يعتبر في حكم القاصر الجنين والمجنون والمعتوه والسفيه والمفقود والغائب

إعادة نشر بواسطة محاماة نت 

 

 

في هذه الحلقة من قانون الأحوال الشخصية نتعرف على عدة جوانب مهمة في الأهلية التي تمنح صاحبها صلاحية لوجوب الحقوق والأداء، وتنص المادة (159) بأن كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون.

وتعرف المذكرة الإيضاحية الأهلية في الاصطلاح الفقهي بأنها: هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له فقط أو له وعليه، فهي إذن صفة يقدرها الشارع في الشخص، تجعله محلاً صالحاً للخطاب بالأحكام الشرعية.

والأهلية نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء، وكل منهما، إما ناقصة وإما كاملة.

والأهلية تختلف باختلاف المراحل التي يمر بها الإنسان، منذ تكونه جنيناً في بطن أمه، إلى أن يصل إلى سن الرشد.

* عوارض الأهلية

يقسم الفقهاء تلك العوارض إلى قسمين: عوارض سماوية، وعوارض مكتسبة، فالأهلية في الأصل، معادلة للوجود الإنساني الكامل، فقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر، وجعلهم أشرف الخلائق، ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا« (سورة الإسراء، آية 70 ).

وجعلهم، تباركت قدرته، بكمال حكمته، متفاوتين فيما يمتازون به عن الأنعام وهو العقل، فإذا غلب العقلُ الهوى كان الإنسان أفضل من الملك، وإذا غلب الهوى العقل، هبط الإنسان إلى درك دون مرتبة الحيوان، ويقرر القرآن الكريم في أولئك »إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل«، (سورة الفرقان، آية 44).

ويقول في آية أخرى »أولئك هم الغافلون«. (سورة الأعراف آية 179). وإذا ابتلي شخص بشيء من أسباب الردى، أي بشيء من تلك العوارض السماوية، أو الكسبية، كانت تصرفاته موقوفة كاملة أو غير صحيحة، إذ يكون بحاجة إلى من يعاونه وينظر في شؤونه وأمواله نظراً خاصاً أو عاماً، وكل ذلك رحمة من الله بعباده ولطفه بهم.

ومن هذه المبادئ جميعاً، صيغت هذه المادة التي تنص على أن الشخص – مبدئياً – كامل الأهلية لمباشرة حقوقه ما لم يقر هذا القانون خلاف ذلك، إشارة إلى شرف الإنسانية وكرامتها وكمالها، إلا إذا كان ثمة عارض من عوارضها، بما في ذلك الصغر الذي اعتبره علماء الأصول جميعاً عارضاً من عوارض الأهلية، إذ أنه حالة غير ملازمة للإنسان، فالعوارض كلها استثناءات، من كمال أهلية الإنسان، يقررها القانون ضمن إطار الشريعة الخالدة.

وتقول المادة (160) يعتبر في حكم القاصر: الجنين والمجنون والمعتوه والسفيه والمفقود والغائب.

وفي المادة (161) يعتبر فاقد الأهلية الصغير غير المميز والمجنون والمعتوه، وأما المادة (162) فتعتبر ناقص الأهلية: الصغير المميز والسفيه، وتذكرالمادة (163) أن يتولى شؤون القاصر من يمثله، ويدعى حسب الحال ولياً أو وصياً ( ويشمل الوصي المختار ووصي القاضي ) أو قيماً. والمذكورون في المادة (160) ثلاثة أصناف هم:

– من لم يبلغ سن الرشد التي حددتها المادة (172) بإحدى وعشرين سنة قمرية فمنذ ولادة الشخص حتى بلوغ السن المذكورة يعتبر قاصراً، ما لم يتم ترشيده، وهو قبل إتمام السابعة من عمره، يسمى صغيراً غير مميز، وبعد إتمامها يسمى صغيراً مميزاً، (المادة 164)، وبعد إتمام الثامنة عشرة من عمره يمكن أن يكون مأذوناً وفق المواد (166 – 168) الآتي بيانها.

– المجنون والمعتوه والسفيه، وقد تضمنت المادة (174) التعريف بكل منهم.

– المفقود والغائب، وقد تضمنت المادة (233) التعريف بهما.

ولا جرم أن هؤلاء جميعاً، محتاجون إلى من يقوم على شؤونهم سواء فيما يتعلق:

بالنفس مما يدخل في الولاية على النفس، وتشمل كما سيأتي العناية بشخص القاصر والإشراف عليه وحفظه وتربيته وتعليمه وتوجيهه وإعداده إعداداً صالحاً ويدخل في ذلك الموافقة على تزويجه (المادة 178 الفقرة أ).

والولي على النفس هو الأب ثم العاصب بنفسه على ترتيب الإرث، المادة (181) فقرة (1) وعند تعدد المستحقين للولاية وهم في درجة واحدة وقوة قرابة واحدة واستوائهم في الرشد، فالولاية لأكبرهم، وإن اختلفوا في الرشد اختارت المحكمة أصلحهم للولاية، المادة (181) فقرة (2) وإن لم يوجد مستحق عينت المحكمة ولياً على النفس من أقارب القاصر إن وجد فيهم صالح للولاية وإلا فمن غيرهم المادة (181) الفقرة (3). أو بالمال ويسمى في الاصطلاح الفقهي النائب الشرعي، وهذا النائب الشرعي، إذا كان أباً أو جداً لأب سمي ولياً.

وإذا عين الأب شخصاً آخر يقوم بأعباء الولاية المالية سمي ذلك الشخص وصياً أي وصياً مختاراً – من قبل الأب – فإن لم يعين أحداً أي لم يكن ثمة وصي مختار من قبل الأب، عينت المحكمة شخصاً أطلق عليه في هذا القانون اسم وصي القاضي، يتولى شؤون الصغار، كما تعين قيماً فيما يتعلق بالمجنون والمعتوه والسفيه، أو وكيلاً قضائياً بالنسبة للغائب والمفقود، وعلى القاضي حينما يختار الوصي أن يراعي مصلحة القاصر فقط المادة (163).

* الصغير وأحواله

بينت المادة (164) أحوال الصغير سواء كان هذا الصغير مميزا أو غير مميز، والصغير غير المميز وفق أحكام هذا القانون: هو من لم يتم السابعة من عمره، والصغير المميــز: هو من أتم السابعة من عمره. وتذكر المادة (165) مع عدم الإخلال بحكم المادتين (30) و (31) من هذا القانون، تكون: تصرفات الصغير غير المميز القولية باطلة بطلاناً مطلقاً وتصرفات الصغير المميز القولية المالية صحيحة متى كانت نافعة له نفعاً محضاً، وباطلة متى كانت ضارة به ضرراً محضاً وتصرفات الصغير المميز القولية المالية المترددة بين النفع والضرر موقوفة على الإجازة.

والصغير في اصطلاح الفقهاء: هو من لم يبلغ الحلم: أي من لم يبلغ سن البلوغ الشرعي أو البلوغ الطبيعي، ويكون: بظهور إحدى علاماته، ففي الفتى وبعد إكمال الثانية عشرة من العمر بظهور أعراض الرجولة كنبات اللحية أو الشارب أو الاحتلام، وما إلى ذلك، وفي الفتاة وبعد إكمال التاسعة من العمر، بظهور أعراض الأنوثة كالحيض أو الحبل وما إلى ذلك.

بالسن، أي بإكمال الفتى أو الفتاة الخامسة عشرة من العمر ولو لم تظهر إحدى العلامات المشار إليها سابقاً، وهذا ما قرره الجمهور، وقال أبو حنيفة:

البلوغ بالسن للفتى ثماني عشرة سنة، وللفتاة سبع عشرة سنة. أما الصغير، بالنسبة للشؤون المالية، فهو القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد، ولم يتم ترشيده، ذلك أن الإنسان قبل استكمال أهليته المالية يسمى قاصراً سواء أكان فاقداً هذه الأهلية، أم كان ناقصها، كما في المرحلة بين التمييز والرشد.

ولا جرم، فالصغر عجز، والعقل في الصغير غير مكتمل، والتصرفات القولية أساس الالتزام فيها العقل والرضا، فإذا لم يكن العقل، أو كان غير كامل، فلا يوجد موجب الالتزام في هذه التصرفات فالصغر الذي لا يمكن معه تمييز، يكون فيه الصغير فاقد الأهلية، فلا ينعقد منه تصرف قولي. وعبارته تكون ملغاة لا اعتبار لها، وتكون باطلة إلا ما استثناه الفقهاء، كإذن الصغير في دخول المنزل، وما جرى العرف بقبوله.

أما الصغر مع التمييز: فإن عبارة الصغير فيه، تكون معتبرة في الجملة، والتصرفات المالية النافعة له نفعاً محضاً، صحيحة ولو من غير إجازة الولي، كقبول الهبة، وتملك المباحات وما إلى ذلك، والتصرفات المالية الضارة ضرراً محضاً، كالتبرع للغير، أو إقراض ماله للغير والطلاق والعتق، فكل هذه التصرفات باطلة ولو أجازها الولي.

وأما التصرفات القابلة للنفع والضرر، كالبيع والشراء والمزارعة والمساقاة والإجارة والاستخدام وما إلى ذلك، فإنها تنعقد غير نافذة وتكون موقوفة على إجازة من له الولاية المالية عليه، فهي إذن قابلة للإبطال، لمصلحة الغير، ما لم يجزها هو نفسه بعد بلوغه سن الرشد، أو يجيزها من يملك التصرف في ماله من ولي أو وصي أو مقدم أو قاض وفقاً للقانون.

وواضح من نص المادة (165) أنه لا عبرة للإجازة الصادرة عن المأذون نفسه قبل الترشيد أو قبل إكمال الحادية والعشرين من العمر التي هي سن الرشد، كما لا عبرة لإجازة الولي أو غيره إذا كانت مخالفة للأصول القانونية، أي يبقى حق التمسك بإبطال ذلك التصرف المتردد بين النفع والضرر، قائماً ما دامت مصلحة الصغير تقتضي التمسك بذلك الحق.

ولا بد من ملاحظة أن الفقهاء متفقون على أن التمييز لا يتصور في سن دون السابعة وقد يتجاوزها الشخص ولا يميز، ما دام لا يعرف معاني العقود ومقتضياتها في عرف الناس، ولا يعرف الغبن والكسب، لتعقد المعاملات بين الناس وكثرة المحتالين، وفساد كثير من الضمائر في هذا الزمن.

وفي المادة (166) للولي أن يأذن للقاصر الذي أتم الثامنة عشرة سنة في تسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها، ويجوز للمحكمة بعد سماع أقوال الوصي أن تأذن للقاصر الذي أتم الثامنة عشرة سنة في تسلم أمواله كلها أو بعضها لإدارتها. وفي المادة (167) الصغير المأذون له في التصرفات الداخلة تحت الإذن كالبالغ سن الرشد.

والمادة (168) ترى انه إذا أتم الصغير المميز الثامنة عشرة من عمره وآنس من نفسه القدرة على حسن التصرف وامتنع الوصي من الإذن له في إدارة جزء من أمواله يرفع الأمر إلى القاضي. تبين المذكرة الإيضاحية مما سبق أن الصغير شخص لم يبلغ سن الرشد، ولم يتم ترشيده بعد. فإذا لم يكمل السابعة من عمره فهو غير مميز، وإن أكملها فهو مميز، وإن تجاوز الثامنة عشرة من عمره فهو:

– إما مأذون: أي مأذون له بممارسة بعض التصرفات التجارية المترددة بين النفع والضرر، كإدارة أمواله أو جزء منها بإذن القاضي أو بما كان من صنيع التجار وعاداتهم من غير حاجة إلى إجازة، لأن الإذن السابق على التصرف، كالإجازة اللاحقة بعده، فيملك مثلاً حط شيء من ثمن المبيع، إذا ظهر في المبيع عيب قديم وأراد المشتري ردَّه عليه، لأن الحط من الثمن في مثل هذه الحالة متعارف عليه بين التجار، وكذلك له أن يوفي ويستوفي الديون المترتبة بسبب البيع أو الشراء أو الإجارة أو الاستخدام وما إلى ذلك فهذا مأذون.

– وإما غير مأذون فهو باق على المنع، ولا تنفذ تصرفاته المحتملة للنفع والضرر إلا بإجازة ممن له ولاية التصرف في ماله.

– ويمكن منح الإذن للصغير بعد إكماله الثامنة عشرة من عمره، وبعد أن يؤنس منه حسن التصرف، فلا بد من توافر هذين الشرطين معاً، وإلا فإنه لا يصح إعطاء الإذن. أما منح الإذن المشار إليه لهذا الصغير فيكون من:

– الولي ( الأب أو أب الأب ) وتستمر مراقبته له بعد منحه الإذن له، ومن حقه سحب الإذن أو تقييده في أي وقت يظهر له فيه أن المصلحة لولده تقتضي ذلك.

– الوصي الذي يعينه الأب، وهنا لا بد من موافقة القاضي على إعطاء الإذن.

– وصي القاضي الذي تعينه المحكمة على الصغير (أي المقدم)، وهنا أيضاً لا بد من موافقة المحكمة على إعطاء الإذن كما جاء في المادة (166) الفقرة (2).

– المحكمة نفسها، بناء على طلب الصغير، لامتناع الوصي (الوصي المختار أو وصي القاضي) عن منحه الإذن المادة (168) ومعلوم بداهة، أنه لا بد في جميع هذه الحالات المذكورة آنفاً، من صدور أمر من المحكمة حين منح الإذن أو تقييده والحد من مداه.

وتؤكد المادة (169) انه يجب على المأذون له من قبل الوصي أن يقدم للقاضي حساباً دورياً عن تصرفاته.

أما المادة (170) فتذكر ان للقاضي وللوصي إلغاء الإذن أو تقييده إذا اقتضت مصلحة الصغير ذلك.

 

وتوضح ذلك المذكرة الإيضاحية: المراقبة بعد منح الإذن ضرورة تقتضيها مصلحة الصغير المأذون، فوجوب تقديم الحساب السنوي هو بمثابة صمام أمان لسلامة تصرفاته، إذ بهذا الحساب السنوي الذي يقدمه إلى المحكمة يظهر نجاحه أو فشله، ففي ضوء النتيجة، يمكن استمرار الإذن أو إلغاؤه أو الحد منه وكل ذلك منوط بمصلحة الصغير نفسه. والأصل العام الذي تندرج تحته جميع هذه الأمور، قوله عز وجل: »ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير« (سورة البقرة، آية، 220).

* الرشد

المادة (171) تذكر في هذا الشأن: كل شخص يبلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المنصوص عليها في هذا القانون.

والمذكرة الإيضاحية تفسر هذه المادة: ينتهي دور القصر ونقصان الأهلية ببلوغ سن الرشد التي حددتها المادة (172) من هذا القانون وهي إحدى وعشرون سنة قمرية كاملة، فإذا بلغ الفتى أو الفتاة هذه السن، فقد زال عنه القصر والعجز الذي كان هو السبب في اعتباره كذلك، فيصبح رشيداً من دون حاجة إلى حكم القاضي برفعه.

ويكون رشيداً حكماً، طالما لم يحجر عليه لعارض من عوارض الأهلية التي سبقت الإشارة إليها والتي سيأتي بيانها في المادة (174) من هذا القانون.

والأصل أن كل من بلغ سن الرشد فهو رشيد فإذا أتم الحادية والعشرين سنة ولم يظهر في تصرفاته ما يقتضي حجره، واستمرار الولاية عليه في ماله لمن كان ولياً أو وصياً أو مقدماً فإنه يكون ببلوغه هذه السن رشيداً، لا سيما وأن بعض الأوصياء أو المقدمين، قد يتشدد في ممارسة مقتضيات ولايته المالية بغير وجه حق مما يسيء إلى المولى عليه، الأمر الذي جعل القانون تحرص على إيراد المادة (171)، وهذا ما عليه فقهاء المالكية.

ويبلغ الشخص سن الرشد إذا أتم إحدى وعشرين سنة قمرية ذكرت ذلك المادة (172) وتبيان ذلك ان سن الرشد المالي، غير سن البلوغ الطبيعي، بدليل قوله تعالى: ( وابتلوا اليتامى، حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا، فادفعوا إليهم أموالهم ( سورة النساء، آية 60 ) فجعل سبحانه وتعالى، إمكانية دفع المال، مشروطة بشرطين، أحدهما البلوغ الطبيعي، وثانيهما الرشد.

وقد فسر ابن عباس الرشد، بأنه صلاح العقل وحفظ المال، ومعلوم أن بلوغ هذه المرتبة لا يكون إلا بعد نضوج قوة العقل، واكتساب الخبرة بالتجربة والمشاهدة والممارسة، حتى يؤمن الإنسان على إدارة أمواله بنفسه، ولما كان ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات، وتنوع الرغبات والمطالب، وتعقد المعاملات، وتعدد النظم الاقتصادية كان لا بد من تحديد سن معينة، تكتمل فيها أهلية الوجوب وأهلية الأداء، حرصاً على مصالح الناس وضرورة الأمن في المعاملات.

ثم جاء القانون المصري فجعل سن الرشد ثماني عشرة سنة، ثم رفعها بموجب القانون الصادر في 13 أكتوبر سنة 1925، إلى إحدى وعشرين سنة، وقد أخذت بعض التقنينات المعمول بها حالياً في الأحوال الشخصية، بثماني عشرة سنة ميلادية كاملة، إذ أن هذه السن تؤهل الإنسان لتولي الوظائف العامة وتجعله مكلفاً بالخدمة العسكرية الإلزامية.

مما تقدم يتضح أن جعل الرشد مرحلة بعد البلوغ، يستند إلى أصل تشريعي في القرآن الكريم، وأما تحديده بسن معينة، فهذا ما يتركه التشريع الإسلامي إلى الفقهاء في كل عصر، بحسب ما يرونه متفقاً مع مصلحة القاصرين وضامناً لأموالهم. والمادة (173) تذكر انه للقاصر بعد رشده محاسبة الوصي عن تصرفاته خلال فترة الوصاية.

إن الحرص على مصالح ناقصي الأهلية، أو فاقديها من باب أولى – الذي هو السبب في إقامة الوصي أو المقدم – يقتضي أن يكون من حق القاصر بعد رشده أو ترشيده، أن يطلب إبطال التصرفات التي مارسها الوصي المختار أو وصي القاضي ( المقدم ) بحكم نيابته الشرعية عنه بخلاف تصرفات الأب نفسه المتعلقة بولده القاصر، الذي تتوافر فيه الشفقة ويحرص على مال ولده، وهو من باب السياسة الشرعية والمصالح المرسلة التي تتفق مع الأحكام العامة في الشريعة الإسلامية.

* عوارض الأهلية

وتتطرق المادة (174) إلى عوارض الأهلية وتشمل: الجنون: والمجنون هو فاقد العقل بصورة مطبقة أو متقطعة ويلحق به العته والسفه: والسفيه هو المبذر لماله فيما لا فائدة فيه. مرض الموت: هو المرض الذي يعجز فيه الإنسان عن متابعة أعماله المعتادة ويغلب فيه الهلاك ويموت على تلك الحال قبل مرور سنة فإن امتد مرضه سنة أو أكثر وهو على حالة واحدة دون ازدياد تكون تصرفاته كتصرفات الصحيح. يعتبر في حكم مرض الموت الحالات التي يحيط بالإنسان فيها خطر الموت ويغلب في أمثالها الهلاك ولو لم يكن مريضاً.

أو هو طرف من الجنون، ومرض يمنع العقل من إدراك الأمور إدراكاً كاملاً صحيحاً ويصحبه هدوء غالباً فيكون المعتوه تارة يشبه المجانين، وتارة يشبه العقلاء.

وفي المادة (175) تصرفات المجنون المالية حال إفاقته صحيحة، وباطلة بعد الحجر عليه وتطبق على تصرفات السفيه الصادرة بعد الحجر عليه، الأحكام المتعلقة بتصرفات الصغير المميز وتصرفات السفيه قبل الحجر عليه صحيحة ما لم تكن نتيجة استغلال أو تواطؤ.

اتفق الفقهاء على أن المجنون المطبق، محجور عليه لذاته، ويستمر الحجر ما استمر الجنون، ويكون فاقد الأهلية، فلا تنعقد بعبارته وقت جنونه العقود والتصرفات بل تكون عبارته ملغاة، فهو في الحكم كالصبي غير المميز، عقوده على اختلاف أنواعها باطلة غير منعقدة أصلاً، فلا تترتب عليها آثار وإن أجازها من له الولاية عليه، وإن كان الجنون غير مطبق، فإنه في حال إفاقته، وقبل الحجر عليه، كالعقلاء الراشدين، ما دام قد أتم سن الرشد، فتصرفاته تكون صحيحة، وهذا ما نص عليه في صدر هذه المادة فقرة (1).

أما بعد الحجر عليه، وبعد شهر ذلك الحجر، فتصرفاته باطلة سواء أوقعت في حال إفاقته أم في حال جنونه وليس له أن يباشر شيئاً من العقود أو التصرفات، إلا ما أشارت إليه المادة (177) من أن له الحق في إقامة الدعوى بنفسه لرفع الحجر عنه إذا شفي من مرضه وزال سبب حجره. هذا ما يتعلق بالمجنون، ومعلوم أن الحجر متى وقع من المحكمة المختصة لا يزول إلا بحكم قضائي.

وأما السفيه وذو الغفلة، فإن تصرفاتهام الصادرة عنهما بعد الحجر عليهما، تطبق عليها القواعد المتعلقة بتصرفات الصغير المميز، وقد سبق بيانها في المادة 165 من هذا القانون وعملاً بالفقرة (2) من المادة (175). وقد أخذ القانون في الاعتبار أن المعتوه فاقد الأهلية، لا ناقصها كما نصت عليه الفقرة (2) من المادة (161)، وتصح تصرفات السفيه قبل الحجر عليه ما لم تكن نتيجة استغلال أو تواطؤ كما نصت عليه المادة (175) فقرة (3).

ومعلوم بداهةً، أن السفيه مخاطب بالتكاليف الشرعية وموضع الحجر عليه، هو التصرفات المالية الخالصة، أما التصرفات التي لا يفسدها الهزل كالنكاح والطلاق والعتق، فهي لا تقبل النقض.

وإذا كان السفيه ليس أهلاً للتبرع، فإن الفقهاء قد أجازوا له أن يوصي في وجوه الخير والبر، لأن ذلك لا ينافي المحافظة على ماله حال حياته، والشخص بعد وفاته في حاجة إلى الثواب لا إلى المال.

وكذلك فقد أجازوا الوقف منه على النفس مدة الحياة، ثم بعد الوفاة على الذرية أو جهات البر، لأن الوقف بهذه الصورة يحقق الغاية من الحجر أي حفظ عين المال.

والمادة (176) تذكر:يرجع في أحكام تصرفات المريض مرض الموت وما في حكمه لأحكام الفقه الإسلامي وفق ما نصت عليه المادة (2) من هذا القانون.

من عوارض الأهلية مرض الموت وقد عرفه ابن عابدين بأنه: المرض الذي يعجز فيه الإنسان عن متابعة أعماله المعتادة ويغلب فيه الهلاك ويموت على تلك الحال قبل مرور سنة ـ فإن امتد مرضه سنة فأكثر وهو على حالة واحدة دون ازدياد تكون تصرفاته كتصرفات الصحيح، ويعتبر في حكم مرض الموت الحالات التي يحيط الإنسان فيها خطر الموت ويغلب في أمثالها الهلاك ولو لم يكن مريضاً، (الدر المختار ورد المختار / باب إقرار المريض 4/461 ) وقد أخذ قانون المعاملات المدنية بهذا التعريف في المادة (597).

وتصرفات المريض مرض الموت المالية مشوبة بالحذر، فإن باع ماله لأجنبي ( غير وارث ) بثمن المثل أو بغبن يسير، كان البيع نافذاً دون توقف على إجازة الورثة، وإذا كان هذا البيع بثمن يقل عن قيمة المبيع وقت الموت كان البيع نافذاً في حق الورثة متى كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن لا تجاوز ثلث التركة داخلاً فيها المبيع ذاته، وتعتبر الزيادة وصية.

أما إذا جاوزت هذه الزيادة ثلث التركة فلا ينفذ البيع ما لم يقره الورثة أو يكمل المشتري ثلثي قيمة المبيع وإلا كان للورثة فسخ البيع، ولا ينفذ بيع المريض لأجنبي بأقل من قيمة مثله ولو بغبن يسير في حق الدائنين إذا كانت التركة مستغرقة بالديون، والمشتري دفع ثمن المثل وإلا جاز للدائنين فسخ البيع.

ولا يجوز فسخ بيع المريض إذا تصرف المشتري في المبيع تصرفاً أكسب من كان حسن النية حقاً في عين المبيع لقاء عوض. وفي هذه الحالة يجوز لدائني التركة المستغرقة بالديون الرجوع على المشتري من المريض بالفرق بين الثمن وقيمة المبيع، وللورثة هذا الحق إن كان المشتري أحدهم، أما إذا كان أجنبياً فعليه رد ما يكمل ثلثي قيمة المبيع للتركة (الدر المختار ورد المختار 5/435 وشرح مجلة الأحكام لعلي حيدر المواد (358 – 361).

وقد نص قانون المعاملات المدنية على هذه الأحكام في المواد (597 – 601 ). وإذا تزوج المريض مرض الموت امرأة بمال يساوي مهر المثل ولم تقبضه، أخذته الزوجة من التركة بعد موته، وإن كان المهر زائداً على مهر المثل أخذت الزيادة حكم الوصية.

* الولاية

في المادة (178) تعني الولاية: ولاية على النفس، وولاية على المال.

والولاية على النفس: هي العناية بكل ما له علاقة بشخص القاصر والإشراف عليه وحفظه وتربيته وتعليمه وتوجيه حياته وإعداده إعداداً صالحاً، ويدخل في ذلك الموافقة على تزويجه.

بالولاية على المال: هي العناية بكل ما له علاقة بمال القاصر وحفظه وإدارته واستثماره

ويدخل في الولاية: الوصاية والقوامة والوكالة القضائية.

وتذكر المادة (179) انه مع مراعاة الأحكام المتعلقة بزواج الأنثى والواردة في المادة (39) من هذا القانون، يخضع للولاية على النفس الصغير إلى أن يتم سن البلوغ راشداً،كما يخضع لها البالغ المجنون أو المعتوه.

وتنقسم الولاية المتعدية من حيث من تثبت له، إلى:

ولاية أصلية: وهي الولاية الثابتة للشخص ابتداءً من غير أن تكون مستمدة من الغير، كولاية الأب.

ولاية نيابية: وهي الولاية الثابتة للشخص مستمدة من الغير، كولاية القاضي وولاية الوصي الذي يختاره الأب، وولاية المقدم، الذي يعينه القاضي على الصغير – أي وصي القاضي -، أو من يعينه على المحجور عليه بسبب الجنون أو العته أو السفه ويسمى حينئذ قيماً أو يقيمه القاضي نائباً عن المفقود ويسمى وكيلاً قضائياً،

كما تنقسم الولاية المتعدية من حيث موضوعها إلى: ولاية على النفس فقط، وتكون في الأمور المتعلقة بشخص المولى عليه، كولاية إتمام الحضانة، والتعليم، والتربية، والتوجيه في حرفة، وكولاية التزويج وتكون للأب كما تكون للعصبة بنفسه. ولاية على المال فقط ، كولاية الوصي والمقدم ( الوصي المختار )، وهذه تجعل من تثبت له، القدرة على إنشاء العقود والتصرفات المتعلقة بالأموال أو بنفاذها وإجازتها.

ولاية على النفس والمال معاً، كولاية الأب على أولاده فاقدي الأهلية أو ناقصيها. وتنقسم الولاية المتعدية أيضاً إلى:

– ولاية عامة، وهي الثابتة لرئيس الدولة أصالة وللقضاء بطريق النيابة عنه، بصفتهم حكاماً لا بصفتهم الشخصية لقوله صلى الله عليه وسلم: »السلطان ولي من لا ولي له«.

– ولاية خاصة، وهي الثابتة للأفراد بصفتهم الشخصية، كولاية الأب، والقاعدة المقررة فقهاً أن الولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة، وتشمل الولاية على النفس، والولاية على المال. وواضح أن عمل الولي على النفس يكون في تكميل تربية الطفل التي ابتدأت بالحضانة وتتميمها بحفظه وصونه وتوجيهه بعد بلوغه، وفي تولي عقد الزواج للفتاة.

ومعلوم بداهةً، أن الطفل إذا بلغ سن الرشد مجنوناً أو معتوهاً، فإن ولاية العاصب تستمر على نفس ذلك الشخص، ويكون له حق ضمه إليه، ويجب عليه المحافظة عليه والقيام بشؤونه الشخصية، ولو كانت الولاية المالية لغيره، أما إذا بلغ سن الرشد عاقلاً ثم جن أو عته، فإن الولاية على النفس تعود إلى الولي على النفس، وإذا بلغ الغلام سن الرشد عاقلاً مأموناً على نفسه، تنتهي الولاية على النفس، فليس للعاصب أن يجبره على الانضمام إليه، بخلاف ما إذا كان غير مأمون على نفسه، إذ يكون لوليه حينئذ أن يضمه إليه لحاجته إلى من يحافظ عليه. وأما الفتاة غير المتزوجة، فمن حق وليها المحرم أن يضمها إليه.

* الولاية على النفس

ذكرت المادة (181) ان الولاية على النفس للأب، ثم للعاصب بنفسه على ترتيب الإرث، وعند تعدد المستحقين للولاية في درجة واحدة وقوة قرابة واحدة واستوائهم في الرشد فالولاية لأكبرهم، وإن اختلفوا في الرشد اختارت المحكمة أصلحهم للولاية. إن لم يوجد مستحق عينت المحكمة ولياً على النفس من أقارب القاصر إن وجد فيهم صالح للولاية وإلا فمن غيرهم. والمذكرة الإيضاحية تفسر ذلك: العصبة بنفسه، هو القريب الذكر الذي لم يدل بأنثى فقط، وله خمس جهات مرتبة في تقديم بعضها على بعض، وهي باب الولاية كما يأتي:الأب،البنوة وتشمل الابن ثم ابن الابن وهكذا.

الجد العصبي، أي أب الأب وإن علا، الإخوة، وتشمل الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ لأب ثم أبناء هؤلاء،العمومة، وتشمل العم الشقيق ثم العم لأب ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب.

وما من شك في أنه إذا وجد عاصبان بالنفس أو أكثر، فإن التقديم يكون بالجهة أولاً فإن اتحدت الجهة كان بالقرب، فإن اتحد القرب كان بالقوة. فالأب مقدم على جهة البنوة على ما نص عليه القانون في مجال الولاية، وهما مقدمان على جهة الجد الإخوة، وهذه الجهات الأربع مقدمة على جهة العمومة، ففي الجهة الواحدة يعتبر الابن مثلاً أقرب من ابن الابن، وكذلك يعتبر الأخ أقرب من ابن الأخ، وحينما يتحد العاصبان في الجهة وفي القرب يقدم الأقوى، فالأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب، وكذلك ابن الأخ الشقيق أقوى من ابن الأخ لأب، والعم الشقيق أقوى من العم لأب وهكذا.

فإن تعددت العصبات وكانوا متماثلين في الجهة والقرب مع استوائهم في الرشد فالولاية لأكبرهم، وإن اختلفوا في الرشد اختارت المحكمة أصلحهم للولاية، فإن لم يوجد مستحق عينت المحكمة ولياً على النفس من أقارب القاصر إن وجد فيهم صالح للولاية وإلا فمن غيرهم.

* سلب الولاية على النفس

المادة (182) تسلب الولاية على النفس إذا اختل فيه بعض شرائط الولاية المنصوص عليها في هذا القانون. إذا ارتكب الولي مع المولى عليه أو مع غيره جريمة الاغتصاب أو هتك العرض أو قاده في طريق الدعارة أو ما في حكمها.

إذا صدر على الولي حكم بات في جناية أو جنحة عمدية أوقعها هو أو غيره على نفس المولى عليه أو ما دونها.إذا حكم على الولي بعقوبة مقيدة للحرية مدة تزيد على سنة. وتذكر المادة (183) انه يجوز سلب الولاية عن ولي النفس كلياً أو جزئياً دائماً أو مؤقتاً في الأحوال الآتية:

إذا حكم على الولي بعقوبة مقيدة للحرية مدة سنة فأقل. إذا أصبح المولى عليه عرضة للخطر الجسيم في سلامته أو صحته أو أخلاقه أو تعليمه بسبب سوء معاملة الولي له، أو سوء القدوة نتيجة لاشتهار الولي بفساد السيرة أو الإدمان على المسكرات أو المخدرات، أو بسبب عدم العناية. ولا يشترط في هذه الحالة أن يصدر حكم بعقوبة على الولي بسبب شيء مما ذكر.

يجوز للمحكمة بدلاً من سلب الولاية في الأحوال المتقدمة أن تعهد بالقاصر إلى إحدى المؤسسات الاجتماعية المتخصصة مع استمرار ولاية الولي. والمادة (184) في الحالات المذكورة في المادتين (182) و (183) من هذا القانون يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب سلطة التحقيق أن تعهد مؤقتا بالقاصر إلى شخص مؤتمن أو إلى إحدى المؤسسات الاجتماعية المتخصصة حتى يبت في موضوع الولاية.وفي المادة (185) إذا سلبت ولاية الولي عن بعض من تحت ولايته وجب سلبها عن باقيهم.

وقد نصت المادة (183) من القانون على حالات جواز سلب الولاية كلياً أو جزئياً دائماً أو مؤقتاً فنصت في البند (أ) من الفقرة الأولى على حالة ما إذا حكم على الولي بالحبس مدة سنة فأقل، ونص البند (ب) على حالة ما إذا أصبح المولى عليه عرضة للخطر الجسيم في سلامته أو أخلاقه أو تعليمه بسبب سوء معاملة الولي له أو سوء القدوة نتيجة لاشتهار الولي بفساد السيرة، أو الإدمان على المسكرات، أو المخدرات، أو بسبب عدم العناية، ولا يشترط في هذه الحالة أن يصدر حكم بعقوبة على الولي بسبب شيء مما ذكر، وأخيراً أجازت الفقرة (2) من المادة للمحكمة بدلاً من سلب الولاية في الأحوال المتقدمة أن تعهد بالقاصر إلى إدارة إحدى المؤسسات الاجتماعية المتخصصة.

وأخيراً نصت المادة (185) من القانون على أنه إذا سلبت ولاية الولي عن بعض من تحت ولايته وجب سلبها عن باقيهم. والحكم الوارد في المواد (183) حتى المادة (185) من القانون مأخوذ من القواعد العامة للشريعة الإسلامية، إذ أنها نظمت الولاية على النفس لمصلحة المولى عليه، وبالتالي تسلب ولاية الولي إذا اعتراه أحد الأسباب الواردة في هذه المواد، والتي من شأنها أن تجعله غير أمين على المولى عليه، وسواء أكانت هذه الأسباب قائمة قبل ولايته أم لاحقة على الولاية.

وفي المادة (186): إذا قضت المحكمة على ولي النفس بسلب ولايته أو الحد منها أو وقفها انتقلت الولاية إلى من يليه في الترتيب إن كان أهلاً.

فإن أبى أو كان غير أهل جاز للمحكمة أن تعهد بالولاية إلى من تراه أهلاً ولو لم يكن قريباً للقاصر أو أن تعهد بهذه الولاية إلى إحدى المؤسسات الاجتماعية المتخصصة.

نصت هذه المادة في الفقرة الأولى على أنه إذا قضت المحكمة على ولي النفس بسلب ولايته أو الحد منها، أو وقفها، انتقلت الولاية إلى من يليه في الترتيب إن كان أهلاً،أما الفقرة الثانية فقد ذهبت إلى أنه إذا أبى، أو كان غير أهل، جاز للمحكمة أن تعهد بالولاية إلى من تراه أهلاً، ولو لم يكن قريباً للقاصر، أو أن تعهد بهذه الولاية إلى إدارة إحدى المؤسسات الاجتماعية المتخصصة، وهذا الحكم يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية التي أجازت للقاضي أن يعهد بالولاية إلى من يراه أهلاً إذا أبى من تجب عليه الولاية، أو كان غير أهل، رعاية لمصلحة القاصر وصيانة له.

واما المادة (187): في غير الحالات التي تسلب فيها الولاية وجوباً يجوز للمحكمة أن ترد لولي النفس ولايته التي كانت سلبتها عنه جزئياً أو كلياً بناء على طلبه وبشرط أن تكون قد مضت ستة أشهر على زوال سبب سلبها.

نصت هذه المادة كما توضح المذكرة الإيضاحية على أنه في غير حالات سلب الولاية وجوباً المنصوص عليها في المادة (182) يجوز للمحكمة أن ترد لولي النفس ولايته التي كانت سلبتها عنه، جزئياً، أو كلياً، بناء على طلبه، وبشرط أن تكون قد مضت ستة أشهر على زوال سبب سلبها، وذلك لأن من سلبت ولايته، هو أحق من غيره شرعاً، طالما أن سبب سلبها قد زال، ومضت ستة أشهر على ذلك.

* الولاية على المال

تذكر المادة (188) ان الولاية على المال للأب وحده ثم لوصيه إن وجد ثم للجد الصحيح ثم لوصيه إن وجد ثم للقاضي، ولا يجوز لأحد منهم التخلي عن ولايته إلا بإذن المحكمة.

ومن هذا يتضح أن الأب مقدم على غيره باتفاق الفقهاء، بحكم أنه أوفر شفقة على أولاده، وأقدر على النظر في أمورهم، وعلى ذلك تكون المادة (188) من القانون متفقة مع جميع المذاهب الفقهية في أحقية الأب وتقديمه على غيره حيث قضت بأن تكون الولاية على مال القاصر للأب.

ونظراً لاختلاف الفقهاء فيمن يلي الأب في هذه الولاية، فقد اختار القانون حكماً أخذاً من مجموع المذاهب الفقهية السابقة حيث قضى بأن يكون وصي الأب هو التالي مباشرة للأب في الولاية على مال القاصر وهو يتفق مع رأي الحنفية والمالكية والحنابلة، ولم يفضل القانون الجد على وصي الأب، لأن الأب إذا اختار وصياً على ولده مع وجود الجد كان ذلك دليلاً على أن الأب يرى في الوصي الذي اختاره، صلاحية وقدرة، لا يلمسها في الجد، فوجب أن يعتد بإرادة الأب في شؤون ولده، بعد وفاته، كما يعتد بها في حياته.

فإذا لم يوجد الأب ولم يكن قد اختار وصياً، انعقدت الولاية للجد الصحيح، وهو يتفق مع رأي الحنفية وبذلك يكون القانون قد انتهج منهجاً وسطاً بين المذاهب، فهو لم يلغ ولاية الجد كما ذهب المالكية والحنابلة، ولم يقدم ولاية الجد على وصي الأب كما ذهب الشافعية.

وفي المادة (189) لا يدخل في الولاية ما يؤول للقاصر من مال بطريق التبرع إذا اشترط المتبرع ذلك واما المادة (190) لا يجوز إقراض مال القاصر أو التبرع به أو بمنافعه فإن وقع التصرف بشيءٍ من ذلك كان باطلاً وموجباً للمسؤولية والضمان.

والمادة (191) لا يجوز للولي أن يتصرف في عقار القاصر تصرفاً ناقلاً لملكيته أو منشئاً عليه حقاً عينياً إلا بإذن المحكمة، ويكون ذلك لضرورة أو مصلحة ظاهرة تقدرها المحكمة.وفي المادة (192) لا يجوز للولي الاقتراض لمصلحة القاصر إلا بإذن المحكمة وبما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية. وفي المادة (193) لا يجوز للولي بغير إذن المحكمة تأجير عقار القاصر لمدة تمتد إلى ما بعد سنة من بلوغه راشداً.وفي المادة (194) لا يجوز للولي أن يستمر في تجارة آلت للقاصر إلا بإذن المحكمة وفي حدود هذا الإذن.

وقد أحاط القانون بعض أعمال الإدارة المهمة ببعض القيود، فلم ترخص المادة (193) للولي في أن يؤجر عقار القاصر لمدة تمتد إلى سنة بعد بلوغه سن الرشد إلا بإذن المحكمة. كذلك لم تجز المادة (194) للولي أن يستمر في تجارة آلت للقاصر إلا بإذن المحكمة.

وفي حدود هذا الإذن، وذلك لما للتجارة من أهمية خاصة، قد تترتب عليها التزامات في مال القاصر، كما أن التجارة تتطلب خبرة معينة، ودراية خاصة، قد لا تتوافر في الولي، وتبحث المحكمة عندما يطلب منها الإذن في الاستمرار في التجارة فيما إذا كانت التجارة التي آلت إلى القاصر تُدِرُّ ربحاً معقولاً يتناسب مع مخاطر الاتجار، وهل يستطيع الولي مباشرة هذه التجارة على نحو يجعلها مفيدة للقاصر، وما إلى ذلك من ظروف موضوعية تخضع لتقدير المحكمة، بحسب ما تراه محققاً لمصلحة القاصر.

وحق الولي في التجارة في مال القاصر ثابت بالسنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من ولي يتيماً وله مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ” ( أي الزكاة )، غير أن الاتجار لا يكون إلا عن طريق مأمون وهذا ما حدا بالقانون إلى أن يجعل للمحكمة رقابة في هذا الشأن حتى يتسنى لها التحقق من أن اتجار الولي في مال القاصر يكون عن طريق مأمون.

وتجدر الإشارة إلى أن القيود التي فرضها القانون على سلطة الولي سواء في أعمال التصرف أم في أعمال الإدارة لا تعدو أن تكون مجرد إجراءات وتدابير وقائية، المقصود منها توفير أكبر قسط من الضمانات لرعاية مصلحة القصر، وهذا أمر لا تأباه الشريعة الإسلامية التي تحيط القاصر بكل ضروب الحيطة، ونهت عن الاقتراب من ماله إلا بالتي هي أحسن.

وفي ذات الوقت فإن هذه القيود لا تحد من سلطة الأب في التصرفات، ووجوه الإدارة العادية، فلا تغل يده في هذا الخصوص، وإنما احتاط القانون فقط لوجوه التصرف والإدارة التي تتسم بأهمية خاصة بالنظر إلى نوعها أو قيمتها. والمادة (195) لا يجوز للولي أن يقبل هبة أو وصية للقاصر محملة بالتزامات إلا بإذن المحكمة.

وفي المذكرة الإيضاحية لا شك في أن للولي أن يقبل الهبات والوصايا للقاصر، لأنها أعمال نافعة نفعاً محضاً، إلا أنه إذا كانت الهبة أو الوصية محمّلة بالتزامات، فإنها في هذه الحالة لا تكون نافعة نفعا محضاً , وقد تكون الالتزامات غير متكافئة مع النفع الذي سيعود علي القاصر من الهبة أو الوصية , ولذلك رأى القانون أن يكون قبول الولي للهبة أو الوصية في هذه الحالة بإذن المحكمة.

واذنت المادة (197) للولي بإذن من المحكمة أن ينفق على نفسه من مال القاصر إذا كانت نفقته واجبة عليه وأن ينفق منه على من تجب على القاصر نفقته. سلب الولاية على المال توضح المادة (198) انه إذا أصبحت أموال القاصر في خطر بسبب سوء تصرف الولي أو لأي سبب آخر فعلى المحكمة أن تسلب ولايته أو تحد منها لانه ثمة التزام عام يهيمن على جميع تصرفات الولي.

وهو الالتزام برعاية أموال القاصر فإذا أصبحت أموال القاصر عرضة للضياع أو التلف أو الخسارة بسبب سوء تصرف الولي – أباً كان أو جداً – أو لأي سبب آخر فعلى المحكمة أن تسلب ولايته أو تحد منها فتقيدها عملاً بهذه المادة ولكن القانون فرق بين مسئولية الأب والجد ومسئولية الوصي حيث لا يسأل الأب إلا عن خطئه الجسيم وذلك للروابط الوثيقة التي تربط الأب بابنه عملاً بالمادة (207) وأجرى القانون الحكم نفسه على الجد لنفس العلة عملاً بمذهب الشافعية فلا يسأل الجد إلا عن خطئه الجسيم كذلك عملاً بالمادة (209) من هذا القانون، وأما الوصي فإنه يجب عليه أن يبذل من العناية ما يبذل في ذلك من العناية والحفظ للأموال وذلك عملاً بالمادة (223) من هذا القانون.

وتنص المادة (199): تحكم المحكمة بوقف الولاية إذا اعتبر الولي غائباً أو حبس تنفيذاً لحكم بعقوبة مقيدة للحرية مدة سنة فأقل. واما المادة (200) فتنص:يترتب على الحكم بسلب الولاية على نفس القاصر، سقوطها أو وقفها بالنسبة إلى المال. والمادة (201) تنص إذا سلبت الولاية أو حد منها أو وقفت فلا تعود إلا بحكم من المحكمة بعد التثبت من زوال الأسباب التي دعت إلى سلبها أو الحد منها أو وقفها. وفي المادة (202) لا يقبل طلب استرداد الولاية الذي سبق رفضه إلا بعد انقضاء سنة من تاريخ الحكم البات بالرفض.

والأحكام السابقة مستمدة من مقصد الشارع في حفظ الصغير والعناية به، ومن باب السياسة الشرعية في الحيطة وتوقي الحذر في عودة الولاية بعد أن سلبها أو وقفها أو الحد منها إلا بعد مرور مدة زمنية كافية تكشف عن جدارة الولي في استعادة الولاية.