مفهوم المركزية الادارية :

للاشارة الى مفهوم المركزية الادارية لابد من القول انها تتعلق بطريقة تنفيذ القوانين كما اكد ذلك العديد من الباحثين في موضوع القانون الاداري ومن هذه التعاريف ما جاء به د. طعيمة الجرف الذي اكد على ان المركزية الادارية تعني (( توحيد كل مظاهر النشاط الاداري في الدولة وتجميعها في يد السلطة التنفيذية وفروعها في العاصمة او الاقاليم ))(1) . اما د. فؤاد العطار فقد عرفها بقوله (( توحيد الاسلوب الاداري وتجانسه بالنسبة لكل اقاليم الدولة وعموم شعبها (2) . وقد عرف د.سليمان الطماوي المركزية الادارية (( قصر الوظيفة الادارية في الدولة على ممثلي الحكومة المركزية في العاصمة(3) )). كما عرفها د. مصطفى كامل هو الاخر بقوله : (( وجود هيئة مركزية تقوم بأدارة البلاد وجعل هذه الادارة منسقة متجانسة (4))) . ولتحقيق المركزية فيجب ان تعتمد الحكومة المركزية على طائفة من الموظفين يخضع فيها المرؤوس للرئيس ، والحقيقة اننا اذا تكلمنا عن المركزية الادارية فانما نشير الى طريقة ادارة المصالح العامة التي تهدف الى تحقيق استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي وخدمي ، وان تلك المصالح تقسم الى نوعين (5) :-

الاول : المرافق العمومية وتشمل المرافق التي تهم جميع سكان البلاد اي المرافق القومية ومثالها وزارة الدفاع وكل ما يتعلق بالأمن القومي للبلد .

الثاني : المرافق المحلية التي تهم بوجه خاص سكان وحدة اقليمية معينة او مدينة او محافظة مثال ذلك هو خط الكهرباء او الماء او ادارة شؤون المواطنين لمدينة او محافظة معينة .

واننا عندما نلجأ الى اسلوب المركزية الادارية سواء كانت بنوعيها القومي او المحلي فلابد ان نحدد اهم ميزاتها : تقوية السلطة العامة وتوسيع نفوذ الحكومة المركزية وتعزيز هيبتها .

1.ضمان العدالة والمساواة لجميع افراد الدولة في الخدمة العامة .

2.نظام يكفل تجانس النظم الادارية في الدول كلها اذ يسهل على الموظفين الاحاطة بتلك النظم.

3.الاقلال من النفقات الى اقصى حد ممكن .

ان المقصود بالمركزية الادارية هي طريقة تنفيذ القوانين يعهد بها للحكومة المركزية التي توجد في العاصمة ، وفي حالة تنفيذ تلك القوانين يظهر لنا نوعان من التطبيقات هما (6) :

1.الوزاريه الادارية : وهي صورة من صور الادارة المركزية تكون فيها الوزارات التي في العاصمة هي صاحبة الاختصاص في اعطاء الرأي النهائي في المسائل المتعلقة بأدارة الشؤون القومية أي الخاصة بكافة افراد البلاد وجميع اقاليمه وكذلك الشؤون الخاصة بأقسام الدولة الادارية كالمحافظة والقضاء والناحية، وهي التي تعني عادة بالشؤون المحلية .

2.اللاوزارية الادارية : وهي تقوم على اعطاء سلطات معينة لموظفي الحكومة المحليين أي الذين يوجدون بالأقاليم ويراد بها الاقتسام الاداري للدولة وبمقتضى هذه السلطات يكون لهم البت في مسائل معينة تحت اشراف الحكومة المركزية .

وعليه فان تركيز الادارة بيد الحكومة المركزية في العاصمة يقوم على مجموعة من العناصر اهمها :(7)

أ-تركز السلطة الادارية بيد الحكومة المركزية ويتمثل ذلك في تركيز ولاية البت في القرارات النهائية في جميع شؤون الوظيفة في يد رجال الحكومة المركزية أي رجال السلطة التنفيذية في مدارجها العليا في العاصمة وعمالها من موظفي فروع هذه السلطة في الاقاليم .

ب-تبعية متدرجة تخضع لها جميع المصالح العامة وموظفوها على طول السلم الاداري الذي تتجمع حوله المركزية وفروعها في العاصمة والاقاليم، وهو ما يعني ضرورة الاعتراف لكل وحدات الجهاز الاداري في المستويات المختلفة بحق اصدار القرارات التنظيمية والفردية في حدود مالها من الاختصاصات بشرط ان تخضع فيما بينها لفكرة التبعية الادارية للوحدات العليا. جـ -خضوع موظفي الحكومة المركزية لنظام السلم الاداري ، يقضي هذا السلم خضوع الموظف الاقل درجة للموظف الاعلى درجة ، ولكن تلك السلطة التي يمارسها الموظف الاعلى ليست حقا شخصيا ولا مطلقا ولكنها مجرد اختصاص مباشر يمارسه وفقا للقوانين واللوائح .

من كل ما سبق يمكن القول انه لا يتم تحقيق المركزية الادارية في اقاليم الدولة كافة الا عن طريق تفويض السلطة الادارية لمن ينوب عنها ويعتمد ذلك على طائفة من الموظفين يخضع فيها المرؤوس لرئيس بهدف تحقيق المصالح العامة ، وعلى اساس ذلك وجدت (( نظرية تفويض السلطة العمومية ))(8) .

_____________________

[1]- انظر : د. طعيمة الجرف : مصدر سابق ، ص95.

2- انظر : د. فؤاد العطار : محاضرات في تنظيم الادارة العامة ( القاهرة :المطبعة . بلا .
1957 ) ، ص69.

3- انظر: د.سليمان محمد الطماوي : الوجيز في القانون الاداري دراسة مقارنة ، مصر . المطبعة . بلا . 1989،ص55.

4- انظر : مصطفى كامل : مصدر سابق ،ص339.

5- انظر : مصطفى كامل : مصدر سابق ،ص239.

6- انظر : مصطفى كامل : مصدر سابق ، ص-ص342-343.

7- انظر : د. طعيمة الجرف : مصدر سبق ، ص-ص 96-79

8- تعرف نظرية التفويض العمومية بانها عبارة عن نظرية تصور ان سلطة كل وكيل قد احيلت من رئيس الدولة ومن الوزارات وانها استقيت من منبع مشترك للسلطات وهو خزان السلطة العمومية او سلطة الدولة وللمزيد انظر : د. مصطفى كامل ، مصدر سابق ،ص339.

مفهوم اللامركزية الادارية :

تقوم فكرة الادارة اللامركزية على اساس نقل بعض صلاحيات الادارة المركزية الى ادارات محلية ذات اختصاصات أقل سواء أكان ذلك من الناحية الاقليمية او الناحية الموضوعية اما اذا كانت صلاحيات الادارة اللامركزية اكثر من صلاحيات الادارة المركزيه فيؤدي ذلك الى اختلال توازن العمل الاداري كون اغلبية اعضاء المجالس المحليه ليس لديه الدرايه الكافيه بالقوانيين والانظمة والتعليمات مما يؤدي الى نتيجة خطيرة وهي اضعاف هيبة الدولة وسوء تقديم الخدمات للمواطنين وهذا ما يحدث للعراق في الوقت الحاضر . فيما يتعلق بمفهوم اللامركزية الادارية فقد يبدو لأول وهلة انه مفهوم بسيط مع انه في الحقيقة مفهوم معقد وملتو وهو الأمر الذي يستلزم ايضاح ما يقصد به ، فقد عرف د. عبد القادر الشيخلي اللامركزية الادارية بانها ((توزيع الوظيفة الادارية بين السلطة المركزية في الدولة وبين الهيئات الادارية المحلية وعلى اساس اقليمي))(1) ، كما عرفها د. شاهر الرواشدة بقوله ((ترك جزء من الوظيفة الادارية بين يدي الهيئات الادارية او الاقليمية والتمتع بالشخصية المعنوية لتباشرها تحت الوصاية الادارية للسلطات المركزية))(2) ، ومما سبق نستنتج القول ان اللامركزية الادارية هو توزيع الوظيفة الادارية بين الحكومة المركزية والادارة المحلية ، وتنصب هذه الوظيفة على عمل اداري فقط . ويمكن تحقيق اللامركزية الادارية من خلال تفويض بعض كبار الموظفين خاصة رؤساء الوحدات الادارية لبعض الاختصاصات ذات الطابع الاداري إلا ان تفويض الادارة اللامركزية لبعض كبار موظفي الدولة في ممارسة بعض الصلاحيات لا يعتبر خروجاً عن فكرة المركزية الادارية ، ويشترط توفر عنصرين هما(3) :-

1-ان تكون المجالس المحلية منتخبة لتمثيل الوحدات المستقلة .

2-عدم الخضوع للسلطة الرئاسية .

وبموجب هذه الادارة تكون هيئات محلية يكون لها قسط من الاستقلال يفصل به عن السلطة المركزية ، وفي هذه الحالة نكون تجاه نظام اداري لامركزي ، ويمكن ان تتحقق هذه اللامركزية الادارية بأن تجعل السلطات المحلية منتخبة ولو جزئياً ، وباعطائها الحق في ان تبت في بعض المسائل المحلية ودون الرجوع في ذلك الى السلطة المركزية . وعليه يمكن القول ان السمة المميزة لهذا الاسلوب في التنظيم وهي عدم ارتباطها بالسلطة المركزية بتبعية وانما هي تحتفظ بنوع من الرقابة او الوصاية الادارية الا ان ذلك لايعني استقلالها بشكل مطلق عن السلطة المركزيه لان مثل هذا القول يهدد الوحدة السياسيه للدولة لذلك فان النظام اللامركزي يقوم على اساس بقاء ممارسة الهيئات المحليه لاختصاصاتها خاضعه للأشراف ورقابة السلطة المركزيه وان الرقابه الاداريه للسلطه المركزيه على الهيئات المحليه عنصر اساسي لقيام اللامركزية الاداريه(4)

ويشترط في هذا النوع من اللامركزية ما يلي(5) :

1- وجود مصالح عامة محلية الى جانب المصالح العامة الوطنية .

2- تولي هيئات محلية تسيير المصالح واشباع الحاجات المحلية .

3-اشراف السلطة المركزية على اعمال الهيئات المحلية (اللامركزية) عن طريق الوصايه الاداريه .

وعلى اساس ذلك يمكن تقسيم اللامركزية الادارية الى قسمين :

أولاً :- اللامركزية الاقليمية : وتسمى أحياناً الادارة المحلية والتي تكون على اساس الاقليم او بلدة معينة وتتمتع عادة بالشخصية المعنوية(6) .

ثانياً : اللامركزية المصلحية : أي منح مرفق عام قومي محلي الشخصية المعنوية وقدرٍ من الاستقلال(7) .ومما تجدر الاشارة اليه ان المرافق القومية لا تشمل الاداراة اللامركزية لأن هذه المرافق العامة القومية لا خلاف في انها يجب ان تخضع في ادارتها والسير بها للحكومة المركزية .

كما يمكن القول ايضاً ان لكل نظام اداري له مفهومه الخاص به وعناصره التي تحدده ويتميز بمجموعة من الخواص فأما أهم مميزات نظام اللامركزية الادارية فهي(8) :

1- ان الاخذ بنظام اللامركزية الادارية يخفف كثيراً عن عاتق السلطة المركزية دون ان تهدد المصلحة العامة اذا استخدمت بصورة صحيحة ووفقاً للقوانيين والانظمة والتعليمات .

2- انها تعبر عن مصالح السكان المحليين بصورة مباشرة والتي دون أدنى شك تختلف عن سكان الأقاليم الأخرى .

3- تجنب الروتين والبطء لصدور القرارات المتعلقة بالمصالح المحلية والاسراع في انجاز العمل .

4- تكون اللامركزية الادارية أقوى في مواجهة الازمات من النظام المركزي.

5- تعتبر تأكيد على نهج الديمقراطية بصورة واضحة .

وعلى أساس ذلك يمكن القول الى ان اللامركزية الادارية تتميز بكونها تتمكن في مواجهة احتمال طغيان السلطة المركزية ومساعدة المواطنين على ادارة شؤونهم المحلية بأنفسهم عن طريق ممثليهم الذين يتم اختيارهم بواسطتهم بالانتخاب .

وبالرغم من وجود ايجابيات كثيرة للامركزية الادارية لا يعني انها تخلو من بعض نقاط الضعف وأهم عيوب اللامركزية الادارية هي(9) :

1- تعد شكلاً من اشكال الاستقلال الذاتي الذي يقلل سياسياً من نفوذ السلطة المركزية داخل الأقاليم .

2- تقلل من قيمة الوحدة الوطنية في حالة ضعف هذه السلطة وبخاصة إذا كانت الوحدات اللامركزية تختلف فيما بينها ثقافياً وفكرياً .

3- ربما تُغّلب من وراء انتهاج هذا النوع من الادارة المصالح المحلية على المصالح القومية وان كانت الوصاية الادارية الموجهة للهيئات المحلية تحد من خطورة هذا الاحتمال .

4- اقتصادياً الاسراف في انفاق الأموال العامة ارضاءً لناخبيهم(10).

أياً كان الأمر فانه يمكن القول بان مشكلة اللامركزية الادارية تعتبر من المشاكل المعقدة للغاية ولذلك تقوم كل دولة بتشديد او تخفيف الوصاية الادارية على الادارات اللامركزية في ضوء ظروفها الخاصة .

اما فيما يتعلق باختصاصات رئيس الوحدة الادارية الاقليمية اللامركزية في العراق فهو يشغل دوراً مزدوجاً في نظام الادارة المحلية ويستند في ذاك الى صفتين ، الاولى بصفته ممثل عن السلطة التنفيذية (الدولة) في نطاق وحدته الاقليمية وعليه تنفيذ السياسة العامة للدولة وتطبيق القوانين واللوائح والقرارات كما تعرفنا عليها سابقاً ، اما الصفة الثانية التي يتمتع بها رئيس الوحدة الادارية الاقليمية هي صفة تمثيلية للسلطة المحلية أي انه عامل من عمال الادارة اللامركزية ورئيساً لتلك المجالس المحلية .وقبل انهيار النظام السياسي في العراق بسبب احتلاله من قبل القوات الامريكية والبريطانية كان رئيس الوحدة الادارية يمارس منصبين، الاول رئيس للوحدة الادارية أي ممثلاً للادارة المركزية ، والثاني رئيس للمجلس المحلي أي ممثلاً للادارة اللامركزية ، ولهذا الازدواج في العمل ايجابيات وسلبيات ،

اما الايجابيات فهي :-

1- المحافظة على هيبة السلطة المركزية .

2- ترجيح المصلحة الوطنية على المصلحة المحلية لأن رئيس الوحدة الادارية لا يخشى الناخبين لأنه معين وليس منتخب .

3- ضمان حسن تنفيذ القوانين والأنظمة والتعليمات .

4- انسيابية العمل الاداري وحسن التنظيم الاداري .

أما السلبيات فهي :-

1- ان رئيس الوحدة الادارية حاكم وخصم في الوقت نفسه .

2- تهميش دور اللامركزية الادارية .

3- اضعاف دور الرقابة التي تمارسها الهيئات المحلية على رئيس الوحدة الادارية مما قد يؤدي الى طغيان السلطة المركزية .

4- محاولته دعم المركزية الادارية على حساب اللامركزية الادارية كونه معيناً لا منتخباً .

وبعد احتلال العراق وصدور أمر سلطة الائتلاف المؤقته رقم 71 لسنة 2004 عزل منصب رئيس الوحدة الاداريه عن منصب رئيس المجلس المحلي(11). واعطت هذه المرحلة صلاحيات واسعه للادارة اللامركزيه ادت الى تهميش الادارة المركزيه مما ادى ذلك الى ضعف السلطة المركزيه الذي بدوره ادى الى تهديد الوحدة السياسيه للبلد فهذه هي الغايه المنشوده من أمر سلطة الائتلاف وليس تحقيق الديمقراطيه كما يزعم المحتل ذلك لان الديمقراطيه الحقه يجب ان تعزز الوحدة السياسيه لا ان تصيبها في مقتل .

______________________

[1]- د. عبد القادر الشيخلي : نظرية الادارة المحلية والتجربة الاردنية (بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1983) ص13 .

2- د. شاهر علي سليمان الرواشدة : الادارة المحلية في المملكة الاردنية الهاشمية حاضرها ومستقبلها (عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، 1986) ص22 .

3- د. محمود عاطف البنا ، مصدر سابق ، ص166 .

4- د. ماهر صالح الجبوري ، مصدر سابق ، ص39.

5- د. ماهر صالح الجبوري : مصدر سابق ، ص39 .

6- د. محمود عاطف البنا : مصدر سابق ، ص113 .

7- المصدر نفسه ، ص165 .

8- د. سليمان الطماوي : مصدر سابق ، ص86-87 ، وكذلك انظر الاستاذ ضياء الدين الحيدري ، مصدر سابق ، ص11-12.

9- مصطفى الجندي : المرجع في الادارة المحلية (مصر / منشأة المعارف ، 1971) ص34

10- مصطفى الجندي ، مصدر سابق ، ص34 .

11- امر سلطة الائتلاف المؤقته رقم 71 لسنة 2004 .

المؤلف : صداع دحام طوكان الفهداوي
الكتاب أو المصدر : اختصاصات رئيس الوحدة الادارية الاقليمية في العراق

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .