بقلم الدكتـور حسـن فتـوخ
أستاذ بالمعهد العالي للقضاء

تقديـــــــــــــــم

تعتبر حرية الصحافة أساسا لنبض الحياة داخل المجتمعات الديمقراطية[1]، ومقياسا لتقدمها وانفتاحها من خلال توفير آليات الولوج إلى المعلومة وتداولها بشكل يضمن حق المواطنين في الإطلاع على ما يجري داخل مجتمعهم. ومن ثمة فإن المغرب عمل على تكريس الضمانات المتعلقة بحرية الصحافة من خلال دستور سنة 2011 الذي يعكس حقيقة الارتقاء بها، لأن الحق في المعلومة أصبح من بين أهم الحقوق التي يقع على عاتق الدول احترامها وتوفير كافة الضمانات القضائية لحمايتها،

وذلك لأنه من بين أهم الحقوق الإنسانية التي تدور في فلك حماية ذاتية الإنسان بغض النظر عن جنسيته، أو لونه أو لغته. وعليه فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح يتمثل في معرفة ماهية الحدود الفاصلة بين حرية الصحافة ومعها لازمتها حرية التعبير المكفولة دستوريا، وبين جنحة القذف المنصوص عليها وعلى عقوبتها في القانون المغربي؟

وجوابا على ذلك، وفي إطار العلاقة الجدلية بين الحرية والمسؤولية نعرض لمقولة جون جاك روسو في هذا الشأن جاء فيها ما يلي :

” ليس بوسعي إلا أن أطيع القانون إذا أنا أصغيت لعقلي الخالص. وعلى هذا النحو، فإنني أكون حرا، لأنني لا أطيع إلا نفسي. وإذا كنت أخرق ومهددا غالبا لأن أكون كذلك فإنني أكره أن أكون حرا على أن أطيع العقل “.

وهذا الخوف من المسؤولية الناتج عن خرق القانون، أكده أيضا أحد رواد نظر العقد الاجتماعي بقوله: ” أنا والخوف توأمان “.

ومفاد هذا العقد الاجتماعي أن الأفراد تنازلوا عن جزء يسير من حرياتهم الطبيعية مقابل الانخراط في سك المجتمع المتحضر وخضوعهم للقانون باعتباره قيدا وإن حماهم من قيود أثقل من القيود نفسها.

وتأسيسا على ذلك، فإن الصحافة في المغرب توجد بين سندان حرية الصحافة ومطرقة المقتضيات الزجرية الواردة في القانون الجنائي وقانون الصحافة المؤرخ في 15/11/1958 الذي نص على مجموعة من الجرائم الماسة بالأشخاص التي ترتكب عن طريق النشر، ويجمع بينها قاسم مشترك يتمثل في كونها تشكل اعتداء على الشرف والاعتبار ومساسا بمكانة الأشخاص وحرياتهم الأدبية داخل المجتمع.

وفي خضم هذا الجدل القائم بين حرمة الأشخاص كحق، وحرية الصحافة في التعبير ونقل الخبر وإيصال المعلومة بأمانة، تبقى السلطة القضائية المستقلة[2] هي الضمانة الأساسية للحقوق والحارسة للحريات من خلال التطبيق العادل للقانون والتوفيق بين حرية الصحافة والحرية الأدبية للأشخاص التي تخول للأفراد الحق في الطمأنينة والسكينة على أسرار حياتهم الخاصة، وذلك بتكييف العبارات المنشورة بواسطة الصحافة في حق المتهم للتأكد من مدى توافر العناصر التكوينية لجريمة القذف التي هي موضوع هذه الدراسة مع خضوع تعليل المحاكم لرقابة محكمة النقض باعتبارها محكمة قانون[3].

فما هو المفهوم الذي كرسته محكمة النقض لجريمة القذف من خلال عمل محكمة النقض؟ وكيف تعاملت مع مسطرة تحريك الدعوى العمومية بشأنها؟ وما هي المعايير القضائية التي كرستها من خلال تعاملها مع هذا النوع من الجرائم التي تعتبر قيدا على حرية الصحافة[4]؟

ولعل تناول هذا الموضوع يقتضي منا تقسيمه إلى محورين كالتالي:

المحور الأول: تعريف جريمة القذف ومسطرة إقامة الدعوى العمومية بشأنها

المحور الثاني: المعايير القضائية لاستخلاص عناصر جنحة القذف

المحــور الأول:

تعريف جريمة القذف ومسطرة إقامة الدعوى العمومية بشأنها

أولا: تعريـف جنحـة القـذف:

عرفت الفقرة الأولى من الفصل 44 من قانون الصحافة القذف كما يلي: « يعد قذفا إدعاءواقعة أو نسبها إلى شخص أو هيئة إذا كانت هذه الواقعة تمس شرف أو اعتبارالشخص أو الهيئة التي نسبت إليها ».

كما أن الفصل 442 من القانون الجنائي تضمن التنصيص على نفس التعريف المذكور مع ملاحظة مفادها أن محكمة النقض[5] اعتبرت أن الفصل المذكور يحيل على قانون الصحافة فيما يخص العقوبة وليس من أجل تكوين عناصر جنحة القذف حسب ما يتضح صراحة من خلال حيثيات أحد قراراتها كالتالي:

” وحيث إن المحكمة لما قضت بإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بإدانة المطلوب من جنحة القذف وقضت بعدم الاختصاص اقتصرت في تعليل ذلك على القول: “بأن السب والشتم والقذف المجرم والمعاقب عليه بمقتضى قانون الصحافة يشترط فيه لاعتباره جنحة من اختصاص المحكمة الابتدائية أن يتم بإحدى وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة وهو ما لا يتوفر في التهمة موضوع المتابعة…“، دون أن تعلل ذلك بما فيه الكفاية خاصة وأن الفصل 442 من ق.ج يحيل على قانون الصحافة فيما يخص العقوبة وليس من أجل تكوين عناصر جنحة القذف والمحكمة لما قضت في قرارها على النحو المذكور لم تجعل له أساسا من القانون الأمر الذي يعرض قضاءها للنقض والإبطال “.

ومن جهة أخرى، فالقذف من الناحية القضائية عرفته محكمة النقض المغربية في أحد قراراتها بأنه ” كل ادعاء أو عزو عمل يمس بشرف أو حرمة الأشخاص أو الهيئة التي يعزى إليها العمل…”([6])

ويستفاد من هذين التعريفين التشريعي والقضائي أن القذف هو فعل غير شرعي معاقب عليه بمقتضى القانون كلما تعلق الأمر بالمساس بالحياةالخاصة للأشخاص أو الهيئات المعنية به، مع مراعاة الحالات التي يمكن أن يكون فيها القاذف في حل من أية متابعة قضائية كلما كانت الوقائع التي يتضمنها القذف صحيحة ومتعلقة بالحياةالعامة عملا بنص الفصل 57 من ق ص.([7])

وغني عن البيان أن المشرع المصري قد عرف القذف من خلال المادة 302 من قانون العقوبات التي نصت على أنه:

” يعد قاذفا كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة 171 من هـذاالقانون أمـورا لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من اسند إليه بالعقوبات المقررةلذلك قانونا أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه “.

ويلاحظ أن هناك فرقا في التعريف بين التشريعين أعلاه، بدليل أن المشرع المصري أضاف بأن الأمور المسندة لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة قانونا، في حين أن المشرع المغربي اقتصر فقط على أن تكون الواقعة المسندة تمثل اعتدا على شرف واعتبار الشخص أو الهيئة المسنوبة إليها.

وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد القضاء المغربي يأخذ بالتوجه الوارد في التشريع المصري، حيث اعتبر[8] في إحدى النوازل المعروضة عليها أن المشتكي لم يسند للمطالب بالحق المدني وقائع في غاية الخطورة من شأنها أن توجب عقابه لو تبثث في حقه. وبذلك يكون القضاء المغربي قد اعتمد معيار جرمية الوقائع المسندة للشخص المقذوف حتى يمكن أن يتحقق القذف المنصوص عليه وعلى عقوبته في الفصل 442 من القانون الجنائي.

ثانيا : شكليات الاستدعاء الواردة في الفصل 72 وأثره على الدعوى العمومية

1.
البيانات الواجب توافرها في الشكاية المباشرة المقدمة من طرف المتضرر ومدى انطباق الفصل 347 من قانون المسطرة الجنائية عليها؟
يجب التمييز بين إقامة الدعوى العمومية المتعلقة بجنحة القذف من طرف المتضرر عن طريق تقديم شكاية مباشرة إلى المحكمة الابتدائية المختصة في إطار الفصل 73، وبين إقام%D