أولاً : حق المشتري في الاختيار بين دعوى الضمان ودعوى التسليم وإمكانية الجمع بينهما:

إن المفهوم الواسع للمطابقة بحسب التعريف الوظيفي جعل وجود العيب الخفي في المبيع من قبيل عدم المطابقة مما يترتب عليه قيام المسؤولية العقدية ، وهذا يؤدي إلى أنه في كل حالة يحصل فيه الضرر بسبب وجود عيب خفي فإنه يجعل من المبيع غير مطابق لما تم الاتفاق عليه فيتحقق العيب الموجب للضمان وعدم المطابقة الموجب لجزاءات الإخلال بالتسليم فيكون المشتري حراً في اختيار الدعوى التي يراها أكثر ملائمة له ، ولا يخضع للقيود الواردة في أحكام الضمان ، وهذا ما قررته محكمة النقض عندما أعطت الحق للمشتري في الاختيار بين الدعويين فأقرت هذا الحق بصورة ضمنية وسمحت للمشتري الاستناد إلى القواعد العامة للمسؤولية العقدية في رفع دعواه بالتعويض ، في حين أن الضرر كان بسبب وجود العيب في المبيع(1). وسارت في هذا الاتجاه الدائرة المدنية الأولى والدائرة التجارية في محكمة النقض إذ منحت المشتري حق الاختيار ويستطيع أن يتخلى عن دعوى الضمان متى ما يشاء ليأخذ بدعوى عدم المطابقة سواء كان الضرر ناشئاً عن عيب خفي أم لا ، إلا أن الدائرة المدنية الثالثة رفضت مبدأ الاختيار واستقر قضاؤها على أن الدعاوى التي تقوم على أساس الضمان وعلى أساس وجود عيب في المبيع فإنها تخضع لأحكام ضمان العيوب الخفية، والدعاوى التي تقوم على أساس عدم المطابقة تخضع لأحكام المسؤولية العقدية وما لبثت الدائرة المدنية الأولى والدائرة التجارية حتى تراجعت عن رأيها في منح المشتري حق الاختيار فعادت لتؤكد مبدأ عدم جواز الخيرة بين الدعويين ، واتفقت جميع الدوائر المدنية ومعها التجارية على مبدأ عدم جواز الخيرة بين دعوى الضمان ودعوى التسليم(2).

ثانياً : سلطة القاضي في إعادة تكييف الدعوى :

كان من الآثار المترتبة على مزج دعويي الضمان ودعوى التسليم أن منح القاضي دوراً كبيراً في إعادة تكييف الوقائع المعروضة عليه فإذا تم رفض الدعوى على أنها غير مقبولة على أساس ضمان العيب الخفي فإنه يستطيع قبولها على أساس الإخلال بالالتزام بالتسليم المطابق، ولكن القضاء مر في إعطائه هذا الدور في التكييف بمرحلتين ، الأولى اتجهت فيه محكمة النقض إلى أن محكمة الموضوع لا تلتزم بأن تعدل الأساس القانوني للطلب المقدم ، فإذا ما كان الضرر ناشئاً بسبب وجود عيب خفي في المبيع وتبين أن الدعوى قد رفعت بعد انتهاء المدة القصيرة الواردة في المادة 1648 فإن المحكمة لن تستطيع أن تغير أساسها وبالتالي لا تستطيع قبول الدعوى على أساس الإخلال بالالتزام بالتسليم المطابق(3). أما في المرحلة الثانية فإن محكمة النقض اتخذت اتجاهاً آخر حيث أقرت فيه بسلطة القاضي في إعادة تكييف الوقائع المتعلقة بالدعوى وبالتالي إمكانية تعديل أساسها القانوني ولكن يشترط في إمكانية تكييف الدعوى بتعديل الأساس القانوني من دعوى الضمان إلى عدم المطابقة الأخذ بعين الاعتبار مسألتين مهمتين الأولى: أن يتوافر في الدعوى عنصران وهما وجود العيب وعنصر عدم المطابقة ،فإذا انتفى احدهما فلا يمكن تعديل الأساس القانوني للدعوى أو تكييفها بشكل مخالف لوقائعها ، أما المسالة الثانية : أنه إذا اجتمع في وقائع الدعوى عناصر كل من دعوى الضمان ودعوى التسليم فليس للقاضي أن يرفض الدعوى بزعم أن الخصوم قد رفعوها على أساس العيب، بل عليه قبولها على أساس عدم المطابقة(4).

ثالثاً : تعطيل النصوص المتعلقة بالضمان :

إن القضاء في رغبته لإيجاد وسيلة فعالة وقانونية لتوفر الحماية الكافية للمشتري المتضرر من المنتجات وإعطائه فرصة الحصول على التعويض لجأت إلى أحكام الالتزام بالتسليم لكي يخلص المشتري من القيود الصارمة لدعوى ضمان العيب الخفي ، وفي انطلاقه نحو إعطاء مفهوم واسع للتسليم المطابق سمح للمشتري ان يختار ويلجأ لأحكام دعوى المسؤولية العقدية في كل حالة يجد فيها عيباً في المبيع على أساس أنه عدم مطابقة وعلى الرغم من أن هذه الوسيلة أعطت الفرصة للمشتري في الحصول على التعويض لكي لا يحرمه من أي وسيلة تسمح له بالحصول على التعويض من البائع الذي يتحين كل الوسائل والفرص للهروب من التعويض ، إلا أن ذلك أدى بالمقابل إلى تعطيل النصوص الخاصة بضمان العيوب الخفية لأنه يؤدي إلى أن المشتري يلجأ إلى أحكام المسؤولية العقدية حتى ولو حصل الضرر بسبب عيب في المبيع ، لذلك وجه الفقه الفرنسي الانتقاد إلى هذه الوسيلة مما أدى إلى تردد القضاء الفرنسي وتراجعه عن موقفه خصوصاً عندما استشعر أن نظام دمج الدعاوي يخرج بها عن أهداف النصوص ويؤدي إلى محاباة بعض النصوص القانونية في مقابل إهدار البعض الآخر(5). كما إن إخضاع الأضرار التي تحدث بسبب عيوب المنتجات والتي تصيب الشخص في نفسه أو في أمواله أو في أقربائه إلى القواعد القانونية المتعلقة بالالتزام بالتسليم أو الالتزام بالضمان يؤدي إلى استغراق المفاهيم التقليدية لهذه الأضرار في حين أنه يجب أن يخضع هذه الأضرار إلى أساس آخر يعبر عنه وعن مضمونها وهذا ما أدى بالقضاء إلى الاعتراف بوجود التزام آخر مستقل عن كل هذه الالتزامات ألا وهو الالتزام بضمان السلامة(6).

________________________

[1]- القرارات الصادرة من محكمة النقض في 20 / 3 / 1989 ، 22 / 5 / 1991 ، 24 / 3 / 1992 ،
1 / 12 / 1992 ، ينظر في ذلك جابر محجوب علي ، مصدر سابق ، ص109 وما بعدها.

2- ينظر د. جابر محجوب علي ، مصدر سابق ، ص115 وما بعدها ، د. حسن عبد الرحمن ، مصدر سابق ، ص65.

3- عامر قاسم ، مصدر سابق ، ص74.

4- عامر قاسم ، مصدر سابق ، ص74. ويشترط عندئذ أن يعيد القاضي فتح باب المرافعة للسماح للخصوم بإبداء ملاحظاتهم حول التكييف الجديد وهو ما قررته محكمة النقض في قرارها الصادر في 27 / 10 / 1993 ، ينظر د. جابر محجوب علي ، مصدر سابق ، ص125.

5- د. جابر محجوب علي ، مصدر سابق ، ص129.

6- د. حسن عبد الرحمن قدوس ، مصدر سابق ، ص64-65.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .