إشكالية المحكمة الإتحادية العليا

المادة (92):
اولاً :ـ المحكمة الاتحادية العليا هيئةٌ قضائيةٌ مستقلة مالياً وإدارياً.
ثانياً :ـ تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الاسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب.

تعتبر إشكالية المحكمة الإتحادية العليا واحدة من جملة الإشكاليات الأخرى التي يزدحم بها الدستور العراقي النافذ لعام/2005، والتي يحتدم حولها الجدل بين القوى السياسية العراقية دون توقف، الأمر الذي ينعكس في أغلب الأوقات في أزمة خانقة بين تلك الكتل السياسية، لدرجة تتناسى فيه أمر الدستور، وتذهب تفتش عن حلول للخروج من الأزمات التي تجد نفسها قد وقعت في شباكها، الى البحث في دهاليز التوافقات التي تؤمن لها، وفي الحدود الدنيا، الحفاظ على مصالحها الخاصة، حتى لو تعارضت تلك التوافقات مع المباديء التي قد رسمها الدستور، والتي سبق وأن أقرتها عند كتابتها لهذا الدستور..!!؟

وليس من باب المبالغة القول؛ بأن جذر أغلب الإشكاليات التي تقف وراء تلك الأزمات، يرجع في أسبابه الى الدستور نفسه، سواء من جهة الصياغة، أو من جهة المضمون، أو حتى من جهة القصد؛ وما إشكالية المحكمة الإتحادية العليا، إستثناء من ذلك..!

فنص المادة / 92 من الدستور في تركيبتها الثنائية والمتعلقة بتعريف المحكمة وبنائها الهيكلي، تتعارض من حيث الجوهر مع نفسها، بحيث يبدو وكأن المشرع كان يستهدف تحقيق حالة من الإنسجام مع نص المادة (2) من الدستور، فأثقل النص بما يتعارض مع مضمون الفقرة ( أولا ) من المادة (92) المتعلقة بتعريف (المحكمة الإتحادية العليا)، مما خلق جذر إشكالية الإختلاف في تفسير النص عند محاولة تشريع القانون الخاص بالمحكمة في مجلس النواب، وهذا ما يتعلق بما ورد في نص الفقرة ( ثانياً) من المادة/ 92 آنفة الذكر..!

لقد حددت الفقرة (أولاً) من المادة / 92 ماهية (المحكمة الإتحادية العليا)، بإعتبارها [ هيئة قضائية مستقلة مالياً وإدارياً ]، فكونها (هيئة قضائية) حصراً (محكمة)، فمن المسلم به أن أعضاء هذه الهيئة هم من (القضاة)، وبالتالي فإن حق التصويت على قرارات (المحكمة) سيكون هو الآخر منوط بأعضاء المحكمة من القضاة حصراً طبقاً للنص المذكور، وأي تفسير آخر يعطي لغيرهم من خبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء في القانون، من المذكورين في نص الفقرة ( ثانياً ) من المادة / 92 نفس الحق المذكور، على أساس أنهم أيضاً وطبقاً لنص الفقرة (ثانياً)، أعضاء في نفس الهيئة، ولهم ما لغيرهم من القضاة من الحقوق، وبالتالي يمكنهم من ممارسة حق (الإعتراض) أو (الفيتو) لأي من القرارات التي تتخذها الهيئة، وذلك طبقاً للأساس المذكور، ليبدو الأمر وكأنه من الناحية الشكلية يبدو منسجماً مع منطوق الفقرة (ثانياً) من المادة الدستورية أعلاه، ولكنه في الحقيقة ومن حيث المضمون ومجاراة مع قصد المشرع في تعريفه (المحكمة) بأنها (هيئة قضائية) كما جاء في الفقرة (أولاً)، سوف يجد المرء نفسه وقد وقع في إشكالية التعارض بين مقتضى النص الدستوري في الفقرتين أولاً وثانياً من المادة/ 92 من الدستور، فلا تظهر (المحكمة) كهيئة قضائية طبقاً للفقه القضائي والقانوني، ولا هي هيئة إستشارية أو مجلس رقابي بالمفهوم العام، وتبدو إجمالاً وطبقاً لنص الفقرتين ( أولاً وثانياً ) من المادة/92 ، وكأنها خليط غير متجانس لأفكار متعارضة، تجد جذورها في الديباجة، وفي نص المادة/2 من الباب الأول من الدستور، ومن هنا جاءت إشكالية قانون المحكمة الإتحادية العليا المزمع النظر في أمر تشريعه أمام البرلمان، والذي وكما يرى بعض المتخصصين من رجال القضاء والقانون، أن يجر ذلك الى جدل واسع وتعارض في الأفكار والإجتهادات عند التطبيق..!؟(*)

فالفقرة/ ثانياً من المادة الدستورية آنفة الذكر ، قد جاءت إنعكاساً لحالة التوازن الهش والصراع بين ما يفترض أن تهدف له “العملية السياسية” من عملية التغيير بإتجاه بناء أسس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وبين ما تحاول تثبيته قوى التخلف والتشبث بالقديم؛ وهي في جوهرها لا تخرج بعيداً عن النهج التوافقي الذي كتبت به أغلب النصوص الخلافية في دستور/ 2005 لإقراره والتصويت عليه على وجه السرعة..!؟

هذا وفي نفس الوقت، هناك من يرى من رجال السياسة والبرلمان ، [[ان المحكمة الاتحادية الحالية مسيسة وتعمل بشكل مفضوح على خدمة الحكومة من خلال فرض امور معينة على مجلس النواب في كل مرة.
وطالب النائب الملا خلال مؤتمر صحفي عقده، اليوم الثلاثاء في بغداد، اعضاء البرلمان الى الاسراع بتشريع قانون المحكمة الاتحادية الجديدة للتخلص من المحكمة الحالية باسرع وقت ممكن.]](**)

خلاصة الأمر؛ فإن إشكالية المحكمة الإتحادية العليا، ستظل أحدى مظاهر الصراع المحتدم أواره بين الكتل السياسية المتحكمة بمفاصل “العملية السياسية، فبدلاً من أن تكون تلك المحكمة عاملاً في حل النزاعات بين تلك القوى، تراها تتحول الى جزء من المشكلة، بعد أن أصبح الركون اليها من قبل تلك الكتل ضرورة ملحة للإحتكام فيما بينها في إيجاد الحلول المناسبة لإخراجها من خندق الأزمات المتواصلة دون إنقطاع، فهل ياترى سيجد مجلس النواب مفتاح الحل المناسب لمثل تلك الإشكاليات، وتجنيب البلاد مخاطر تلك الأزمات..؟!!
29/8/2012