غسل العقار !!
د . عبد المحسن بن محمد المحرج
محامي ومستشار قانوني
mohsen_mh@
تعتني الدول المتقدمة عناية كبيرة بالقطاع العقاري ، فهو يشكل ثقلاً في ميزان الدخل القومي لكثير من الدول ، بل يحتل المرتبة الأولى في اقتصادات بعضها ، ولهذه المنزلة المهمة أسباب :
1- حجم السيولة التي تُضخ فيه .
2- كثرة المتعاملين مع منتجاته .
3- تنوع الأعمال في القطاع (شراء – بيع – تأجير-وساطة) .
4- استقراره .
5- ارتباطه بكثير من القطاعات .
6- رغبة الناس في تملك الأصول .
وغيرها .
ولما كان القطاع بهذا الوصف ؛ صار محط أنظار الجميع ، التجار الذي يتحرون السلامة في رزقهم ، والعابثون الذين أغرتهم الأموال المشبوهة ، ممن حولوه لساحة فسيحة لعمليات غسل الأموال ، ولقد تنبهت كثير من الدول لهذا وآمنت بخطورة الأمر ، فصدرت التقارير الدولية من المنظمات المختصة بالتنبيه –وأحياناً- بالإنذار الموجه لبعض الدول التي تغافلت عن ضبط أنظمتها، أو سهلّت تمرير هذه العمليات من خلال مشاريع عقارية وهمية.

إن التشريعات المتينة المتبوعة بسلسلة إجراءات دقيقة، لتعكس مدى صدق السلطة في تحقيق الشفافية و إبراز النزاهة في اقتصادها، إذ التشريع المحكم سيضيق الثغرات النظامية أو ينهيها ، والإجراءات الواضحة ستعرّي التحركات المشبوهة وتساعد في كشفها ، وبالتالي ينتج عن هذا نظام مالي متين واقتصاد وطني نظيف ، جاذب لا طارد .
وأصبح الأمر واضحاً .. فبعض الأسواق العقارية قامت على أموال مشبوهة، ولقد أشرت إلى قريب من هذا الملمح في سلسلة مقالاتي عن ( جريمة غسل الأموال ) في هذه الصحيفة.

لقد مر معنا القول بأن الأموال الناتجة عن غسل الأموال هي جرائم اقتصادية؛ لأن تأثيرها يمتد إلى الجميع، وتعكس أرقاماً كالورم الذي يظنه المتابع لحماً ، فحين تدخل الأموال وتمرر من خلال عقار يشترى ويباع بعيداً عن قيمته السوقية، ثم تودع في البنوك ، لتنتقل إلى مكان آخر وبصبغة مشروعة ، فأنت أمام جريمة تعبث في الاقتصاد .ثم إن هذه المبايعات الكاذبة ستؤثر لامحالة على شبيهاتها في السوق ، ثم ينتهي المشهد بالمؤسسات المالية التي اتُخذت جسراً لنقل الأموال.

وفي المملكة العربية السعودية نص نظام غسل الأموال على جملة من التصرفات التي تقع على العقارات، من بيع أو شراء أو رهن أو سمسرة أو غيرها، ولا مراء وبشهادة المختصين ، فإن النظام المالي السعودي نظام متين ، والجهود التي تبذلها الجهات الرقابية جهود حثيثة ومثمرة ، ويُحمد لها مواكبة التطورات التشريعية العالمية من منظمات عالية التخصص كـ ( FATF ) وغيرها .

لكن هل هناك مؤشرات تثير الريبة حول بعض العمليات المنفذة على العقارات ؟
الجواب : نعم .
يلاحظ على بعض الصفقات ما يلي:
1- أنها تتم بقيمة تقل كثيراً عن سعر السوق وبدون مبرر واضح، وأثر عكس هذا مراعى في النظام ، ففي المادة الثالثة والثلاثين من نظام غسل الأموال المتعلقة بمصادرة الأموال المرتبطة بجريمة غسل الأموال نُص على أن من أثبت تملك المال بقيمة عادلة أو مقابل تقديمه لخدمة تناسب الثمن ، لا يصادر منه المال مادام حصل عليه بطريق مشروع.
2- دفع العربون عليها ( نقداً) وتكرار استرجاعه بشيكات أو حوالات !! .
3- تكرار تسجيل بعض الأفراد عقاراتهم بأسماء آخرين .
4- تحويل الأموال إلى دول عالية المخاطر، أو استقبال الأموال منها ثم شراء الأصول بها .
5- طلب استئجار العقارات بقيمة عالية جداً، ثم ترك العقار دون استغلاله مع الاستمرار في دفع الأجرة ! ، والغاية نقل المال من دولة إلى أخرى على أنه قيمة أجرة .

* ويحسن القول بأن بعض هذه الحالات قد تقع دون توافر أسباب التجريم، لكن من المهم أن نتنبه لها فقد يُمرر من خلالنا ما يضرنا ويضر بلادنا, ومن يجهل يسأل ، فإن شفاء العيّ السؤال .

وأختم بنصيحتي للمتعاملين في القطاع العقاري – ممن يستثمر داخلياً أو خارجياً – بضرورة ضبط تعاملاتهم، والتزامهم بطرق الدفع المصدقة –وهو ما جاءت به التعاميم لكتابات العدل– إذ التعامل بـ (النقد) مفتاحٌ لتداول المال دون رقابة، وضرورة تنبههم عند تحويلهم للأموال إلى قوة الأنظمة في الدول المستقبلة لها، وإلى دقة الإجراءات فيها، وكثير ممن أعرف لا يقبل المشاركة في تكتلات عقارية دون تثبت من نزاهة القائمين عليها واستعانتهم بالمستشارين القانونيين ، وهناك صفقات عقارية هي غاية في التعقيد، ولا يمكن أن يستوعبها المستثمر المبتدئ ، يمكن أن يُوظف هذا التعقيد لأغراض إخفاء مصادر الأموال أو مصيرها .

إعادة نشر بواسطة محاماة نت