الرجوع في التبنّي و الفرق قانونا بين الكفالة والتبنّي

أثارت مسألة الرجوع في التبني نقاشا قانونيا واختلافا قضائيا هاما انتهى إلى إقرار مبدأ الرجوع في التبني عند اتفاق الأطراف أو إذا اقتضت المصلحة الفضلى للطفل ذلك، ويستند هذا الموقف إلى اعتبار التبني عقدا يخضع لمصادقة قاضي الناحية وبالتالي فهو من طينة العقود القضائية التي لا تنتفي فيها إرادة الأطراف طالما كانت مطابقة للقانون والنظام العام والأخلاق الحميدة.

*فقه القضاء:

قرار مدني عدد 295 بتاريخ 23 مارس 1993

المبدأ:

مصلحة المتبنَى هي السبب الجوهري والرئيسي لسن عقد التبني، وهذا العقد شأنه شأن بقية العقود المدنية يمكن الرجوع فيه لفقدان أو تغيب مقوماته الشكلية أو القانونية.

مصلحة المتبنَى يمكن أن تتضرر بحسب تغير الأحوال والظروف ويجوز الرجوع في التبني وإلغاء مفعوله متى استوجبت مصلحة المتبنَى ذلك بصرف النظر عن وصف التبني بأنه حكم نهائي الدرجة خاصة وأن قانون 4 مارس 1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني لا يتضمن تنصيصا واضحا وجازما يمنع الرجوع في التبني.


لكل إنسان حق مشروع في الانتساب إلى أبويه الحقيقيين وهذا حق مقدم ناصرته تشريعات حقوق الإنسان والطفل وللمتبنَى حق رفض التبني متى بلغ سن التمييز أو الرشد.

الرجوع في التبنّي
صدر قرار شهير في الرجوع في التبني عن محكمة الاستئناف بالمنستير تحت ع146-دد بتاريخ 26 جانفي 1986 اثر دعوى تولى تقديمها الاستاذ الهادي بوفارس ” المحامي والاستاذ بكلية الحقوق بسوسة لدى المحكمة الابتداية بالمنستير التي قضت برفض الدعوى وتم استئنافه وقضت محكمة الاستئناف بالمنستير في قرارها الشهيرع-146-دد بتاريخ 26 جانفي 1986 بنقض الحكم الابتدائي والقضاء مجددا بالرجوع في التبني .

وقد اصبح هذا القرار مرجعا وفقه قضاء ويتم التعرض اليه عند تدريس الاجتهاد في القانون التونسي بكليات الحقوق بتونس

الفرق بين الكفالة والتبنّي من الناحية القانونية:

ما هو الفرق قانونا بين الكفالة والتبنّي؟

ظاهريا لا يوجد أيّ فرق بين الكفالة والتبنّي، لأنّ كليهما يهدف إلى رعاية الطفل ماديا ومعنويا. غير أنّه من الناحية القانونية، توجد فروق جوهرية بين النظامين من حيث الشروط الشكلية والشروط الأصلية.

– ففي خصوص الشروط الشكلية أو الإجرائية، وضع الفصل 4 من القانون عدد27 لعام 1958 المؤرّخ في 4 مارس 1958 المتعلّق بالولاية العمومية والكفالة والتبني الشروط الشكلية للكفالة، بالتنصيص على أنّه “يبرم عقد الكفالة لدى عدلين بين الكفيل من جهة وبين أبوي المكفول أو أحدهما إذا كان الآخر ميّتا أو مجهولا أو عند الاقتضاء الولي العمومي أو من يمثله من جهة أخرى.ويصادق حاكم الناحية على عقد الكفالة.

في حين نصّ الفصل 13 من نفس القانون بخصوص التبني على شروط أكثر دقّة وتغلب عليها الرقابة القضائية، إذ اقتضى أنّه “يتمّ عقد التبني بحكم يصدره حاكم الناحية بمكتبه بمحضر المتبني وزوجه أو عند الاقتضاء بمحضر والدي المتبنى أو من يمثل السلطة الإدارية المتعهدة بالولاية العمومية على الطفل الكفيل.

ويصدر حاكم الناحية حكمه بالتبني بعد التحقق من توفر الشروط القانونية ومن مصادقة الحاضرين. وحكمه هذا يكون نهائيا.

ويحال مضمون من الحكم بالتبني في ظرف ثلاثين يوما على ضابط الحالة المدنية ذي النظر الذي يرسمه بطرة رسم ولادة المتبنّى”.

أمّا في خصوص الشروط الأصلية، فإنّها بسيطة جدّا بالنسبة للكفالة التي عرّفها الفصل 3 من قانون 4 مارس 1958 بأنّها “العقد الذي يقوم بمقتضاه شخص رشيد يتمتّع بحقوقه المدنية أو هيئة بكفالة طفل قاصر”، في حين تعتبر أكثر تفصيلا بالنسبة لعملية التبنّي، إذ اقتضى الفصل 9 من ذلك القانون أنّه “ينبغي أن يكون المتبنّي شخصا رشيدا ذكرا أو أنثى متزوّجا متمتّعا بحقوقه المدنية ذا أخلاق حميدة سليم العقل والجسم وقادرا على القيام بشؤون المتبنى. ويمكن للحاكم إعفاء طالب التبني الذي فقد زوجه بالموت أو بالطلاق من شرط التزوج إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك.

وفي هذه الصورة للحاكم سماع كل من يرى فائدة في سماعه لتحقيق الظروف والأسباب التي تضمن المصلحة المذكورة”.

وأضاف الفصل 10 من نفس القانون أنّه “ينبغي أن يكون الفرق بين عمر المتبني وعمر المتبنى خمس عشر سنة على الأقل، إلا في الصورة التي يكون فيها المتبنى ابن زوج المتبنّي”.

يؤخذ من هذا الفصل أن المشرع التونسي أوجب توفر شرط فارق السن بين المتبني و المتبنى يقدر بخمسة عشر سنة على الأقل، واستثنى في الحالة إذا كان المتبني زوجا لوالدة الإبن المتبنى ذلك أنه يجوز له تبني أبناء زوجته التي تساكنه شرط موافقة الأب الأصلي للمتبني على عملية التبني .

وفي صورة وفاة الأب المذكور، فالموافقة لا بد أن تصدر عن الولي دون اعتبار توفر شرط فارق السن المذكور بين المتبني و المتبنى.

ورد بالفصل 10 من قانون 4 مارس 1958 أنّه “ينبغي أن يكون الفرق بين عمر المتبنّي وعمر المتبنّى خمس عشرة سنة على الأقل، إلاّ في الصورة التي يكون فيها المتبنّى ابن زوج المتبنّي”. فبعبارة أخرى مانع في القانون التونسي من أن يتبنّى الرجل أبناء زوجته.

ويعتبر هذا الموقف التشريعي معقولا إذ ما دام الرجل بإمكانه تبنّي أولاد الغير، فمن باب أولى أنّه يستطيع تبنّي أولاد زوجته التي تساكنه. ويبقى الأمر متوقّفا على موافقة الأب الأصلي للأطفال على عملية التبنّي. أمّا في صورة وفاة الأب، فإنّ الموافقة لا بدّ أن تصدر عن الولي.

ويمكن للتونسي أن يتبنى أجنبيا. كما أضاف الفصل 11 أنّه “يجب في جميع الصور مصادقة زوج المتبنّي مع مراعاة الفقرة الثانية والثالثة من الفصل 9”. واقتضى الفصل 12 من جهته أنّه “ينبغي أن يكون المتبنى طفلا قاصرا ذكرا أو أنثى.

غير أنّه يرخص بصفة انتقالية لمدّة لا تتجاوز موفى ديسمبر 1959 التبني للأبناء الرشداء إذا ثبت أنّهم كانوا مكفولي طالب التبني من قبل رشدهم إلى الآن وصرحوا بموافقتهم على تبنيهم”.

وفي شأن الحقوق والواجبات المترتّبة عن كلا النظامين بالنسبة إلى الأطراف المعنية، فقد أوضح الفصل 5 من قانون 4 مارس 1958 أنّه “يكون للكفيل وللمكفول نفس الحقوق والواجبات المنصوص عليها بالفصل 54 وما بعده من مجلة الأحوال الشخصية”.

والمكفول علاوة على ذلك مسؤول مدنيا على أعمال مكفوله مثل أبويه”، و”يحتفظ المكفول بجميع حقوقه الناتجة عن نسبه وبالأخص لقبه وحقوقه في الإرث” (حسب الفصل 6 من ذات القانون).

أمّا بالنسبة إلى الآثار، فإنّ الكفالة لا تحدث إلاّ نظام رعاية أدبية ومادية لفائدة الطفل، في حين يؤثّر التبنّي على النسب بإحداث نسب اعتباري هو النسب بالتبنّي، حيث اقتضى قانون التبني الشهير في الفصل 14 من قانون 4 مارس 1958 أن “يحمل المتبنّى لقب المتبنّي ويجوز أن يبدل اسمه.وينص على ذلك بحكم التبنّي بطلب من المتبنّي”. وأضاف الفصل 15 من نفس القانون صراحة أنّه “للمتبنّى نفس الحقوق التي للابن الشرعي وعليه ما عليه من الواجبات وللمتبني إزاء المتبنى نفس الحقوق التي يقرها القانون للأبوين الشرعيين وعليه ما يفرضه من الواجبات عليهما. إلاّ أنّه في الصورة التي يكون فيها أقارب المتبنى معروفين تبقى موانع الزواج المنصوص عليها بالفصول 14- 15- 16-17 من مجلة الأحوال الشخصية قائمة”.

وفي خصوص نهاية سريان نظامي الكفالة والتبنّي، فقد نصّ الفصل 7 من قانون التبني الشهيرالمؤرخ في 4 مارس 1958 أنّه “تنتهي الكفالة عند بلوغ المكفول سن الرشد.ويمكن للمحكمة الابتدائية بطلب من الكفيل أو من أولياء المكفول أو من النيابة العمومية فسخ عقد الكفالة حسبما تقتضيه مصلحة الطفل”.

فالكفالة تنتهي إذن بصفة آلية لمّا يصبح الطفل رشيدا، أو عن طريق القضاء قبل ذلك. أمّا التبنّي، فقد نصّ الفصل 16 على أنّه “يمكن للمحكمة الابتدائية بطلب من وكيل الجمهورية أن تحكم بنزع الحضانة من المتبنّي وإسنادها إلى شخص آخر حسبما تقتضيه مصلحة المتبنّى، وذلك إن اتّضح أن المتبنّي أخلّ بواجباته إخلالا فادحا”. كما أجاز القضاء التونسي في عديد أحكامه وقراراته دعاوى الرجوع في التبنّي إذا اقتضت مصلحة المتبنّى ذلك.