عدم دستورية نص المادة 25 من قانون تنظيم هيئة قضايا الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية

المحكمة الدستورية العليا المصرية

قضية رقم 148 لسنة 28 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية”
مبادئ الحكم: استقلال السلطة القضائية – حق التقاضي – المصلحة الشخصية المباشرة

نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد السادس من يوليو سنة 2008 م، الموافق الثالث من رجب سنة 1429هـ.
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد
رئيس المحكمة
والسادة المستشارين/ محمد عبد القادر عبد الله وأنور رشاد العاصي ومحمد خيري طه وسعيد مرعي عمرو والدكتور عادل عمر شريف وتهاني محمد الجبالي
أعضاء
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حمدان حسن فهمي
رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / ناصر إمام محمد حسن
أمين السر

أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 148 لسنة 28 قضائية “دستورية”
المقامة من
السيد/ …
ضد
1- السيد/ رئيس الجمهورية
2- السيد/ رئيس مجلس الوزراء
3- السيد/ وزير العدل
4- السيد/ رئيس هيئة قضايا الدولة

الإجراءات
بتاريخ السابع عشر من سبتمبر سنة 2006، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى، قلم كتاب المحكمة، طالبا الحكم بعدم دستورية نصي المادتين رقمي 25، 27 من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 75 لسنة 1963، معدلا بالقانون رقم 10 لسنة 1986، والقانون رقم 88 لسنة 1998، وقبل تعديله بالقانون رقم 2 لسنة 2002.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم أصليا بعدم قبول الدعوى، واحتياطيا برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي، كان يشغل وظيفة مندوب بهيئة قضايا الدولة، وإثر التفتيش على أعماله، حصل على تقريرين متواليين، بدرجة أقل من المتوسط، فأحيل إلى لجنة التأديب والتظلمات، المنصوص عليها في المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 75 لسنة 1963، بناء على طلب وزير العدل، حيث قضي، بجلسة 13/8/1990، بنقله إلى وظيفة إدارية بالهيئة، فتظلم من هذا الحكم أمام لجنة التأديب والتظلمات، وظل هذا التظلم متداولا، أمامها، حتى صدر القانون رقم 2 لسنة 2002 بتعديل بعض أحكام قانون هيئة قضايا الدولة المشار إليه، الذي أسند الاختصاص بنظره، إلى المحكمة الإدارية العليا، وبعد أن أحالته إليها وقيد برقم 7535 لسنة 48 قضائية عليا، دفع المدعي بعدم دستورية المادتين 25، 27 من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 75 لسنة 1963. وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعي برفع دعواه الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيث إنه عن دفع هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى، استنادا إلى أن هذه المحكمة سبق أن حسمت المسألة الدستورية المتعلقة بنص المادة (25) المطعون فيه بحكميها الصادرين في القضيتين الدستوريتين رقمي 162 لسنة 19 قضائية و193 لسنة 19 قضائية فإنه مردود بأن المستقر عليه في قضاء المحكمة الدستورية العليا، أن الحجية المطلقة للأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية يقتصر نطاقها على النصوص التشريعية، التي كانت مثارا للمنازعة، حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلا حاسما بقضائها، أما ما لم يكن مطروحا على المحكمة، ولم تفصل فيه بالفعل، فلا تمتد إليه تلك الحجية.

لما كان ذلك، وكان الثابت من الحكم الصادر في القضية رقم 162 لسنة 19 قضائية “دستورية”، أن المحكمة الدستورية العليا، قضت بعدم دستورية نص المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقانون رقم 75 لسنة 1963، وذلك فيما تضمنه من أن يرأس لجنة التأديب والتظلمات رئيس الهيئة، وهي تنظر الدعوى التأديبية، وأن تفصل فيها اللجنة، ولو كان من بين أعضائها من شارك في التحقيق أو الاتهام، كما أن الثابت من الحكم الصادر في القضية رقم 193 لسنة 19 قضائية “دستورية” أن المحكمة قضت بعدم دستورية تلك المادة، فيما تضمنته من إسناد الفصل في إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئون أعضاء الهيئة إلى اللجنة المشار إليها، ولم تفصل المحكمة في دستورية نص المادة (25)، التي تناولت تشكيل لجنة التأديب والتظلمات، وهي تنظر في أمر صلاحية عضو هيئة قضايا الدولة، الذي يحصل على تقريرين متواليين بدرجة أقل من المتوسط أو أربعة تقارير متوالية بدرجة متوسط، ومن ثم تظل مسألة دستورية اختصاص هذه اللجنة – بذات تشكيلها المنصوص عليه في المادة (25) سالفة البيان، قبل تعديلها بالقانون رقم 2 لسنة 2002 – بالنظر في أمر صلاحية عضو هيئة قضايا الدولة، في الحالة المشار إليها مطروحة على هذه المحكمة، لتقول كلمتها فيها، مما يضحى معه دفع هيئة قضايا الدولة غير مقبول.

وحيث إن قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 75 لسنة 1963، المعدل بالقانونين رقمي 65 لسنة 1976 و10 لسنة 1986، ينص في المادة الأولى منه على أن “هيئة قضايا الدولة، هيئة قضائية مستقلة، تلحق بوزير العدل”، وفي المادة الرابعة على أن “يشكل مجلس أعلى للهيئة، برئاسة رئيسها، وعضوية أقدم ستة من نواب الرئيس، وعند غياب أحدهم، أو وجود مانع لديه، يحل محله الأقدم فالأقدم من نواب رئيس الهيئة”، وينص في المادة (25) – قبل تعديلها بالقانونين رقمي 88 لسنة 1998، 2 لسنة 2002 على أن “تشكل لجنة التأديب والتظلمات، من رئيس إدارة قضايا الحكومة، أو من يحل محله رئيسا، ومن عشرة أعضاء، بحسب ترتيبهم في الأقدمية، من بين نواب الرئيس والوكلاء، والمستشارين.

وتختص هذه اللجنة، بتأديب أعضاء الإدارة، وبالفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئونهم، وفي طلبات التعويض المترتبة عليها، مما يدخل، أصلا في اختصاص القضاء. كما تختص اللجنة، دون غيرها، بالفصل في المنازعات الخاصة بالمرتبات والمكافآت، المستحقة لأعضاء الهيئة.

وتفصل اللجنة فيما ذكر، بعد سماع أقوال العضو، والاطلاع على ما يبديه من ملاحظات، وتصدر قراراتها بالأغلبية المطلقة، إلا في حالة التأديب، فتصدر قراراتها بأغلبية ثلثي أعضائها. ويكون قرار اللجنة، في جميع ما تقدم، نهائيا، ولا يقبل الطعن، بأي وجه من الوجوه، أمام أية جهة.”، كما ينص في المادة (27) على أنه “إذا حصل عضو الهيئة، على تقريرين، متواليين، بدرجة أقل من المتوسط، أو أربعة تقارير، متوالية، بدرجة متوسط، طلب وزير العدل، إلى لجنة التأديب والتظلمات، النظر في أمره. وتقوم اللجنة بفحص حالته، وسماع أقواله، فإذا تبينت صحة التقارير، قررت إحالته إلى المعاش، أو نقله إلى وظيفة عامة أخرى. ويكون قرارها في هذا الشأن نهائيا، غير قابل للطعن فيه، بأي وجه من الوجوه، أمام أية جهة.”.

وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها، ارتباطها، عقلا، بالمصلحة، التي يقوم عليها، النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية، التي تدعى هذه المحكمة لحسمها، لازما للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان نص المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة – المطعون عليه – يقيم من لجنة التأديب والتظلمات، جهة قضائية، تفصل – دون غيرها – وبصفة نهائية، في تأديب أعضاء الهيئة، وأسندت إليها المادة (27) من ذات القانون، النظر، في أمرهم، في حالة حصول أحدهم على تقريرين، متواليين، بدرجة أقل من المتوسط، أو أربعة تقارير، متوالية، بدرجة متوسط، وأسبغت النهائية، وعدم القابلية للطعن، بأي وجه من الوجوه، أمام أية جهة، على القرار الصادر من اللجنة المشار إليها، في هذه الحالة.

وإذ كان قرار نقل المدعي إلى وظيفة إدارية، لحصوله على تقريرين، متواليين، بدرجة أقل من المتوسط، وكانت المطاعن الدستورية، التي أثارها، تتعلق، جميعها، بتشكيل لجنة التأديب والتظلمات وضماناتها، ونهائية قرارها، وهي تنظر في أمر صلاحية عضو الهيئة من الناحية الفنية، وعدم مساواته مع أقرانه من أعضاء الهيئات القضائية الأخرى، في هذا الشأن؛ فإن المادتين 25، 27 المطعون فيهما، قبل تعديلهما بالقانون رقم 2 لسنة 2002، تكونان متضاممتين، في هذا الشأن، وبهما معا، يتبين إطار المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي، ويتحدد كذلك نطاق الخصومة الدستورية.

وحيث إن المدعي ينعى على المادتين المطعون فيهما – محددتين نطاقا على النحو المتقدم – مخالفتهما لأحكام المواد 40، 64، 65، 67، 68، 165، 166، 168، 169، 172، من الدستور، تأسيسا على أن لجنة التأديب والتظلمات، التي يرأسها رئيس الهيئة، تصدر قرارا، غير قابل للطعن عليه، بأي وجه من الوجوه، في أمر عضو الهيئة، وتنتفي، في شأنها، كذلك ضمانة التجرد والحيدة، التي يتحقق بها، الفصل في أمر العضو، الذي تطلبه جهة عمله، بطريقة منصفة. فليس لرئيس الهيئة أن يكون رئيسا لهذه اللجنة، بعد أن طلب إحالة العضو إليها، للنظر في أمره، كاشفا، بذلك، عن رأيه فيما هو منسوب إليه، متوليا سلطة محاكمته، فلا تستقيم للعدالة، ولا لحق التقاضي، ضماناتهما. كما أن أعضاء لجنة التأديب والتظلمات – وهي تنظر في أمر عضو الهيئة – تابعون، بحكم وظائفهم، لرئيس الهيئة؛ وهو يهيمن على شئونهم الوظيفية، الأمر الذي يجعل أعضاء هيئة قضايا الدولة، غير متساوين مع أقرانهم من أعضاء الهيئات القضائية الأخرى في هذا الشأن، كما أن النهائية، التي أسبغها نص المادة (27) على قرارات تلك اللجنة، من شأنها حرمان عضو الهيئة من اللجوء إلى قاضيه الطبيعي.

وحيث إن الثابت من الأوراق أن المدعي تظلم من القرار، الصادر بنقله إلى وظيفة غير قضائية، أمام لجنة التأديب والتظلمات، المنصوص عليها في المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة، وظل هذا التظلم، متداولا أمام تلك اللجنة، حتى أحالته – على أثر صدور القانون رقم 2 لسنة 2002 بتعديل بعض أحكام قانون هيئة قضايا الدولة – إلى المحكمة الإدارية العليا، التي قدرت – أثناء نظرها هذا التظلم – جدية دفع المدعي بعدم دستورية نصي المادتين 25، 27 المشار إليهما، وصرحت له برفع دعواه الدستورية، ومن ثم تصبح مصلحة المدعي في الطعن على نص المادة (27) فيما أسبغه من نهائية على قرارات اللجنة المشار إليها الصادرة بشأن صلاحية عضو الهيئة منتفية، مما يتعين معه عدم قبول الدعوى بالنسبة لتلك المادة، في هذا النطاق.

وحيث إن ضمانة الحيدة – في نطاق النزاع الماثل – إنما تتصل، أساسا، بما إذا كان يجوز لرئيس الهيئة، أو لأحد أعضائها، أن يفصل في منازعة من طبيعة قضائية، سبق أن اتخذ موقفا منها، أو أبدى رأيا فيها.
وكان الفصل في دستورية تشكيل لجنة التأديب والتظلمات، وهي تنظر في أمر عضو هيئة قضايا الدولة، الحاصل على تقريرين متواليين بدرجة أقل من المتوسط، أو أربعة تقارير متوالية بدرجة متوسط يرتبط بما إذا كان الإخلال بضمانة حيدة رئيسها وأعضائها، يعتبر إهدارا لأحد الحقوق، التي كفلها الدستور، فلا يتم الفصل، إنصافا، في الخصومة القضائية، مع غيابها، أم أن هذه الضمانة لا ترقى، بوزنها، إلى مرتبة الحقوق، التي تستمد من الدستور أصلها، فلا ينافيها إلغاؤها، أو تقييدها بقانون، تقره السلطة التشريعية، في حدود سلطتها التقديرية.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، قد جرى على أن استقلال السلطة القضائية، وإن كان لازما، لضمان موضوعية الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها، على الترضية القضائية، التي يطلبونها، عند وقوع عدوان على حقوقهم وحرياتهم، إلا أن حيدتها عنصر فاعل في صون رسالتها، لا تقل شأنا عن استقلالها، بما يؤكد تكاملها؛ ذلك أن استقلال السلطة القضائية، يعني أن تعمل بعيدا عن أشكال التأثير الخارجي، التي توهن عزائم رجالها، فيميلون معها عن الحق، إغواء أو إرغاما، ترغيبا وترهيبا؛ فإذا كان انصرافهم عن إنفاذ الحق، تحاملا من جانبهم على أحد الخصوم، وانحيازا لغيره – لمصالح ذاتية أو لغيرها من العوامل الداخلية، التي تثير غرائز ممالأة فريق دون آخر – كان ذلك منهم، تغليبا لأهواء النفس؛ منافيا لضمانة التجرد، عند الفصل في الخصومة القضائية؛ ولحقيقة أن العمل القضائي، لا يجوز أن يثير ظلالا قاتمة حول حيدته، فلا يطمئن إليه، متقاضون داخلتهم الريب فيه، بعد أن صار نائيا عن القيم الرفيعة للوظيفة القضائية، يؤيد ذلك:

أولا: أن استقلال السلطة القضائية، وحيدتها، ضمانتان تنصبان، معا، على إدارة العدالة، بما يكفل فعاليتها، وهما، بذلك متلازمتان. وإذا جاز القول – وهو صحيح – بأن الخصومة القضائية، لا يستقيم الفصل فيها، حقا وعدلا، إذا خالطتها عوامل تؤثر في موضوعية القرار، الصادر بشأنها، فقد صار أمرا مقضيا، أن تتعادل ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها، في مجال اتصالهما بالفصل في الحقوق انتصافا، لتكون لهما، معا القيمة الدستورية، ذاتها. فلا تعلو إحداهما، على الأخرى، أو تجبها، بل تتضاممان، تكاملا وتتكافآن قدرا.

ثانيا: أن ضمانة الفصل إنصافا في المنازعات، على اختلافها، وفق نص المادة 67 من الدستور، تمتد، بالضرورة، إلى كل خصومة قضائية، أيا كانت طبيعة موضوعها – جنائيا كان، أو مدنيا، أو تأديبيا – أو متعلقة بإخلال عضو هيئة قضائية، بالثقة والاعتبار، اللازمين، لاستمراره في عمله القضائي، أو متصلة بضعف أدائه، ونزوله عن المستوى المقبول. إذ أن التحقيق في هذه الخصومات، وحسمها، إنما يتعين إسناده إلى جهة القضاء، أو هيئة قضائية، منحها القانون، اختصاص الفصل فيها، بعد أن كفل استقلالها، وحيدتها، وأحاط الحكم الصادر فيها، بضمانات التقاضي، التي يندرج تحتها، حق كل خصم في عرض دعواه، وطرح أدلتها، والرد على ما يعارضها، على ضوء فرص، يتكافأ أطرافها فيها، جميعا، ليكون تشكيلها، وقواعد تنظيمها، وطبيعة النظم المعمول بها أمامها، وكيفية تطبيقها، عملا، محددا للعدالة، مفهوما تقدميا، يلتئم مع المقاييس، المعاصرة للدولة المتحضرة.

ثالثا: أن حق التقاضي، المنصوص عليه في المادة 68 من الدستور، مؤداه أن لكل خصومة – في نهاية مطافها – حلا منصفا، يمثل الترضية القضائية، التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق المدعى بها، وهي لا تكون كذلك، إذا كان تقريرها عائدا إلى جهة، أو هيئة، تفتقر إلى استقلالها، أو حيدتها، أو هما معا. ذلك أن هاتين الضمانتين – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم – تعتبران قيدا على السلطة التقديرية، التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق. ومن ثم يلحق البطلان، كل تنظيم تشريعي، للخصومة القضائية، على خلافهما.

وحيث إن إخلال أحد أعضاء الهيئة القضائية، بالثقة والاعتبار، اللذين ينبغي توافرهما فيه، أو خروجه على واجبات وظيفته، أو عدم أدائها، على الوجه الأكمل، يتعين في كل هذه الأحوال، أن يكون مسبوقا بتحقيق، أو فحص لأعماله متكامل، واف وأمين. فإذا ما استكمل هذا التحقيق، أو ذلك الفحص، عناصره، وكان واشيا بعدم صلاحية العضو، أو كان للتهمة معينها من الأوراق، كان عرض أمره، على الجهة، التي أولاها المشرع مسئولية الفصل فيه لازما، وذلك بشرطين:

أولهما: أن تكون قضائية في تشكيلها وضماناتها.

ثانيهما: ألا يكون من بين أعضائها، من اتصل بإجراء سابق، على توليها لمهامها، سواء كان فحصا، أو تحقيقا، أو اتهاما.
وحيث إن الفصل في أمر عضو هيئة قضايا الدولة، الذي حصل على تقريرين متواليين، بدرجة أقل من المتوسط، أو على أربعة تقارير متوالية، بدرجة متوسط للاستمرار في عمله القضائي، معقود للجنة التأديب والتظلمات، المشكلة، على النحو المنصوص عليه في المادة (25) من قانون هيئة قضايا الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 75 لسنة 1963، إعمالا لنص المادة (27) منه، ولا يمنع من الجلوس في هذه اللجنة من سبق له فحص أعمال العضو والتفتيش عليه، أو رفع أمره إلى وزير العدل، ليطلب إلى اللجنة المشار إليها، النظر في أمره، لتقرر – بعد سماع أقوال العضو وثبوت صحة تقارير التفتيش عليه – إحالته إلى المعاش، أو نقله إلى وظيفة عامة أخرى. وكان الأصل أن من قام بفحص أعمال العضو، أو رفع الأمر إلى وزير العدل، يفترض فيه، أنه جال ببصره، في الحالة المعروضة ورجح – على ضوء اعتقاده – ما إذا كان بنيانها متماسكا أو متهادما، منتهيا من بحثه إلى رفع الأمر إلى وزير العدل، أو التخلي عنه، وكان ذلك لا يعدو أن يكون رأيا، مؤثرا في موضوعية تلك الخصومة، وحائلا دون تأسيسها، على ضمانة الحيدة، التي لا يجوز إسقاطها عن المتقاضين، لتسعهم، جميعا على تباينهم، فإن نص المادة (25) المطعون فيه، يكون، بذلك مخالفا لأحكام المواد 65، 67، 68 من الدستور.

فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولا: بعدم دستورية نص المادة 25 من قانون تنظيم هيئة قضايا الدولة الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 75 لسنة 1963، معدلا بالقانونين رقمي 65 لسنة 1976، 10 لسنة 1986 فيما تضمنه من:
(أ‌) أن يرأس لجنة التأديب والتظلمات – وهي تنظر في أمر عضو الهيئة، الذي حصل على تقريرين متواليين بدرجة أقل من المتوسط أو أربعة تقارير بدرجة متوسط – رئيس الهيئة، الذي رفع الأمر إلى وزير العدل.
(ب‌) أن تفصل اللجنة المشار إليها في هذا الطلب، ولو كان من أعضائها من شارك في فحص حالة العضو والتفتيش عليه.
ثانيا: بإلزام الحكومة بالمصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.