دراسة وبحث قانوني عن العوامل الاجتماعية للانحراف

ورقة عمل مقدمة ضمن أعمال مؤتمر التنمية البشرية
والأمن في عالم متغير

جامعة الطفيلة التقنية – الأردن

إعداد
مراد بن علي زريقات

دكتوراه علوم أمنية

جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية

الرياض – السعودية

2007

مقدمة:

شغلت مشكلة الانحراف عن السلوك السوي علماء الاجتماع منذ فترات طويلة خاصة أن الانحراف يشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة تخرج بالفرد أو الأفراد المنحرفين عن معايير المجتمع وقيمه مما دفع العلماء إلى إخضاع ظاهرة الانحراف للدراسة والتحليل منذ وقت طويل من أجل معرفة أسبابها والعمل على وضع السبل الكفيلة بعلاجها.

والجريمة في حقيقة أمرها لا تعدو إلا أن تكون شكل من أشكال الانحراف عن السلوك السوي إلا أن القانون الجنائي وضع لها طابع الجريمة أو السلوك الانحرافي أو السلوك غير المشروع وذلك لمخالفتها لنص معين في القانون الجنائي السائد في المجتمع.

وقد أصبحت ظاهرة الانحراف والجريمة في الفترة الأخيرة التي تحول فيها المجتمع الدولي إلى قرية صغيرة بسبب انتشار وسائل الاتصال والتقدم التكنولوجي السريع ظاهرة خطيرة جديرة بالرصد والدراسة والتحليل خاصة إذا ما تعلق الانحراف بالأحداث الذين يشكلون عماد المستقبل للمجتمع، كما أن الانحراف في مرحلة الصغر يشكل خطورة على المجتمعات ذلك أن الحدث المنحرف قد يكون هو مجرم الغد حيث إن احتراف الجريمة لا يأتي فجأة أو من فراغ وإنما يلزمه دائماً الإعداد والممارسة والتدرج وقلما يتحول إنسان سوي بين عشية وضحاها ليصبح مجرماً متمرساً يتخذ الجريمة وسيلة للعيش والارتزاق دون أن يكون له تاريخ إجرامي منذ الصغر تمرس من خلاله على السلوك الإجرامي وبطبيعة الحال فإننا نقول أن الحدث المنحرف ليس بالضرورة أن يكون مجرماً في المستقبل القريب وإنما قد يكون الانحراف منذ الصغر مؤشر لبوادر إجرامية تستمر مع الشخص طوال حياته إذا لم يجد التوجيه السليم من الراشدين حوله.

ونظراً لأهمية ظاهرة الانحراف عن السلوك السوي كمؤشر للجريمة فقد احتلت دراسة هذه الظاهرة جزءاً لا يستهان به من تخصصات مختلفة مثل الاجتماع والنفس والتربية والجغرافيا والبيولوجيا والقانون حيث زخمت هذه التخصصات بما يستعصي حصره من المؤلفات والبحوث التي تناولت هذه الظاهرة محاولة تفسيرها والكشف عن العوامل التي تقف وراء نشأتها.

وحيث إن هذه الورقة تهدف إلى تحديد العوامل الاجتماعية للانحراف لذا فسوف يقتصر الحديث عن نظريات علم الاجتماع التي تفسير ظاهرة الانحراف كشكل من أشكال السلوك الإجرامي بالإضافة إلى استعراض بعض المحددات الاجتماعية التي يعتقد أن لها دور في بروز ظاهرة انحراف الأحداث.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الورقة إلى تحديد العوامل الاجتماعية للانحراف من خلال القراءة السوسيولوجية لإبراز نظريات علم اجتماع الجريمة التي حاولت تفسير عوامل الانحراف كنمط من أنماط السلوك الإجرامي من خلال أبعاده الاجتماعية، كما تهدف هذه الورقة إلى استعراض بعض الحلول للمساعدة في تقليص حجم واتجاه ظاهرة الانحراف.

أهمية الدراسة:

تبرز أهمية هذه الدراسة في أنها تعالج موضوع حيوي وهام وهو موضوع الانحراف كنمط من أنماط السلوك الإجرامي خاصة فيما يتعلق منه بانحراف الأحداث حيث إن الاهتمام بالمجرم في الصغر وتداركه بالعلاج قبل أن يتمادى في السلوك الانحرافي وبالتالي يتحول إلى مجرم محترف يهدد أمن المجتمع يمثل أحد المحاور المهمة التي تسعى الدول إلى استقطاب المهتمين والخبراء في مجال الجريمة والانحراف لدراسة سلوك الجانح الصغير وطرح الحلول لإعادته إلى جادة الصواب كما تبرز أهمية هذه الورقة من خلال استعراضها لإبراز النظريات الاجتماعية المفسرة للانحراف خاصة وأن السلوك المنحرف يقع في الوسط الاجتماعي مما يجعل فهم هذا الوسط الاجتماعي أمراً حيوياً لفهم طبيعة هذا السلوك.

مفاهيم الدراسة:

لعل من أولويات البحث العلمي في أي حقل من حقول الدراسة العلمية هو إيجاد التعريف الواضح للظاهرة التي يدرسها هذا الحقل وهو الذي ييسر للباحث معالم ونطاق الظاهرة موضوع الدراسة ويوفر له فهم الحقائق الأساسية حولها كما يمهد السبيل إلى تفسير السلوك أو النشاطات التي تدخل في موضوع الظاهرة المدروسة (الدوري، 1991م). ومن هذا المنطلق فسوف يقوم الباحث بتحديد بعض المصطلحات المستخدمة في هذه الدراسة على النحو التالي:

أولاً: مفهوم الانحراف:

أ- التعريف اللغوي للانحراف:
الانحراف هو الميل والعدول يقال انحرف عنه وتحرف واحرورف أي مال وعدل. وحرف الشيء عن وجهه أي صرفه وإذا مال الإنسان عن شيء يقال انحرف. وانحرف بمعنى مال (العيد، 1421هـ).

ب- التعريف الاجتماعي للانحراف:
هو كل سلوك يخالف المعايير الاجتماعية وفي حالة تكراره بإصرار يتطلب تدخل أجهزة الضبط الاجتماعي (الدوري، 1991م).

ج- التعريف القانوني للانحراف:
الانحراف هو كل ما من شأنه إلحاق الضرر بفرد أو جماعة من الأفراد في المجتمع (نعامة، 1985م).

د- التعريف الإجرائي للانحراف:
يعرف الباحث الانحراف بأنه أي سلوك يرتكبه الشخص مخالفاً للأعراف والتقاليد والقيم في داخل السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، ويتسبب في تدخل السلطات الرسمية لإيقافه والحد منه.

ثانياً: تعريف الجريمة:
تعرف الجريمة بأنها فعل أو امتناع يخالف قاعدة جنائية يحدد لها القانون جزاءً جنائياً والمشرعون للقوانين هم الذين يضعون قواعد السلوك آمرين بالامتناع عن فعل بعض الأشياء وإتيان بعضها الآخر والأحكام المشرعة من قبل المشرعين ترتبط عادة بأنظمة الدولة المختلفة وسياستها (الطخيس، 1403هـ).

ثالثاً: الانحراف والجريمة:
الجريمة تعتبر نمطاً خاصاً من أنماط الانحراف المنصوص على منعها من قبل أحد مؤسسات الدولة الرسمية المعترف بشرعيتها. ومن هذا المنطلق يمكن التأكيد على أنه في حين تدخل جميع المخالفات القانونية ضمن الانحرافات السلوكية المخالفة للأنماط السلوكية القاعدية للمجتمع فإنه ليس بالضرورة أن يتم تعريف جميع الانحرافات بأنها تشكل جرائم. ومن أمثلة الانحرافات السلوكية عدم مراعاة الفرد لأنماط السلوك والتصرفات الاجتماعية المطلوبة أو المرغوب فيها والتي قد تختلف باختلاف المجتمعات والعادات والقيم وطبقاً للزمان والمكان.

ويمكن القول باختصار أن كل جريمة تعتبر انحرافاً عن السلوك السوي ولكن ليس كل انحراف عن السلوك السوي هو جريمة حيث إن مفهوم الانحراف أشمل وأعم من المفهوم الضيق للجريمة كنمط من أنماط الانحراف.

رابعاً: الحدث:
الحدث لغة: يقصد به عدة معان ومنها حداثة السن كناية عن الشباب وأول العمر فإن ذكرت السن قلت حديث السن وغلمان حدثان أي أحداث (الرازي، 1401هـ).

الحدث شرعاً: جاء في الأشباه والنظائر أن الصغير يسمى غلاماً إلى البلوغ وبعده شاباً وفتى إلى الثلاثين فكهلاً إلى الخمسين فشيخاً. فلا تكليف عليه بشيء من العبادات ولا بشيء من المنهيات فلا حد عليه ولو فعل شيئاً منها ولا قصاص عليه وعمده خطأ فلا تجب عليه الزكاة عند أبي حنيفة (نجم، 1405هـ) وعند غيره من الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد تجب الزكاة بمال الصبي ويخرجها عنه الولي (النجدي، 1403هـ).

ونقصد هنا بالحدث الفتى الذي لا يقل عمره عن سبع سنوات ولا يتجاوز ثماني عشر سنة وهذا هو المتبع في نظام المملكة العربية السعودية.

الاتجاهات الاجتماعية المفسرة للانحراف

قراءة سوسيولوجية
يتناول تفسير السلوك المنحرف عدد كبير من التخصصات العلمية لذا تتعدد وجهات النظر المتعلقة بتفسير هذا السلوك فرجل القانون ينظر إليه ويفسره من الناحية القانونية وعالم النفس ينظر إليه من منظور نفسي وعالم الاجتماعي يتناوله من وجهة نظر اجتماعية، وهكذا فإن كل واحد من هذه التخصصات يرى أسباب الانحراف من جانبه الخاص، وبما أن الدراسة الحالية تهدف إلى تفسير الأسباب الاجتماعية للانحراف فإننا سوف نتطرق إلى السلوك المنحرف من ناحية اجتماعية كي نتعرف على ما يمكن أن تقدمه لنا الاتجاهات الاجتماعية من تفسير للسلوك المنحرف.

ويمكن القول أن الاتجاه الاجتماعي يعتبر السلوك المنحرف إفرازاً اجتماعياً ناجماً عن مظاهر السلوك والتفاعلات والعمليات الاجتماعية المتنوعة التي تحدث داخل المجتمع، ويمكن رؤية السلوك المنحرف من بعدين أساسيين كما يطرحهما الاتجاه الاجتماعي على النحو التالي:

البعد الأول: يربط التغيرات في معدل نسبة الجريمة بالتغيرات في التنظيم الاجتماعي بما في ذلك التحولات والنظم الاجتماعية وفي هذا الصدد نجد أن الباحثون الاجتماعيون يناقشون ارتباط معدلات الانحراف والجريمة ببعض المتغيرات الاجتماعية مثل عملية الحراك الاجتماعي والصراع الثقافي والمنافسة ونظام التدرج الاجتماعي والمذاهب الاقتصادية والسياسية وكثافة السكان وعمليات توزيع الثروة والدخل والعمل وغيرها.

البعد الثاني: يربط بين الانحراف والتفاعل الذين يحدث بين الأفراد داخل البناء الاجتماعي والذي من خلاله يتشكل سلوك الأفراد سواء كان جانحاً أو سوياً ويطرح أنصار هذا الاتجاه بعض المفاهيم والتصورات كالمحاكاة والقيم ومحركات السلوك وعوامل تشكيله (Cullen, 1983). والحقيقة أن هذان الاتجاهان لا يخرجان عن إطار النظريات الاجتماعية الأساسية في علم الاجتماع وهي النظرية الوظيفية والماركسية وأخيراً التفاعلية الرمزية.

وحيث إن نظريات تفسير السلوك الإجرامي لا تخرج عن إطار النظريات الأساسية الثلاث في علم الاجتماع حيث تشكل النظرية الوظيفية والماركسية زوايا لرؤية الانحراف من خلال البناء الاجتماعي الشامل أو النظرة الكلية للمجتمع كوحدة واحدة، أما نظرية التفاعل الرمزي فإنها تطرح بعد مختلف للانحراف متمثل في التفسير الاجتماعي للفاعلين لمعنى وأهمية الموقف الاجتماعي الذي يمرون به وكيف يرونه من زاويتهم، لذا فسوف يتم استعراض هذه المداخل الأساسية وكيف تفسر الانحراف والجريمة حيث إنها تشكل إطاراً هاماً يساعد على فهم نظريات الانحراف والجريمة التي سوف يتم استعرضها لاحقاً.

1- الاتجاه البنائي الوظيفي:
يعتبر الاتجاه البنائي الوظيفي أحد الاتجاهات الرئيسية في علم الاجتماع المعاصر وقد اهتم هذا الاتجاه بدراسة الظواهر الاجتماعية في أعمال المؤسسين الأوائل لعلم الاجتماع من أمثال ابن خلدون – أوجست كونت ثم ظهر بوضوح في أعمال دوركايم وباريتو وبارسونز وميرتون.

المنظور الأساسي للاتجاه البنائي الوظيفي يجعل محور اهتمامه المجتمع والعلاقات المتبادلة بين النظم السائدة فيه أكثر من اهتمامه بالأفراد أو الجماعات وهو يتصور المجتمع كوحدة متكاملة تتمتع بدرجة عالية من الاستمرار في الوجود،فالمجتمع وإن كان يتكون من وحدات جزئية صغيرة إلا أن هذه الوحدات تتفاعل فيما بينها وتتساند وظيفياً بطريقة تكفل المحافظة على كيان المجتمع واستمرار بنائه وكل جزء من الأجزاء التي يتألف منها المجتمع يؤدي وظيفة معينة وغالباً ما يشير معنى الوظيفة إلى الإسهام الذي يقدمه الجزء إلى الكل وهذا الكل قد يكون متمثلاً في مجتمع أو ثقافة (Walluce and Walf, 1991).

ويعتبر أيضاً هذا الاتجاه أن الانحراف ظاهرة اعتيادية تتصل ببناء المجتمع وبطبيعة حياته الاجتماعية إضافة إلى أن للجنوح وظائف إيجابية أخرى يؤديها فقد اعتبر دوركايم أن للجنوح وظائف إيجابية يقوم بها بوظيفة يدعم ويقوي النظام الأخلاقي وذلك لأنه يضطرنا في حال وقوعه إلى إدراك أهمية القوانين والقواعد التي تم انتهاكها ويضطرنا في أحيان أخرى إلى توضيح وتحديد وتفصيل القوانين الأخلاقية والنظام المعياري (كارة، 1992م).

ويرى أنصار الاتجاه الوظيفي أن اختلاف التنظيم الاجتماعي وغياب التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد الذين تجمعهم أهداف مشتركة قد يقود في الغالب إلى اضطراب وظائف المجتمع وإلى حالة من التفكك الاجتماعي التي تؤدي بدورها إلى فقدان المعايير والقواعد الاجتماعية مما يعرض المجتمع إلى الحالة الأنومي أي اللامعيارية وهي الحالة التي تفقد المعايير الاجتماعية السائدة في مجتمع ما فعاليتها في ضبط سلوك الأفراد وتنظيم سلوكهم لتحقيق القدر المطلوب من التوافق الاجتماعي (وسوف يتم استعراض هذه النظرية بشكل مفصل لاحقاً).

كما يعتبر أنصار الاتجاه البنائي الوظيفي الأسرة نسقاً اجتماعياً يتكون من أجزاء بينها تكامل وتساند وظيفي وتتفاعل هذه الأجزاء فيما بينها وهذا النسق للأسرة يعتبر مؤدياً لوظيفة النسق الكلي للمجتمع أو معوقاً له، حيث يكون مؤدياً لوظيفته داخل النسق الكلي في حالة تحقيقه عملية التوازن في المجتمع والتي تحقق في حالة توافر عدد من العمليات منها معرفة كل فرد من أفراد الأسرة بالدور المناط به إضافة إلى اتفاق أعضاء الأسرة على عدد من المعايير والقواعد الأخلاقية التي تسعى الأسرة فيما بعد إلى ترسيخها وتأكيدها بواسطة عمليتي التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي، وفي حالة تحقيق ذلك تصبح الأسرة بناءً تتوقف سلامته على مدى قيام أعضائه بالوفاء بأدوارهم، أما إذا ظهر خلاف ذلك ولم يلتزم أي عضو من أعضاء الأسرة بالدور المنوط به فإن البناء الأسري يصيبه الخلل وتبرز من خلاله مشكلات الانحراف والجريمة. وبناءً على مفاهيم النظرية الوظيفية يمكن القول أن التفكك الأسري بسبب الطلاق أو غياب أحد الوالدين أو الهجرة وخلافه قد لا يؤدي بالضرورة إلى جنوح الأحداث وانحرافهم إلا بمقدار ما تعوق هذه العوامل الأسرة عن أداء وظيفتها كنظام اجتماعي داخل البناء الاجتماعي.

وباختصار يمكن القول أن دراسة الانحراف من منطلق المنهج الوظيفي يقوم على أساس أنه سلوك يخالف القواعد والأنماط السلوكية المتفق عليها مما يتطلب معها الضبط والتأديب بتطبيق الإجراءات التدعيمية أو الأدوات الضبطية التي يحددها المجتمع ويهدف من خلال استخدام أدوات الضبط إلى إعادة التوازن في النظام “البناء” الاجتماعي وبناءً على ذلك فإن الانحراف من وجهة النظر الوظيفية هو سلوك يؤدي إلى تمزيق العلاقات والأبنية الاجتماعية وهو نوع من السلوك يحث على الفوضى وإلحاق الضرر بالنظام. وبالتالي فإن أصحاب المنهج الوظيفي يؤكدون على أن العقاب واتباع الإجراءات الإصلاحية إنما هي ضرورة حتمية، ومن أجل تحقيق استمرارية التدعيم والتضامن الاجتماعي أو الردع والعقاب وكذلك من أجل تحقيق أغراض العلاج والإصلاح.

2- الاتجاه الصراعي “الماركسي”:
جاءت أراء ماركس في الجريمة جزء مكملاً لمقولاته المشهورة حول النظام الاجتماعي والرأسمالي والصراع الطبقي فيه حيث نظر إلى ظاهرة الجريمة والانحراف في المجتمعات الرأسمالية عموماً على أنها إفراز من إفرازات الصراع الطبقي بين ملاك وسائل الإنتاج “الطبقة البرجوازية” وبين الطبقة العاملة “طبقة البوليتاريا” (الخليفة، 1413هـ).

ومن هذا المنطلق فإن تفسير السلوك المنحرف من خلال المنهج الماركسي ينطلق من محورين أساسيين هما:

1- اعتبار الجريمة ذات علاقة بالفقر سواء كان مطلقاً أو نسبياً.
2- اعتبار الجريمة ذات علاقة بمجمل الأوضاع التي توجدها الرأسمالية والاستغلال.
وقد جاءت محاولات كثيرة لتفسير الانحراف والجريمة باستخدام التفسير الاقتصادي الماركسي، كان أبرزها ما قام به العالم الاجتماعي الهولندي بونجر الذي تناول أسباب الجريمة باستخدام التفسير الاقتصادي الماركسي حيث يرى أنه يمكن إرجاع أسباب الانحراف والجريمة في النقاط التالية:

1- الجريمة لا ترجع إلى أسباب بيولوجة، (وبذا فهو ينفي المدرسة البيولوجية للجريمة بزعامة لومبروزو).
2- ليس هناك علاقة بين الجريمة والأخلاق.
3- البيئة الاجتماعية هي المسؤولة عن نشوء مختلف سمات الفرد وبالتالي فالتوزيع غير العادل للثروة والسلطة يخلق الصراع والانحراف والجريمة.
4- يؤدي الربح وفائض الإنتاج في المجتمعات الرأسمالية إلى المنافسة والخسارة والفائدة غير المعقولة مما يتيح مختلف أصناف الانحراف والجريمة.
5- نظام الطبقة يؤدي إلى العداوة والحقد والحسد وقد قسم بونجر الجرائم والانحرافات بناءً على الطبقة التي ينتمي إليها الشخص (كارة، 1991م).
وباختصار يمكن القول أن الاتجاه الصراعي أو الماركسي يرجع الانحراف والجريمة إلى التوزيع غير العادل للثروة والقوة في المجتمع مما يحدث الصراع الدائم بين من يملكون القوة والثروة والذين لا يملكون ذلك، وتستمر مسيرة التاريخ على هذا النطاق بسبب الصراع الطبقي في المجتمع.

3- منهج التفاعل أو التأثير الاجتماعي المتبادل:
ينطلق منهج التفاعل أو التأثير الاجتماعي المتبادل أو المشترك في نظرية الوصم الاجتماعي على أن ما يؤدي إلى خلق المجرم هو الكيفية التي يتعامل بها الآخرون مع الشخص المنحرف، حيث يتحدد تعريف الانحراف من خلال نظرية الوصم الاجتماعي بالتركيز على التعريف الاجتماعي للانحراف.

وبذا يصبح السؤال الأساسي هو كيف تقوم الجماعة بتعريف الجانح وليس من هو الجانح بالإضافة إلى أن الجنوح والانحراف من وجهة نظر هذا المنهج يصبح مجرد تعريف اجتماعي حيث يسهم هذا التعريف بدرجة كبيرة في خلق الانحراف.

ويقوم هذا المنهج على فرضين أساسيين هما:

أولاً: إن الانحراف ظاهرة نسبية غير ثابتة في المجتمعات لذلك فإن الانحراف ذاته لا يقوم على نوعية الفعل الذي يسلكه الشخص بل على النتيجة التي تترتب عليه أو على ما يطلقه الآخرون من صفة على الفاعل “وهذا ما يسمى بالوصم”.

ثانياً: إن الانحراف عملية اجتماعية تقوم بين طرفين أساسيين هما الفعل المنحرف الذي يصدر عن الفرد الجانح من جهة ورد فعل الآخرين تجاه هذا الفعل ووصم الفعل بالجنوح.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن مؤسسات الإصلاح الاجتماعي كالسجون والمصحات العقلية ومستشفيات الأمراض النفسية وغيرها تلعب دوراً كبيراً في إلباس الفرد صفة الجنوح والجريمة كذلك فإن تلك المؤسسات حسب رأي أنصار هذا الاتجاه لا تقدم أي إصلاح بل إنها تطبع على الفرد وصمة الانحراف بمجرد دخوله إليها.

ويعد عالم الاجتماع الأمريكي إدوين ليمرت أبرز من يمثل هذا الاتجاه وخير من أوضح فرضياته ومفاهيمه حيث يرى أن الانحراف في السلوك بصفة عامة هو نتيجة صراع ثقافي تظهر آثاره في التنظيم الاجتماعي في المجتمع. ويرى أيضاً أن مثل هذا الانحراف يمكن أن يحدث على مستويات ثلاث:

أولاً: الانحراف الفردي:
وهو نتيجة لضغوط نفسية داخلية تؤثر مباشرة على الفرد فتدفعه للانحراف.

ثانياً: الانحراف الاجتماعي:
وهو الذي يحدث نتيجة تنظيم اجتماعي مثل عصابة ترى أن الانحراف سلوك سوي أو مجموعة من الشواذ.

ثالثاً: الانحراف الظرفي:
ينشأ نتيجة التعرض إلى بعض الضغوط البيئية أو العوامل الظرفية التي لا تترك للفرد فرصة كبيرة للتريث والاختيار بين السلوك السوي والسلوك المنحرف.

والانحراف بأشكاله الثلاثة لا يحدث فجأة ولكنه يحدث بالتدرج بمحاولات أولية، وقد وضع ليمرت عدة مراحل لتبلور واكتمال السلوك المنحرف على النحو التالي:

1- يرتكب الفرد سلوكاً منحرفاً كبادرة لاختبار رد فعل المجتمع إزاء هذا السلوك.
2- يرد المجتمع على التصرفات بالمعاقبة.
3- يقوم الفرد بارتكاب انحرافه الثاني ولكن بنسبة أو كمية أكبر من الانحراف الأول.
4- يقوم المجتمع بالرد على الانحراف الثاني بعقوبة أشد ورفض أقوى من الأولى.
5- يزداد الانحراف مصحوباً بشعور الكراهية والعدوان على أولئك الذين يمارسون العقاب.
6- يقوم المجتمع بردوده الفعلية الرسمية التي تضفي على الفاعل المجرم صفة الانحراف.
7- يزداد الانحراف لمجابهة المجتمع الذي أعطاه الوصم بالانحراف.
8- في هذه المرحلة يقبل المنحرف صفة الانحراف مع محاولة التكيف والتوافق مع مركزه الاجتماعي الجديد كفرد منبوذ من المجتمع.
ويشير ليمرت إلى أن مضمون هذه الأفعال وردود الفعل التي تبدأ من السلوك الأولي لتنتهي إلى السلوك الجانح الثانوي الكامل تتباين تبايناً كبيراً وفقاً لصفة الانحراف وللفرد المنحرف وللمضمون الاجتماعي الذي يحدث فيه السلوك المنحرف (الدوري، 1991م).

بعد أن استعرضنا الاتجاهات الأساسية في علم الاجتماع وفسرنا من خلالها السلوك المنحرف فإننا سوف نستعرض أبرز نظريات علم الإجرام والتي تنبثق من المدارس الثلاث التي تم استعراضها سابقاً في الصفحات التالية:

العوامل الاجتماعية للانحراف

قراءة سوسيولوجية

في هذا الجزء من البحث سوف يتم استعراض النظريات التي حاولت تفسير الانحراف والسلوك المنحرف من الزاوية الاجتماعية، وكما سبق أن أشرنا فإن العلماء الاجتماعيون يرجعون العوامل الاجتماعية للسلوك الإجرامي إما إلى اختلالات في التنظيم الاجتماعي مما يسبب الانحراف عن السلوك السوي أو إلى أنماط السلوك والتفاعل داخل البناء الاجتماعي الذي يفرز بدوره أنماط السلوك المنحرف، ومن هذا المنطلق فإن الانحراف من وجهة نظر بعض العلماء الاجتماعيين يمكن تقسيمه إلى قسمين موضوعي وذاتي، حيث يبرز النوع الأول من الانحراف كنتاج للبيئة والمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه الشخص المنحرف، كما يبرز الانحراف الذاتي من زاوية التقييم الذاتي للسلوك والمتمثل في عوامل ترجع الانحراف إلى ردود الفعل الذاتية حيال السلوك ممثلة في جانبها الرسمي أو الغير رسمي أو إلى أنماط ذاتية نابعة من عوامل التقليد والمحاكاة للأقران.

وسوف يتم مناقشة نظريات السلوك الإجرامي في أبعادها الاجتماعية “السوسيولوجية” من واقع هذان التقسيمان:

أولاً: الانحراف كنتاج موضوعي:
هذا النوع من الانحراف مرتبط بضغوط البيئة الاجتماعية الضاغطة على سلوك الأفراد والتي قد تدفعهم إلى ارتكاب السلوك المنحرف كنمط من أنماط الأمراض الاجتماعية التي تصيب البناء الاجتماعي.

1- نظرية التفكك الاجتماعي:
ترعرعت نظرية التفكك الاجتماعي في أحضان نظرية الإيكولوجيا الإنسانية التي طورها بارك وبرجس لدراسة البيئة الحضرية.

وقد فسر هذا الاتجاه الأبعاد الاجتماعية لمفهوم التفكك تفسيراً عمرانياً إذ جعل هذه الأبعاد نتيجة لعمليات تمر بها المدينة، ثم فسر السلوك المنحرف بعد ذلك على أساس افتراض ارتباط السلوك المنحرف بأوضاع معينة تنشأ نتيجة لعملية نمو المدينة.

ومن الذين استخدموا مفهوم البيئة “الإيكولوجيا” في تفسير الجريمة والانحراف “كليفورد شو” حيث ينظر إليهما باعتبار أنهما نتيجة لا مفر منها لتوسع المدينة وامتدادها وهو ينظر إلى بعض العوامل مثل الظروف السكنية السيئة والازدحام وانخفاض مستويات المعيشة والصراعات الاجتماعية والسلالية على أنها أمراض “تعكس نمط الحياة في الجماعة المحلية” أكثر من كونها عوامل تسهم إسهاماً مباشراً في الجريمة والانحراف. ويرى شو أنه حتى الأسرة المفككة والعصابة الجانحة التي غالباً ما يعتقد أنهما من العوامل الأساسية للانحراف إنما تعكس صورة لما هي عليه الأوضاع في المجتمع المحلي (عبدالكريم، 1983م).

وقد قام (شو) بمساعدة زملاء له بدراسة شهيرة حول ظاهرة الانحراف في مدينة شيكاغو واتضح من هذه الدراسة أن الانحراف يتركز في مناطق محددة حيث تزداد نسبة الانحراف في وسط المدينة وتقل كلما ابتعدنا عن وسط المدينة، وقد لوحظ أن 25% من أطفال وسط المدينة سبق أن أدرجت أسماءهم في سجلات الشرطة كأطفال منحرفين في حين لا تزيد النسبة المماثلة في المناطق الأخرى عن 1% فقط. وقد لوحظ أن سكان هذه المناطق يعانون من مستوى معيشي متخلف وسريع التغير مما يوقعهم في مجموعة من الصراعات النفسية والثقافية ويطلق (شو) على هذه المناطق “مناطق الجناح” ويشير إلى أن الظروف القائمة داخل هذه المناطق المتخلفة تجعل سيطرة المجتمع على أبنائه ضعيفة أو تضعف من أساليب الضبط الاجتماعي إلى درجة عدم التزام هؤلاء الأبناء بالامتثال لمعايير الثقافة المقبولة داخل المجتمع مما يؤكد العلاقة الوثيقة بين التفكك الاجتماعي وضعف الروابط الاجتماعية وظاهرة الانحراف (السمالوطي، 1403هـ).

2- نظرية الأنومي:
ترجع الجذور الأولى لمفهوم الأنومي لكتابات دوركايم الذي مر مفهوم الأنومي لديه بمرحلتين أساسيتين هما: المرحلة الأول: في دراسته عن تقسيم العمل والمرحلة الثانية في دراسته عن الانتحار.

ففي كتاباته عن تقسيم العمل تحدث عن العلاقة بين الفرد والمجتمع وتحدث عن نوعان من التضامن النوع الأول أسماه التضامن الآلي وهو الذي يقوم على مبدأ التماثل بين أعضاء المجتمع حيث يتماثل الأفراد في هذا النمط من المجتمعات ويتشابهون في الكثير من الخصائص الاجتماعية. أما النوع الثاني فهو التضامن العضوي الذي يقوم على التمايز بين أعضاء المجتمع.

والظاهرة الأساسية عند دوركايم هي ظاهرة تقسيم العمل وذلك لأنها ترتبط بالبناء الاجتماعي وتعبر عن طبيعته في اتساق الدين والأخلاق والاقتصاد وظاهرة تقسيم العمل كما يراها دوركايم لا تخلقها الإرادة الفردية ولكن يفسرها دوركايم بحجم وكثافة السكان، حيث يرى دوركايم أنه عندما يزداد المجتمع نمواً وتطوراً تزداد درجة تقسيم العمل وتزداد النظم تعقيداً فتنشأ حالة من الافتقار إلى التكامل والتلاؤم المتبادل بين الطوائف المختلفة، وهذا الوضع من شأنه أن يزيد التمايز واللاتجانس بين أعضاء المجتمع وينقص من قدراتهم على تحقيق التضامن وعلى خلق اتصالات إيجابية بينهم. كما يضعف القوى الاجتماعية ويسلخ عن السلطة الأخلاقية للعقل الجمعي مغزاها في نفوس الناس وهذه الحالة تدعى حالة الأنومي وهي تعني الافتقار إلى القواعد والقوانين.

وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل مفهوم الأنومي والتي برزت في كتابات دوركايم حول تقسم العمل. أما المرحلة الأخرى فقد برزت في كتاباته حول الانتماء حيث يرى أن الانتماء هو ظاهرة اجتماعية يجب تفسيرها بظاهرة اجتماعية أخرى. وقد فسر ظاهرة الانتحار بأنها مرتبطة بقضية التضامن الاجتماعي داخل المجتمع. حيث يرى أن الانتحار في واقع الأمر لا يخرج عن ثلاثة أنماط تفسر في مجملها بظواهر مرتبطة بشدة أو ضعف الترابط الاجتماعي داخل بناء وثقافة المجتمع محل الظاهرة المدروسة. ويصنف دوركايم أنماط الانتحار وأشكاله إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي:

1- الانتحار الأناني:
يحدث هذا الانتحار بسبب النزعة الفردية المتطرفة وانفصال الفرد عن المجتمع حيث لا يجد الفرد من يسانده عندما تحل به أي مشكلة فيصبح المقرر الوحيد لشؤونه الخاصة وتصبح قضية الخطأ والصواب من القضايا التي يحددها الفرد نفسه ولذلك سمي هذا النوع بالانتحار الأناني وهو انعكاس لضعف درجة التضامن الاجتماعي داخل المجتمع (محمد، 1982م).

2- الانتحار الإيثاري:
هذا النوع من الانتحار يحدث عندما يكون الفرد مرتبطاً بالجماعة ارتباطاً وثيقاً وقوياً ومن ثم يكون هذا الفرد مندمجاً ومتضامناً مع الجماعة وتصبح قواعد الجماعة وقيمها بمثابة قيم الفرد الخاصة. فالانتحار الإيثاري يعد نتيجة مباشرة للتضامن الاجتماعي على العكس من الانتحار الأناني حيث تنفصل إرادة الفرد عن إرادة الجماعة أما في الانتحار الإيثاري فنجد أن الفرد مندمج مع إرادة الجماعة وينفذ أوامر الجماعة وتعليماتها وهي الجماعة التي ينتمي إليها ويكون على استعداد بأن يضحي بنفسه في سبيل مصلحة الجماعة.

3- الانتحار الأنومي أو الانتحار الناتج عن فقدان المعايير:
وهذا النوع من الانتحار يحدث عندما ينحل البناء الاجتماعي والثقافي والأخلاقي للمجتمع ويظهر هذا النوع من الانتحار عادة عندما تكون هناك أزمة اقتصادية بجميع أشكالها كذلك عندما يحدث انهيار للنظام السياسي كما توجد حالات الانتحار عندما يكون الاقتصادي مزدهراً. وعندما يحدث أي خلل في توازن البناء الاجتماعي. كما يحدث عندما تكون هناك هوة كبيرة بين ما هو مرغوب وما هو حادث وهذا متعلق بطموح الشخص عندما تتسم مستويات الطموح بعدم التحديد وتحدث هوة كبيرة أو فراغ بين ما يطمح إليه الإنسان وبين ما يستطيع تحقيقه بالفعل (عبدالحكيم، 1982م).

والحقيقة أن أفكار دوركايم في تفسير ظاهرة الانتحار قد فتحت آفاقاً علمية جديدة لظهور فرع جديد من فروع علم الاجتماع لدراسة الانحراف والسلوك الانحرافي حيث تبنى أفكار دوركايم بعض علماء الاجتماع المعاصرين.

فعلى سبيل المثال قام ميرتون بتناول فكرة دوركايم في الانتحار وأكسبها طابعاً نظرياً جديداً في مجال تفسير السلوك الجانح وخرج بنظرية متوسطة المدى لتفسير السلوك المنحرف، حيث يرى أن السلوك المنحرف في غالبيته لا ينشأ نتيجة دوافع وبواعث فردية للخروج على قواعد الضبط الاجتماعي ولكنها على العكس من ذلك تشكل انحرافاً اجتماعياً هو حصيلة تعاون كل من النظام الاجتماعي وثقافة المجتمع التي تشجع على نشوئه وتطويره.

ويشرح ميرتون فكرته بالقول بأن هناك عنصرين أساسيين في ثقافة المجتمع ونظمه الاجتماعية هما:

1- الأهداف التي ترسمها الثقافة لأفراد المجتمع حيث يشترك في هذه الأهداف جميع أفراد المجتمع ويطمحون في تحقيقها.
2- الوسائل الاجتماعية المشروعة التي تتيح للأفراد تحقيق أهدافهم بطريقة مشروعة.
وتبرز المشكلات الاجتماعية المتمثلة في الانحراف عن السلوك السوي عندما يختل التوازن بين هذه الأهداف وبين وسائل تحقيقها في أي مجتمع من المجتمعات مما يعرض المجتمع إلى حالة اضطراب وعدم استقرار وعدم تنظيم وبروز الانحرافات.

وقد أعطى ميرتون مثالاً بالمجتمع الأمريكي المعاصر لتفسير حدوث مثل هذا الاختلال. فالمجتمع يصنع لأفراده أهدافاً كبيرة ولا يتيح لهم من الجهة الأخرى الفرص المتساوية لتحقيق تلك الأهداف وبطبيعة الحال فإن الأفراد عندما يجدون أنفسهم غير قادرين على تحقيق أهدافهم المشروعة بالوسائل المشروعة فإنهم سوف يبحثون عن وسائل جديدة لتحقيق أهدافهم بشكل غير مشروع مما يشكل خلفية معينة لنشوء السلوك الانحرافي على نطاق واسع.

ولوصف تأقلم الأفراد مع ما وضعه المجتمع من أهداف وما حدده من وسائل مشروعة لتحقيق تلك الأهداف فقد حدد ميرتون خمسة أنماط لذلك التأقلم وهي على النحو التالي:

1- التوافق: ويعني قبول الفرد للأهداف التي يحددها البناء الثقافي للمجتمع وقبول الوسائل المشروعة اجتماعياً لتحقيق هذه الأهداف. إن هذا النمط هو الشكل السلوكي الأكثر انتشاراً في معظم المجتمعات الإنسانية والقوة الكامنة وراء استقرار تلك المجتمعات وغياب الظاهرة الانحرافية فيها.
هذا ومع غياب التوافق بين الأهداف والوسائل التي يقرها المجتمع يشعر الأفراد بالضغط الأنومي وللتخلص من هذا الضغط فإنهم يلجأون إلى أحد الطرق الأربعة الآتية التي ينتج عنها أربعة أشكال رئيسية للانحراف الاجتماعي هي (الخليفة، 10413هـ):
2- عملية الابتكار والتي تعني قبول الأهداف التي حددها البناء الثقافي للمجتمع ورفض الوسائل المشروعة لتحقيقها.
3- التعلق بالطقوس وتتمثل في قبول الأفراد للوسائل المشروعة في تحقيق الهدف ولكن دون وجود أي نوع من الأهداف.
4- الانسحابية وهي تقوم على أساس رفض الأهداف والوسائل التي يقرها المجتمع ومثل لهذه الفئة مدمنو المخدرات.
5- العصيان والتمرد وهو رفض الأهداف والوسائل المشروعة والسعي لابتكار أهداف ووسائل مشروعة جديدة مختلفة عن أهداف ووسائل المجتمع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلوك الإجرامي وفقاً لهذه النظرية يختلف باختلاف نمط الأنومي نفسها ففي حين تنتشر جرائم السرقة بين الابتكاريين يلاحظ انتشار إدمان المخدرات والخمور لدى الانسحابيين بينما تشيع جرائم تخريب الممتلكات ونشر الفوضى الاجتماعية لدى الثوار والعصاة.

3- نظرية كلاورد وأوهلين:
تستند محاولة كلاورد وأوهلين إلى إيجاد التأليف بين اتجاهين كلاسيكيين في تفسير الجريمة هما:

أ- نظرية الأنومي التي تهتم بتحديد المصادر الاجتماعية للانحراف.
ب- نظرية المخالطة الفارقة التي تهتم بانتقال أسلوب الحياة الإجرامية إلى الأفراد والجماعات خلال عملية التعلم ومعاشرة الجماعات الإجرامية.
حاول هذان الباحثان أن يضيفا بعد آخر إلى نظرية الأنومي بإدخالهما فكرة بناء الفرصة ذلك أنه إذا كانت نظرية الأنومي تهتم اهتماماً خاصاً بالضغوط الدافعة إلى الجناح التي تنبع من عدم الالتقاء بين الأهداف التي تحض عليها الثقافة ومن الطرق المقدرة اجتماعياً لتحقيقها بحيث إنها تهتم بالتفاوت القائم بين من يشغلون أوضاعاً معينة في البناء الاجتماعي مما يتعلق بمدى توافر الوسائل المشروعة أمامهم لتحقيق هذه الأهداف فإنه من الضروري كذلك أن يضاف إلى ذلك بعد آخر هو مدى توافر الفرص أمام بعض الجماعات التي تشغل أوضاعاً معينة في البناء الاجتماعي لتحقيق أهدافهم بالوسائل المشروعة.

حيث يرى هذان العالمان أن تحقيق الأهداف الثقافية بالوسائل الغير مشروعة اجتماعياً تحكمه اعتبارات يمثلها البناء الاجتماعي وهي متعلقة بالتفاوت في وجود الفرص الميسرة لتحقيق هذه الأهداف بالطرق غير المشروعة تماماً كما يحكم تحقيق هذه الأهداف الفرص الميسرة لتحقيقها بالطرق والوسائل المشروعة.

4- نظرية الثقافة الفرعية الجانحة:
تدور نظرية الثقافة الفرعية الجانحة حول فكرة أن الأفراد الذين ينتمون إلى الطبقة الاجتماعية الدنيا يتميزون عن سواهم من أفراد الطبقة الاجتماعية الوسطى بخصائص ثقافية معينة تدفعهم وتشجعهم على ارتكاب السلوك المنحرف. وترتبط هذه النظرية باسم كل من ألبرت كوهن وولتر ميلر. وترجع هذه النظرية الانحراف إلى طبيعة البناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع حيث استفاد منظروا هذه النظرية من بعض مفاهيم نظرية الأنومي السابقة الذكر. يفسر “كوهن” الانحراف بوصفه حصيلة تناقض بين نوعين من القيم والمعايير إحداهما تلك المعايير والقيم الخاصة بالطبقة الوسطى والأخرى تلك المعايير التي تتصل بتلك الطبقات العاملة المحرومة الأخرى، وتشكل معايير الطبقة الوسطى الهيكل العام للثقافة التي تسود المجتمع الكبير وأما الأخرى فهي تشكل الهيكل الفرعي الآخر لثقافة سفلية فرعية تستمد أصولها من الثقافة العامة للمجتمع الكبير ولكنها تأخذها بشكل معكوس ينسجم مع أهدافها ويوافق غاياتها ويلائم طبيعة العلاقات الاجتماعية الخاصة القائمة بين أفراد هذه الثقافة الفرعية الهامشية.

ويمكن إيجاز أبرز فرضيات هذه النظرية على النحو التالي:

1- إن انحراف الأحداث في الطبقة الدنيا يرجع إلى إحباطهم الشديد بسبب شعورهم بتدني منزلتهم الاجتماعية الناشئة عن انتمائهم لطبقة اجتماعية دنيا يولدون بها. وحيث إن الثقافة المسيطرة في المجتمع هي ثقافة الطبقة الوسطى فإنهم لا يستطيعون التكيف السليم معها وبالتالي يكون الانحراف.
2- إن معايير التقدم والصعود في السلم الاجتماعي مرتبطة بتمثل قيم الطبقة الوسطى في المجتمع والالتزام بمعاييرها والمساهمة الفعالة والجادة بنشاطاتها بل والمشاركة الوجدانية لخدمة أهداف هذه الطبقة في الحياة.
3- تتميز القيم والمعايير التي تشيع بين أفراد الطبقة المتوسطة في الرغبة في الصعود إلى أعلى وتحمل المسؤولية الشخصية لكل فشل أو نجاح وتأجيل الرغبات حتى يحين موعد تحقيقها واحترام الوقت والتخطيط السليم.
4- وحيث إن الصفات المذكورة بعاليه لا تتوفر في أبناء الطبقة الدنيا بسبب نمط التنشئة الاجتماعية التي يمرون بها مما يجعلهم يفشلون في تحقيق الطموح الذي يصبون إليه.
5- وبما أن المجتمع يخضع أبناء الطبقة العاملة إلى قيم الطبقة الوسطى ووفقاً لمعايير هذه الطبقة التي لم يعهدها أبناء الطبقة الدنيا في تنشئتهم السابقة ولذلك يجدون أنفسهم في منزلة اجتماعية أقل من غيرهم نتيجة عدم قدرتهم على المنافسة في ثقافة وقيم لم ينشأوا عليها.
6- ونتيجة لذلك يشعر أبناء الطبقة الدنيا بعدم الجدوى في السعي وراء طموحات لا يستطيعون تحقيقها من خلال انتمائهم إلى طبقتهم الدنيا ولذلك يخلدون إلى اقتناعهم بالبقاء حيث هم.
7- يشكل هذا الشعور بعدم استطاعتهم مجاراة ثقافة الطبقة الوسطى السبب الجوهري في نشوء الانحراف وعصابات الأطفال الجانحة حيث يسعى هؤلاء الأطفال إلى تنظيم أنفسهم في تنظيمات اجتماعية تجمع أفراداً متجانسين في غالبية خصائصهم الفردية وظروفهم الاجتماعية ويعانون من إحباطات متشابهة.
8- يصبح السلوك المنحرف الذي يصدر عن أفراد العصبة الجانحة جزء من ثقافة سفلية فرعية ينتمي إليها الطفل الجانح لأنها تحقق بالنسبة إليه ما لم يستطع تحقيقه في إطار الطبقة العاملة وما لم يستطع تحقيقه خلال تنشئته الاجتماعية المتصلة بهذه الطبقة.
وبذا يصبح الانحراف والجنوح محاولة للتوافق مع معايير طبقة جديدة لم يعهدها الطفل الجانح في إطار العيش في طبقته ولذلك فإن انحراف المراهقين هنا يمثل ثورة على معايير وثقافة الطبقة الوسطى من قبل أبناء الطبقة العاملة (Cullen, 1983).

ومجمل القول أن هذه النظرية تقوم على فرضية التناقض القيمي الذي يقوم بين ثقافتين إحداهما ثقافة عامة والأخرى سفلية فرعية تقوم على هامش الثقافة العامة ممثلة في ثقافة أبناء الطبقة العاملة.

ووفقاً لميلر فإن العناصر الأساسية لثقافة الطبقة الدنيا (العاملة) والتي تقود إلى الانحراف تتمثل فيما أسماه ميلر بالاهتمامات المحورية والتي حددها في ست اهتمامات أساسية هي:

1- صنع المشاكل والشغب: ويتضمن ذلك الاصطدام مع المسؤولين عن الأمن كما يتضمن الأنشطة الجنسية المصحوبة بالسكر والإدمان.
2- القوة وشدة المراس: ويتضمن الاهتمام بالشجاعة والقوة الجسمانية والمبالغة في إبراز السمات الذكورية.
3- الدهاء والمكر: والمتمثل في التغلب على الشخص المنافس بالقدرات العقلية.
4- الدهشة والسرور: ويتمثل ذلك في الاهتمام بإبراز النشوة والسرور الذي يشعر به الجانح في تعاطي الخمور ولعب القمار وممارسة الجنس.
5- القدر: ويتمثل ذلك في شعور المنحرف بأن مستقبله ليس في متناول يديه كما أنه ليس بالضرورة خاضعاً للقوى الدينية وإنما لأسباب الحتمية والسحر.
6- الاستقلالية: ويرى ميلر أن هذا الاهتمام يحتوي على عناصر متناقضة فهي تعني ظاهرياً بالنسبة لأفراد العصابة الاستقلال عن الضوابط الخارجية كالالتزامات في العمل أو الالتزامات المنزلية بينما تعني داخلياً خلاف ذلك وربما تعني أيضاً لجوء المنحرف إلى الانطواء والعزلة فترة ما بعد مرحلة من صنع المشاكل والدهشة والسرور.
ويرجع ميلر أسباب الانحراف لدى أبناء الطبقة الدنيا إلى غياب دور الأب في الأسرة وقيام الأم بذلك بالإضافة إلى أن الانخراط في عصابة من المنحرفين يساعد المنحرف على تطوير وتنمية الحاجات والسلوكيات التي تتفق مع الاهتمامات المحورية للطبقة الدنيا وبذا فإن انحراف أبناء الطبقة الدنيا لا يرجع إلى اضطرابات نفسية يعيشونها حيث يرى ميلر أن المنحرفون يمثلون الشباب الأكثر قدرة في الحي من حيث القدرات الجسمية والشخصية (الخليفة، 1413هـ).

ثانياً: الانحراف كنتاج للتقييم الذاتي:
غالبية النظريات الاجتماعية المفسرة للسلوك المنحرف التي تم استعراضها في الجزء السابق من هذا البحث عالجت قوى البناء الاجتماعي وإسهامها في إنتاج الانحراف، وهذه النظريات في مجملها تعتبر الانحراف سلوكاً يخالف نظام القيم الثقافية العامة أو سلوكاً يخالف المعايير التي يشترك فيها غالبية المواطنين في المجتمع حيث ترى هذه النظريات أن مثل هذه المخالفات تطيح بالتوازن الاجتماعي في المجتمع مما يحدث الانحراف والجريمة، أما الاتجاه الذي سوف نناقشه في هذا الجزء من البحث فهو الاتجاه الذي يهتم بدراسة السلوك المنحرف كنتاج للتعريف الاجتماعي لمفهوم السلوك المنحرف حيث يرى أنصار هذا الاتجاه أن الانحراف هو حصيلة حكم اجتماعي يقع على أشخاص معينين من قبل العامة من الناس ويوصمون بالانحراف أو نتيجة التقليد والمحاكاة للآخرين. وسوف يتم استعراض أبرز أطروحات هذا الاتجاه على النحو التالي:

1- الانحراف كنتاج للوصم الاجتماعي:
يرجع أصل نظرية الوصم إلى ما كتبه “تاننبوم” عام 1938م عن أن ما يؤدي إلى خلق المجرم إنما هو الكيفية التي يعامله بها الآخرون وذلك حيث أشار إلى أن تلك الكيفية وما يصاحبها من عمليات مرحلية بما يلازمها من تأثير وتأثير متبادل مشترك إنما تؤدي إلى تأكيد الشر والإثم أو المبالغة في تصويرهما. حيث يرى أن عملية صنع المجرم تحتوي على عناصر تشمل وضع علامات وألقاب وتعريفات وفعل وشرح تقوم الجماعة بإلصاقها على الأفراد. وتؤدي عملية الوصم هذه إلى خدمة أغراض الجماعة وتحقيق البعض من أهدافها حيث إنها تساعد على بلورة نقمة الجمهور ضد الشخص المخالف وأيضاً تأكيد نقمة الفرد الموصوم نحو نفسه (Tannenbaum, 1938).

ومن أوائل المتعلقين بمفهوم الوصم من اللاحقين لتاننبوم عالم الاجتماع الشهير إدون ليمرت والذي يرجع الانحراف في السلوك بصفة عامة إلى آثار الخبرة الناشئة عن الوصم الاجتماعي وقد سبق أن استعرضنا آثار الانحراف الاجتماعي لدى ليمرت في جزء سابق من هذا البحث.

أما العالم الآخر الذي له إسهامات مهمة في مجال الوصم الاجتماعي فهو “هوارد بيكر” الذي يرى أن الجماعات البشرية هي التي تخلق الانحراف عن طريق صنع القواعد ا لتي يتكون الانحراف نتيجة خرقها حيث يطبق القانون على بعض الأشخاص الذين يوصمهم المجتمع بوصمة الانحراف ويوصفون بالخروج عن القانون. ومن هنا لا يصبح الانحراف ذاته صفة للفعل الذي يرتكبه الشخص بل نتيجة لما يطبقه الآخرون عليه من القواعد أي نتيجة وصم الشخص من قبل الآخرين كمذنب حيث يقع على الشخص ليكون منحرفاً والفعل الذي ارتكبه انحرافاً. فالأشخاص الذين يرتكبون الأفعال المخالفة للمعايير أو قواعد السوية الاجتماعية لا يصبحون منحرفين إلا بعد أن يتعرضون لوصمة الانحراف والخبرة الناشئة عن مثل هذه الوصمة (Becker, 1963).

وباختصار يمكن القول أن أهم عناصر عملية تكوين السلوك المنحرف من وجهة نظر هذه النظرية هي الخبرة الناشئة لدى الشخص بعد القبض عليه وما يتعرض له من عملية دمغه أو وصمه بوصمة الانحراف بما يجعلها العلامة الفارقة لدى الشخص والتي تمثل المقام الأول فوق كل الصفات الأخرى التي يحتلها الفرد في مجتمعه.

2- نظرية الاختلاط التفاضلي “الارتباط المتغاير”:
تعتبر هذه النظرية بحق أول نظرية اجتماعية ذات منهج علمي واضح وفرضيات علمية محددة في مجال تفسير السلوكين الإجرامي والمنحرف كسلوك اجتماعي يمكن أن يتعلمه الفرد كأي سلوك اجتماعي آخر، والحقيقة أن موضوع تعلم السلوك الاجتماعي بوجه عام والسلوك الإجرامي بوجه خاص سبق أن تناوله الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي “تارد” من خلال نظريته التقليد حيث يرى تارد أن جميع أنماط السلوك تتكون بتأثير مثال يحتذى وفعل يندفع الناس إلى النسج على منواله والتقليد عند تارد يتم وفق قوانين ثابتة وهذه القوانين الثلاثة هي:

1- يقلد الناس بعضهم بعضاً كلما كانت صلاتهم أكثر عمقاً.
2- ينتقل التقليد من الأعلى إلى الأسفل ومن الأدنى إلى الأعلى أي يقلد الصغير الكبير والفقير الغني.
3- قانون الاندماج أو قانون تداخل الموضات والعادات وتزاحمها وحلول بعضها محل البعض الآخر فالقتل بالسكين كان عادة عرفها أكثر الشعوب وحين ظهرت موضة القتل بالمسدس زاحمتها وصارت أكثر انتشاراً منها.
ويعتقد “تارد” أن السلوك الإجرامي لا يشكل سمة أو مرضاً ينتقل إلى الإنسان بالوراثة بل هو مهنة يتعلمها الإنسان من خلال اختلاطه بالآخرين وتقليده لهم وذلك حين يختار لنفسه مثلاً معيناً يحذو حذوه.

والسلوك الإجرامي بهذا المعنى يشكل مهنة قد لا تختلف عن أية مهنة أخرى إلا من حيث محتواها الإجرامي فحسب.

أما نظرية الاختلاط التفاضلي أو الارتباط المتغاير فهي تشكل تطويراً منهجياً آخر لشرح كيفية انتقال السلوك الإجرامي بطرق التعلم من الآخرين أو من خلال الاختلاط بالمجرمين وتعلم الأنماط الإجرامية والبواعث والمبررات التي تشجع على ارتكاب الجريمة من خلال علاقات شخصية وثيقة وحميمة وقد ظهرت أولى فرضيات هذه النظرية في كتاب مبادئ علم الإجرام للأستاذ الأمريكي “سذرلاند” منذ عام 1939 والتدريب على السلوك الإجرامي في نظر “سذرلاند” يتطلب ما يلي:

1- التدريب على فن ارتكاب الجريمة أي الطرق والوسائل التي يحتاجها الفرد لكي يمارس وينفذ الجريمة وهذا ما يسميه سذرلاند “التفسير الميكانيكي”.
2- التدريب على فن التصرفات وتوجيه الدوافع والميول لارتكاب السلوك الإجرامي واستعداد الشخص لتعلمها كما يتعلم فن ارتكابها. فإذا كان الأشخاص الذين يحيطون بالفرد يحترمون القوانين فإنهم بذلك يوجهون الشخص إلى الطريق السوي وإذا كان المحيطون بالشخص لا يحترمون القوانين المحيطة بهم فإنهم يوجهون ميول ودوافع الشخص إلى طرق تخالف القوانين وهذا ما يسميه سذرلاند التفسير التاريخي أو التكويني.
ويمكن إيجاز الخطوات التي تؤدي إلى ارتكاب السلوك الإجرامي حسب نظرية سذرلاند فيما يلي:

1- يعد السلوك الإجرامي سلوكاً مكتسباً أو متعلماً وهذا ينفي فكرة وراثة السلوك الإجرامي.
2- يتعلم السلوك الإجرامي من خلال الاختلاط بأشخاص آخرين من خلال عملية اتصال ويتضمن الاتصال بالآخرين المقولة أو المحادثة والإشارات والحركات.
3- يتم تعلم الجزء الأساسي للسلوك الإجرامي داخل الجماعات الأولية ذات العلاقة الحميمة وهذا يقلل من أثر وسائل الاتصال العامة مثل السينما والصحافة والتلفزيون وغيرها.
4- عندما يتم تعلم السلوك الإجرامي نجد أن عملية التعلم تتضمن شقين هما:
أ- تعلم فن ارتكاب الجريمة الذي قد يكون بسيطاً وقد يكون معقداً.
ب- تعلم الاتجاهات والدوافع والميول وتعلم تبرير التصرف العدواني والسلوك الجانح.
5- عملية التعلم للدوافع والميول تعتمد على الأشخاص المحيطين بالفرد، فإذا كانوا معادين للأنظمة كان التأثير سلبياً وإذا كانوا غير معادين للأنظمة كان التأثير إيجابياً.
6- ينحرف الشخص حين تترجح له كفة الآراء التي تحبذ انتهاك القوانين على كفة الآراء التي تحبذ الالتزام بها.
7- الاختلاط التفاضلي يختلف حسب التكرار والاستمرار والأسبقية والعمق وتعني الأسبقية أن الاتصال في المراحل الأولى من حياة الطفل يكون تأثيره أقوى وأدوم من الاتصال في المراحل المتقدمة حيث تبدو أهمية الأسبقية في حياة الشخص عندما يقف موقف الاختيار بين السلوك السوي والسلوك المنحرف.
أما عمق العلاقة فيقصد به عمق العلاقة التي تحتلها الجماعة المؤيدة للإجرام أو المخالفة له عند الشخص المتعلم لهذا السلوك المنحرف.
8- تتضمن عملية تعلم السلوك الإجرامي عن طريق الاتصال بالنماذج الإجرامية كل الآليات التي يتضمنها أي نوع ن أنواع التعلم. وهذا يعني أن تعلم السلوك الإجرامي لا يقف عند حد مجرد المحاكاة أو التقليد وإنما يتضمن تكوين الاتجاهات والدوافع والأساليب وفن ارتكاب الجريمة.
9- السلوك الإجرامي يعبر عن الحاجات أو القيم ولكن السلوك الإجرامي لا يمكن أن يفسر بهذه القيم أو الحاجات لأن القيم أو الحاجات تصلح لتفسير أصل السلوك لا صفته وكل سلوك سوي أو غير سوي يعبر عن حاجة أو قيمة عامة فالرجل الشريف الذي يعمل لإشباع حاجاته المادية يشبه في ذلك الرجل الغير شريف الذي يسرق لكي يشبع حاجاته المادية أيضاً (Siegel and Senna, 1988).

3- نظرية الانجراف:
نظرية الانجراف التي قدمها العالم “ديفيد ماتزا” تعتبر من النظريات المتوسطة “وسطى” لتفسير طبيعة السلوك المنحرف، حيث يحاول العالم ماتزا التوفيق بين مدرستين فكريتين متناقضتين في مجال علم الإجرام هما المدرسة الكلاسيكية التي تعتقد بالحرية المطلقة والمدرسة الوضعية التي تؤمن بالجبرية في مجال السلوك. حيث يفسر ماتزا الانجراف بقوله أن الطفل المنحرف ليس حراً بصورة تامة وليس مجبراً بحتمية مطلقة ولكنه عنصر يقع في مكان وسط بين قطبين متعارضين، حيث يعيش مرحلة انتقالية قلقة متذبذبة بين احترام القانون وكسره ومخالفته، والطفل المنحرف يتأثر بهذين الموقفين “احترام القانون أو كسره” حيث ينجذب لنداء أحدهما اليوم وفي الغد للآخر. بمعنى أن المنحرف الصغير هو شخص ينجرف نحو الانحراف أو يعتدل نحو السلوك السوي حسب تيار الضبط الاجتماعي الذي يتعرض له. فحين تضعف فعالية الضبط في المجتمع الكبير تبدأ ثقافة سفلية بالظهور وكبديل ثقافي يتضمن معايير خاطئة تشجع على مخالفة القانون. والطفل الذي يعيش ظروفاً كهذه لا يجد لنفسه من المقاومة الذاتية التي تثبت أقدامه فوق أرضية رصينة ولذلك يظل يتأرجح بين السوية والانحراف.

ويرى “سايكس” أن معظم الأطفال المنحرفون قد يسلكون سلوكاً منحرفاً جانحاً في بعض الأوقات ولكن مثل هذا السلوك لا يكون دائماً وبصورة مستمرة. والأطفال المنحرفون لا يقومون سلوكهم المنحرف باعتباره سلوكاً سيئاً بل هم يقومون بعملية تحييد خاصة لتبرير مسؤوليتهم عن السلوك المنحرف. إن عملية التحييد هذه أشبه بعملية تبرير الموقف من قبل الأطفال المنحرفين حيث يتعلمون التبرير من سلوك الراشدين في أوضاع حياتهم اليومية، ويعتمد التبرير على مجموعة من الخطوات على النحو التالي:

1- فن إنكار المسؤولية: عن طريق الاعتراف بأن جميع من يعيشون حولهم وفي مجال بيئتهم هم من الأطفال الذين يعانون من تفكك أسري كحالتهم وأن لا مجال أمامهم سوى أن يصبحوا أطفالاً جانحين.
2- فن إنكار الضرر: وهنا يبرر المراهق الصغير تهمة إيقاع الضرر بالآخرين وذلك لأن الهروب من البيت أو المدرسة أو استعمال المخدرات لا تضر أحد سواهم.
3- إنكار الضحية: عدم وجود صاحب المحل يسهل السرقة أو قد يلقي بعضهم اللوم على الضحية في الجريمة التي يرتكبونها إذ إن مسؤولية الضحية في نشوء الفعل الإجرامي لا تقل أحياناً عن مسؤوليتهم أنفسهم بشكل أو بآخر.
4- اتهام المجتمع (الحكم بالإدانة على المدنين): حيث يلقي المنحرف اللوم على المجتمع لفساده.
5- إظهار الولاء لسلطة عليا: حيث يبرر المنحرف جناحه بمطلب الولاء لمعايير وقيم العصبة التي ينتمي إليها أو قد يكون الفعل المنحرف موجه لنصرة صديق (الدوري، 1985م).
ويتضح من هذه التبريرات ما سبق أن ذكرناه أن المنحرف يقوم بعلمية تحييد السلوك المنحرف بوصفه سلوكاً غير خاطئ وبالتالي فلا مجال لتحميل المنحرف أي مسؤولية بسبب هذا السلوك. حيث لا يرى المنحرف نفسه مقصراً أو جانحاً لأنه يعمل بوحي من بعض القيم الخفية التي تحرك سلوك غالبية أفراد المجتمع الكبير، حيث يحترم المجتمع على سبيل المثال الشخص الحاذق الذي يحقق لنفسه مكاسب كبيرة بفطنته وذكائه حتى ولو كان الطريق إلى ذلك الثراء طريقاً غير مشروع كما يحدث في المجتمع الأمريكي على سبيل المثال حسب ما ترى هذه النظرية.

المتغيرات الاجتماعية المؤثرة على الانحراف

بعد أن استعرضنا أبرز النظريات الاجتماعية المفسرة للانحراف والجريمة سوف نستعرض أثر بعض المتغيرات الاجتماعية في الانحراف على النحو التالي:

تعد المتغيرات الاجتماعية هي كل ما يحيط بالحدث منذ ولادته من عوامل وظروف ومؤثرات ويكون لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على تشكيل الأنماط السلوكية له بحيث يؤدي أي خلل أو اضطراب في هذه المتغيرات إلى انحراف الأحداث وسوف نستعرض بشكل مختصر أبرز هذه المتغيرات:

1- المحيط الأسري:
مما لا شك فيه أن الأسرة هي الركن الأساسي في بناء أي مجتمع وأن انتماء الفرد لمجتمعه يتم عبر انتمائه لعائلته التي تشكل الخلية الاجتماعية التي يترعرع في داخلها ويتعلم من خلالها معايير وقيم المجتمع الأكبر وما هو مقبول أو مرفوض اجتماعياً. وقد تكون الأسرة عاجزة عن تشريب الناشئة معايير وقيم المجتمع نتيجة لتصدع الأسرة أو نتيجة لوفاة أحد الوالدين أو كليهما أو انفصالهما أو غياب أحدهما لأي سبب من الأسباب. كما أن وجود الوالدين لا يعني بالضرورة نجاح الأسرة كوحدة اجتماعية مستقرة خاصة في وجود النزاع والشجار الدائم بين الوالدين مما يؤثر على الأمن الاجتماعي للأطفال داخل الأسرة ويكون عامل طرد يدفعهم للخروج إلى الشارع والبحث عن مكان آخر أكثر استقراراً من الأسرة. بالإضافة إلى ذلك فإن هناك اختلالاات كثيرة قد تصيب الأسرة مثل تباين أساليب التربية والتوجيه والتنشئة الاجتماعية بين الوالدين وتعارضهما أحياناً بحيث تختلط على الأولاد معرفة الصواب من الخطأ. كل هذه المشكلات وغيرها قد تعترض طريق الأسرة بحيث تكون الأسرة هي إحدى المصادر الأساسية لدفع الأولاد للانحراف والسلوك الغير مستقيم.

2- المناخ المدرسي:
تلعب البيئة المدرسية دوراً هاماً في الصحة النفسية والصحة الجسمية للطلاب، فالبيئة المدرسية التي تراعي الجوانب المرتبطة بفترة النمو والمراهقة للطلاب تساهم في جعل المراهق يستغل فترة المراهقة في اكتساب خبرات مفيدة تساعده في تكوين اتجاهات إيجابية تجاه الذات وتجاه القيم السائدة في المجتمع وتجاه المجتمع ككل. ومما لا شك فيه أن هناك مجموعة من العوامل الاجتماعية التي قد تعيق المدرسة عن أداء الدور المناط بها في دمج الطلاب في بناء وثقافة المجتمع ككل ومن ذلك سوء معاملة بعض المدرسين للطلاب مما يولد لدى الطلاب رفض أنماط السلطة في المجتمع وعدم تقبل قيم ومعايير المجتمع. ويفترض أن تقوم المدرسة بغرس القيم الاجتماعية الإيجابية التي تحقق الأهداف العليا للمجتمع في نفوس الناشئة ولكن أحياناً يحدث العكس حيث تسهم المدرسة ولو بشكل غير مباشر في تكوين قيم سلبية ومنحرفة لدى طلابها مما ينعكس على سلوكياتهم في المستقبل ويخرج جيل من الفاشلين والمنحرفين.

3- وسائل الإعلام:
تعد البرامج والمسلسلات التي تعرضها وسائل الإعلام المختلفة ذات تأثير مباشر على السلوك الاجتماعي للأحداث حيث تستثير خيالهم وتدفعهم في بعض الأحيان إلى تقمص الشخصيات التي يشاهدونها خاصة ما اتصل منها بالمغامرات والحركة والعنف وقد تتحول حالات التقليد والمحاكاة إلى ممارسة فعلية لأعمال العنف التي يترتب عليها انسياق الحدث في مسار الجنوح وارتكاب الجرائم.

4- الحي:
يقصد بالحي الوسط المحيط بالأسرة من مكان جغرافي وجيران وأماكن اللقاءات ونوعية العلاقات والصلات القائمة في مكان الحي. وللجو السائد في الحي دور كبير في سلوك أفراده سلوكاً سوياً أو منحرفاً. وقد أوضحت دراسات عديدة هذا الدور ومن أهمها دراسة “شو” الذي درس تأثير الحي على خمسة أخوة أشقاء كانوا معروفين بتاريخهم الإجرامي الطويل، وقد وصف “شو” الحي الذي سكنوا فيه بأنه منطقة جناح وتوافرت فيه أسباب عدم التنظيم الاجتماعي وتشجيع السلوك الإجرامي عن طريق احترام المجرم وإضفاء طابع الرجولة والبطولة عليه مما جعل هذا الحي بيئة فاسدة أنبتت هؤلاء المجرمين (Cullen, 1985).

5- الرفاق:
وهم مجموعة الأفراد المقاربين للإنسان في عمره وميوله واتجاهاته ومنزلته الاجتماعية وجماعة الرفاق تلعب دوراً كبيراً في حياة الفرد من ناحية التأثير في سلوكياته فإذا كانوا هؤلاء الرفاق من الصالحين فإنه يتوقع أن يكون سلوك الفرد صالحاً بل ويزداد صلاحاً مع مرور الأيام وطول المخالطة مع هؤلاء الرفاق ولكن الخطر يأتي عندما يكون هؤلاء الرفاق منحرفين مما يقود للانحراف عاجلاً أو آجلاً لأن استمرار علاقة الفرد بهؤلاء الأفراد لابد أن ينتج عنها تأثير يجعل الفرد يسلك مثل سلوكهم وقد تم استعراض نظرية المخالطة الفارقة لسذرلاند التي تشير إلى أن السلوك الإجرامي يتم تعلمه عن طريق الاختلاط والتفاعل والتأثير المتبادل مع أشخاص آخرين خلال عمليات التواصل والاتصال.

6- وقت الفراغ:
يعتبر وقت الفراغ سلاحاً ذو حدين، فإذا استثمر هذا الوقت بشكل علمي مخطط ومنظم فإنه غالباً ما يؤدي إلى بناء أجيال صالحة ذات قدرات ومهارات اجتماعية مفيدة أما إذا ترك هذا الوقت للحدث يشغله بطريقته الخاصة دون توجيه أو متابعة فإن ذلك قد يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها فالكثير من السلوك المنحرف قد يكون مجرد لعب غير موجه أو نتاجاً لافتقار التوجيه في استثمار وقت الفراغ الاستثمار الصحيح. ومن ثم يمكن القول أن القصور في توفير وسائل سوية للترفيه وشغل وقت الفراغ قد يكون من العوامل التي قد تساهم في حدوث السلوك المنحرف لدى المراهقين.

التصور الإسلامي للانحراف:

بعد أن استعرضنا أسباب الانحراف من وجهة النظر الاجتماعية من خلال استعراض أبرز النظريات الاجتماعية في تفسير السلوك المنحرف بالإضافة إلى استعراض بعض المتغيرات الاجتماعية التي يمكن أن تؤدي إلى الانحراف فإننا سوف نستعرض التصور الإسلامي للانحراف على النحو التالي:

أولت الشريعة الإسلامية عناية خاصة بالأحداث وكفلت لهم عدداً من الحقوق الخاصة التي تتيح لهم النمو بشكل سليم من جميع النواحي الجسمية والاجتماعية والنفسية بشكل يتوافق مع الفطرة والطبيعة التي فطر الله الإنسان عليها وقد تجلت هذه العناية في جانبين أحدهما وقائي والآخر علاجي:

أولاً: الجانب الوقائي:
1- حسن اختيار الزوجة: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس” وهنا يلاحظ عناية الإسلام بالمولود قبل مجيئه من خلال حسن اختيار الأم حيث تعتبر الموجه الأول له وصلاحها يعتبر مؤشر مهم لصلاح الأبناء فيما بعد.
2- اختيار الاسم الحسن له: بعد مجيء الطفل يقرر الإسلام أنه لابد أن يختار الأب اسم حسن يشعره بالفخر والاعتزاز بين أقرانه ويشعره بأنه له قيمة داخل المجتمع يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه”.
3- حقه في الرعاية والإنفاق: ويشمل ذلك توفير ما يحتاج إليه الطفل من غذاء وكساء ومأوى وخدمات طبية ونفقة تعليمه إلى غير ذلك مما يحتاجه الطفل إلى أن يبلغ سناً يقدر فيها على الكسب. وتكون هذه الرعاية واجبة على الأب فإذا كان ليس له أباً أجبر وراثه على نفقته على قدر ميراثهم منه ويهدف الإسلام من توفير هذه الحاجات الأساسية إلى إبعاد الطفل عن الضياع والحاجة لكي ينمو في جو نفسي واجتماعي متوافق ويتمتع بنمو عقلي وجسمي سليم وهذه من العوامل الأساسية التي تبعده عن الانحراف.
وتشمل رعاية الطفل في الإسلام اليتيم واللقيط حيث أولت الشريعة الإسلامية عناية فائقة لليتيم قالت تعالى “ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح” (البقرة، آية 220).
4- حقه في التربية والتعليم: نظراً لأهمية التربية في تنشئة الطفل فقد أوجبها الإسلام على والديه أو من يقوم مقامهما، قال تعالى “يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً” (التحريم، آية 6). ووقاية الابن من النار تعني صيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء (القطان، 1407هـ).
5- حق العدل بينه وبين أخوته: أوجبت الشريعة الإسلامية على الوالدين أو من يقوم مقامهما العدل بين الأبناء في الأمور المادية وفي الحب والتودد إليهم فلا يحل لهما تفضيل بعض الأولاد على بعض لما يترتب على ذلك من زرع العداوة والحقد والحسد ومن هنا وجب العدل بين الأبناء في كل المعاملات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “اتقوا الله واعدلوا في أولادكم”. والإسلام بهذا العدل في المعاملة يحمي الطفل من كل صور الاضطراب في نموه الشخص والانفعالي والاجتماعي.

ثانياً: الجانب العلاجي:
لم تكتف الشريعة الإسلامية بكفالة هذه الحقوق للطفل والحدث بل إنها عملت على تحديد المصادر والمنابع المساعدة على الانحراف والجنوح وعملت على معالجتها والحد من تأثيرها على الفرد ومن ضمن هذه المصادر التي قد تدفع للانحراف ما يلي:

1- الفقر: يعتبر الفقر عاملاً من عوامل البؤس والحرمان والشقاء، ومنعاً للحقد والحسد وللتأثيرات السيئة التي يحدثها الفقر على النفس البشرية فقد عالج الإسلام مشكلة الفقر بمجموعة من الحلول منها:
أ- التكافل: حيث ربط جميع المسلمين برباط الأخوة وأقام هذه الأخوة على النصرة والتعاون والتآزر، قال تعالى “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم” (التوبة، آية 71).
ب- الزكاة: وهي عبادة مالية اجتماعية تطهر النفس من الشح والبخل والحرص وحب المال. وعندما ينال الفقير حقه من الغني تطهر نفسه من الحسد والضغينة فإن الإحسان يستميل القلب ويستل الأحقاد ويقضي على بواعث الشحناء والبغضاء ويجعل الناس أخوة متحابين رحماء متعاطفين. والزكاة تعالج مشكلة الفقر علاجاً حاسماً حيث تقارب بين الطبقات دون أن تزرع في النفوس الأحقاد والضغائن.
2- التفكك الأسري: إن الرباط والوفاق الأسري عامل هام في تنشئة الأبناء تنشئة سوية وذلك لما يحيطهم به من شعور بالطمأنينة والأمن والرعاية والاهتمام لذلك حرص الإسلام على وضع الشروط والمبادئ الخاصة في الزواج وحدد واجبات وحقوق كلا الزوجين حتى يسود التفاهم والوفاق بينهما مما ينعكس بالتالي على الأبناء ولما للانفصال بين الزوجين من آثار سيئة على الأبناء فقد جعله الإسلام أبغض الحلال عند الله حيث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “إن أبغض الحلال عند الله الطلاق”. ولا شك أن الطلاق يقوض أركان الإسلام ويهدد الأبناء بالانحراف.
3- رفاق السوء: تشكل جماعة الرفاق تأثير على تكوين الأنماط السلوكية لدى الحدث والذي على ضوئه تتشكل شخصيته. لذلك فقد حث الإسلام على ضرورة اختيار الرفاق الصالحين واجتناب مرافقة قرناء السوء. قال تعالى: “يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً” (الفرقان، الآيات 27-29).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري: “مثال الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة”.
وقبل أن نختم الحديث عن الجانب العلاجي والوقائي للشريعة الإسلامية في معاملاتها للأحداث نجد أن المسؤولية الجنائية للأحداث في الشريعة الإسلامية تتدرج على حسب عمر وسن الحدث. بالإضافة إلى أن المسؤولية الجنائية والأخلاقية للأحداث في الشريعة الإسلامية تقوم على عنصرين أساسيين هما: الإدراك والاختيار ولهذا تختلف أحكام الصغار باختلاف الأدوار التي يمرون بها من وقت ولادتهم إلى الوقت الذي يستكملون فيه ملكة الإدراك والإرادة وعلى أساس هذا التدرج وضعت الشريعة الإسلامية قواعد أساسية هي:

1- مرحلة انعدام الإدراك: وتبدأ منذ الولادة وتنتهي ببلوغ الولد السابعة من عمره باتفاق العلماء. وتتميز هذه المرحلة بانعدام التمييز والمسؤولية.
2- مرحلة الإدراك الضعيف: تبدأ من بلوغ الصبي السابعة من عمره وتنتهي بالبلوغ ويحدد عامة الفقهاء سن البلوغ بخمسة عشر عاماً فإذا بلغ الصبي هذه السن اعتبر بالغاً حكماً ولو كان لم يبلغ فعلاً.
3- مرحلة الإدراك التام: وتبدأ بالبلوغ الموافق للعام الخامس عشر من عمره على رأي عامة الفقهاء أو ببلوغه الثامنة عشر من عمره على رأي أبي حنيفة ومالك. وفي هذه الحالة يكون مسؤولاً مسؤولية كاملة عن جرائمه أياً كان نوعها حيث يحد إذا زنا أو سرق ويقتص منه إذا قتل أو جرح ويعزر بكل أنواع التعازير لأنه بلغ الإدراك والإرادة الكاملة المؤهلة للإدراك والاختيار (عودة، 1406هـ).
وهذا التدرج في معاملة الأحداث يعكس مدى عناية الشريعة الإسلامية في معالجة انحراف الأحداث وتقويم سلوكهم حسب إدراكهم ووعيهم ومسؤوليتهم عن السلوك المرتكب متدرجاً من انعدام المسؤولية إلى الوصول إلى المسؤولية الكاملة عند البلوغ.

الخاتمة:

ناقشت هذه الورقة الأسباب الاجتماعية للانحراف من الزاوية الاجتماعية وقد قسم الباحث هذه الدراسة إلى مجموعة من الأقسام استعرض من خلالها مفهوم الانحراف والفرق بين الانحراف والجريمة وبعد ذلك تم استعراض أبرز النظريات الاجتماعية والتي تمثل الإطار المرجعي لفهم الاستقرار والتوازن في المجتمع، بعد ذلك تم استعراض النظريات الاجتماعية المفسرة للانحراف من خلال تفسير الانحراف كبعد موضوعي متعلق باختلالات في البناء الاجتماعي والبيئة الاجتماعية أو بعد ذاتي متعلق بماهية وكيفية تفسير السلوك الإنساني. كما تم استعراض أبرز المتغيرات الاجتماعية التي تشير الكثير من البحوث الاجتماعية إلى أهميتها في سوية أو انحراف الأفراد وأخيراً تم استعراض التصور الإسلامي لمعالجة مشاكل الانحراف من خلال استعراض عناية الشريعة الإسلامية بالصغار وكفالات كل الوسائل التي تساعدهم على الابتعاد عن السلوك المنحرف كما تم استعراض أطر معالجة السلوك المنحرف إذا ما قام به الحدث الصغير وارتباط المسؤولية بالوعي والإدراك وتدرج الإسلام في ذلك.

المراجع

أولاً: المراجع العربية:
الخليفة، عبدالله، (1413هـ)، المحددات الاجتماعية لتوزيع الجريمة على أحياء مدينة الرياض، مركز أبحاث مكافحة الجريمة، وزارة الداخلية، الرياض.
الدوري، عدنان، (1985م)، جناح الأحداث المشكلة والسبب، ذات السلاسل، الكويت.
الدوري، عدنان، (1991م)، الانحراف الاجتماعي: دراسة في النظريات والمشكلات، ذات السلاسل، الكويت.
الرازي، محمد، (1401هـ)، مختار الصحاح مادة حدث، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
السمالوطي، نبيل، (1403هـ)، الدراسة العلمية للسلوك الإجرامي، الطبعة الأولى، دار الشروق، جدة.
الطخيس، إبراهيم، (1403هـ)، دراسات في علم الاجتماعي الجنائي، دار العلوم، الرياض.
عبدالحكيم، العفيفي، (1982م)، الاكتئاب والانتحار: دراسة اجتماعية تحليلية، الدار المصرية اللبنانية.
عبدالقادر، عودة، (1406هـ)، التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي، الطبعة الثامنة، مؤسسة الرسالة، بيروت.
عبدالكريم، ناهدة، (1983م)، بعض الأطر التفسيرية لمشكلة جنوح الأحداث، مجموعة بحوث وأعمال الحلقة الدراسية الخاصة بوقاية الأحداث من الانحراف، مركز البحوث والدراسات، بغداد، ص113.
العيد، سليمان، (1421هـ)، وقاية الأولاد من الانحراف من منظور إسلامي، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، المجلد 14، العدد 28، ص ص298-343.
القطان، مناع، (1407هـ)، معالجة الشريعة الإسلامية لمشاكل انحراف الأحداث، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض.
كارة، مصطفى، (1992م)، مقدمة في الانحراف الاجتماعي، معهد الاتحاد العربي، بيروت.
النجدي، عبدالرحمن، (1403هـ)، حاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع، د.ن. بيروت.
نجيم، زين العابدين، (1405هـ)، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
نعامة، سليم، (1985م)، سيكولوجيا الانحراف، مؤسسة الرسالة، بيروت.
ثانياً: المراجع الأجنبية:
Becker, H., (1963), Outsiders, New York, New York free press.

Cullen Francis, (1983), Rethinking crime and Deviance Theory. The Emergence of a structuring tradition. Rowman and Allanheld. U.S.A

Frank Tannenbaum, (1938), Crime and the Community, New York.

Wallace and Walf, (1991), Contemporary Sociological theory: Continuing the classical tradition. New Jersey. U. S. A.