أسباب تطور القانون

الدكتور عادل عامر

 أسباب تطور القانون :
يجد الباحث كثيراً من الأسباب أو العوامل التي اثرت على تغيير المجتمع وتطور القانون. ونجد من هذه العوامل ما هو خاص بأمة دون أخرى وما هو عام لدى سائر الأمم المتطورة.

الأسباب الخاصة:
أمثلة لتلك العوامل الخاصة التي أثرت في تطور القانون لدى بعض الشعوب.

1- العامل الجغرافي :
فهناك تطورات راجعة إلى طبيعة البلد الجغرافية ومناخها. فالدول المجاورة للبحار تعيش في ظل نظم لا توجد عند الشعوب التي لا تتصل أرضها بالبحار. فحرية الملاحة وتقدم التجارة البحرية يؤثر في قانون الدول الأولى بعكس الحال بالنسبة للنوع الثاني من الدول.

2- العامل الأنثروبولوجي:
***** الذي ينتمي إليه شعب من الشعوب يكون له أثره في تطور قانونه. فهناك شعوب تقوى لديها الملكة القانونية وشعوب لا تتوافر فيها تلك الصفة. وهذه الصفة تساعد تلك الشعوب على إيجاد الحلول المناسبة لما يعرض لها من مشاكل اقتصادية واجتماعية.

3- العامل التاريخي :
إن تاريخ كل أمة من الأمم يتحكم إلى حد ما، في تطور قانونها. فهناك بعض النظم أوجدتها ظروف خاصة بأمة من الأمم، كالنظام البرلماني في إنجلترا. فتطور تلك النظم محكوم بالاعتبارات التاريخية التي أوجدتها.

العوامل العامة:

لدينا عوامل تطور شاملة لسائر الأمم.
وأسباب التطور العامة يمكن أن نردها إلى العوامل الدينية والفكرية الثقافية والاقتصادية مع التسليم باختلاف اثر كل عامل منها تبعاً لظروف كل عصر وظروف كل مجتمع.

أولاً : العامل الديني
لم يقف دور الدين عند حد مساهمته في نشأة القانون بل نجده يقوم بدور هام في تطور القانون بعد تدوينه أو ثباته في صورة تقاليد عرفية راسخة في أذهان الناس. فالقانون الذي كان يسود العرب قبل الإسلام تأثر إلى حد كبير جداً بظهور الإسلام، والشعب الروماني عدل بعض نظمه القانونية واستحدث نظماً جديدة تحت تأثير الديانة المسيحية. وما زالت هاتان الديانتان الكبيرتان تلعبان دوراً كبيراً في تطور القانون في العصر الحديث. وسوف ندرس تباعاً أثر الدين الإسلامي في تطور قانون الأمة العربية ومدى تأثر كل من القانون الروماني والقانون الإنجليزي بالديانة المسيحية.

1) أثر الدين الإسلامي في تطور المجتمع العربي.

حالة العرب قبل الإسلام :

عرف العرب كثيراً من النظم القانونية والاجتماعية كانت تتلاءم مع درجة حضارتهم، فعاشوا في ظل نظام القبيلة كنظام سياسي كما عرفوا نظام الدولة في بعض المناطق «اليمن، الحيرة .. الخ». وعرفوا كثيراً من القواعد المتعلقة بنظام الأسرة كالزواج والطلاق، وأخرى خاصة بنظام المعاملات من بيع وخلافه. وكانت لديهم قواعد خاصة بالجرائم والعقوبات. وكانت النظم القانونية في صورة تقاليد وعادات تعارفوا عليها وتوارثوها جيلاً عن جيل.

أثر الإسلام:

لم يكن الإسلام ديناً فحسب بل كان ديناً ودولة، فقد جاء بدين جديد وتنظيم جديد للمجتمع مشتملاً على مبادئ خلقية وقانونية جديدة. هذه النظم والمبادئ أحدثت انقلاباً خطيراً في المجتمع العربي سواء من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية أم من الوجهة القانونية، وكان من نتيجة ذلك أن ألغيت التقاليد والعادات التي تتنافى مع مبادئ الدين الجديد مثل بيوع الغرر والربا وبعض صور الزواج، واستبقيت التقاليد التي تتمشى مع المبادئ والخلقية والقانونية التي جاء بها الإسلام، مثل بعض صور البيوع والقصاص والدية، واستحدثت قواعد ونظم جديدة، مثل توريث الإناث ونظام الخلافة كنظام سياسي للحكم.
ويظهر أثر الإسلام في النظم الآتية :

أولاً: نظام الحكم:
عاش العرب قبل الإسلام في ظل نظام القبيلة وعرفوا نظام الدولة في شكلها الملكي في اليمن وفي الحيرة جاء الإسلام بتنظيم جديد للحكم يعتمد على الشورى والمساواة، هو ما عرف باسم نظام الخلافة. وهو يختلف تماماً عن نظم الحكم القبلي أو الملكي عند العرب.

ثانياً: نظام الأسرة:

الزواج:
عرفت القبائل العربية صوراً عديدة للزواج. منها الزواج الفردي وقد أبقاه الإسلام. وزواج المتعة كما عرفوا نظام تعدد الأزواج للمرأة الواحدة مثل زواج الإخوة وزواج الأخدان وزواج البغايا، وقد حرمها الإسلام جميعاً، وجعل الزواج الفردي هو الأصل. وعرفوا كذلك زواج الشغار أي الشاغر من المهر واعتبره الإسلام زواجاً مقترناً بشرط غير صحيح. وعرفوا أيضاً تعدد الزوجات وقد أبقى الإسلام هذا النظام ولكنه قيده بقيود معينة. أهمها أن لا يزيد عدد الزوجات عن أربع وبشرط العدل بينهن.
وأقر الإسلام موانع الزواج بسبب القرابة.وهذه الموانع كانت معروفة عند العرب فأبقتها الشريعة الإسلامية و جعلت من المصاهرة والرضاع مانعاً قانونياً من موانع الزواج في حدود معينة.

الطلاق:
الطلاق في العصر الجاهلي مباحاً لا حد لعدد الطلقات فيه. فكان للزوج حق إرجاع الزوجة أو تركها. كما كان للزوجة المطلقة أن تتزوج دون انتظار لمدة العدة.
فجاء الإسلام وحدد الطلاق بثلاث يسقط بعدها حق الزوج في إرجاع الزوجة وأوجب العدة منعاً لاختلاط الأنساب.

أنواع الطلاق:
عرف العرب أنواعاً متعددة من الطلاق، منها طلاق الظهار: و كان هذا الطلاق طلاق مؤبد لا رجعة فيه. وقد ابطل الإسلام هذا النوع من الطلاق سورة المجادلة:الايات من2 : 4، فمن ظاهر زوجته لا يقع طلاقه ويجوز له الرجوع إلى زوجته، ولكن تجب عليه كفارة. طلاق الإيلاء: وفيه يقسم الزوج على إلا يقرب زوجته مدة معينة من الزمن. فجاء الإسلام وحدد مدة الإيلاء بأربعة أشهر، ومن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. ويجوز للحالف أن يرجع إلى زوجته خلال تلك المدة ولا إثم عليه في ذلك ويعتبر يمينه لغواً. أما إن زاد على أربعة أشهر طلقت منه زوجته.

ثالثاً: نظام الإرث:

نظم الإرث عند العرب في العصر الجاهلي بطريقة تتفق مع عقليتهم وقتئذ وتتلاءم مع الأساس الذي كانت تقوم عليه الأسرة. فكان أساسه «المناصرة والدفاع عن الأسرة».
لذلك انحصرت أسباب الإرث عندهم فيما يلي:

1- النسب (القرابة) :
كان مقصوراً على الذكور البالغين، وبذلك حرموا النساء والأطفال من الإرث.
وضع الإسلام أساساً جديداً للتوريث. فحدد أنصبة معلومة لعدد معين من أقارب المتوفى نظراً لرابطة المحبة والعطف التي كانت تربطهم به وأشرك النساء والأطفال في الإرث.
وبين الإسلام كذلك موانع الإرث فحصرها فيما يأتي: الرق والقتل واختلاف الدين.

2- التبني:
وقد ألغى الإسلام نظام التبني.

3- الولاء «الحلف أو العهد»:
وهي معاهدة يرتبط بها شخصان ويلتزم فيها كل منهما بمناصرة الآخر حال الحياة، ويتفقان على أن يتوارثا بعد الوفاة فيرث الحي منهما الميت. وقد ألغى الإسلام هذا النظام.

4- العضل:
كان الابن الأكبر يرث زوجة أبيه إذا توفى باعتبارها جزءاً من التركة. ويكون له حق الزواج منها دون مهر أو تزويجها من غيره وقبض مهرها له أو عضلها أي منعها من الزواج. وقد حرم الإسلام هذا النظام.

رابعاً: نظام الرق:
كان نظام الرق نظاماً شائعاً عند العرب وعادة أصيلة في نفوسهم في العصر الجاهلي شأنهم في ذلك شأن سائر الشعوب القديمة. جاء الإسلام ليحقق العدالة والمساواة بين الناس فكان من المنتظر أن يلغى نظام الرق، ولكن هناك أسباباً دعت إلى الإبقاء على الرقيق الموجودين وقت ظهور الإسلام وعلى نظام الرق. فعادة الاسترقاق كانت متمكنة من نفوس العرب لدرجة يصعب معها إلغاؤها دفعة واحدة. أن نظام الرق كان معروفاً لدى جميع الشعوب. وكان الرقيق يمثلون عنصراً رئيسياً من عناصر الإنتاج مماثلاً للآلة في العصر الحديث، وكان العرب قليلي العدد يعتمدون على الأرقاء في حياتهم المدنية. فلو ألغى الإسلام نظام الرق لأدى ذلك إلى انهيار نظام العرب الاقتصادي وازدياد ضعفهم بالنسبة للدول الأخرى لذلك دعت المصلحة إلى الإبقاء على نظام الرق.

أقر الإسلام العرب على ما كان بأيديهم من رقيق مراعاة لحالتهم ولكنه رغب كثيراً في تحرير الرقاب فجعله أول واجبات الإنسان إذا أراد أن يشكر ربه وجعله في مقدمة الأعمال التي يأتيها الإنسان تكفيراً عن جرائمه وذنوبه وخصص سهماً من مصارف الزكاة التي يأخذها الإمام لتحرير الرقاب.

ومن ناحية أخرى ضيق الإسلام من أسباب الرق فحصرها في حرب مشروعة فضلاً عن الولادة من جارية.
وهناك عدد وفير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تحض على حسن معاملة الرقيق، وأباح الإسلام التزوج بالإماء، وجعل لأولادهن ما لأولاد الحرائر من الحقوق والواجبات كالإرث والحرية.

خامساً – نظام الملكية والمعاملات:

الملكية: عرف العرب – قبل الإسلام – نظام الملكية، وكانت أسبابها تنحصر: في القهر والغلبة؛ والإرث وكان مقصوراً على الرجال البالغين كما أسلفنا؛ الوصية بكل المال أو ببعضه سواء كانت لوارث أو لغير وارث.
اعترف الإسلام بنظام الملكية ؛ وبين الأسباب التي يمكن بها كسب الملكية كالعقود الإرث والوصية وأباح كسبها بسبب طيب وأنكرها عن كان السبب خبيثاً.

المعاملات: عرفوا أيضاً كثيراً من ضروب المعاملات، وكانت محصورة في العقود والمداينات.

العقود: عرفوا البيع والرهن والشركة والإيجار والمزارعة والمساقاة و لكن بعض تلك العقود لا يخلو من الغرر والمقامرة وقد حرمها الإسلام، كما كان بعضها الآخر يشوبه الغش والخداع، بيع النَجْش «يزيد شخص في سعر السلعة المعروضة بقصد التغرير بالمشتري» تلقي الركبان «الشراء من أهل البادية قبل وصولهم للأسواق حتى يبخسوهم الثمن»
وتعرض القرآن الكريم لنظم المعاملات، ولكنه اقتصر على بيان القواعد الكلية والعامة , فأمر بالوفاء بالالتزامات ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل وحرم كثيراً من أنواع البيوع التي تؤدي إلى غرر أو منازعات. ولكنه استبقى كثيراً من صور المعاملات لاتفاقها مع مبادئه ومن ذلك عقود الشركة والمضاربة والسلم والإيجار والبيوع الخالية من الغرر والغش.
وأوجد الإسلام قواعد خاصة بالإثبات كالكتابة وشهادة الشهود، وقواعد خاصة بالتأمينات كالرهن.
المداينات: كان العرب يتداينون بالربا، فحرم الإسلام التعامل بالربا.

2) أثر المسيحية في القانون الروماني
المسيحية لم تتعرض للقانون:
لم تتعرض المسيحية للأمور الدنيوية ولذلك لم تتعرض للمبادئ القانونية واقتصرت على نشر المبادئ الروحية والخلقية وفصلت بين الدين والدولة «ردوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». ولعل ذلك راجع إلى البيئة التي نشأ فيها الدين المسيحي والظروف التي أحاطت بالمجتمعات التي انتشر فيها.
ونستطيع أن نلمس أثر المسيحية فيما يلي :

أولاً – القانون الكنسي:
القانون الكنسي في البداية لتنظيم العلاقات بين أتباع الكنيسة حينما كانت المسيحية محل اضطهاد من أباطرة روما، وهو من وضع رجال الدين المسيحي. وكانت أهم مصادره مبادئ القانون الطبيعي والعدالة فضلاً عن قرارات المجامع الدينية. وحينما أصبح الدين المسيحي ديناً رسمياً للدولة الرومانية منذ أواخر القرن الرابع الميلادي اعترف الأباطرة بسلطان الكنيسة والقانون الكنسي. كما اعترفوا باختصاص المحاكم الكنسية، وأصبح قضاتها من بين رجال الدين منذ عهد قسطنطين، الذي جعل لها اختصاص الفصل في المسائل الدينية، وأضاف إلى اختصاصها الفصل في المنازعات المدنية التي ترفع إليها برضاء المتخاصمين.

ثانياً – القانون الجنائي:
تعدلت بعض قواعد القانون الروماني تحت تأثير الديانة المسيحية ومن أمثلة ذلك تلك العقوبات القاسية التي وضعها المشرع في حالة الزواج بالمحارم «الإعدام» والزنا «السجن المؤبد في الدير» والعقوبة التي تلحق المرأة إذا عاشرت أحد عبيدها هي «الإعدام» لأن هذه الأفعال تتعارض مع روح المسيحية التي تقوم على نشر الفضيلة بين الناس، ويظهر أثر المسيحية كذلك في العقوبات التي وضعت للإلحاد والردة، حماية للدين الجديد كما ظهر أثرها في التعديلات التي أدخلت على قواعد الدفاع الشرعي حتى يتمشى هذا النظام مع مبادئ المسيحية التي تقوم على الشفقة والعفو فألغى الحق في قتل المعتدي دفاعاً عن المال واقتصر على الدفاع عن النفس أو العرض شرط إلا تكون لديه وسيلة أخرى للنجاة.

ثالثاً – القانون الخاص:
ظهر أثر المسيحية في نظم الأسرة والرق والالتزامات. فقد تلاشت أو كادت تتلاشى في العصر البيزنطي سلطة رب الأسرة. فاعترف القانون البيزنطي للابن بقدر كبير من الشخصية القانونية، وحرم على الأب قتل أولاده وأحل محله حق التأديب وأصبح كل من حق الإرث وحق النفقة قائماً على صلة الدم سواء في ذلك الولد الشرعي والولد الطبيعي وجعل مدة العدة كاملة للمرأة التي توفى عنها زوجها

ومن جهة أخرى استحدث القانون الروماني كثيراً من المبادئ – في نظام الأسرة – تحت تأثير الديانة المسيحية. من ذلك موانع الزواج التي أدخلت في العصر البيزنطي، مثل تحريم الزواج بين المسيحيين واليهود وبين الفتاة والرجل الذي تولى تعميدها لأنه يعتبر أباً روحياً لها، وإعطاء المرأة حق التبني إذا لم يكن لها أولاد، نظام منح البنوة الشرعية أو تصحيح النسب للولد الطبيعي الناتج من المعاشرة غير الشرعية.

وألغى القانون الروماني كثيراً من المبادئ والقواعد القانونية التي تتنافى مع مبادئ وفلسفة المسيحية. من ذلك إلغاء القوانين التي سنها أغسطس لمحاربة العزوبة والإعراض عن الزواج.

1- نظام الطلاق :
بمبادئ المسيحية التي تنظر إلى الزواج على أنه رابطة مؤبدة. فقد قيد القانون استعمال حق الطلاق بعدة قيود ولكنه لم يصل إلى حد إلغائه.

2- نظام الرق :
النظام الاقتصادي قائماً على أكتاف الرقيق. لذلك لم تحاول إلغاءه ولكنها توسعت في أسباب العتق وحضت على معاملة الرقيق بالحسنى.

3- الالتزامات :
ظهر أثر الديانة المسيحية في الالتزامات في دائرة ضيقة جداً منها : قاعدة الثمن العادل، الحق في فسخ العقد بسبب الغبن مقصوراً على حالة الغبن الفاحش ويكون الغبن فاحشاً إذا كان الثمن أقل من نصف القيمة الحقيقية.

ثانيًا : العامل الاقتصادي

صلة الاقتصاد بالقانون :
لا ينكر أحد الصلة الوثيقة بين الاقتصاد والقانون فكلاهما فرع من العلوم الاجتماعية، يبحث الأول منهما في «المشكلات الناشئة عن إشباع الحاجات الإنسانية المتعددة بموارد محدودة». ويختص الثاني بوضع القواعد التي تنظم العلاقات بين الناس في المجتمع.
فالقانون وليد المجتمع، فإن تطور المجتمع وجب أن يتطور القانون حتى يتلائم معه، والاقتصاد من بين العوامل التي تؤثر في تطور المجتمع فهناك أثر متبادل بين القانون والاقتصاد.
و سنتناول دور العامل الاقتصادي في كل منالشريعة الاسلامية – القانون الروماني .

1) الشريعة الإسلامية

مرونة الشريعة:
توصف الشريعة الإسلامية بأنها صالحة لكل زمان ومكان بالنظر لمرونتها. فهي تضمنت نوعين من القواعد: قواعد قطعية الثبوت والدلالة، مثل أنصبة الورثة، وهي مؤبدة لا تتعدل، وعددها قليل جداً. والنوع الثاني قواعد غير قطعية تقبل التعديل وبذلك تخضع لقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان في إطار الروح العامة للشريعة.
ولذلك وجدنا كثيراً من النظم القانونية الإسلامية تتعدل تحت تأثير التطور الاقتصادي الذي أصاب المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات الإسلامية ودخول العديد من الشعوب والحضارات في الدولة الإسلامية. وها كم الأمثلة التي تدل على مقدار تطور التشريع الإسلامي بسبب تغير الظروف الاقتصادية.

أولاً – القانون الخاص:

1- التصرف في المعدوم:
الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية أن يكون محل العقد موجوداً حين التعاقد. وقد ورد بهذا الأصل عدة أحاديث نبوية ويترتب على ذلك عدم جواز التصرف في المعدوم والمجهول.
ولكن الفقهاء المسلمين – مسايرة للتطور الاقتصادي – أجازوا كثيراً من العقود التي ترد وفقاً لظاهر الامرعلى شيء غير موجود وقت العقد، مثل عقود السلم. والاستصناع والإيجار و ذلك لعدم انطباق علة النص عليها .
فالتطور الاقتصادي هو الذي أدى إلى إباحة مثل هذه العقود استثناء من الأصل العام. وقد ذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى القول بأن إباحة مثل هذه العقود ليس من باب الاستثناء ولكنه تطبيق للقاعدة العامة. فالشارع الإسلامي لم يشترط وجود محل العقد حين التعاقد، بل اشترط خلو التصرف من الغرر والمخاطرة، فعلة التحريم هي وجود الغرر لعدم القدرة على التسليم وليس عدم وجود محل العقد. وعلى ذلك يصح التصرف في الشيء غير الموجود وقت العقد إذا أمكن تسليمه فيما بعد.

البيع دون تحديد الثمن وقت العقد:
يشترط لصحة العقد تراضي الطرفين على المبيع والثمن. لذلك وجب تحديد المبيع والثمن وقت العقد تحديداً لا يؤدي إلى النزاع بينهما. وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى صحته طالما تضمن عناصر تحديده مثل بيوع البورصات حالياً.

3- بيع الوفاء:
وصورته أن يبيع شخص مالاً معيناً لشخص آخر ويشترط عليه رد المبيع إذا رد له الثمن الذي قبضه منه في مدة معينة، فهو بيع معلق على شرط فاسخ. وحاجة الشخص، وخاصة إذا كان من صغار الملاك، هي التي تدفعه إلى مثل هذا التصرف. وقد لجأ الناس إلى مثل هذا التصرف فراراً من تحريم الربا. فالبائع يحصل على ما يحتاج إليه من نقود، والمشتري يأخذ المبيع ويستثمره حتى يرد البائع له الثمن. فالتطور الاقتصادي مع تحريم الربا هو الذي أدى إلى ظهور هذا العقد. وقد أباحه معظم الفقهاء «ومنهم ابن عابدين» لجريان العرف به منذ القرن الخامس الهجري. نزولاً عند الضرورات الاقتصادية التي تدفع الناس إليه حتى لا يلجئوا إلى الربا المحرم و قد حرمه بعض الفقهاء بأعتباره تحايل علي الربا.

4- الإشهاد والكتابة:
ثار خلاف بين فقهاء المسلمين حول الإشهاد والكتابة الذي ورد ذكرهما في الآية 282 من سورة البقرة «واستشهدوا شهيدين من رجالكم …» هل وردت هذه الآية بضرورة الإشهاد والكتابة في كل العقود بحيث لا يصح العقد إذا لم يشهده شهود أو لم يكتب أم أن الأمر جاء للندب والإرشاد بحيث يصح العقد ولو لم يكتب ولو لم يحضره شهود؟
ذهب بعض الفقهاء، وخاصة المتقدمون منهم، مثل إبراهيم النخعي، إلى ضرورة الإشهاد والكتابة تطبيقاً للأمر الوارد في الآية السابقة. ولكن الغالبية العظمى من الفقهاء ذهبوا إلى صحة العقد ولو لم يحضره شهود ولو لم يكتب لأن الأمر الوارد في تلك الآية جاء لندب لا للوجوب. وبنوا رأيهم على تعارف الناس – منذ عهد الرسول – على إجراء العقود دون إشهاد أو كتابة. فضلاً عن وجود قرينة على الندب.

ثانياً – القانون العام:

1- قسمة الغنائم:
كانت القاعدة التي يسير عليها المسلمون في عهد الرسول بالنسبة للغنائم التي يغنمونها في حروبهم أن خمس الغنائم يخصص للمصلحة العامة «بيت المال» وأربعة أخماسها يقسم بين الغزاة الفاتحين. هذه القاعدة وردت بها الآية الكريمة «واعملوا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه…..» «سورة الأنفال 41». وقد طبقت تلك القاعدة في عهد الرسول. فكانت الأرض التي تفتح عنوة وبعد قتال، كما حدث بالنسبة لأرض خيبر، يذهب خمسها للمصالح العامة والباقي يقسم بين الفاتحين.
وقد ثار خلاف بين الصحابة حول قسمة الغنائم حينما فتح المسلمون بلاد الشام والعراق عنوة. فذهب جمهور الصحابة إلى اعتبار تلك الأرض المفتوحة عنوة من الغنائم، ولكن الخليفة عمر رأى أن تترك الأرض لأهلها ويفرض عليها خراج حتى يمكن الاستفادة من ذلك الخراج في الصرف على المرافق العامة للمسلمين كافة ووافقه الصحابة على رأيه فأصبح إجماعاً.

2- إجازة التسعير:
كانت القاعدة في عهد الرسول هي ترك تحديد الثمن لقانون العرض والطلب وعدم التدخل في ذلك التحديد لدرجة أن بعض الناص اشتكى إلى الرسول من غلاء الأسعار فرفض عليه الصلاة والسلام أن يسعر المبيعات. وقد ذهبت غالبية الفقهاء إلى عدم جواز التسعير سواء في ذلك حالتا الأزمة والرخاء، وسواء في ذلك البضائع المنتجة محلياً والبضائع المستوردة من الخارج.
ولكن الظروف الاقتصادية قد تؤدي – في بعض الحالات كما في حالة الحروب والأزمات – إلى ضرورة تدخل أولي الأمر لوضع حد لتحكم التجار والمنتجين في المستهلكين. لذلك أجاز كثير من الفقهاء للإمام أن يتدخل لتحديد الأسعار كما إذا «امتنع أرباب السلع عن بيعها، مع ضرورة الناس إليها، إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل. ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم قيمة المثل. والتسعير ههنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به».

3- فرض ضرائب على أموال الأغنياء وقت الأزمات:
القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية هي احترام الملكية الفردية. ولكن قد يحدث أن تعجز موارد الدولة عن مواجهة نفقاتها المتزايدة ولا تجد من يقرضها، وفي هذه الحالة أعطى الفقهاء للإمام الحق في أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً، أي يفرض عليهم ضرائب تكفي لمواجهة تلك النفقات الضرورية، إلى أن يظهر مال في بيت المال يكفي لمواجهة تلك النفقات.

ثالثاً – القانون الجنائي:

1- نظام الدية:
كانت الدية – في عهد الرسول – مقدرة بالإبل «100 من الإبل». وهناك أحاديث آحاد تدل على أنه قدرها بغير الإبل في بعض الأحيان. ولكن في عهد عمر بن الخطاب تغير ذلك النظام وقدرت الدية بالنقود أو ما يحل محلها. فجعلها على أهل الذهب «أهل الشام وأهل مصر» ألف دينار وعلى أهل الورق أي الفضة «أهل العراق» أثنى عشر ألف، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل «والحلة هي الرداء والإزار فهي مكونة من ثوبين» مائتي حلة. فاختلاف الظروف الاقتصادية في الأقطار الإسلامية هو الذي جعل الدية تختلف من بلد إلى آخر سواء من حيث قدرها أو ما يمكن الوفاء به.

2- إسقاط الحد عن السارق:
تقضي القاعدة الشرعية بقطع يد السارق «سورة المائدة: 38» ومن شروطها أن يكون لدى السارق حد الكفاية فإذا سرق شخص بدافع الجوع والحرمان لا تنطبق عليه عقوبة السرقة.
وتطبيقاً لذلك لم يقطع عمر يد السارق في عام المجاعة.

2- القانون الروماني

تطور المجتمع الروماني :
يعتبر القانون الروماني مثالاً واضحاً لمقدار تأثر القانون – في تطوره – بالظروف الاقتصادية. وقد بدأ بمجموعة قليلة من القواعد – تتمثل في بعض التقاليد العرفية وقانون الألواح الاثنى عشر – وجدت لتحكم مجتمعاً زراعياً يضم عدداً قليلاً من السكان يقطنون مساحة صغيرة من الأرض «روما».
وبمضي الزمن اتسعت رقعة الدولة الرومانية وأخضعت شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط لسلطانها وتحول المجتمع الروماني إلى مجتمع تجاري وأصبح هو القانون الواجب التطبيق على كل سكان الإمبراطورية الرومانية منذ بداية القرن الثالث الميلادي حينما منحت الجنسية الرومانية لكل سكان الإمبراطورية مما أدى إلى تغيير كثير من قواعده تحت تأثير الظروف الاقتصادية التي كانت سائدة في البلاد المفتوحة.

أمثلة لبعض النظم التي تعدلت :

1- نظام الأسرة :
ترتب على انتقال روما من مجتمع زراعي إلى مجتمع تجاري أن أصبح أبناء الأسرة يقومون، في بعض الحالات، بأوجه نشاط اقتصادي مختلف عن نشاط رب الأسرة، فكان يوجد من بين أبناء الأسرة من يشغل وظيفة عمومية أو من يذهب إلى الجندية أو من يقوم بعمل تجاري.
ترتب على هذا التطور الاقتصادي الاعتراف لابن الأسرة بقدر من الشخصية القانونية بعد أن كان عديمها. فأصبح له تملك بعض الأموال التي عرفت باسم «الحوزات».
وفي عهد جستنيان اعترف لابن الأسرة بذمة مالية مستقلة عن ذمة رب الأسرة. فأصبح كل ما يكسبه الابن يؤول إليه وحده.

2- نظام الملكية :
لم يكن الرومان يعرفون – في بادئ الأمر – إلا صورة واحدة من الملكية هي الملكية الرومانية.
وبمرور الزمن تعددت صور الملكية منذ العصر العلمي فوجد إلى جانب الملكية الرومانية: الملكية الإيطالية والملكية الإقليمية والملكية الأجنبية والملكة البريتورية.

3- نظام الالتزامات :
ظهر أثر العامل الاقتصادي في نظام الالتزامات وبصفة خاصة في نظام العقود بعد ما تحول المجتمع الروماني إلى مجتمع تجاري، والمعاملات تنفر – بطبيعتها – من الشكليات والرسميات، لذلك أوجد الرومان كيراً من العقود غير الرسمية. فنشأت العقود العينية والعقود الرضائية وغيرها من العقود غير الرسمية، وأمكن قيام العقد بين غائبين؛ ودخل مبدأ حسن النية في المعاملات.