القتل الرحيم بين الشريعة و القانون

اعداد المتميز: نواف جابر الشمري

بـرنـامـج الـمـاجـسـتـيـر / القانون الجنائي

موضوع البحث :

القتل الرحيم بين الشريعة و القانون

إعداد :

الطالب / نواف جابر الشمري

خـطـة البـحـث

القتل الرحيم بين الشريعة و القانون

الـمـقـدمـة

المبحث الأول : القتل الرحيم والشريعة الإسلامية
المطلب الأول : جريمة القتـــل في الشريعة
المطلب الثاني : القتل الرحيم في الشريعة الإسلامية
المبحث الثاني : جريمة القتل في القانون الوضعي
المطلب الأول : تحديد محل جريمة القتل
المطلب الثاني : مدلول الإنسان الحي
الفرع الأول : بداية حياة الإنسان
الفرع الثاني : نهاية حياة الإنسان
المطلب الثالث : القتل إشفاقاً ” القتل الرحيم ”
المطلب الرابع : الانتحار
المطلب الخامس : القتل بالامتناع
الفرع الأول : عدم إمكان القتل بطريق الامتناع
الفرع الثاني : القتل بطريق الامتناع

الخـــاتـمــــة

مقدمة

إن موضوع بحثنا القتل الرحيم بين الشريعة والقانون ومن الجدير بنا في تناول البحث بموضوعية أن نعرج على القتل الرحيم وفق الاصطلاح الطبي أولا وبشيء من الإيجاز حيث أن المتهم الأول في هذا الفعل هو الطب والأطباء فلنعلم ما الذي يعنيه القتل الرحيم طبياً .
القتل الرحيم كلمة يونانية الأصل تعني الموت الجيد أو الموت اليسير أو الموت الكريم فالقتل الرحيم يكافئ الموت الرحيم وهو التعبير الطبي العلمي المعاصر وتعني تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه بناء على طلب مقدم من طبيبه المعالج .
وللقتل الرحيم أشكال الأول هو القتل الفعال أو المباشر كإعطاء المريض جرعة قاتلة من دواء معد لذلك على ثلاثة أحوال الحالة الاختيارية أو الإرادية وتكون بناء على وصية مكتوبة مسبقاً الحالة اللاإرادية مريض عاقل فاقد للوعي يقوم الطبيب بتقدير حالة المريض وحالة لا إرادية المريض يكون غير عاقل وتتم بناء على قرار من الطبيب المعالج أما الشكل الثاني هو المساعدة على الانتحار والشكل الثالث القتل غير المباشر إعطاء المريض عقاقير لتهدئة الآلام وبمرور الوقت يكون من مضاعفات هذه العقاقير إحباط التنفس وتثبيط عمل عضلة القلب وفي النهاية الموت والشكل الرابع للقتل الرحيم هو القتل غير الفعال أو المنفعل ويتم ذلك برفض علاج المريض أو إيقاف العلاج اللازم كالأجهزة الحيوية للمحافظة على الحياة .
الموت الحقيقي هو نقيض الحياة ولهذا لا يجتمعان في بدن واحد ولا يرتفعان عنه في نفس الوقت فالموت هو مفارقة الروح للجسد وهذه المفارقة لا تدرك بالحس لان الروح عرض ولا يمكن إدراكها بالحواس إلا إن لمفارقتها البدن علامات استدل بها علماء الطب البشري على موت من ظهرت عليه.
لم يرد في القرآن نص على علامات يعرف بها انتهاء حياة الإنسان لكن تجد في القرآن تعريفا دقيقا للموت وهو لحظة اللاعودة ” حتى إذا جاء احدهم الموت قال ربي ارجعون, لعلي اعمل صالحا فيما تركت, كلا….“
”الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت …“
فما هو العضو الذي يؤدي توقفه عن العمل إلى مرحلة ”اللاعودة“أهو القلب أم الرئتان أم الكلى أم الدماغ
موت الدماغ يمثل الموت الحقيقي لأنه يمثل اللاعودة ومتى مات الدماغ قشره وجذعه توقف القلب والتنفس بما أن مركزيهما الناظمين لها يستقران في جذع الدماغ ولا تفلح أجهزة الإنعاش الاصطناعي عندئذ إلا في إطالة مظاهر حياة انتهت من غير رجعة بتحلل الدماغ .
العلامات التي يستدل بها الطبيب على موت المريض وتدل على موت الدماغ توقف القلب عن النبضان و توقف الرئتين عن التنفس و توسع الحدقتين وعدم تفاعلهما للنورو انعدام منعكس قرنية العين و انعدام المنعكس العيني الدماغي و هدم حصول الرأرأة (اهتزاز مقلة العين) عند التنبيه الحراري للأذن و انعدام المنعكسات التي تدل على سلامة الأعصاب القحفية وانخفاض متزايد في درجة الحرارة .
ولا بد لتشخيص توقف وظائف الدماغ وجذعه توقفا كاملا لا رجعة فيه غيبوبة عميقة مترافقة بانعدام الادراك وانعدام الاستجابة و العلامات السريرية لتوقف وظائف جذع الدماغ و انعدام قدرة المرء على التنفس التلقائي
وبعيد هذا الموجز من بيان ماهية القتل الرحيم طبياً ننتقل لما يعنيه القتل الرحيم وفقا للشريعة والقانون وما هو حكمه في كلاً منهما .

القتل الرحيم بين الشريعة و القانون

المبحث الأول: القتل الرحيم والشريعة الإسلامية

يستوجب دراسة القتل الرحيم أولا التعريض على جريمة القتل وفقاً للشريعة الإسلامية ومن ثم نتناول القتل الرحيم وفقا للشريعة الإسلامية لذا ينقسم هذا المبحث لمطلبين كما يلي :

المطلب الأول: جريمة القتـــل في الشريعة

الثابت أن القتل هو إزهاق روح إنسان آخر دون وجه حق. وتكمن علة تجريم فعل القتل في حماية حق الإنسان في الوجود، وبالتالي حق المجتمع ذاته في الاستمرار والبقاء، لأن وجود المجتمع مرتبط بحماية وجود أفراده .
وتعد جريمة القتل من أقدم الجرائم وأبشعها في جميع الشرائع ومنها الشريعة الإسلامية التي نهت عن القتل العمد، واعتبرته من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم لقوله تعالى “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقـد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً”( )، وقوله تعالى “والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ” ( ) والنصوص على ثبوت تحريم القتل كثيرة .
ويقسم أغلب الفقه الجنائي الإسلامي القتل إلى ثلاثة أقسام ( ): عمد، شبه عمد وخطأ .
1- القتل العمد وهو أن يتعمد الجاني الفعل المزهق قاصداً إزهاق روح المجني عليه ، وصورته أن يتعمد الجاني قتل النفس بما يقطع بحده كالحديد أو ما يقتل بثقله كالحجارة ، ويعاقب عليه بالقتل إلا أن يعفو ولي الدم مقابل الدية أو بدون مقابل .
2- القتل شبة العمد وهو ما تعمد فيه الجاني الاعتداء على المجني عليه دون أن يقصد قتله ونتج عن الاعتداء موت المجني عليه . وتسمى هذه الصورة في القانون الوضعي الاعتداء على سلامة الجسم المفضي إلى الموت ومثاله أن يضرب معلم صبياً بمعهود فتلف فلا قود عليه في هذا القتل ، وفيه الدية على العاقلة مغلظة وتغليظها في الذهب والورق أن يزداد عليها ثلثها وفي الإبل أن تكون أثلاثاً منها ثلاثون حقة وثلاثون جدعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها .
– القتل الخطأ وفيه يتسبب الجاني في القتل من غير قصد أي نتيجة خطأ كرجل رمى هدفاً فأمات إنساناً أو وضع حجراً فعثر به إنسان فمات فهذا القتل يوجب الدية دون القود وتكون على عاقلة الجاني مؤجلة ثلاث سنين من حين موت القتيل .

المطلب الثاني: القتل الرحيم في الشريعة الإسلامية

القتل الرحيم بدعة اختلقها المجتمع الغربي للتخلص من مرضاهم وكبار السن الأمر الذي يشير غرق هذا المجتمع في المادية الصرفة نظراً لتخليهم خلافاً لما قام عليه الإسلام من القيم في توقير الكبير و رحمة الصغير و رعاية المريض وبر الوالدين المستمدة من ثابت النصوص في الشريعة الغراء ولله الحمد لهذا الأساس بقيت المجتمعات الإسلامية متمسكة بهذه القيم وندعو الله عز وجل ألا يفقدها ويتعين توعية المجتمع بمكانة المسنِّين وحقوقهم من خلال مناهج التعليم والوسائل الإعلامية .
برغم ما أحرزته الحضارة الغربية من تقدم مادي وتكنولوجي في هذا العصر فإنها عجزت عن حفظ كرامة الإنسان عندما أعجزته خدمته لها أن يقوم بمصالحه إن الدين الإسلامي تظلُّ هو الأبقى والأصلح لكل زمان ومكان يقوم على احترام آدمية الإنسان أيًّا كانت ديانته.
هذه البدعة”القتل الرحيم” أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن لها جذور تمتد لعشرات السنين ومن أسمائها “القتل بدافع الرحمة” و ” القتل إشفاقا ” فهناك من طالب السلطات بإباحة الإجهاز على المريض الميئوس من شفائه وما زالت هذه الدعوة تكسب أنصارًا في هذه البلاد فانتشرت انتشاراً كبيراً في دول الغرب بل أن بعض هذه الدول وضعت تشريعات قانونية تسمح بهذا الفعل ولا تجرم مرتكبيه من الأطباء وغيرهم مثل هولندا كما وصل الحدُّ ببعض الأطباء إلى اختراع الأجهزة التي تسهِّل الانتحار للراغبين فيه وأُعدَّت البرامج الإعلامية لترويجه .
يستند المؤيدون أن الإنسان حرٌّ في تقرير مصيره وله حق التصرف في جسده كيفما يشاء فله حق الحياة وحق الموت وحقٌّ أن يُقتل إن رأى ذلك وأن القتل الرحيم من شأنه أن يريح المريض من معاناته وآلامه كما أن القتل الرحيم بمنزلة مساعدة على الانتحار كما أن حياة بعض كبار السن والمرضى لا تساوي عدمها وخير لهم أن يموتوا وإن قيمة الحياة تقاس بمقدار مساهمة الإنسان إبداعًا وإنتاجًا فما قيمة الحياة عندما يصبح الإنسان معتمداً على غيره في قضاء حوائجه؟!.
كما للعامل الاقتصادي أثر يستند عليه فالتخلص من بعض المرضى وكبار السن فيه توفيرٌ مادي على المجتمع والدولة فمن الواجب تخليص المجتمع من الحشائش الضارة!! ويمثِّلون لذلك بمرضى الإيدز.
ويرد على هذه الأسانيد مادية النزعة أنها تهدر قيمة الحياة البشرية وتقيس هذه الحياة بالنفع المادي للإنسان فإذا توقف هذا النفع أو تعطَّل لمرض أو عجز فلا ضرورة لبقاء الإنسان على قيد الحياة وفي ذلك خير دليل على عجز الفكر المادي وإهداره لحقوق الإنسان خاصةً في حالة العجز والمرض إن الإنسان في نظرهم مجرد آلة صماء إذا تعطلت وعجز المجتمع عن إصلاحها يجب التخلص منها وسعى ماديي الفكر لإقامة المجازر والمقاصل للمرضى وكبار السن تحت حماية أو على مرأى من القانون على الأقل ..!!
قوبلت هذه الدعوى الخبيثة في العالم الإسلامي بالرفض فقتل الإنسان أيًّا كان سواء المريض الميئوس من شفائه أو المُسِن العاجز عن الحركة والعمل فيقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر :- ” ليس قرارًا متاحًا من الناحية الشرعية للطبيب أو لأسرة المريض أو للمريض نفسه وحياة الإنسان أمانة يجب أن يحافظ عليها وأن يحفظ بدنه ولا يلقي بنفسه إلى التهلكة لقوله تعالى : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (1) وقد حرَّم الإسلام قتل النفس لقوله تعالى :
{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}(2) ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقتل
1- سورة البقرة آية 195
2- سورة النساء آية 29

الإنسان نفسه نهيًا شديدًا وتوعَّد من يفعلون ذلك بسوء المصير في الدنيا والآخرة فقد أكدت شريعة الإسلام على التداوي من أجل أن يحيا الإنسان حياة طيبة كما أمرت الشريعة الإسلامية الأطباء بأن يهتموا بالمريض وأن يبذلوا نهاية جهدهم للعناية به وعلى الطبيب والمريض أن يتركا النتيجة إلى الله سبحانه وتعالى كما أن على الطبيب ألا يستجيب لطلب المريض لإنهاء حياته وإذا استجاب يكون خائنًا للأمانة سواء بطلب المريض أو بغير طلبه وإلا أصبح قاتلاً وتعرض للعقاب”.

أكدت لجنة الفتوى بجامعة الأزهر أن الإسلام يحرم قتل المريض بدعوى الرحمة وقالت اللجنة : “إن الآجال محددة بعلم الله سبحانه ولا يدري أحد ولا يستطيع تحديد متى يموت “وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (1) والمرض وحده ليس كافياً في توقع الموت فكم من حالاتٍ أجمع الناس فيها على حتمية الموت العاجل ثم كانت إرادة الله عز وجل بالشفاء!! فنتائج الأسباب مظنونة وإرادة الله عز وجل غالبة”.
والإسلام يحرم القتل بدافع الرحمة مهما كان الغرض منه ولا يبيحه لمن يشرف على علاج المريض سواء أكان طبيباً أو غيره حتى وإن أَذِنَ المريض أو أولياؤه لأنه قتل حرَّمه الله سبحانه إلا بالحق والمريض إن أَذِنَ به يعد منتحراً هذا وقد تقدم نهيه سبحانه عن قتل النفس حيث قال تعالى: “وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً”.
كما أن للإسلام مع كبار السن تكريماً وإجلالاً خاصاً و بالإنسان في جميع أطوار حياته حيث يقول الله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ” (2) ومراحل حياة الإنسان هي قوة بين ضعفين شباب بين طفولة وشيخوخة وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك في قوله تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ” (3) فالإنسان لا محالة أي إنسان تبدأ حياته بطفولة ضعيفة قد تنتهي بشيخوخة ضعيفة أيضاً إذا أمد الله في عمره فيصبح في حاجة إلي رعاية غيره من أفراد المجتمع .
وأصدر مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة في إحدى دوراته السابقة قراراً بشأن حقوق المسنين انطلاقاً من حاجة المجتمع الإسلامي اليوم إلى من يذكِّره بهذه الحقوق المنسية ويقوده إليها بعد أن بدأت بعض قيم الغرب المادية تنتشر بيننا.
أكد مجمع الفقه الإسلامي ما قرره الإسلام من رعاية الأبوين وكبار السن في المجتمع الإسلامي حيث يقول الله سبحانه – : “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً” (4) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: “ما أكرم شابٌّ شيخاً لسنّه؛ إلا قيَّض الله لهم من يكرمه عند سنِّه” أخرجه الترمذي وقال أيضاً: “ليس منَّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا ” (5).
الإسلام عُني بحقوق كبار السن وفي ذلك يقول الدكتور يوسف القرضاوي : “عُني الإسلام بمرحلة الشيخوخة ومرحلة الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل حياة الإنسان أشار القرآن إليها في قوله تعالى : “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ” وقد روى البزَّار: “أن رجلاً كان يطوف بالبيت وهو حامل أمه فقال للنبي – صلى الله عليه وسلم – وقد نظر إليه: يا رسول هل أديتُ حقَّها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة” زفرة من زفرات الطَّلْق والوَضْع والآلام لم تؤدِّ بحملك هذا لها حقَّ زفرةٍ واحدة .

1- سورة لقمان الآية 34
2- سورة الإسراء الآية 70
3- سورة الروم الآية 54
4- سورة الإسراء الآية 23
5- رواه الترمذي وأحمد في مسنده

وجاء رجل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين لقد بلغ بِرِّي بأمي أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطيّاً أحملها وأذهب بها إلى الخلاء كما كانت تفعل بي في الصِّغَر فأنا أؤدي إليها ما كانت تؤدي إليَّ هل وفَّيْتُ حقَّها ؟ فقال عمر: لا إنها كانت تفعل بك ذلك وتتمنى لك عمراً طويلاً وأنت تفعل بها ذلك وأنت تترقَّب موتها غداً أو بعد غد! فرقٌ بين الأمرين .
ويقول الدكتور موسى البسيط رئيس قسم الدعوة كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القدس
قتل الرحمة هو تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه بناءً على طلب ملح منه مقدم للطبيب المعالج ويقسم الأطباء ما يسمى بالموت الرحيم إلى قسمين:
قتل الرحمة الإيجابي تيسير الموت الفعال وهو أن يقوم الطبيب المعالج بإجراء فعال يودي بحياة المريض المصاب مثلاً (بالسرطان) والذي يعاني من الألم… وذلك بإعطاء المريض جرعة عالية من دواء قاتل يوقف تنفسه وينهي حياته.
قتل الرحمة السلبي أو تيسير الموت وهو عملية تسهيل وفاة المريض الميئوس من شفائه وذلك بإيقاف أو عدم إعطاء العلاج مثل إيقاف جهاز التنفس أو عدم وضعه عندما يحتاج إليه المريض بناءً على طلب المريض أو عدم إعطائه العقاقير التي تُعالج الأمراض الأخرى
فلا نشك في حرمته قال تعالى : “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ” ووردت الأحاديث الصحيحة تنهى عن القتل “فإن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ”
كما نهى الإسلام عن الانتحار بشتى صوره وأشكاله وتوعّد عليه بالوعيد الشديد فقال صلى الله عليه وسلم ” من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردّى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ومن تحسّى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها….الحديث ”
إن من واجب الطبيب أن يبعث الأمل في نفس المريض بالشفاء ويواسيه ويصبّره وإن على المريض أن يثق بالله تعالى وأن ينظر إلى المرض بمنظور الإيمان فيصبر على البلاء ويرضى بالقضاء ويتطلع ويسأل الله الشفاء ولا ييأس من رحمة الله.
إن لجوء المريض إلى الطلب من طبيبه أن يسارع في حقنه بعقار يعجل بوفاته ليسكن بذلك من ألمه ويخلصه من معاناته هو انتحار فقد أصيب أحد المقاتلين وكان يقاتل في صف النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فاتكأ على رمحه من شدة الألم فقتل نفسه فقال عليه الصلاة والسلام “هو في النار”
قال النووي رحمه الله : ” ولو قَتَلَ مريضاً في النزع وعيشه عيش المذبوح وجب القصاص ” إذ لم ينقطع الأمل بشفائه بالنسبة لقدر الله ولأن حياته لا زالت مستمرة. إن الطبيب الذي يشارك في إعطاء هذه الجرعة لمريضه أو يؤخر عنه علاجه ويقطع عنه فعل المَنفَسَه يشارك في جريمة الانتحار وثمة قاعدة تقول: ” مَن أعان على معصية ولو بشطر كلمة كان شريكاً لصاحبها فيها ” ولكن ماذا عن تيسير القتل المنفعل أو غير الفعال ؟ وصورته منع الدواء عن المريض الذي لا يرجى بُرؤه وقد تيقن أن العلاج الذي يُعطى له غير مجدٍ وجزم بذلك الأطباء. وهنا نقول: إن على الطبيب أن يستمر في إعطاء الدواء ما دام الدواء متوفراً ولكن للمريض بناءً على ما تقرر من عدم وجوب التداوي في مثل هذه الحالة للمريض أن يمتنع عن أخذ الدواء متى تحقق عدم جدواه وجَزَمَ الأطباء بذلك.
وقد نص الميثاق الإسلامي العالمي للأخلاقيات الطبية والصحية في الباب الخامس القضايا الاجتماعية تيسير الموت أو قتل المرحمة:
المادة ( 62 ) منه نصت :
لحياة الإنسان حُرمتها ولا يجوز إهدارها إلا في المَوَاطن التي حدَّدها الشرع والقانون وهذه جميعاً خارج نطاق المهنة الطبية تماماً. ولا يجوز للطبيب أن يساهم في إنهاء حياة المريض ولو بدافع الشفقة، ولاسيَّما في الحالات الآتية مما يُعرف بقتل المرحمة:
(أ) القتل العَمْد لمن يطلب إنهاء حياته بملء إرادته ورغبته (ب) الانتحار بمساعدة الطبي (ج) القتل العَمْد للولدان المولودين بعاهات خِلقية قد تهدِّد حياتهم أو لا تهددها.
المادة ( 63 ) منه نصت :
لا تندرج الحالات التالية (على سبيل المثال) في مسمّى قتل المرحمةأ) وقف العلاج الذي يثبت عدم جدوى استمراره بقرار من اللجنة الطبية المختصة بما في ذلك أجهزة الإنعاش الاصطناعي (ب) صرف النظر عن الشروع في معالجة يُقطع بعدم جدواها (ج) تكثيف العلاج القوي لدفع ألم شديد، رغم العلم بأن مثل هذا العلاج قد يُنهي حياة المريض .

وعلى الرغم من شبه الإجماع الذي عليه الفقهاء وعلماء الدين الإسلامي في حرمة جميع أنوع القتل الرحيم إلا أن المجمع الفقهي ومن بعده المجلس الفقهي الأوربي الإسلامي يفرقون باعتبار أن الموت الدماغي موت حقيقي متفقين بذلك مع الميثاق الطبي الإسلامي سالف البيان فيرى المجلس الأوروبي للإفتاء يجيز تيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن المريض الميت دماغيا وقد ناقش المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ضمن أعمال دورته الحادية عشرة التي عقدت في العاصمة السويدية استوكهولم في الفترة من 1- 7 /يوليو/2003 موضوع قتل المرحمة وقد جاءت مواقفها كما في البند الآتي :

خامساً: وبعد أن اطلع المجلس على المواقف القانونية المختلفة التي تتخذها الدول الغربية من القتل الرحيم بصورة متباينة ما بين مؤيد ومعارض، قرر المجلس ما يلي:
1 ـ تحريم قتل الرحمة الفعال المباشر وغير المباشر وتحريم الانتحار والمساعدة عليه ذلك أن قتل المريض الميئوس من شفائه ليس قرارا متاحا من الناحية الشرعية للطبيب و لأسرة المريض أو المريض نفسه وللمسألة تأصيل .
2 ـ يحرم على المريض قتل نفسه ويحرم على غيره أن يقتله حتى لو أذن له في قتله، فالأول انتحار والثاني عدوان على الغير بالقتل وإذنه لا يحل الحرام ولذلك تأصيل شرعي .
3 ـ لا يجوز قتل المريض الذي يخشى انتقال مرضه إلى غيره بالعدوى، حتى لو كان ميئوساً من شفائه (كمرض الايدز مثلا) كذلك لها تأصيل .
4 ـ وبالنسبة لتيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن المريض الذي يعتبر في نظر الطبيب «ميتا» أو «في حكم الميت» وذلك لتلف جذع الدماغ أو المخ الذي به يحيا الإنسان ويحس ويشعر وإذا كان عمل الطبيب بمجرد إيقاف أجهزة العلاج فلا يخرج عن كونه تركا للتداوي فهو أمر مشروع ولا حرج فيه وبخاصة إن هذه الأجهزة تبقي عليه هذه الحياة الظاهرية ـ المتمثلة في التنفس والدورة الدموية ـ وان كان المريض ميتا بالفعل فهو لا يعي ولا يحس ولا يشعر نظرا لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ. وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل ويحجز أجهزة قد يحتاج إليها غيره مما يجدي معه العلاج. والله أعلم .
ولقد أوردنا البند الرابع كما جاء في مواقف المجلس المذكور و ما توصلنا إليه من آراء شرعية في هذه المسألة حيث يجيز ما يسمى بالقتل المنفعل وهو أحد أشكال القتل الرحيم من وجهة نظر الطب الذي سبق وان بيناها في المقدمة .

ومن هنا نخلص مما تقدم من نصوص قطعية الدلالة والثبوت إلى أن الحكم الشرعي للقتل بداعي الشفقة أو القتل الرحيم فلا شك أنه حرام في جميع أنواعه سواء ما كان بإرادة المريض أو بقرار غيره فالأول انتحار وحكمه معلوم بما تقدم من نصوص والآخر قتل مضافاً إليه إهانة ذو الشيبة أو العاجز والقتل جرم لا مراء في حرمته عدا ما تم الإصطلاح عليه بالقتل المنفعل أو غير الفعال الذي يرى بجوازه بعض أهل العلم على النحو السالف بيانه .

المبحث الثاني: جريمة القتل في القانون الوضعي

نتعرض في هذا المبحث إلى ما يعنينا في بحثنا دون الخوض في تفريعات جريمة القتل وأركانها المادي والمعنوي فنقصر البحث على تحديد محل جريمة القتل ومسألة بداية الحياة ونهايتها و القتل إشفاقاً ثـم الانتحار والمساعدة عليه وأخيراُ القتل بالامتناع فينقسم هذا المبحث إلى خمسة مطالب متتالية كما هو آت :

المطلب الأول: تحديد محل جريمة القتل

يقصد بمحل جريمة القتل تلك المصلحة التي يرمي القانون إلى حمايتها بالجزاء الجنائي وتقوم الجريمة بتحقق الاعتداء عليها وتتمثل هذه المصلحة في جريمة القتل في حماية حق الإنسان في الحياة . فالاعتداء في جرائم القتل يستهدف إذن الإنسان الحي فلا تقع جريمة القتل إلا إذا كان المجني عليه إنساناً حياً. ويترتب على ذلك عدم وقوع جريمة القتل إذا كان محل الاعتداء حيواناً، وإن شكل هذا الفعل جريمة أخرى
ولا يتطلب القانون في الإنسان سوى أن يكون حياً بصرف النظر عن جنسيته أو لونه أو دينه أو مركزه الاجتماعي أو الوظيفي أو جنسه لأن الناس متكافئون في قدر الحماية الجنائية لأرواحهم . فيستوي في نظر القانون بعد أن يكون الإنسان حياً أن يكون وطنياً أو أجنبيا أبيضاً أو أسوداً، ذكراً أو أنثى فقيراً أو غنياً ثابت النسب أو لقيطا صحيحا كان أو سقيماً .

المطلب الثاني: مدلول الإنسان الحي

الإنسان هو كل كائن حي تضعه المرأة ولما كان القانون يتطلب في محل جريمة القتل أن يكون المجني عليه إنساناً حياً لذلك تبدو أهمية تحديد اللحظة التي تبدأ فيها حياة الإنسان واللحظة التي تنتهي فيها حتى يتحدد نطاق الحماية الجنائية لحق الحياة .

الفرع الأول : بدء حياة الإنسان :

لا تبدأ حياة الإنسان ساعة مولده بل تبدأ قبلها فالجنين في بطن أمه كائن تدب فيه الحياة في لحظة معينة إلا أن صفة الإنسان لا تخلع قانوناً على هذا الكائن بل يسمى جنيناً أو حملا مستكنا حتى يولد . بل أن معظم التشريعات العربية أحاطت الجنين بالحماية الجنائية فجرم الإجهاض وعليه فإن القضاء على حياة الإنسان يعد قتلاً والإجهاز على الجنين يعد إجهاضاً . (1)
وينص قانون الجزاء الكويتي في مادته مادة (155): يعتبر المولود إنسانا يمكن قتله متى نزل حيا من بطن أمه، سواء في ذلك تنفس أو لم يتنفس، وسواء كانت الدورة الدموية مستقلة فيه أم لم تكن، وسواء كان حبل سرته قد قطع أو لم يقطع.

الفرع الثاني : انتهاء حياة الإنسان :

(1) د . عوض محمد: جرائم الأشخاص والأموال، دار المطبوعات الجامعية 1985
تنتهي حياة الإنسان بوفاته واعتبارا من هذه اللحظة يسقط عنه وصف الإنسان ويتحول جثة لا ترد عليها جريمة القتل . وتقرير حدوث الوفاة مسألة فنية يستعين فيها القاضي بأهل الخبرة من الأطباء الذين يستدلون على الموت عادة بتوقف الجهاز الدموى والعصبي والتنفسي توقفاً تاماً عن العمل(1) .
غير أن توقف أجهزة الحياة لدى شخص عن العمل لا يؤدي بالضرورة إلى القطع بحدوث الوفاة إذ قد يقرر الأطباء إمكان استعادة الحياة في بعض الحالات خلال فترة من توقف الأجهزة العضوية عن العمل وذلك عن طريق تنشيط الدورة الدموية وإنعاش القلب . ولهذا فإنه لا يقصد بالموت في تطبيق أحكام قانون العقوبات مجرد فقدان الحياة بل استحالة استردادها مطلقاً . وعليه فإنه إذا لم يصبح الإنسان في عداد الموتى على نحو أكيد فإنه يعد في حكم الأحياء . وعلى هذا الأساس يعد قاتلاً من أطلق النار على شخص توقفت أجهزة الحياة لديه وكان الأطباء قد شرعوا في تنشيط قلبه مقررين إمكانية استعادة الحياة ولكن ترتب على الاعتداء استحالة إنقاذه .
وبثبوت وفاة الشخص واستحالة استعادة حياته يصير شيئاً لا إنساناً فلا يكون محلا لجريمة القتل وقد يشكل الاعتداء عليها جريمة أخرى مثل انتهاك حرمة ميت .

المطلب الثالث : القتل إشفاقاً ” القتل الرحيم “

القتل الرحيم أو القتل إشفاقاً هو وضع حد لحياة مريض لا يرجى شفاؤه لتخليصه من آلامه المبرحة . فجوهر المشكلة يكمن في التعجيل بإنهاء حياة محكوم عليها بالهلاك حتماً هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن العدوان الواقع في مثل هذا القتل لا يصدر عن إرادة إجرامية بل عن نفس رحيمة مشفقة على الإنسان محل هذا الاعتداء. فهل تقوم جريمة القتل في هذه الحالة ؟
لا يشترط في محل القتل سوى أن يكون إنسانا حيا ولو كان مريضاً مرضاً مبرحاً وميئوساً من شفائه طالما لم تحن بعد لحظة وفاته الطبيعية وأي فعل يقع على مثل هذا الإنسان سواء أكان فعلاً إيجابياً أو امتناعاً عن إعطاء العلاج واقترن بقصد إحداث الوفاة كان صالحاً لقيام جريمة القتل العمدي . ولا يغير من هذا الحكم أن يكون المريض راضياً بوقوع الفعل عليه لأن رضاء المجني عليه لا قيمة له في جريمة القتل كما لا يغير من ذلك أن يكون الفاعل مدفوعاً بباعث الشفقة لأنه لا عبرة في القانون بالبواعث من حيث وجود الجريمة ذاتها.
ولما كان القتل في هذه الصورة ذا باعث شريف نصت بعض التشريعات الجنائية(1) على اعتباره عذراً مخففاً للعقاب إذا وقع القتل بناء على إلحاح المريض على أساس أن القاتل في هذه الحالة ليس مجرماً عاديا بل مجرما مثالياً يقدم على اقتراف فعله تحت تأثير عاطفة نبيلة
ذلك ما قررته (المادة 96) من قانون العقوبات الامارتي .
يعتبر دافع الشفقة في القتل عذراً قانونياً مخففاً للعقوبة في بعض القوانين التي تجعل من بين نصوصها أساسا لذلك فإذا اقترنت الرحمة والشفقة بالقتل البسيط وجب على القاضي أن يأخذ هذا الظرف بالاعتبار وفقاً لما بين يديه من نصوص .(2)
وتنص المادة (157) من قانون الجزاء الكويتي على أنه : يعتبر الإنسان قد تسبب فيقتل إنسان آخر ولو كان فعله ليس هو السبب المباشر أو السبب الوحيد في الموت في الحالات الآتية :
رابعا : إذا كان المجني عليه مصابا بمرض أو بأذى من شأنه أن يؤدي إلى الوفاة وعجل الفاعل بفعله موت المجني عليه.
خامسا: إذا كان الفعل لا يفضي إلى الموت إلا إذا اقترن بعمل من المجني عليه أو من أشخاص آخرين.

(1) د . أحمد شوقي أبو خطوة الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات 1990.
(2) د.جودة حسين جهاد قانون العقوبات القسم الخاص جرائم الاعتداء على الأشخاص ، الطبعة الثانية 1998

المطلب الرابع: الانتحـار

الانتحار كالقتل هو إزهاق لروح إنسان حي لا يختلف عنه إلا في وقوعه من المنتحر على نفسه أي وحدة شخص القاتل والمقتول أما القتل فهو إزهاق روح إنسان بفعل إنسان آخر .
فهل يعتبر الانتحار جريمة كالقتل باعتباره عدواناً على إنسان حي؟ وإن كان الانتحار يعد جريمة من الناحيتين الدينية والاجتماعية على حد سواء فإن سائر القوانين الجنائية المعاصرة لا تعاقب على الانتحار على أساس أن تمام الانتحار يعني عدم وجود الجاني محل العقوبة فلا يتصور توقيع العقوبة على المنتحر
غير أن التشريعات الجنائية تختلف في موقفها من التحريض والمساعدة على الانتحار إذ يتحه أغلبها إلى معاقبة كل من حمل إنساناً على الانتحار أو ساعده على ذلك لأن في سلوكهما مساهمة جدية في إهدار حياة إنسان حي . وعلي هذا الأساس قررت المادة (158) من قانون الجزاء الكويتي : “كل من حرض أو ساعد أو اتفق مع شخص على الانتحار فانتحر يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تجاوز ثلاثة آلاف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين.”
ومن التشريعات الجنائية التي نهجت نهج المشرع الكويتي فعاقبت على التحريض والمساعدة على الانتحار بنصوص خاصة باعتبارها جريمة قائمة بذاتها القانون العماني
(المادة 241 عقوبات) والقانون القطري (المادتان 158 و 159 عقوبات) والقانون اللبناني (المادة 553) .
أما المشرع المصري فلم يعاقب على التحريض والمساعدة على الانتحار بنص خاص كما وأن هذا النشاط لا يخضع للعقاب باعتباره فعل اشتراك لأن الفعل الأصلي الذي يستمد منه فعل الاشتراك الصفة الجرمية وهو الانتحار هو فعل مباح أصلا (1) .

المطلب الخامس: القتل بالامتناع

السلوك الإنساني له مظهران : فعل إيجابي وامتناع أو ترك. والقتل بطبيعته جريمة إيجابية لأنه يتطلب فعل اعتداء على الحياة. ويقودنا هذا إلى التساؤل عن إمكانية وقوع القتل بطريق الامتناع إذا ثبت قصد إحداث الوفاة بهذا الترك ؟
يتعين الإشارة إلى أن الامتناع المسبوق بفعل إيجابي كمن يخطف طفلاً ويحدث به إصابات جسيمة تعجزه عن الحركة ثم يتركه في الصحراء ليموت جوعاً فإنه لا خلاف في الفقه حول مسئولية صاحبه عن قتل عمدي إذا توافر القصد الجنائي لديه لأن دور الامتناع اقتصر على تمكين الفعل الإيجابي من إنتاج آثاره فيتحمل الفعل الإيجابي عبء النتيجة ويكون سببا لها .
أما الامتناع الذي يثير المشكلة في مجال جريمة القتل فهو الامتناع الخالص ومثاله امتناع الأم عن إرضاع طفلها حتى يموت وامتناع الممرضة عن إعطاء الدواء للمريض بقصد قتله فإذا توفي المجني عليه فهل يتحقق الركن المادي لجريمة القتل بهذا الامتناع؟ للإجابة على هذا السؤال نميز بين اتجاهين هما كالآتي :-

الفرع الأول : عدم إمكان القتل بطريق الامتناع :

يذهب هذا الرأي متأثراً بالفقه الفرنسي إلى عدم إمكان وقوع القتل بطريق الامتناع لأن القتل جريمة إيجابية يتطلب ركنها المادي فعلاً إيجابياً وإن تفسير نصوص القتل لتشمل الفعل والامتناع فيه خروج على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي يحظر القياس في التجريم .

(1) د . أحمد شوقي أبو خطوة المرجع السابق .

كما أن الامتناع عدم ولا يمكن أن يكون سبباً في حدوث نتيجة إيجابية لأن العدم لا يفضي إلا إلى عدم مثله(1).
ويرد على هذا الرأي بأن نصوص القتل لا تحدد شكل السلوك الذي تقع به الجريمة ولا طبيعته بل تعاقب على كل سلوك تترتب عليه الوفاة. فضلاً عن ذلك فإن الامتناع كالفعل الإيجابي سلوك إرادي فبينما تكون الإرادة دافعة للحركة في الفعل تكون مانعة للحركة في الامتناع وعليه فالامتناع سلوك يتجسد واقعاً في الكف عن عمل معين طالما كان يؤدي للنتيجة المؤثمة .

الفرع الثاني : القتل بطريق الامتناع :

يذهب أنصار هذا الرأي إلى تأكيد صلاحية الامتناع لتكوين الركن المادي في جريمة القتل إذا توافرت علاقة السببية بينه وبين الوفاة. ويتطلب هذا الاتجاه لمساءلة الممتنع عن جريمة القتل توافر شرطان هما (2):
1- أن يكون على الممتنع واجب قانوني أو تعاقدي يلزمه بأداء عمل إيجابي يحول به دون وقوع القتل فيمتنع إرادياً عن الوفاء بهذا الواجب يسأل الجاني عن قتل عمدي إذا كان ملزما قانونا أو تعاقديا بأداء عمل إيجابي يحول بمقتضاه دون وقوع جريمة القتل، كالأم التي تمتنع عن إرضاع وليدها تعد قاتلة إذا توافر لديها قصد القتل والممرضة التي تمتنع عن إعطاء الدواء للمريض إلى أن يموت، تعد قاتلة أيضاً. إلا أنه إذا كان الملتزم بواجب قانوني أو تعاقدي غير قادر على التدخل بفعل إيجابي يمنع به حدوث القتل فلا يسأل عن امتناعه عن أداء هذا الالتزام لأنه لا تكليف بمستحيل، كما لو شاهد الأب ابنه يموت غرقاً فلم ينقذه لأنه لا يحسن السباحة ولم يكن بوسعه أن يستعين بمن يقدم له المساعدة.
فإذا لم يكن على الممتنع أي واجب قانوني أو تعاقدي يفرض عليه التدخل للحيلولة دون وقوع القتل فلا يمكن مساءلته عن القتل العمد وإن توافر لديه القصد الجنائي كما لا يسأل عن قتل خطأ إذا انتفى لديه هذا القصد لأن الغالب أن الإقدام على منع وقوع الجريمة ينطوي على قدر من المخاطرة والقانون لا يفرض على الناس التضحية لمساعدة الغير وعلى ذلك لا يسأل عن قتل من يشاهد غريقاً يشرف على الهلاك فلا ينقذه .
2- توافر علاقة السببية بين الامتناع والنتيجة التي تحققت : يجب أن يكون الامتناع هو السبب في حدوث الوفاة وفق السير العادي للأمور . فيجب أن يكون امتناع الممرضة عن إعطاء الدواء للمريض هو العامل الذي أدى إلى حدوث وفاة الطفل. فإذا توافر عامل آخر كان هو السبب الذي أدى إلى حدوث النتيجة الإجرامية، واقتصر دور الامتناع على جعل هذا السبب أكثر ملاءمة لتحقيق النتيجة، فإن علاقة السببية بين الامتناع والنتيجة تنتفي ولا يسأل الممتنع عنها(3).
وقضي المادة (166) من قانون الجزاء الكويتي على أن : كل شخص يلزمه القانون برعاية شخص آخر عاجز عن أن يحصل لنفسه على ضرورات الحياة، بسبب سنه أو مرضه أو اختلال عقله وتقييد حريته، سواء نشأ الالتزام عن نص القانون مباشرة أو عن عقد أو عن فعل مشروع أو غير مشروع فامتنع عمدا عن القيام بالتزامه، وأفضى ذلك إلى وفاة المجني عليه أو إلى إصابته بأذى يعاقب حسب قصد الجاني وجسامة الإصابات بالعقوبات المنصوص عليها في المواد 149 و150 و152 و160 و162 و163 فإن كان الامتناع عن إهمال لا عن قصد وقعت العقوبات المنصوص عليها في المادتين 154 و164.

(1) د. محمد محي الدين عوض: القانون الجنائي جرائمه الخاصة 1978.
(2) د. محمود نجيب حسني علاقة السببية في قانون العقوبات دار النهضة العربية 1983، ود. رؤوف عبيد السببية الجنائية بين الققه والقضاء دراسة تحليلية مقارنة .
(3) د. فتوح عبد الله الشاذلي: شرح قانون العقوبات القسم الخاص الكتاب الثاني، دار المطبوعات الجامعية 2001.

الخاتمة :

ونختم بحثنا المتواضع هذا إنا وجدنا الشريعة الإسلامية الغَرّاء حكماً وحلاً لكل ما يستجد في حياة الإنسان من مسائل في كل مصر وكل عصر فالله سبحانه وتعالى أعلم بما ينفع عباده وهو الرحيم بهم وأرحم من الأم بوليدها فالموت الرحيم تلك البدعة أجلى دليل على ذلك فالأهل والآل يطلبون إنهاء حياة مريضهم والله به راحم فسبحان الله بل قد يطلب المريض نفسه إنهاء حياته ويقول عز من قائل ” ولا تقتلوا أنفسكم أن الله كان بكم رحيماً “.
وقد اتفق الفقهاء على جواز التداوي لما فيه من حفظ النفس وإن التداوي تختلف فيه الأحكام التكليفية بالنظر إلى مستوى المرض من حيث الخطورة و مدى أهمية العلاج توصل المجمع الفقهي إلى أن موت الدماغ موت ويُعمل بذلك إذا توفرت شروط ومعايير موت الدماغ بعد توفّر العلم والعدالة في الأطباء المشرفين على ذلك كما اتفق الفقهاء في حالة ثبوت موت الدماغ على جواز إيقاف أجهزة الإنعاش
وأخيراً إن المرض والشفاء بيد الله تعالى والعلاج والتداوي أخذ بالأسباب فلا يأس من روح الله وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض ما يسمى القتل الرحيم هو نوع من أنواع القتل, سواءً مارسه الطبيب بإذن المريض أو بغير إذنه .
على المريض الاستمرار في تناول الدواء مادام يظن ويأمل بالشفاء وليس له ترك التداوي وإن ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأنه إذا جزم الأطباء أنه لا يرجى من تناول العلاج لهذه الحالة أمل في الشفاء فلا يجب على المريض الاستمرار في تناول العلاج.
وتختلف القوانين الوضعية في مواقفها من القتل الرحيم تباعاً لما هو سائد
من قيم في كل مجتمع والنظرة التي يرمق بها المجتمع مرضاه و كبار السن فينعكس ذلك على السلطة التشريعية فتقرر لتسن القانون بما يناسب و السائد من القيم وجميع قوانين الدول الإسلامية والعربية تجرّم القتل سواءً كان رحيم أو غيره وإن تفاوتت في اعتبار القتل بدافع الرحمة ظرفاً مخففاً للعقاب من اعتباره سبقاً للإصرار موجباً للإعدام .

والله ولي التوفيق

قائمة المراجع:

( ) د. محمد محي الدين عوض: القانون الجنائي ، جرائمه الخاصة 1978

(2) د.محمود نجيب حسني: علاقة السببية في قانون العقوبات، دار النهضة العربية 1983

(3) د. رؤوف عبيد: السببية الجنائية بية الققه والقضاء، دراسة تحليلية مقارنة 1984

(4) د. فتوح عبد الله الشاذلي: شرح قانون العفوبات القسم الخاص الكتاب الثاني دار المطبوعات الجامعية 2001
(5) د.أحمد شوقي أبو خطوة الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات 1990

)6) د. عوض محمد جرائم الأشخاص والأموال دار المطبوعات الجامعية 1985

(7) د . جودة حسين جهاد : قانون العقوبات القسم الخاص الجزء الأول جرائم الاعتداء على الأشخاص الطبعة الثانية 1998

(8) الأستاذ عبد القادر عودة التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي مؤسسة الرسالة الجزء الثاني

(9) يضاف إلى هذه المراجع الآراء الصادرة عن الفقهاء والعلماء المنشورة في المؤتمرات و أجهزة الإعلام ومواقع الإنترنت وقد تم الإشارة إلى كل صاحب رأي في هذه المسألة .
الـجـامـعـــــة الخـــلـيـــجــيــــة

بـرنـامـج الـمـاجـسـتـيـر/ القانون الجنائي

موضوع البحث :

القتل الرحيم بين الشريعة و القانون

إعداد :

الطالب / نواف جابر الشمري