دراسة و بحث حول نظرية العلاقات الدولية المتعددة

العلاقات الدولية: عالم واحد، نظريات متعددة.

ستيفن وولت،

أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، الولايات المتحدة.

ترجمة: عادل زقاغ و زيدان زياني

لماذا يهتم صانعوا السياسة والممارسين لها بالدراسة الأكاديمية للشؤون الدولية؟

إن الذين يوجهون السياسة الخارجية عادة ما يصرفون النظر عن طروحات الأوساط النظرية (وهو ما يمكن تقبله في حالات كثيرة)، غير أن هناك علاقة لا يمكن تجاهلها بين العالم النظري المجرد والعالم الواقعي حيث تمارس السياسة، فنحن بحاجة للنظريات حتى نضفي معنى على الكم الهائل من المعلومات التي تغمرنا يوميا. وحتى صانعي السياسة الذين يتعالون على النظريات يتوجب عليهم في واقع الأمر أن يعتمدوا على أفكار خاصة بهم حول الكيفية التي تسير بها الشؤون الدولية (وفي العادة، لا يتم التصريح بها) في حال أرادوا اتخاذ قرار إزاء وضع معين، فالكل يستعمل نظريات – بإدراك أو يغيره – حيث أن التباين في وجهات النظر تجاه السياسة المتبعة يعود إلى الاختلافات الجوهرية حول القوى الأساسية التي تسهم في صياغة محصلات التفاعل الدولي.

لنأخذ على سبيل المثال، الحوار القائم حول كيفية التعامل مع الصين. إن صعود الصين من إحدى المنظورات، يعد إحدى النماذج الحديثة لتوجه القوى الصاعدة من أجل تغيير توازن القوى العالمي بأشكال يمكن أن تأخذ منحى خطيرا، خاصة وأن نفوذها المتعاظم يجعلها أكثر طموحا. ومن منظور آخر، فإن مفتاح التوجه المستقبلي للصين يتوقف على ما إذا كان سلوكها سيتغير بفعل اندماجها في الأسواق العالمية والانتشار (الذي لا يمكن تحاشيه؟) للمبادئ الديمقراطية. أما من وجهة نظر ثالثة، فإن العلاقات بين الصين وبقية العالم سوف تتشكل بتأثير عوامل الثقافة والهوية، وفقا للتساؤل التالي؛ هل ستنظر الصين لنفسها (وينظر الآخرون إليها) كعضو طبيعي في المجموعة الدولية أو كمجتمع متميز يستحق معاملة خاصة؟

بالطريقة ذاتها يمكن أن يأخذ النقاش حول حلف شمال الأطلسي أبعادا مختلفة بحسب النظرية التي تم توظيفها، فالمنظور الواقعي يعتبر أن توسيع الناتو يدخل ضمن مسعى توسيع النفوذ الغربي فيما وراء المجال التقليدي للمصالح الأمريكية الحيوية، وهذا في مرحلة تتميز بتراجع النفوذ الروسي، ولذا يحتمل أن يثير ذلك ردة فعل عنيفة من جانب موسكو. أما المنظور الليبرالي فيرى أن توسيع الناتو سيعزز الديمقراطيات الناشئة في أوربا الوسطى ويساهم في توسيع نطاق الآليات الأطلسية لإدارة النزاع إلى منطقة تبقى فيها الاضطرابات أمرا واردا. ومن منظور ثالث، يمكن التركيز على أهمية إدماج جمهورية التشيك والمجر وبولندا ضمن المجموعة الأمنية الغربية والتي يتقاسم أعضاؤها هوية مشتركة تجعل من الحرب أمرا جد مستعبد.

لا يمكن لأية مقاربة منفردة أن تستوعب التعقيد المميز للسياسة العالمية المعاصرة، ولذلك فنحن إزاء مجموعة كبيرة من الأفكار المتنافسة ولسنا إزاء تقليد نظري واحد. وهذا التنافس بين النظريات يساعد على معرفة مواطن القوة والضعف ويثير بذلك التحويرات اللازمة.

مـن أيـن أتـينا

انحصرت دراسة الشؤون الدولية في التنافس المستديم بين المنظورات الواقعية، والليبرالية والراديكالية. ففي حين يركز الواقعيون على الطابع التنازعي للعلاقات بين الدول، فإن الليبرالية تحدد طرقا متنوعة للتخفيف من حدة هذه التوجهات التنازعية، بينما يبين لنا المنظور الراديكالي كيفية تحويل نظام العلاقات الدولية برمته. الحدود بين هذه المنظورات ليست واضحة كما أن العديد من الأعمال المهمة في هذا المجال لا تتناسب وتصنيفها ضمن إحدى هذه الاتجاهات الثلاثة، غير أن النقاش بينها كان بمثابة ميزة أساسية لهذا الحقل المعرفي.

الـواقـعية

لقد هيمن المنظور الواقعي على حقل العلاقات الدولية خلال فترة الحرب الباردة، وتفترض الواقعية أن الشؤون الدولية عبارة عن صراع من أجل القوة بين دول تسعى لتعزيز مصالحها بشكل منفرد، وهي بذلك تحمل نظرة تشاؤمية حول آفاق تقليص النزاعات والحروب، غير أنها ساعدت على تزويدنا بتفسيرات بسيطة لكنها قوية للحروب، والتحالفات، والإمبريالية، وعقبات التعاون وغيرها من الظواهر الدولية. كما أن تركيزها على النزعة التنافسية كان متناسبا جدا مع جوهر الصراع الأمريكي-السوفييتي.

الواقعية ليست نظرية واحدة بطيعة الحال، كما أن الفكر الواقعي تبلور بالأساس خلال فترة الحرب الباردة. فالواقعيون الكلاسيكيون مثل هانس مورقينتو وراينهولد نايبور يعتقدون أن الدول مثلها مثل البشر تمتلك رغبة فطرية في السيطرة على الآخرين، وهو ما يقودها نحو التصادم والحروب، وقد أبرز مورقينتو فضائل نظام توازن القوى التقليدي المتعدد الأقطاب، ويرى أن نظام الثنائية القطبية الذي برزت فيه الو.م.أ. والاتحاد السوفييتي يحمل العديد من المخاطر.

وبالمقابل، فإن النظرية النيوواقعية التي يتزعمها كينيث وولتز تغفل الطبيعة البشرية وتركز على تأثير النظام الدولي، فبالنسبة لـ وولتز، فإن النظام الدولي يتشكل من مجموع القوى الكبرى، كل منها تسعى للحفاظ على وجودها. فهذا النظام فوضوي (بمعنى انتفاء سلطة مركزية تحمي كل دولة من أخرى) وفي ظله نجد أن كل دولة لا تهتم سوى بمصالحها، غير أن الدول الضعيفة تسعى لإيجاد نوع من التوازن بدلا من الدخول في صراع مع الخصوم الأقوياء. وأخيرا، وخلافا لـ مورقينتو فإن وولتز يعتقد أن النظام الثنائي القطبية أكثر استقرارا من النظام المتعدد الأقطاب.

إحدى الإضافات التنقيحية المهمة للواقعية تتمثل في ظهور التوجهين الهجومي-الدفاعي ويتزعمهما كل من روبرت جرفيس، وجورج كويستر، وستيفن فان إيفيرا. هؤلاء الباحثون يعتقدون بتزايد احتمالات الحرب بين الدول كلما كانت لدى بعضها القدرة على غزو دولة أخرى بسهولة. لكن عندما تكون القدرات الدفاعية أكثر تيسرا من القدرات الهجومية فإنه يسود الأمن وتزول حوافز النزعة التوسعية. وعندما تسود النزعة الدفاعية، ستتمكن الدول من التمييز بين الأسلحة الدفاعية والأسلحة ذات الطابع الهجومي، آنئذ يمكن للدول امتلاك الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسها دون تهديد الآخرين، وهي بذلك تقلص من آثار الطابع الفوضوي للساحة الدولية.

أما الواقعيون ذوو النزعة الدفاعية، فيرون أن الدول تسعى فقط للحفاظ على وجودها، بينما تقدم القوى الكبرى ضمانات لصيانة أمنها عن طريق تشكيل تحالفات توازنية بانتقاء آليات دفاعية عسكرية (مثل القدرات النووية الانتقامية). وليس من المفاجئ أن نجد وولتز وغيره من النيوواقعيين الذين يرون أن الو.م.أ. كانت آمنة في أغلب فترات الحرب الباردة يتخوفون من إمكانية تبديد الو.م.أ. لهذا المكسب في حال تبنيها لسياسة خارجية عدائية. وهكذا، فإنه وبنهاية الحرب الباردة تحولت الواقعية التشاؤمية لـ مورقينتو والمستمدة من الطبيعة البشرية إلى تبني نبرة أكثر تفاؤلية.

اللـيبرالـية

التحدي الأساس للواقعية يأتي من عائلة النظريات الليبرالية، التي ترى إحدى اتجاهاتها أن الاعتماد المتبادل في الجانب الاقتصادي سوف يثني الدول عن استخدام القوة ضد بعضها البعض، لأن الحرب تهدد حالة الرفاه لكلا الطرفين.

اتجاه آخر منسوب للرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون، يرى أن انتشار الديمقراطية يعتبر مفتاحا للسلام العالمي، ويستند هذا الرأي إلى الدعوى القائلة بأن الدول الديمقراطية أكثر ميلا للسلام من الدول التسلطية. وهناك اتجاه ثالث، وهو الأحدث، يرى أن المؤسسات الدولية مثل وكالة الطاقة الذرية وصندوق النقد الدولي، يمكن أن تساعد للتغلب على النزعة الأنانية للدول عن طريق تشجيعها على ترك المصالح الآنية لصالح فوائد أكبر للتعاون الدائم. ورغم أن بعض الليبراليين احتفوا بالفكرة التي تعتبر أن الفاعلين عبر القوميين – خاصة الشركات المتعددة الجنسيات – استحوذوا تدريجيا على سلطات الدول فإن الليبرالية بصفة عامة ترى في الدول فاعلين مركزيين في الشؤون الدولية. وفي كل الحالات فإن جميع النظريات الليبرالية تطغى عليها النزعة التعاونية بشكل يتجاوز بكثير الاتجاه الدفاعي في النيوواقعية، على أن كلا منهما يقدم لنا توليفة مختلفة عن كيفية تعزيز هذا التعاون.

المقاربات الراديكالية

إلى غاية الثمانينيات كانت الماركسية بمثابة البديل الأساسي للاتجاهين المهيمنين على العلاقات الدولية (الواقعية والليبرالية) وقد تجاوزت الماركسية نظرة الواقعيين والليبراليين للنظام الدولي كمعطى مسبق، إلى تقديم تفسير مختلف للنزاعات الدولية، بل وأكثر من ذلك، فقد زودتنا بمسودة تتضمن تحويلا جوهريا للنظام الدولي.

فالنظرية الماركسية الأرثوذكسية ترى أن الرأسمالية هي السبب الأساس للنزاعات الدولية. فالدول الرأسمالية تحارب بعضها كنتيجة لصراعها الدائم من أجل الربح. كما أنها تحارب الدول الاشتراكية لأنها ترى فيها بذور فنائها. وبالمقابل، فإن النظرية النيوماركسية “التبعية” تركز على العلاقات بين القوى الرأسمالية الأكثر تطورا والدول الأقل تطورا، إذ ترى أن الأولى أصبحت أكثر غنى باستغلال مستعمراتها مدعومة في ذلك بتحالف غير مقدس مع الطبقات الحاكمة للدول السائرة في طريق النمو. وهكذا، فإن الحل في نظرها يكمن في الإطاحة بهذه النخب الطفيلية وتأسيس حكومات ثورية تلتزم بتنمية ذاتية.

في الواقع، لقد تم دحض افتراضات كلتا النظرتين (الماركسية والنيوماركسية) حتى قبل نهاية الحرب الباردة. أما بالنسبة للأولى، فإن تاريخ التعاون الاقتصادي والعسكري الوثيق بين القوى الصناعية المتقدمة، أظهر أن الرأسمالية لا تحتم الانقياد نحو التنازع، وبالمقابل، فإن الانشقاقات الكبيرة التي شهدها العالم الشيوعي مع نهاية الحرب الباردة، أظهرت أن الاشتراكية لا تقوم دوما بتعزيز الانسجام. نظرية التبعية بدورها قد عانت من شواهد إمبريقية لا تسير في اتجاه افتراضاتها، مع بروز حقيقة مفادها أن المشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي كانت بمثابة الطريق الأمثل للازدهار، وذلك بخلاف نهج التنمية الذاتية بالمفهوم الاشتراكي، ومن جهة أخرى، فإن العديد من الدول السائرة في طريق النمو أثبتت أنها قادرة على المفاوضة بنجاح مع الشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية الرأسمالية.

ومع استسلام الماركسية لاخفاقاتها المتعددة، اتجه منظروها لاستعارة مفاهيم وتصورات من أدبيات ما بعد الحداثة، خاصة من التيار النقدي في الأدب والعلوم الاجتماعية. هذه المقاربة التي تقوم على المنهج التفكيكي أبدت تشكيكها في مساعي الليبراليين والواقعيين لتعميم افتراضاتهم، إذ ركز رواد هذا الاتجاه الجديد على أهمية اللغة والخطاب في تشكيل المحصلات الاجتماعية، إلا أن اقتصارهم على نقد المنظورات السائدة دون تقديم بدائل إيجابية جعلهم مجرد أقلية منشقة طيلة الثمانينيات.

السياسة الوطنية

لم تكن جل الأبحاث في الشؤون الدولية خلال فترة الحرب الباردة تتناسب وتصنيفها ضمن إحدى المنظورات الثلاثة السائدة، وبالذات تلك التي تركز على خصائص الدول، والمنظمات الدولية، والقيادات. مثل هذه الأعمال تناسب التوجه الديمقراطي في النظرية الليبرالية، كما هو الأمر بالنسبة لمجهودات بعض الباحثين مثل قراهام أليسون وجون ستاينبرونر باستعمالهما لنظرية المنظمة والسياسة البيروقراطية لتفسير توجهات السياسة الخارجية، أو تلك الخاصة بجيرفيس إيرفينغ وآخرين ممن حاولوا تطبيق علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي. لكن أغلب هذه الأعمال لا تسعى لتزويدنا بنظرية عامة حول السلوك الدولي، بل تحاول تحديد العوامل الأخرى التي يمكن أن تقود الدول للتصرف بشكل يخالف توقعات الواقعيين والليبراليين. فالجزء الأكبر من هذه الأدبيات يجب اعتباره مكملا للمنظورات الثلاثة – وليس منافسا لها – في تحليل النظام الدولي ككل.

تصدعات جديدة في منظورات قديمة

أصبحت الدراسة الأكاديمية للشؤون الدولية أكثر تنوعا منذ نهاية الحرب الباردة بحيث برزت الأصوات غير الأمريكية، كما حصل عدد كبير من المناهج والنظريات على الشرعية. بل وأكثر من ذلك، فقد أدرجت مواضيع جديدة في أجندة الباحثين على الصعيد العالمي، ومن بينها النزاعات الإثنية، والبيئة ومستقبل الدولة.

ومع ذلك، فإن الاتجاه نحو التجديد لم يكن في حقيقة الأمر سوى نسخة مكررة للقديم. وبدلا من حل الصراع القائم بين مختلف المقاربات النظرية المتنافسة، فإن نهاية الحرب الباردة لم يعقبها سوى إطلاق سلسلة جديدة من النقاشات، ثم إن اعتناق أغلب التجمعات لنفس القيم المتعلقة بالديمقراطية، السوق الحرة وحقوق الإنسان لم يؤد إلى نوع من الوفاق، بل أن الباحثين الذين عكفوا على دراسة هذه التطورات هم الآن أكثر انقساما من ذي قبل.

انحسار الواقعية

رغم أن نهاية الحرب الباردة قادت بعض الكتاب للتصريح بالإفلاس الأكاديمي للواقعية، إلا أن المتداول بشأن إخفاقها الكلي مبالغ فيه.

يعتبر مفهوم المكاسب النسبية والمكاسب المطلقة إحدى الإسهامات الحديثة للواقعية. فردا على افتراض “الاتجاه المؤسساتي” الذي يعتبر أن المؤسسات الدولية ستًمكن الدول من ترك المزايا قصيرة المدى لصالح مكاسب أكثر للتعاون على المدى الطويل. بحيث يشير الواقعيون من أمثال جوزيف قريكو وستيفن كراسنر إلى أن الفوضى تدفع بالدول للقلق بشأن هذه المكاسب المطلقة من خلال التعاون، زيادة على الطريقة التي يتم وفقها توزيع هذه المكاسب بين المتعاونين، وتبرير ذلك هو أن الدول التي تستحوذ على مكاسب تفوق مكاسب شركائها ستصبح بالتدريج أقوى، بينما يصبح شركاءها أكثر هشاشة.

وفضلا عن ذلك، فقد كان الواقعيون سباقين أيضا إلى استكشاف مجموعة من القضايا المستجدة. فـ باري بوزان يقدم لنا تفسيرا واقعيا للنزاعات الإثنية، بالإشارة إلى أن تمزق الدول المتعددة الإثنيات يمكن أن يضع المجموعات الإثنية أمام وضع فوضوي. هذا الواقع الجديد، يثير مخاوف كل طرف تجاه الطرف الآخر، ويقود كليهما إلى محاولة استعمال القوة لتحسين وضعه النسبي، هذه الوضعية تتعقد أكثر عندما تكون في الإقليم، المأهول من طرف مجموعة معينة، جيوب تسكنها إثنيات أخرى، مثلما حدث فيما كان يعرف بيوغسلافيا. ذلك أن كل طرف يحاول تنفيذ تصفية إثنية (استباقية) لإنهاء وجود أية أقليات غريبة، ما يسمح بالتوسع لضم كل الأفراد المنتمين لمجموعتهم والمتواجدين خارج الحدود الحالية لإقليمهم. وبخصوص مسعى توسيع حلف شمال الأطلسي، فقد حذر الواقعيون من أن ذلك سوف يؤدي الى شل العلاقات مع روسيا في ظل غياب عدو واضح يبرر مسعى التوسيع.

وأخيرا، هناك بعض الباحثين من أمثال مايكل ماستاندونو الذين أشاروا إلى أن سياسة الو.م.أ. تتوافق مع المبادئ الواقعية، خاصة وأن مختلف تحركاتها مصممة أساسا للإبقاء على واقع الهيمنة الأمريكية، ولإقرار نظام ما بعد الحرب بشكل يعزز المصالح الأمريكية.

إن التطور الأكثر أهمية من الناحية التصورية يتمثل في الشرخ المتنامي بين الاتجاهين الدفاعي والهجومي. رواد الاتجاه الدفاعي (كينيث وولتز، فان إيفيرا، جاك سنايدر) يفترضون أنه ليس للدول مصالح كبيرة في الغزو العسكري، ويرون أن التكاليف المترتبة عن السياسات ذات النزعة العسكرية تفوق عادة الفوائد المرجوة منها. وتبعا لذلك فإنهم يرون أن الحروب التي تخوضها الدول الكبرى تحدث عموما نتيجة لشعور مبالغ فيه بالخطر والذي تغذيه مجموعات داخلية، كما تعود أيضا إلى الثقة المفرطة في فعالية العمل العسكري.

لقد تعرضت وجهة النظر هذه لموجة من الانتقادات مست مختلف الجوانب:

راندال سفيلر يشير إلى أن الافتراض النيوواقعي القاضي بأن الدول تسعى فقط للحفاظ على وجودها، ينطوي على تكريس الوضع القائم، ذلك أنها تحول دون التنبؤ بالخطر الذي تمثله الدول العدوانية مثل ألمانيا في عهد هتلر أو فرنسا في عهد نابليون بونابرت والتي لم تكن تعير اهتماما لموجوداتها بقدر اهتمامها بتلبية مطامعها، وهي مستعدة للمخاطرة بفنائها من أجل تحقيق أهدافها.

أما بيتر ليبرمان في كتابه: “ماذا يجني الغزاة؟” فيورد العديد من الشواهد التاريخية كالاحتلال النازي لأوربا الغربية والهيمنة السوفيتية على أوربا الشرقية, ليبين لنا أن فوائد الغزو تفوق تكاليفه، وهو بذلك يزيل الشك عن الادعاء القائل بأن التوسع العسكري لم يعد مربحا.

في حين أن الواقعيين الهجوميين (إيريك لابس، وجون ميرشايمر، وفريد زكريا) يرون أن الفوضى تدفع الدول للعمل على تعظيم قوتها النسبية طالما أن ظهورا مفاجئا لقوة تعيد النظر في الواقع القائم يبقى احتمالا واردا.

هذه الخلافات تساعدنا على تفسير السبب الذي يجعل الواقعيين يختلفون حول مجموعة من القضايا مثل مستقبل أوربا، فالواقعيون الدفاعيون مثل فان إيفيرا، يرون أن الحرب نادرا ما تكون ذات فائدة، وهي في العادة نتاج النزعة العسكرية والقومية المفرطة، إضافة إلى عوامل أخرى، ولأن فان إيفيرا لا يعتقد بتوفر هذه العوامل في أوربا ما بعد الحرب الباردة، فانه يخلص إلى أن المنطقة سيسودها السلام. وبالمقابل نجد ميرشايمر وغيره من الواقعيين الهجوميين يعتقدون أن الفوضى تدفع القوى الكبرى إلى التنافس بغض النظر عن خصائصها الداخلية، فهم يرون أن مناخ التنافس حول الأمن سوف يسود أوربا بمجرد انسحاب راعي السلام الأمريكي.

حياة جديدة لليبرالية

أثار انهزام الشيوعية نوعا من مشاعر الغبطة في الغرب، وقد تجلى ذلك في طروحات فوكوياما حول نهاية التاريخ، ورغم أن التاريخ لم يول اهتماما كبيرا لهذا الاعتزاز، إلا أن ذلك أعطى دفعة قوية للتيارات الثلاثة للفكر الليبرالي.

برز ذلك وبشكل واضح في النقاشات الدائرة حول “السلام الديمقراطي”، فرغم أن آخر حلقة من النقاش حول “السلام الديمقراطي”، كانت قد ابتدأت فعليا قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، غير أن هذا المفهوم أصبح أكثر إسنادا بزيادة عدد الدول الديمقراطية وتراكم مزيد من الشواهد الإمبريقية المؤكدة للارتباط القائم بين الديمقراطية والسلام.

فنظرية “السلام الديمقراطي” تعتبر تحويرا للطرح المبكر القاضي بأن الدول الديمقراطية نادرا ما تحارب بعضها البعض بالرغم من أنها قد تدخل في حروب ضد دول أخرى. وقد قدم لنا بعض الباحثين من أمثال مايكل دويل، وجيمس لي ري وبروس راسيت، عددا من التفسيرات في هذا الاتجاه، ومن أكثرها انتشارا تلك القائلة بأن الدول الديموقراطية تعتنق ضوابط التوفيق التي تمنع استعمال القوة بين أطراف تعتنق نفس المبادئ. إنه من الصعب تصور وجود تفسير أقوى حجة من “السلام الديمقراطي” لتبرير مساعي إدارة كلينتون الهادفة إلى توسيع مجال الحكم الديمقراطي.

أصبح “السلام الديمقراطي” بذلك قاعدة للسياسة الأمريكية، مما دفع إلى الشروع في مزيد من الأبحاث حول إسنادات هذه النظرية. أولا: أشار كل من سنايدر وإدوارد مانسفيلد إلى أن الدول قد تكون أكثر ميلا للحرب عندما تمر بمرحلة الانتقال نحو الديمقراطية، مما يعني أن المساعي الحالية لتصدير الديمقراطية قد تجعل الأمور أسوأ مما هي عليه. ثانيا: أشارت انتقادات كل من دايفد سبيرو وجوان قوا إلى أن الغياب الظاهري للحروب بين الدول الديمقراطية يعود إلى الطريقة التي تمت بواسطتها تعريف الديمقراطية والعدد القليل نسبيا للدول الديمقراطية (خاصة قبل 1945). فضلا عن ذلك فإن كريستوفر لين يعتبر أن تمسك الدول الديمقراطية بخيار السلام عندما كانت احتمالات الحرب واردة لا يعود بالضرورة إلى تقاسم القيم الديمقراطية. ثالثا: إذا كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تقدم لنا الدليل الحاسم بعدم لجوء الدول الديمقراطية إلى خيار الحرب ضد بعضها البعض، فإن غياب حالات تنازعية في هذه الفترة يعود حسب قوا إلى وجود مصلحة مشتركة في احتواء الاتحاد السوفييتي أكثر منه تقاسم المبادئ الديمقراطية.

الليبيراليون المؤسساتيون بدورهم استمروا في تكييف نظرياتهم. ويعود ذلك من جهة، إلى أن الطرح الجوهري لهذه النظرية فقد الكثير من بريقه مع مرور الزمن، إذ أن المؤسسات أصبح ينظر إليها كعامل مسهل للتعاون طالما أن ذلك يتماشى مع مصلحة الدول، لكنه أصبح من الواضح الآن أن المؤسسات لا تستطيع فرض سلوكات معينة على الدول إذا كان يتنافى مع مصالحها الأنانية [للمزيد حول هذا الموضوع أنظر مقال روبرت كيوهان]. ومن جهة أخرى، فقد قام المؤسساتيون من أمثال جون بافيلد وروبرت ماكالا بتوضيح النظرية لتشمل مجالات متعددة. أبرزها دراسة منظمة حلف شمال الأطلسي، إذ يرى هؤلاء الباحثون أن خاصية المأسسة العالية للناتو تفسر سر بقائِه وتكيفِهِ مع التغيرات بالرغم من اختفاء خصمه التقليدي.

من جانبه لازال الاتجاه الاقتصادي للنظرية الليبرالية يحظى بنفوذ كبير، خاصة ما طرحه بعض الباحثين من أن عولمة الأسواق العالمية، وظهور الشبكات عبر الوطنية، والمنظمات غير الحكومية، والانتشار السريع لتكنولوجيا الاتصالات الكونية، كلها ساهمت في تقويض صلاحيات الدول وحولت الاهتمام من مسائل الأمن العسكري إلى قضايا الاقتصاد والرفاه الاجتماعي. وبالرغم من جدة هذه التحولات، إلا أن المنطق الذي تقوم عليه بسيط جدا، فطالما أن المجتمعات أصبحت مرتبطة ببعضها بشبكة من الارتباطات الاقتصادية والاجتماعية، فإن التكاليف المرتفعة لفك هذه الارتباطات سوف تردع التحركات الانفرادية للدول، وخاصة الاستعمال المنفرد للقوة.

هذا المنظور يتضمن حقيقة أن الحرب ستبقى احتمالا قائما بين الدول الأكثر تصنيعا، كما أنه يشير إلى أن دفع الصين وروسيا لتبنى الرأسمالية المتوحشة يعتبر الوسيلة المثلى لتعزيز الازدهار والسلام، خاصة إذا مكن ذلك من إيجاد طبقة متوسطة داخل هذه الدول وساهم في الضغط تجاه الدمقرطة. ولا شك أن جلب الازدهار وروح التنافس إلى هذه المجتمعات مهمة ذات طابع اقتصادي.

تعرضت هذه النظرة إلى الانتقاد من طرف باحثين يرون أن النطاق الحالي للعولمة لا يزال متواضعا، وبأن ما يتم من عمليات اقتصادية مختلفة لازالت تضبطها الدول. ومع ذلك، فإن الفكرة القائلة بتفوق قوى الاقتصاد على السياسة التقليدية للقوى الكبرى تحظى بانتشار واسع في أوساط الباحثين وصناع السياسة على حد سواء. ويبدو أن “دور الدولة” سيكون موضوعا مهما في الأبحاث الأكاديمية المستقبلية.

النظريات البنائية

في الوقت الذي تميل فيه كل من الواقعية والليبرالية إلى التركيز على العوامل المادية فإن المقاربات البنائية تركز على تأثير الأفكار، وبدلا من النظر إلى الدولة كمعطى مسبق والافتراض أنها تعمل من أجل بقائها، يرى البنائيون أن المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويًشكلً في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكات تحظى بالقبول. إذن، فالبنائية تهتم أساسا بمصدر التغير أو التحول. وهذه المقاربة حلت بشكل كبير محل الماركسية كمنظور راديكالي للشؤون الدولية.

ساهمت نهاية الحرب الباردة في إضفاء الشرعية على النظريات البنائية لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث كما أنهما وجدتا صعوبة كبيرة في تفسيره، بينما تمتلك البنائية تفسيرا له، خصوصا ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة “كالأمن المشترك”.

زيادة على ذلك، وبالنظر إلى التحدي الذي تتعرض له الضوابط التقليدية بمجرد تحلل الحدود، وبروز القضايا المرتبطة بالهوية، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد الباحثين قد التجؤوا إلى مقاربات تدفع بمثل هذه القضايا إلى الواجهة وتجعل منها محور الاهتمام.

ومن وجهة نظر بنائية، فإن القضية المحورية في عالم ما بعد الحرب الباردة هي كيفية إدراك المجموعات المختلفة لهوياتها ومصالحها. ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك. ومن خلال ما سبق، يتضح أن معرفة ما إذا كان الأوروبيون ينظرون إلى أنفسهم بمنظور وطني أم بمنظور قاري، ينطوي على أهمية تحليلية كبيرة، وينسحب الأمر ذاته عما إذا كان الألمان واليابانيون سيعملون على إعادة النظر في ماضيهم، بحيث يتبنون أدوارا خارجية فاعلة، وعما إذا كانت الو.م.أ. ستعتنق أو سترفض هوية تقضي بأن يلعب الأمريكيون دور دركي العالم.

النظريات البنائية متعددة، وهي لا تقدم لنا تصورا موحدا لتوقعاتها حول أي من القضايا المطروحة على المستوى التصوري الصرف، إذ يرى ألكسندر ووندت أن التصور الواقعي للفوضى لا يقدم لنا تفسيرا مناسبا لأسباب حدوث النزاعات الدولية، فالقضية الجديرة بالنقاش هي كيف يتم فهم هذه الفوضى؟ وبحسب ووندت، فإن الفوضى هي ما صنعته الدول [وليست معطى مسبق]. هناك اتجاه آخر للبنائية يركز على مستقبل الدولة، ويعتبر أن الاتصالات عبر الوطنية وتقاسم القيم المدنية أدت إلى تقويض دعائم الولاءات الوطنية التقليدية، وإيجاد أشكال جديدة من الجمعيات السياسية. كما أن بعض البنائيين يركزون على دور الضوابط ويرون أن القانون الدولي وغيره من المبادئ الآمرة أدت إلى نخر المفاهيم التقليدية البدائية للسيادة، مثلما استطاعت تصوير الأغراض المشروعة التي تمارس الدول سلطاتها استنادا إليها. ومهما يكن، فإن الموضوع المشترك بين كل هذه الاتجاهات يتمثل في قدرة الخطاب على صياغة الكيفية التي يحدد بها الفاعلون هويتهم ومصالحهم وبالنتيجة يقومون بتعديل سلوكاتهم.

إعادة النظر في السياسة الوطنية

مثلما كان عليه الأمر في فترة الحرب الباردة، استمر الباحثون في استكشاف تأثير السياسة الوطنية على السلوك الخارجي للدولة، فالسياسة الوطنية تعتبر متغيرا حاسما في النقاش حول مفهوم “السلام الديمقراطي”. وقد قام بعض الباحثين من أمثال “سنايدر، وجيفري فريدن وهيلين ميلنر” بفحص كيفية تأثير مجموعات المصالح في خيارات الدولة بحيث تقودها إلى سلوكات خارجية غير متوقعة. وكذلك فقد قام جورج داونس ودايفيد روك بتبيان الدور الذي تلعبه المؤسسات الوطنية في المساعدة على التعامل مع الغموض الذي يكتنف الشؤون الدولية. بينما قام بعض باحثي علم النفس بتطبيق النظرية الاستشفافية جنبا إلى جنب مع أدوات تحليلية أخرى لتفسير سبب إخفاق صناع القرار في التصرف بشكل عقلاني [لمعلومات أكثر حول صناعة القرار في السياسة الخارجية، أنظر مقال مارقاريت هيرمان، وجو هاقان.

شهدت العشرية الأخيرة من القرن العشرين تزايد الإهتمام بتصور الثقافة، وقد تزامن ذلك مع بروز الاتجاه البنائي الذي يركز على أهمية الأفكار والضوابط. فقد استعمل كل من توماس بيرقر وبيتر كاتزنشتاين المتغيرات الثقافية لتفسير نزوع ألمانيا واليابان بعيدا عن السياسات العسكرية التي تعتمد على الذات. كما قدمت إليزابيث كير تفسيرات ثقافية للعقائد العسكرية التي سادت بريطانيا وفرنسا، في فترة ما بين الحربين. أما لين جونستون فقد قامت بتقصي حالات الاستمرارية في السياسة الخارجية الصينية فيما تعتبره “واقعية ثقافية” متجذرة. في حين تعتبر التحذيرات الجريئة التي أطلقها صامويل هنتنغتون حول “صدام الحضارات” إحدى أعراض هذا الاتجاه التفكيري، حيث يستند طرحه على القول بأن الانتماءات الثقافية الواسعة أصبحت الآن تحل محل الولاءات القومية. لكن وبالرغم من أن هذه الأعمال وغيرها تقارب للثقافة في مفهومها الواسع، غير أنها أبعد من أن تقدم لنا فهما كاملا حول كيفية تفعيلها، والمدى الذي يمكن أن تأخذه آثارها، إلا أن المقاربات ثقافية-التوجه أصبحت جد شائعة في الخمس سنوات الأخيرة. يعتبر هذا الإتجاه وجها من أوجه الاهتمام الواسع بالقضايا الثقافية في الأوساط الأكاديمية (وضمن النقاش العام على حد سواء). كما أنه وفي جانب منه يعتبر ردة فعل على تصاعد حدة النزاعات الإثنية والوطنية والثقافية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لوحة المفاتيح التصورية

تعكس هذه النقاشات تنوع الدراسات الأكاديمية المعاصرة حول الشؤون الدولية، كما وتظهر علامات واضحة حول التقاطع المنهجي. فأغلب الواقعيين يعترفون بأهمية القومية والنزعة العسكرية والإثنية وغيرها من العوامل الوطنية، كما يقر الليبراليون بدورهم بأن القوة تعتبر عاملا محوريا في السلوك الدولي، تماما مثلما يقبل البنائيون بالرأي القائل بأن الأفكار تكتسي أهمية أكبر عندما تسندها دول قوية ويتم تعزيزها بموارد قوة مادية. لقد أصبحت الحدود بين مختلف المنظورات مائعة على نحو ما، وهناك فرصة كبيرة للتحكيم العقلية.

لكن أي من هذه المنظورات تلقي الضوء أكثر على الشؤون الدولية المعاصرة؟ وأي منها يتوجب على صانعي السياسة أخذها بين الاعتبار عندما يكون بصدد تحديد مصائرنا في القرن المقبل؟ تعتبر الواقعية الإطار العام الأكثر إلزاما لفهم العلاقات الدولية، بالرغم من أن الكثير من الأكاديميين والعديد من صناع السياسة يحجمون عن الإقرار بذلك. فالدول مستمرة في إيلاء أهمية كبيرة لتوازن القوى وللقلق بشأن احتمال حدوث نزاع شامل.

إن هذا الاهتمام الكبير بالقوة والأمن يفسر لنا السبب الذي جعل الآسيويين والأوربيين يصرون على الحفاظ وربما توسيع التواجد العسكري الأمريكي في مناطقهم، حيث حذر الرئيس التشيكي فتشلاف هافل من أنه إذا فشل الناتو في التوسع شرقا فإننا قد ننقاد إلى كارثة عالمية جديدة قد تفوق تبعاتها تبعات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذه ليست كلمات رجل يعتقد بأن صراع القوى الكبرى قد ولى من غير رجعة.

أظهرت العشرية الأخيرة مدى رغبة الو.م.أ. في أن تكون الرقم واحد عالميا، ومدى تصميمها على البقاء في وضع المهيمن. لقد استغلت الولايات المتحدة تفوقها الحالي لفرض خياراتها حيث أمكن ذلك حتى وصل بها الأمر إلى حد استفزاز حلفائها القدامى بالرغم من المخاطر التي ينطوي عليها ذلك. إذ فرضت سلسلة من الاتفاقات أحادية الجانب لمراقبة التسلح ضد روسيا، كما هيمنت على مساعي السلام في البوسنة، واتخذت خطوات لتوسيع الناتو تجاه الحدود الروسية، وأصبحت منشغلة بشكل متزايد للقوة المتعاضمة للصين، ودعت مرارا إلى الوثوق في المساعي المتعددة الأطراف وبدور أوسع للمؤسسات الدولية، ومع ذلك، فقد تعاملت مع الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية بعدم اكتراث كلما تعارضت توجهاتها مع مصالح الولايات المتحدة. وقد رفض الأمركيون الإنضمام إلى المجموعة الدولية لحظر الألغام الأرضية المضادة للأفراد. تماما مثلما رفضوا التعاون في قمة الأرض بـ كيوتو. وطالما تفنن القادة الأمريكان في التستر وراء النظام الدولي لتمرير مصالحهم الأنانية. وهكذا، فإن نهاية الحرب الباردة لم تنه سياسة القوة، فالواقعية يبدو أنها ستبقى الأداة الأكثر نفعا في لوحة مفاتيحنا الفكرية.

ومع ذلك، فإن الواقعية لا تفسر كل شيء، وأي قائد متبصر يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الإستبصارات التي تمدها بها المنظورات الأخرى. فالنظريات الليبرالية تحدد الوسائل التي يمكن للدول استعمالها لتحقيق مصالح مشتركة، كما تحدد أهم القوى الاقتصادية التي تساعدنا على فهم سبب اختلاف الدول في خياراتها الأساسية. وفضلا عن ذلك، فإن الحماية الأمريكية ستقلص من مخاطر الصراعات الإقليمية وستعزز السلام الليبرالي الذي ظهر بعد 1945، لذا فإن الوصفة الليبرالية تصبح أكثر أهمية طالما أن الولايات المتحدة ستستمر في توفير الأمن والاستقرار للعديد من أجزاء العالم.

وفي غضون ذلك، فإن النظريات البنائية تعد الأكثر ملاءمة في تحليل كيفية تغير الهويات والمصالح بمرور الزمن، بحيث تنتج عنها تغيرات حادة في سلوك الدول، وفي حالات معينة، تفجر تحولات غير متوقعة في الشؤون الدولية. وفي هذا الإطار، يعتبر من المهم جدا معرفة ما إذا كانت الهوية في أوربا ستستمر في التحول من الدولة-الأمة إلى نطاق محلي أضيق أو إلى نطاق أوسع، إلى الهوية الأوروبانية. تماما مثلما يهم معرفة ما إذا كانت النزعة القومية سيحل محلها بالتدريج نوع من الانتماء الحضاري بحسب مفهوم هنتنغتون. ليس للواقعية الشيء الكثير لتقدمه لنا في هذا الخصوص، وصناع القرار قد يشوب نظرتهم الغموض إذا أهملوا مثل هذه الاحتمالات بشكل كلي.

باختصار، فإن كلا من هذه المنظورات المتنافسة ترصد جوانبا مهمة في السياسة العالمية. وفهمنا يعوزه القصور إذا ما نحصر تفكيرنا على إحدى هذه المنظورات، وفي المستقبل، فإن الدبلوماسي المثالي يجب أن يبقى يقظا بخصوص التركيز الواقعي على الدور الذي لا يمكن تجاهله لعامل القوة، كما أنه يجب أن يكون واعيا بدور القوى الوطنية وأن يفكر أحيانا من خلال المنظور البنائي للتغير.

———————————————-

تمت إعادة النشر بواسطة محاماة نت.