مما لا شك فيه أن واجب تقديم مقابل الوفاء للمسحوب عليه يقع على عاتق الساحب وحده لأنه هو الذي حصل على قيمة الكمبيالة من المستفيد الأول نظير تحريرها وتوجيه الأمر للمسحوب عليه بدفع قيمتها والوفاء بها، فمن الواجب على الساحب أن يعطي المسحوب عليه مقابل الوفاء وإلا أثرى على حساب الغير بغير حق وقد يثور نزاع بشأن وجود مقابل الوفاء، البعض يدعي وجوده، والبعض الآخر يدعي عدم وجوده، فعلى من يقع عبء إثبات مقابل الوفاء.

١- القاعدة العامة : أن عبء الإثبات يقع على عاتق من يدعي وجود مقابل الوفاء:

مما لا شك فيه أن مقابل الوفاء يقوم بدور هام في العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه والحامل، حيث يكون لأطراف الكمبيالة مصلحة في إثبات مقابل الوفاء. فقد يكون من مصلحة الساحب إثبات وجود مقابل الوفاء في مواجهة المسحوب عليه، وذلك عندما يمتنع هذا الأخير عن قبول الكمبيالة أو دفع قيمتها، حيث يضطر الساحب إلى الوفاء للحامل ثم يرجع على المسحوب عليه لمطالبته بالدين مع التعويض إن كان هناك ضرر بسبب الإساءة إلى سمعته وائتمانه التجاري، لأنه على الساحب وحده أن يثبت في حالة إنكار المسحوب عليه وجود مقابل الوفاء –سواء حصل قبول للكمبيالة أم لم يحصل – أن المسحوب عليه كان لديه مقابل الوفاء في ميعاد الاستحقاق لكي تبرأ ذمته. وقد يدفع المسحوب عليه قيمة الكمبيالة ثم يرجع على الساحب مدعياً أنه أوفى قيمة الكمبيالة على المكشوف بدون أن يحصل على مقابل الوفاء، فلا سبيل أمام الساحب إلا إثبات أنه أعطى مقابل الوفاء للمسحوب عليه. وقد يكون من مصلحة المسحوب عليه إثبات عدم وجود مقابل الوفاء في مواجهة الساحب لكي يبرر امتناعه عن قبول الكمبيالة أو عدم الوفاء بها. وقد يكون من مصلحة الساحب إثبات وجود مقابل حينما يمتنع المسحوب عليه عن الوفاء وإنكاره وجوده مقابل الوفاء، وأراد الحامل الرجوع على الساحب رغم إهماله مراعاة مواعيد وإجراءات قانون الصرف، فالساحب لا يستطيع التمسك بسقوط حق الحامل المهمل إلا إذا أثبت أنه قدم مقابل الوفاء (1)وقد يكون للحامل مصلحة في إثبات وجود مقابل الوفاء لدى المسحوب عليه حينما يمتنع الأخير عن قبول أو وفاء الكمبيالة، فلا يكون أمام الحامل دعوى قبل المسحوب عليه إلا إذا أثبت وجود مقابل الوفاء عنده في ميعاد استحقاق الكمبيالة، حيث يعتبر المسحوب عليه حاجزاً لشيء يملكه الحامل، لأن هذا الأخير يملك مقابل الوفاء(2)

٢- القرينة على وجود مقابل الوفاء :

لاحظ المشرع أن المسحوب عليه لا يقبل الكمبيالة عادة إلا إذا كان قد حصل على مقابل الوفاء، لذلك أقام قرينة قانونية بموجب المادة ٤٠٣ حيث تنص على ان “يعتبر قبول الكمبيالة قرينة على وجود مقابل الوفاء لدى القابل. ولا يجوز نقض هذه القرينة في علاقة المسحوب عليه بالحامل”. غير ان قوة هذه القرينة تختلف فيما إذا كانت العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه او بين المسحوب عليه والحامل أو بين الساحب والحامل.

أ – العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه :

تكون لهذه القرينة قيمتها في هذه العلاقة، حيث يعتبر قبول المسحوب عليه للكمبيالة قرينة على وجود مقابل الوفاء لديه، وأنه تلقاه من الساحب، غير أن هذه القرينة بسيطة ويجوز إثبات عكسها، وعلى ذلك فإنه يجوز للمسحوب عليه رغم قبوله الكمبيالة إثبات عدم وجود مقابل الوفاء لديه وأنه وفى بقيمة الكمبيالة على المكشوف، أو أن مقابل الوفاء كان لديه ولكن الساحب قام باسترداده قبل حلول ميعاد الاستحقاق. أي أن هذه القرينة في علاقة الساحب والمسحوب عليه تنقل عبء الإثبات من الساحب إلى المسحوب عليه. لأنه لولا وجود هذه القرينة لكان يتعين على الساحب القيام بإثبات وجود مقابل الوفاء لدى المسحوب عليه.

ب- العلاقة بين المسحوب عليه والحامل :

يعتبر قبول المسحوب عليه الكمبيالة قرينة على تلقيه مقابل الوفاء وهذه القرينة مطلقة في علاقة المسحوب عليه بالحامل ، فلا يستطيع المسحوب عليه إثبات عكسها، فهذه القرينة لا تقبل إثبات العكس بمعنى أن المسحوب عليه لا يستطيع أن يثبت أنه لم يتلقى مقابل الوفاء رغم قبوله الكمبيالة، وليس أمام المسحوب عليه إلا أن يدفع قيمة الكمبيالة لأنه بالقبول أصبح المدين الأصلي بالكمبيالة ثم شأنه بعد ذلك وشأن الساحب حيث يستطيع الرجوع عليه. وحتى إذا تضمنت الكمبيالة شرط يفيد قبولها على المكشوف من قبل المسحوب عليه فإن هذه القرينة تظل قاطعة أيضاً في مواجهة الحامل، فهذا الشرط ينتج أثره في مواجهة الساحب فقط دون الحامل(3) وإذا قبل المسحوب عليه الكمبيالة جزئياً، فإن قرينة وجود مقابل الوفاء تكون في حدود المبلغ الذي حدده المسحوب عليه القابل، ويقع على عاتق الحامل إثبات وجود المبلغ المتبقي الذي لم يشمله القبول (4)

ج- العلاقة بين الساحب والحامل :

لا يستطيع الساحب ان يستفيد من قرينة قبول المسحوب عليه كدليل على وجود الوفاء، فلا محل لأعمال هذه القرينة في العلاقة بين الساحب والحامل أو بين الساحب والمظهرين، فقبول المسحوب عليه للكمبيالة لا ينفي عبء إثبات وجود مقابل الوفاء من على عاتق الساحب في علاقته بالحامل، فإذا أقام الحامل دعوى الرجوع على الساحب وأراد الأخير أن يتمسك بسقوط حق الحامل لإهماله نتيجة الرجوع عليه في غير المواعيد القانونية أو رغم عدم اتخاذ إجراءات قانون الصرف، فإنه يجب على الساحب أني ثبت أنه قدم مقابل الوفاء للمسحوب عليه، وهذا ما نصت عليه المادة ٤٠٣ من قانون التجارة حيث قالت أن “على الساحب وحده أن يثبت في حالة الإنكار سواء حصل قبول للكمبيالة أم لم يحصل أن المسحوب عليه كان لديه مقابل الوفاء في ميعاد الاستحقاق، فإذا لم يثبت ذلك كان ضامناً للوفاء ولو عمل الاحتجاج بعد الميعاد المحدد قانوناً، فإذا أثبت الساحب وجود مقابل الوفاء واستمرار وجوده حتى الميعاد الذي كان يجب فيه عمل الاحتجاج برئت ذمته بمقدار هذا المقابل ما لم يكن قد استعمل في مصلحته.”

_________________

1- راجع نص المادة ٤٠٣ /2 من قانون التجارة رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ ، وراجع أيضاً د/ مصطفى كمال طه، القانون التجاري، مؤسسة الثقافة الجامعية، طبعة ١٩٨٣ ، ص 102.

2- راجع المادة ٤٠4/1 من قانون التجارة رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩.

3- محمود سمير الشرقاوي – الأوراق التجارية – طبعة ١٩٩٣ م، دار النهضة العربية ، ص ١٥٥.

4- راجع د/ سميحة القليوبي، الأوراق التجارية، الطبعة الثانية ١٩٩٢ م، دار النهضة العربية، ص ١٣٩.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .