من المساوئ التي تنسب إلى ظاهرة اضعاف السلطة التنفيذية تنحصر في انها لاتمكن الحكومة من معالجة المشاكل المعقدة في العصر الحديث ولاسيما في اوقات الازمات – السياسية والإقتصادية – فضلاً عن عدم الاستقرار الوزاري الذي يلعب دورا كبيرا في اضعاف امكانية السلطة التنفيذية لايجاد الحلول السريعة والفعالة للمشاكل التي تواجه الدولة(1). فالمجتمع بحاجة إلى وجود سلطة تنفيذية قوية لتوفير الخدمات الضرورية اللازمة وتنظيم اوجه النشاطات المختلفة ومواجهة الازمات المتعددة التي قد تواجهها الدولة وذلك للحيلولة دون تحول الأمر إلى فوضى بغير ضابط ، لذا يتعين منح السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الدولة مجموعة من الوسائل لتحقيق الصالح العام وذلك في الظروف العادية والاستثنائية (2) . ويرجع البعض إلى ان الأسباب التي تدعو إلى اعطاء الاولوية للسلطة التنفيذية ومنحها العديد من الصلاحيات في الوقت الحاضر تتمثل بالاتي :

1. تغير وظيفة الدولة من دولة حارسة إلى دولة متدخلة والجهة الوحيدة القادرة على أحداث هذا التحول هي السلطة التنفيذية (3) ، مع ملاحظة ما يستتبع ذلك من رسم للسياسة العامة للدولة والعمل على وضع هذه السياسة موضع التنفيذ واتخاذ جميع القرارات اللازمة لانجاز ذلك وهذا هو ميدان اصيل للسلطة التنفيذية(4) .

2. ضرورة المحافظة على سلامة الدولة وحياة المواطنين ، فالدول الصناعية المتقدمة تملك انواع الاسلحة الفتاكة ( الذرية والبايلوجية وغيرها ) ومن ثم فانه يصعب ترك امر الدفاع للبرلمان ليتخذ فيه قرارات بعد مداولات طويلة ، فلم تعد مسالة اعلان الحرب تحتمل حتى مجرد أخذ الرأي البرلمان ، لذا فالنصوص الدستورية التي توجب على السلطة أخذ راي البرلمان في حالة الحرب أصبحت مجردة من كل قيمة فعلية(5) .

3. سيطرة السلطة التنفيذية على الوسائل الحديثة للتحليل والاعلام واستطلاعات الرأي يتيح للفئة الحاكمة معرفة اللحظة المناسبة لاتخاذ القرار السياسي ، وبالاخص عند اللجوء إلى الإستفتاء الشعبي (6) .

4. إنتخاب رئيس الدولة بالاقتراع المباشر من الشعب حيث يصبح رئيس الدولة مفوضاً من الشعب باجمعه في ممارسة السيادة الوطنية شأنه في ذلك شأن البرلمان ، وهذا ما يعطي لرئيس الدولة قوة اضافية تجعله يتفوق على البرلمان (7).

ولذلك أصبحت الظاهرة العامة في أكثر الدول تفوق السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الدولة ومنحها العديد من الصلاحيات منها ما يتعلق بالجانب الحكومي ومنها ما يتعلق بالجانب الاداري (8) . ووفقا لما تقدم يمكن القول بان تفوق السلطة التنفيذية على غيرها من السلطات الاخر واحتلالها مركز الصدارة أصبحت هي الظاهرة العامة ومن ثم تليها السلطة التشريعية في المرتبة الثانية (9) . وبذلك يكون لرئيس الدولة على اعتبار انه رئيس السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة يمارسها بنفسه أو عن طريق وزرائه ، فتتمركز الوظيفة التنفيذية بيده مع جزء من الوظيفة التشريعية ، وهذه الصلاحيات الواسعة ستعزز من مركز رئيس الدولة تجاه باقي الهيئات الاخرى وتجعل منه في مركز اعلى من باقي مؤسسات الدولة الاخرى التي تكون مجرد تابعة له (10) .

_________________

1- د. عبد الحميد متولي : نظرات في أنظمة الحكم في الدول النامية وبوجه خاص في مصر ، الإسكندرية ، منشأة المعارف ، 1985، ص551 .

وظاهرة عدم الاستقرار الوزاري ، وما ينتج عنها من ضعف السلطة التنفيذية كانت هي السائدة في فرنسا طوال عهد الجمهوريتين الثالثة 1875-1940 والرابعة 1946-1958 ، إذ ان الوزارات المشكلة انذاك لم تكن تعتمد على أغلبية برلمانية متجانسة ، وإنما كانت تشكل من ائتلافات الأحزاب اي ان الوزارة تشكل من أحزاب مختلفة في توجهاتها وايدلوجياتها ويكون الوزراء مجرد تابعين للبرلمان مهمتهم تنفيذ ما تصل اليه مجموعة الأحزاب المؤتلفة من قوانين وما تملى عليهم من برامج ، لذا فالوزرات المشكلة انذاك لم تبق في الحكم الا لمدد قصيرة جدا – لأن الوزارة تصبح تحت سيطرة أحزاب الاقلية – ولم تستطع الوزارات انذاك من اتخإذ قرارات هامة الا بعد مشاورات معقدة وشاقة ، ولذلك قيل ان الوزارة الائتلافية مصدر ضعف قومي ، ينظر ميشيل ستيوارت : نظم الحكم الحديثة ، ترجمة احمد كامل، مراجعة د. سليمان محمد الطماوي ، الاسكندرية ،دار الفكر العربي ، 1962 ، ص443-445، د. نعمان احمد الخطيب ، د. عبد المنعم محفوظ : مبادئ في النظم السياسية ، ط1 ، عمان ، دار الفرقان ،1987 ، ص293 – 297 ، موريس دوفرجيه : المؤسسات السياسية والقانون الدستوري ، ترجمة د. جورج سعد، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1992 ، ص234-236 .

ونتيجة لضعف السلطة التنفيذية وتلاعب البرلمان بها وعدم الاستقرار الوزاري فقد اتبع واضعو دستور 1958 سياسة ( عقلنة البرلمان ) وذلك من خلال الحد من بعض اختصاصاته ولاسيما الرقابية منها – وفقا لما اوضحناه سلفا – وذلك للتخلص من الاثار السيئة لعدم الاستقرار الوزاري عن طريق الغاء التطرف البرلماني في طرح الثقة بالحكومة الذي كان سائدا طوال عهد الجمهوريتين الثالثة والرابعة، موريس دوفرجيه : دساتير فرنسا ، المصدر السابق ، ص 139 – 140 .

2- ينظر بهذا المعنى د. سامي جمال الدين : أصول القانون الإداري ، الإسكندرية ، منشأة المعارف ، 2004، ص 20

3- د. عبد الله ناصف : مدى توازن السلطة السياسية مع المسؤولية في الدولة الحديثة ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1981، ص222

4- زياد محمد هادي : جزاء مخالفة القاعدة الدستورية ، رسالة ماجستير ، جامعة بغداد ،كلية القانون ، 2001 ، ص52 .

5- د. عبد الله ناصف : مدى توازن السلطة السياسية مع المسؤولية ، المصدر السابق ، ص222 .

6-د. عبد الله ناصف : المصدر نفسه ، ص 223 .

7- د. مصطفى أبو زيد فهمي : النظام البرلماني في لبنان ، ط1 ، بيروت ، الشركة الشرقية للنشر والتوزيع ، 1969، ص 22 .

8- لقد اعطت العديد من الدساتير الاوربية لرئيس الدولة الكثير من الصلاحيات غير ان ممارسة هذه الصلاحيات من قيل رئيس الدولة تختلف بحسب طبيعة النظام السياسي القائم وبحسب نزعة الدستور إلى تقوية مركز رئيس الدولة أم بانعدام تلك النزعة

موريس دوفرجيه : المؤسسات السياسية والقانون الدستوري ، المصدر السابق ، ص 251

9- د. عبد الله ناصف : مدى توازن السلطة السياسية مع المسؤولية في الدولة الحديثة ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1981، ص 229

10- موريس دوفرجيه : المؤسسات السياسية والقانون الدستوري ، المصدر السابق ، ص 251

المؤلف : علي سعد عمران
الكتاب أو المصدر : ظاهرة تقوية مركز رئيس الدولة في بعض النظم الدستورية

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .