بقلم ذ/ أحمد دحمان
رئيس غرفة بمحكمة النقض

تمهيد:
لقد سن المشرع المغربي نظام التحفيظ العقاري لأول مرة بموجب ظهير 9 رمضان 1331 الموافق 12 غشت 1913، الذي نص الفصل الأول منه على أنه ” يقصد من التحفيظ جعل العقار المحفظ خاضعا لنظام هذا الظهير من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد “.

وقد أدخل المشرع عدة تعديلات على القانون المذكور كان آخرها القانون رقم 07-14 الذي جاء بعدة مستجدات بقصد ملاءمة القانون مع التطور الذي عرفه الميدان العقاري.

وتحفيظ العقارات سواء كانت فلاحية أو بنايات أو أراضي عارية ينتهي بتأسيس رسم عقاري يتضمن الوضعية المادية للعقار من حيث موقعه ومساحته وحدوده، وكذا وضعيته القانونية، ببيان مالكه ونطاق ملكيته والحقوق العينية المترتبة عليه لفائدة الأغيار في حالة وجودها،

كما أن تحفيظ العقار يجعله خاضعا لوضع أكثر استقرارا وثقة تترتب عليه نتائج هامة من أبرزها تعبئة العقار ليستخدم كوعاء لمشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويشجع ويسهل عملية اتخاذ القرار على مستوى تدبير وتنظيم العقار وتهيئته الترابية، ويضمن حق الملكية واستقراره، ويتيح إمكانية تحويله إلى وسيلة للائتمان عن طريق الرهن الرسمي مقابل قروض.

غير أن إخضاع العقار لنظام التحفيظ يتطلب إتباع مسطرة خاصة قبل تأسيس الرسم العقاري، تقوم على النشر الواسع والإعلان والتحديد، وذلك حتى لا يتضرر الأغيار من قاعدة التطهير التي تنتهي إليها إجراءات المسطرة، والتي هي من أهم خاصيات التحفيظ العقاري،

بحيث يسمح لكل من ينازع في ملكية العقار المراد تحفيظه أو في مدى هذا الحق أو في حدود العقار، وكذا لكل من يدعي حقا عينيا على العقار المراد تحفيظه، أو من ينازع في حق وقع الإعلان عنه طبقا لفصل 84 من القانون العقاري الجديد، أن يتعرض على مسطرة التحفيظ، والتعرض هو وحده الوسيلة التي بواسطتها يستطيع المتعرض منازعة طالب التحفيظ، وقد اعتبر المجلس الأعلى سابقا في أحد قراراته:

” لا يقوم التدخل الإرادي مقام التعرض بوصفه الوسيلة القانونية الوحيدة في المنازعة في أحقية طالب التحفيظ في المدعى فيه “[1].

وسأحاول في هذه المداخلة التطرق إلى موضوع التعرضات وقرارات المحافظ بشأنها في فرعين نخصص الفرع الأول لتقديم التعرضات والثاني لقرارات السيد المحافظ على الأملاك العقارية بشأنها مع إبراز المستجدات التي جاء بها القانون رقم 07-14 وعمل محكمة النقض في الموضوع.

الفرع الأول: تقديم التعرضات
إن التعرض وسيلة لمنازعة طالب التحفيظ في مشروعه الرامي إلى تحفيظ العقار، ولا يمكن تأسيس رسم عقاري للعقار إلا بعد إنهاء التعرض سواء برفعه من طرف طالب التحفيظ أو بقبوله إياه أو بإلغائه أو بالبت فيه قضائيا بشكل نهائي.

وبما أن التعرض كوسيلة للمنازعة ويترتب عليه وقف إجراءات التحفيظ، فإن القانون أخضعه لعدة شروط وآجال يتعين احترامها، كما أن شكلياته وآجاله تختلف بينما إذا كان التعرض مقدم في مواجهة مطلب تحفيظ قيد وفق المسطرة العادية، وبين التعرض المقدم في إطار مساطر التحفيظ الإجبارية، وعليه سنتناول هذا الفرع في المواضيع التالية:

الأشخاص الذين يحق لهم تقديم التعرض.
كيفية تقديم التعرض ومؤيداته والجهة المختصة بتلقيه.

أجل التعرض
التعرض في إطار مساطر التحفيظ الإجبارية.
المبحث الأول: الأشخاص الذين يحق لهم تقديم التعرض
لقد نص الفصل 24 من القانون رقم 07-14 على ما يلي:

“يمكن لكل شخص يدعي حقا على عقار تم طلب تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ خلال أجل شهرين يبتدئ من يوم نشر الإعلان عن انتهاء التحديد في الجريدة الرسمية إن لم يكن قام بذلك من قبل وذلك:

في حالة المنازعة في وجود حق الملكية لطالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار.

في حالة الادعاء باستحقاق حق عيني قابل للتقييد بالرسم العقاري الذي سيقع تأسيسه.

في حالة المنازعة في حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84 من هذا القانون. “

إن الفصل 24 المذكور والذي أعيدت صياغته وأضيفت له الفقرة الأخيرة أعطى حق التعرض لكل من:

أولا: الشخص الذي ينازع طالب التحفيظ في حق الملكية سواء كانت هذه المنازعة كلية بموجبها يدعي المتعرض ملكيته لكافة العقار محل المطلب – التعرض الكلي– أو منازعة جزئية ينحصر نطاقها في جزء معين من العقار – التعرض الجزئي – وقد أوجب الفصل 20 من القانون رقم 07-14 على المهندس المساح الطبوغرافي المنتدب وضع الأنصاب لتحديد المحيط الذي عينه طالب التحفيظ أو لضبط القطع المشمولة به والتي تكون محل تعرضات من طرف الغير وأن يضع تصميما موجزا يسمى التصميم المؤقت للتحديد.

وقد نص الفصل 25 على أنه إذا كان التعرض جزئيا ولم يتم تحديده بكيفية صحيحة أثناء إجراء عملية التحديد فإن هذه العملية تباشر على نفقة المتعرض، وإذا تعذر تحديد الجزء محل النزاع، فإن المحافظ على الأملاك العقارية يحيل ملف المطلب على المحكمة المختصة ( المحكمة الابتدائية الواقع بدائرتها العقار محل المطلب )[2] ويمكن للقاضي المقرر الذي أحيل عليه الملف أن ينجز هذا التحديد طبقا لمقتضيات الفصل 34 من هذا القانون.

وإذا كانت الفقرة الأخيرة من الفصل 25 من القانون رقم 07-14 قد جعلت تحديد الجزء المتعرض عليه من طرف القاضي المقرر في حالة إحالة الملف من المحافظة دون تحديد كون الأمر اختياريا حسب صياغتها، فإننا نرى أن عملية التحديد هذه تكون إلزامية في بعض الحالات، خاصة إذا لم يكن التعرض من أجل المطالبة بحقوق مشاعة وذلك بالنظر لما نص عليه الفصل 37 من نفس القانون الذي جاء في الفقرة الثالثة منه:

” تبين المحكمة في حكمها حدود ومساحة الأجزاء المحكوم بها لفائدة المتعرضين، وفي حالة الشياع نصيب كل واحد منهم “.

وعليه فإن المحكمة لا يكون بوسعها تحديد نطاق التعرض إذا لم يكن مبينا مساحة وحدودا، وبالتالي فإن على القاضي المقرر بعد إحالة الملف عليه أن يستدعي الأطراف وأن يقوم بالانتقال إلى عين المكان بعد إصدار أمر تمهيدي بذلك، ليجري البحث ويطبق الرسوم بمساعدة مهندس مساح بعد الاتفاق مع المحافظ على الأملاك العقارية من أجل تعيينه لينجز هذا الأخير بحضور القاضي المقرر والأطراف في حالة حضورهم أو ثبوت توصلهم تحديد الجزء موضوع التعرض وأن يضع العلامات الدالة على نطاقه وموقعه.

ثانيا: الشخص الذي ينازع طالب التحفيظ في مدى حق ملكيته كالشريك على الشياع إذا تجاوز طالب التحفيظ حصته في العقار المشترك.

الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من القانون العقاري الجديد
ثالثا: الجار الذي ينازع طالب التحفيظ في حدود العقار ويدعي أن المطلب تجاوز إلى جزء من عقاره، وقد أثبت الواقع العملي أن هذا النوع من التعرضات يشكل نسبة مهمة من المنازعات التي تقدم ضد مطالب التحفيظ، وأن حلها يصعب أحيانا لكون المساحات المبينة في حجج الأطراف تكون على وجه التقريب،

أو تكون بوحدات قياس عرفية ( كزريعة كذا قمح أو شعير أو مساحة فردية من الماء أو مساحة حرث زوج وغيرها من تعابير القياس العرفية )، وعليه فإنه يستحسن في حالة التعرضات المقامة من الجوار أن تقوم المحكمة ببحث بعين المكان للتأكد من الحيازة والوقوف على العناصر الدالة عليها في حالة وجودها والاستماع إلى الشهود خاصة من جيران الملك للتأكد من حدود عقار كل طرف.

رابعا: المتعرض الذي يدعي ملكيته لحق من الحقوق العينية العقارية القابلة للتسجيل كحق الارتفاق وحق الانتفاع والزينة وغيرها من الحقوق المنصوص عليها في الفصل 9 من القانون 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية.

خامسا: المتعرض على حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84 من القانون 07-14، ذلك أنه بموجب الفصل المذكور إذا نشأ على عقار في طور التحفيظ حق خاضع للإشهار أمكن لصاحبه، من أجل ترتيبه والتمسك به في مواجهة الغير، أن يودع بالمحافظة العقارية الوثائق اللازمة لذلك ويقيد هذا الإيداع بسجل التعرضات.

وعند التحفيظ يقيد الحق المذكور بالرسم العقاري في الرتبة التي عينت له إذا سمحت إجراءات المسطرة بذلك، ويلاحظ أن قانون التحفيظ العقاري السابق كان يقصر التعرض على الأشخاص الذين ينازعون طالب التحفيظ في حق الملكية أو نطاقها أو في حدود العقار المطلوب تحفيظه، أو ممن يدعون حقوقا عينية عقارية قابلة للتسجيل، بينما القانون الجديد أضاف بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 24 صنفا جديدا من المتعرضين والذين لا ينازعون في مطلب التحفيظ، وإنما ينازعون أصحاب الحقوق المودعة طبقا للفصل 84.

والملاحظ أن الفقرة الأخيرة من الفصل 24 من القانون العقاري نصت على حق التعرض بالنسبة للأشخاص الذين ينازعون في حق وقع إيداعه طبقا للفصل 84 من نفس القانون، ولم تشر إلى من ينازعون صاحب حق وقع إنشاؤه أو تغييره أو الإقرار به أثناء مسطرة التحفيظ في نطاق الفصل 83، ذلك أن الفصل المذكور أعطى لصاحب حق وقع إنشاؤه أو تغييره أو الإقرار به أثناء مسطرة التحفيظ أن يطلب نشره بالجريدة الرسمية بعد إيداع الوثائق المثبتة للحق بالمحافظة العقارية.

وعلى الأشخاص الذين ينازعونه في هذا الحق أن يتعرضوا داخل أجل شهرين تبتدئ من تاريخ نشر الإعلان عن انتهاء التحديد بالنسبة للحق المذكور، ولا تقبل إلا التعرضات المنصبة مباشرة على الحق المنشأ أو المغير أو الذي وقع الإقرار به.

والملاحظ أن الفقرة الأخيرة من الفصل 24 وكذا الفصل 83 من القانون 07-14 قد خلقا وضعية قانونية من شأنها التأثير أحيانا على مصلحة طالب التحفيظ، وذلك في حالة كون التعرض موجه ضد أصحاب الحقوق المودعة طبقا للفصل 84 فقط، أو الحقوق المنشأة أو المغيرة أو التي وقع الإقرار بها في نطاق الفصل 83، دون وجود أي تعرض على المطلب.

بحيث أن إجراءات المطلب تتوقف في انتظار البت في التعرض المقدم ضد صاحب الحق العيني المودع أو صاحب الحق المنشأ أو المغير أو المقر به والذي يكسب صاحبه صفة طالب التحفيظ في حدود الحق المعترف به حسب ما يقضي بذلك الفصل 83 من نفس القانون.

وقد أجاز القانون 07-14 في الفصل 26 منه تقديم التعرض باسم الغير، ويتعين على مقدم التعرض أن يثبت هويته وهوية من يتعرض باسمه، وأن يدلي بالوثائق المثبتة لنيابته، وإذا كان الأمر يتعلق بوكيل فإن عليه الإدلاء بالوكالة التي تخوله صلاحية تقديم التعرض ويشار فيها إلى العقار المراد التعرض عليه وإلى رقم المطلب وذلك لسد الطريق على كل من يسعى إلى عرقلة إجراءات التحفيظ وتقديم التعرض باسم الغير دون تكليف حقيقي.

كما أعطى القانون صلاحية التعرض للأوصياء والممثلين الشرعيين ووكيل الملك والقاضي المكلف بشؤون القاصرين والقيم على أموال الغائبين والمفقودين باسم المحجورين والغائبين والمفقودين والغير الحاضرين.

وإذا كان المتعرض شخصية معنوية فإن التعرض يقدم من طرف ممثله القانوني الذي يتعين عليه الإدلاء بالوثائق المثبتة لهويته، وبما يفيد نيابته كالقوانين التأسيسية ومحاضر الجموع العامة أو محاضر مجلس الإدارة حسب الحالة، وشهادات التقييد بالسجل التجاري إذا كان الأمر يتعلق بشخصية معنوية أوجب القانون تسجيلها بالسجل التجاري.

9 وسواء قدم التعرض باسم المتعرض شخصيا أو باسم الغير أو النائب القانوني فإنه يتعين أداء الرسوم القضائية أو الإدلاء بما يفيد الإعفاء منها بناء على قرار بالمساعدة القضائية.

المبحث الثاني: كيفية تقديم التعرض ومؤيداته والجهة التي يقدم أمامها

1 – كيفية تقديم التعرض ومؤيداته.

يقدم التعرض من المعني بالأمر عن طريق تصريح كتابي أو شفوي إما للمحافظ على الأملاك العقارية، وإما إلى المهندس المساح الطبوغرافي المنتدب أثناء إجراءات التحديد، كما يمكن تقديمه بواسطة محام نيابة عن موكله إما شفويا أو بواسطة كتاب يودعه بالمحافظة العقارية، والتصريح الكتابي المحرر من طرف المتعرض بصفة شخصية، يجب أن يتضمن هويته كاملة من اسمه ونسبه وحالته العائلية وحرفته وأن يشير إلى عنوانه الذي تبلغ له فيه إجراءات المسطرة، وأن يبين فيه المتعرض اسم الملك ورقم مطلب التحفيظ والحق موضوع التعرض، وأن يقدم الوثائق المثبتة لهويته والحجج المؤيدة لتعرضه من رسوم وملكيات وإراثات وغيرها من السندات التي يرى أنها مؤيدة لتعرضه.

أما إذا قدم التصريح بالتعرض شفويا فإن متلقيه يضمن البيانات اللازمة بشأن صاحبه، مع بيان الوثائق المدلى بها من طرفه ويقدمه للمتعرض للتوقيع عليه، ويسلم له نظيرا يبقى بحوزته.

وإذا كان القانون قد نص على تقديم التعرض كتابة أو شفويا للمحافظ أو للمهندس المساح، فهل يمكن إرسال التصريحات بالتعرض عن طريق البريد أو وسائل التبليغ الأخرى؟

نرى أنه إذا تعذر على المتعرض الحضور إلى المحافظة العقارية أو أمام المهندس المساح لتقديم التعرض، فيمكنه تحرير التصريح بالتعرض بالبيانات الإلزامية وأن يصادق فيه على توقيعه أمام السلطات المحلية وأن يرفقه بالوثائق المثبتة لهويته والحجج المؤيدة للتعرض وأن يرسله إلى المحافظة العقارية المفتوح أمامها المطلب على أن تتوصل به داخل الأجل لتقييده بسجل التعرضات.

2- الجهة التي يتعين تقديم التعرض أمامها
لقد كان القانون القديم يسمح بتقديم التعرضات أمام المحافظة العقارية وأمام المهندس القائم بالتحديد وأمام المحكمة الابتدائية ( محاكم السدد بتعبير النص القديم ) وبمكاتب السلطة المحلية (القائد أو الباشا) وبمركز قاضي التوثيق على أن تتولى الجهة التي قدم لها التعرض إرساله إلى المحافظة العقارية.

أما القانون رقم 07-14 فقد حدد في الفصل 25 الجهة التي يقدم التعرض أمامها وحصرها في المحافظ العقاري والمهندس المساح الطبوغرافي المنتدب أثناء إجراءات التحديد، ونرى أن هذا التعديل في محله، لأن التعرض يجب أن يقدم أمام الجهة المختصة لتبقى مسؤولة عليه، ولتفادي ضياعه أمام جهات إدارية أخرى، كما أن الدولة وفي إطار تقريب الإدارة من المواطنين عملت على إحداث العديد من المحافظات وفي كل أقاليم المملكة ولم يبق أي مبرر لتقديم التعرض لجهة إدارية غير المحافظة المعنية بذريعة بعد مقر المحافظة على المتعرض.

المبحث الثالث: أجل التعرض
يمكن للمتعرضين على مطلب التحفيظ أن يتقدوا بتعرضاتهم منذ تاريخ إيداع المطلب بالمحافظة العقارية وإلى غاية نشر الإعلان المنصوص عليه في الفصل 23 من القانون 07-14 بالجريدة الرسمية، وبعد هذا النشر يحدد أجل تقديم التعرضات في شهرين حسب ما هو منصوص عليه في الفصل 27 من نفس القانون والذي جاءت مقتضياته مطابقة لما كان عليه النص في القانون القديم.

وبعد انصرام الأجل المذكور يمكن للمحافظ على الأملاك العقارية أن يقبل التعرض بصفة استثنائية شريطة أن لا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية.

وعلى المتعرض أن يدلي للمحافظ بالوثائق المبينة للأسباب التي حالت دون تقديمه التعرض داخل الأجل القانوني، وبالمستندات المعززة لتعرضه، كما يتعين عليه أن يؤدي الرسوم القضائية وحقوق المرافعة، أو يثبت حصوله على المساعدة القضائية.

وقد نسخ القانون الجديد مقتضيات الفصل 29 القديم، الذي كان يثير عدة إشكالات عملية تتمثل بالأساس في حدود صلاحيات السيد وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية التي أحيل عليها ملف المطلب بإصدار قرار من أجل قبول التعرض بصفة استثنائية بالنسبة للمتعرضين الذين لم يتمكنوا من تقديم تعرضاتهم داخل الأجل، ذلك أن فتح هذا الأجل كان يتسبب في تأخير البت في النزاع خاصة أن بعض القرارات بفتح أجل التعرض كانت تتخذ بعد أن تكون القضية جاهزة للحكم فيها، وبعد قيام المحكمة بإجراءات التحقيق من معاينات وخبرات وأبحاث،

مما يفرض عليها أحيانا إعادة نفس الإجراءات بالنسبة للتعرض الجديد، كما أن بعض القرارات اتخذت بعد أن أصبح الملف معروضا على محكمة الاستئناف، وأن بعض المحاكم كانت تعيد ملف المطلب إلى المحافظ على الأملاك العقارية من أجل تقييد التعرض الجديد الذي صدر به قرار السيد وكيل الملك، وقد يحدث أحيانا أن تتكرر طلبات فتح أجل التعرض وتصدر قرارات السيد وكيل الملك في فترات متباعدة مما يستدعي إرجاع الملف إلى المحافظة العقارية مرات متعددة بعدد القرارات المتخذة.

كما أن صياغة الفصل القديم كانت تثير إشكالا أمام المحافظين وأمام القضاء فيما يخص قرار قبول التعرض الاستثنائي وهل هو مشروط بتقديم تعرضات نظامية داخل الأجل أم أنه يمكن فتح أجل استثنائي ولو لم تكن هناك أية تعرضات؟
لقد كان الفصل 29 من القانون القديم ينص على أنه بعد انصرام الأجل المنصوص عليه في الفصل 27 يمكن أن يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ ما دام الملف لم يوجه إلى كتابة ضبط المحكمة الإقليمية وكذا بعد توجيهه إذا اتخذ وكيل الدولة قرارا بذلك.

فعبارة ما دام الملف لم يوجه إلى المحكمة فسرها بعض المحافظين وجانب من القضاء بأن فتح الأجل الاستثنائي مشروط بوجود تعرضات سابقة واستدلوا على ذلك بكون الملف لا يوجه إلى المحكمة إلا إذا كانت هناك تعرضات. وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى سابقا ما يلي.

“إن السماح للمحافظ على الأملاك العقارية بقبول التعرض خارج الأجل – بصفة استثنائية– ما دام الملف لا زال موجودا بين يديه ولم تتم إحالته بعد على كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية، فإن ممارسة هذا الاستثناء مشروط بوجود تعرض أو تعرضات سابقة قدمت داخل الأجل، لأنه لا يتصور قيام المحافظ بتوجيه الملف إلى المحكمة إلا بوجود تعرضات مسجلة داخل الأجل وهي الحالة التي لا يمكن تطبيق مقتضيات الفصل 29 إلا في إطارها”[3] .

أما الفصل 29 من القانون الجديد فقد نص على إمكانية قبول التعرض الاستثنائي ولو لم يرد على المطلب أي تعرض سابق.

والجدير بالملاحظة أن العمل القضائي استقر على كون محكمة التحفيظ المحال عليها الملف من أجل البت في التعرضات، لا تراقب شكليات التعرض التي تبقى من اختصاص المحافظ وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى:

“إن المحكمة وهي تبت في قضايا التحفيظ العقاري إنما تبت في وجود الحق المدعى به من قبل المتعرضين ونوعه ومحتواه ومداه بعد إحالة المحافظ ملف المطلب عليها للبت في تلك التعرضات طبقا للفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري، ولا تبت في قبول أو عدم قبول التعرض الذي هو من اختصاص المحافظ العقاري بمقتضى الفصل 29 من نفس القانون.”[4]

وقد جاء في قرار آخر صدر عن محكمة النقض بتاريخ 13/03/2012 في الملف عدد781-1-8-2011 ما يلي: ” لكن ردا على الفرع من الوسيلة فإن المحكمة لا سلطة لها في مراقبة شكليات التعرض التي تبقى من صلاحيات المحافظ، فضلا عن ذلك فإن المحافظ في نازلة الحال قيد التعرض خارج الآجال بقرار منه في إطار الفصل 29 من التحفيظ العقاري وذلك حسب القرار المؤرخ في 09/04/1981 حسب ما هو ثابت من الوثيقة رقم 16 من ملف المطلب ويكون بذلك الفرع من الوسيلة على غير أساس من جهة وخلاف الواقع من جهة أخرى.”

المبحث الرابع: التعرض في إطار مساطر التحفيظ الإجبارية
تعتبر عملية التحفيظ عملية اختيارية من حيث المبدأ، بحيث لا يلزم المالكون على تحفيظ عقاراتهم، غير أنه توجد حالات استثنائية تفرضها قوانين الأنظمة العقارية المتعددة في نظامنا العقاري، بحيث يكون المالك ملزما بتقديم مطلب لتحفيظ عقاره، كما هو الحال بالنسبة للمناطق الخاضعة لضم الأراضي في نطاق ظهير 30/06/1962، والمناطق الخاضعة للضم الإجباري في نطاق القانون رقم 07-14، وحالة التعرض على التحديد الإداري لعقارات الجماعات السلالية والأراضي الغابوية.

وإذا كان القانون قد حدد مسطرة التحفيظ في الحالات الإلزامية فإنه حدد كذلك كيفية تقديم التعرضات وآجالها والتي تختلف في بعض جوانبها عما هو منصوص عليه في نطاق مساطر التحفيظ العادية.

أولا: التعرض على مطلب التحفيظ بالنسبة للعقارات الخاضعة للتحفيظ الإجباري

لقد نظم القانون 07-14 كيفية خضوع بعض العقارات للتحفيظ الإجباري، ونص الفصل 51-2 منه على نشر القرار الصادر بفتح وتحديد منطقة التحفيظ الإجباري بالجريدة الرسمية وأن يعلق بمقر السلطة المحلية والجماعة والمحكمة الابتدائية والمحافظة العقارية.

ولم يبين القانون الجهة التي يصدر عنها القرار الذي يحدد المنطقة الخاضعة للتحفيظ الإجباري، كما أنه لم يبين ما إذا كانت المناطق التي ستخضع للتحفيظ الإجباري مقصورة على الأراضي الفلاحية أم يمكن أن تمتد إلى غيرها من الأراضي.

وبما أن النص ورد بشكل عام فإننا نعتقد أن ما يهدف إليه المشرع من سنه لنظام التحفيظ الإجباري هو إخضاع كل منطقة تبين أن المصلحة تستدعي تحفيظها سواء كان ذلك في إطار عمليات التهيئة العقارية بغرض التجهيز الهيدروفلاحي الهادف إلى تحسين أساليب استغلال الأراضي الفلاحية وتحصين ملكيتها عن طريق التحفيظ، أو من أجل إنجاز مشاريع ذات طبيعة سياحية أو عمرانية، وانطلاقا من ذلك نرى أن الجهة المعنية بإصدار القرار المحدد للمناطق التي ستخضع للتحفيظ الإجباري هو الوزير الذي يدخل في اختصاصه الغرض المتوخى من عملية التحفيظ.

وتنجز أشغال البحث التجزيئي والقانوني لمناطق التحفيظ الإجباري من طرف مصالح الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بمؤازرة اللجنة المكونة وفق الفصل 51-4، بحيث ينجز بحث تجزيئي وقانوني ينتهي بتحرير مطالب التحفيظ في اسم المالكين الذين أدلوا بالمستندات المثبتة لملكيتهم، أما المالكين الذين لا يتوفرون على حجج تملكهم أو يتوفرون على حجج غير كافية فقد أوجب القانون على السلطة المحلية أن تنجز لهم شهادات إدارية بالملكية.

وإذا كان القانون قد قنن حاليا الشواهد الإدارية لإثبات الملك، فإن هذه الوسيلة كان معمول بها في نطاق عملية ضم الأراضي، إذ كانت السلطات المحلية تنجز شواهد إدارية في مطبوع يتضمن أسماء الشهود الذين يشهدون بالملك لطالب التحفيظ ويوقع من قبل ممثل السلطة المحلية.

وبعد إنجاز تصميم المنطقة الخاضعة للتحفيظ وتحديد محيطها وبيان مطالب التحفيظ المشمولة بها وأسماء المالكين والأدلة المعززة لمطالبهم، يعمل المحافظ على الأملاك العقارية على إيداع وثائق ملف المنطقة الخاضعة للضم الإجباري بمقر السلطة المحلية، ويتم نشر الإعلان عن إيداع اللائحة والتصميم بالجريدة الرسمية، وتقبل التعرضات داخل أجل أربعة أشهر من تاريخ النشر بالجريدة الرسمية حسب ما ورد عيه النص في الفصل 51-16 وبعد انصرام الأجل المذكور لا يقبل أي تعرض.

وبعد انتهاء أجل التعرض يعمل السيد المحافظ على الأملاك العقارية بتأسيس الصكوك العقارية بالنسبة لمطالب التحفيظ التي لم يقدم بشأنها أي تعرض، ويحيل المطالب المثقلة بالتعرضات على المحكمة الابتدائية من أجل البت فيها.

ثانيا: مطلب التحفيظ الذي يشكل تعرضا
رغم أن التعرض على التحديد الإداري لا يشكل تعرضا بالمفهوم المنصوص عليه في قانون التحفيظ العقاري، إلا أنه وبالنظر لآثاره على الملكية وعلى قاعدة التطهير وما يترتب عليه من الزامية لتقديم مطلب للتحفيظ في شكل تعرض على التحديد الإداري، وما ينتج عليه من إحالة النزاع على محكمة التحفيظ للبت فيه ارتأينا أن نشير بإيجاز للتعرض على مسطرة تحديد الأراضي الجماعية والأراضي الغابوية.

ينص الفصل الأول من ظهير 18/02/1924 المتعلق بتحديد الأراضي الجماعية على أن العقارات المظنون أنها مشتركة بين القبائل يمكن مباشرة تحديدها بقصد تعيين صورتها أو مشتملاتها من الوجهة المادية وتقرير حالتها الشرعية القانونية، وذلك بطلب من المكلف بالولاية على الجماعات وبعد الاستشارة معها في شأن ما ذكر، وتباشر أعمال التحديد من طرف لجنة ينص القانون على تشكلتها،

ويصدر قرار وزيري لتعيين تاريخ الشروع في التحديد ويعلن للعموم قبل وقوعه وينشر بالجريدة الرسمية ويشهر ويعلق بالقرى والأسواق قبل شهر من عملية التحديد، وتتم عملية التحديد في الأجل المحدد لها بمعاينة الأماكن ووضع علامات الحدود، وكل معارضة بشأن حدود العقار أو من أجل ادعاء حق من الحقوق يمكن تقديمها في نفس المكان إما إلى اللجنة التي تضمنها في تقريرها أو لممثل الحكومة.

وتودع اللجنة بعد إتمام أعمالها تقرير التحديد مصحوبا بخريطة الأرض ويودع أيضا لدى مصالح المحافظة العقارية، ويعلن للعموم وينشر بالجريدة الرسمية ويعطى للعموم أجل مدته ستة أشهر من تاريخ النشر من أجل التعرض، وقد نص الفصل السادس من الظهير المذكور أن الاعتراض لا يكون له مفعول إلا إذا أودع المتعرض مطلبا للتحفيظ خلال الثلاثة أشهر الموالية لانقضاء أجل تقديم التعرضات، وإذا لم يقدم المتعرض مطلب التحفيظ فإن حقوقه المدعى بها تسقط باستثناء ما يكون قد اعترف له به من حقوق خلال الأجل المذكور.

وتتم المصادقة على التحديد الإداري بموجب مرسوم وزاري ينشر بالجريدة الرسمية بعد تسليم شهادة من المحافظة العقارية تفيد بأنه لم يتم تحفيظ أي قطع أرضية داخل وعاء التحديد وأنه لم يقع أي تعرض ولم يودع أي مطلب وفق الشروط المنصوص عليها في الفصلين الخامس والسادس من الظهير.

يترتب على المصادقة تغيير صورة العقار المحدود ومشتملاته من الوجهة المادية وتقرر حالته الشرعية والقانونية.

غير أن المصادقة لا تمنع من تحديد مناطق الحلفاء التابعة للمياه والغابات وفق ظهير 03/01/1916.

أما باقي الأشخاص فإن التحديد الإداري المصادق عليه يصبح قطعيا في مواجهتهم ولم يبق من حقهم المنازعة فيه بأي وجه من الوجوه، وقد نص القانون في الفصل العاشر من الظهير المذكور على إمكانية تحويل أراضي الجماعات السلالية التي خضعت لتحديد إداري إلى رسوم عقارية دون اللجوء إلى إشهار جديد.

أما بخصوص تحديد الأملاك الغابوية فإن المسطرة المتبعة فيها لا تختلف عن المسطرة المتبعة بالنسبة للأملاك الجماعية باستثناء أجل التعرض بعد نشر وإشهار تقرير التحديد فإنه محدد بالنسبة للملك الغابوي في ثلاثة أشهر بدل ستة أشهر المحددة بالنسبة للأراضي الجماعية.

الفرع الثاني: قرارات المحافظ على الأملاك العقارية بشأن التعرضات
إن المحافظ على الأملاك العقارية هو الذي يشرف على مسطرة التحفيظ، ولكل شخص يدعي حقا على عقار تم طلب تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ، وتقدم التعرضات أمام المحافظ ويقرر بشأنها على ضوء تاريخ تقديمها والحجج المعززة لها غير أن المحافظ وقبل اتخاذ قراره بشأن التعرض عليه أن يبلغه إلى طالب التحفيظ على أمل أن يتمكن من رفعه أو القبول به، كما يمكنه أن يجري صلحا بين الأطراف، وسنعرض لمختلف القرارات التي يمكن أن يتخذها المحافظ بشأن التعرضات.

أولا : القبول بالتعرض من طرف طالب التحفيظ أو التشطيب بعد التنازل عليه
إن طالب التحفيظ ولمصلحته في تسريع المسطرة وتأسيس رسم عقاري لملكه نص القانون العقاري الجديد في الفصل 31 منه على إشعاره

ومضمونها ويمكنه أخذ صور شمسية للمستندات المدلى بها من قبل المتعرضين ليتمكن على ضوئها من اتخاذ موقف من التعرض، إما بقبوله إذا تبين له جدية التعرض من خلال ما أدلى به المتعرض، كأن يكون طالب التحفيظ يستند في مطلبه على عقد شراء للعقار ويتبين من التعرض أن المتعرض شريك مع البائع له، فيكون من مصلحته القبول بالتعرض أو بتعويض المتعرض عن حقوقه الثابتة له، أو يظهر له من التعرض أنه مقدم بشكل تعسفي وأن الحجج المدلى بها لا تؤيده فيعمل على تنبيه المتعرض لما قد يتعرض إليه من جراء الإبقاء على التعرض كإمكانية الحكم عليه بالغرامة المنصوص عليها في الفصل 48 من القانون العقاري ومقاضاته من أجل التعويض في نطاق نفس الفصل فيصل بذلك إلى إقناع المتعرض برفع تعرضه.

وإذا قبل طالب التحفيظ بالتعرض عليه أن يشعر المحافظ على الأملاك العقارية بذلك، أما إذا تمكن من رفعه فإن عليه الإدلاء بالحجة المثبتة لرفعه، والتي يتعين أن تكون واضحة في مضمونها وتبين نوع الحق موضوع التعرض ورقم مطلب التحفيظ، وإذا كانت الحجة المثبتة لرفع التعرض غير مضمنة في سند رسمي كالإشهاد بها أمام موثق أو عدلين، فيجب على المتعرض أن يحرر إشهادا بالتنازل يبين فيه رقم المطلب وموضوع التعرض ومراجع تقييده ويصادق فيه على توقيعه،

وفي حالة تقديمه من المتعرض شخصيا إلى المحافظ على الأملاك العقارية عليه أن يشعره بمضمونه ويدون ذلك بهامش التصريح بالتعرض، وذلك لتفادي منازعة المتعرض لاحقا في وثيقة رفع التعرض، لأن الواقع العملي أثبت منازعة بعض المتعرضين في التنازل الصادر عنهم بشأن التنازل عن التعرض بعلة عدم صدوره عنهم أو بجهلهم بمحتواه.

وإذا ثبت للمحافظ على الأملاك العقارية أن المتعرض قد تنازل عن تعرضه فإنه يتخذ قرارا بالتشطيب على التعرض.

ثانيا : قرار المحافظ بتصالح الأطراف
لقد خول الفصل 31 من القانون العقاري الجديد للسيد المحافظ على الأملاك العقارية إجراء صلح بين طالب التحفيظ والمتعرضين، وتحقيق هذا الصلح يتوقف على طبيعة النزاع، وشخصية الأطراف وعقليتهم، ويمكن أحيانا إدخال شخصية السيد المحافظ على الأملاك العقارية في الإقناع من أجل الصلح.

وعلى السيد المحافظ على الأملاك العقارية قبل محاولته إجراء صلح بين الطرفين أن يطلع على ملف المطلب ومستنداته، وعلى حجج المتعرض والحق المدعى به من قبله، وذلك حتى يكون بإمكانه طرح الإطار العادل للصلح، وأن يبين لكل طرف ولو بصفة غير مباشرة مدى جدية الحق الذي يرمي إلى حمايته،

وأن يشعرهما بالمآل الذي ستتخذه المسطرة في حالة عدم الوصول إلى صلح، وذلك بأن يبين لهم على أن النزاع سيحال على المحكمة للبت فيه، وما يمكن أن يتحمله الأطراف من مصاريف جراء التقاضي، والوقت الذي قد تستغرقه المسطرة خاصة في قضايا للتحفيظ التي يكون فيها لطلب النقض أثر واقف وكل ذلك من أجل إقناعهما للوصول إلى حل ودي.

وإذا استطاع المحافظ على الأملاك العقارية أن يتوصل بالطرفين إلى صلح فإنه يحرر محضرا بذلك ويتعين أن يكون هذا المحضر كاشفا لحقوق كل طرف لتفادي كل منازعة في مضمونه مستقبلا وقد نص القانون على توقيع المحضر من الطرفين.

وقد نصت الفقرة الأخيرة من الفصل 31 من القانون العقاري الجديد على أن اتفاقات الأطراف المدرجة بهذا المحضر لها قوة الإلزام العرفي. وهو أمر مثير للاستغراب لأن المحافظ على الأملاك العقارية موظف رسمي وكان من الأولى أن يكون للمحضر المحرر من قبله الصبغة الرسمية بحيث لا يمكن الطعن فيه إلا بالزور.

ثالثا: إلغاء التعرض لعدم إدلاء المتعرض بالحجج المؤيدة للتعرض أو لعدم أداء الرسوم القضائية

لقد كان الفصل 32 من القانون العقاري القديم ينص على أنه أذا لم يقدم المتعرضون الرسوم والوثائق المؤيدة لتعرضهم أو لم يثبتوا أنهم استحال عليهم تقديمها، فيمكن للمحافظ بعد البحث أن يقرر الإبقاء على التعرض أو اعتباره ملغى.

وفي هذه الحالة الأخيرة يكون قرار المحافظ قابلا للاستئناف أمام المحكمة الابتدائية وتبت هذه بصفة انتهائية. ويجب أن يقدم الاستئناف داخل أجل 15 يوما تبتدئ من يوم تبليغ قرار المحافظ.

أما القانون العقاري الجديد فقد نسخ كل مقتضيات الفصل 32 من القانون القديم، ولم يترك أية سلطة تقديرية للسيد المحافظ على الأملاك العقارية من أجل الإبقاء على التعرض أو إلغائه، إذا لم يدل المتعرض بالحجج المؤيدة لتعرضه ولم يؤد الرسوم القضائية، وذلك لما أكد على أن التعرض يعتبر لاغيا إذا لم يقدم المتعرض خلال الأجل المنصوص عليه في الفصل 25 الرسوم والوثائق المؤيدة لتعرضه، ولم يؤد الرسوم القضائية وحقوق المرافعة، أو لم يثبت حصوله على المساعدة القضائية.

وإذا كان قرار إلغاء التعرض في القانون القديم مصدره قرار السيد المحافظ على الأملاك العقارية، فإن مصدره في القانون الجديد هو القانون الذي حدد الجزاء المترتب عن عدم تعزيز التعرض بالحجج أو عدم أداء الرسوم القضائية وذلك لما صدر النص بعبارة ” يعتبر التعرض لاغيا وكأن لم يكن “.

وبما أن إلغاء التعرض أصبح حكما قانونيا فإن الفصل 32 لم ينص على قابليته لأي طعن قضائي في حالة إلغاء التعرض للسبب المذكور.

هل يمكن للسيد المحافظ على الأملاك العقارية تقدير الحجج؟
لقد نص الفصل 30 من القانون العقاري الجديد على أن المحافظ على الأملاك العقارية يقوم خلال ثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض بتحفيظ العقار بعد التحقق من إنجاز جميع الإجراءات المقررة في القانون، ومن شرعية الطلب،

وكفاية الحجج المدلى بها. فإذا كان القانون قد أعطى للمحافظ مراقبة الحجج المعززة للمطلب لاتخاذ قراره بتحفيظ العقار أو إلغاء المطلب، فهل يمكن القول أن له نفس الصلاحية بالنسبة لحجج المتعرض؟
نرى أن تقدير الحجج هو من عمل المحكمة وبالتالي ليس من حق المحافظ على الأملاك العقارية أن يقدرها ليخلص إلى كونها غير كافية أو غير منتجة ليتخذ قرارا بإلغاء التعرض.

والجدير بالملاحظة هو أن مقتضيات الفصل 32 من القانون العقاري القديم كانت تتلاءم أكثر مع وضعية العقارات في طور التحفيظ، وذلك لما كان القانون يترك السلطة التقديرية للسيد المحافظ بعد البحث في الإبقاء على التعرض أو إلغائه وتخويل المتعرضين حق الطعن في قراره، لأن هناك حالات يصعب فيها على المتعرض تهيئ الحجج خلال الفترة الفاصلة بين تاريخ تقديم المطلب وتاريخ انتهاء أجل التعرض، خاصة إذا كان العقار محل نزاع بين طالب التحفيظ والمتعرض حيث تمتنع السلطة المحلية على تسليم الشهادة الإدارية من أجل إنجاز الملكية للسبب المذكور. وأن تحفيظ العقار يطهره ويعصف بكل حقوق قد تكون للمتعرض عليه.

هل يمكن للمتعرض أن يتعرض على أساس حيازته للعقار؟

قد يكون المتعرض لا يتوفر على حجج مادية لتعزيز تعرضه من قبيل رسوم الملكية أو عقود الأشرية أو عقود التبرع وغيرها من الأدلة التي يثبت بها الملك، ولكن قد يدعي أنه هو الحائز، وأن حيازته علنية وهادئة ومستمرة، وبما أن الحيازة باعتبارها وضعا ماديا ينجم عن سيطرة شخص سيطرة فعلية على حق معين، فإنه قد يكون من شأنها إذا توافرت فيها الشروط الشرعية أن ترجح موقف من بيده الحيازة على موقف طالب التحفيظ خاصة إذا كان هذا الأخير يستند في مطلبه على حجة لا تنبني على سند الملك أو على ملكية ثبت أنها كاذبة.

إن الأخذ بحرفية النص يقتضي أن تكون حجة المتعرض حجة مادية يدلي بها أمام المحافظ لتعزيز التعرض، وأن عدم تقديمها يترتب عليه إلغاء التعرض، غير أنه باعتبار قواعد الفقه الإسلامي وما استقر عليه العمل القضائي من ترجيح موقف من بيده الحيازة إذا توافرت شروطها، فإننا نرى أنه إذا ثبت من خلال البحث ومن عملية التحديد أن الحيازة بيد المتعرض فإن على المحافظ أن يقيد التعرض على أساس الحيازة.

رابعا: قرار المحافظ بقبول التعرض خارج الأجل
لقد نص الفصل 29 من القانون العقاري الجديد على أنه:
” بعد انصرام الأجل المحدد في الفصل 27 أعلاه يمكن أن يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ على الأملاك العقارية، ولو لم يرد على مطلب التحفيظ أي تعرض سابق شريطة أن لا يكون الملف قد وجه إلى المحكمة الابتدائية.
يتعين على المتعرض أن يدلي للمحافظ على الأملاك العقارية، بالوثائق المثبتة للأسباب التي منعته من تقديم تعرضه داخل الأجل، وبالعقود والوثائق المدعمة لتعرضه. كما يتعين عليه أن يؤدي الرسوم القضائية وحقوق المرافعة أو يثبت حصوله على المساعدة القضائية.

” يكون قرار المحافظ على الأملاك العقارية برفـض التعرض غـير قـابل للـطعن القضائي “.

إن قبول المحافظ التعرض خارج الأجل مشروط بأن لا يكون الملف قد أحيل على المحكمة، وأن يبرر المتعرض الأسباب التي حالت دون تقديمه التعرض داخل الأجل وأن يدلي بمؤيدات التعرض وأن يؤدي الرسوم القضائية، وأن الأسباب التي منعت المتعرض من تقديم تعرضه داخل الأجل يرجع تقديرها للمحافظ على الأملاك العقارية، ولا رقابة قضائية عليه في ذلك، ما دام قراره غير قابل للطعن القضائي، ويبقى أمام المتعرض طريق التظلم أمام المحافظ العام فقط.

وإذا كان قرار المحافظ برفض التعرض المقدم خارج الأجل غير قابل للطعن القضائي من طرف المتعرض، فإن قبول التعرض سيضر بطالب التحفيظ، فهل يسمح له بالطعن فيه ؟

إن الفصل 29 من القانون المذكور سكت عن إمكانية طعن طالب التحفيظ في قرار المحافظ العقاري القاضي بقبول التعرض خارج الأجل، وبما أن طرق الطعن من النظام العام ولا يمكن ممارستها إلا إذا سمح بها القانون، فإننا نرى أن قرار المحافظ بقبول التعرض بصفة استثنائية غير قابل للطعن فيه أمام المحكمة الابتدائية، مثل ما مسموح به في حالة إلغاء المطلب، غير أنه وفي إطار المبدأ العام الذي كرسه القضاء والمرتكز عـلى أن جميع أعمال الإدارة يجب أن تخضع لرقابة المشروعية، فإننا نرى أن قرار المحافظ بقبول التعرض خارج الأجل يبقى خاضع للطعن من أجل الإلغاء أمام المحكمة الإدارية.

خاتمة:
إن القانون العقاري الجديد ومن خلال التعديلات التي أدخلها على قانون1913 حاول تفعيل مسطرة التحفيظ، وذلك بتحصين سلطات المحافظ، بحظر الطعن القضائي في قراراته بخصوص إلغاء التعرض بسبب عدم الإدلاء بالرسوم والحجج، أو بعدم قبول التعرض خارج الأجل، كما أنه حدد الآجال التي على المحافظ أن يتخذ فيها قراره في شأن المطلب،

وذلك كله من أجل قطع الصلة مع الممارسات السابقة في ظل القانون القديم، والتي استمرت فيها مساطر التحفيظ عقودا من الزمن، منها من لم يحسم أمرها لحد الآن، فإنه في المقابل ضيق من نطاق حقوق المتعرض الذي يملك وسيلة وحيدة تجاه طالب التحفيظ ألا وهي دعوى الاستحقاق التي يمارسها في شكل تعرض، وذلك لما رتب جزاء الإلغاء التلقائي للتعرض على عدم تقديمه لمؤيدات تعرضه أو عدم أداء الرسوم القضائية، حرمه في نفس الوقت من الطعن في قرارات المحافظ، ولو من أجل إخضاعها للمشروعية.

[1]قرار المجلس الأعلى عدد 55 بتاريخ 04/01/2006 في الملف 4511/1/1/2003.
[2] الفقرة الأخيرة من الفصل 25 من القانون العقاري الجديد
[3] قرار المجلس الأعلى في الملف الإداري عدد 2560/4/1/2006 بتاريخ 23/1/2008 مشار إليه في مرجع الدليل العملي للعقار في طور التحفيظ للأستاذ عمر أزوكار ص 79.
[4] قرار المجلس الأعلى عدد 1816 بتاريخ 14/05/2008 في الملف المدني عدد 685/1/1/2006.