مشروعية استخدام الخلايا الجزعية في القانون المدني
الأستاذ مسعودي كريم

باحث في قسم الدكتوراه

جامعة سعيدة

الجزائر

مشروعية استخدام الخلايا الجزعية في القانون المدني

مقدمة:

يجب تحديد المبادئ القانونية الحاكمة للمساس بالجسد البشري،مع كيفية تطبيقها في مراحل التعامل مع الخلايا الجزعية لبيان مدى مشروعية استخدام الخلايا الجزعية في القانون الوضعي خاصة القانون المدني،سواء كان الأمر يتعلق بمصادر الحصول عليها،أو حفظها أو استخدامها في العلاج.

ويتم الإقرار بمشروعية استخدام الخلايا الجزعية في القانون من خلال بيان الطريقة العملية للحصول على الخلايا الجزعية أو حفظها أو استخدامها في العلاج،وتحديد مدى اتفاقها مع كل مبدأ،فإذا اتفقت معه فتكون مشروعة،وبالتالي لا يوجد إخلال بالتزام القانون ،مما يترتب عليه الإعفاء من المسؤولية(1).

أما في حالة مخالفة أحد هذه المبادئ القانونية فتكون الطريقة غير مشروعة،ويكون الطبيب قد أخل بالتزام قانوني حسب نوع التزامه،هل ببدل عناية أم بتحقيق نتيجة،مما يرتب عليه مسؤوليته القانونية.

ويعتبر من أهم المبادئ القانونية تحكم مساس الطبيب بجسد الإنسان و تحدد إلتزامه و توجب عليه عدم الخروج عليها عند حصوله على الخلايا الجزعية من مصادرها،أو أثناء حفظها أو في حالة استخدامها في العلاج فماهي أهم المبادئ القانونية التي تحكم سلامة جسم الإنسان و التي توجب الطبيب عدم الخروج على إطارها؟

أولا: الخلايا الجزعية و مبدأ معصومية الجسد.

هذا المبدأ يعني أن لصاحب الجسد حق في سلامته البدنية،مما يمكنه من الاحتجاج بها على كافة الأفراد،ويتمثل هذا الحق في منع الغير من الاعتداء على جسده،كما يمنع صاحب الجسد نفسه من المساس بجسده بطريقة تؤثر على سير أجهزة الجسم سيرا طبيعيا يسمح لها بأداء وظائفها(2).

وتفعيلا لمبدأ معصومية الجسد أقر المشرع الفرنسي مبدأ احترام إرادة المريض،فنجد أن المادة16من التقنين المدني الفرنسي و التي أدخلت بمقتضى قانون 653في 30/07/1994فقرة أولى تقرر أن “لكل شخص الحق في احترام جسده،وجسم الإنسان لا يجوز المساس به”.

أما المشرع المصري فقام بتفعيل هذا المبدأ من خلال المادة 50من التقنين المدني المصري،حيث أقر أن،”كل من وقع عليه اعتداء غير مشروع في حق من الحقوق الملازمة لشخصيته،أن يطلب وقف هذا الاعتداء مع التعويض عما يكون لحقه من ضرر”(3).

ويستند هذا المبدأ إلى حق مطلق في السلامة البدنية أو إلى الاستقلال التام للمريض الذي يقرر من مطلق إرادته قبول العمل الطبي أو رفضه(4).

و إعمالا بهذا المبدأ فانه لا يجوز قيام الطبيب بالحصول على الخلايا الجزعية من الحبل السري،أو من البالغين إلا بالحصول على رضائهم بعد تبصيرهم بكافة المعلومات،والمخاطر و التكلفة المالية و يكون التزام الطبيب بتحقيق نتيجة،حيث أن هذه الالتزامات تعتبر مرتبطة بالعلاقة الطبية،التي تعتمد على الثقة بين طرفي العلاقة الطبية،وسيتم توضيح اثر هذا المبدأ على التصرفات الخاصة بالخلايا الجزعية فيما يلي:

1_ أثر مبدأ المعصومية على التصرفات الخاصة بالخلايا الجزعية:

يجب التزام الطبيب بمبدأ معصومية الجسد أثناء حصوله على الخلايا الجزعية،سواء كان الحصول عليها من نقا العظام أو النخاع الشوكي،أو من الحبل السري أو حتى من الأجنة وبالتالي فيجب عليه الالتزام بضوابط دستورية و قانونية اللازمة بجسد الإنسان،يجب عليه تبصير الفرد مصدر هذه الخلايا،بالمخاطر و المحاذير،وكذلك التكلفة المالية في حالة حفظها في بنوك الخلايا الجدعية (5).

ويكون التزام الطبيب هنا التزاما بتحقيق نتيجة،خاصة في الإعلام و التبصير،أما نوع المعلومة أو كيفية توصيلها،فيكون التزامه ببدل عناية،ويتم التأكد من بدل هذه العناية من خلال مدى اتفاقها مع الأصول العلمية المستقرة و المعاصرة،و الأعراف الطبية(6).

أما التزام الطبيب بالحصول على موافقة المتبرع و رضاؤه فيشترط أن يكون رضاء المتبرع بهذه الخلايا حرا مستنيرا قبل الشروع في المساس بجسده ،ويعتبر هذا الالتزام بمثابة تحقيق نتيجة.

2_ موقع الخلايا الجزعية من التصرفات التي تمس الجسد.

يوجد نوعين من التصرفات التي تمس الجسد،أحدهما تهدد سلامة الجسد كله،و الآخر لا تمثل تهديدا لسلامة الجسد،وسيتم بيان المقصود بكل نوع من هذه التصرفات.

أ_ تصرفات تهدد سلامة الجسد:

وهذه التصرفات تتم في كامل الجسد،ومثال ذلك طلب المريض من الطبيب إنهاء حياته لتخلص من الألم وهو ما يعرف القتل بدافع الشفقة،أو التصرف في عضو من أعضائه أو جزء حيوي لازما لبقاء الإنسان على قيد الحياة،أو لازم لاستمرار أداء الجسد لوظائفه الحيوية كالتصرف في الكبد أو القلب(7).

ويعتبر إجهاض الجنين بعد أيام محددة من الحمل للحصول على الخلايا الجدعية تصرفا من التصرفات التي تهدد سلامة الجسد،ويكون هذا التصرف غير مشروع من الناحية الشرعية،ويخالف مبدأ معصومية الجسد من الناحية القانونية،ويكون التزام الطبيب هنا بتحقيق نتيجة يتمثل في عدم إجهاض الجنين،فإذا خالف هذا الالتزام يسأل جنائيا من الوجهة القانونية،أما في الشرع فيلزم بدفع الدية إلى للوالدين(8).

ب_ تصرفات لا تمثل تهديدا لسلامة الجسد:

وتتم هذه التصرفات في جزء من الجسد بصورة مشروعة،ويكون الجزء المتصرف فيه قابل للانفصال عن الجسد دون المساس به أو تهديد الحق في الحياة،ومثال ذلك التبرع بالدم،التصرف في الشعر،أو قيام المرأة بإرضاع أحد الأطفال بأجر،و الذي يطلق عليه إجارة الظئر(9).

ثانيا:الخلايا الجزعية و مبدأ الحق في سلامة الجسد

يقرر الدستور المصري حق الإنسان في السلامة البدنية و النفسية،فالمادة 43تنص صراحة على أنه،لا يجوز إجراء أي تجربة طبية أو علمية على أي إنسان بغير رضائه الحر،وتكمن أهمية هذا النص الدستوري في مصر أنه يرتقي بالحق في سلامة الجسم إلى مصاف الحقوق الدستورية،ومؤدى ذلك أنه لا يجوز لسلطة التشريعية أن تصدر قانونا يلزم امرأة حامل بالخضوع للحصول منها على الخلايا الجزعية،سواء الخلايا الجنينية أو من الحبل السري دون رضاء حر صريح من جانبها(10). ويقصد بهذا المبدأ استئثار الشخص بقيمة سلامته الجسدية،والمتمثلة في التكامل الجسدي للإنسان،والاحتفاظ بالمستوى الصحي الذي يعايشه،والتحرر من الآلام البدنية و النفسية كافة(11).

ثالثا:الخلايا الجزعية و خروج جسم الانسان عن دائرة التعامل.

لا جدال أن التعامل في جسم الإنسان منطوي على مساس بالحق في الحياة و الحق في سلامة الجسد،وهما حقان يكفلان الحماية لجسم الإنسان ويثبتان للإنسان منذ الحمل،ويختلفان عن الحق الشخصي و الحق العيني لأنهما لا يحتاجان لمصدر أو سبب لاكتسابهما،ويعتبران من الحقوق الملازمة لشخصية لا تكتسب و إنما تثبت في كونهما من مميزات و عناصر الشخصية.

ولذلك يعتبر جسم الإنسان خارج دائرة التعامل،وبالتالي لا يصح أن يكون محلا لتعاقد،فلا يجوز لشخص ان يتصرف في نفسه أو حياته أو جسمه أو شعوره أو عواطفه،ويقع باطل كل تصرف يجيز الاعتداء على سلامته،لأن الإنسان ليس مالا لا في الشرع،ولا في الطبع،ولا في العقل،حيث أن الشرع يأبى أن يعامل الإنسان الذي كرمه الله معاملة الأموال(12).

وتطبيقا لهذا المبدأ في مجال الخلايا الجزعية،لا يجوز أن يتفق الطبيب مع الحامل أن يتم إجهاضها ليحصل على الخلايا الجزعية من الجنين،في مقابل حصولها على مقابل من المال،لأن ذلك تصرف يتعارض مع المبدأ القانوني الذي يقرر خروج جسم الإنسان من دائرة التعامل(13).

ولكن ذهب بعض الحنفية إلى أن أطراف الإنسان تعتبر من قبيل الأموال بالنسبة لصاحبها(14)،أي في حالة انعزاله عن باقي الأعضاء و بصفة منفردة،وبالتالي فيجوز أن يتصرف فيه لغاية مشروعة،كتضحية بجزء من جسمه لإنقاذ حياته،كبتر قدم سكرية لعدم سريان “الغرغرينا” إلى باقي أجزاء الجسم،وأيضا التبرع بالدم،والتبرع بلبن الأمهات لإرضاع الأطفال بأجر،حيث يجوز التعاقد على لبن الآدميات،وهو ما يعرق بإجازة الظئر،وفيه تلتزم المرأة بإرضاع طفل غير ملزمة بإرضاعه شرعا مقابل أجر،وبشرط ألا يؤثر في السلامة الجسدية للمرأة،ويعتبر ذلك استثناءا من مبدأ خروج جسم الإنسان من دائرة التعامل رعاية لمصلحة الطفل و الحفاظ على حياته و لكون هذه حالة ضرورة(15).

رابعا:الخلايا الجزعية و مبدأ تحريم الاتفاق على المساس بالجسد

يعتبر القانون أي اتفاق يكون محله جسم الإنسان باطل،ويذهب غالبية الفقه و القضاء في فرنسا و مصر إلى بطلان شروط الإعفاء أو التخفيف من المسؤولية في حالة تعلقها بجسم الإنسان،حيث أن جسم الإنسان خارج دائرة التعامل.

ولا يعفى الطبيب من المسؤولية استناده بتوقيع المريض على الترخيص المكتوب لإثبات تبصيره أو رضاؤه،حيث أن سلامة الجسد و حياة الشخص من الأمور المتعلقة بالنظام العام(16).

وتطبيقا لهذا المبدأ في مجال الخلايا الجزعية لا يجوز الاتفاق بين الطبيب و المرأة الحامل على إعفاء الطبيب من المسؤولية في حالة إصابتها بالعدوى أو بضرر أثناء الحصول على الخلايا الجزعية من الحبل السري،سواء كان هذا الضرر بسبب فعل الطبيب أو الأدوية أو الكيماويات أو الإشعاع التي يستخدمها للقضاء على القضايا الجزعية المصابة و الموجودة في الجسم قبل إعطاء الخلايا الجديدة و استخدامها في العلاج،طالما توافرت أركان المسؤولية في جانب الطبيب.

أما شرط الإعفاء فهو باطل و لا يجوز تنفيذه حيث أن إذن الشرع هو أساس إباحة العمل الطبي،وأن رضاء المريض لا يكون بمثابة شرط وضع مبدأ الإباحة موضوع التنفيذ(17).

الخاتمة:

لقد تناولت في هذا المقال الضوابط القانونية لاستخدام الخلايا الجزعية،كما أوضحت التزامات الطبيب في مجال استخدام الخلايا الجزعية و كيفية الحصول عليها،سواء من الحبل السري،أو من الأجنة البشرية،أو من جسم الإنسان البالغ،وهذا تطبيقا لمبدأ عدم الخروج تعامل في جسم الإنسان.

قائمة المراجع:

أنس محمد عبد الغفار،الأطر القانونية لاستخدام الخلايا الجزعية-دراسة مقارنة بين القانون المدني و الفقه الإسلامي،دار الكتب القانونية،مصر،2014،ص.45.
www .amanjordan.org.
أنس محمد عبد الغفار،المرجع السابق،ص.46.
جابر محجوب علي،دور الإرادة في العمل الطبي،دار النهضة العربية،دون مكان النشر،دون سنة النشر،طبعة2001،ص.71وما بعدها،وإبراهيم أبو الليل،المسؤولية المدنية بين التقييد و الإطلاق-دراسة تحليلية-،دار النهضة العربية،دون مكان النشر،دون سنة النشر،طبعة1980،ص.116.
نبيلة إسماعيل رسلان،مصطفى احمد أبو عمرو،نظرية الحق،الكتاب الثاني،دون دار النشر،دون مكان النشر،دون سنة النشر،طبعة2006-2007،ص.218.
أنس محمد عبد الغفار،المرجع السابق،ص.47.
www.alamba.com.KW.
أنس محمد عبد الغفار،المرجع السابق،ً.48.
نبيلة إسماعيل رسلان،مصطفى احمد أبو عمرو،المرجع السابق،ص.219.
أنس محمد عبد الغفار،المرجع السابق،ص.50.
أنس محمد إبراهيم بشار،تغيير الجنس و أثره في القانون،رسالة دكتوراه،جامعة المنصورة،عام2003،ص.50.
القرطبي،الجامع لأحكام القرآن،الجزء التاسع،ص.154-الفتاوى الهندية-،الجزء الخامس،ص.354.
السرخسي البمسوط،الجزء الخامس،ص.125،البخاري،الجزء الأول،ص.171-175-176.
الكاساني،الجزء السابع،ص.236-243-299،ابن عابدين،الجزء الخامس،ص.377،-الفتاوى الهندية-،الجزء السادس،ص.32.
أحمد شرف الدين،التقدم العلمي و الاجتهاد في المجال الطبي،مطبعة عبير،دون مكان النشر،1986،ص.14.13.
محمود جمال الدين زكي،مشكلات المسؤولية المدنية،الجزء الثاني،ص.58،وعبد المنعم فرج الصدة ص.274 و عبد المنعم البدراوي،مصادر الالتزام،مطبعة النسر الذهبي،1985،دون مكان النشر،ص.425،وأنور سلطان،النظرية العامة لمصادر الإلتزام،منشأة المعارف بالاسكندرية،الطبعة الثالثة،دون مكان النشر،1970،ص.578.
محمد حاتم صلاح الدين عانر،المسؤولية المدنية عن الأجهزة الطبية،رسالة دكتوراه،1996،دون مكان النشر،ص.233.

إعادة نشر بواسطة محاماة نت