بحث في الأحكام الصادرة في دعاوى التزوير

لحضرة الأستاذ راغب حنا المحامي

مقدمة:
استحدث قانون المرافعات الجديد في باب الادعاء بالتزوير أحكامًا جديدة، أهمها عدم وقف السير في الدعوى الأصلية إلى أن يفصل في دعوى التزوير الفرعية، وعلل المشرع ذلك في مذكرته التفسيرية بأن الادعاء بالتزوير لا يعدو أن يكون وسيلة دفاع في ذات موضوع الدعوى، فالسير في تحقيقه لا يكون إلا من قبيل المضي في إجراءات الخصومة الأصلية – شأنه في ذلك شأن أية منازعة عارضة كدفع مانع من قبول الدعوى أو كأية منازعة في واقعة من وقائعها يحتاج إثباتها إلى تحقيق ويتوقف عليها الحكم،

والحق أنه كلما كان الادعاء بالتزوير منتجًا في أصل النزاع فلا يتصور إمكان الحكم في الدعوى قبل الفصل في أمر التزوير، والواقع أن المبرر لعقد مطلب خاص بالادعاء بالتزوير هو الاعتراف لبعض الأوراق بحجية خاصة لا يكفي لدفعها مجرد إنكار الورقة إلا أن رعاية هذه الحجية لا تقتضي تعطيل الدعوى ولا غل يد قاضيها بترك تسيير إجراءات التحقيق والعودة إلى الموضوع لمشيئة الخصوم، وإنما يكفي فيها بعض أوضاع تكفل ألا يقدم على الادعاء بالتزوير إلا خصم جاد مثابر مستعد للإثبات.

وترتب على ذلك أن المحكمة المطروح أمامها الادعاء بالتزوير تسير في تحقيقه دون الحكم بوقف الدعوى الأصلية، وهنا نشأت صعوبة لم يكن لها وجود في عهد القانون القديم، هي معرفة ما إذا كان يجوز استئناف الحكم الذي يصدر في الادعاء بالتزوير استقلالاً – إذا كانت قيمة الورقة المطعون فيها بالتزوير قابلة للاستئناف – أم لا يجوز استئناف ذلك إلا مع استئناف الحكم الصادر في الدعوى الأصلية؟

ومنشأ هذه الصعوبة هو النص الوارد في قانون المرافعات الجديد في باب (طرق الطعن في الأحكام) إذ تجري المادة (378) بالآتي:
(الأحكام التي تصدر قبل الفصل في موضوع الدعوى ولا تنتهي بها الخصوم كلها أو بعضها)
(لا يجوز الطعن فيها إلا مع الطعن في الحكم الصادر في الموضوع سواء أكانت تلك الأحكام قطعية أم متعلقة بالإثبات أو بسير الإجراءات).

فقد فسرت بعض المحاكم هذا النص على أنه يشمل جميع الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع والتي لا تنتهي بها الخصومة ومنها الحكم الصادر في الادعاء بالتزوير سواء برد وبطلان الورقة المطعون فيها أو برفض دعوى التزوير، فهل هذا التفسير يتمشى مع نص المادة (378) مرافعات جديدة؟ هذا هو محل البحث.

هل الحكم الصادر في الادعاء بالتزوير قابل للاستئناف استقلالاً؟
لمعرفة ما إذا كان الحكم الصادر في دعوى التزوير – قبل الفصل في الموضوع – يجوز استئنافه استقلالاً أم لا، يجب معرفة ما إذا كان ذلك الحكم منهيًا للخصومة كلها أو بعضها أم لا تنتهي به الخصومة.

ومثال ذلك: رفع ( أ ) دعوى على (ب) بصحة عقد بيع صادر للأول من مورث الثاني، ادعى (ب) بتزوير العقد فحكمت المحكمة برفض دعوى التزوير وحددت جلسة لنظر الموضوع، فطعن (ب) على العقد بالبطلان لصوريته أو لصدوره في مرض الموت، فهل يجوز للمدعى عليه أن يستأنف الحكم الصادر برفض دعوى التزوير استقلالاً؟ أم يتعين عليه انتظار تحقيق طعونه الأخرى على العقد حتى إذا قضى فيها ضده استأنف الحكم المذكور مع الحكم الصادر في الموضوع برمته؟

الرأي عندي أنه يجوز له استئناف الحكم الصادر برفض دعوى التزوير دون انتظار الفصل في الموضوع كله، لأن ذلك الحكم وإن لم يحسم الدعوى وينهي الخصومة كلها إلا أنه يقطع على الأقل في صحة العقد وينهي الخصومة القائمة في أمر تزويره، ولا يسوغ القول بأن مثل ذلك الحكم لا تنتهي به الخصومة كلها ولا بعضها.

وأدلتنا على ذلك ما يأتي:
أولاً: أن ما هدف إليه المشرع في المادة (378) هو منع استئناف الأحكام التمهيدية والتحضيرية: كالحكم بالإحالة إلى التحقيق أو بندب خبير أو بانتقال المحكمة أو باستجواب الخصوم والحكم بضم قضية إلى أخرى أو بتأجيل الدعوى لاتخاذ صفة في الخصومة (مادة (5)) أو لإعادة إعلان الخصوم (مادتا (93) و (95))، وكذلك الأحكام القطعية الصادرة في مسألة فرعية أو شكلية: كالحكم برفض دفع ببطلان صحيفة الدعوى أو بعدم قبول الدعوى.

ثانيًا: إن هذا هو ما يستفاد من المذكرة التفسيرية لقانون المرافعات، فلقد جاء بها تعليقًا على المادة (378) مرافعات ما نصه:

(وقد استحدث القانون الجديد قاعدة عامة مقتضاها أن الأحكام التي تصدر قبل الفصل في الموضوع ولا تنتهي بها الخصومة كلها أو بعضها لا يجوز الطعن فيها إلا مع الطعن في الحكم الصادر في الموضوع، سواء أكانت تلك الأحكام قطعية كالحكم برفض دفع شكلي أو دفع بعدم قبول الدعوى أو الحكم في مسألة فرعية أم كانت متعلقة بالإثبات كالحكم بسماع الشهود أو ندب الخبراء أو انتقال المحكمة أو إحضار الخصوم أم متعلقة بسير الإجراءات كالحكم بضم قضية إلى قضية أخرى أو بالفصل بينهما أو بتأجيل الدعوى لإعادة إعلان الخصوم،

أما الحكم الذي تنتهي به الخصومة كالحكم بعد اختصاص المحكمة أو بعدم قبول الدعوى أو بسقوط الخصومة أو بقبول تركها فيجوز الطعن فيه على استقلال، ورائد المشرع في ذلك هو منع تقطيع أوصال القضية الواحدة وتوزيعها بين مختلف المحاكم وما يترتب عليه حتمًا من زيادة نفقات التقاضي مع احتمال أن يقضي آخر الأمر في أصل الحق للخصم الذي أخفق في النزاع الفرعي فيغنيه ذلك عن الطعن في الحكم الصادر عليه قبل الفصل في الموضوع.

وغني عن البيان أن مراد الشارع الذي أفصحت عنه المذكرة التفسيرية لا يمكن أن يتضمن إلا الأحكام التمهيدية والتحضيرية أو القطعية الصادرة في مسألة فرعية أو شكلية، ولا يجوز القول بأن الحكم الصادر برفض دعوى التزوير أو برد وبطلان ورقة من أوراق الدعوى ينطوي تحت أي نوع من تلك الأنواع.

ثالثًا: يؤيد ذلك ما جاء في بحث قيم للدكتور أحمد أبو الوفا إذ يقول إن المشرع رمى بالمادة (278) مرافعات إلى إبطال التمييز بين الأحكام التمهيدية والأحكام التحضيرية وفسخ القاعدة التي تجيز استئناف الأحكام الأولى مباشرة دون الثانية، كما رمى إلى منع الطعن مباشرة في الأحكام القطعية الفرعية التي لا تنتهي بها الخصومة كلها أو بعضها، كالحكم برفض دفع شكلي أو دفع بعدم القبول أو الحكم في مسألة فرعية كالحكم برفض إثبات وقائع معينة بالشهادة لعدم جواز الإثبات بهذا الطريق قانونًا، أو الحكم ببطلان عمل من أعمال الخبرة أو الحكم بأن مستندًا معينًا لا يثبت الحق المتنازع فيه [(1)].

رابعًا: قد يكون الادعاء بالتزوير منصبًا على الورقة سند الدعوى، والفصل في هذا الادعاء سواء بصحة الورقة أو ببطلانها يتضمن الفصل في موضوع الدعوى، وقد يكون الادعاء بالتزوير منصبًا على ورقة تنهي الخصومة في جزء من الدعوى، والفصل في الادعاء في هذه الصورة ينهي الخصومة جزئيًا، وقد يكون الادعاء بالتزوير منهيًا للخصومة في شأن صحة الورقة أو عدم صحتها من ناحية صدورها ممن نسبت إليه الورقة وعدم صدورها منه، ولكن تبقى الخصومة قائمة في شكل طعون أخرى توجه إلى نفس الورقة – كعدم أهلية محررها أو صدورها منه في مرض الموت – ومن غير المستساغ أن يكون الحكم في الصورتين الأوليين قابلاً للاستئناف استقلالاً دون الحكم الصادر في الصورة الثالثة بالرغم من وحدة الموضوع في الصور الثلاثة.

خامسًا: يحدث أحيانًا أن يطلب الحكم بإشهار إفلاس تاجر بناءً على كمبيالة أو سند إذني يطعن عليه المدعي عليه بالتزوير، فإذا قضى برفض دعوى التزوير ابتدائيًا كان من غير المستساغ – قانونًا وعدلاً – أن يحرم مدعي التزوير من استئناف هذا الحكم على استقلال، ويفرض عليه انتظار الحكم بإشهار إفلاسه قبل أن يباح له استئناف الحكم الصادر في الادعاء بالتزوير، مع احتمال صدور الحكم الاستئنافي بإلغاء الحكم الابتدائي وبرد وبطلان الكمبيالة أو السند أساس دعوى الإفلاس، وفي هذه الحالة يكون حكم إشهار الإفلاس قد نفذ بغلق المتجر ووضع الأختام عليه ونشر الحكم بالجرائم ولصق ملخصه في لوحة الإعلانات بالمحكمة إلى غير ذلك من النتائج الخطيرة التي يتعذر تداركها، لأن الحكم الصادر بإشهار الإفلاس واجب التنفيذ تنفيذًا مؤقتًا بنص القانون (مادة (211) تجاري)،

ولا نظن أن مثل هذه النتائج الخطيرة جالت بخاطر واضع نص المادة (378) مرافعات، ولعله قيد الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع التي لا يجوز استئنافها استقلالاً، بألا تكون منهية للخصومة كلها (أو بعضها) ليخرج حالة الادعاء بالتزوير، إذ لا شك أن الحكم الصادر فيها وإن كان أحيانًا لا ينهي الخصومة كلها إلا أنه يعتبر – حتمًا – منهيًا لبعضها، فلا ينطبق عليه النص.

وجملة القول إن الحكم الصادر في الادعاء بالتزوير – قبل الفصل في الموضوع – يقبل الاستئناف على استقلال، ولا ينطبق عليه نص المادة (378) مرافعات جديد، لأنه إن لم يكن منهيًا للخصومة كلها فإنه في القليل يعتبر منهيًا لبعضها.

[(1)] راجع رسالة (الأحكام الصادرة قبل الفصل في الموضوع) للدكتور أحمد الوفا ص (249 – 250 ن221 – 222) ومذكرات الدكتور عبد المنعم الشرقاوي في قانون المرافعات ص (398 ن 331).