ضوء اغفال الدستور تحديد الجهة المختصة برقابة دستورية القوانين وسكوته عن مصير المحكمة الدستورية العليا ، انقسم الفقه الى اتجاهين:-

الاتجاه الاول يذهب الى ان عدم وجود اشارة الى المحكمة الدستورية العليا في دستور 1970 المؤقت لا يترتب عليه سقوط قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 159 لسنة 1968 وسندهم في ذلك نص المادة (69) مـن الدستور المؤقت ، حيث جاء فيها ( تبقى جميع القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة المعمول بها قبل صدور هذا الدستور سارية المفعول ولا يجوز تعديلها او الغاؤها الا بالطرق المبينة في هذا الدستور ) . فهذا النص يقضي ببقاء قانون المحكمة الدستورية لسنة 1968 ساري المفعول حتى يلغى من الجهة وبالطريقة المحددة في الدستور وبما ان القانون المذكور لم يلغى بعد ، فان المحكمة الدستورية العليا موجودة قانونا وتستطيع ممارسة اختصاصاتها على الوجه المحدد في قانون إنشائها(1).

اما الاتجاه الثاني فيذهب الى القول بان قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (159) لسنة 1968 قد سقط بسقوط سنده الدستوري ، فالدستور المؤقت الصادر عام 1968 تضمن نصا يقضي بتشكيل محكمة دستورية عليا ، وقد جاء القانون رقم (159)لسنة 1968 تنفيذا لنص ذلك الدستور ، اما وقد الغي دستور 1968 المؤقت وحل محله دستور 1970 المؤقت ، ولم يبق هذا الدستور بالنص الصريح على ذلك القانون او يتضمن اشارة الى المحكمة الدستورية العليا كجهة مختصة بالرقابة على دستورية القوانين فان قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (159) لسنة 1968 يكون قد سقط مع سقوط سنده الدستوري أي دستور 1968 .

وتأسيسا على هذا الرأي فان المحكمة الدستورية العليا لا وجود لها من الناحية القانونية اما فيما يتعلق بنص المادة (69) من دستور 1970 المؤقت والتي تقضي ببقاء جميع القوانين الصادرة قبل نفاذه سارية المفعول فأنه لا يعني بقاء جميع القوانين مهما كانت طبيعتها ، فالقوانين المقصودة بهذا النص ، القوانين التي ليست لها صبغة دستورية أي التي لا ينص الدستور صراحة على صدورها ، اما القوانين ذات الصبغة الدستورية أي التي ينص الدستور على ضرورة صدورها ويحدد الموضوع الذي يجب ان تعالجه، فانها تسقط بسقوط النص الدستوري الذي فرض وجودها والقول بغير ذلك يؤدي الى وجود قوانين غير دستورية وهو امر خطير لا يمكن ان يكون واضع الدستور قد قصده(2). وايا كانت الاتجاهات الفقهية ، فاننا نتفق والاتجاه الثاني وان المحكمة الدستورية العليا قد زال وجودها بصدور دستور 16 تموز 1970 المؤقت الذي اغفل الاشارة اليها ، وبذلك سقط السند الدستوري لقانون المحكمة الدستورية العليا رقم (159) لسنة 1968 .

___________________________

1- مالك دوهان الحسن – المدخل لدراسة القانون – الجزء الأول – بغداد – 1972 – ص327 ونوري لطيف – الرقابة على القوانين وحماية الشرعية الدستورية في الاقطار الاشتراكية والعراق – مصدر سابق – ص72

2- مالك دوهان الحسن – مصدر سابق – ص327-328 و عبد الباقي البكري – مصدر سابق – ص354

المؤلف : مروج هادي الجزائري
الكتاب أو المصدر : الحقوق المدنية والسياسية وموقف الدساتير العراقية منها

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .