ماهية جريمة السرقة :

جرائم السرقة والاحتيال (النصب) وخيانة الأمانة تشترك معاً في أنها اعتداء على حق الملكية حيث ان مادتها تنطوي على حرمان المالك من المزايا التي يخولها له حق الملكية وهي اعتداء عليه من حيث ان معنويتها تنطوي على نية ان مرتكبها يتملك المال الذي ينصب الفعل عليه ويؤدي ذلك الى تقارب بينها من حيث الشروط المتطلبة في موضوع الاعتداء ومن حيث تحديد عناصر القصد المتطلب منها(1). هذا التشابه في المحل وفي القصد بين هذه الجرائم هو الذي حدا بالقانون الروماني الى أن يعتبرها جميعاً صوراً لجريمة واحدة تحمل اسم السرقة Furtum بل أن هذا اللفظ كان يمتد نطاقه ليشمل ـ فضلاً عن هذه الجرائم الثلاث ـ أفعالاً أخرى لا تدخل في نطاقها. فقد كانت جريمة السرقة تشمل ـ فضلاً عن الاستيلاء على مال الغير بسوء قصد، ويدخل في نطاقها السرقة والنصب وخيانة الأمانة ـ سرقة الحيازة، كاستيلاء المدين على الشيء المرهون المملوك له والموجود في حيازة الغير وهذه الصورة لا تدخل في نطاق جريمة السرقة باعتبارها لا تقع الا على منقول مملوك للغير والمنقول هنا يكون مملوكاً للجاني، ومع ذلك نجد المشرع العراقي والمصري ـ حرصاً منه على حماية حق من هو أولى بحيازة الشيء من مالكه ـ يلحق بالسرقة في الحكم اختلاس الاموال المحجوز عليها والمرهونة والأوراق المودعة لدى المحكمة ولو وقعت من المالك(2). واذا كانت جرائم السرقة والنصب وخيانة الأمانة متحدة في المحل الذي يقع الاعتداء عليه في الركن المعنوي فأنها تتميز فيما بينها من حيث الوسيلة التي يقع بها الاعتداء ففي السرقة يحدث الاعتداء باستيلاء الجاني على حيازة المنقول دون رضاء المجني عليه في حين يتم النصب عن طريق وسيلة تدليسية يحتال بها الجاني على المجني عليه ليحصل على ماله باختياره وفي خيانة الامانة يكون المال في حيازة الجاني قبل وقوع الجريمة بناء على عقد من عقود الأمانة.

__________________

[1]- د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، ط 6، ص806.

2- د. فوزية عبدالستار، القسم الخاص، القاهرة، 1973، ص661.

ركن المحل في السرقة :

لهذا الركن شقان الأول، ان يكون موضوع السرقة مالاً، والثاني ان يكون هذا المال منقولاً. والمال، هو كل شيء يمكن تقويمه، ولذلك فالانسان لا يصح ان يكون موضوعاً لجريمة سرقة بل يصلح محلاً لجريمة خطف او حبس بغير وجه حق(1). ولا أهمية لقيمة المال في جريمة السرقة، فإن قل أو كثر فلا أثر لذلك على قيام الجريمة أو انتفائها، وان كانت قيمة المال قد يدخلها القاضي في اعتباره عند تقديره للعقوبة، وعدم ذكر قيمة المال المسروق في الحكم لا يجعله قاصر البيان لأنها ليست ركناً من اركان الجريمة، وليس بشرط ان يكون للمال قيمة مادية أي يقوم بمبلغ من النقود، بل يكفي ان تكون له قيمة أدبية في نظر مالكه. فالخطابات والأوراق الخاصة تعتبر مالاً وان كانت قيمتها بالنسبة الى حائزها أدبية فقط(2) ويشترط في الشيء موضوع السرقة ان يكون مالاً مادياً أي له كيان مادي ملموس حتى يمكن تصور الاستيلاء عليه بطريق الاختلاس، ومن ثم يستبعد سرقة الافكار والآراء لأنها ليست قابلة للسرقة، لأنها أشياء معنوية وكذلك المخترعات الصناعية أو الفنية، أما اذا سطرت في كتب ودونت على أوراق تكون قابلة للسرقة لأن السرقة تقع في هذه الحالة على شيء مادي، ولا يشترط في الشيء ان تكون حيازته مشروعة. فالسرقة يمكن ان تقع على الأسلحة غير المجازة أو على المخدرات والمواد المغشوشة. اما المنفعة في مال غير مادي لا يصلح عده موضوعا للسرقة، مثال ذلك من يركب وسائل المواصلات دون دفع قيمتها، او الخادم الذي يستعمل ملابس سيده فيرتديها في اثناء غيابه(3).

كل الأشياء المادية قابلة للسرقة سواء أكانت من الاجسام الصلبة أم السائلة أم الغازية، فالماء قابل للسرقة، واختلاس الأبواب والشبابيك والواح الزجاج وكل الأشياء التي كانت في الأصل ثابتة أو ملحقة بأشياء ثابتة ثم اصبحت منقولة بالفعل او القطع او الكسر والمنتزعة من العقارات، والاحجار والرمال المنتزعة من الأرض، والاشجار والمحاصيل الزراعية، والعدد والآلات الصناعية المثبتة في المعامل والمعادن التي بباطن الأرض وهكذا… الخ. فالمال المنقول في جريمة السرقة، هو كل ما يمكن نقله من مكان الى آخر، أي المال القابل للنقل. فاذا لم يكن في المقدور نقل المال فلا يصح ان يكون محلاً للسرقة، فالحقوق والالتزامات لا يجوز ان تكون موضوعاً لسرقة لأنها تترتب في الذمة ولكن ان أثبتت في أوراق جاز سرقة المستندات المحررة بها أذ تصبح في هذه الصورة مالاً منقولاً له قيمته(4).أما القوى الطبيعية كالصوت والضوء والحرارة والبرودة ، فانها لا تصلح أن تكون موضوعاً لجريمة السرقة لأنها تدخل في حكم الأشياء المعنوية. فمن ينتفع بصوت مذياع لآخر أو يستضيء بمصباحه أو يتدفأ بمدفأته الكهربائية أو يحفظ أغذية في ثلاجة له لا يعد سارقاً في كل هذه الصور، لأن الفعل فيها يعتبر سرقة منفعة وسرقة المنفعة لا عقاب عليها، فاذا طبخ شخص طعامه على نار جاره برغم أرادته فلا يعّد سارقاً للحرارة التي استخدمها في طبخ طعامه، واذا ركب شخص في قطار سكة حديد بغير تذكرة فلا يمكن اعتباره سارقاً للقوة التي نقلته الى المكان الذي سافر اليه(5).

ومن المسائل التي لا تزال موضوع خلاف معرفة ما اذا كانت الكهرباء قابلة للسرقة، وهل يعّد سارقاً من يوصل الكهرباء الى منزله مثلاً بواسطة سلك متصل باسلاك الكهرباء العمومية، أو من يعطل عدّاد الكهرباء ويستهلك كمية أكبر من الكمية الموضحة فيه؟ والجواب على هذه التساؤلات يمكن الاشارة الى ان المحاكم في فرنسا اعتبرت هذا الفعل سرقة في حين ان الرأي السائد في المانيا اعتبر ان الفعل لا يدخل في حكم السرقة، وقد اضطر الشارع الالماني الى اصدار قانون خاص في 9/ابريل/1900 لمعاقبة من يختلس الكهرباء، وفي انكلترا فقد نص الشارع على الكهرباء خصيصاً في المادة العاشرة من قانون السرقة الصادر في سنة 1916على اعتبار اختلاس الكهرباء نوعاً من انواع السرقة ، وكذلك في ايطاليا فقد حكمت محكمة النقض بالعقاب تطبيقاً لأحكام السرقة في 13 يوليو سنة 1898 (6). ثم جاء قانون العقوبات الايطالي الصادر في سنة 1930 و اضاف الى تعريف السرقة الوارد في المادة 624 منه فقره تنص على ان الكهرباء من الاشياء المنقولة (7) . أما في القانون العراقي فقد حسم المشرع هذا الخلاف اذ نصت المادة (439) ق.ع.ع على أنه “يعتبر مالاً منقولاً لتطبيق أحكام السرقة النبات وكل ما هو متصل بالأرض او مغروس فيها بمجرد فصله عنها والثمار بمجرد قطفها والقوى الكهربائية والمائية وكل طاقة أو قوة محرزة أخرى”. ولا يعاقب القانون على الاختلاس الا اذا كان ما استولى عليه منقولاً ، أما من يستولي على عقار بأية طريقة من هذه الطرق فلا يعتبر مرتكباً جريمة سرقة. غير انه ان كان العقار ذاته لا يمكن ان يكون محلاً لجريمة السرقة الا ان اجزاءه التي تنفصل عنه تصبح منقولات فيعتبر اختلاسها سرقة معاقباً عليها. وكذلك الحال بالنسبة الى ثمار العقار المزروع فهي منقولات مادية يقطفها.

___________________________

1-انظر المادة 421 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 و تعديلاته ، المكتبة القانونية بغداد ، 2000.

2- د. حسن صادق المرصفاوي ، مصدر سابق ، ص 274 .

3- د. سعد ابراهيم الاعظمي، مصدر سابق، ص118.

4- د. حسن صادق المرضاوي، مصدر سابق، ص274.

5- احمد امين بك ، مصدر سابق ، ص862 .

6- الموسوعة الجنائية ، ج 4 ، مصدر سابق ، ص 204 .

7- نص الفقرة بالمادة 624 عقوبات ابطالي ( في ما يتعلق بتطبيق قانون العقوبات يعتبر من الاشياء المقولة الكهرباء و كل قوة اخرى لها قيمة مالية ) .

المؤلف : عبود علوان منصور
الكتاب أو المصدر : جريمة السرقة اسبابها والاثار المترتبة عليها

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : تحليل لجريمة السرقة في ضوء أحكام قانون العقوبات