الإرهاب و تحدي الأمن الوطني العراقي بعد أحداث الموصل 2014

أحمد فكاك البدراني/ الأستاذ المساعد الدكتور كلية العلوم السياسية

جامعة الموصل، العراق

ملخص
ان الفوضى التي حلت بالعراق بعد سقوط النظام السابق عام ٢٠٠٣ كانت نتيجة للاحتلال الأمريكي وحل المؤسسة الامنية والعسكرية السابقة التي كانت قائمة بشكل فعال بوصفها – أجهزة قمعية – مما احدث فراغا امنيا ساعد على تنمية تلك الفوضى وانتشار الجرائم وحالات القتل انتقاما لثارات أو تصفية لغايات متطرفة ، اضافة الى حدوث شق واضح بين المؤسسة العسكرية التي بنيت بعد تاريخ ٢٠٠٣ صعودا وبين أفراد وقيادات الجيش السابق ولاسيما من تضررت مصالحهم ، مما سهل لهم الانخراط بالتنظيمات الإرهابية المتنوعة التي كانت جزء منها تعمل تحت مسمى ( المقاومة ) .

ونظرا لتشعب هذه التنظيمات بين دينية أو قومية من ذلك تعززت الفوضى بشكل فعال فصعب على الحكومة والقوات الأمريكية المحتلة إخمادها أو القضاء عليها بشكل كامل خصوصا وأنها انتشرت على مساحات واسعة من مدن العراق .

إن التنظيمات الإرهابية وحتى ما كانت تعد مقاومة منها لم تقتصر على جهة واحد أو فئة معينة وإنما تعدت ذلك ليكون لكل مكونات العراق نصيب منها ، لكن الأهداف والغايات اختلفت كثيرا ، وبالنهاية تركزت في مدن غرب العراق ووسطه حول بغداد مرورا ببيجي وتكريت وصولا إلى شماله في مدينة الموصل حتى انتهت كل تلك التنظيمات إلى العمل تحت راية تنظيم داعش الإرهابي الذي عززت وجوده وزادت من قوته في مواجهة الأمن الوطني العراقي .

ولم تكن تلك الأحداث والتنظيمات تعمل بمعزل عن الصراع على السلطة والتناحر السياسي؛ إذ كرس ذلك الصراع مسائل كثيرة وسط السياسيين العراقيين بمحاولة كسب الإتباع والسيطرة على صناديق الاقتراع وتحقيق اكبر عدد من الأصوات والخوض في فساد لا متناه .

إذ أن الخلافات السياسية كانت تعزز قدرات المجاميع الإرهابية المسلحة وتحاول أن تفرض نفسها بأشكال وألوان على بعض التيارات السياسية المنخرطة في العملية السياسية وقد ساعد ذلك على استغلال – ساحات الاعتصام – التي انبثقت في محافظات الانبار ونينوى وكركوك وصلاح الدين والتي بادت تصعد من سقف طلباتها كلما حاولت بعض الشخصيات السياسية احتوائها ، ولعل توسيع رقعة هذه الساحات كان عاملا مساعدا لاختراقها من قبل تنظيمات الدولة الإسلامية المعرفة بداعش الإرهابي ، حتى بات شعارها بإبطال العملية السياسية برمتها واضحى آخر شعار لها قادمون يا بغداد .

وما إن لبثت حتى استغلت التناحر السياسي واقترب موعد انتهاء مهلة مجلس النواب الذي بات حله وشيكا بسبب انتهاء مدته القانونية حتى اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مدينة الموصل من الجهة الغربية لمحافظة نينوى مستغلين ضعف الأجهزة الأمنية والإمكانيات العسكرية المنهكة بحرب استنزاف منذ عام ٢٠٠٣ والتي لم تصمد بدورها أمام القادمون بقتال عنيف وأسلحة حديثة، وفي خضم تلك الأوضاع كان لزاما على العراق أن يبحث عن إستراتيجية جديدة للأمن الوطني العراقي للخروج من المأزق والخوض في حرب للقضاء على جميع أشكال التطرف والإرهاب .

Abstract

The chaos that engulfed Iraq after the fall of the former regime in 2003 was the result of the American occupation and the dismantling of the former security and military establishments, which were effectively established as repressive apparatuses, creating a security vacuum that helped to develop this chaos and the spread of crimes and killings in retaliation for revenge or liquidation for extremist purposes, moreover, there was a clear breach in the military establishment built after the 2003 upward, and between the members and leaders of the former army, especially those whose interests were affected, a matter that facilitated them to engage in various terrorist organizations, part of which were working under the name of (resistance).

Due to the ramification of these organizations, between religious or nationalist, or claiming to be some of this or that, chaos has been effectively promoted, and it became difficult for the government and the US occupation forces to extinguish or eliminate it completely, particularly as it spread to large areas of Iraq’s cities.

The terrorist organizations and even those who were considered to be under resistance were not limited to one party or a specific category, but rather involving all components of Iraq. However, the goals and objectives differed greatly, and eventually concentrated in the cities of western and central Iraq around Baghdad, passing through Beji and Tikrit, and reaching its north in the city of Mosul. Until all these organizations have come to work under the banner of the terrorist organization of Da’ish (ISIS), strengthening its presence and increasing its power in the face of Iraqi national security.

These events and organizations did not operate in isolation from the power struggle and political rivalry as that conflict devoted many issues among Iraqi politicians to try to win the followers and control of the ballot boxes and achieve the largest number of votes and engage in endless corruption.

As political differences have been strengthening the capabilities of armed terrorist groups and trying to impose them in all forms on some political currents involved in the political process, this has helped to exploit the sit-in squares that emerged in the provinces of Anbar, Nineveh, Kirkuk and Salahuddin, which started to raise their limit of demands whenever some political characters try to encompass them. The expansion of these squares has become a catalyst for its penetration by the Islamic state’s organizations known as the Terrorist Da’ish. Its slogan has become the abolition of the political process as a whole and its last slogan was “Baghdad we are coming”.

It soon exploited the political rivalry and the proximity of the deadline of the expiration date of the House of Representatives, whose disassembly is becoming imminent due to the end of its legal period, until the invasion of the terrorist organization of Da’ish swept away the city of Mosul from the western side of Nineveh province, taking advantage of the weakness of the security forces and military capabilities plagued by a war of attrition since 2003, and which did not withstand those who arrived with violent fighting and modern weapons. In the midst of those situations, Iraq had to search for a new strategy for Iraqi national security to get out of the impasse and engage in a war to eliminate all forms of extremism and terrorism.

مقدمة

شكل عام 2014 انعطاف مرحلة مهمة في تحدي الأمن الوطني العراقي منذ الهجمة الإرهابية الشرسة التي تعرض لها العراق في 9 حزيران، ودخول ما يعرف بتنظيم داعش مدينة الموصل، سرعان ما امتدت عملياته الإرهابية في الأجزاء الشمالية والغربية من العراق، ليسيطر التنظيم الإرهابي على نحو 60 بالمئة من مساحة العراق، ما شكل تهديداً حقيقي الأمن الوطني تطلب تغيراً شاملاً للخطط العسكرية والأمنية وإعادة النظر في إستراتيجية الأمن الوطني العراقي.

ولم يكن تنظيم داعش بمستوى القوة التي أدت إلى انهيار المنظومة العسكرية والأمنية، وانسحابها امام ثلة من العناصر الإرهابية المسلحة، بقدر ما كان للخلافات السياسية والحزبية العراقية وتخندقها في ولاءات طائفية وارتمائها في أحضان قوى إقليمية أثر في ذلك، فقد شكلت الخلافات السياسية والمحاصصة الطائفية والتدخلات الإقليمية دوراً كبيراً في التأثير على الأمن الوطني العراقي كاد به الأمر أن ينهار بشكل كامل لولا صحوة الوعي السياسي لدى العراقيين واستجابتهم السريعة للتوحد في صف واحد ومحاربة تنظيم داعش تحت راية العراق، وباسم الوطن الواحد، وإفشال المخطط الدولي والإقليمي في تقسيم العراق وفقاً لأجندات طائفية وحزبية ضيقة.

فرضية البحث: يقوم البحث على فرضية مفادها ان إرهاب داعش التكفيري كان من أهم تحديات الأمن الوطني العراقي، إذ شكل إرهاب داعش وتأثير القوى الإقليمية والدولية خطراً على واقع ووحدة الدولة العراقية.

اشكالية البحث: هناك بعض التساؤلات البحثية تشكل نقطة الإشكالية ممكن طرحها كالأتي:

– ما هو تنظيم داعش وكيف نشأ؟

– كيف اثرت الأوضاع السياسية على الأمن الوطني العراقي؟

-ما هي أحداث الموصل وما هي تداعياتها على الأمن الوطني؟

ويبقى الاشكال الرئيس بالنسبة للأمن الوطني العراقي يثار في تحديد العوامل التي ساهمت في هشاشة الوضع الأمني، وما ينبغي عمله في دعم الأمن الوطني العراقي في الواقع والمستقبل؟

أهمية البحث: تنبع أهمية البحث من بيان العلاقة بين الإرهاب وتأثيره على الأمن الوطني في العراق، لاسيما وان العراق يمر بمرحلة مهمة في محاربة الإرهاب، ما يتطلب وجود نسق قيمي وإدراكي وثقافة سياسية ديمقراطية تتوحد في سبيل محاربة الإرهاب ودعم الأمن الوطني وتحقيق الانسجام بين مكوناته من جهة، وتحافظ على امن وطني مصون ومحصن من التهديدات من جهة أخرى، وهنا تكمن أهمية البحث.

أهدف البحث: يسعى البحث إلى تحقيق عدد من الأهداف أهمها:

-يهدف البحث في دراسة إرهاب داعش وتأثيره على الأمن الوطني العراقي.
-توضيح أهمية الوحدة الوطنية وترك الخلافات الطائفية، في تحصين الأمن الوطني العراقي من عدمه في مواجهة تهديد داعش وتدخلات القوى الإقليمية والدولية.
-بيان أرز المعوقات التي تقف في الحفاظ على الأمن الوطني العراقي، وكيفية تجاوزها.
منهجية البحث: اعتمد البحث بالدرجة الأساس على منهج التحليل النظمي من خلال تحليل جدلية العلاقة والتأثير المتبادل بين كلاً من مفهومي (الإرهاب والأمن الوطني)، كما اعتمد على المنهج الوصفي من خلال وصف واقع (أزمة الموصل وتداعياته على الأمن الوطني العراقي) كظاهرة وجدلية العلاقة بينهما، وأخيرا فقد اعتمدنا المنهج السلوكي في تحليل البعد السلوكي للمواطن العراقي والقوى السياسية على حد سواء وما له من أثر على الأمن الوطني العراقي.

هيكلية البحث: يقسم البحث إلى مباحث ثلاث يتناول المبحث الأول العلاقة بين إرهاب داعش وتحدي الأمن الوطني العراقي، ويوصف المبحث الثاني أزمة الموصل ما بعد احتلال داعش للمدينة، أما المبحث الثالث فيعرض ما ينبغي عمله بعد تحرير الموصل لدعم الأمن الوطني والحفاظ على وحدة العراق.

المبحث الأول: إرهاب داعش وتحدي الأمن الوطني العراقي.

يعد الإرهاب أهم تحدي أمني وعسكري في أن واحد للأمن الوطني العراقي، ويلاحظ أن استفحال ظاهرة الإرهاب كانت نتيجة لغياب الإستراتيجية العسكرية، كذلك نتيجة لتأثيرات بعض القوى الإقليمية والدولية الكبرى على العراق.

فالإرهاب اتى نتيجة لضعف المؤسسة الأمنية والعسكرية المتهالكة جراء الفساد الذي نخر أجهزتها الوليدة حديثاً، كما يلاحظ ان الإرهاب لولا الدعم الإقليمي والدولي الكبير الذي قدم له ما كان ليصل إلى ما هو عليه في العراق الذي اضحى ساحة لتصفية حسابات الدول وابعاد مخاطر الصراعات عنها.

فالعراق قد ابتلي بجوار عربي وإقليمي صعب، اضافة إلى توجيه القوى الكبرى انظارها صوبه خاصة بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، فتركيا مثلاً لديها الكثير من الاطماع والمشاكل مع العراق منها وجود حزب العمال الكردستاني التركي المعارض، واطماعها في الموصل وكركوك، وادعائها بحماية الاقلية التركمانية، اما ايران فكانت ابرز مشاكلها مع العراق وجود منظمة مجاهدي خلق المعارضة داخل الأراضي العراقية، وبعد الاحتلال الأمريكي أرادت إبعاد أنظار الأمريكان فجعلت من العراق ساحة لتصفية حساباتها وذلك من خلال دعم فصائل مسلحة لمواجهة الاحتلال الأمريكي، أما السعودية فتعد اكبر مصدر لموجات الفكر المتطرف إلى العراق، كما ان سوريا لم تكن اقل تأثيراً، إذ ولدت فيها تنظيمات مسلحة منذ عام 2011، كان تنظيم داعش أبرزها، إذ جعل من الأراضي السورية منطلقاً لهجماته الإرهابية ضد العراق، فكان لتداعيات الأزمة السورية ثمن باهض على العراق وأمنه الوطني؛ وذلك لوجود شريط حدودي طويل بين العراق وسوريا يصعب السيطرة عليه وبسببه كان العراق منطقة مكشوفة على سوريا، يتسلل منها الإرهابيين والخارجين عن القانون، لا بل أصبحت سوريا ملاذاً أمنا لعناصر تنظيم داعش يتنقلون منها عبر الأراضي العراقية، بعدما كانت سوريا ارض ولادة داعش ومنها نشأ وفيها تدرب عناصره وعلى أراضيها استغل خططه، وعن طريقها شن داعش هجماته على العراق([1]).

فداعش أكبر تحدٍ للأمن الوطني العراقي، إذ استطاع في فترة بث سمومه الإرهابية، ويؤثر الفكر الإرهابي في مستوى الوعي السياسي، وبالنتيجة يتأثر به الأمن الوطني، والإرهاب هو احد الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ابرز النتائج التي يتمخض عنها التراجع الذي يصيب مجمل أبعاد الأمن الوطني، فالإرهاب يعد ثمرة طبيعية لتردي الأوضاع بمجملها في بلد ما، ويعيق الإرهاب عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن ثم تردي مستوى وعي الأفراد، مما يولد الاختلال في الأمن الوطني، والاختلال في الأمن الوطني يعد دليلاً على ضعف وعي الأفراد، فهناك علاقة تأثير وتأثر.

وفي العراق فإن التهديد الحقيقي الذي يشكله الإرهاب يكمن في أبعاده العقائدية ومحاولته لتوظيف نصوص الشريعة للأغراض الإرهابية ومحاولة التأثير في وعي الأفراد وإقناعهم بان الأعمال الإرهابية تستند إلى شرعية دينية، وليس إلى قوانين وضعية، أي أنها أعمال مشروعة دينياً وان كانت غير مشروعة قانونياً([2]).

إذ شكل الإرهاب في العراق بعد الاحتلال الأمريكي تحدياً كبيراً للأمن الوطني، على مدى 14 عاماً، منذ عام 2003، ولحد ألان، وأصبح العراق ساحة مركزية للإرهاب وتصفية الحسابات مع الولايات المتحدة، فكان في مقدمة الدول من حيث عدد ضحايا العنف والتفجيرات والاقتتال الطائفي، وسط الانهيار الأمني الهائل الذي خلفه الاحتلال بتخطيط مسبق، مستغلاً ضعف الوعي السياسي للأفراد، وإفساحه المجال أمام الشركات الأمنية الأجنبية والميلشيات والعصابات لتنفيذ أجنداته، وذلك بعد قرار الحاكم العسكري الأمريكي حل الأجهزة الأمنية العراقية والجيش والشرطة([3])، فأصبحت الساحة لتلك العصابات لتنفيذ مخططات الاحتلال وإفراغ العراق من مثقفيه وأطبائه وعلمائه، بالاعتماد على جهل بعض الأفراد وغياب وعيهم السياسي.

ومن غياب الوعي السياسي تشكلت البيئة الحاضنة للإرهاب في العراق وتنامت التنظيمات الإرهابية وتزايد عددها بوتيرة متصاعدة، حتى ألت الأمور إلى أن تقع ثلثي مساحة العراق بيد المنظمات الإرهابية وان يقع ساكنيها ضحية تحت سيطرة الإرهاب وهذا ما حدث في ظل سيطرة تنظيم داعش إرهابي، بعد 9 حزيران 2014، إذ اثبت الواقع ان العديد من المواطنين الذين يعيشون في كنف خلافة داعش المزعومة لا يحبون ولا يرضخون لحكم الإرهابيين، وأدركوا حقيقة أن غياب وعيهم السياسي وضعف مسؤوليتهم الوطنية هو ما أدى بيهم إلى معاناة دامت لثلاث سنوات من حكم إرهابي قمعي دمر كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وخلف الآلاف الضحايا من قتلى وجرحى ومهجرين ومشردين خارج حدود العراق([4]).

وهذا بحد ذاته يعد انشغالاً لمؤسسات الدولة وانهاكاً لميزانيتها واستهدافاً للأبرياء من مختلف طبقات الشعب([5])، ويخطأ من يظن أن الإرهاب محصوراً بفئة معينة أو بطائفة دون أخرى فالإرهاب وكما يقال لا دين له، صحيح ان تنظيم داعش الإرهابي قد لعب على ورقة إخضاع السنة في العراق لفكر منحرف وتغييب وعيهم السياسي، لينسوا انهم مواطنون عراقيون قبل كل شيء، واستغل خلافاتهم مع الحكومة المركزية في محاولة لاحتضانهم وتبرير ذلك بأنهم مغيبين ومهمشين من قبل الحكومة العراقية([6])، إلا أنه لم ينجح سوى في استقطاب بعض المناطق المحيطة من الذين لا يملكون حداً ادني من الوعي السياسي، كما حصل في الفلوجة في كانون الثاني عام 2014، حين استعاد التنظيم الإرهابي السيطرة على مدينة الفلوجة بمساعدة الميليشيات القبلية، وكذلك استطاع الدخول والسيطرة إلى مدينة الموصل بمساندة بعض عشائر المناطق الريفية المحيطة بالمدينة([7])، التي استطاع التنظيم من خلالهم التدليس على السنة بانهم من نسج التحالفات معه والتي كان نتيجتها الهيمنة على مفاصل المناطق السنية، لكن دخول الفصائل المسلحة السنية على خط المعادلة العسكرية جنباً إلى جنب مع أبناء الحشد الشعبي والقوات العسكرية فند تلك الادعاءات واثبت الشعب إن مصيره واحد في مواجهة الإرهاب([8]).

أولا: مفهوم الأمن الوطني.

إن الأمن الوطني مفهوم شائع الاستخدام، وللوقوف على ماهيته لابد من تناول مفهوم الأمن لغة ثم تناوله اصطلاحاً ومن ذلك نستطيع توضيح القصد من الأمن الوطني العراقي.

الامن لغة: ورد مصطلح الأمن في القرآن الكريم في أكثر من موضع، منها قوله تعالى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّىۖ﴾([9])، وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾([10])، وقوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ﴾([11])، وقوله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾([12]). وقوله تعالى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾([13])، أي الآمن، ويقصد به مكة المكرمة.

وكل تلك الآيات التي ذكرها الله في التنزيل العزيز قد جاءت بمعنى الامان والامانة، كما جاءت بمعنى السلام الدائم كقوله تعالى: ﴿أُولـٰئِكَ لَهُمُ الأمن وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾([14]).

وفي معاجم اللغة فقد ذكر ابن فارس بأن: الهمزة والميم والنون اصلان متقاربان، احدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والاخر التصديق([15]).

وقيل أمن: الأمان والأمانة، أمنت فأنا آمن، وآمنت غيري من الأمن والأمان، والأمن ضد الخوف([16])، والامنة بالتحريك اي الامن([17]). ومنه قوله عز وجل ]أَمَنَةً نُّعَاساً[([18]).

وجاء ذكر كلمة الأمن في اللغة العربية بمعنى الضد من الخوف، وهو حالة الطمأنينة، فيقال اطمأن ولم يخف، أي أمن([19])، وقيل الأمن والآمن كصاحب ضد الخوف، وأمن يأمن كفرح يفرح، والمصدر فيها أمنا وأمنة وأماناً وأمَناً وأمِناً (بالفتح والكسر)([20])، والأمانة ضد الخيانة، والإيمان ضد الكفر يقال: (أمن به قوم، وكفر به قوم)([21])، واستعمالات هذه اللفظة في اللغة متشعبة وكثيرة، فـ(الأمن) هو: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، واصل المفردات (الأمن، والأمانة، والأمان) مصادر تستعمل في اللغة اسماً للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن([22]).

وفي اللغة الانجليزية يقدم قاموس (وبستر) دلالتين لكلمة (security) هما([23]):

التحرر من الخطر، اي السلامة safety.
التحرر من القلق، اي الشعور بالثقة أو الطمأنينة confidence.
أما في اللغة الفرنسية فتعني كلمة (securite)، الغياب الحقيقي لأي خطر([24]).

الأمن اصطلاحاً: تبين التعريفات اللفظية، بأن (الأمن) اصطلاحاً هو: تهيئة الأوضاع المناسبة من كل خطر، أو هو أحساس يتملك الإنسان بالتحرر من الخوف، وقيل: أن الأمن الإحساس بالطمأنينة الذي يشعر به الفرد بسبب غياب الأخطار التي تهدد وجوده أو نتيجة لامتلاكه الوسائل الكفيلة بمواجهة تلك الإخطار، ويذهب رأي آخر إلى أن (الأمن) حالة، وليس إحساسا أو شعورا، بل أن الإحساس والشعور إنعكاس لتلك الحالة، وإذا كان الأمن في اللغة يعني عدم الخوف، فإن له جانبان جانب مدفوع بدافع غريزي يتمثل بدفاع الإنسان عن نفسه، وهو الجانب السلبي المتمثل باتقاء الشر، والجانب الآخر يتمثل في سعي المرء الدؤوب لنيل حقوقه، وتحسين أحواله، وتأمين مستقبله، وهو الجانب الإيجابي للأمن وكلا الجانبين متصلان ببضعهما اتصالا وثيقا، فما هما إلا وجهان لحقيقة واحدة هي أن يعيش الإنسان بسعادة، وطمأنينة، واستقرار، وسلام([25])، ويؤكد البعض ان (الأمن) ما هو إلا التحرر من الخوف([26])، وانه شعور موضوعي بالثقة([27])، وهو إحساس نفسي داخلي بالطمأنينة([28])، ناتج عن غياب الخطر([29]).

وبهذا المعنى فإن الأمن هو: تهيئة الأوضاع المناسبة من كل خطر يهدد أو إحساس يمتلك الإنسان بالتحرر من الخوف، أي أنه الحالة التي يكون فيها الإنسان محميا ضد، أو بعيدا عن خطر يتهدده([30]).

وتختلف تسمية الأمن الذي يحيط بالدولة من دولة لأخرى فقد يسميه البعض بالأمن الوطني أو الأمن القومي، وتتباين تفسيرات الباحثين في علم السياسة لذلك، فقد فرق بعض الباحثين بين القومي والوطني على اعتبار ان الوطنية ترتبط بالأرض بحيث يصح القول انها حب الأرض، في حين تعني القومية، ارتباط الفرد بمجموعة من الناس هي الآمة، في حين يرى اغلب مفكروا علم السياسة المعاصرين، ان مفهوم الوطنية لا يختلف في الحقيقة عن مفهوم القومية كل هذا الاختلاف، كما ان حب الامة يتضمن في الوقت نفسه حب الأرض التي تعيش عليها الامة([31])، فضلاً عن ما تدعو اليه العقيدة الأساسية للأمن سواء الوطني أو القومي للعمل على جبهات كثيرة في وقت واحد لضمان امن الدولة ومجتمعها ومواردها وبنيتها التحتية([32]).

ثانياً: ظهور تنظيم داعش الإرهابي كتحدي للأمن الوطني العراقي

ظهر تنظيم داعش نتيجة لأسباب عديدة كان ابرزها تأثير الاحتلال الأمريكي، وتأثير أحداث سوريا، وهشاشة الدولة العراقية الفتية، إضافة إلى الفساد المتفشي في مفاصل الدولة العراقية، ولعل الفساد المالي هو الذي انهك الدولة واوصلها إلى مرحلة الوهن ولولا الفساد لاستطاع العراق ان يبني وينمي منظومته العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية من خلال الميزانيات الانفجارية التي كان يعتمدها في كل عام لكن غياب الوعي الحقيقي وضعف المركزية الإدارية للسلطة وتداخل عمل الأحزاب مع أجهزة الدولة وضعف الرقابة المالية والسياسية ادى إلى استفحال ظاهرة الفساد وظهور مافيات السياسة، وان هذا الشكل من الفساد لم يؤدي إلى عرقلة عملية التنمية فحسب بل ساعد أيضا على تمويل عمليات الإرهاب وتهديد الأمن الوطني، إذ ان الكثير من الأنشطة والعمليات التي قادتها الجماعات المسلحة والإرهابية كانت تعتمد على التمويل المتأتي من مصادر الفساد المالي حسب ما جاء في نص تصريحات السفارة الأمريكية في بغداد وتقرير أجهزتها المخابراتية، وقدر حجم الفساد وتكاليفه على العراق سنوياً بأكثر من 4 مليار دولار اي ما يمثل حوالي 8% من حجم الناتج القومي الإجمالي، وتلك المبالغ الهائلة تذهب إلى تمويل العمليات المسلحة، وهي عبارة عن اتاوات وعمليات ابتزاز، لكن النسبة الأكبر منها هو عوائد تهريب النفط إلى الخارج، إذ يمثل هذا الشكل من الفساد الخطر الحقيقي على امن الدولة الوطني وهو ناتج من ضعف الوعي السياسي، والأعظم من ذلك ان من يتورط به هم بعض المسؤولين العراقيين والذين يوفرون الدعم للجهات إرهابية مسلحة بعوائد سنوية تقدر بنحو مائة مليون دولار سنوياً([33]).

ان المثال الحي لنتائج الفساد الكارثية على العراق هو ما حدث في الموصل ثاني اكبر المدن العراقية، فنتيجة للفساد وقلة الوعي كان جميع مدراء الدوائر الحكومية تقريباً متورطون في دعم الإرهاب مقابل بقائهم في مناصبهم وإبعاد منافسيهم تحت تهديد الإرهابين المنتفعين من أولئك المدراء وكبار شخصيات الأمن وحتى ضباطاً في الجيش من اجل مصالح شخصية وسياسية([34])، وحسب احد التقديرات، فإن دخل تنظيم داعش الإرهابي الشهري من تلك الإتاوات إضافة إلى الدعم المقدم لها من شركات البناء والمقاولات وشركات الهواتف الخلوية والمطاعم وغيرها كان يبلغ حوالي 8 ملايين دولار، من هذا الدعم استطاع تنظيم داعش توفير الأموال والأسلحة لمقاتليه، وبالتالي سقوط الموصل وبعض المدن العراقية في قبضته([35]).

السبب الرئيس الثاني لظهور داعش وسيطرته على المدن كان لغياب الإستراتيجية العسكرية الحقيقية؛ ذلك ان الإستراتيجية العسكرية هي احد أهم اركان بناء الدولة العراقية وحماية المجتمع وصيانة الأمن الوطني، والإستراتيجية العسكرية لا تعني القوات المسلحة وحدها بل إلى جانبها فن الإدارة السياسية والعسكرية لهذه القوات وهي إلى جانب موارد البلاد الرئيسة الاخرى فإنها تعمل على تحقيق الدفاع عن البلاد وحماية مصالحه في السلم والحرب وبذلك فإن استخدام القوة لا يكون الوسيلة الرئيسة للدفاع عن الدولة وحماية مصالحها بل أنه يكون اخر وسيلة من وسائل الدولة السياسية يلجأ اليها عند عجز بقية الوسائل في الدفاع عن البلاد.

لقد ادى غياب الإستراتيجية العسكرية للجيش العراقي وضعف الوعي السياسي للموطنين، إلى سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مدينة الموصل، فبعد ثلاثة أيام من الاشتباكات والعمليات العسكرية، انسحبت جميع القطعات العسكرية فجأة، ليحتل التنظيم الإرهابي المدينة بأكملها في 10 حزيران عام 2014، بقوة قوامها 1300 مقاتل إرهابي، وبالرغم من ان العراق يملك جيشاً مؤلفاً من 350 الف جندي انفقت الدولة العراقية عليه 41,6 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الاخيرة من سقوط الموصل اي منذ عام 2011، لكن هذه القوة انسحبت وتركت معداتها وتجهيزاتها العسكرية على امتداد الطرق المؤدية إلى اقليم كردستان([36]).

لقد بدى الوهن والضعف طاغياً على تلك القوات المنسحبة، لكن اسبابها كانت معروفة، من غياب العقيدة العسكرية، وفساد عقود التسليح والتجهيز، لان النجاح العسكري لأي خطة عسكرية لا يعني انك حققت الهدف الاساسي لخطتك بل لابد ان تعزز وتستدام بالمنجز السياسي ذو البعد الإستراتيجي وان يستطيع صانع القرار ان يحقق الاجماع الإستراتيجي لبناء مشروع الدولة العراقية الجديدة والا تظل الرؤية التقليدية هي الحاكمة لموضوع الأمن مقابل فقدان الاستقرار والخسائر في الارواح والممتلكات، فبعد ان انهارت المؤسسة العسكرية بالكامل عام 2003، وبعد تشكيل الدولة العراقية الوليدة من رحم الاحتلال المشرع، بدأت الإستراتيجية العسكرية العراقية ساعية إلى لملمة جراحها وبناء ذاتها من جديد تارة، والاندفاع نحو اكتساب جهد وعزم إستراتيجي تارة اخرى، مستفيدة من خطة فرض القانون التي جعلت القوات الأمنية والعسكرية العراقية في واجهة التقدم والتحدي من اجل ترميم الأمن داخل البلاد([37])، فتألفت قوات الأمن العراقية بتعداد بلغ نحو مليون جندي وشرطي (350 الف جندي 650 الف شرطي)([38])، هذا العدد الكبير من القوات يدعو للاطمئنان من الوهلة الاولى لكن الشيء المؤسف انها تتحرك بدون إستراتيجية عسكرية مدروسة، اضافة إلى ان عناصر الوهن والضعف فيها تتلخص بالاتي:

تأثير قوات الاحتلال الأمريكي على تشكيل الجيش العراقي واقحامه في المدن بدل مسك الحدود الخارجية مع دول الجوار، وكأنما شكل الجيش لأغراض الأمن الداخلي، وعكست هذه الحقيقة هدف ومصلحة الاحتلال من بقائه حامياً داخلياً، فالخطر يكمن في عدم القدرة على تصور النتائج في غياب قوة نظامية على محاور الحدود إذا وقع عدوان على العراق، وبهذا فإن اطالة مدة انشغال الجيش بالأمن الداخلي كانت على حساب اعداده القتالي الميداني والمعنوي واضاعة الفرصة من تعزيز قيم الضبط والتقاليد العسكرية في منتسبيه([39]).
ينتاب عمل القوات الأمنية والعسكرية غياب المصداقية والشفافية، فمثلاً بعد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مدينة الفلوجة عام 2014، لم تعر أجهزة الأمن والقيادة العسكرية اهمية بحجم الكارثة التي ستقع نتيجة ذلك، وارادت استخدام الة الاعلام للقضاء على تلك الهجمة الإرهابية فتناقلت المواقع مشهداً من الجو يظهر كيف يجري استهداف الإرهابيين والتخلص منهم بواسطة صواريخ جوية، تلك المشاهد صحيح انها كانت ترفع الروح المعنوية إلا انها لم تنجح في التخلص من خطر التنظيم، وسرعان ما ظهر ان الشريط المصور ليس في العراق وانما في افغانستان وكان في الواقع لطائرات حربية امريكية تطلق الصواريخ على مقاتلي طالبان، فمحاولة اختراع انتصارات وهمية للجيش العراقي اظهر فيما بعد ضعفاً حقيقياً فيها([40]).
دمج المليشيات في الجيش وتسابق الاحزاب السياسية ومراكز القوة والتكتلات العشائرية والطائفية والمذهبية في تقديم اسماء مناصريها للالتحاق بهذه التكتلات وبذلك سحقت منذ البداية الغاية من وجود جيش وطني يدافع عن البلاد وهذا بالأساس ما كان يروم إلى تحقيقه الاحتلال، فضلاً عن فتحه الحدود لإتاحة الفرصة لدول الجوار التدخل بشؤون العراق([41]).
ادى غياب الإستراتيجية العسكرية وتجاهل شروط ومميزات القيادة الواعية في اختيار القادة والامرين لقيادة التشكيلات والوحدات، واسناد القيادات على أسس حزبية وطائفية وعشائرية وتكتلات قوى، إلى سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، لمدة قاربت على الثلاث سنوات، وفشلت القوات العراقية في استعادة السيطرة على تلك المناطق، لكون الجيش كان اشبه بجسد بلا رأس، لكن بعد ان تدخلت قوات مساندة لها كالقوات الأمريكية والمستشارين الايرانيين، واشراك مجاميع كبيرة من الحشد الشعبي الملبي لنداء المرجعية، تمكن الجيش من المسك بزمام القيادة والسيطرة.
ادى غياب الإستراتيجية العسكرية والانضباط والعقيدة العسكرية إلى فقدان ثقة الشعب بقوات الجيش، مع العلم ان أهم مصدر لرفد الجيش بالمقاتلين هو الشعب، إلا ان الدور الذي قام به الجيش بالدفاع عن الأمن الداخلي وترك الأمن الخارجي ولد شعوراً بالمرارة لدى المواطنين، خاصة بعد تدهور الحالة الأمنية وزيادة التوترات الطائفية، فقد ازدادت الهجمات الانتحارية والمفخخات والاغتيالات والجرائم ما جعل عام 2014 الاكثر دموية في العراق([42])، سرعان ما عادت الثقة شيئاً فشيئاً بعد الانتصارات التي تحققت مؤخراً على تنظيم داعش الإرهابي.
واخيراً ومن اجل وضع إستراتيجية عسكرية قوية يجب ابعاد العمل الحزبي في المؤسسات الأمنية والجيش خاصة، وان تتم الإستراتيجية بغياب العنصر الاجنبي في المعادلة والاعتماد على قدرات الدولة العراقية، ووفقاً للقدرات والامكانات الفنية الصادرة عبر الدراسات الميدانية التي تقيم الاداء الأمني للقوات العراقية ولابد من العمل مع الجامعات ومراكز الابحاث المتخصصة في هذا المجال لتطوير وتدريب القدرات والقيادات الوسطى ومحاولة اطلاعها عبر ورش العمل على التقنية الحديثة والمعاصرة في مجال التخطيط الإستراتيجي العسكري([43]).

ثالثاً: الأوضاع السياسية قبل أحداث الموصل

تميزت الأوضاع السياسية في الموصل قبل سقوطها بيد تنظيم داعش بالتوتر الشديد نتيجة فقدان الثقة بين المواطن والحكومة من جهة وبين الحكومة المحلية والحكومة المركزية، من جهة أخرى، وبما ان ملامح الثقافة السياسية الموجودة في البيئة العراقية تتمثل بحالة من الركون إلى العنف والشخصية العنيفة والفكر الذي يحمل ملامح العنف في مخرجاته المتشددة، إضافة إلى ضعف أو غياب الوعي السياسي، ما انتج أو دعم تنامي مظاهر العنف السياسي والإرهاب الفكري بجميع أشكاله المتصلة بجملة عوامل مجتمعية توفر لوجوده أو لزواله البيئة الموضوعية المناسبة والتي كان لها دور في خلق حالة من غياب الحريات العامة أو التضييق عليها وإرهابها وتهميش الممارسات الديمقراطية وهيمنة نزعات القمع والإقصاء السياسي ومصادرة النشاط السياسي الفتي غير الخاضع للكيانات الهرمة.ومن تلك الآثار وحسب القواعد العامة هو ما دفع الحراك الاجتماعي إلى التعبير عن نفسه خارج القواعد المألوفة للسياسة (العنف المسلح)، وظهور ثقافة تتسم بعدم الاستقرار والتباين بين شرائح ومكونات المجتمع وهذا ما ادى إلى ظهور من يشدد على العوامل الثقافية والدينية الضيقة من قبيل انتشار افكار الغلو والنزعات العقائدية المتطرفة والتي ادت إلى ضعف الولاء والانتماء للهوية الوطنية([44]).

فعدم الاستقرار السياسي، وكثرة القوى المؤثرة في صنع القرار واختلاف الايديولوجيات السياسية، من أهم مميزات الوضع العام في الموصل قبل 10 حزيران 2014، والتي مهدت الطريق لغياب الوعي والتشتت المجتمعي وظهور افكار الغلو والتطرف الطائفي، ما هدد الأمن الوطني للدولة العراقية.

ومن المؤشرات التي يمكن عن طريقها قياس عوامل التهديد السياسي، وتطبيقها على وضع الموصل قبل أحداث 10 حزيران هي([45]):

-عدم وجود مشاركة شعبية في النظام السياسي، نتيجة التهديدات التي كان يمارسها داعش.
-عدم وجود الشعور بالولاء والانتماء السياسي للدولة، نتيجة حالة الاقصاء والعنف التي كانت تمارسها بعض القوات الأمنية بحق الاهالي.
-وجود جماعات مصالح قوية داخلية أو خارجية تؤثر على النظام السياسي، ووجود أكثر من جهة متناقضة تقدم الدعم.
-ضعف نفوذ السلطة التنفيذية وفقدان الثقة بها، نتيجة التهميش والغاء الاخر.
-اهدار كرامة وهيبة القضاء وعدم نزاهته، إذ تفشت فيه مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية.
-عدم وضوح الاهداف وتعارضها داخل مؤسسات الدولة، نتيجة التحزب والمحاصصة الطائفية داخل تلك المؤسسات.
اضافة إلى ذلك فانه يمكن القول بصورة عامة ان غياب القيادة السياسية الواعية اوقع العراق بأكمله في دائرة الصراعات وعدم التوافق حتى على رموز الأمن الوطني العراقي المتمثل بوزيري الدفاع والداخلية، وبقي المنصبين شاغرين لفترة نتيجة للخلافات السياسية، وكانت تلك الخلافات هي انعكاس لغياب الوعي السياسي لدى القادة السياسيين، وتبعيتهم لدول خارجية. وانعكاساً للصراع السري على السلطة في العراق بين الولايات المتحدة وايران والذي يقوده المفوضون المحليون من القادة السياسيين([46]).

وبما ان المجتمع في نينوى والموصل خاصة هو اشبه بعراق مصغر وان تأثير ما يقع على العراق يقع على الموصل، ومعلوم ان العراق شهد في ضوء التحولات السياسية، قيادات سياسية انطلقت من مكونات قومية ومذهبية متعددة مما ادى إلى تعدد الرؤى والتصورات السياسية فكل قيادة سياسية تمثل مكوناً سياسياً أو اجتماعياً، ذهبت إلى تحقيق مصالحها على حساب المكونات الاخرى، بعيداً عن الهوية الوطنية العراقية، وبما ان المجتمع العراقي يتسم بتعددية مجتمعية مكثفة تقوم على اساس عرق ديني طائفي وعشائري([47])، فإن احد أهم التحديات الجوهرية التي يواجهها العراق يتمثل بغياب أو ضعف الاتفاق بين القوى العراقية الرئيسة التي تتمثل بالشيعة والسنة والكرد، على رؤية موحدة للعمل في العراق بعد عام 2003 بما يعنيه ذلك غياب التوافق في ما بينها بشأن بعض القضايا الرئيسة، كما ظهر عامل اخر اسهم إلى حدما في ضعف وغياب التوافق السياسي وقد ظهر هذا العامل بوصول مجموعة من القيادات السياسية العراقية إلى السلطة وفي ظل غياب مؤسسات عسكرية وبيروقراطية قوية اتسمت بثلاث سمات رئيسة، الاولى الافتقاد إلى الخبرة في التعاطي مع المواقف والازمات السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، اما الثانية فهي سيادة عراقيو المنفى ومزدوجي الجنسية، وتمثلت السمة الثالثة بانعدام الثقة بين أطراف القيادة الجديدة في العراق والامر ازداد سوءً بعد تداعيات العنف المذهبي([48]).

اضف إلى ذلك تصاعد الخلافات بين السلطات التنفيذية والتشريعية، وعدم انسجامها في إدارة المهام المناطة بها؛ بسبب تأثير المحاصصة في كل شيء على حساب التنمية، وتلك الخلافات اوهنت الدولة ومؤسساتها، وبدل ان يكون وعي القيادة هو العنصر المهم والحاسم في ابعاد الخلافات وكسب الشرعية، ادى غياب الوعي إلى تأجيجها والابتعاد عن تحقيق العدالة السياسية والاجتماعية والقضائية([49]).

اذ ابتعدت النخب السياسية عن تطبيق القواعد الموضوعية في التحول الديمقراطي وعملت في اطار التصارع وليس التنافس الانتخابي، فكانت احد اسباب عدم الاستقرار السياسي، وهذا نتيجة للظروف التي ولدت منها المحاصصة السياسية والابتعاد عن معايير الكفاءة والنزاهة والتكنوقراط في بناء النظام السياسي، والاعتماد على احزاب وقيادات تمثل مكونات ولا تمثل هوية عراقية، وغياب القيادة الواعية دفع بتلك الاحزاب ورؤساء الكتل إلى تعزيز حالة الانقسام الاجتماعي عبر خطابات موجهة لمكوناتهم التي يمثلونها، وبذلك انتقلت الصراعات السياسية إلى الجماهير وتحول الصراع من سياسي إلى اجتماعي مثل العنف احد ادواته، ومن ثم شكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني([50]).

اما على مستوى الاداء الحكومي للسلطة التنفيذية فلم تظهر ملامحه الايجابية بصورة واضحة على الساحة العراقية إذ لا يوجد استقرار امني، اضافة إلى انتشار الفساد الاداري والمالي، وارتفاع في مستويات البطالة مما اثار القبول الشعبي العام للنظام السياسي وادائه الضعيف في معالجة المشكلات، وغيابها التام عن هموم المواطن بل حتى وصل الأمر ان مؤسسة الرئاسة بقيت لدورتين غير فاعلة وشبه خالية بسبب مرض رئيس الدولة، اما مجلس الوزراء فمنذ نفاذ الدستور لم يحقق واجباته التنموية والامنية([51])، وبقي الشعب ينتظر الوعود بلا تحقيق، وادى كل ذلك إلى ازاحة قيم المواطنة الضعيفة اصلاً لصالح الهويات الجزيئة وتعميق الهوة بين المشتركات وبين عوامل الفرقة، لتظهر في العراق ثلاث مستويات من الهويات الاولى (الطائفية الدينية)، وهي الطاغية بعد الاحتلال، والهوية الثانية (القبلية والعائلية)، والتي ظهرت نتيجة لضعف قدرة الدولة على تطبيق القانون مما دفع الأفراد للبحث عن الحماية التي فقدوها، اما الهوية الثالثة (الهوية الوطنية) الجامعة لكل فئات الشعب والمجتمع فكانت هي الهوية الاضعف لحد الان([52]).

وعلى مستوى الاحزاب السياسية الفاعلة في العملية السياسية، فقد استندت تلك الاحزاب إلى الطابع النفعي والتعصب للقومية والمذهب لذا اصبح السلوك السياسي فئوياً تعصبياً بدل ان يكون واعياً وطنياً، مما ادى إلى غياب النشاط السياسي ذي البعد الايديولوجي الوطني وتحوله إلى حالة نشاط قبلي وطائفي وهو انعكاس لقيم اجتماعية اساسها الولاء للمكونات الاجتماعية على حساب الدولة وهذا مما يقف حائلاً نحو التحول للنظام السياسي الديمقراطي والذي يحتاج لتعزيز قيم كالمواطنة والتسامح والحوار وقبول الاخر وان غياب هذه القيم ادى إلى تعزيز الكثير من الظواهر الطائفية والمذهبية والقومية التي تضعف الوحدة الوطنية، وتؤدي أزمة الهوية الوطنية إلى اثارة العنف الذي يعد من أهم مهددات الأمن الوطني للدولة([53]).

ولعل ضعف الهوية والوعي السياسي لدى الافراد، بل وتدهورها في احيان كثيرة مرده إلى ان القيادات السياسية لم تلتف حول رؤية موحدة لعراق موحد بل ان كل فريق اتجه لعرض وطرح رؤية سياسية للعراق مما ادى إلى تزايد التجاذبات السياسية التي اخذت تهدد استقرار العراق وامنه الوطني؛ لأنها كانت تتحول احياناً إلى صراعات مسلحة على مستوى الشارع العراقي وان كانت محدودة إلا انها بالنتيجة تعكس عدم الاتفاق على رؤية موحدة للعراق، كما ان العامل الاخر الذي اوجدته حالة الفراغ السياسي والمؤسسي في العراق دفع قطاعات كبيرة من العراقيين إلى التشبث بانتماءاتهم الفرعية بحثاً عن الأمن والحماية مما افسح المجال لبروز دور سياسي واجتماعي لتكوينات جديدة تمثلت بالعشيرة، خاصة وان سلطات الاحتلال استعانت بعدد من شيوخ العشائر لإدارة بعض المناطق والمدن العراقية([54])، وتمثلت هذه الظاهرة بتأسيس المجالس والروابط العشائرية وهذا بدوره يعكس الانقسام والضعف الناجم عن انشطار العديد من العشائر ورغبتها في الوصول إلى صناعة القرار والتأثير فيه وفقاً لمصالحها الضيقة وليس لمصلحة الدولة، وهذه الظواهر استفاد منها الاحتلال من اجل توظيفها سياسياً في اضعاف مراكز القوى المعارضة وانشاء مراكز بديلة مؤيدة لها، وهو بدوره ادى إلى تمدد دور نفوذ العشائر في بعض التنظيمات السياسية كالأحزاب، والتي اصبح فعلها امتداد لهذه التكوينات واضعف من قدرتها على استقطاب المواطنين استناداً إلى الاطر الفكرية وبرامج السياسة الوطنية([55]).

كل تلك الظروف والأحداث كانت ممهدات لحالة الفوضى التي عانى منها المجتمع العراقي ككل ومدينة الموصل على وجه الخصوص إذ كانت فيها الأحداث حاضرة منذ البداية حتى انتهت بسقوط المدينة ودمار تاريخها وانشطارها عن الوطن لثلاث سنوات عجاف.

المبحث الثاني: أزمة الموصل ما بعد احتلال داعش للمدينة

تشكلت بعد احتلال داعش لمدينة الموصل أزمة سياسية، رافقتها أزمة إنسانية كبرى، مثلت اكبر صدمة للمجتمع العراقي من حيث تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن حيث عدد القتلى، وعدد النازحين والمهجرين، وطول الفترة التي قاربت على الثلاث سنوات ولم تنته بعد بصورة كلية، ولعل ابرز العوامل التي كانت وراءها هي:

-الخلافات السياسية المستمرة والازمات التي شكلت صورة العملية السياسية العراقية وعدم تمكن الأطراف السياسية من تحقيق مصالحة وطنية ملموسة.
-عدم الاجماع على المصالح العليا للدولة في قضايا مهمة مثل تسليح الجيش وبناء القوات الأمنية والشرطة على أسس وطنية ومهنية تردع التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية.
-خلافات القوى السياسية والحزبية فيما يخص دخول الجيش للمدن ومحاولة سحبه بدون إستراتيجية مرافقة لملئ الفراغ الأمني، يضاف اليها الفساد الاداري والمالي الذي انهك الجيش في المناطق المختلفة ذات التوترات المتصاعدة، وبدأت تتسع مساحة الفساد المالي والاداري في المؤسسات الأمنية حتى اوجدت حالة عدم الشعور بالمسؤولية من قبل أفراد الجيش وظهرت ظاهرة ما يسمى بالجنود والمراتب الفضائيين، وهم أفراد القوى الأمنية المتسربين من اداء الواجب مقابل دفع نصف رواتبهم للضباط والقادة الأمنيين، اضافة إلى الاسماء الوهمية التي يتقاضى الضباط والقادة الأمنيين رواتب بأسمائهم الوهمية.
-الفساد داخل المؤسسة العسكرية إذ كانت اغلب الاموال التي ترصدها الحكومة في مواجهة الإرهاب وترصدها كموازنات عسكرية وامنية للتسليح والتدريب وشراء المعدات اما ان تنهب أو يتم التعاقد على نوعيات رديئة خارج الخدمة.
-الازمة السورية التي تفاقمت يوماً بعد يوم وتأثيرها على العراق بعد ان فرضت الجماعات الإرهابية سيطرتها على مناطق الحدود المحاذية للعراق([56]).
كل تلك الاسباب اضافة إلى اسباب أخرى شكلت بمجملها واقع الازمة الإنسانية التي رافقت دخول تنظيم داعش محافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل، وما تشكلت بعدها من تداعيات خطيرة لازالت اثارها رغم مرور 3 سنوات على دخول داعش مدينة الموصل، وبدت بوادر انتهائها تلوح في الافق بعد الانتصارات التي حققها الجيش العراقي والقوات الأمنية بتشكيلاتها كافة.

اولاً: الازمة الإنسانية (التهجير والنزوح)

تشكل الحدث الابرز لوقوع أزمة إنسانية، منذ تاريخ 10 حزيران 2014، ودخول تنظيم داعش إلى محافظة نينوى، بازمة النزوح والتهجير، وان لم تكن هذه الازمة هي الاولى بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وظهور التنظيمات الإرهابية المتطرفة، إلا انها كانت الاعنف إذ اشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى ارقام كارثية وهي بطبيعة الحال اقل من العدد الحقيقي، وقد تم الاعلان عن 3206736 (ثلاثة ملايين ومئتان وستة الالاف وسبعمائة وستة وثلاثون) نازح عراقي، أي حوالي 534456 عائلة، وهذه فقط محصورة في المدة من شهر كانون الثاني 2014 إلى 29 ايلول 2015؛ لذلك وصفت هذه الأزمة بأنها الأكبر في تاريخ العراق الحديث إذ لم يشهد العراق مثيلاً لها إلا في عام 1258م بعد احتلال المغول لبغداد([57]).

ولم يتوقف الأمر على أزمة النزوح وانما رافق ذلك أزمة الهجرة والتهجير القسري من مناطق سيطرة داعش نحو مناطق أكثر امناً، وكما هو معلوم فإن اختلاف المهاجر عن النازح في ان المهاجر هو الذي ينتقل من مكان إلى أخر من اجل العيش في بلد مختلف أكثر من سنة، ويتعدى بذلك الحدود الجغرافية لبلده، وكانت تلك المشاهد للنزوح والتهجير والهجرة مستمرة يومياً، إذ بدت في اول الأمر حركة هجرة للتركمان من تلعفر إلى مناطق أكثر أمنا خارج العراق وخصوصاً في تركيا، كذلك تهجير قسري للمسيحيين، واعقبه هجرة للشبك واليزيديين وبقية أطياف العراق تباعاً، وان ما يمثل الازمة الإنسانية ليس موضوع الهجرة والنزوح فحسب، بل مستوى الجريمة الوحشية للإرهاب وحجم الانتهاكات وبشاعة صورها والمأساة الإنسانية التي رافقت الاسر النازحة والأضرار الجسيمة التي لحقت بالمحافظة خاصة وبعموم العراق شعباً ونسيجاً اجتماعياً([58]).

ثانياً: رهانات القوى والاستعداد لتحرير الموصل

تتميز الاستعدادات لمعركة الموصل بطابعين، فمن جانب هناك اتفاق عام بين القوى المناهضة لتنظيم داعش على خوضها لكن من جانب آخر تتناقض رهاناتها تناقضا قد يضر بسير المعركة أو يخدم تنظيم داعش بدلا من الإضرار به. إذ اصبح هناك جدل لأطراف عراقية وأخرى إقليمية ودولية أبدت اهتمامًا استثنائيَّا بمعركة استعادة الموصل، بخلاف غيرها من المعارك ضد تنظيم داعش لتعيد الأحداث نفسها كما في السابق.

فمنذ البداية ارتبط تأثير القوى الإقليمية والكبرى بالعمليات التي تجري داخل إقليم الدولة الجغرافي وذلك من خلال تسهيل عمليات التسلل للعناصر المعادية بهدف القيام بأعمال التخريب والقتل واستخدام السلاح في زيادة التوتر مستغلين في ذلك الأوضاع الداخلية واللعب على المشكلات العرقية والطائفية لإسقاط وإضعاف النظام السياسي، فالأوضاع الداخلية ساعدت على التدخل الخارجي، مثل وجود شرائح مهمشة مما جعلها تلجأ إلى العنف كطريق للتعبير والاحتجاج، اضافة إلى وجود فراغ امني كبير بعد تفكيك مؤسسات الضبط وغياب كامل للوعي السياسي والامني مما دفع الأفراد إلى ان تكون اداة لتهديد الأمن في البلاد.

وظهر تأثير القوى الخارجية على الأمن الوطني بصيغ تقديم الدعم المالي والاعلامي والتدريب وزج المجاميع الإرهابية إلى العراق، واذكاء روح الطائفية والمذهبية والقومية، وهذا كله نتيجة الاحتلال الأمريكي الذي اوجد فراغاً امنياً كبيراً، منذ اتخاذ قوات الاحتلال قرار حل الجيش والأجهزة الأمنية، فأشيعت الفوضى ومهدت الأرضية الخصبة للعناصر غير المنضبطة([59]).

وتنوع تدخل القوى الإقليمية والدولية من حيث الأهداف والشكل والدعم، وكان أخطرها التدخل الاستخباراتي من خلال اختراق أجهزة الدولة العراقية وعلى الأخص الأجهزة الأمنية وتحكمها في عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسة السياسية العسكرية بما يخدم مصالح دولها، إضافة إلى ان لتلك القوى الإقليمية والدولية أجندات متباينة تدفع بالقوى السياسية العراقية إلى استغلال الأوضاع المتردية من اجل إضعاف بخصومها مما جعل مستقبل العراق يواجه تهديداً حقيقياً من قبل الدول الإقليمية والكبرى([60]).

وبعد احتلال داعش لمعظم الأراضي العراقية، قبل استعادتها من قبل الجيش العراقي، وتحديداً في اب عام 2014، استبعد وزير الدفاع التركي عصمت يلماز تدخل بلاده عسكرياً في العراق لمحاربة مسلحي تنظيم داعش الإرهابي، لافتاً إلى ان بلاده غير منخرطة في الغارات الجوية الأمريكية ضد مسلحي داعش في مناطق شمالي العراق (مدينة الموصل)، وتشير الشروط التي أعلنتها انقرة من اجل المشاركة في التحالف الدولي ضد التنظيم الإرهابي تساؤلات حول النية الحقيقية لتركيا المترددة في مواجهة التنظيم المتطرف والانضمام إلى التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة، على الرغم من نيل الحكومة التركية تفويضاً من البرلمان بهذا الخصوص وارتفاع الضغوط الأمريكية عليها من اجل المشاركة في التحالف، إلا ان تركيا كانت مصرة على شروطها وهي:

انشاء منطقة حظر طيران ومنطقة امنة في الشمال السوري.
ودخول قوات برية تركية إلى الأراضي السورية.
وضرب النظام السوري بالتزامن مع ضرب داعش.
عدم تسليح الاكراد في سوريا والعراق([61]).

من ذلك بدا واضحا ان تأثيرات تركية على العراق وتأثيرات ايران على العراق بعد عام 2003 بدت تتغذى على ردود الافعال والتفاعلات المتولدة من اعتبارات كل طرف لمصلحته دون مراعاة لمصالح الأطراف الاخرى، ولم يكن ذلك ناتجاً عن تطورات لاحقة لمدركات الأطراف المعنية بل هي ناتجة عن غلبة البعد الصراعي على تلك العلاقات، بحكم تناقض المصالح وحقائق تنازع الوجود كما تراها النخب الحاكمة لا كما تراها الشعوب.

فايران دولة لها إستراتيجيتها ومصالحها العليا والخاصة والتي تسعى إلى تحقيقها عن طريق التدخل في شؤون الدول الإقليمية ومنها العراق، ازداد تأثير ايران على العراق بعد احتلال داعشلاراضي عراقية إذ اكد نائب وزير الدفاع الايراني وجود تنسيق عسكري بين بلاده والعراق يسمح بموجبه تدخل ايران في حال تعرضت العتبات الدينية المقدسة في العراق للخطر، وقال (ان الولايات المتحدة وحلفائها قد تأكدوا ان تنظيم داعش والجماعات الإرهابية قد فشلت في تحقيق اهدافها لذا فصلوا انفسهم عن التيارات الإرهابية وشكلوا تحالفاً ضدها حتى يتبرؤا فيما بعد من جرائمه الإرهابية)، واضاف (اننا نشعر بالاستياء من اي خرق امني لدول الجوار في المنطقة لان امن ايران مرتبط بامن المنطقة) مبيناً ان القوات المسلحة الايرانية تقوم برصد التحركات الإرهابية في المنطقة([62]).

ان التأثير الايراني في العراق، يمكن فهمه من خلال تاريخ العلاقات بين العراق وايران التي تميزت بالتذبذب والتوتر والعداء المتواصل منذ مدة تاريخية غائرة في القدم ولغاية العصر الحديث، فكان العراق سابقاً ساحه للصراع المتبادل بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وتحت طروحات مذهبية([63]).

وبعد عام 2003، ارتضت ايران ان يكون العراق ساحة نزال مباشرة مع الولايات المتحدة، واستغلالها التغيرات الحاصلة فيه لصالحها، واثبتت جولات المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران والتي رعاها العراق سعيها لتقاسم النفوذ الأمريكي في الإقليم، وان ايران هي حاملة الميزان لاستقرار العراق، وانها صاحبة التأثير الأقوى والأوسع، فقد اشارت معطيات الواقع العراقي وكما اكدت عليه التقارير العسكرية ان السلاح المستخدم في الهجمات المسلحة على القوات الأمريكية والبريطانية يتم تهريبه من قبل المخابرات الايرانية لبعض الجماعات المسلحة، وكما المح البعض بان لديه ادله على تورط ايران في عرقلة العملية السياسية الجارية في العراق واذكاء العنف الطائفي عبر الدعم الذي تقدمه إلى المليشيات من كل الأطراف المتصارعة([64]). ومن ضمن أشكال التأثير الايراني في العراق هو قيامها بتسهيل دخول العناصر المتطرفة إلى العراق للقيام بالعمليات الإرهابية شانها ذلك شأن جميع دول الجوار وبدون استثناء([65]). ولا يخفى أيضا، الاطماع الايرانية في محاولة السيطرة على بعض حقول النفط العراقية في الشرق والجنوب وكذلك السيطرة على بعض المناطق الحدودية الحيوية بين البلدين استغلالاً للوضع العراقي من المؤثرات البالغة الخطورة على العراق وامنه الوطني([66]).

اما ما يخص الدول الخليجية ومن ضمنها كل من السعودية وقطر فيظهر التأثير، على العراق من خلال الدعم المباشر والغير مباشر لبعض القوى العراقية السنية، كما ظهر التأثير واضحاً وكبيراً بعد الأحداث التي شهدتها سوريا عام 2011 والاعوام التي تلتها، إذ قدمت كل من قطر والسعودية دعماً غير مباشر لداعش من خلال تسليح المعارضة السورية والفصائل المسلحة المقاتلة ضد النظام، بعدها يقوم تنظيم داعشبشن هجمات على تلك الفصائل والاستيلاء على اسلحتها المتطورة، وهذ ما اكده احد ضباط المخابرات بالقول ان اعضاء داعش يقولون انهم (يسرون دائماً عندما ترسل اسلحة متطورة إلى اي من الجماعات المعارضة للاسد؛ لان ذلك يمكنهم دائماً من الاستيلاء على اسلحتهم بالتهديد أو بالشراء)، وبالتالي يمكنهم استخدامها في العراق([67]). اضافة إلى ذلك فقد اثبتت تقارير عدة ان السعودية المصدر الرئيس لتمويل الإرهاب، من ذلك ما صرح به (ستيوارت ليفي) وكيل وزارة المالية الأمريكية والمسؤول عن مراقبة واعاقة تمويل الإرهاب، قائلاً أنه ((لو كان بإمكاني قطع التمويل من بلد واحد لكانت المملكة العربية السعودية هذا البلد))([68]).

ويبدو ان الدور السعودي وتأثيره في العراق ناتج من القلق السعودي من التوسع الايراني والخوف والكره تجاهها، إضافة إلى إضعاف نفوذ الأغلبية الشيعية في العراق، وهذا سبب لتعاطف عدد كبير من السعوديين مع عمليات الإرهابيين ضد الحكومة في العراق([69]).

وملخص ما سبق لمْ يعُدِ الحديث عن استعادة الموصل والصعوبات العسكرية للمعركة الجارية هو الحديث الأهم بين الأطراف المحلية والدولية؛ ففي سياق تراجع تنظيم داعش وخساراته المتتالية لمناطق سيطرته باتت رهانات خسارته مدينة الموصل قابلةً للتحقق؛ لكنَّ الجدل كان يدور حول نقطتين خلافيتين تتعلقان بتسمية الأطراف التي تشارك في معركة الموصل من جهة؛ ومن جهةٍ أخرى، إدارة المدينة بعد استعادتها، والأطراف التي ستُمثِّل مراكز السلطة والقرار فيها، وبقيت معركة الموصل المعركة الأكثر إثارةً للخلافات من مجمل معارك استعادة المدن من تنظيم داعش لتميُّزها بتعدد الأطراف الراغبة في المشاركة فيها، وتنوُّع سياساتهم، واختلاف أهدافهم من المشاركة، وتناقضها في أحيان كثيرة؛ كما بقيت مشاركة الحشد الشعبي المسألة الأكثر تعقيدًا وإثارةً للجدل من وجهة نظر مختلف الأطراف السُّنِّيَّة والكردية، وأيضًا التحالف الدولي.

ثالثاً: الاستعدادات العسكرية والتحالف الدولي الإقليمي المحلي في مواجهة داعش.

في خضم الأوضاع والتحضيرات العسكرية لمواجهة تنظيم داعش، فإن القوى المشاركة في معركة الموصل كانت كما يلي([70]):اولاً: الأطراف الداخلية وتشمل:

‌أ. الجيش العراقي والحشد الشعبي:تَشَكَّلَ الحشد الشعبي بعد دعوة الجهاد الكفائي، التي أَعلن عنها المرجع الديني علي السيستاني، في 13 حزيران 2014، والحشد الشعبي جزء من المؤسسة الأمنية العراقية بموجب أوامر صادرة عن رئيس الوزراء([71])،وقَدَّر المتحدث باسم الجيش الأميركي في العراق، الكولونيل كريس غارفر، أنَّ القوات الحشد الشعبي، تنامت إلى نحو 100 ألف مقاتل بعد ظهور تنظيم داعش، ويسعى الحشد الشعبي من خلالإصراره على المشاركة في معركة الموصل، إضافةً إلى مكتسباتٍ سياسية وأخرى مالية يحققها من خلال الإنفاق الحكومي على فصائله، إلىمشاركة أكبر في إدارة المحافظة من خلال مجلسها المرتقب إعادة تشكيله بعد استعادة المدينة بشكل كامل.اضافة إلى منع الأكراد من ضمِّ المزيد من الأراضي المُتنازع عليها إلى إقليم كردستان، وضمان بقائها تحت السيطرة المركزية التي تملك القرار ببغداد. ومنع الأكراد من ضمِّ محافظة كركوك إلى إقليم كردستان، الذي قد يفكر في الانفصال عن العراق مستقبلًا، واخيراً تبديد المخاوف من سيطرة البيشمركة على الموصل، ورفض الانسحاب منها،كما سبقَ للبشمركة الكردية أنْ رفضت الانسحاب من قضاء سنجار بعد استعادته.

اما الجيش العراقي فكان قبل 10 حزيران لا ينظر له عامة المجتمع على أنه جيش لجميع المكونات؛ بل هو جيش طائفة، ذلك لانه سبق أنِ انتهك المدن وأزهق أرواح سكانها، وخرَّب بناها التحتية بالقصف العشوائي البري والجوي، بعبارة اخرى، أنه مع واقع الانقسامات المجتمعية عرقيًّا وطائفيًّا وتراجع حالة الثقة بين المكونات، فإن الجيش العراقي الذي تشكَّل بعد احتلال العراق كانت تغلب على سلوكه التوجهات الطائفية سرعان ما تبددت تلك المخاوف بعد بدء عمليات تحرير الموصل، وبدا السكان يشعرون بالامان أكثر مع اقتراب الوحدات المقاتلة من مناطقهم وغالباً ما يبدون تعاوناً كبيراً مع قوات الجيش أو يقومون بالهرب من مناطق سيطرة داعش نحو قوات الجيش القريبة منهم.

ب. قوات البيشمركة الكردية:ينظر المجتمع إلى قوات البشمركة الكردية على أنَّها قوة خاصة بحماية إقليم كردستان ومواطني الإقليم، وهي أيضا ارتكبت انتهاكات في القرى والمناطق العربية التي استعادتها من تنظيم داعش في محافظة نينوى، وما زالت ترفض الانسحاب منها، ويعطي موقع مدينة الموصل أهمية استثنائية لدى قوات البشمركة الكردية لقربها الجغرافي من الإقليم، وهذا القرب يفرض عليها اشتراكها في القتال لاستعادة المدينة في مراحل المعركة المختلفة،اضافة إلى سعيها تحقيق بعض الأهداف، منها:

-ضمان الأمن من تنظيم متشدد مستقبلًا يتحكم في طرق المواصلات غربًا إلى سوريا حيث مناطق غرب كردستان شمال شرقي سوريا، وشمالًا إلى تركيا حيث علاقات التبادل التجاري.
-عدم السماح بتناميوجود تنظيم داعش في الإقليم مستقبلًا.
-تُشكِّل قوات الإقليم القوة البرية أهمية أكثر للتحالف الدولي في قتال تنظيمداعش، ما يجعل للإقليم مصلحة مباشرة في تلقي الدعم المالي والتدريب والتسليح.
-انتشار قوات البشمركة في أطراف الموصل سيساعد إلى حدٍّ بعيد على الاستحواذ على المناطق المُتنازع عليها وضمِّها إلى أراضي الإقليم.
‌ج. الحشد الوطني والحشد العشائري: يحاولُ الحشد الوطني أنْ يؤدي دورًا بارزًا في معركة الموصل ومرحلة ما بعد استعادتها، وذلك من خلال تجنيده لأكثر من أربعة آلاف مقاتل من الشرطة المحلية وأبناء عشائر المحافظة وضباط من الجيش العراقي السابق، ويقود الحشد الوطني محافظ نينوى السابق، الذي أُقِيلَ من قِبل مجلس النواب في 29 من مايو/أيار 2016.

ويتلقى أفراد الحشد الوطني تدريباتٍ قتالية على يد مدربين عراقيين من ضباط الجيش السابق، وضباط أتراك يتواجدون مع قوة عسكرية تركية من ثلاثة أفواج قتالية في معسكر قرب ناحية بعشيقة، 30 كيلومترًا شمال الموصل.

أمَّا الحشد العشائري المحلي الذي يضمُّ أعدادًا غير معروفة، تقدر بعدة آلاف، فيتكون من مقاتلي عدد من العشائر العربية السُّنِّيَّة من مناطق الموصل وجنوبها، القيارة والشرقاط وغيرهما، سبق أنْ تلقوا تدريبات على يد مدرِّبين من قوات التحالف الدولي، ويرتبطون بعلاقات جيدة مع الحشد الوطني، ويتقاضى مقاتلوه رواتبهم من هيئة الحشد الشعبي، ويخضع عسكريًّا لقيادة عمليات تحرير نينوى التابعة للجيش العراقي.والحشد الوطني والحشد العشائري قوتان محليتان معنيتان باستعادة مدينة الموصل أكثر من غيرهما، ويسعيان إلى:

-استعادة المدينة وحمايتها ومنع سقوطها ثانية.
-المشاركة في إدارة المحافظة مستقبلًا بملفيها السياسي والأمني.
-عودة النازحين إلى المدينة.

ثانيا: الأطراف الخارجية وتشمل:أ‌. الولايات المتحدة والتحالف الدولي: تتعاون الولايات المتحدة والتحالف الدولي مع القوات العراقية والحشد الشعبي في تسهيل مهامه القتالية، وذلك من خلال التمهيد له بضربات جوية على مواقع ومراكز تجمع مقاتلي تنظيم داعش، وضرب خطوطه الدفاعية عن المدن، وتدمير الأنفاق ومخازن أسلحته، وترفض قيادات الحشد الشعبي الاعتراف بإسهامات التحالف الدولي،الذي هو الآخر يرفض أنْ يقدم دعمًا مباشرًا لقوات الحشد الشعبي، لكنَّ الولايات المتحدة والتحالف الدولي يفضِّلون التعاون مع قوات البشمركة أكثر من الحشد الشعبي.

ب‌. إيران وتركيا:الدعم الإيراني لفصائل الحشد الشعبي عزَّز نفوذها في العراق عمومًا، وفي مناطق القتال مع تنظيم داعشخاصة، وتدفع إيران بقوة لمشاركة الحشد الشعبي في معركة الموصل لتحقق من خلاله:

موطئ قدم وقوة للحشد الشعبي في مناطق تطمح إيران أنْ يكون لها نفوذ مستقبلي فيها.
خلق حالة من توازن النفوذ مع تركيا في المناطق العربية خارج حدود الإقليم وصولًا إلى الحدود التركية شمالًا والحدود السورية غربًا.
ربط شمال إيران بشمال سوريا؛ وذلك من خلال طرق تصل بين الحدود الإيرانية والحدود العراقية السورية عبر أراضي محافظة نينوى من خلال محافظة ديالى التي تخضع لنفوذ الحشد الشعبي وسيطرته، أو من خلال مناطق سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في محافظتي السليمانية وكركوك، الذي يرتبط بعلاقات عميقة مع إيران.
أما تركيا فهي تنظر إلى الموصل على أنها جزءٌ من مجالها الأمني الحيوي؛ وذلك لاعتبارات تتعلق بسعيها إلى استثمار العمق الذي يمثله لها العرب السُّنَّة في محافظة نينوى، وَصِلَتها بتاريخ المدينة التي كانت مثار خلاف على عائديتها عند التوقيع على اتفاقية لوزان 1923 التي أنهت الدولة العثمانية، وبقاء مصير المدينة معلقًا إلى أنْ أوصت عصبة الأمم المتحدة ببقاء المدينة تابعة للعراق بموافقةٍ تركيةٍ وَثَّقَتْها اتفاقية ترسيم الحدود مع العراق في عام 1926، ومن بين أهم الأهداف التركية في تأدية دور مباشر أو غير مباشر في استعادة مدينة الموصل:

-التوازن مع النفوذ الإيراني المتوقع مستقبلًا بعد استعادة مدينة الموصل بمشاركة الحشد الشعبي، واحتمالات توظيف إيران لهذا النفوذ في تعزيز موقعها لدى الأكراد.-تمتين العلاقات مع حكومة إقليم كردستان لمنع حزب العمال الكردستاني من السيطرة على مناطق جديدة قرب الحدود التركية مع العراق بعد رفضه الامتثال لقرار مجلس محافظة نينوىفي 6 من يونيو/حزيران 2016، القاضي بالانسحاب من قضاء سنجار ومغادرة مسلحيه من داخل الحدود الإدارية للمحافظة.
-دعم مطالب السياسيين العرب السُّنَّة في محافظة نينوى بإقامة إقليم سُنِّي من عدة محافظات، أو إقليمٍ خاص بمحافظة نينوى تتمتع فيه تركيا بدور رئيس في ملف إعادة إعمار نينوى، ونفوذ سياسي للضغط باتجاه عدم تحول المحافظة إلى منطلق لنشاطات حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.

وفي ظل تحضيرات القوى المشاركة في معركة الموصل بذلت الولايات المتحدة جهودًا لصياغة اتفاق سياسي بين الفرقاء؛ وذلك لتحديد مراحل العملية العسكرية والقوى المشاركة فيها، أو التي سيُسمح لها بالدخول إلى مركز المدينة أو لا يُسمح لها إضافةً إلى ما يتعلق بإدارة المدينة مستقبلًا، والأطراف التي ستتولى الملفين السياسي والأمني.

المبحث الثالث: الأمن الوطني وما ينبغي عمله بعد تحرير الموصل

بعد عرض للاوضاع السابقة واللاحقة لازمة الموصل منذ 10 حزيران ولحد الان أي بعد ثلاث سنوات فإن نتائج ما توصل اليه البحث يوضح ان هناك خللاً في سياسات الأمن الوطني وان من الضروري لمعالجة هذا الخلل القيام بما يلي:

اولاً: تسوية الخلافات السياسية واشاعة مبدأ العدالة

ان تسوية الخلافات السياسية واشاعة مبدأ العدالة هو أهم عمل ينبغي القيام به للوقوف على امن وطني حقيقي في العراق؛ ذلك لان الاستقرار السياسي المتحقق من تسوية سياسية وحزبية، إضافة إلى تحقيق عدالة شاملة (اجتماعية واقتصادية وسياسية)، عاملان في غاية الأهمية لتحقيق الأمن الوطني.

وغالباً ما تتوفر الحقوق الاجتماعية والدستورية والشرعية للفرد عبر نظام سياسي مستقر ودستوري يراعي شؤون المواطنين ويعمل على توافر الطمأنينة بتفعيل التنمية على جميع الأصعدة وتطوير الأجهزة المختصة بتوفير العدالة الاجتماعية وتحقيق الرفاه الاجتماعي سبيلاً إلى الأمن.

ويتطلب الاستقرار السياسي دعائم أساسية تحقق للمواطنين حقهم في الممارسة السياسية في ظل أنظمة ومؤسسات تعمل على تأمين المجتمع وأبرزها وجود جهاز امني قوي وفعال ومستعد للتدخل دوماً لصيانة الأمن بوجه عام وتأمين الوطن وحفظ كيانه، على وجه الخصوص حمايته من المجرمين والإرهابيين، إضافة إلى ذلك ينبغي أن يكون هناك جهاز قضائي عادل وحاسم، يضمن حقوق الجميع ويفصل في الأحكام بسرعة وحسم لقطع المفاسد وردع المعتدين([72]).

وصيانة الأمن وتحقيق مبدأ العدالة لا ينبغي ان تتردد فقط في تصريحات صانعي القرار ولكن ينبغي ان تكون هناك إمكانية لتحققها من خلال:

تأكيد الاستقرار الاقتصادي وامتلاك الإرادة الحرة في مواجهة المخاطر وإزالة مسببات الإحباط والذل والمهانة التي يتعرض لها المجتمع والدولة.
تحقيق الرفاه الاجتماعي مسبوقاً بالكرامة الإنسانية واطلاق الطاقات البشرية الكامنة وازالة عامل الخوف والتردد عن كاهل الشعب.
المساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للافراد والدولة على حد سواء، وهذا ما يتفق مع مفهوم الأمن في المصطلح الغربي، إذ يعرف باعتباره مجموعة الإجراءات والسياسات التي تتخذها الدولة لحماية شعبها وكيانها من خلال التنمية الشاملة والمشاركة الشعبية الواسعة وسياسات خارجية تحقق مصالح الدولة([73]).
ثانياً: تنمية الوعي والمواطنة وتعزيز التعايش السلمي

إن ثقافة الفرد لا تكتمل إلا باكتمال وعيه السياسي والأمني، ولاشك ان التربية والتعليم هما أساس الثقافة والوعي بصفة عامة، لذا فإن تطوير التربية والتعليم يسهمان ايجابياً في تنمية الوعي بأنواعه، وغالباً ما يرتفع الوعي السياسي الأمني للشخص كلما ارتفع مستوى تعليمه، وذلك يلاحظ غالباً وليس دائماً، إذ قد يلاحظ وجود أشخاص على درجة عالية من العلم المتخصص ولكن مستوى وعيهم يكون متدنياً ليماثل الوعي السياسي لكثير من محدودي التعليم والثقافة.

لذا فإن أهم مسؤوليات التربية والثقافة السياسية هي زيادة الوعي السياسي للأفراد تجاه الأمن الوطني، من خلال تعميق مفاهيم الهوية والانتماء، والتوعية بالتهديدات الأمنية، والرد على ادعاءات التهديدات الأمنية، وتدريب المواطنين على المحافظة على الإسرار الوطنية للدولة، إضافة إلى تدريب المواطنين على حماية الموارد الطبيعية، والمشاركة في رفع مستوى الإنتاج، ومسؤولية الأمن، وزيادة الوعي السياسي بالأمن لا تقع على عاتق من يقوم بالأمن فقط أو على عاتق المواطن وحده، بل هي مسؤولية ملقاة على عاتق المواطن ورجل الأمن فالمواطن ينبغي عليه إلا يعكر صفو الأمن وعلى رجل الأمن أن يحافظ على استقرار الأمن([74]).

كما ان أسباب ضعف أو غياب الوعي الأمني الثقافي وخاصة الثقافة السياسية لدى المجتمع العراقي هو عدم ممارسته للعملية السياسية وعدم توفير المؤسسات اللازمة لإدارة العملية السياسية ونجاحها، وهذا من أهم معوقات بناء الوعي الأمني الثقافي([75]).

وواحدة من اخطر المشاكل التي أثرت في المواطنة العراقية الجامعة هي التي أوجدها الفاعل الأمريكي في معادلة سياسية جديدة استفادت من طبيعة التنوع القائم والطبيعي في النسيج الاجتماعي العراقي وكرست التعددية الفئوية بدل التعددية السياسية أو ما صار يعرف في العراق بالمحاصصة السياسية، وفي أول تجسيد لهذه الحالة تمثلت في مجلس الحكم بمنتصف عام 2003، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن اي فريق سياسي عراقي من تجاوز هذا التصنيف الفئوي في التمثيل السياسي إلا في الدعاية الانتخابية فقط أو في الخطابات الإعلامية المنفصلة عن واقع الممارسة السياسية الحقيقية([76]). لذا فإن تشخيص الخلل نصف الحل، فإن إنماء فضاء الوطنية وإذكاء روح المواطنة والوئام الوطني ممكن التحقق إذا كان هناك توجيه عام من لدن مؤسسات الدولة، فضلا عن مؤسسات المجتمع المدني المتعددة، علاوة على مؤسسات الإعلام المتنوعة، وكذلك المناهج التعليمية والتربوية، ذلك لأنَّ الفضاء الأوسع الذي يسع كل الفرقاء والشركاء مهما اختلفوا في الدين أو التوجيه أو المذهب أو العرق أو اللغة، لان حاضنهم وجامعهم هو (الوطن)، إذا فإن الخلاص يمكن في اعلاء شأن الانتماء الوطني والهوية الوطنية وارساء مبدأ المواطنة بين المجتمع([77]).

والحل الامثل لهذه الاشكالية في اذكاء روح المواطنة لدى المجتمع العراقي وبناء وعي سياسي لدى الأفراد يسمح بقبول الاخر على اساس من التعايش والتسامح ال%D