العقود المبرمة بين الاشخاص العمومية 

عبد النور الفائز
باحث في القانون العام

مقدمة

تعتبر العقود المبرمة بين الاشخاص العمومية من بين أهم وسائل التعامل القانوني بينها، الغاية منها حسن تدبير المرافق العامة وإنجاز المشاريع ذات النفع العام والتي غالبا ما يعجز أحد هذه الأشخاص عن تحقيقها لوحده وعلى الشكل المطلوب وذلك إما للنقص في الخبرة والتخصص وإما لضعف وقلة الوسائل والإمكانات البشرية والمادية المتاحة و المتوفرة، وإما لحجم وأهمية المرفق أو المشروع.

وتتميز هذه العقود عن باقي العقود الأخرى من حيث طبيعتها وأنواعها ونظامها القانوني وأهميتها ومن حيث أطرافها.

فمن حيث طبيعتها ; فهي تختلف عن العقود المبرمة بين الأشخاص الخاصة والتي تخضع لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين ولمقتضيات القانون الخاص و بين العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية وبين الأشخاص الخاصة والتي تخول للشخص، العمومي سلطات وامتيازات غير مألوفة في العقود الخاصة ومن حيث نظامها القانوني ; فهي تخضع لمقتضيات القانون الإداري والمبادئ المؤطرة لسير المرفق العمومي كقاعدة .

أما من حيث أطراف العقد ; المتمثلة في أن المتعاقدين كلهم أشخاص عموميين يمتلكون معا نفس السلطات والامتيازات التي يخولها القانون العام لهذه الأشخاص وإن كانت بدرجات متفاوتة باستثناء سلطة الإشراف والمراقبة التي تخول لأحد الطرفين على الآخر حسب طبيعة العقد وموضوعه والهدف من إبرامه.

ومن تجدر الاشارة أن العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية أي العقود التي كل أطرافها أشخاص عمومية لم تحض بما يكفي من الأبحاث والدراسات التي همت الأنواع الأخرى من العقود التي تبرمها الأشخاص الأخرى كالشركات والمقاولات والأشخاص الطبيعيين مما يطرح صعوبات بخصوص البحث في هذا الموضوع.

وقد عرف هذا النوع من العقود تطورا تزامن مع التطور الذي طرأ على نوعية وجودة الخدمات اللازم تقديمها للمواطنين والمدارين بحيث تطورت من عقود الاقتصاد المختلط و عقود الامتياز مرورا بعقد التدبير المفوض وصولا إلى عقود التعاون والشراكة وغيرها.

ولم يقتصر اللجوء إلى هذا النوع من العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية عن الشخص معنوي دون آخر بل اعتمدته كل الأشخاص العمومية الترابية والمرفقية.

وتقوم هذه العقود على أسس تنظيمية وتعاقدية مشتركة تتجلى بالأساس في طبيعتها وخضوعها لنفس النظام القانوني وتجانس أطرافها ،حيث تتمتع هذه الأطراف المتعاقدة بنفس الامتيازات والسلط. مع خصوصيات خاصة لكل منها هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أبانت التجربة و التطبيقات لهذه العقود عن مجموعة من العيوب الملتصقة بها والمرتبطة أساسا إما بعدم وضوح نظامها القانوني وإما لأسباب راجعة لطرق إبرامها خاصة عندما يكون أحد أطرافها أو كل أطرافها خاضعا إما لسلطة رئاسية أو لوصاية سلطة أعلى ٠

ومن تم فإن وبفعل تنوع أطراف وأنواع هذه العقود سنتناول هذا الموضوع في محورين:

المحور الأول : الإطار العام المحدد لطبيعة العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية
المحور الثاني : تطبيقات أهم للعقود المبرمة ما بين الأشخاص العمومية

القسم الأول : الإطار العام المحدد لطبيعة ونوع العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية

باعتماد النظرية العامة للعقد الإداري يمكن تحديد طبيعة العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية على ضوء ;
– تحديد أطراف هذه العقود ومحتواها و نظامها القانوني (المبحث الأول )
– تحديد طرق إبرام وسريان وإنهاء هذه العقود (المبحث الثاني )

المبحث الأول: أطراف العقد ومحتواه ونظامه القانوني

إن العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية يمكن أن تكون بين طرفين أو بين عدة أطراف وهي غالبا ما تكون محددة المحتوي و الموضوع الذي يؤطره النظام القانوني المطبق، و يحدد طريقة إبرامها والعمل بها أي سريائها و إنهاءها ٠

المطلب الأول : أطراف العقد

إن ما يميز هذه الأنواع من العقود هو أن طرفيها أو أطرافها اشخاص معنوية ،والتي يمكن تصنيفها إلي نوعين أشخاص عمومية ترابية و أشخاص عمومية مرفقيه أو مصلحية.

الفرع الأول : الأشخاص العمومية الترابية

تعتبر الدولة الوحدة الترابية الأشمل وهي مؤسسة المؤسسات و الجماعة الأعلى[1]،[2]وتتضمن كل الوحدات الترابية الأخرى التي نص الدستور على وجودها و اعتبارها أشخاصا عمومية معنوية وهذا ما نص عليه الفصل 135 من دستور 2011 عند تعريفه لهذه الوحدات ” الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم و الجماعات”

فالدولة تكون ممثلة في إبرام هذه العقود من طرف ممثليها القانونين وذلك حسب القطاعات الوزارية أي من طرف الوزراء المعنيين كوزير الإسكان، وزير الداخلية ، وزير التجهيز وغيره أومن طرف المندوبين أي رؤساء المصالح الخارجية سواء بصفة أصلية أو بناء على تفويض من لدن الوزراء التابعين لهم.

الجهات: فبمقتضى الفصل 135 من الدستور جماعات ترابية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي تناط بها مع مراعاة الاختصاصات المسندة للجماعات الترابية الأخرى مهمة المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجهة بتعاون إن اقتضى الحال مع الدولة والجماعات الترابية الأخرى؛فقد أتاح القانون 47.91 المنظم للجهات باعتبارها أشخاص عمومية ،ربط علاقات التعاون فيما بينها بقصد تحقيق عمل مشترك أو إنشاء مرفق ذي فائدة مشتركة بين الجهات أو لأجل تدبير أموال خاصة بكل جهة منها ومعدة لتمويل أعمال مشتركة ودفع بعض نفقات التسيير المشتركة[3] .

وتدبر شؤون التعاون بين الجهات لجنة تعاون مشتركة بين الجهات وهي عبارة عن مؤسسات عامة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي وتطبق عليها النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالوصاية على الجهات كما تطبق القواعد المالية والمحاسبية للجماعات الترابية على ميزانية اللجان ومحاسبتها.

العمالات والأقاليم: أجاز المشرع المغربي للعمالات والأقاليم إمكانية إبرام اتفاقيات للتعاون والشراكة فيما بينها أو مع جماعات ترابية أخرى وذلك من أجل إنجاز مشروع ذي فائدة مشتركة لا يقتضي اللجوء إلى إحداث شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص وذلك بعد المصادقة عليها من قبل وزير الداخلية بعد الاطلاع على المداولات المتطابقة لمجالس الجماعات الترابية المشتركة[4]
كما يحق لها إبرام اتفاقية التعاون بين العمالات والأقاليم فيما بينها أو مع جماعات ترابية أخرى في شكل مجموعات للعمالات أو الأقاليم أو مجموعة للجماعات الترابية قصد إنجاز عمل مشترك وتدبير مرفق ذي فائدة للمجموعة [5]

كما نصت المادة 46 من القانون 79.00 المنظم للعمالات والأقاليم على أن يقوم العامل -وفق مقررات مجلس العمالة أو الإقليم- بإبرام صفقات الأشغال أو التوريد والخدمات بإبرام اتفاقيات التعاون والشراكة والتوأمة – (مع الإشارة أن هذه السلطات ستدخل عليها التغيرات اللازمة عند تنزيل الدستور الجديد)

الجماعات الحضرية والقروية ; إن الجماعات سواء الحضرية منها أو القروية تعد من الوحدات الترابية للمملكة وتدخل في حكم القانون العام وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي ، ولتسهيل دور هذه الجماعات في تحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية فإن الميثاق الجماعي قد خول لهذه الجماعات (عن طريق المجالس) الحق في القيام بجميع أعمال التعاون والشراكة مع الإدارة و الأشخاص المعنوية الأخرى الخاضعة للقانون العام أو مع كل جماعة أو منظمة أجنبية. لأجل ذلك وسع الميثاق الجماعي لسنة 2002 من سلطات هذه الجماعات في :

– تقرير إحداث كل هينة ذات فائدة مشتركة بين الجماعات أو العمالات أو الأقاليم أو الجهات أو المشاركة فيها.
تحديد شروط مشاركة الجماعة في إنجاز البرامج والمشاريع عن طريق الشراكة.

– القيام بالدراسة والمصادقة على الاتفاقيات التوأمة والتعاون وتقرير الانخراط والمشاركة في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية كل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية. وكل ذلك بعد موافقة السلطة

الوصية للملائمة مع الالتزامات الدولية للمملكة، وقد حضر الميثاق الجماعي على الجماعات الإطار القيام بإبرام أي اتفاق بين جماعة أو مجموعة للجماعات المحلية ودولة أجنبية .

الفرع الثاني : الأشخاص العمومية المرفقية أو المصلحية

إن الأشخاص العمومية المرفقية أو المصلحية تتجسد أساسا في ما يصطلح عليه في المغرب بالمؤسسة العمومية، إذ أنها شخص قانوني عمومي له شكل قانوني متميز هدفه القيام بنشاط متميز يدخل في نطاق المرافق العمومية ارتباطه بسلطة عمومية عن طريق خضوعها للوصاية ،ويلاحظ أن المشرع يستعمل مصطلح المؤسسة العمومية لتعيين بعض الهيئات العمومية الأخرى مثل المكاتب والمصالح ذات الامتياز.

و تنقسيم المؤسسات العمومية ،باعتبارها أشخاص عمومية، من حيث النطاق الترابي إلى مؤسسات عمومية وطنية ( كالمكتب الوطني للسكك الحديدية ) وجهوية (مثل المؤسسة الجهوية للإعداد والبناء)، أومن حيث طبيعة نشاطها إلى مؤسسات عمومية إدارية تدير مرافق عمومية ذات طبيعة إدارية ( كالجامعة ) وإلى مؤسسات عمومية اقتصادية ( مكتب الشاي والسكر وغيرها)[6] وتتعدد أنظمتها القانونية إذ تخضع بصفة أساسية للقانون العام وأوامرها قرارات إدارية وتعد عقودها عقود إدارية تخضع منازعاتها للقانون العام[7].

وإذا اعتبرنا أن هذه المؤسسات تدخل هي الأخرى إلى جانب الوحدات الترابية ذات الشخصية المعنوية ضمن الأشخاص، العمومية فإن هذا الاعتبار يطرح كذلك بمناسبة دراسة محتوى العقود التي تبرمها الأشخاص العمومية.

المطلب الثاني : محتوى العقد ونظامه القانوني

إذا كان النظام القانوني للأشخاص العمومية المنضوية ضمن الوحدات الترابية (الدولة،الجهات،العمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية) يخول لها الصفة الكاملة للشخص العمومي، فإن هذه الصفة بالنسبة للأشخاص العمومية المرفقية تثير بعض الجدل مما ينعكس على طبيعة ومحتوى العقود التي تكون طرفا فيها مع شخص عمومي اخر.

الفرع الأول: محتوى العقد

إن موضوع العقد المبرم بين الأشخاص العمومية يتعلق إما باستغلال أو مساهمة المتعاقد في تسيير مرفق عمومي وإنجاز مشروع ذو نفع عام.

ويحتوي هذا العقد على شروط استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص كما يحتوي على شروط تنظيمية تخول الأطر اف المتعاقدة العمومية سلطات وامتيازات السلطة العامة ،غير أنه يمكن تجاوز هذه السلط بتحويل احد أطراف العقد مانح الالتزام أو صاحب المشروع حق الإشراف والمراقبة على الطرف الأخر الملتزم أو صاحب المشروع المفوض.

كما يمكن تجاوز هذه السلط و الامتيازات من طرف السلطات الوصية أو التسلسلية في إطار لجوء هذه الأطراف المتعاقدة إلى التحكيم في حالة حدوث نزاع بينهم ،إذا لم يستدعي الأمر اللجوء إلى القضاء المختص، وكل ذلك في إطار ما تحدده المقتضيات التشريعية المؤطرة للعقود المبرمة بين الأشخاص العمومية، وفي إطار كذلك الشروط التنظيمية والتعاقدية للعقد المبرم بين الأطراف.

الفرع الثاني
النظام القانوني

إن النظام القانوني الذي يؤطر هذه العقود هو نفس النظام القانوني المؤطر للعقود الإدارية والذي يتمحور حول فكرة أساسية مفادها أن العقد الإداري يرتكز أساسا على إتفاق إرادتين يتمثلان هنا في شخصين عموميين متكافئين فيما يخص الامتيازات والسلطات باستثناء سلطة الإشراف والمراقبة التي يمكن أن يتمتع بها أحد أطرافه [8]( صاحب الإمتياز أو صاحب المشروع ) على الطرف الأخر المتعاقد (الملتزم أو صاحب المشروع المفوض)

إن سلطة الإشراف والمراقبة هاته يبدو أنها ليست من طرف واحد في عقود الشراكة حيث أن سلطة الإشراف والمراقبة تمارس من الطرفين إلا إذا تم الاتفاق على غير ذلك وطبقا للمقتضيات التنظيمية المؤطرة لهذا النوع من العقود، وعلى العموم فالنظام القانوني يقتصر على وضع الأسس العامة المتعلقة بكيفية تحضير العقد وتنفيذه على أن هناك نصوص خاصة بكل نوع من أنواع العقود التي سنرى لاحق بعد دراسة كيفية إبرام هذه العقود وتنفيذها ونهايتها,

الفقرة الأولى : تحضير العقد

مبدئيا يدخل اختصاص إبرام هذه العقود ضمن صلاحية الأشخاص العمومية أو من ينوب عنها وعمليا لا يمكن للأشخاص العمومية المكلفة بإبرام هذه العقود أن تمارس هذه الاختصاص إلا بعد الحصول على إذن من الشخص العمومي الذي له الحق في ذلك و له سلطة المراقبة المتمثلة إما كسلطة رئاسية أو كسلطة وصية وغالبا ما تكون هذه العقود ملحقة ومرفقه بوثائق لا يمكن إغفالها منها :

دفتر الشروط الإدارية العامة : ويحدد هذا الدفتر المقتضيات الإدارية المطبقة دفتر المقتضيات المشتركة ويتعلق هذا الدفتر بتحديد الجوانب الفنية والتقنية ,دفتر الشروط الإدارية الخاصة

وكل هذه الدفاتر تحدد بشكل عام الالتزامات النظامية والتعاقدية التي يجب على المتعاقدين قبولها أو التخلي عنها و هي التي تقوم كذلك بوضع المسار المسطري والإجرائي الذي بجب أن تسلكه الأطراف المتعاقدة في سريان العقد وتنفيذه وتحضيره.,

يستند تنفيذ هذه العقود إلى فكرة أساسية تتمحور حول تنفيذ الالتزامات وعدم المساس بالضمانات وذلك تحت طائلة المتابعة إلا في الحالات التي تعفي المبادئ العامة للقانون من ذلك بناء على نظرية الظروف الطارئة والصعوبات المادية غير المتوقعة ونظريه الفعل الأمير ، هذه النظريات وإن كانت لا تعفي من الإلتزام فهي قد تخفف من آثار عدم تنفيذه عن طريق عدة تدابير من بينها إعادة التوازن المالي للمشروع موضوع العقد و اقتسام المخاطر

الفقرة الثانية
: إنهاء العقد

إذا إستتئينا الإنهاء العادي للعقد وذلك بتنفيذ جميع الالتزامات لكل من الطرفين، فإن هناك طرق خاصة بهذا النوع من العقود والتي يتم إنهاءها في حالة الخلاف وحالة عدم الوفاء بالالتزام، وذلك باللجوء إلى التحكيم بأنواعه أو عن طريق القضاء (القضاء الإداري على الخصوص)

القسم الثاني؛ تطبيقات أهم العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية

تبرم الأشخاص العمومية فيما بينها عدة أنواع من العقود من بين أهمها عقود الامتياز وعقود التدبير المفوض والتي يبدو لأول وهلة أن أحد أطرافها لابد أن يكون شخصا خاصا، الا أن نظامها القانوني يجيز خلاف ذلك، وكذا عقود الشراكة.
وإذا كانت العقود الأولى والثانية عرفت عدة تطبيقات وعلى مر عدة سنوات (المطلب الأول) فإن عقود الشراكة التي تبرم بين الأشخاص العمومية تعتبر بصفة عامة من العقود الحديثة العهد. ولا يتعلق الأمر هنا ببداية تطبيقها فقط ولكن كذلك بالظهور المتدرج للمقتضيات التشريعية المؤطرة لها ( المطلب الثاني )

المطلب الأول : التطبيق المبكر لعقود الامتياز وعقود التدبير المفوض

وبالرجوع إلى المقتضيات المنظمة لهذا النوع من العقود فإن عقود الإمتياز تعتبر من بين أقدم العقود التي تبرمها الأشخاص العمومية، غير أنه ولعدة أسباب و المتمثلة أساسا في عدم مجارتها للمستجدات والتطورات التي عرفها المرفق العام وقصور المقتضيات المذكورة ،ظهر نوع جديد من العقود أطلق عليه عقود التدبير المفوض

الفرع الأول: عقد الإمتياز

إن عقود الإمتياز هي نوع من العقود التي يمكن أن تبرمها الأشخاص العمومية فهي طريقة من طرق إدارة مرفق عام صناعي وتجاري وطني أو محلي، السلطة مانحة الامتياز تعهد بمقتضى عقد إلى ملتزم سواء كان شخص طبيعيا أو معنويا، عاما أو خاصا باستغلال مرفق عام اقتصادي بأمواله وعماله وتحت مسؤوليته، مقابل تقاضي رسوم من المنتفعين بخدمات ذلك المرفق خلال مدة محددة”[9] . و التي تتراوح في أغلب الأحيان بين 30 و60 سنة وقد تصل إلى 99 سنة [10]

وتجدر الاشارة أنه عندما يكون الملتزم شخصا من القانون الخاص فإن التمييز بين الامتياز ووغيره يكون سهلا وواضحا.

أما إذا كان الملتزم مؤسسة عمومية فإن التمييز بين المؤسسة العمومية الملتزمة والمؤسسة العمومية الغير الملتزمة يكون على أساس وجود عقد مع الشخص العمومي مانح الامتياز في الحالة الأولى وانعدامه أو وجود وصاية في الحالة الثانية.

و يعتبر عقد الامتياز في المغرب بمثابة عقد إداري تشكل كنانيش التحملات عناصره التأسيسية[11] ،والجدير بالذكر أن احتواء هذا العقد في آن واحد على نوعين من الشروط: تنظيمية و تعاقدية، لا يغير من طبيعته فهو يبقى في جميع الأحوال عقد إداري تطبق عليه جميع النتائج المترتبة عن هذه الصفة [12] ويلاحظ كذلك أن عقود الامتياز يمكن إبرامها بكل حرية دون ضرورة التقييد بمسطرة الإشهار والإعلان عن المنافسة .

وقد طرح هذا النوع من العقود عدة إشكالات وإكراهات رافقت تجربة الامتياز والتي حالت في كثير من الأحيان دون تحقيق الأهداف المشتركة للمتعاقدين ودفعت السلطات العمومية بالاعتماد على شكل أكثر تطورا وعمقا، ووضعت له إطار قانوني يساعد على ازالة الغموض ألا وهو التدبير المفوض.

الفرع الثاني؛ عقد التدبير المفوض

ظهر التدبير المفوض كآلية جديدة في النظام الإداري المغربي، وذلك بعدما وجهت انتقادات شديدة للنظام الامتياز، والذي يتسم بالغموض والتعقيد وقدم النصوص القانونية وضعف مساهمة الاجتهاد القضائي في تطويره، إضافة إلى انعدام الشفافية والمنافسة بين المتعاقدين، الشيء الذي لا يستجيب بتاتا للتحديات الاقتصادية الحالية، ولتجاوز هذه الإشكالية، قام المشرع بوضع قانون جديد يحدد بوضوح أهم المحاور الأساسية للتدبير متوخيا المرونة والتحفيز.

فالتدبير المفوض هو شكل جديد [13]برز في أواسط التسعينيات يتميز عن الأشكال التقليدية الأخرى ببعض العناصر الأساسية[14].

وفي هذا الإطار عرفه الأستاذ أحمد بوعشيق بأنه عقد إداري تعهد السلطة المفوضة للمعوض له داخل المجال الترابي المحدد في مدار التفويض باستغلال و تدبير المرفق التجاري والصناعي المحلي لمدة محددة تنتهي بانقضاء مدة العقد[15] و عرفه الأستاذ محمد اليعقوبي: “بأنه كل تدبير لمرفق عام بواسطة شخص معنوي خاص، وغالبا ما يوكل تفويض تدبير المرافق العامة للخواص، والتدبير المفوض يغطي مختلف طرق التسيير التقليدية مثل عقود الامتياز والوكالة ومختلف اتفاقيات التفويض الذي يختلف مداه بين حد أقص وحد أدنى”[16].

كما اعتبره الأستاذ عبد الله حداد أنه طريقة جديدة، من بين الطرق المعتمدة لتسيير المرافق العامة يتشابه مع عقد الامتياز في نقط معينة ويختلف عنه في أخرى، لأن المدة الزمنية لعقد الامتياز تكون أطول، كما أن الملتزم يتعهد بتوفير الأموال والمستخدمين، بينما يتميز التدبير المفوض ببقاء التجهيزات في ملكية الإدارة كما يحتفظ المُفَوَّض بالمستخدمين مع مراعاة حقوقهم[17].

كما أن الأستاذ عبد السلام البقالي سلك نفس المنحى حينما أكد على وجود خصوصيات للتدبير المفوض بالرغم من أن أصوله توجد في الامتياز[18].

وبالرجوع إلى قانون 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض، ولا سيما المادة 2، فقد تم تعريفه بأنه »عقد يفوض بموجبه شخص معنوي خاضع للقانون العام يسمى “المفوض”، لمدة محددة، تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته شخص معنوي خاضع للقانون العام [19]أو الخاص يسمى “المفوض إليه”، يخول له حق تحصيل أجرة من المرتفقين أو تحقيق أرباح من التدبير المذكور أو هما معا «.وبهذا التعريف يكون عقد التدبير المفوض من العقود المبرمة مابين الأشخاص العمومية .

يتضمن قانون التدبير المفوض 34 مادة تبتدئ بتحديد مفهومه[20] والمبادئ التي تحكم سيره. كما ينص القانون على مقتضيات تهم حقوق وواجبات المفوض.

يجب القول بان هذا القانون جاء بحلول مبتكرة لإشكالات التدابير المستعجلة التي تممن جودة واستمرار الخدمات المقدمة .

إن الفلسفة العامة لهذا القانون تغلب عليها المقاربة الاقتصادية المحضة، إذ حددت أولوياته في تحقيق التوازن الميكرو اقتصادية في تسيير بعض المرافق العمومية ، وتخفيف العبء على ميزانية الدولة في هذا المجال قصد ضمان التوازنات الاقتصادية الكبرى التي ترعاها وزارة المالية[21].

بالرجوع إلى القوانين المنظمة للعمل الجماعي نجد أن المشرع استعمل مصطلح التدبير المفوض لأول مرة في قانون 78.00 الصادر في تاريخ 3 أكتوبر 2002 حيث نصت المادة 39 بما يلي: “يقرر في طرق تدبير المرافق العمومية الجماعية عن طريق الوكالة المباشرة والوكالة المستقلة والامتياز وكل طريقة من طرق التدبير المفوض للمرافق العمومية طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها”.

وبصفة عامة، يمكن القول أن التدبير المفوض يعد آلية جد مهمة من أجل إنعاش الحركة الاقتصادية المحلية وخلق فرص الشغل وتحسين الخدمات الإدارية وتحديثها[22]وترسيخ مبدأ الشراكة العمومية الذي راهن عليها المغرب كثيرا من أجل تحقيق إقلاع اقتصادي محلي وطني .

المطلب الثاني: الظهور المتدرج لعقود الشراكة و التعاون

إن عقود الشراكة التي تبرم بين الأشخاص العمومية تعتبر بصفة عامة من العقود الحديثة العهد ولا يتعلق الأمر هنا ببداية تطبيقها فقط ولكن كذلك بالظهور المتدرج للمقتضيات التشريعية المؤطرة لها، ويظهر ذلك من خلال الرجوع إلى المقتضيات المذكورة والتي جاءت متفرقة في عدة قوانين، منها القوانين المتعلقة بالجماعات والعمالات والأقاليم والجهات بما في ذلك المقتضيات التي تخول للدولة ولممثليها في القطاعات الوزارية الممركزة والغير ممركزة خاصة منها المخولة للوزراء وللولاة وعمال العمالات والأقاليم بالإضافة إلى السلطات المخولة لبعض المؤسسات المحلية المتمثلة في مجموعات الجماعات التي أحدثت للسهر على تطبيق وتنفيذ بعض العقود التي الممكن إبرامها بين الجماعات المنضوية تحت المجموعة.

ويعتبر عقد الشراكة بين الأشخاص العمومية عقد إداري بتحديد من المشرع الفرنسي فهوي يمثل جيلا ثالثا من العقود الإدارية وعليه فهو يخضع لأحكام القانون الإداري سواء تعلق الأمر بقواعد الاجتهاد القضائي أو بآليات المراقبة كما أنه يحتل المرتبة الوسطى بين الصفقات العمومية وعقود تفويض المرفق العام ٠ ويتميز هذا العقد بعدة خصائص تساهم في تحديد وضبط مفهومه ونظامه وإظهار الأهداف التي تتوخى من تحقيقه

الفرع الأول ؛ الأهداف المتوخاة من عقود الشراكة

إن ميول الأشخاص العمومية نحو الاعتماد على الشراكة فيما بينها لا يبدو مفروضا فقط بفعل واقع الإشكالات التي يعرفها تدبير الشأن العمومي الوطني والمحلي وإنما يبقى كذلك محكوما بالأهداف التي تبتغي هذه الأطراف المتعاقدة تحقيقها، وهي أهداف متنوعة تشكل في جوهرها حلول خاصة لمشاريع عامة. ومن بين أهداف اللجوء إلى هذا النوع من العقود :
– تحسين مستوى التمويل ودعم الاستثمار العمومي؛
– إحداث المرافق العمومية وتحسين تدبيرها؛
– تسريع وثيرة المشاريع تحسين جودة الخدمات ؛

الفرع الثاني : محددات وخصائص عقد الشراكة
يعد عقد الشراكة بصورة عامة أحد الوسائل الأساسية التي يمكن أن تساهم في إحداث المشاريع العمومية خاصة التي يتعدى نطاق إنجازها شخص عمومي معين ، وأن تسهم في تمويل الخدمات العمومية سواء على المستوى الوطني أو المحلي، لذلك فهو يبقى متميز اعن العقود التقليدية

و يعتبر عقدا شاملا طويل المدى يسند بموجبه شخص عمومي لشخص أخر لتجهيز عمومي أو تدبير مرفق عمومي. فهو يتميز بكونه ينتمي إلى طائفة العقود الشاملة التي تتميز بتعدد مهام المتعاقد، ويتضمن عدة عناصر منها:

-التمويل الطويل الأمد للاستشارات الضرورية للمرفق العمومي ؛
-إنشاء أو تحويل المنشآت أو التجهيزات أو الاستثمارات الأخرى ؛
-صيانة المنشآت والتجهيزات و استغلالها؛

ويمكن ان يتضمن بصفة اختيارية تقديم خدمات تساهم في تحقيق مهمة المرفق العمومي التابع للدولة أو للوحدات الترابية الأخرى المتعاقدة ،كما أنه يتميز كذلك بكونه عقد طويل الأمد حيث تتحدد مدته بطريقة نوعية ترتبط بمحل العقد، وبأهمية التمويل المسبق المطلوب، وأيضا بالمقابل المالي المدفوع من طرف أحد الأشخاص العمومية أو من قبل الأطراف العمومية المتعاقدة طوال مدة العقد.

وعلى العموم فإن من وظائف هذا العقد جعل الشركاء متضامنين ، هذا التضامن يتشكل على أساس مشروع معين ويرتكز على ترابط أهداف الشركاء ٠

فالتضامن يكون على مستوى المصالح الشيء الذي يسمح للشراكة قابلة للتطور والتقدم وهو الذي يعطي مكانة مميزة للتفاوض أثناء تنفيذ العقد ٠ وبالتالي فإن ما يميز عقد شراكة هو تمكينه للأطراف المتعاقدة تقسيم المخاطر المترتبة عن العقد والناتجة عن المخاطر الناجمة عن الظروف المادية غير المتوقعة أو الظروف الطارئة.
خاتمة
ان لأشخاص العمومية بمختلف أنواعها ومستوياتها وهي بصدد البحث عن أنجع السبل والطرق لإشباع حاجيات المواطنين ومتطلبات المدارين المتزايدة ، ما فتئت تنشئ التجهيزات والمنشآت العمومية ،وتحدت البنيات والمرافق العمومية الضرورية اللازمة لتحقيق ذلك، وتضع موازاة مع ذلك الوسائل القانونية والتعاقدية المؤطرة لهذه الأنشطة والأعمال ،كوسيلة مثلى للوصول إلى تقديم الخدمات العمومية على الشكل المطلوب المبني على الشفافية و الحكامة وحسن التدبير ٠

فقد وجدت في التعاقد سواء مع الخواص أو فيما بينها أحد الأدوات الناجعة لتحقيق هذه الغاية، بحيث تم إصدار مجموعة من المقتضيات التنظيمية والتشريعية تمثلت بالأساس في وضع إطار قانوني لكل من عقود الامتياز وعقود التدبير المفوض وان كانت هذه العقود غير معهودة في اطار التعاقد بين الأشخاص العمومية لتنافيها مع الفلسفة التي أنشأت من أجلها ،الا النظام القانوني لها يمنح للأشخاص العمومية امكانية اللجوء لهذه التقنية ! ، وعقود الشراكة، هذه العقود التي تتميز بكونها عقود إدارية تخضع للقانون العام ،يبث في منازعاتها القضاء الإداري.

وإذا كان التعاقد بين الأشخاص العمومية والأشخاص الخاصة قد نجح نسبيا فإنه لم ينجح لحد الآن في إعطاء النتيجة المرجوة في اطار العقود المبرمة بين الأشخاص العمومية وذلك لعدة اعتبارات منها محدودبة المقتضيات التنظيمية والقانونية المنظمة ،وصعوبة تحضير وصياغة هذه العقود وكيفية التعامل في مجال تطبيق السلطات والامتيازات المخولة للأطراف المتعاقدة باعتبارها كلها سلطات عامة، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن الأشخاص العمومية المتعاقدة ليست كلها على نفس الدرجة ونفس المستوى ،إذ منها ما يخضع في تعامله مع هذه العقود إما لسلطة رئاسية أو لسلطة وصائية، قد تحد من حرية التعاقد و استقلالية القرار في هذا المجال ،مما يبقي مجال التعاقد بين الأشخاص العمومية مجال يكتنفه الغموض والضبابية وعدم الشفافية وغياب المقروئية الديمقراطية .

الهوامش
[1] – محمد اليعقوبي: اللامركزية و الدستور، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، عدد 104،2011 ص
[2] – قانزن رقم 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات الصادر بتقيذه الظهير الشريف رقم 1.97.84 بتاريخ 2 ابريل ٠1996
[3] – المادة 61 من القانون 47.96 المنظم للجهات
[4] – كريم لحرش ،التنظيم الإداري المغربي، الرباط ،ص:254

[5] – المادة 67 من القانون رقم79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم. الصادر بتنفيذه الظهير الشريف 1.02.269 بتاريخ 2002.
[6] – عبد الله حداد ، المرافق العمومية الكبرى دراسة نظرية وتطبيقية طابع، منشورات عكاظ ، الرباط، 1997، ص 91 .
[7] – عبد الحق عقلة، القانون الإداري ، نشاط الإدارة ، الجزء الثاني ، الطبعة الرابعة ، دار القلم ، الرباط ،2005، ص 109.
[8] – عبد الحق عقلة ،مرجع سابق ،ص 112.
[9] -أحمد بوعشيق ،المرافق العامة الكبرى، الطبعة الثامنة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2004. ص 191
[10] – عبد الله حداد ، مرجع سابق ص 110
[11] – عبد الله حداد ، مرجع سابق ص 111
[12]- عبد الله حداد ، نفس المرجع ص 113
[13]- Mecherfi (A) : « La gestion déléguée au Maroc, un nouveau mode d’exécution des services publics locaux », REMALD, série « Themes Actuels », n° 30, 2001, p. 53.
[14] .- محمد لعرج: طرق تدبير المرافق العامة بالمغرب، ” منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية،.”سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية”، عدد 52، 2013، ص 41، ص 119.
[15] – احمد بوعشيق ، المرافق العامة الكبرى ، دار النثر النسر المغربي الدار البيضاء ،الطبعة الخامسة 2000 ، ص 181
[16]-El YaÂgoubi (M) : « Le concept de la gestion déléguée ». REMALD, série « thèmes actuels », n° 30, 59, Voir aussi : Le même auteur , « La gestion déléguée des services publics locaux au Maroc », REMALD, n° 19, 1997, p. 149.
[17] – عبد الله حداد: “الوجيز في قانون المرافق العامة الكبرى”، منشورات عكاظ،2001، ص 152.
[18]- Bekkali,(A) : « La pratique de la gestion déléguée au Maroc, réflexions sur la portée de la convention conclue entre la communauté urbaine de Casablanca et la Lyonnaise des Eaux », REMALD : série « Thèmes Actuels », n° 30, 2001, p. 105.
[19] – الشيء الذي يجعله من العقود التي يمكن أن تبرم مابين الأشخاص العمومية
[20] – المادة الثانية من قانون 54.05.
[21] – امال مشرفي، قراءة في القانون المتعلق بالتدبير المفوض للمرفق العمومي، مجلة دفاتر القانون والاقتصاد والتدبير كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، جامحة الحسن الثاني، سطات ،مطبعة الجسور العدد 02،2009ص 18
[22] – حنان بن قاسم ،” التدبير المفوض بين التنظير والتطبيق”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة دراسات جامعية، عدد 61. 2005