بحث عن الطب العدلي او الطب الشرعي

الطب العدلي

مصطلح الطب العدلي، ومرادفه الأكثر شيوعا بالأنكيزية Forensic Medicine،هو كلمة مركبة من الطب والعدل- الطب:إشارة لكل ما هو طبي علمي، وعدلي: إشارة للعدل بمفهوم القوانين والأنظمة.وبتوضيح أكثر،فان مبحث الطب يُعنى بكل ما يتعلق بجسم الإنسان،سواء كان حيا أو ميتا.وحيث ان الأطباء كافة مؤهلون علميا للتعامل مع كل ما يتعلق بصحة وحياة الإنسان، فإنهم هم القادرون فقط على تقديم الخدمات الطبية العدلية إذا ما طُلب منهم ذلك بالأسلوب والطرق الصحيحة.إلا أنه وبإتساع دائرة التخصص، من جهة،وأنواع التقاضي، من جهة أخرى،إرتأت الجهات القضائية ان يكون لها أطباؤها، بحيث يمكن لهم ان تستدعيهم دون مشقة، ودون إنتظار،وأطلق عليهم إسم “الأطباء العدليون”[[1]].
أما مبحث العدل، أو القانون،فهو الفصل في المنازعات بين الأفراد،وإثبات الحقوق، ومن ثم إقامة العدالة. وكثيرا ما يحصل أن القاضي لا يستطيع، أثناء الفصل بين المتنازعين، ان يفصل بالأعتماد على علمه، إذا كان موضوع النزاع متعلقا بصحة وحياة الإنسان،أو كان الأمر متعلقا بأمور فنية طبية ليست مفهومة بالضرورة من قبل الهيئة القضائية المختصة بالفصل في هذا النوع من النزاع [[2]] ، ولذلك فهو(القاضي) يستعين بالطبيب العدلي ليساعده في حل هذا النزاع.

من هنا، فإن الطب العدلي يُعرفُ بأنه تطبيق كافة المعارف والخبرات الطبية لحل القضايا التي تنظر أمام القضاء بغرض تحقيق العدالة [[3]].والطبيب العدلي:هو الطبيب المختص الذي يستعان بمعلوماته وخبرته الطبية العدلية لخدمة العدالة عن طريق كشف غموض الجانب الطبي من القضايا المختلفة،التي تُعرض عليه من قبل القضاء.ويُعتبر شاهدا فنيا محايدا أمام الهيئة القضائية، التي قامت بإستدعائه.وفي هذه الحالة،على الطبيب العدلي- من وجهة نظر الدكتور إبراهيم صادق الجندي- من أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية- ان يضع في إعتباره أنه لا يعمل لحساب أي جهة ضمانا للحيدة، وتحقيقا للعدالة.أما مسألة تبعيته لجهة معينة-وزارة الصحة مثلا- فهي إدارية وليست تبعية فنية، ولا تغير من وضعه كشاهد، خصوصا وأنه في بعض البلدان يتبع وزارة العدل، وفي بلدان أخرى يتبع وزارة الصحة، وفي بلدان أخرى يتبع وزارة الداخلية، وفي بلدان أخرى يتبع الجامعة أو وزارة التعليم العالي.
علما بأن الطبيب العدلي يختص،في دول، بفحص الأحياء والوفيات في القضايا الطبية القضائية (مع وجود مؤسسات تقوم بفحص الأحياء).وفي دول أخرى، يقتصر عمل الطبيب العدلي على فحص وتشريح الجثث فقط لمعرفة سبب الوفاة في القضايا الطبية القضائية.
من جهة ثانية،وتحقيقا للعدالة، لم تحرم جهات التقاضي في بعض البلدان،المتهمين في القضايا المختلفة من حق الإستعانة بالخبرة الفنية الطبية العدلية لدعم دفوعاتهم،حيث يوجد، في تلك البلدان، خبراء في الطب العدلي يعملون خارج وزارة العدل،ضمانا للحيدة.وفي حالة تعارض اراء الطبيب العدلي- الممثل للقضاء، والخبير- الممثل للدفاع، دون قناعة الهيئة القضائية بأي من الرأيين، فان المحكمة تحتكم الى رأي إستشاري اخر، من شخص أو أكثر ممن تتوفر لديهم الخبرة، من أساتذة الطب العدلي بالجامعات، أو من قدامى الأطباء العدليين، ممن هم خارج الخدمة.كما تسمح بعض البلدان بتشكيل لجنة للنظر في مثل هذه القضايا،أو في حالة عدم قناهة الجهات القضائية،أو الأهل،بما جاء في تقرير الطبيب العدلي التابع لوزارة الصحة[[4]].

أهمية الطب العدلي

لعلم الطب العدلي أهمية كبيرة في عالم الجريمة.إنه يكشف عن الجرائم بعدما عجز التحقيق عن الكشف عن ملابساتها ومرتكبيها واحالتها الى الحفظ[[5]].وعمليا،يعتبر الطب العدلي أحد الطرق العلمية التي تقود المحقق إلى كشف غوامض الجريمة والتعرف على الحقائق وجمع الأدلة والقرائن التي تساعده على كشف مرتكبي الجرائم وتقديمهم للمحاكمة[[6]].
للطب العدلي دور كبير في تشخيص الجريمة، وفي تحديد الفعل الإجرامي ونتائجه، لذلك فإنه يؤثر بصفة مباشرة على تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة وعلى التكييف القانوني للوقائع ويظهر ذلك جليا في حالة الوفاة وفي الجروح بمختلف أشكالها ومسبباتها، وفي الجرائم الجنسية وسنتناول فيما يلي هذه المواضيع بشيء من التفصيل[[7]].
واليوم، فإن الطب العدلي، بصفته مساعدا للقضاء،يُعتبر ركيزة أساسية في دولة القانون من خلال مساعدة العدالة في التحريات الجنائية، والجنحية، ومختلف الخبرات الطبية، سواء المدنية أو الجزائية. ويؤكد الدكتور عصام خليل الخوري- من الطبابة الشرعية بدمشق- بان الطب العدلي يلعب دورا محوريا في عملية التقاضي، وتتركز مهامه في تحديد وتشخيص نوع الاعتداءات التي تقع على الضحايا، بحيث يجزم في أسباب الإصابة ونوعها وطريقتها ووقتها وما إلى هناك من ظروف تحيط بتنفيذ الفعل الجرمي، وهو ما يسهل من مهام القاضي في إصدار الحكم العادل.
ومن رأي الخوري يجب ان يُحال أي موضوع طبي، أو إيذاء جسدي يعرض على الشرطة أو السلطات القضائية، بدءا بالإيذاء البسيط وانتهاءا بالوفاة، إلى الطبابة العدلية.. أي شخص يأتي إلى الشرطة ويقول بأنه تعرض للضرب أو الإعتداء، كما يحدث في حالات الشجار، وكذلك في حوادث السير، وإصابات العمل، والاعتداءات الجنسية على الأطفال والنساء، تحول إلى الطبيب العدلي. ولا يتعين معاينة الطبيب العدلي للشخص إلا إذا اشتكى إلى قسم الشرطة أو للنيابة العامة، وتقوم هذه الجهات بتحويله بموجب إحالة رسمية، فيقوم الطبيب العدلي بالتأكد من هويته الرسمية، ومن ثم تقدير الإصابات التي تعرض لها إذا يستطيع تقديرها [[8]]
ولا تقتصر مهمة الطبيب العدلي،طبعا، على تقدير الأصابات، وإنما مهماته أكثر وأكبر، لخدمة العدالة، ومنها: التعرف على الفاعل والمجرم الحقيقي في قضايا كثيرة جدا، خصوصا وأنه مع تطور العلم والتكنولوجيا تطورت الجريمة وأدواتها وأساليبها.وسهلت عملية الهرب من مسرح الجريمة بحكم الوسائل الإجرامية المتبعة.كما ان النمو السكاني والديمغرافي ساعد المجرمين على الإختفاء بين ملايين البشر.لكل ذلك إتجهت البحوث الجنائية الحدييثة الى إعتماد وسائل أخرى، غير القسوة والعنف من أجل الوصول الى الحقيقة،عبر إثبات الجريمة، من خلال دراسة الآثار المادية التي يتركها الجناة بمسرح الجريمة، بالكشف عن طبيعتها، ونسبها الى صاحبها الحقيقي.
من هنا،إعتبار الطب العدلي أحد الطرق العلمية التي تقود المحقق إلى كشف غوامض الجريمة والتعرف على الحقائق وجمع الأدلة والقرائن التي تساعده على كشف مرتكبي الجرائم وتقديمهم للمحاكمة-كما أسلفنا.ومع تطور الجريمة أصبح اللجوء إلى الوسائل العلمية لإستخراج الأدلة والقرائن التي لا تقبل الدحض ومواجهة المجرمين بها، أمرا ضروريا، بل حتميا.
وفي هذا المضمار،يقول النائب العام المساعد بن مختار أحمد عبد اللطيف: إن زمن “الإعتراف سيد الأدلة” قد ولى، وحل محله الدليل العلمي، الذي يُكون القاضي على أساسه قناعته.وبصيف: إن الإعتماد على إستخراج الأدلة والقرائن بالوسائل العلمية، كالطب العدلي مثلا، يُضيقُ من هامش الخطأ، وبذلك يكون حكم العدالة صائبا ومقنعا[[9]].
ويؤكد د. ابراهيم صادق الجندي:إن الطبيب العدلي يبني معطياته على الحقائق العلمية والمثبتة، بما لا يقابلها شك. ولكن هناك أمر غاية في الأهمية في الأعمال الإجرامية، فالمجرم يسعى دائما وجاهدا على إخفاء معالم الجريمة، لذا فإن الطبيب العدلي يكشف الكثير من الغموض، ولكنه أيضا يحتاج إلى ذكاء شديد، وملاحظات نابهة، يستطيع بها ربط الأطراف والخيوط المتفرقة، لينسج منها تصورا كاملا للجريمة أو الواقعة أو الحدث[[10]].
حيال هذا،تقوم العديد من أجهزة الأمن،في الوقت الحاضر، بإنشاء مختبرات خاصة بالطب العدلي لتحليل الأدلة. وأكبر هذه المختبرات يديرها المكتب الفيدرالي الأمريكي للتحقيقات FBI .ويقدم العلماء العدليون شهادات مختصة أمام المحكمة. ففي قضايا الوفاة،مثلا، يقوم أخصائي علم الأمراض بالشهادة. أما في الحرائق ، أو الانفجارات، فيقوم المهندسون المختصون بالشهادة ..

خلاصة القول: ان الطب العدلي هو تخصص طبي يُسخر العلوم الطبية لخدمة العدالة، إما عن طريق إظهار أو إكتشاف الدليل المادي في جرائم القتل والإيذاء والجرائم الجنسية، وغيرها، عندما يتعلق الدليل بجسم الإنسان وإفرازاته، أو عن طريق إثبات أو نفي صحة إدعاء في قضية معينة عندما يرتبط الإدعاء المزعوم بأمور طبية أو صحية- يوضح د. فوزي بن عمران- كبير أطباء عدليين.

دور الطب العدلي في التحقيق والتحري وإقامة الدليل

يؤكد المحامي علي سلمان البيضاني، بأن علم الطب العدلي يساهم في الكشف عن الجرائم عندما يعجز التحقيق عن الكشف عن ملابساتها ومرتكبيها واحالتها الى الحفظ [[11]]. وفي هذا المضمار،يلعب الطب العدلي دورا كبيرا في التحقيق والتحري وفي إقامة الدليل،الذي يكتسي في المادة الجزائية طابعا في منتهى الأهمية، ذلك أنه يتوقف عليه إدانة المتهم أو تبرئته.
من المعروف إن مهمة جمع الأدلة وتمحيصها هي من اختصاص الشرطة القضائية، وجهات التحقيق القضائي ( قاضي التحقيق، غرفة الاتهام، جهات الحكم بمناسبة التحقيق التكميلي ). بيد ان الطب العدلي يقدم الكثير في هذا المجال،على مستوى تحقيقات الشرطة القضائية والتحقيق القضائي، والمحاكمة.من هذا المنطلق،إهتم القاضيان: تلماتين ناصر و بن سالم عبد الرزاق بما يقدمه علم الطب العدلي في كل مرحلة من المراحل المذكورة، وكذا القيمة القانونية لما يقدمه. وسلط القاضيان الضوء على تحديد ماهية الدليل الطبي العدلي في القانون الجزائري،مشيرين الى ان المشرع الجزائري لم يورد حصرا لأدلة الإثبات في المادة الجزائية عموما، غير أنه أورد أحكاما تخص صدقية الدليل Loyalty of proof وتتعلق بتنظيم أساليب إقامة الدليل الطبي العدلي لحماية حقوق المجتمع والفرد من التجاوزات في البحث عن هذا الدليل. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى عدم نص المشرع الجزائري على آليات لإلزام الأطراف بالخضوع إلى أخذ عينات طبية عدلية لا سيما العينات الجينية The genetic samples.
ويمكن القول بأن قانون الإجراءات الجزائية نظم بالتفصيل أحكام الخبرة،مشيرا، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، إلى التقارير الطبية العدلية، لا سيما تقرير تشريح الجثة، وتقارير المعاينات المادية، إضافة إلى الشهادات الطبية الوصفية، وتلك المتعلقة بتحديد مدة العجز عن العمل، الذي أشار إليها قانون العقوبات[[12]].

مجالات الطب العدلي

ظلت مهنة الطبيب العدلي مرتبطة بفحص أو معاينة الأشخاص الضحايا، الذين يتعرضون لإعتداءات، وينتج عن الأعتداءات أفعال جنحية وجنائية، وكذلك قضايا التسمم، والفحص الطبي في إطار الخبرة القضائية. ولكن مع تطور المجتمعات وظهور الصناعات الحديثة وإقتصاد السوق، ظهرت إلى الوجود مؤسسات التأمين والحماية الإجتماعية،فتوسع إختصاص الطبيب العدلي لتعدد الظروف التي يجب فيها عليه، أثناء قيامه بالمهام المسندة إليه من الجهات المختصة، أن يبدي برأي مسبب علمي وعملي على حالة الأشخاص.
من الناحية العلمية،وفي ضوء واقع الأنظمة الطبية العدلية السائدة في الدول المختلفة، يقسم د. إبراهيم الجندي مجال الطب العدلي الى قسمين أساسيين يختصان بجسد الإنسان،سواء كان حيا أو ميتا. ويرتبط بهذين القسمين العديد من العلوم الفنية الطبية العدلية Forensic sciences، مثل: الأدلة الجنائية- الكيمياء الطبية الشرعية- البصمات-الأسلحة والمتفجرات- بحوث الدم، الخ.

وهذان القسمان هما:

أولا-الطب العدلي المرضي Forensic Pathology
يختص هذا القسم بتحديد سبب الوفاة Cause of Death من خلال فحص وتشريح الجثث في القضايا الطبية العدلية المتعلقة بالمتوفين،وتسمى ” قضايا الوفيات”.وكذلك المساعدة في معرفة نوع الوفاة Manner of Death من حيث كونها وفاة طبيعية او غير طبيعية( جنائية،إنتحارية، عرضية).
ويُمثل هذا القسم نظام محقق الوفيات Fiscal Procurator System في بعض البلدان، وأيضا نظام الفاحص الطبي Medical Examiner System في بلدان أخرى.
وتتعامل مع الطبيب العدلي في قضايا الوفيات: مختبرات/معامل الباثولوجيا الطبية العدلية.
أما حالات الوفاة، التي يجب على المحقق الجنائي إرسالها الى الطب العدلي الباثولوجي، فهي كل الوفيات ذات الأسباب غير الطبيعية،أو عندما يكون سبب الوفاة غير معروف، مثل:
1-الوفيات بسبب العنف: الحوادث المشتبه في جنائيتها،كالإنتحار أو القتل، سواء حدثت الفواة مباشرة- نتيجة الأصابة، أو غير مباشرة- بعد إنقضاء أسابيع وحتى شهور.
2-الوفيات الناشئة عن التسمم أو المخدرات أو الكحوليات.
3-الوفيات المثيرة للشك والريبة.
4-الوفيات بسبب الممارسة الطبية، مثل الوفاة بعد الإجهاض،أو أثناء العمليات الجراحية،أو أثناء التخدير..الخ.
5- الوفيات الفجائية.
6-الوفيات في السجون أو أثناء التوقيف من قبل الشرطة.
7-وفيات في أشخاص ليسوا تحت رعاية طبية.
8-الوفيات نتيجة أسباب غير معروفة أو وفيات غير مفسرة.

ثانيا- الطب العدلي السريري Clinical Forensic Medicine
يختص هذا القسم بالمسائل الطبية ذات البعد العدلي، أو القانوني، في الأشخاص الأحياء،وتسمى “قضايا الأحياء”، وتشمل:
أ- قضايا الإعتداءات الجنسية في الإناث (إغتصاب)، أو في الذكور(لواط).
ب- قضايا تحديد الأصابات ونسب العجز لدى المصاب في حالة الأعتداءات الجسدية، سواء كانت جنائية، أم نتيجة خطأ، وذلك لمعرفة نسبة التعويضات.
ج- تقدير السن.
د- تقدير الصلاحية العقلية للفرد- تقدم إما للمحاكمة،أو للتصرف في الممتلكات،أو للمسؤولية العقابية عن الجرائم.
وكل هذه المسائل الطبية تُتعبرُ من الأعمال الهامة للطبيب العدلي، وتدخل في نطاق أعماله- لدى قسم من الدول،أو توكل الى أطباء مختصين في الفروع الطبية المختلفة عن طريق الإنتداب أو في مستشفيات تابعة لوزارة الصحة- في بلدان أخرى.أو أقسام محددة مسبقا من قبل الهيئات القضائية- في دول أخرى.
ولكل بلد تعليماته المُنظمة لبعض هذه القضايا، مثل قضايا الإعتداءات الجنسية في الإناث، حيث تلزم بعض البلدان العربية،كالسعودية،مثلا، إجراء الكشف الطبي العدلي من قبل طبيبات الأمراض النسائية المختصات، بموافقة القاضي الشرعي.وفي حالة الأعتداء الجنسي في الذكور يتم الكشف من قبل الطبيب ومساعده فقط في غرفة الكشف، وتحال حالات الفعل الحادة أو الحديثة في نفس اليوم من قبل السلطات المختصة على المستوصفات والمستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة، حيث يمكن للطبيب العام معرفة اثار الفعل الحديث بالمجني عليه بسهولة،لوجود جروح وتشققات وكدمات بفتحة الشرج نتيجة الفعل، مع تلوث بمنطقة الدبر Anus أو بين الفخذين، وعلامات عنف ومقاومة بسطح الجسم.وهنا يجب على الطبيب أخذ مسحتين،أحدهما من حول فتحة الشرج، والأخرى من منطقة الدبر(قبل الفحص الشرجي) ووضعها على قطعة من الشاش النظيف أو على شريحة زجاجية، وتحريز لباس المجني عليه، وإرسال المسحة والملابس للمختبر الجنائي.
أما في حالات فعل الفاحشة المتكرر والقديم،فتحال الى الطبيب العدلي.وفي حالة عدم وجود طبيب عدلي، فيمكن للمحقق عرضها على الجراح لإثبات الحالة، وأخذ المسحات، وتحريز الملابس، وإرسالها للمختبر الجنائي المركزي[[13]].

مجالات أخرى للطب العدلي

ثمة مجالات أخرى للطب العدلي،يعددها النائب العام محمد لعزيزي، وهي:
1- الطب العدلي الإجتماعي: Social Forensic Medicine
يهتم بالعلاقة ما بين الطب العدلي والقوانين الإجتماعية (طب العمل، الضمان الإجتماعي…).
2- الطب العدلي الوظيفي: بمفهوم الوظيفة، ويهتم بالعلاقة ما بين الطبيب العدلي والوظيفة (تنظيم الوظيفة – الممارسة غير الشرعية للوظيفة – أخلاقيات المهنة…)
3- الطب العدلي القضائي: والذي يهتم بالعلاقة ما بين الطب العدلي والقضاء، والذي نركز عليه هنا
في هذه المادة-“الطب العدلي”، ويتفرع منه ما يلي:
* الطب العدلي العام: يهتم بدراسة الجاني.
* الطب العدلي الخاص بالصدمات والكدمات والرضوض: يقوم بدراسة (الجروح – الحروق-
الإختناق……)
* الطب العدلي الجنسي: ويهتم بدراسة (الإغتصاب – هتك العرض – الأفعال المخلة بالحياء –
الإجهاض – قتل الأطفال حديثي العهد بالولادة………)
* الطب العدلي الخاص: يهتم بدراسة الجثة وعلامات الموت..
* الطب العدلي الجنائي: والذي يهتم بدراسة وتشخيص الآثار التي يتركها الجاني في مسرح
الجريمة.
* الطب العدلي الذي يتولى دراسات التسميمات/السموم.
* الطب العدلي العقلي: الذي يهتم بدراسة مفهوم المسؤولية الجزائية (موضوع يدرس الركن
المعنوي للجريمة)[[14]].

ما الذي يقوم به الطبيب العدلي عمليا ؟

في الكشوفات الطبية (أثناء التحقيق الإبتدائي) يقوم الطبيب العدلي بما يلي :
1- إجراء الفحوصات الطبية على المصابين في القضايا الجنحية والجنائية، وبيان الإصابة وصفتها وسببها وتاريخ حدوثها، والآلة أو الشيء الذي إستعمل في إحداثها ومدى العاهة المستديمة التي نتجت عن هذا الإعتداء. وبذلك فإن الطبيب العدلي ملزم بالقيام بهذه الفحوصات، والتحلي بالصدق والأمانة، وبتحرير شهادة طبية تثبت الفحص الطبي الذي قام به على الشخص المعني.
2- تشريح جثث المتوفين في القضايا الجنائية، وفي حالات الإشتباه في سبب الوفاة، وكيفية حدوثها، ومدى علاقة الوفاة بالإصابات التي توجد بالجثة.وكذلك عند إستخراج جثث المتوفين المشتبه في وفاتهم.
3- إبداء الآراء الفنية التي تتعلق بتكييف الحوادث والأخطاء التي تقع بالمستشفيات وتقرير مسؤولية الأطباء المعالجين.
4- تقدير السن في الأحوال التي يتطلبها القانون أو تقتضيها مصلحة التحقيق والمثال على ذلك تقدير سن المتهمين الأحداث أو المجني عليهم في قضايا الجرائم الأخلاقية أو المتزوجين قبل بلوغ السن المحددة من أجل إبرام عقد الزواج في الحالات التي يكون شك في تزوير وثائق أو عدم وجودها أصلا.
5- فحص المضبوطات.
6- فحص الدم وفصائله والمواد المنوية ومقارنة الشعر وفحص العينات المأخوذة من الجثث لمعرفة الأمراض، وفحص مخلفات الإجهاض[[15]].

الطبيب العدلي و الباحث الجنائي

أشرنا أكثر من مرة الى الرابطة الوثيقة بين المحقق/ الباحث الجنائي والطبيب العدلي، وسائر الخبراء والفنيين،الذين يتعاونون معه مهنيا- كل حسب إختصاصه ووفقا لنوع الجريمة أو الحادث.
ما يتعلق بالطبيب العدلي،وفي ضوء العلاقة بين الأثنين،يتعين ان يقوم بما يلي:
1-الإطلاع على ظروف القضية( الواقعة): أي الإطلاع على مذكرة الشرطة، وتقرير المحقق الجنائي،وعلى التقارير الصادرة من المستشفى، والصور الشعاعية، والتحاليل المخبرية، مع إستعراض كامل لحالة المتوفي،شاملا: الجنس،العمر، الجنسية، وغير ذلك.
2- التعاون مع المحقق الجنائي، وخبير الأدلة الجنائية، في فحص ومعاينة المكان، الذي وجدت فيه الجثة (مسرح الحادث او الجريمة).
3- فحص وتشريح الجثة، وأخذ العينات اللازمة، وإرسالها الى مختبرات/معامل الباثولوجيا الطبية العدلية.
4- كتابة التقرير النهائي- بعد ورود كافة النتائج( نتائج المختبرات والمعامل الطبية والجنائية)-وإرساله الى سلطة التحقيق، ومن ثم للقاضي،الذي يساعده في إصدار حكمه العادل.

وهكذا،وكخلاصة لما ورد،نكرر بإن الطب العدلي لا يقوم فقط على تنظيم التقارير الطبية أو تشريح الجثث،وإنما هو علم بذاته، له الأهمية التي للعلوم الطبية، وعليه، كهذه العلوم، أن يواكب التطورات الحديثة والمتسارعة، والنظريات المتقدمة، في التشخيص والتحليل. وعدا هذا،يتميز الطب العدلي عن الفروع الطبية الأخرى بوظيفته الأساسية الهادفة في أكثر الأحيان لخدمة العدالة والقانون. وفي ذلك ما يزيد من سمو مهمة الطبيب العدلي ومسؤوليته.
وإذا كانت فروع هذا الطب متنوعة فإن من أهمها ما يتعلق بموضوع الأسلحة النارية وجروحها، نظرا لما يحتاجه هذا الأمر من تقنية مضافة لدى الطبيب العدلي، وإلمام متزايد يواكب تطور هذه الأسلحة، وتجدد أنواعها، مما من شأنه أن يعزز دوره في كشف الألغاز لكثير من الجرائم التي أصبح استعمال الأسلحة النارية رائجا فيها.وبذلك يساهم الطبيب العدلي في إظهار الحقيقة عن طريق المساعدة على التعرف على مطلق النار، والمساهمين في الجرم، وما إذا كان في الأمر قتل أو انتحار، بالإضافة إلى تحديد الظروف المادية الأخرى التي رافقت تنفيذ الجرم..سنأتي على ذلك..
وبعد هذا، يتعين عدم نسيان مايلي: بقدر ما يكون الطبيب العدلي مدركا لمكامن هذا العلم، وملما بخفاياه، بقدر ما يكون فاعلا في تحقيق عدالة أفضل،حيث لا يُبرأ جاني، ولا يُظلم برئ.

[1] – عادل التومي،الدليل الفني في الطب الشرعي،مجلة الأمن والقانون،ص 356.
[2] – مجموعة من كبار الأطباء والكيميائيين الشرعيين،الطب الشرعي بين الأدعاء والدفاع،القاهرة، 1992.
[3] – .إبراهيم صادق الجندي،الطب الشرعي في التحقيقات الجنائية،مصدر سابق، ص 7.

[4] – .إبراهيم صادق الجندي،الطب الشرعي في التحقيقات الجنائية،مصدر سابق، ص 8-9.
[5] – علي سلمان البيضاني، وسائل الطب العدلي .. في اكتشاف غموض الجرائم ،”الصباح”،4/9/2008
[6] – تشريح واقع الطب الشرعي في الجزائر، من إعداد السيد/ بن مختار أحمد عبد اللطيف-نائب عام مساعد، أشغال الملتقـى الوطنـي حـول الطـب الشرعـي القضائـي- الواقع والآفاق – يومي 25 و 26 ماي 2005، الديوان الوطني للأشغال التربوية،وزارة العدل الجزائرية، 2006

[7] – الطب الشرعي والأدلة الجنائية،من إعداد القاضيين: تلماتين ناصر و بن سالم عبد الرزاق،أشغال الملتقـى الوطنـي حـول الطـب الشرعـي القضائـ- الواقع والآفاق -25 و 26 ماي 2005،الديوان الوطني للأشغال التربوية، وزارة العدل الجزائرية، 2006 http://www.mjustice.dz/seminaire_med…_preuve_03.htm
[8] – الطبيب الشرعي عصام خوري في حوار مع مجلة” الثرى ” السورية، حاوره يحيى الأوس، “الثرى”
http://www.thara-sy.com/Arabic/Figure/Fig17.htm
[9] – تشريح واقع الطب الشرعي في الجزائر، من إعداد السيد/ بن مختار أحمد عبد اللطيف- مصدر سابق.
[10] – .إبراهيم صادق الجندي،الطب الشرعي في التحقيقات الجنائية،مصدر سابق، ص 8.
[11] – علي سلمان البيضاني، وسائل الطب العدلي .. في اكتشاف غموض الجرائم ،”الصباح”،4/9/2008
[12] – عرض حول الطب الشرعي والأدلة الجنائية،من إعداد القاضيين: تلماتين ناصر و بن سالم عبد الرزاق، أشغال الملتقـى الوطنـي حـول الطـب الشرعـي القضائـي- الواقع والآفاق – يومي 25 و 26 ماي 2005، الديوان الوطني للأشغال التربوية،،وزارة العدل الجزائرية، 2006

[13] – د.إبراهيم صادق الجندي،الطب الشرعي في التحقيقات الجنائية،مصدر سابق، ص 9- 11..
[14] – الطب الشرعي ودوره في إصلاح العدالة،مداخلة من إلقاء السيد: محمد لعزيزي، النائب العام لدى مجلس قضاء بجاية،أشغال الملتقـى الوطنـي حـول الطـب الشرعـي القضائـ- الواقع والآفاق -25 و 26 ماي 2005،الديوان الوطني للأشغال التربوية، وزارة العدل الجزائرية ، 2006
[15] – الطب الشرعي والمحاكمة العادلة، من إعداد السيد/ يوسف قادري- عميد قضاة التحقيق بمحكمة البليدة، أشغال الملتقـى الوطنـي حـول الطـب الشرعـي القضائـي- الواقع والآفاق – يومي 25 و 26 ماي 2005، الديوان الوطني للأشغال التربوية، وزارة العدل الجزائرية ، 2006