المسؤولية المدنية بصفة عامة التزام يقع على عاتق الشخص بتعويض الاضرار التي احدثها للاخرين(1). اما المسؤولية العقدية فهي اخلال المدين بالتزامه الناشئ عن العقد، ويكون هذا الاخلال الذي يصيب الدائن في المسؤولية العقدية يكون سببه عدم تنفيذ العقد او تنفيذه بطريقة لاتتفق مع ما يوجبه حسن النية. وتتحقق المسؤولية العقدية كما هو الحال في المسؤولية التقصيرية من توافر عناصرها الثلاثة الاساسية وهما الخطا والضرر وعلاقة السببية بين الخطا والضرر، والامر في هذه الحالة يتطلب العمل على ايضاح مفهوم كل عنصر من هذه العناصر مع بيان من يقع عليه عبء اثبات كل عنصر.

عبء اثبات الخطا العقدي: الخطا العقدي مرادف لعدم تنفيذ الالتزام العقدي، ذلك ان المدين في الالتزام التعاقدي ملزم ان ينفذ هذا الالتزام بصورة تتوافق مع المالوف في تنفيذ كل التزام عقدي ناشئ بين طرفيه، فاذا لم يقيم المدين بهذا التنفيذ عن عمد او عن اهمال فانه لا محالة يكون مسؤولا عن خطئه العقدي(2). وعبء اثبات عدم التنفيذ يقع على من يدعيه، وهو الدائن بالالتزام التعاقدي. لكن الامر يتطلب قبل ذلك ايضاح نوع الالتزام العقدي هل هو التزام بتحقيق نتيجة ام التزام ببذل عناية؟ ليتسنى بعد ذلك تحديد من يقع عليه عبء الاثبات.

عبء اثبات الالتزام بتحقيق نتيجة: يكفي ان يثبت قيام الالتزام، فيكلف المدين باثبات تنفيذه، فاذا عجز عن ذلك الاثبات عد مقصرا أي مخطئا، ولا يجوز له نفي هذا التقصير طالما لم تتحقق النتيجة(3). ومن امثلة الالتزام بتحقيق نتيجة، الالتزام بنقل ملكية شئ، او تسليم عين، او الامتناع عن عمل معين، كالالتزام بائع محل تجاري بعدم فتح محل تجاري مماثل في حي معين مدة معينة(4). وبهذه الخصوص نص القانون المدني العراقي في المادة (168) على انه: (اذا استحال على الملتزم بالعقد ان ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ما لم يثبت استحالة التنفيذ قد نشات عن سبب اجنبي لا يد له فيه. وكذلك يكون الحكم اذا تاخر الملتزم في تنفيذ التزامه) تقابلها المادة (211) والمادة (215) من القانون المدني المصري، نص المادة (215) على انه: (اذا استحال على المدين ان ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه، ما لم يثبت ان استحالة التنفيذ قد نشات عن سبب اجنبي لا يد له فيه). والحال يصدق كذلك فيم يتعلق بالتقنينات العربية الاخرى كالقانون المدني السوري المادتان (212 و 216)، القانون المدني الليبي المادتان (214 و 218)، وقانون الموجبات والعقود اللبناني المادة (254) التي تحكم الخطا العقدي، وهي تقول (في حالة التعاقد يكون المديون مسؤولا عن عدم تنفيذ الموجب. الا اذا اثبت ان التنفيذ اصبح مستحيلا في الاحوال المبينة في المادة 341).

ومن التطبيقات القضائية بهذا الخصوص:

(المدعي عليه (المميز) باع الى المدعية (المميز عليها) بموجب العقد التحريري المؤرخ في 27/11/1980 نصف الماطور الماء المنصوب على نهر ديالى ناحية الجسر بمبلغ (530) دينار، والتزام كل من الطرفين المتعاقدين بتادية مبلغ (500) دينار اذا نكل عن تنفيذ العقد وانكر بصحته عليه، وقد ثبتت عائدية البصمة له بموجب تقرير خبراء مديرية الادلة الجنائية، وبذلك فان دفوع المدعي عليه الاخرى لا تسمع بعد انكار العقد وحيث انه انكل عن تنفيذ التزامه فقد اصبح ملزما باعادة المبلغ وقدره (530) دينار عن قيمة نصف الماطور، وملزما بالشرط الجزائي المشار اليه وقدره (500) دينار) (5). (ان العقد المنظم بين الطرفين وان كان باطلا لعدم استيفائه الشكلية التي نص عليها القانون، غير ان العقد في شق منه يبقى صحيحا بتعويض الضرر الناجم عن النكول وحيث انه قد ثبت نكول المدعي عليها عن اتمام اجراءات التسجيل رغم انذارها وحيث ان المحكمة ركنت في تقدير التعويض الى خبير والذي قدر تعويض الضرر الذي اصاب المدعيين وحيث ان تقدير الخبير يصلح ان يكون سببا للحكم استنادا لاحكام المادة (140) من قانون الاثبات العراقي)(6).

عبء اثبات الالتزام ببذل عناية: فيثبت الدائن قيام الالتزام، في هذه الحالة يجوز للمدين ان يثبت بذل العناية المطلوبة منه، فاذا نجح في ذلك اعتبر منفذا لالتزامه وانتفى الخطا في جانبه ما لم يثبت الدائن ان المدين كان مقصرا في اتخاذ التدابير اللازمة المطلوبة من قبله لانجاز عمله، فاذا اثبت ذلك تحقق خطا المدين، ولكن المدين يستطيع اثبات انه اتخذ هذه التدابير اللازمة او ان التدابير التي يدعيها الدائن لم تكن واجبة عليه فينتفي خطؤه عندئذ(7). ومن الامثلة ببذل عناية التزام طبيب بعلاج مريض. وخلاصة القول ان عبء اثبات هذا الالتزام يقع على الدائن، وفي حالة اثباته ذلك ينتقل عبء اثبات قيام المدين بالتزامه اليه. (اعتبار التزام الطبيب التزاما ببذل عناية، مقتضاه عبء اثبات عدم بذل العناية الواجبة يقع على المريض، اثبات المريض واقعة ترجح اهمال الطبيب، انتقال عبء الاثبات الى الطبيب)(8).

عبء اثبات الضرر: عرف الضرر بانه الاذى الذي يصيب المضرور في حق او مصلحة مشروعة، سواء اكان ذلك الحق ذا قيمة مالية ام لم يكن، وكذلك المصلحة(9). والضرر هو العنصر الثاني من عناصر المسؤولية العقدية، فوقوع الخطا لا يكفي وحده لقيام المسؤولية؛ وانما يجب ان ينتج عن خطا المدين في عدم تنفيذه الالتزام ضرر الدائن فاذا لم يتحقق الضرر فلا محل للمسؤولية(10). ان عبء الاثبات يقع في الاصل على المدعي وهو المضرور حسب الاحوال؛ لان القاعدة في المسؤولية العقدية كما هو الحال في المسؤولية التقصيرية هي ان عبء اثبات الضرر وتحديد مقداره وبيان عناصره يقع على الدائن (المدعي). لكن عبء اثبات نفي وقوع الضرر ينتقل الى المدين اذا دفع بعدم تحقق الضرر الذي اثبته الدائن(11).

من التطبيقات القضائية بهذا الخصوص:

(ان اثبات حصول الضرر او نفيه من الامور الواقعية التي تقدرها محكمة الموضوع فاذا حصلت محكمة الموضوع فهمها في ذلك انتفاء الضرر المزعوم ترتبه على تاخر الملتزم في الوفاء من عدم كفاية الدليل، الذي استند اليه طالب التعويض. ففهمها في ذلك متعلق بالواقع ولا تراقبها محكمة الموضوع)(12). (ان تعين العناصر المكونة الضرر والتي يجب ان تدخل في حساب التعويض في المسائل القانونية التي تهيمن عليها محكمة الموضوع، فاذا كان الحكم المطعون فيه قد قضى بالتعويض جملة دون ان تبين كافه عناصر الضرر فانه يكون قد عاره البطلان لقصور اسبابه مما يستوجب البطلان)(13).

عب اثبات علاقة السببية بين الخطا والضرر:

ان مجرد حصول الخطا العقدي لا يكفي لقيام المسؤولية العقدية في حصول الضرر، بل الامر الواجب تحققه ان يكون الخطا السبب المباشر في حصول الضرر وحلقة الوصل التي ترتبط ما بين الخطا والضرر هي علاقة السببية التي تجمع بينهما، فاذا تحقق الخطا والضرر من دون ان يثبت بينهما علاقة السببية، فان المسؤولية العقدية لا تتحقق. وعبء اثبات قيام علاقة السببية بين الخطا والضرر يقع على الدائن. لكن اذا ادعى المدين عدم قيام علاقة السببية، فان عليه اثبات نفيها ولا يكون ذلك الا اذا استطاع ان يثبت ان عدم التنفيذ يعود الى سبب اجنبي لا علاقة له به(14).

من التطبيقات القضائية بهذا الخصوص.

(لا بد من توافر رابطة السببية بين الفعل او الامتناع ووقوع الضرر لتحقق المطالبة بالتعويض عن الضرر) (15). (نفي الخطا في المسؤولية العقدية يكون باثبات المتعاقد بان عدم تنفيذه لالتزامه يرجع للقوة القاهرة او سبب اجنبي او خطا المتعاقد الاخر)(16). يلتزم المضرور باثبات وقوع الخطا الذي نشأ عنه الضرر الذي اصابه وارتبط به برابطة سببية)(17).

_______________

1- د. سليمان مرقس، المسؤولية المدنية في تقنينات البلاد العربية، القسم الاول، مطبعة الجيلاوي، 1971، ص1؛ د. عادل احمد الطائي، المسؤولية المدنية للدولة عن اخطاء موظفيها، دار الثقافة والنشر والتوزيع عمان، 1999، ص7.

2- الاستاذ حسين عامر، المسؤولية المدنية التقصيرية والعقدية، ط1، مطبعة مصر سنة 1956، ص496؛ رمضان ابو السعود، دروس في مبادئ الالتزام، ط1، 1977، ص250؛ د. عبد المنعم فرج الصده، محاضرات في القانون المدني، نظرية العقد في قوانيين البلاد العربية، ج3، معهد الدراسات العربية، جامعة الدول العربية، 1959ص347؛ د. عبد المنعم فرج الصدة، محاضرات في القانون المدني، ج3، ص45؛ عباس علي محمد الحسيني، مسؤولية الصيدلاني المدنية، عن اخطائه المهنية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1999، ص39.

3- د. عدنان ابراهيم السرحان، د. نوري حمد خاطر، مصادر الحقوق الشخصية، دار الثقافة النشر و التوزيع، عمان، الاردن، 2001، ص313؛ د.عبد الباقي محمود سوادي، مسؤولية المحامي المدنية على اخطائه المهنية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1999، ص80.

4- د. عبد المنعم فرج الصدة، محاضرات في القانون المدني، نظرية العقد في البلاد العربية، ج3، ص47؛ الاستاذ العسلبي، اساس المسؤولية المدنية في قضاء المحكمة العليا، بحث مجلة المحامي الليبية العدد (19) لسنة 1987، ص25.

5- قرار تمييزي عراقي رقم 186/م1/1991 في 4/9/1990 ت 651، غير منشور.

6- قرار تمييزي عراقي رقم 244/245/م1/1990 في 25/9/1990 ت 719/720؛ غير منشور.

7- د. رمضان ابو السعود، دروس في مبادئ الالتزام، ص224؛ د. عبد الباقي محمود السوادي، مسؤولية المحامي عن اخطائه المهنية، ص80؛ د. عبد المنعم فرج الصدة، محاضرات في القانون المدني، ج3، ص47.

8- قرار نقض مصري في 26/6/1969 الطعن رقم 111 س35 ق نقلا عن انور طلبة، المبادئ القانونية لمحكمة النقض المصرية، صص262.

9- د. سليمان مرقس، المسوولة المدنية في تقنينات البلاد العربية، القسم الاول، مطبعة الجيلاوي، 1971 القسم الاول، ص127؛ مصطفى مرعي المسؤولية المدنية في القانون المصري، ط2، مكتبة عبد الله وهبة القاهرة، 1944، ص103؛ د.عبد الباقي محمود السوادي، مسؤولية المحامي عن اخطائه المهنية، ص94؛ د. محمد فتح الله النشار، احكام و قواعد عبء الاثبات، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر، 2000، ص319.

10- السنهوري، الموجز في النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني، ص297؛ د. نبيل اسماعيل عمر، سلطة القاضي التقديرية في المسائل المدنية والتجارية، ط1، منشأة المعارف، الاسكندرية، 1984، ص295.

11- د. حسن علي الذنون، المبسوط في المسؤولية المدنية، شركة التايمس للطبع والنشر المساهمة بغداد، 1991، ص246.

12- نقض مصري 1/11/34 مج عمر، ج1،ص484، نقلا عن حسن علي الذنون- حسن علي ذنون، المبسوط في المسوولية المدنية، شركة التايمس للطبع و النشر المساهمة، بغداد، ص245.

13- نقض مصري 1/4/1960 مجموعة القواعد القانونية لمحكمة النقض المصرية، للاستاذ سمير ابو شادي.، ص944، حسن علي الذنون، المبسوط في المسؤولية المدنية، ص245.

14- السنهوري، الوسيط، ج2، طبعة نادي القضاة، 1983، ج1، ص591؛ علي عبيد الجيلاوي – العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، رسالة ماجستير بغداد، 1977؛ اياد عبد الجبار ملوكي، المسؤولية عن الاشياء، رسالة دكتوراه ، بغداد ، 1978، ص117.

15- قرار تمييزي عراقي رقم 1232/ح/1953، في 20/12/1953.

16- تقض مصري 24/11/1970 طعن رقم 199 س36 قد، انور طلبة، المبادئ القانونية، ص258.

17- نقض مصري 10/5/1958 نقض رقم 203 س23 قد، انور طلبة، المبادئ القانونية، ص273.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .