الأصل في الجرائم أنها تقوم من غير النظر الى شخصية الفاعل أو جنسة أو صفته أو وظيفته، انما ينظر الى السلوك الصادر عنه والى العناصر الثابتة في الجريمة فحسب. على ان المشرع في بعض الجرائم يتطلب أن تتوافر في الجاني صفة قانونية أو فعلية معينة، أي وصف معين أو وضع خاص، وفي هذه الحالة يلزم أن يعلم الجاني هذه الصفة أو ذلك الوصف ليقوم القصد الجرمي لديه (1) . هكذا نجد بأن ( المادة/377/1 عقوبات عراقي) تشترط لقيامها أن تكون صفة الجاني ((زوجة))، وأن تكون هذه الزوجة زانية، وكذلك (المادة /377/2 منه) تشترط لقيامها ان تكون صفة الجاني ((زوج))، وأن يكون قد زنى في منزل الزوجية. أما (المواد/288و293و305-308و315-320و322-341 منه) قد استلزمت في الجاني أن يكون (موظفاَ أو مكلفا بخدمة عامة)، وقضت (المادة 296 منه) بأن يكون الجاني ((مكلفاَ قانونياَ))، وقضت (المادة/297 منه) بان يكون الجاني طبيباَ أو قابلة. أما (المادة/267 منه) فقد فرضت في الجاني أن يكون قد ((هرب بعد القبض عليه أو حجزه أو توقيفه أو حبسه بمقتضى القانون)).

وكذلك اشترطت (المادة/157/1، والمادة/180 منه) ان يكون الجاني ((مواطـناَ))، و(المادة206/3 منه) اشترطت ان يكون ((مواطناَ يقيم في العراق))، و(المادة/10 منه) اشترطت ان يكون ((عراقياَ)). وقضت (المادة 204/1/ج منه) ((أن يكون الجاني أجنبياَ مقيماَ في العراق وكل عراقي ولو كان مقيماَ في الخارج)). واشترطت (المادة/393/1/ج منه) أن يكون الجاني ((من الموظفين أو من المكلفين بخدمة عامة أو من رجال الدين أو الأطباء))، واستلزام صفة ((التاجر)) في جريمة الافلاس بالتدليس وفق (المادة/468 عقوبات عراقي)، وكذلك اشتراط صفة ((العسكري)) في الجرائم العسكرية الواردة في قانون العقوبات العسكري العراقي رقم (13) لسنة 1940. وفي كل هذه الجرائم وما يماثلها يتطلب المشرع لقيامها أن يكون الجاني – عند مباشرة سلوكه- متصفاَ بوصف أو صفه أو تكييف معين صيرّه المشرع شرطاَ (أو عنصراَ) موضوعياَ مفترضاَ في الجريمة لا تقوم من دونه. وهذه الأوصاف والأوضاع اما أن تكون (قانونية) وأما أن تكون (طبيعية). فالأوصاف والأوضاع (القانونية ) التي أوردنا امثلتها آنفاَ، يرجع في تحديد معناها ومفهومها الى القانون الذي يخضع لحكمه، وذلك لأن قانون العقوبات قد أحالها اليها. هكذا تعد صفه (( الزوجية)) مثلا وصفاَ يلحقه بالجاني نص من نصوص قانون الأحوال الشخصية، وصفة ((الموظف أو المكلف بخدمة عامة)) تحددها نصوص القانون الاداري، وصفة ((المقبوض عليه)) تحددها نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، وصفة ((المواطن)) و((العراقي)) تحددها نصوص القانون الدستوري وقوانين الجنسية. وهذه كلها قوانين غير جنائية. بيد أن قانون العقوبات نفسه يمكن أن يتضمن أحياناَ تحديدأ للمقصود بالصفة أو التكييف أو الوضع أو الحالة أو العلاقة القانونية في ميدانه الخاص، ومثال ذلك ما أشارت اليه (المادة/19/1 عقوبات عراقي من تحديد لمعنى ((المواطن)) بقولها أن ((المواطن: هو أحد رعايا جمهورية العراق ويعتبر في حكم المواطن من لا جنسيه له اذا كان مقيماَ في الجمهورية))، وبقولها في الفقرة (2) أن ((المكلف بخدمة عامة: كل موظف أو مستخدم أو عامل أنيطت به مهمة عامة في خدمة الحكومة ودوائرها الرسمية وشبه الرسمية والمصالح التابعة لها أو الموضوعة تحت رقابتها ويشمل ذلك…))

أما بالنسبة للأوصاف والأوضاع الطبيعية ((غير القانونية))، فهي تكييفات تستنبط من بين ثنايا النص الذي يدل عليها بصورة ضمنية. ومن قبيل ذلك ما جاء في نص (المادة/417/1 عقوبات عراقي) بقولها: ((يعاقب بالحبس … كل امراة أجهضت نفسها عمداَ بأية وسيلة كانت أو مكنت غيرها من ذلك برضاها))، حيث يفهم من هذا النص أن الجانية يجب أن تتصف بأنها ((أنثى حامل)). كذلك صفة ((الذكورة)) التي استلزمها المشرع في نص (المادة/393 عقوبات عراقي) الخاصة بالاغتصاب واللواط وهتك العرض، كونها جريمة لا تقع من الأناث. وصفة ((الحدث)) في فاعل الجريمة الذي ينبغي أن يكون دون سن الثامنة عشر في قانون رعايه الاحداث العراقي رقم(76) لسنة 1983 (2) . وعلى ذلك، فان هذه الصفات والتكييفات القانونية والطبيعية التي جعلها المشرع بمثابة شرطاَ أو عنصراَ مفترضاَ يلزم توافره لقيام الجريمة، يتعين أن يعلم الجاني بها علماَ صحيحاً لحظة ارتكابه سلوكاً إجرامياً إرادياً، بحيث أن الاعتقاد الزائف الناجم عن الغلط في هذه الصفات والتكييفات يكون من شأنه نفي القصد الجرمي لدى الفاعل. وهكذا، ينبغي لتوافر القصد لدى المرأة وشريكها في جريمة الزنا المنصوص عليها في (المادة/377/1عقوبات عراقي) أن يثبت توافر علمها وقت إيتاء فعل الزنا بأنها متزوجة، وأن يعلم عشيقها أيضاً بذلك. فلو اعتقد أيهما بأن الزوج الغائب قد مات أو أنها مطلقة، فلا ينسب قصد ولامسؤولية لهما ولا يفرض عقاب. وهكذا يكون الحال في بقية الجرائم المماثلة، فالمرأة الحامل لا تعد مرتكبة لجريمة إجهاض نفسها المنضوية تحت نص (المادة/417/1عقوبات عراقي) ألا إذا كانت عالمة علماً فعلياً صحيحاً بأنها ((حامل))، فإذا كانت تعتقد غير ذلك وتناولت مواداً تفضي الى إجهاضها فلا ينسب قصد اليها. ولا يختلف الحال بالنسبة لجريمة هروب المقبوض عليهم أو المحجوزين أو المحبوسين بمقتضى القانون المنصوص عليها في (المادة/267عقوبات عراقي). فان قيامها مرهون بوجود وصف قانوني معين هو أن يكون الجاني قد ((قبض عليه أو تم حجزه أو توقيفه أو حبسه وفق القانون))، فاذا اعتقد الجاني اعتقاداً ناجماً عن غلط بأنه مجرد شاهد في القضية، فانه لا ينتسب قصد اليه. كما لا يعاقب وفق (المادة/269 منه) من كان مكلفاً بحماية شخص مقبوض عليه أو محجوز أو موقوف بمقتضى القانون أو بمراقبته أو بنقله وساعده في الهرب أو سهله له،الا اذا كان الجاني عالماً علمًا فعلياً صحيحاً بأنه ((مكلف بالحراسة)) أو المرافقة أو النقل تكليفاً صحيحاً صادراً ممن يملك التكليف،فان اعتقد الجاني بحسن نيّه اعتقاداً ناجماً عن غلط مبنياً على أسباب معقولة ومقبولة بأنه غير مكلف بذلك، فلا تقوم الجريمة يحقه لانتفاء القصد الجرمي لديه.

وفي جرائم أخرى كالرشوه في (المواد/307-309 عقوبات عراقي)، والاختلاس في (المواد/315-320 منه)، وتجاوز الموظفين حدود وظائفهم في (المواد/322-341 منه)، يبدو واضحاً أن المشرع قد استلزم فيها أن يكون الجاني – عند ارتكابه السلوك الاجرامي- متصفاً بصفه ((الموظف أو المكلف بخدمة عامة))، الأمر الذي يعني أن الجاني اذا لم يكن متصفاً باٍحدى هذه الصفات عند قيامه بالفعل المكون لاحدى هذه الجرائم، لا تقوم الجريمة بحقه وان كانت له هذه الصفه من قبل ثم زالت عنه بسبب الفصل أو الاستقالة، مثلما لاينسب القصد الجرمي اليه اذا اعتقد اعتقاداً مغلوطاً مبنياً على أسباب معقولة بأنه ليس موظفاً أو مكلفاً يخدمة عامة، في حين أنه كذلك. والمشرع في جريمة الرشوة (المادة/307 عقوبات عراقي)، وفي جريمة التزوير في محرر رسمي (المادة/288 منه)، يستلزم فضلاً عن توافر صفه الموظف أو المكلف بخدمة عامة في الجاني أن يكون موصوفاً بأنه ((مختص)) بالعمل ذو الصلة بالجريمة، وذلك يعني أن الفعل أو الامتناع الجرمي ينبغي أن يكون متعلقاً بعمل يدخل ولو جزئياً في اختصاصه الوظيفي. وهذا الاختصاص تحدده القوانين واللوائح والأوأمر والتعليمات الادارية أو تحدده أعمال الخدمة العامة التي يكلفه بها رؤساؤه تكليفاً صحيحاً مشروعاً. فاذا اعتقد المتهم اعتقاداً ناجماً عن غلط صادر عن حسن نيّة ومبنياً على أسباب معقولة بأنه لم يكن مختصاً ولم يزعم أنه مختص، بكونه (موظفاً أو مكلفاً بخدمة عامة) قد زالت عنه بمجرد الاستقالة التي قدمها، في حين كان يعتقد أنه قد فصل من وظيفته في حين أن الواقع غير ذلك، أو كان يعتقد أنه لم يعين بعد في الوظيفة، في حين كان قرار تعينه قد صدر من دون أن يعلم به، أو اعتقد أن الشخص الذي كلفه بالعمل لا يمتلك قانوناً أن يكلفه به، أو كان يعتقد أنه لم يكلف بعد بالخدمة الوظيفية العامة، فان القصد الجرمي لا يقوم لديه في كل هذه الحالات وما يماثلها، كالاعتقاد الزائف بأن العمل الذي قام به أو امتنع عنه يتعلق باختصاص خارج عن وظيفته التي يشغلها (3) .

وصفوة القول، أن المشرع يمكن أن يحدد في الأَنموذج القانوني للجريمة شرطاً (عنصراً) موضوعياً مفترضاً يتطلب وجوده كصفة في الجاني عند مباشرته سلوكاً جرمياً، وعند ذلك يتعين أن يعلم الجاني به وبماهيته الحقيقية علماً فعلياً حقيقياً صحيحاً، والا فان غلطه المبرر في ذلك الشرط المفترض يمكن أن ينفي القصد الجرمي عن الجاني ويمنع عنه المسؤولية العمدية. ومن قبيل ذلك في التشريع الجنائي العراقي ماورد في (المادة/247 عقوبات) بقولها: ((يعاقب… كل من كان ملزماً قانوناً باخبار أحد المكلفين بخدمة عامة عن أمر ما أو أخباره عن أمور معلومة فامتنع قصدا عن الاخبار بالكيفية المطلوبة وفي الوقت الواجب قانوناً، وكل مكلف بخدمة عامة منوط به البحث عن الجرائم وضبطها أهمل الاخبار عن جريمه اتصلت بعلمه…)). وماورد في (المادة/444 عقوبات) بقولها ((يعاقب …على السرقة… سادساً – اذا ارتكبت من خادم اضراراً بمخدومه أو من مستخدم أو صانع أو عامل في معمل أو حانوت من استخدمه أو المحل الذي يشتغل فيه عادة…ثامناً – اذا ارتكبت من موظف أو مكلف بخدمة عامة أثناء تأدية عمله أو من شخص انتحل صفه عامة أو ادعى أنه قائم أو مكلف بخدمه عامة)). وكذلك ماورد في(المادة/498 عقوبات) بقولها 🙁(يعاقب…كل صاحب مهنة طبية أو صحية وجد بميت أو بمصاب باصابة جسيمة أثناء قيامه بالكشف عليه أو باسعافه علامات تشيرالى أن وفاته أو اصابته نتجت عن جريمة أو…)). وكذلك ما أشارت اليه (المادة/120 عقوبات عسكري) بقولها ((1- كل من كان أمر لمخفر أو لمفرزة أو لقطعة عسكرية مكلفة بالقيام بوظيفة خاصة، وكذلك كل من كان حارساً ونتج عن تمـــــــــــــاهله أوقصده أن جعل نفسه غير قادر على القيام بوظيفته أو ترك محل حراسته أو قام بأعمال مخالفة للتعليمات الصادرة اليه وكان من المحتمل أن ينشأ ضرر من ذلك يعاقب…))، و(المادة/123 عقوبات عسكري) بقولها: ((يعاقب عقاب الفاعل الأصلي من كان أمراً لمخفر أو مفرزة أو لقطعة عسكرية مكلفة بالقيام بوظيفة خاصة وكذلك كل من كان حارساً وتغاضى عن ارتكاب جريمة كان بوسعه منعها أو كان مكلفاً بمنعها)).

__________________

1- د. فخري عبد الرزاق الحديثي-شرح قانون العقوبات/القسم الخاص-مطبعة الزمان-بغداد-1996 _ص 278وما. بعدها. وينظر د. محمود نجيب حسني-شرح قانون العقوبات/القسم العام-ط5-مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي-1982_ ص 566

2- نصت المادة /3 من قانون رعاية الأحداث على ما يلي:-((يسري هذا القانون على الحدث الجانح وعلى الصغير والحدث المعرضين للجنوح وعلى أوليائهم، بالمعاني المحددة أدناه لأغراض هذا القانون :أولاَ-يعتبر صغيرا من لم يتم التاسعة من عمره. ثانياَ-يعتبر حدثاَ من أتم التاسعة من عمره ولم يتم الثامنة عشر. ثالثاَ-يعتبر الحدث صبياَ اذا أتم التاسعة من عمره ولم يتم الخامسة عشرة. رابعاَ-يعتبر الحدث فتى اذا أتم الخامسة عشرة من عمره ولم يتم الثامنة عشرة. خامساَ-يعتبر ولياَ، الأب والأم أو أي شخص ضم اليه صغير أو حدث أو عهد اليه بتربية أحدهما بقرار من المحكمة)). وينظر بالنسبة لموقف القانون المصري من الصفات القانونية والطبيعية: د.عبد العظيم مرسي وزير –المصدر السابق –ص 71 ومابعدها.

3- يُنظر د. محمد زكي محمود-آثار الجهل والغلط في المسؤولية الجنائية-دار الفكر العربي للطباعة والنشر-1967 -ص166-172 فيما يتعلق بموقف القانون المصري.

المؤلف : مجيد خضر احمد عبد الله
الكتاب أو المصدر : نظرية الغلط في قانون العقوبات

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .