أنمُوذجُنا العَدْليّ ،،، الاستقلالُ والمَرْجعيَّة

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد ..

فتمثلُ الهُويَّة الإسلاميَّة للمملكة العَرَبيَّة السُّعُودية مرجعيتها في كافة شؤونها، وقد رسخ هذا المبدأ المواد: ( 1ـ 7ـ 8ـ 23ـ 26ـ 46 ـ 48 ـ 55ـ 67) من النظام الأساسيّ للحُكم، ولم ترتض المملكة أن يكون دستورها في مفهوم القانون الدُّستوري غيرَ كتاب الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليكونَ النظام الأساسيّ للحكم بسموه الشكلي والموضوعي خاضعاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وإن كان في طليعة التدرج التنظيمي في القواعد الدستورية، وحسبما استقرت عليه المبادئ القضائية في المملكة، حينما تباشرُ النظرَ في رقابة الامتناع الدُّستورية التي نفت أيَّ فراغ في قضاء المَمْلكة. (1)

لقدْ رسختْ أنظمة المملكة مفهومَ استقلال القضاء؛ فنصَّت المَادَّة السادسة والأربعون من النظام الأساسي للحكم على أن ” القضاء سُلطة مستقلة، ولا سلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية ” ، ونصت المادة الأولى من نظام القضاء على أنَّ : ” القضاة مُستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية، والأنظمة المرعية، وليس لأحدٍ التدخلُ في القضاء “.

من هذا المبدأ المهم في نظام العدالة انطلقت منظومة القضاء السعودي، منذ تأسس كيان الدولة، ولم تكن هذه الضمانة وليدة نظام حديث، بل ميلاد كيان، ولم يضف نظام القضاء الجديد ـ في هذا الخصوص ـ إلا التأكيدَ على هذه المبادئ المستقرة في صَرْحِنا القضائي الحافل بالعطاء والمنجزات.

إنَّ حالة الاستقرار التي ينعمُ بها القضاءُ السُّعودي، وفي طليعتها استقلاله جعلت من رجاله نماذجَ حَيَّة في تمثيل كرامة القضاء، ونزاهته، وحياده، ومن ملامحها المضافة توزيع صلاحيات الجوانب الإشرافية، والإسنادية، والخدمية؛ فهو في عمله الفني يخضع لرقابة المحكمة الأعلى، وفي شأنه الوظيفي، والإشرافي ـ المحدد في النظام ـ يرتبط بالمجلس الأعلى للقضاء، وفي شأنه الإداري والمالي والتنفيذي وتقويم حسن سير العدالة، ومراقبة تطبيق أنظمتها، والنهوض بمناشطها يرتبطُ بالوزارة، في عقد منتظم لصرح عدليٌّ متكامل، ممثلاً أمامَ الحُكُومَة بمظلة واحدة.

ومن إيجابية هذا التنوع أخذه الطَّابعَ المؤسَّسيّ في الشق القضَائي والوظيفيّ؛ فالمحكمة الأعلى تؤلف من دوائرَ قضَائية، والمجلسُ الأعلى للقضاء من رئيسٍ وأعضاءَ ـ بطيف متعدد ـ ذي صلة في اختصاصه، يجمع بين مسؤولين من السلطة القضائية، والسلطة التنفيذية؛ مرسخاً مفهوم التعاون بين السلطات لعمل إداري مؤسسي، فرئيسُ المَحْكمة العُليا عُضْواً، ووكيل وزارة العدل عضواً، ورئيس هيئة التحقيق والادعاء العام عضواً، مع بقية الأعضاء المتفرغين وغيرهم، ولكلٍّ صوت، ويزيده ضمانة أن غالب قرارات المجلس في مشمول القرارات ” المركبة “، فهي من المجلس نظر، ومن وليّ الأمر أمر، وتحصن بقية قرارات المجلس من الطعن عليها؛ باعتبارها قرارات مؤسسية لها ضماناتها المتمثلة في سعة وتنوع تشكيل المجلس، وليست كالقرارات الإدارية الخارجة عن هذا النطاق التكاملي، التي لا بد من خضوعها لرقابة القضاء على مبدأ المشروعية ، على أن هناك قراراتٍ مؤسسية خاضعة للرقابة القضائية، لخلوها من الضمانات المنوه عنها، وهذا كله لا يحول دون أن يعمد المنظم إلى إضفاء المزيد من الضمانات.

وفي المقابل تستقل المحكمة العليا بهرم السلطة القضائية، حَيث لا تعقيبَ على ما يصدرُ منها؛ تأسيساً على مبدأ استقلال القضاء، ولو قيل بغير ذلك لعَاد بالنقض على هذه الضمانة المهمة؛ فأعمالُ هَرَم السُّلطة القضائيَّة لا تقبلُ التركيب ولا التعقيب.

هـــذا : وقد رصد العديد من الباحثين على بعض القوانين، ولاسيما ذات الصلة ملاحظات دستورية تتعلق بعيب: ” الانحراف التشريعي”، الذي يختزل المصلحة في رموز ميكنتها ـ على حساب مصلحة النظام.

وتقابل هذه الصورة صورة ناصعة للبيئة التنظيمية في المملكة، حيث التهيئة والتكوين بمعايير المصلحة العامة على هَدْى كريم، ونهج قويم من دستورها الخالد: كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، تسيرُ في منظومةٍ واحدةٍ، بتنوع علميّ، وتعدد مؤسسي ينطوي جميعاً تحت مظلة السلطة التنظيمية المعنية بالأنظمة ولوائحها التنفيذية، الأمر الذي أضفى عليها المزيدَ من الضّمانات.

وتأسيس هذه المبادئ لا يعني سلامة عمل البشر من الخطأ، لكن ثمة فرق بين من يكون خطؤه فواتاً، أو عمداً، وفرق آخر بين أن تكون مراجعته ليقظة بعد فوات، أو لانحساره عن مقاصد وعثرات.

وهذه الاستطرادة تؤكد أن الملامح البارزة في نظامنا القضائي، ومنها: استقلال القضاة في قضائهم، بتنوع مرجعية الجوانب الإشرافية والإسنادية والخدمية، وفق تصنيف محكم، تحت مظلة عدلية واحدة، تترجم نبل الغاية، مع تحري المصلحة بدليلها الاستقرائي المستقل، عند إعداد مشروع النظام الذي أكمل مسيرة سابقه بتحديث وتطوير تطلبه الحِرَاك العَصْري في مجتمعنا المتطور، والتفاعل الإيجابي للمملكة مع هذا الحراك.

وعندما نقول: أكمل مسيرة سابقة؛ تأكيداً على أن أهم الضمانات في نظامنا القضائي لم تكن وليدة تحديث وتطوير في نظام جديد، كما يتصوره ـ خطأ ـ بعض من تلقى النظام الجديد على عجل؛ فقد كانت مشمولة بالنظام السابق الصادر عام 1395هـ، وبعض التنظيمات قبله، المشمولة جميعاً بسياسة الدولة في قضائها منذ تأسس كيانها على يد جلالة الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ؛ فالاستقلال والضمانات في مضامين أحكام النظام السابق، في حين تركز النظام الحالي على مواد إجرائية من أهمها: تحديث أسلوب درجات التقاضي؛ فمثلاً لم يكن هناك فراغ حقيقي في هذه الدرجات، أو الجانب الإشرافي في قمة هرم السلطة القضائية؛ فمحكمة التمييز في النظام السابق تباشر ـ في مرحلة من مراحل القضية ـ وظيفة محاكم الاستئناف، والهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقاً تباشر وظيفة هَرَم السُّلطة القضائية ـ المحكمة العليا ـ؛ ولذا انتقلت إليها كافة أعمال الهيئة الدائمة، وقد صوَّر هذا الانتقال ـ لدى عموم المتلقين ـ انتقال مهام رؤية الأهلة إليها.

كُل هذا يؤكدُ أنَّ الخطوط العريضة لنظامنا القضائي تأسست بالتزامن مع تأسيس بنيان الدولة، وسيظل قضاؤنا ـ بعون الله ـ يمارس صلاحياته الولائية في جَوٍّ من الاستقلال والانسجام وعدم التأثير عليه، وسيواصل ـ بتوفيق الله ـ عطاءه المتميز، في ظل الدعم الكبير من لدن القيادة الرشيدة، وحرصها المستمر على ضَمَانات العَدَالة، التي تؤكد عليها في كل منبر ومحفل، وجميعنا يستشرفُ مُستقبلاً واعداً يُضفي المزيدَ من النجاحات، ولاسيما بعد مباشرة المحكمة العليا مهماتها الجديدة، وهي محكمة تقرير المبادئ وإرساؤها، بتشكيلها الموفق الذي ضم نحباً قضائية قادرة ـ بمشيئة الله ـ على إعطاء النموذج المعهود لقضائنا الشرعي، في حضور وتميز، يحكي رسوخ بنيانه، ومعدن رجاله، ولنا ـ بعَون الله ـ موعدٌ قريبٌ مع هذه النخَبِ تتعاهد به صرحنا العدلي، بما تملكه من مادة وخبرة، وحرص على الاضطلاع بالمسؤولية، إبراء للذمة، ديناً تدين الله به، ونصحاً تمحضه لولي أمرها وللبلاد والعباد، في أهَمِّ عَمَل قام من أجله النظامُ القضائيُّ بأسْره، وَعَلى اللهِ التكلان.

وزير العدل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ أوضحنا ـ تفصيلاً ـ عدم وجود هذا الفراغ في لقاء مفتوح مع أساتذة وطلبة قسم الأنظمة بجامعة الملك سعود، نشر بنصه في جريدة: ” الحياة ” بتاريخ 15 من المحرم لعام 1430هـ، العدد (16719)، وجاء فيه:

” توجد في المملكة العربية السعودية رقابة دُستوريَّة سياسية سابقة ولاحقة، ورقابة قضائية، والأخيرة تمارس رقابة الامتناع وليس الإلغاء؛ إذ إن رقابة الامتناع في المملكة تختلف عن غيرها لدى الدول التي توجد فيها محاكم دستورية… فالقاضي السعودي يفصل في القضية بعد مباشرته لصلاحية رقابة الامتناع، التي يجد ما يؤيّدها في المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم الذي يمثل وثيقة دُستوريَّة، لها طابع السُّمو الشكلي والموضوعيّ في التدرج التنظيمي المعمول به في المملكة …. ويكتفي بالفصل في القضية الماثلة دون أن يتدخل في ولاية الإلغاء.

وعن ضرورة إيجاد محكمة دستورية، ذكرنا أنها ليست ملحة؛ لكون اختصاصها لا يعدو من حيث الأصل رقابة الإلغاء على دستورية الأنظمة، والفصل في تنازع الاختصاص القضائي أو النزاع في تنفيذ حكمين قضائيين نهائيين متعارضين، وتفسير الأنظمة، وجميع هذه الاختصاصات مكتملة في المملكة، فرقابة الإلغاء تغطيها الرقابة السياسية السابقة واللاحقة، كما تغطيها رقابة الامتناع في نموذجها القضائي الخاص المشار إليه… أما الفصل في تنازع الاختصاص وتعارض الأحكام فمشمول بنظام القضاء في فصل ولاية المحاكم، وتفسير الأنظمة موكول للجهة المنظمة، ولمجلس الشورى إبداء الرَّأي فيه، والتفسير القضائي له حجيته، وتمَّ الإيضاح بأنَّ المملكة ليست بدْعاً في ذلك؛ فهناك عددٌ من الدُّول العربيَّة والأجنبيَّة العَريقة في الأخذ بالمبادئ الدُّستورية ليس لديها محاكمُ دستورية، ولا يعني هذا وجودَ فراغ في القضاء الدُّستوري لديها؛ باعتباره مُكمَّلاً باختصاصات أخرى على نحو ما أشير إليه” ـ انتهى مع بعض الإضافة ـ .