بحث ودراسة قانونية مميز عن تكامل القانونين المدني و الإداري في تطلب الخطأ

تكامل القانونين المدني والإداري في تطلب الخطأ لقيام المسؤولية المدنية للموظف العام ومدى إعتبار ذلك ضمانة وظيفية

الدكتور/صالح ناصر العتيبي

معلومات النشر:
إسم المجلة : مجلة الحقوق نوع المجلة : فصلية رقم العدد : 3السنة : 2004الدولة : الكويت

معلومات اكادمية:
مساعد مدير الادارة القانونية – الرئاسة العامة للحرس الوطني – الكويت

الملخص

تحظى الوظيفة العامة في الكويت بأهمية بالغة بحكم اعتماد الدولة عليها في إدارة مرافقها, فضلا عن أنها تمثل المصدر الرئيسي للدخل- ومن أجل حسن أداء الموظف العام لمهام وظيفته فإن القانون يفرض عليه عددا من الواجبات, ويوفر له في المقابل الضمانات اللازمة للاضطلاع بهذه الواجبات.
وقد يحدث خلال قيام الموظف بواجبات وظيفته أن يقع منه ما يسبب ضرراً للغير.

وسواء وقع ذلك عن عمد أو عن غير عمد, أو عن خطأ جسيم أو مجرد إهمال, أو وقع على الرغم مما بذل من حرص وتبصر وروية, أو أسهمت في وقوعه ظروف العمل أو مقتضياته, وأيا كانت الدوافع أو الظروف التي كانت وراء هذا الفعل الضار فإن ذلك لا يؤثر في ما رتبه القانون المدني من حق المضرور في الحصول على التعويض اللازم سواء بمقاضاة الموظف وحده أو بمقاضاة جهة عمله أيضا تطبيقا لأحكام مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه أو بمقاضاتهما معا. وتنحصر مسؤولية الموظف العام التقصيرية في تلك الحالات التي تتطلب الخطأ لقيامها, بمعنى أن الموظف لن يسأل مدنيا إلا إذا نسب إليه خطأ فيما أتاه من فعل ضار, أما إذا لم ينسب إليه خطأ فإن المسؤولية تتحملها جهة عمله وحدها.

وإذا قامت جهة العمل بالوفاء للمضرور بما استحقه من تعويض بسبب خطأ موظفها فإن قواعد القانون المدني تجيز لها أن ترجع على الموظف بكل ما دفعته للمضرور. ولكن لأن العلاقة بين الجهة الحكومية وموظفيها ينظمها القانون الإداري فإن قواعد المسؤولية في هذا القانون توصلت إلى ضرورة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي, ورتبت على ذلك نتيجة مفادها تحمل الموظف لعبء التعويض في حالة الخطأ الشخصي, أما في حالة الخطأ المرفقي فإن الجهة الحكومية تتحمل التعويض, على الرغم من أن الخطأ في الحالتين هو خطأ الموظف. وبذلك يتضح أن القانونين المدني والإداري قد تضافرا لإيجاد ضمانة للموظف العام, مفادها أن يقدم على أداء عمله دون أن يخشى تحمل المسؤولية المدنية في ماله الخاص فيما لو وقع ضرر للغير ما دام حسن النية ومتوخيا الحيطة والحذر إلى الحد الذي ينأى بفعله عن الخطأ الشخصي ويدخله في نطاق الخطأ المرفقي, ولا شك في أن ذلك سوف ينعكس أثره إيجابيا على المرفق العام.

المقدمة

يخضع الموظف العام لأحكام ثلاثة انواع من المسؤولية القانونية. فقد يسأل إداريا وجنائيا ومدنيا. وكل مسؤولية منها مستقلة عن الأخرى، وما يعنينا في هذا البحث هو مسؤوليته المدنية، التي يتحدد نطاقها في اطار المسؤولية التقصيرية، وتقوم هذه المسؤولية نتيجة وقوع عمل غير مشروع يسبب ضرراً للغير بحيث يلتزم المسؤول عنه تعويض هذا الضرر.

وتتميز المسؤولية المدنية للموظف العام بخصوصية معينة بسبب إرتباطها بالمسؤولية المدنية للجهة الحكومية التي يتبعها وما يترتب على ذلك من وجوب تطبيق نوعين من القواعد القانونية. النوع الأول: القواعد العامة للمسؤولية المدنية كما ينص عليها القانون المدني لتنظيم العلاقة بين المضرور والمسؤول عن الضرر، والنوع الثاني: القواعد التي يقررها القانون الإداري وتحكم العلاقة بين الجهة الحكومية والموظف التابع لها.

أن هذه الخصوصية الفريدة في أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام تتمثل في جمعها بين أساسين مختلفين للقواعد القانونية ينتمي كل منهما إلى فرع من فروع القانون مغاير للفرع الاخر، فالقانون المدني ينتمي إلى القسم الخاص، في حين ينتمي القانون الإداري إلى القسم العام، فإلى أيّ حد تتوافق تلك القواعد القانونية في تنظيمها لأحكام المسؤولية المدنية للموظف العام؟ وما تأثير ذلك في أحكام تلك المسؤولية ؟.

وهو ما سنجيب عنه من خلال تقسيم البحث إلى فصلين على النحو التالي:

الفصل الأول: أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام في القانون المدني (تطلب الخطأ لقيام المسؤولية).

الفصل الثاني: أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام في القانون الإداري (التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي).

الفصل الأول أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام في القانون المدني

(تطلب الخطأ لقيام المسؤولية)

تمهيد:
يخضع الموظف العام بوصفه شخصا عاديا لأحكام المسؤولية المدنية عن العمل غير المشروع كما نظمها القانون المدني الكويتي في المواد من 277 إلى 254 كما هو الحال بالنسبة لأي شخص آخر، فيسأل عن عمله الشخصي غير المشروع وعن عمل الغير، وكذلك عن الضرر الناجم عن الاشياء، فأحكام المسؤولية على هذا النحو تطبق على كل شخص بصرف النظر عن صفته أو عمله، وتطبق الأحكام ذاتها على الاشخاص الإعتباريين العامين والخاصين.

ولكن الأمر يختلف إذا كنا بصدد بحث مسؤوليته المدنية بوصفه موظفا عاما بهدف الوصول إلى غاية اخرى هي مساءلة جهة عمله بالإضافة إلى مسؤوليته, وذلك لوجود علاقة تبعية بين الموظف والجهة الحكومية التي يعمل لديها، وهذه العلاقة ذات اثر في أحكام مسؤوليته المدنية، وهي لا تقتصر على الموظفين العمومين وانما تسري كلما وجدت رابطة تبعية بين شخصين, بحيث يكون احدهما تابعا للاخر، كما هو الحال لدى العاملين في القطاع الخاص .

واذا حصرنا البحث في أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام كما نظمها القانون المدني فسنجد أن مسؤولية الموظف العام ترتبط بمهام وظيفته وتقوم إلى جانب مسؤولية الجهة الحكومية التي يعمل فيها، كما أنها لا تتحقق طبقا لجميع حالات المسؤولية كما ينظمها القانون المدني وانما تتحقق بالنسبة لبعض الحالات دون الأخرى، وبناء على ذلك نقسم هذا الفصل إلى مبحثين على النحو التالي:

المبحث الأول: قيام المسؤولية المدنية للموظف العام إلى جانب مسؤولية الجهة الحكومية.

المبحث الثاني: مدى مساءلة الموظف العام وفقا لحالات المسؤولية المدنية.

المبحث الأول قيام المسؤولية المدنية للموظف العام إلى جانب مسؤولية الجهة الحكومية

طبقا لقواعد القانون المدني تخضع المسؤولية المدنية للموظف العام لأحكام مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه, فأحكام هذه المسؤولية لا تقتصر على روابط القانون الخاص فقط وانما تسري أيّضا على روابط القانون العام كرابطة الوظيفة العامة. وبناء على ذلك تكون الجهة الحكومية هي المتبوع، أما التابع فهو الموظف العام الذي يعمل في تلك الجهة. ووفقا للمادة 240 من القانون المدني الكويتي يكون المتبوع مسؤولا, في مواجهة المضرور, عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعا منه، في أثناء اداء وظيفته أو بسببها. وهكذا فإن مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه تقتصر على الضرر الذي يحصل بفعل التابع عند ممارسته لمهام وظيفته دون سواها، ويعود ذلك إلى أن علاقة التبعية بين الموظف والجهة الحكومية لا تشمل كل نشاط الموظف وانما تتحدد في اطار مهام الوظيفة بما لا يجوز معه اطلاق وصف المسؤولية المدنية للموظف العام على كل ما يرتكبه الموظف من افعال ضارة في أثناء ممارسته لمختلف انشطة حياته.

ومسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه تتقرر فقط في مواجهة المضرور، أيّ لمصلحته, ولذلك لا تقوم هذه المسؤولية في العلاقة بين التابع والمتبوع فيكون للمتبوع أن يرجع على التابع بكل ما دفعه للمضرور. كما لا اثر لقيام مسؤولية المتبوع على مسؤولية التابع تجاه المضرور، بل تبقى هذه المسؤولية قائمة، ويحق للمضرور الرجوع على التابع أو الرجوع على المتبوع ايهما يفضل، كما يمكنه الرجوع على التابع والمتبوع معا، عندئذ يكونان مسؤولين بالتضامن أمام المضرور. ولكن لا يجوز للمضرور أن يجمع بين تعويضين، فإن حصل على تعويض من أيّ منهما امتنع رجوعه على الاخر .

واذا كان يشترط لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه وجود إرتباط بين مهام الوظيفة وفعل الموظف الضار فإن اثبات هذا الإرتباط ليس بالأمر السهل في احوال كثيرة، بل أن هذه المسألة آثارت صعوبات كبيرة في التطبيق العملي، كما اختلف فيها الفقه، وان كانت تدور حول ثلاث صور, هي ارتكاب الفعل غير المشروع في أثناء تأدية مهام الوظيفة، وبسبب الوظيفة، وأخيرا بمناسبة الوظيفة، وما لا يندرج تحت هذه الصور لا يتصل بالوظيفة بأيّ رابطة ويخرج عن نطاق المسؤولية المدنية للموظف العام. ويسأل عنه مسؤولية شخصية من يرتكبه ولا تسأل عن ذلك جهة عمله.

وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القسم يتسم بعدم الدقة والوضوح. فهو لم يبين كيفية قيام ذلك الإرتباط. كما لم يضع معيارا دقيقا وواضحاً يمكن الاعتماد عليه للفصل بين أيّ درجة من الإرتباط وغيرها من درجات التقسيم لهذا الإرتباط، وهو ما نلمسه بين ارتكاب الفعل غير المشروع بسبب الوظيفة وارتكابه بمناسبتها، أو بين الأخير والفعل غير المشروع الاجنبي عن الوظيفة، ولذلك فنحن نتفق مع ما ذهب إليه بعض الفقه من الاعتماد على تقسيم ثنائي يتمثل في صورتين من الإرتباط هما: الإرتباط المادي والإرتباط النسبي.

المطلب الأول قيام المسؤولية المدنية للجهة الحكومية إلى جانب مسؤولية الموظف العام في حالة الإرتباط المادي بين الفعل غير المشروع والوظيفة

اشار القانون الكويتي إلى هذا النوع من الإرتباط عندما استخدم في المادة 240/1 عبارة: “متى كان واقعا منه، في اداء وظيفته”. ويقصد بالإرتباط المادي الحالات التي يشكل فيها فعل الموظف اخلالا بما عهد إليه من أعمال وظيفته. أيّ أن يكون العمل الذي قام به الموظف مما يدخل في أعمال وظيفته، ولكن هذه الطريقة في الاداء كانت خطأ أو مخالفة للقانون وترتب عليها ضرر للغير فتقام مسؤوليته عن هذا العمل غير المشروع، وتبعا لذلك تسأل الجهة الحكومية طبقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه. والإرتباط المادي يشكل أوضح صور الإرتباط بين الفعل غير المشروع والوظيفة لوجود علاقة سببية واضحة وقوية بينهما، فلولا تأدية الموظف لوظيفته لما وقع الضرر، ولذلك تسأل جهة العمل التي يتبعها الموظف بصرف النظرعن قصد الموظف ونيته عندما ارتكب الفعل غير المشروع، أيّ سواء أكان قاصدا اداء عمله بجد واخلاص أم كان مندفعا إليه بدافع شخصي، بل تسأل أيّضا حتى لو اخطأ الموظف خطأً جسيماً أو تعمد الخطأ، حيث لا يشترط أن يكون الموظف قد تصرف بناء على اوأمر الجهة التي يعمل فيها أو تعليماتها . فقواعد المسؤولية في القانون المدني في هذه الحالة تقتصر على تنظيم العلاقة بين الموظف وجهة عمله من جهة وبين المضرور من جهة اخرى، أما فيما يخص علاقة الموظف بجهة عمله فتحكمها قواعد القانون الإداري على نحو ما سنرى في الفصل الثاني.

وعمل الموظف غير المشروع المرتبط بالوظيفة إرتباطا ماديا إما أن يكون ايجابيا وأما سلبيا؛ ويكون ايجابيا في الحالة التي يقوم فيها الموظف بتأدية عمل من أعمال وظيفته، دون أن يكون الاداء سليمان فيظهر عمله معيبا بالفعل غير المشروع الذي أضر بالغير. ومثال ذلك أن يخطئ الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي في علاج مريض فيسبب له ضرراً، أو أن يدهس السائق وهو يتولى قيادة السيارة الحكومية في مهمة رسمية أحد المارة في الطريق، أو أن يعتدي عسكري على أحد الافراد لرفضه الخضوع للتفتيش في أحد المواقع المكلف بحراستها، أو أن يقوم شرطي بتعذيب أحد الافراد بعد القبض عليه للحصول منه على معلومات أو انتزاع الاعتراف منه. ففي جميع هذه الحالات يكون الموظف مكلفا باداء العمل. ولكن الفعل غير المشروع يقع بسبب الطريقة التي انجز بها ذلك العمل.

أما الفعل غير المشروع السلبي فيتحقق بامتناع الموظف عن القيام بالمهمة التي تفرضها عليه وظيفته عندما تتعلق بمصلحة للغير ممن ينتفعون من نشاطات المرفق الذي يعمل فيه الموظف، ومثال ذلك الموظف الذي يرفض تسجيل أحد المرضى للحصول على العلاج في المستشفى دون سبب قانوني، أو أن يؤدي إهمال الموظف المكلف بمراقبة حمام السباحة في النادي إلى غرق أحد الاشخاص، ولكن الفعل غير المشروع قد يرتبط ماديا بالوظيفة من الناحية الزمنية، وقد يرتبط بها أيّضا من الناحية المكانية، ويقتضي الأمر أن نبحث اثر هذين الإرتباطين وفقا لما يلي :

أولاً – اثر الرابطة الزمنية بين فعل الموظف غير المشروع ومهام وظيفته:

ويقصد بالرابطة الزمنية, التوافق الزمني بين الفعل غير المشروع والوظيفة، أيّ أن يقع الفعل في الفترة الزمنية المحددة لاداء العمل الوظيفي، فهل تكفي هذه الرابطة لقيام مسؤولية الموظف العام، ومن ثم مسؤولية الجهة الحكومية؟ قد يقال أن الفعل غير المشروع المرتبط بالوظيفة إرتباطا ماديا وفقا للمفهوم السابق بيانه لا بد أن يكون مرتبطاً أيّضا بالوظيفة برابطة زمنية، وهو ما يعني وجود علاقة وثيقة بينهما إلى حد تعد في الرابطة المادية هي نفسها الرابطة الزمنية. ولكننا نبادر إلى القول بعدم صحة ذلك لانه وان كان قيام الرابطة المادية يستوجب قيام الرابطة الزمنية أيّضا، فإن العكس ليس صحيحا حيث لا يعني قيام الرابطة الزمنية بالضرورة قيام الرابطة المادية.

ولهذا فإن إرتباط الفعل غير المشروع بالوظيفة من الناحية الزمنية لا يعني بالضرورة كفاية هذا الإرتباط لقيام مسؤولية الموظف, ومن ثم قيام مسؤولية الجهة التي يعمل فيها. فقد يقع الفعل غير المشروع من الموظف خلال الفترة الزمنية المحددة لاداء العمل الوظيفي، ومع ذلك لا يعد صادرا من موظف على الرغم من تحقق الرابطة الزمنية، ومثال ذلك أن يزور الدائن مدنية الموظف خلال ساعات الدوام الرسمي في مكان عمله، ونتيجة خلافهما حول الدين تقع مشاجرة بينهما فيعتدي الموظف على الزائر. هنا يكون الفعل قد وقع من الموظف خلال الفترة الزمنية المحددة لاداء العمل، ومع ذلك لا يمكن أن يعد فعلاً غير مشروع صادرا من موظف لعدم وجود إرتباط بين هذا الفعل ومهام الوظيفة. فالفعل غير المشروع في هذه الحالة يسأل عنه الموظف شخصيا ولا تسأل عنه الجهة التي يعمل فيها بوصفها متبوعة، ومن ثم تخرج هذه المسؤولية عن نطاق المسؤولية المدنية للموظف العام.

ومن جهة اخرى فإن انعدام الرابطة الزمنية بين الفعل غير المشروع والوظيفة لا يعني بالضرورة عدم اتصاله بالوظيفة اتصالا يكفي لقيام مسؤولية الموظف بوصفه موظفا، فقد يقع الخطأ من الموظف في غير الوقت المخصص لاداء العمل الوظيفي، ومع ذلك تقوم مسؤوليته بوصفه موظفا، ويتحقق ذلك عند توافر الإرتباط السببي بين الخطأ والوظيفة على نحو ما سنراه في المطلب الثاني.

ونخلص من ذلك إلى أن الرابطة الزمنية لا يكفي وجودها وحدها لان تكون معيارا منضبطا لتحقيق الصلة الواجب توافرها بين الفعل غير المشروع والوظيفة وان كانت تعد من الدلائل التي تزيد القناعة بتوافر تلك الصلة.

ثانيا- اثر الإرتباط المكاني بين فعل الموظف غير المشروع ومهام وظيفته:

تقوم الرابطة المكانية بين فعل الموظف غير المشروع ومهام الوظيفة التي يشغلها في حالة وقوع الفعل في المكان المخصص لتأدية مهام وظيفته. وهذا المكان قد يكون محددا ثابتا كدائرة حكومية أو مستشفى حكومي، وربما لا يتحدد هذا المكان بحيز معين كسائق السيارة الحكومية ومندوب الاعلان ودوريات الامن المتنقلة، فاذا ما وقع الفعل غير المشروع في محل اداء الوظيفة، محددا كان أم غير محدد،, تحققت الرابطة المكانية بينه وبين الوظيفة. ويثور السؤال عن مدى كفاية تلك الرابطة المكانية لتحقيق الاتصال الكافي بن الخطأ والوظيفة لاجل قيام مسؤولية الموظف العام, ومن ثم قيام مسؤولية الجهة الحكومية بوصفها متبوعة. تردد القضاء الفرنسي في الاعتماد عليها, ومرة اخرى يعتمد عليها، ففي قضية تتلخص وقائعها في أنه في نهار أحد الايام قامت مظاهرات في مدينة “باريس” ادت إلى وقوع اشتباكات بين المتظاهرين والجنود المكلفين بفض تلك المظاهرات، مما اسفر عن وفاة ثلاثة اشخاص، وفي ليلة ذلك اليوم اوقف أحد الاشخاص من قبل الشرطة في احدى الساحات العامة، وبعد تفتيشه وجد بحوزته مسدس فقبض عليه وأرسله إلى مركز الشرطة لاستجوابه، وفي المركز تعرض للاعتداء بالضرب ليس من قبل الشرطة وانما من قبل بعض الجنود ممن اشتركوا في تفريق المظاهرات وهم لا ينتمون إلى ذلك المركز كما لم يكونوا في ساعة قيامهم بالاعتداء ملكفين بأيّ مهمة رسمية، بل انهم كانوا يتمتعون بفترة راحة، إضافة إلى كونهم لا يخضعون لإدارة المركز بل لاوأمر رؤسائهم العسكريين. وعندما عرضت القضية على مجلس الدولة الفرنسي قضى بمسؤولية الجهة التي يتبعها هؤلاء العسكريون عن الضرر الذي اصاب المدعي. وبهذا يتضح أن الحكم لم يعتمد على الرابطة المكانية ليعد الاعتداء الذي وقع صادرا من موظفين عموميين تسأل عنه الجهة الحكومية . وتكرر ذلك في قضية اخرى وسعت المحكمة فيها من مسؤولية الإدارة في الرقابة على موظفيها فقررت مسؤوليتها عن تصرف معلمة في مدرسة للمختلين عقليا عندما اعطت التلاميد الحرية دون الرجوع للإدارة, فقام احدهم بحرق غابة في أثناء رحلة خارجية .

وعلى العكس من ذلك فقد عرضت على محكمة التنازع الفرنسية احدى القضايا، تحققت فيها الرابطة المكانية بين الفعل غير المشروع والوظيفة ولم يعد الفعل صادرا من موظف عام، وكانت وقائع هذه القضية تتلخص في أن مدرسا في مدرسة حكومية كان يلقن تلاميذه دروسا لا علاقة بها بواجبه، بل هي تمس الدين وتتضمن تشكيكا في وجود الخالق – سبحانه – وسخرية منه وطعنا في الجيش الفرنسي. فاقام أحد اولياء التلاميذ دعوى على المدرس وحكم فيها بأن الفعل الذي وقع من المدرس يعد فعلا غير مشروع منفصلا عن اداء الوظيفة التي يقوم بها، مما يتعين معه قيام مسؤولية المدرس الشخصية دون مسؤوليته بوصفه موظفا عاما، ومن ثم لا تسأل الدولة عن هذا الفعل وبهذا يتبين أن الرابطة المكانية، مثلها مثل الرابطة الزمنية، لا يصح الاعتماد عليها وحدها للقول بتحقيق الإرتباط المادي بين الفعل غير المشروع والوظيفة، ذلك الإرتباط الذي يكفي لقيام مسؤولية الدولة وان عد ذلك دليلا على ذلك الإرتباط، ولذلك لا بد من بحث كل حالة على حدة من خلال بحث مجمل الظروف والملابسات المصاحبة لوقوع الفعل غير المشروع لبيان إذا ما كان مرتبطاً بالوظيفة إرتباطاً مادياً من عدمه.

المطلب الثاني قيام المسؤولية المدنية للجهة الحكومية إلى جانب مسؤولية الموظف العام في حالة الإرتباط السببي بين الفعل غير المشروع والوظيفة

اشار القانون المدني الكويتي صراحة إلى هذا النوع من الإرتباط عندما قرر في المادة 240/1: ” يكون المتبوع مسؤولا، في مواجهة المضرور، عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع, متى كان واقعا منه, في اداء وظيفته أو بسببها”. ويقصد بالإرتباط السببي الحالات التي لا تدخل اصلا ضمن أعمال الوظيفة التي يشغلها الموظف، ولكن وظيفته هي التي تمكنه أو تدفعه إلى ارتكاب الفعل غير المشروع. ومن هنا تتحقق علاقة السببية بينهما؛ إذ لولا الوظيفة لما استطاع الموظف ارتكاب الفعل غير المشروع. فهي سببية من شانها أن تجعل الوظيفة ضرورية لإمكان إرتكاب الفعل غير المشروع .

والإرتباط السببي على هذا النحو يتحقق في حالتين: الأولى حالة وجود إرتباط سببي بين فعل الموظف وأعمال وظيفته, أيّ أن الموظف عندما ارتكب الفعل غير المشروع لم يكن يؤدي عملاً من الأعمال التي تحتم عليه الوظيفة اداءها ولكنه يرتبط بالوظيفة برابطة سببية تعني أن الوظيفة كانت سببا أدى إلى وقوع الضرر. كما لو رأى موظف رئيسه في الدائرة الحكومية يتعرض لمضايقة من قبل أحد المراجعين فتدخل لمساعدته وضرب المراجع مما أدى إلى اصابته بأضرار جسمانية يسأل عنها مدنيا، ففي هذا المثال يكون الموظف قد ارتكب فعلا غير مشروع لم يكن ليفكر في إرتكابه لولا الوظيفة على الرغم من أن هذا الاعتداء لا يعد من أعمال وظيفته.

أما الحالة الثانية فتتحقق عندما يوجد الإرتباط السببي مع الوسائل والادوات التي تهيئها الوظيفة، ذلك أن مرافق الدولة تستخدم، وهي تؤدي نشاطاتها، ادوات ووسائل مختلفة تساعد على ممارسة تلك النشاطات كالسيارات في التنقل والاسلحة النارية في مرفق الامن. واستعمال هذه الوسائل والادوات قد يؤدي إلى ما يخالف النتيجة المرجوة منها، حيث يعهد ذلك الاستعمال إلى الموظفين خلال تأدية أعمالهم الوظيفية، واحيانا بعدها، فتقع منهم أخطاء في استعمالها، سواء أكان عن قصد أم عن غير قصد، تؤدي إلى وقوع اضرار للغير تتحقق معها مسؤوليتهم المدنية، كما لو استخدم العسكري سلاحه الحكومي خلال فترة اجازته فيصيب به شخصا, أو أن يستعمل الموظف، بعد انتهاء الدوام الرسمي، السيارة التي اسلمتها اياه الإدارة لتوصيل البريد فيصدم بها شخصا. ففي هذين المثالين يكون الفعل غير المشروع مرتبطاً بالوظيفة برابطة أداتية فقط. والسؤال الذي يثور في هذا الشأن هو: متى يعد العمل الوظيفي سببا للفعل غير المشروع الذي ارتكبه الموظف؟

اختلف الفقه المصري حول درجة الإرتباط السببي اللازم توافرها بين الفعل غير المشروع وأعمال الوظيفة، فذهب الرأي السائد إلى اشتراط السببية المباشرة والوثيقة بين الفعل والوظيفة، بحيث يثبت أنه لولا الوظيفة لما وقع الفعل غير المشروع .

ولكن القضاء في مصر والكويت توسع في درجة الإرتباط النسبي, فلم تعد تقتصر على علاقة السببية المباشرة بين فعل الموظف واعباء وظيفته أو أن تكون ضرورية لإمكان وقوعه، بل قرر مسؤولية الموظف كلما كانت وظيفته قد ساعدته على إتيان فعله غير المشروع أو هيأت له، بأيّ طريقة كانت، فرصة إرتكابه، سواء ارتكبه لمصلحة الجهة التي يعمل بها أو بسبب دافع شخصي، وسواء أكان الباعث الذي دفعه إليه متصلاً بوظيفته أم لا علاقة له بها .

وفي ذلك قضت محمكمة النقض المصرية، بأن: ” والقانون إذا حدد نطاق هذه المسؤولية بأن يكون العمل الضار غير المشروع واقعا من التابع (حال تأدية الوظيفة أو بسببها) لم يقصد أن تكون المسؤولية مقصورة على خطأ التابع وهو يؤدي عملاً داخلا في طبيعة وظيفته ويمارس شأناً من شؤونها، أو أن تكون الوظيفة هي السبب المباشر لهذا الخطأ وان تكون ضرورية لإمكان وقوعه, بل تتحقق المسؤولية أيّضا كلما كان فعل التابع قد وقع منه أثناء تأدية الوظيفة، أو كلما استغل وظيفته أو ساعدته هذه الوظيفة على إتيان فعله الضار غير المشروع, أو هيأت له بأية طريقة كانت فرصة إرتكابه، سواء ارتكب التابع فعله لمصلحة المتبوع أو عن باعث شخصي، وسواء كان الباعث الذي دفعه إليه متصلا بالوظيفة أو لا علاقة له بها، إذ تقوم مسؤولية المتبوع في هذه الاحوال على أساس استغلال التابع لوظيفته واساءته إستعمال الشؤون التي عهد المتبوع إليه بها .

كما قضت محكمة التمييز الكويتية بانه: “من المقرر أن المشرع إذا حدد نطاق مسؤولية المتبوع طبقا للمادة 240 من القانون المدني بأن يكون العمل الضار غير المشروع واقعا من التابع في” اداء وظيفته أو بسببها:” لم يقصد أن تكون المسؤولية مقتصرة على خطأ التابع وهو يؤدي عملاً من أعمال وظيفته أو أن تكون الوظيفة هي السبب المباشر لهذا لخطأ أو أن تكون ضرورية لإمكان وقوعه، بل تتحقق المسؤولية أيّضا كلما كان فعل التابع قد وقع منه أثناء تأدية الوظيفة أو كلما استغل وظيفته أو ساعدته هذه الوظيفة على إتيان فعله غير المشروع أو هيأت له بأية طريقة فرصة إرتكابه سواء ارتكبه التابع لمصلحة المتبوع أو عن باعث شخصي وسواء أكان الباعث الذي دفعه إليه متصلا بالوظيفة أو لا علاقة له بها وسواء وقع الخطأ بعلم المتبوع أو بغير علمه” .

واعتمدت محكمة النقض المصرية بشكل واضح وصريح على توافر الرابطة الأداتية وحدها لتقرير مسؤولية الدولة في قضية تتلخص وقائعها في أن عسكريا بعد أن انتهى من عمله ذهب إلى حفلة زفاف كان قد دعي اليها، وفي الحفلة اطلق، اظهارا لمشاعر الفرح، عيارات نارية من السلاح الذي سلم إليه لتأدية مهامه الوظيفية فاصاب من بين المدعوين فتاة، فقضت المحكمة بمسوؤلية وزارة الداخلية عن هذا الخطأ، وجاء في حيثيات حكمها…. ذلك أن السلاح الناري الذي نشأت عنه الاصابة قد تسلمه المتهم من وزارة الداخلية بمقتضى وظيفته لديها، واستطاع بسبب وظيفته وما يسرته له من حمل السلاح الذي منع عن غيره من الافراد العاديين بغير ترخيص أن يسير بهذا السلاح في غير ما حرج بين الناس، وهيأت له الوظيفة بذلك فرصة ارتكاب الحادث باطلاق النار من السلاح الذي يحمله واصابة المجني عليها، إذ لولا هذه الوظيفة وما يسرت لصاحبها من حمل السلاح الحكومي لما وقع الحادث منه وبالصورة التي وقع بها. ولا يؤثر في قيام مسؤولية وزارة الداخلية أن يكون العسكري قد حضر الحفلة بصفته الشخصية ما دام عمله الضار غير المشروع متصلا بوظيفته مما يجعله واقعا منه بسبب هذه الوظيفة . كما اكدت محكمة النقض المصرية هذا المبدأ في أحد أحكامها الحديثة حيث قضت فيه بأن: ” القانون إذا حدد نطاق هذه المسؤولية بأن يكون العمل الضار غير المشروع واقعا من التابع حال تأدية الوظيفة أو بسببها لم يقصد أن تكون الوظيفة هي السبب المباشر لهذا الخطأ، أو أن تكون ضرورية لإمكان وقوعه، بل تتحقق المسؤولية أيّضا كلما كان فعل التابع قد وقع منه أثناء تأدية الوظيفة، أو كلما استغل وظيفته أو ساعدته هذه الوظيفة على إتيان فعله غير المشروع أو هيأت له بأية طريقة كانت فرصة إرتكابه، سواء ارتكبه التابع لمصلحة المتبوع او عن باعث شخصي وسواء أكان الباعث الذي دفعه إليه متصلا بالوظيفة أو لا علاقة له بها، وسواء وقع الخطأ بعلم المتبوع، أو بغير علمه، ولما كان الثابت من الحكم المطعون في أن التابع المسؤول ضابط بالقوات المسلحة يعمل تحت رئاسة المطعون ضده وانه قتل مورثي الطاعنين بمسدسه الحكومي الذي في عهدته بحكم وظيفته فإن وظيفته لدى المطعون ضده تكون قد هيأت له فرصة إتيان عمله غير المشروع ؛ إذ لولا هذه الوظيفة وما يسرته لصاحبها من حيازة السلاح الناري المستعمل في قتل مورثي الطاعنين لما وقع الحادث منه وبالصورة التي وقع بها ويكون المطعون ضده مسؤولا عن الضرر الذي احدثه الضابط بعمله غير المشروع, واذا نفى الحكم المطعون فيه مسؤولية المطعون ضده عن هذا الضرر قولا منه أن الخطأ الذي قارفه التابع منبت الصلة بعمله مكانا وزمانا وانه لا توجد علاقة سببية وثيقة بين الخطأ والوظيفة فانه معيب بالخطأ في تطبيق القانون بما يوجب نقضه”

وبهذا يكون القضاء قد ادخل في مفهوم اصطلاح “بسبب الوظيفة” ما يسميه بعض الفقه الخطأ بمناسبة الوظيفة أو حالات إساءة إستعمال الوظيفة أو مجاوزة حدود الوظيفة. فتسأل جهة العمل على أساس إساءة استغلال الموظف لوظيفته أو إساءة إستعمال ما سلم إليه من جهة عمله، فكل ذلك لم يكن ليقع لولا الوظيفة ولولا تقصير جهة العمل في رقابته.

ولا يقع صلة الخطأ بالوظيفة أن يكون ارتكاب العمل غير المشروع قد صدر عن باعث شخصي أو دون علم جهة العمل أو موافقتها، فرقابة جهة العمل يجب أن تغطي كل ما يتصل بعمل الموظف ، وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية بانه: “من المقرر قي قضاء هذه المحكمة أن القانون المدني إذ نص في المادة 174 منه على أن يكون المتبوع مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعا منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها قد أقام هذه المسؤولية على خطأ مفترض في جانب المتبوع فرضا لا يقبل إثبات العكس، مرجعه سوء اختياره لتابعه أو تقصيره في رقابته وان القانون إذا حدد نطاق هذه المسؤولية بأن تكون العمل الضار غير المشروع واقعا من التابع حال تأدية الوظيفة أو بسببها لم يقصد أن تكون المسؤولية مقصورة على خطأ التابع وهو يؤدي عملاً من اعمل وظيفته أو أن تكون الوظيفة هي السبب المباشر لهذا الخطأ أو أن تكون ضرورية لإمكان وقوعه بل تتحقق المسؤولية أيضا كلما كان فعل التابع قد وقع منه في أثناء تأدية الوظيفة، أو كلما استغل وظيفته أو ساعدته هذه الوظيفة على إتيان فعله غير المشروع أو هيأت له بأية طريقة كانت فرصة إرتكابه، سواء ارتكبه التابع لمصلحة المتبوع أو عن باعث شخصي، سواء كان الباعث الذي دفعه إليه متصلا بالوظيفة أو لا علاقة له بها وسواء وقع الخطأ بعلم المتبوع أو بغير علمه. ولما كان الحكم المطعون فيه قد طرح دفاع الشركة الطاعنة الخاص بأن تابعها اختلس الجرار في غفلة منها وارتكب به الحادث، وان مورث المطعون عليهم الثلاثة الأولين ساهم بخطئه في وقوعه، واعتبر الحكم الشركة مسؤولة عن تعويض الضرر الذي تسبب فيه تابعها لأنه لم يكن ليستطيع أن يقود الجرار ويصدم به مورث المطعون عليهم لو لم يعمل لدى هذه الشركة في المنطقة التي يوجد بها الجرار، ولما كان ذلك فإن النعي على الحكم بالخطأ في تطبيق القانون والقصور يكون على غير أساس .

وعلي أي حال فإن مسألة امتداد مسؤولية الدولة لتشمل الحالات التي قررها القضاء هي في واقع الأمر من اختصاصه يفصل فيها في كل حالة على حدة بوصف ذلك الأمر يتعلق بتوافر علاقة السببية بين فعل الموظف ووظيفته، وهي مسألة تخضع لتقدير قاضي الموضوع .

المطلب الثالث اقتصار المسؤولية المدنية على الموظف العام دون الجهة الحكومية في حالة الفعل غير المشروع غير المرتبط بالوظيفة

إذا كان الفعل غير المشروع الصادر من الموظف منقطع الصلة تماما بمهام الوظيفة التي يشغلها، أو بالوسائل الموضوعة تحت تصرفه للقيام بعمله، فإن شروط مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه لا تتوافر، ومن ثم لا تسأل مدينا الجهة التي يعمل بها الموظف وإنما يسأل الموظف وحده. فلو قام الموظف بقتل شخص في أثناء إجازته خارج مكان العمل ودون استخدام أي أداة هيأها له العمل، فانه لا يتصرف بوصفه موظفا عاما، ومن ثم لا محل لمسؤولية المتبوع وهي الجهة الحكومية؛ لان الموظف لم يكن خاضعا لسلطتها، ومن ثم تنتفي علاقة التبعية .

لذلك قضي بأنه إذا كان العسكري وقت إرتكابه جريمة القتل لم يكن يؤدي عملاً من أعمال وظيفته، وكان خارج دائرة عمله الرسمي وقتله المجني عليه كان بسبب الضغائن الشخصية، فإن وزارة الداخلية لا تكون مسؤولة بوصفها متبوعة .

كما يخرج عن نطاق مسؤولية الدولة حالة إذا ما كان المضرور قد تعامل مع الموظف العام وهو يعلم بأنه يعمل لحساب نفسه، ومن باب أولى يعلم أنه يخالف تعليمات جهة العمل وأوأمرها وان المعاملة إنما كانت تقوم على أساس ذلك. فالمضرور هنا يعد شريكا مع الموظف في ارتكاب الفعل غير المشروع، ومن ثم لا يحق له الرجوع على الجهة الحكومية التي لها أن تتمسك بإعتبار خطأ المضرور يستغرق خطأ الموظف، ومن ثم يعفى الموظف من المسؤولية المدنية فلا تقوم مسؤوليتها لانتفاء شرط مسؤولية الموظف .

وأكثر من ذلك فبعض الفقه يذهب إلى أنه إذا كان المضرور يستطيع أن يعلم بأن الموظف يعمل لحساب نفسه أو بمجاوزته حدود وظيفته فإن الجهة الحكومية لا تسأل عن العمل غير المشروع الذي يحدث نتيجة لذلك .

عبء إثبات إرتباط الفعل غير المشروع بالوظيفة:
لما كان إرتباط الفعل غير المشروع بالوظيفة يعد شرطا لقيام مسؤولية الجهة الحكومية إلى جانب مسؤولية الموظف، فلا بد من إثبات ذلك الإرتباط، وتطبيقا للقاعدة القانونية التي تقول أن البينة على من ادعى فإن المستفيد من إثبات ذلك الإرتباط هو المضرور، ولذلك يقع عليه عبء هذا الإثبات، ومنبع استفادته هو وجود مسؤول آخر إلى جانب الموظف الذي يرجع عليه بالتعويض، ولا شك في أن الجهة الحكومية أكثر ملاءة واقتدارا من الموظف.

كما أن مسؤولية الجهة الحكومية في هذه الحالة ما هي إلا تطبيق لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، وهي مسؤولية مقررة لمصلحة المضرور ولا تنطبق في حالة وقوع الضرر للتابع بسبب فعله غير المشروع ، وبناء على ذلك لا فائدة تعود على التابع من إثبات إرتباط الفعل غير المشروع بالوظيفة.

ولكن إذا كان ذلك صحيحا في مجال الوظائف في القطاع الخاص، حيث يكون للمتبوع أن يرجع على التابع بكل ما يدفعه للمضرور تعويضا عن عمله غير المشروع ، ولا يستطيع التابع أن يتخلص من ذلك إلا بإثبات عدم مسؤوليته، إلا أن الأمر في مجال الوظائف العامة فيه خلاف، ذلك أن من مصلحة الموظف العام أن يثبت وجود إرتباط بين فعله غير المشروع والوظيفة لان الجهة الحكومية لن تستطيع أن ترجع على الموظف العام إلا إذا ثبت خطؤه الشخصي، وفي حالة عدم ثبوت ذلك تتحمل الجهة الحكومية وحدها عبء هذا التعويض بإعتبار أن الفعل غير المشروع للموظف يشكل في هذه الحالة خطأً مرفقياً تتحمل الجهة الحكومية مسؤولية التعويض عنه . وهكذا فإن للمضرور وكذلك الموظف العام الذي صدر منه الفعل الضار أن يثبتا إرتباط الفعل بالوظيفة، وهي واقعة مادية يمكن إثباتها بجميع طرق الإثبات.

المبحث الثاني مدى مساءلة الموظف العام وفقا لحالات المسؤولية المدنية

نظم المشرع في القانون المدني الكويتي حالات عدة للمسؤولية المدنية، وبإستقراء تلك الحالات نجد أن الفعل غير المشروع يمثل أساس هذه المسؤولية والمحرك لها وما بعد ذلك من وقوع ضرر وعلاقة سببية بين الفعل غير المشروع والضرر وإلزام المسؤول بالتعويض عنه يعد من نتائج الفعل غير المشروع. والبحث في مسؤولية الموظف العام تقتضي أن يقتصر بحثنا على الفعل غير المشروع لان ما عدا ذلك لا تختلف أحكامه من شخص لآخر موظفا كان أم غير موظف.

والأصل في المسؤولية المدنية أن يسأل الشخص عن الضرر الذي يحدث بفعله هو، وهذه هي المسؤولية عن الأعمال الشخصية. ولكن قد يسأل الشخص عن الضرر الذي يحدث بفعل غيره، أو عن الضرر الذي يحدثه شيء من الأشياء التي في حراسته، وسنعرض لهذه الصور من المسؤولية لنرى مدى انطباق كل حالة من تلك الحالات على المسؤولية المدنية للموظف العام، ومن ثم بين الأساس الذي يحكم المسؤولية المدنية للموظف العام.

المطلب الأول مدى مساءلة الموظف العام طبقا لأحكام المسؤولية المدنية عن الأعمال الشخصية

تنص الفقرة الأولى من المادة 227 من القانون المدني الكويتي على أن “كل من احدث بفعله الخاطئ ضرراً بغيره يلتزم بتعويضه، سواء أكان في إحداثه الضرر مباشرا أو متسببا”.

ومن هذا النص يتبين تطلب الخطأ في الفعل غير المشروع حتى يمكن مساءلة من قام به شخصيا، فإذا مارس الموظف العام نشاطا ما دون أن يخطئ وترتب على هذا النشاط ضرر لغيره، فلا يسأل عن تعويض هذا الضرر، فلو قام موظف البلدية بإغلاق محل تجاري بسبب قيام صاحبه بمخالفة اللوائح والقوانين وترتب على ذلك خسارة صاحب المحل فإن موظف البلدية لا يعد مسؤولا عن تعويض تلك الأضرار لعدم إرتكابه خطأ وإنما ما قام به هو ممارسة أعمال وظيفته. وكذلك الحال لو قامت قوة الشرطة بمنع الناس من الدخول لمنطقة الشغب والمظاهرات حفاظا على أرواحهم، فإذا ما ترتب على ذلك تضرر ممتلكات أحد الأشخاص فليس له أن يعد تلك القوة مسؤولة عن تعويض الأضرار التي لحقت بممتلكاته لعدم ارتكابها خطأ.

ولم يعرف القانون المدني الكويتي لخطأ وإنما ترك ذلك لاجتهاد الفقه والقضاء، ولكن أكثر التعريفات تقريبا لفكرة الخطأ، هو تعريفه بأنه إخلال بإلتزام سابق. ولكن ما الإلتزامات المفروضة على كل شخص، التي يعد الإخلال بها خطأ يستوجب مسؤوليته المدنية؟.

لا صعوبة إذا كان القانون يحدد مباشرة الإلتزامات الواجبة، فعدم احترام القانون والخروج على أحكامه يعد خطأ، فقانون المرور يفرض إلتزامات عدة على قائد السيارة، ويؤدي عدم احترامه لها إلى إعتباره مرتكبا لخطأ كما هو الحال في فرض سرعة معينة للسير في شارع معين أو إلزام قائد السيارة بترك مسافة بينه وبين السيارة التي تسير أمامه حتى يستطيع تجنب أي طارئ يحدث فجأة في الطريق. ولكن بسبب تعدد مظاهر النشاط الإنساني وتعذر حصرها، ووضع قاعدة قانونية تحدد الإلتزامات في كل صورة من صور النشاط أدى ذلك إلى القول بوجود إلتزام عام مفروض على جميع الناس بمراعاة التبصر وعدم الإهمال في السلوك حتى لا يسبب ضرراً للغير، ويقاس هذا السلوك بسلوك الشخص العادي أو المعتاد، فيعد خطأ كل انحراف عن هذا السلوك. والاعتداد بمسلك الشخص العادي يعني أن المقياس أو المعيار ليس ذاتيا أو شخصيا، وإنما هو معيار مجرد أو موضوعي.

فلا يقاس مسلك الشخص على السلوك العادي للشخص الذي احدث الضرر نفسه والذي قد يكون على درجة كبيرة من اليقظة والتبصر، أو دون المستوى العادي، وإنما يقاس مسلك الشخص الذي يراد مساءلته على مسلك الشخص العادي الذي يمثل جمهور الناس، وهو شخص متوسط في درجة يقظته وتبصره وعنايته، الأمر الذي يترتب عليه أن يصبح الحكم على فعل ما بأنه خطأ أو غير خطأ مرتبطاً بالفعل ذاته، فلا يختلف باختلاف الأشخاص الذين يصدر منهم مثل هذا الفعل.

ويلاحظ أن الشخص العادي الذي يقاس الخطأ على سلوكه ما هو إلا نموذج افتراضي نتصوره، ولأنه لا يمكن تصور ما كان يفعله إلا من خلال وضعه في ظروف معينة فإن الأمر يقتضي أن نعتد بالظروف التي وجد فيها مرتكب الفعل الضار. ومما لا شك فيه أن بعض الظروف يعتد به وبعضها الآخر لا يعتد به. والرأي السائد يميز بين الظروف الخارجية والظرف الداخلية. والأولى هي التي يعتد بها. فينظر إلى مسلك الشخص العادي لو وجد في مثل الظروف الخارجية التي وجد فيها مرتكب الفعل الضار، ويقصد بالظروف الخارجية ما ليس خاصا بشكل مرتكب الفعل، وأهمها ظرف الزمان وظرف المكان، فسائق السيارة ليلا داخل الأحياء السكنية يحكم على مسلكه بما كان يفعله السائق العادي إذا كان يسير بالسيارة ليلا، وهذا ظرف زمني يقتضي مزيدا من اليقظة والانتباه، والسير في الحي السكني، وهذا ظرف مكاني، يقتضي مسلكا خاصا يختلف عن مسلك من يسير بسيارته في الطرق الخارجية. أما الظروف الداخلية، وهي الخاصة بشخص مرتكب الفعل، فلا يعتد بها مثل كون قائد السيارة ضعيف البصر، أو كونه لم يأخذ كفايته من النوم، فضعف انتباهه وتركيزه.. إلى غير ذلك من الظروف الخاصة، وإنما يحكم على مسلكه على أساس ما كان يفعله سائق عادي في قوة الإبصار والانتباه .

ومما ينبغي ملاحظته أن الإلتزام المحدد بنص قانوني لا يلغي الإلتزام المفروض على جميع الناس بالتبصر وعدم الإهمال، فإذا كانت مخالفة الإلتزام المحدد بنص قانوني تفترض وجود خطأ- وهو افتراض يمكن إثبات عكسه- فإن عدم مخالفة هذا الإلتزام لا يعني بالضرورة انتفاء الخطأ، وإنما يمكن إعتبار الشخص مخطئا إذا لم يراع مسلك الشخص العادي. فمثلا لو وقع اصطدام بين سيارتين، وكان الخطأ المنسوب إلى قائد السيارة الأولى أنه كان يسير بسرعة أكثر مما ينبغي، وتمسك قائد هذه السيارة بأنه لم يتجاوز السرعة التي حددتها لائحة المرور للسير في هذا الشارع، فإن هذا وحده لا يكفي لنفي الخطأ عنه كما لو تبين من ظروف الحادث أنه وقع في يوم ممطر فإن هذا كان يقتضي من قائد السيارة أن يراعي هذه الظروف ويسير بالسرعة التي يقتضيها مقياس السائق العادي ولو كانت اقل بكثير من السرعة التي حددتها لائحة المرور .

أنواع الخطأ :

الصورة الغالبة في الخطأ، كما في الأمثلة السابقة، تكون بإتيان فعل، أي القيام بعمل ايجابي، ولكنه قد يكون بالامتناع أو الترك، أي الامتناع عن القيام بعمل، وهو موقف سلبي، ويعد السكوت من قبيل الخطأ بالامتناع.

ولا جدال في أن الموظف العام يكون مرتكبا لخطأ إذا كانت واجبات وظيفته تفرض عليه القيام بعمل معين ولم يقم بأداء ذلك العمل كما هو الحال بالنسبة لمراقب حمام السباحة إذا ما امتنع عن إنقاذ شخص معرض للغرق. ومهما اختلف نوع الخطأ فانه ينبغي التأكيد أن المسؤولية المدنية التقصيرية تنعقد بمجرد ارتكاب خطأ، أي خطأ، فلا يشترط القانون المدني لقيام المسؤولية نوعا معينا من الخطأ، ولا أن يكون على درجة معينة من الجسامة.

وعلى الرغم من أن القانون المدني يعرف أنواعا من الخطأ كالخطأ العمدي، والخطأ الجسيم، والخطأ غير العمدي، فإن المسؤولية المدنية التقصيرية تنعقد لمجرد وجود خطأ بصرف النظر عن أنواع إذا ما كان عمديا أو جسيما أو غير عمدي، فهذه الصفات للخطأ يقتصر أثرها على أحكام المسؤولية دون أن تتعلق بنشوئها . وعندما يرتكب الموظف العام جريمة فإنها تكشف عن وجود خطأ لا يختلف في أي من عناصره عن الخطأ المدني. فأي خطأ يرتب المسؤولية الجنائية ويؤدي إلى الأضرار بالغير فانه في الوقت نفسه يرتب المسؤولية المدنية .
حالات ينتفي فيها الخطأ بناء على توافر أسباب معينة:
بعد أن فرغنا من تعريف الخطأ وبيان أنواعه، فإن أي فعل يقوم به الموظف العام يمكننا على ضوء ما سبق تحديد إذا ما كان يعد خطأ يرتب مسؤوليته المدنية أم لا يعد كذلك. ومع ذلك فإن هناك حالات يحدث فيها الموظف العام ضرراً بغيره وتثير الشك في إعتبارها خطأ أم لا، ولذلك ما يصاحبها من ظروف.

وقد تدخل المشرع الكويتي لينفي الخطأ عن تلك الأفعال في حال توافر ظروف معينة. فالفعل مجردا من تلك الظروف كان يجب إعتباره خطأ لانحرافه عن السلوك المعتاد، أما إذا صاحبته هذه الظروف فإن السلوك يعود إلى حظيرة السلوك المألوف أو المعتاد. ولهذا فانه إذا كان عبء إثبات الخطأ يقع على عاتق المدعي، فانه يقع على عاتق المدعي عليه عبء إثبات توافر سبب الإباحة توصلا لنفي الخطأ، فإن لم يفلح في ذلك عد فعله خطأ يوجب مسؤوليته

والظروف التي عدها القانون المدني الكويتي أسبابا تنفي الخطأ عن الفعل هي الدفاع الشرعي وحالة الضرورة وتنفيذ الموظف لأمر القانون أو أمر رئيسه. وينطبق السببان الأولان على جميع الأشخاص دون النظر إلى صفاتهم أو أعمالهم. أما السبب الثالث فلا ينطبق إلا على الموظف العام دون سواه، ولأهمية ذلك فإننا نرى أن نتناوله بشيء من التفصيل على النحو التالي:

تنفيذ الموظف العام لأمر القانون أو أمر رئيسه سبب تشريعي لنفي الخطأ:
تنص المادة 237 من القانون المدني على أنه: ” لا يكون الموظف العام مسؤولا عن عمله الذي أضر بالغير، إذا أداه تنفيذا لأمر القانون أو لأمر صدر إليه من رئيسه، متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة، واثبت أنه كانت لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه، وانه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر”.

ومن هذا النص يتضح أنه يجب أن تتوافر شروط معينة حتى لا يسأل الشخص عن عمله الذي أضر بالغير، وهذه الشروط هي:

الشرط الأول: يجب أن يكون من صدر منه العمل موظفا عاما، أي يكون موظفاً حكومياً، أو لدى أشخاص القانون العام. ولا يكفي أن يكون عاملا لدى فرد أو في شركة خاصة.

الشرط الثاني:
أن يكون الموظف العام قد أدى العمل الذي رتب ضرراً للغير تنفيذا لأمر القانون أو لأمر صدر إليه من رئيسه المباشر أو غير المباشر ما دام يملك سلطة إصدار الأمر وفق مبدأ التدرج الوظيفي، ولا يكفي أن يعتقد أن مصدر الأمر رئيسه، بل يجب أن يكون رئيسه فعلا.

الشرط الثالث:
أن تكون إطاعة هذا الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة، ويذهب بعض الفقه إلى أن الشق الأول ينتفي فيه الخطأ بمقتضى القواعد العامة دون الحاجة إلى النص عليه في هذه المادة فإطاعة القانون أو الرئيس عندما تكون واجبة فإن ذلك يعني أن العمل مشروع ومن ثم فلا حاجة لحكم خاص يجعله مشروعا؛ بل على العكس يكون الموظف العام مخطئا وتتحقق مسؤوليته الإدارية إذا لم يقم بتنفيذ الواجب المفروض عليه والذي لا بد أن يكون مشروعا وإلا ما كان من الواجب إطاعته. فعندما يقبض رجل الشرطة على مجرم ويحاول هذا الأخير الفرار فيطارده الشرطي حتى يضطر إلى أطلاق النار عليه لا يكون مخطئا لان الفعل الذي صدر منه كان واجبا عليه بمقتضى اللوائح والقوانين. وكذلك الحال إذا كان الشرطي قد أطلق النار تنفيذا لأمر صحيح صدر إليه من رئيسه.

أما الشق الثاني فهو المقصود بالحكم الخاص الذي أتى به نص المادة 237 من القانون المدني الكويتي وهو عندما يكون العمل الذي قام به الموظف العام غير مشروع، ولكن الموظف كان يعتقد لمبررات مقبولة أنه يجب عليه أن يقوم به أما تنفيذا لأمر القانون وإما تنفيذا لأمر رئيسه.

ولا شك في أن اعتقاد الموظف بمشروعية الأمر تكون متحققة في حالة عدم استطاعته مناقشة الأمر مع رئيسه، ويتحقق ذلك بصورة واضحة في مجال الوظائف العسكرية عندما لا يتعلق الأمر بمخالفة ظاهرة للقانون أو عندما لا يشكل الأمر ارتكاب جريمة . ولهذا يذهب بعض الفقه إلى أنه يحسن بخصوص العسكريين أن يتقرر عدم مسؤوليتهم كمبدأ عام، حتى لا يترددون في طاعة رؤسائهم، نظرا لأهمية الطاعة وتطلبها منهم بصفة مستمرة في هذا المجال، ولكن شريطة إلا تكون أخطأؤهم بالغة الجسامة، أو ليست من مهام الوظيفة العسكرية كما في حالة إطاعة أمر الرئيس بقتل شخص ما .

الشرط الرابع: يجب أن يثبت الموظف أنه راعى، عندما قام بالعمل الذي سبب ضرراً للغير، جانب الحيطة والحذر، ولهذا يسأل عما يرتكبه من أعمال بالمخالفة لواجب الحيطة والحذر وكان في وسعه تجنبها. ويسأل من باب أولى إذا تجاوز حدود الأمر الصادر إليه. كما لو صدر أمر لعسكري بإلقاء القبض على شخص معين فقام بضربه على الرغم من استسلامه وعدم مقاومته. وهكذا نجد أن تحقق الشروط التي جاءت بها المادة 237 مدني تقتضي عدم مساءلة الموظف العام عن الضرر الذي يلحق بالغير ، وإنما ينظر في مسؤولية رئيسه الذي أمره بالقيام بالفعل الضار، وهذا الرئيس قد يستفيد من الحكم الذي جاء به النص إذا تحققت شروطه في جانبه.

ولا شك في أن المادة السابقة تضمنت استثناء من القواعد العامة في تقدير الخطأ، فوفقا للقواعد العامة التي تستلزم أعمال معيار الشخص العادي أو المعتاد يكون الموظف مسؤولا إذا ثبت أن الموظف العادي الذي في مثل ظروفه، لا يقوم بالعمل الذي قام به، ولا يعفيه من المسؤولية أن يثبت أنه هو شخصيا كان حسن النية بأن كان يعتقد مشروعية العمل الذي قام به، حتى ولو كان اعتقاده مبنيا على مبررات مقبولة، لان معيار الشخص العادي هو معيار موضوعي لا ينظر فيه إلى الظروف الشخصية للموظف المخطئ. أما الاستثناء الذي جاء به النص فهو يتضمن خروجا على المعيار الموضوعي في قياس الخطأ، وذلك بإدخال عنصر شخصي في تقدير الخطأ، وهو حسن نية الموظف، وهذا تقدير ذاتي أو شخصي يعتد بمسلك الموظف نفسه . والحكمة من تقرير هذا الاستثناء، كما تقول المذكرة الإيضاحية للقانون المدني، هو الرغبة في عدم تعطيل الوظيفة العامة، عن طريق تغطية مسؤولية المرؤوسين، حتى لا يحجموا عن تنفيذ أوأمر رؤسائهم متى كانت، في ظاهرها على الأقل، صحيحة سليمة .

المطلب الثاني مدى مساءلة الموظف العام طبقا لأحكام المسؤولية المدنية عن عمل الغير

يقصد بالمسؤولية المدنية عن عمل الغير إلزام شخص بتعويض الأضرار التي يحدثها شخص آخر بعمله غير المشروع لرابطة تقوم بينهما، كرابطة الرقابة أو رابطة التبعية.

وقيام المسؤولية المدنية عن عمل الغير تتطلب قيام مسؤولية هذا الغير أولاً، فلا يكفي إلحاقه ضرراً بالمضرور، بل يتعين ثبوت مسؤوليته عن هذا الضرر، لذلك فالمسؤولية عن عمل الغير هي مسؤولية تبعية تقام تبعا لقيام مسؤولية أخرى أصلية هي مسؤولية الغير محدث الضرر.

والهدف من تقرير المسؤولية عن عمل الغير تسهيل السبيل أمام المضرور للحصول على تعويض ما لحق به من أضرار بإيجاد شخص، هو غالبا أكثر إقتداراً، يلتزم قانونا بالتعويض، إلى جانب المسؤول الأصلي الذي احدث الضرر. ولكن المسؤول عن عمل الغير لا يتحمل بصفة نهائية عبء التعويض الذي يدفعه للمضرور، بل يجوز له الرجوع به على المسؤول الأصلي . وقد نظم القانون المدني الكويتي ثلاث حالات للمسؤولية عن عمل الغير، هي مسؤولية متولي الرقابة عن أعمال الخاضع لرقابته، ومسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه ومسؤولية شاغل المكان مما يلقي أو يسقط منه من أشياء.

وسنتجاوز الحالتين الثانية والثالثة لعدم إمكان تصور قيامهما في جانب الموظف العام بوصفه موظفا عاما. ففي مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه يكون الموظف العام هو التابع وجهة العمل هي المتبوع. لذلك فإن هذه المسؤولية تقام بالنسبة لجهة العمل وليس للموظف العام، كما لا تقوم تلك المسؤولية بالنسبة للرئيس في العمل، فكل من الرئيس والمرؤوس يعملان لحساب جهة العمل. وكذلك الحال بالنسبة لمسؤولية شاغل المكان مما يلقي أو يسقط منه من أشياء، المقررة بالمادة 242 من القانون المدني الكويتي، فمكان العمل الوظيفي يكون مشغولا أو مستغلا من قبل جهة العمل وليس من قبل الموظفين الموجودين فيه، ولذلك فالمسؤولية فيه تقوم بالنسبة لجهة العمل.

المسؤولية المدنية للموظف العام عن أعمال الخاضع لرقابته:

تنص الفقرة الأولى من المادة 238 من القانون المدني الكويتي على ما يلي: “كل من يجب عليه قانونا أو اتفاقا رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية، يكون ملزما في مواجه المضرور، بتعويض الضرر الذي يحدثه له ذلك الشخص بعمله غير المشروع، وذلك ما لم يثبت أنه قام بواجب الرقابة على نحو ما ينبغي، أو أن الضرر كان لا بد واقعا بهذا الواجب”.

ويقصد بالرقابة إلتزام شخص الإشراف على شخص آخر وإسداءه النصح وحسن التوجيه بما يحول دون إضراره بالغير. ويتحقق هذا الإلتزام بالنسبة للموظف العام إذا كان من مهام وظيفته القيام بتلك الرقابة كما هو الحال بالنسبة للمدرسين في رقابتهم على التلاميذ، والأطباء والممرضين في رقابتهم على المرضى. وأساس مسؤولية متولي الرقابة تقوم، كما هو الحال في المسؤولية عن العمل الشخصي، على فكرة الخطأ، ولكن تختلف عنها بأن الخطأ فيها مفترض يتمثل في إخلال الموظف بإلتزامه في رقابة الخاضع، أما في المسؤولية عن العمل الشخصي فينبغي على المضرور أن يثبت خطأ الموظف حتى يمكن مساءلته عن الضرر.

وبناء على ذلك فإن مجرد وقوع الفعل غير المشروع الذي سبب الضرر للغير على النحو الذي يؤدي إلى مسؤولية الخاضع للرقابة افترض القانون أن الموظف متولي الرقابة لم يقم بواجبه في الرقابة بما ينبغي من عناية، ولا يستطيع الموظف أن يتخلص من المسؤولية إلا إذا اثبت أنه قام بواجب الرقابة على نحو ما ينبغي، فيثبت مثلا أنه قد اتخذ كل الاحتياطيات المعقولة ليحول دون إضرار الخاضع لرقابته بالغير.

كما يستطيع الموظف المكلف بالرقابة أن يتخلص من المسؤولية بأن ينفي علاقة السببية بين الخطأ المفترض والضرر، وذلك بأن يقيم الدليل على أن الضرر كان واقعا حتى ولو قام بواجب الرقابة على نحو ما ينبغي من عناية.

أما إذا لم يستطع الموظف اثبات ذلك فلا يتبقى أمامه إلا أن يلتزم بدفع التعويض للمضرور، ويمكنه بعد ذلك الرجوع على الخاضع لرقابته بكل ما دفعه للمضرور. ويلاحظ أن الشخص المضرور إذا كان يستطيع أن يرجع على الموظف متولي الرقابة تطبيقا لمسؤولية متولي الرقابة وكذلك على الشخص الخاضع للرقابة تطبيقا للمسؤولية عن الأعمال الشخصية أو غيرها من حالات المسؤولية، فانه لا يستطيع أن يرجع على الدولة وفقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه بإعتبار الموظف تابعا لها، لان من صدر منه الفعل الضار ليس هو الموظف وانما الخاضع للرقابة، وهذا ليس موظفا، أيّ ليس تابعا لها.

ومع ذلك فقد اورد القانون المدني الكويتي في المادة 239 حكما خاصا بالموظف العام يقتصر تطبيقه على المعلمين دون سواهم من الموظفين، فقرر أن مسؤولية الدولة تحل محل مسؤولية المعلم، ولا يجوز لها أن ترجع على المعلم بما تدفعه للمضرور، حتى ولو تعذر استيفاؤه من مال التلميذ نفسه، وذلك ما لم يثبت الخطأ على المعلم.

ويجد هذا الحكم الخاص بالمعلم تسويغه في رغبة المشرع في عدم تحميل المعلمين مسؤولية ثقيلة لا يتحملها غيرهم من باقي الموظفين. فمسؤوليتهم اشد ثقلا باعبتارهم مسؤولين عن اعداد كبيرة من التلاميذ تستلزم متابعتهم جهدا كبيرا .

المطلب الثالث مدى مساءلة الموظف العام طبقا لأحكام المسؤولية المدنية عن الضرر الناجم عن الاشياء

يقصد بالمسؤولية عن الضرر الناجم عن الاشياء إلتزام الشخص تعويض الضرر الذي تحدثه الاشياءالتي في حراسته للغير. والاشياء التي تكون في حراسة الشخص قد تكون اشياء حية، أيّ الحيوانات بمختلف انواعها، وقد تكون اشياء غير حية، أو ما يعرف بالجماد بما فيها المباني.

وفي ذلك تقرر المادة 243 من القانون المدني الكويتي ما يلي:
1. كل من يتولى حراسة شيء مما يتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منه يلتزم بتعويض الضرر الذي يحدثه هذا الشيء، ما لم يثبت أن هذا الضرر قد وقع بسبب اجنبي من قوة قاهرة أو حادث فجائي أو فعل المضرور أو فعل الغير.
2. وتعتبر من الاشياء التي تتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر السيارات والطائرات وغيرها من المركبات الأخرى والالات الميكانيكية والسفن، والاسلحة، والاسلاك والمعدات الكهربائية، والحيوانات، والمباني، وكل شيء آخر يكون، بحسب طبيعته أو بحسب وضعه، مما يعرض للخطر.
3. وتبقى الحراسة على الحيوان ثابتة للحارس، حتى لو ضل الحيوان أو تسرب وذلك إلى أن يسيطر عليه غيره لحساب نفسه”.

ويتضح من هذا النص أنه لكي تتحقق المسوؤلية يجب أن نكون بصدد شيء مما يعرض للخطر، أما بحسب طبيعته واما بحسب وضعه، فيتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منه، وان يكون هذا الشيء في حراسة الشخص المراد مساءلته، وان يكون الشيء هو الذي أحدث الضرر.

ولا شك في أن الدولة في ممارسة نشاطها تستخدم تلك الاشياء التي ذكرتها تلك المادة على سبيل المثال وغيرها مما ينطبق عليه وصف الاشياء التي تحتاج إلى عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منها، ومن الطبيعي أن تعهد بها إلى الموظفين التابعين لها. فمرفق النقل يعتمد في اداء نشاطه على السيارات وغيره من وسائط النقل، ومرفق الامن يستخدم وسائل وادوات مختلفة لاداء مهمته كالاسلحة والمركبات العسكرية وبعض الحيوانات ككلاب الاثر، ولكن إستعمال هذه الوسائل وتلك الادوات قد يؤدي إلى ما يخالف النتيجة المرجوة منها، حيث يعهد ذلك الاستعمال إلى الموظفين خلال تأدية أعمالهم الوظيفية، واحيانا بعدها، فيقع منهم، عن قصد أو عن غير قصد، ما يسبب ضرراً للغير، فمن يتحمل مسؤولية ذلك؟.

أن قواعد القانون المدني تحمل حارس الشيء تلك المسؤولية، فهل تكون هي الجهة الحكومية أو الموظف الذي يعمل لديها؟ وللاجابة عن هذا السؤال لا بد من تحديد المقصود بحارس الشيء، لانه هو من يتحمل المسؤولية وفقا للمادة 243 من القانون المدني السابق ذكره.

أن مهمة تحديد حارس الشيء ليست بالسهلة؛ فالمشرع الكويتي لم يحدد المقصود بالحراسة ولكن المذكرة الايضايحية للقانون المدني حددتها بانها السيطرة الفعلية على الشيء والتي تمكن صاحبها من الهيمنة والتسلط عليه لحساب نفسه، بحيث يكون زمامه في يديه . وهذا التعريف يحدد الحارس بمن يسيطر على الشيء، أيّ من يكون له سلطة الأمرعليه بما تتضمنه من إستعمال وتوجيه ورقابة، وان يباشر هذه السلطة استقلالا، غير تابع لغيره، بمعنى أن يباشرها لحسابه الخاص بقصد تحقيق مصلحة أو فائد شخصية له .

والعبرة في تحقق الحراسة بالسيطرة على الشيء، أما سلطات الاستعمال والتوجيه والرقابة فهي مجرد معايير يستخلص منها تحقق السيطرة والأمر على الشيء، لذلك تقوم الحراسة بمجرد تحقق السيطرة والأمر على الشيء، سواء تجمعت كل السلطات الثلاث من إستعمال الشيء وتوجيهه ورقابته أو تحقق بعضها فقط، أيّ تتحقق الحراسة ولو تخلف عنصر أو اكثر منها، بل يمكن اللجوء، في تقدير توافر سلطة الأمر والسيطرة على الشيء، إلى غيره هذه السلطات من خلال الوقائع والظروف الخاصة بكل دعوى على حدة. لذلك يترك استخلاص الوقائع التي تدل على تحقق الحراسة لتقدير قاضي الموضوع .

وتكفي السيطرة على الشيء لتحقق الحراسة، ولو لم تكن هذه السيطرة قانونية، أيّ ولو لم تستند إلى حق وسند من القانون، لذلك تتحقق الحراسة لسارق الشيء أو مغتصبه، ما دام قد سيطر عليه سيطرة فعلية توافرت معها سلطة الأمر على الشيء، ولا يحول دون إعتباره حارسا أن تكون سيطرته هذه غير قانونية، وانما يشترط أن تكون هذه السيطرة الفعلية مستقلة، أيّ أن يسيطر الشخص على الشيء لحساب نفسه غير خاضع فيها لرقابة وتوجيه غيره .

والعبرة في تحقق الحراسة بالسيطرة أو سلطة الأمر ذاتها وليس مباشرتها، فهي تقوم بمجرد توافر سلطة الأمر على الشيء والسيطرة عليه، بصرف النظر عن مباشرة هذه السلطة، لذلك فلا اهمية في قيام الحراسة لوجود الشيء أو عدم وجوده تحت يد من له السيطرة عليه .

مدى إعتبار الموظف العام حارسا للشيء المسلم له بسبب وظيفته:
وهذا التساؤل بالغ الاهمية لان الموظف العام إذا عد حارسا للشيء المسلم له بسبب وظيفته فانه يكون مسؤولا عن تعويض الضرر الذي يسببه هذا الشيء للغير ولا يستطيع التخلص من هذه المسؤولية باثبات أنه لم يخطيء في حراسته. أما إذا قررنا عدم إعتباره حارسا لذلك الشيء فإن هذه المسؤولية تقع على الجهة الحكومية التي يعود لها هذا الشيء بإعتبار أنها هي الحارسة له حتى ولو كان ذلك الشيء باستعمال الموظف التابع لها، فلا يشترط في الحارس أن يكون شخصا طبيعيا، بل يمكن أن يكون شخصا إعتباريا . ومما ينبغي تأكيده في هذه الحالة أن يكون الشيء من الوسائل والادوات والمهمات المسلمة للموظف العام بصفته هذه. أما إذا كان هذا الشيء يسيطر عليه الموظف العام بوصفه شخصا عاديا، فانه يصبح حارسا عليه ويسأل عن الضرر الذي يسببه للغير ولكن ليس بإعتباره موظفا عاما وانما بإعتباره شخصا عاديا، وهو ما يخرج عن نطاق بحثنا.

ولما كانت علاقة الموظف العام بالجهة الحكومية التي يعمل فيها تدخل في نطاق علاقة التابع بالمتبوع وفقا للرابطة الوظيفية التي يكتسب منها صفته كموظف عام، فإن مدى إعتباره حارسا يكون من خلال بيان مدى إعتبار التابع حارسا للشيء المسلم له من المتبوع ويعد من مهام وظيفته ولما كانت السيارات من الاشياء الشائعة التي تسلمها الجهات الحكومية لموظفيها، وبسبب كثرة الحوادث المرورية وما تسببه للغير من اضرار مادية وجسمانية فإننا سناخذها كمثال لبيان مدى إعتبار الموظف العام قائد السيارة الحكومية حارسا لها، ومن ثم يصبح مسؤولا عن تعويض الضرر الذي تسببه للغير. إذا قامت الجهة الحكومية بتسليم الموظف العام الذي يعمل لديها سيارة من السيارات التي تملكها أو تكون قد استأجرتها ليقوم بقيادتها، فهنا تتردد السلطة والسيطرة على السيارة بين الجهة الحكومية بإعتبارها من تملك السيطرة والسلطة الفعلية عليها، ومن ثم تكون بحسب الاصل حارسا لها، وبين تابعها الموظف العام الذي قد يكون حارسا لها لانه هو الذي يتولى قيادة السيارة، فهو من يباشر وينفذ السيطرة الفعلية على السيارة. ولما كانت الحراسة تتبدل ولا تتجزأ، بمعنى إلا يكون للسيارة حارسان يختص كل منهما بنوع معين من الحراسة كان يختص الموظف بحراسة استعمالها، وتختص جهة العمل بحراسة رقابتها والاشراف عليها ، فإن الأمر يقتضي تحديد من يعد حارسا للسيارة، فهل تبقى للجهة الحكومية أو تنتقل إلى الموظف الذي يقودها؟ أن هذا الأمر يقتضي أن نميز بين حالتين: الحالة الأولى عندما يقود الموظف السيارة التابعة للجهة الحكومية التي يعمل فيها لتنفيذ الواجبات التي تقتضيها وظيفته، أيّ تعد من مهام وظيفته، وعلى هذا الأساس كان يقود السيارة ، فهنا لا صعوبة في القول أن الموظف في هذه الحالة يخضع لسلطة الجهة التي يعمل فيها ولاوأمرها إعمالا لرابطة التبعية التي تجعله خاضعا وتابعا لها ومنفذا لاوأمرها.

ومن ثم فإن هذا الموظف لا يملك على السيارة السيطرة والسلطة الفعلية التي تفترضها الحراسة، بل تبقى للجهة الحكومية التي يتبعها، فهو ليس حرا في اختيار المكان الذي يذهب إليه ولا الوقت الذي يتحرك فيه وانما يعود ذلك إلى متطلبات الوظيفة التي يشغلها، لذلك لا يصبح الموظف حارسا للسيارة لمجرد قيادتها ما دامت لم تتوافر له السيطرة، والسلطة الفعلية المستقلة عليها عند قيادتها كما في هذه الحالة . ولذلك ذهب بعض الفقه إلى القول: أن الحراسة والتبعية لا تجتمعان. فاسناد صفة الحراسة للمتبوع وليس للتابع يتماشى وتعريف الحارس بانه من يملك سلطة الأمر على السيارة بصفة مستقلة، وهو ما ذهبت إليه محكمة التمييز الكويتية، فقد جاء في حكم لها: “من المقرر أن الحراسة لا تنتقل من حارس الشيء إلى تابعه المنوط به إستعمال الشيء بإعتباره يعمل لحساب متبوعه ولا يسيطر على الشيء سيطرة فعلية لحساب نفسه” .

واكثر من ذلك إذا وضع الموظف الشيء المملوك له، وليكن سيارته الخاصة، في خدمة الجهة التي يعمل فيها فإن الحراسة في هذه الحجالة تنتقل من الموظف إلى جهة العمل .

أما بالنسبة للحالة الثانية وفيها تنتقل السلطة الفعلية على السيارة التابعة للجهة الحكومية إلى الموظف قائد السيارة، ويحدث ذلك بصفة خاصة عندما يستخدم الموظف السيارة التابعة لجهة عمله لقضاء أمورها الخاصة وليس لأمور تتعلق بمهام وظيفته، كما لو سلمت له السيارة كميزة عينية من مزايا الوظيفة أو أن يكون قد قادها بالمخالفة للقرارات التي تنظم استخدام السيارات الحكومية.

أن استقلال الموظف بسلطة الأمر والسيطرة الفعلية على السيارة لحساب نفسه يؤدي إلى انتقال الحراسة من الجهة الحكومية التي تتبعها تلك السيارة بالغير بإعتباره حارسا لها كما هو الحال بالنسبة للحوادث المرورية من اصطدام ودهس، ولا يغير من ذلك ما تطرقنا إليه من عدم اجتماع الحراسة وربط التبعية، فقائد السيارة لم يكن يؤدي مهام وظيفته عند وقوع الحادث الذي سبب ضرر للغير، فهو كما قلنا يستخدم السيارة لحساب نفسه وليس لحساب الجهة التي يعمل فيها وتتبعها السيارة. فاستخدامه للسيارة كان في تلك اللحظة قد حصل بوصفه شخصا عاديا يسيطر عليها لحساب نفسه وليس موظفا عاما يؤدي مهام وظيفته. ولذلك فمسؤوليته عن الأضرار التي تحدثها سيارة الجهة الحكومية للغير لا تتقرر بوصفه موظفا عاماً وانما بوصفه شخصا عاديا، وهذه الصفة تسمح بمساءلته عن الاشياء التي في حراسته، فصفة التبعية تزول عنه وتثبت له صفة الحراسة . ولا يغير من ذلك أن السيارة تعود ملكيتها إلى الجهة الحكومية، فكما عرفنا لا اجتماع بين الملكية والحراسة، فالحراسة يمكن أن تكون لغير المالك، ولكن لان الاصل الظاهر للناس أن السيطرة الفعلية تكون للمالك ، فيفترض أن الجهة الحكومية هي الحارس إلى أن يثبت العكس، ولهذا فليس على الشخص المتضرر من الحادث الذي تسببت به السيارة الحكومية أن يثبت الحراسة في جانب الجهة الحكومية، بل يقع على تلك الجهة إذا ادعت أن الموظف هو الحارس، أن تثبت انتقال الحراسة إليه.

وهكذا ننتهي إلى أن المسؤولية المدنية عن الأضرار التي تحدثها الاشياء لا تتحقق في جانب الموظف العام بصفته تلك، وانما تسأل الجهة الحكومية عن ذلك الضرر بإعتبار أنها هي حارسة ذلك الشيء، ولا يستفيد من هذه المسؤولية إلا من اصابة ضرر من هذا الشيء سواء أكان ذلك المصاب اجنبيا عن الجهة الحكومية أم موظفا لديها بل لو كان هو الموظف الذي عهد إليه بحفظ الشيء أو باستخدامه ما دامت لم تتحقق المسؤولية في جانبه.

واذا دفعت الجهة الحكومية التعويض بإعتبارها حارسة للشيء، ثم ثبت أن الشيء إنما احدث الضرر بخطأ من شخص آخر، كالموظف مثلا، فلها أن ترجع على هذا الشخص بما دفعته ، وليس لهذا الشخص أن يستفيد من حكم المسؤولية عن الاشياء عن طريق الاستناد اليها للوصول إلى إعتبار الحارس شريكا له في المسوؤلية والتخلص من جزء من المسؤولية لان مسؤولية الحارس لم تشرع إلا لمصلحة المصاب الذي تضرر من الشيء .

المطلب الرابع الأساس الذي يحكم بالمسؤولية المدنية للموظف العام

من خلال تعرضنا لحالات المسؤولية المدنية في القانون المدني الكويتي حينما كنا نتتبع مدى انطباق أحكام كل منها على مسؤولية الموظف العام لاحظنا أن المسؤولية المدنية تستند إلى أساسين: الأول يقيمها على أساس شخصي وهو الخطأ، مقررا المسؤولية الخطئية، والثاني يقيمها على أساس موضوعي هو وقوع الضرر دون تطلب الخطأ، أيّ مسؤولية غير خطئية ، وهو ما يعني أن الخطأ يعد ركنا في المسؤولية الخطئية لا تقوم إلا بتوافره، وعلى العكس من ذلك لا يعتبر الخطأ ركنا في المسؤولية غير الخطئية أو الموضوعية بحيث تقوم هذه المسؤولية دون تطلب وجوده، والسؤال الذي يثور في هذا الشأن يتعلق بماهية الأساس الذي تستند إليه المسؤولية المدنية للموظف العام. هل هي مسؤولية خطئية أو غير خطئية.

ومن جهة اخرى نجد أن القانون المدني الكويتي عند تنظيمه للفعل الضار بوصفه مصدرا غير إرادي للإلتزام التعويض سلك منهجاً يميز بين المسؤولية والضمان. الأول هو ما تناولناه فيما سبق. أما الثاني وهو ضمان أذى النفس فعلى الرغم من أنه لا يعد من حالات المسؤولية فهو يتقرر بعيدا عن أحكامها إلا أننا نرى من المناسب أن نبين حكمها بالنسبة للموظف العام لان إلتزام الموظف بمقتضاها يؤدي إلى النتيجة نفسها التي يؤدي اليها قيام مسؤوليته المدنية وهي تعويض المضرور ما اصابه من ضرر.

وبناء على ذلك نقسم هذا المطلب إلى الفرعين التاليين:

الفرع الأول: الخطأ أساس المسؤولية المدنية للموظف العام.

الفرع الثاني: مدى إلتزام الموظف العام بضمان أذى النفس.

الفرع الأول الخطأ أساس المسؤولية المدنية للموظف العام

إذا كانت المسؤولية غير الخطئية تنظر بعين الإعتبار إلى الطرف المضرور والاعتداد بحقه في امنه وسلامته والحفاظ على حقوقه الخاصة من خلال تعويضه عن الأضرار التي لحقت به دون حاجة إلى تكليفه عبء اثبات خطأ من وقع الضرر بفعله غير المشروع. فإن المسؤولية الخطئية تتناسب تماما مع المسؤولية الواجب تحميلها للموظف العام لكونها تنظر بعين الإعتبار إلى من صدر منه الفعل الضار وهو الموظف العام. فاقرار المسؤولية المدنية التي تقوم على الخطأ في انظمة الوظيفة العامة يشكل ضمانة مهمة للموظف العام لانه يؤدي إلى اطلاق حريته في العمل والنشاط دون أن يخشى تعرضه لأحكام المسؤولية المدنية عندما يعلم أنه لن يتحمل عبء المسؤولية المدنية في أثناء ممارسته لعمله الوظيفي إلا إذا ارتكب خطأ، وهذا، بلا شك، سوف يقضي على تردده في اداء عمله مهما اختلفت طبيعة هذا العمل أو كانت محفوفة بالمخاطر. وفي ذلك إرتقاء بالوظيفة العامة التي هي لازمة لتسيير المرافق العامة بانتظام واطراد بما يعود بالنفع على المجتمع كله. واذا كان الأمر كذلك فما المبدأ الذي يحكم المسؤولية المدنية للموظف العام في الكويت؟.

من خلال المطالب الثلاثة السابقة تبين أن المسؤولية المدنية للموظف العام تتحقق في حالتين: الأولى هي مسؤوليته عن عمله الشخصي، أيّ عن العمل غير المشروع الذي ينسب إليه شخصيا. أما الحالة الثانية فتتعلق بمسؤوليته عن العمل غير المشروع الذي ينسب إلى الغير، وقد رأينا أنها تقتصر على مسؤوليته بوصفه متوليا للرقابة. أما ما عدا ذلك من أحكام المسؤولية المدنية فلا تتحقق في جانبه بوصفه موظفا عاما . ومما يلاحظ على هاتين الحالتين للمسؤولية أنهما تستندان إلى الخطأ، بمعنى أن المسؤولية المدنية للموظف العام لا تقوم إلا إذا نسب إليه خطأ عند إرتكابه الفعل غير المشروع، أما إذا لم ينسب إليه خطأ فلا يتحمل المسؤولية عن الأضرار التي تنسب إليه، وهو كما ذكرنا يمثل ضمانة مهمة للموظف العام. وفي تفصيل ذلك نجد أولاً أن مسؤولية الموظف العام عن عمله الشخصي تقاس، كما رأينا، بمعيار موضوعي هو معيار الرجل المعتاد إذا وضع في مثل ظروفه، وهو في هذه الحالة يكون معيار الموظف العادي الذي يصلح لان ينسب إليه الخطأ بركنيه المادي والمعنوي. الركن الأول يمثل الفعل الضار نفسه، أما الركن الثاني فهو التمييز، وهو متحقق في كل موظف . وهكذا فإن اسناد الخطأ إلى الموظف يكون متوافرا بمعناه الصحيح فتحمله المسؤولية عن فعله الضار يكون بناء على نسبة الخطأ إليه وعبء ذلك يقع على عاتق المضرور. ذلك أن اثبات الخطأ يقع على عاتق المدعي في دعوى المسؤولية، وهو المضرور الذي يقع عليه أيّضا عبء اثبات الضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر. واذا كان هناك شك فانه يكون لمصلحة المدعى عليه وهو الموظف فلا يستحق المضرور تعويضا واذا مارس الموظف العام عمله ولم ينسب إليه خطأ فانه لا يكون مسؤولا عما ترتب على ذلك من اضرار بالغير. وكل هذه الأمور هي بلا شك في مصلحة الموظف العام. أما في حالة إذا كانت مسؤولية الموظف العام هي مسؤوليته بوصفه متوليا للرقابة فانها تقوم أيّضا على الخطأ، ولكنه خطأ مفترض افترضه القانون في جانبه ولم يتطلب اثباته من جانب المضرور كما في المسؤولية عن الأعمال الشخصية، ذلك أنها مسؤولية تقوم على افتراض أن الخطأ يرجع إلى تقصير من جانب الموظف متولي الرقابة، وهو افتراض يقبل اثبات العكس، فاذا استطاع الموظف اثبات قيامه بواجب الرقابة كما ينبغي ، أيّ أنه لم يخطيء ولم يقصر في رقابته واشرافه، فانه يهدم بذلك افتراض الخطأ من جانبه، ومن ثم تنتفي مسؤوليته المدنية، فلا يكون ملزما بتعويض المضرور.

ومن جهة اخرى رأينا أن المشرع يعود إلى تطلب اثبات خطأ الموظف إذا كان يشغل وظيفة معلم، فقيام مسؤوليته بوصفه متوليا للرقابة لا تؤدي إلى إلتزامه تعويض المضرور لحلول مسؤولية الدولة محل مسؤوليته، فيقع تعويض المضرور على عاتق الدولة التي لا يسمح لها القانون بأن ترجع على المعلم بما تدفعه للمضرور، حتى لو تعذر استيفاؤه من مال التلميذ نفسه، وذلك ما لم يثبت الخطأ على المعلم . ويعني ذلك أن المعلم لن يتحمل تلك المسؤولية إلا إذا ثبت خطؤه كما هو الحال في مسؤوليته عن عمله الشخصي، حيث يقع عبء اثبات الخطأ على من يدعي وجوده. ولا شك في أن الأمر سيختلف لو كان أساس مسؤولية الموظف العام موضوعيا، أيّ مسؤولية غير خطئية كما هو الحال في مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه ومسؤولية شاغل المكان مما يلقي أو يسقط منه من اشياء والمسؤولية عن الضرر الناجم عن الاشياء، وهي حالات مشددة في المسؤولية المدنية لا تقوم في جانب الموظف العام، ولو امكن ذلك لادى إلى احجام كثير من الموظفين وترددهم في ممارسة أعمالهم خصوصا من يعمل منهم في مجال الوظائف الخطرة التي قد تؤدي إلى الأضرار بالغير كالعاملين في مجال الوظائف الامنية. ففي المسؤولية المقامة على أساس موضوعي لا يمكن للمسؤول أن يتخلص منها باثبات عدم خطئه، فمن يتحمل المسؤولية وفقا لها يلتزم تعويض الضرر سواء اخطأ أو لم يخطئ . وبهذا ننتهي إلى أن اشتراط الخطأ لمساءلة الموظف العام يمثل ضمانة مهمة تجد مصدرها في القواعد العامة للمسؤولية المدنية طبقا للقانون المدني الكويتي على الرغم من أنه لا يعد من تشريعات الوظيفة العامة، فكيف يكون الأمر في تلك التشريعات؟ هل تكتفي بتلك الضمانة أو تذهب إلى ما هو ابعد من ذلك بتوفير ضمانات اكثر خصوصاً أنها تشريعات وضعت من اجل الارتقاء بالوظيفة العامة لكي تقوم بدورها في تسيير المرافق العامة بانتظام واطراد؟ هذا ما سنبينه في الفصل التالي من خلال تقصي قواعد المسؤولية المدنية للموظف العام في تشريعات الوظيفة العامة، ولكن قبل سنبحث في مدى إلتزام الموظف بضمان أذى النفس.

الفرع الثاني مدى إلتزام الموظف العام بضمان أذى النفس

ضمان أذى النفس تنظيم مستند من أحكام الشريعة الإسلامية التي تقضي بألا يهدر دم في الاسلام. وهو أمر قد يحصل على ضوء أحكام المسؤولية، فاذا دهست سيارة أحد الاشخاص فإن التعويض عن الضرر يتوقف على اثبات خطأ قائد السيارة أو اثبات مسؤولية حارسها على نحو ما تطرقنا إليه. أما إذا لم تتحقق هذه المسؤولية أو تلك فإن دم المصاب يصبح هدرا لعدم اقتضاء التعويض. فقائد السيارة لن يسأل لعدم ثبوت الخطأ في جانبه، وحارس السيارة على الرغم من عدم اشتراط اثبات خطئه فانه يتخلص من المسؤولية إذا اثبت وقوع الضرر بسبب اجنبي من قوة قاهرة أو حادث فجائي أو فعل المضرر أو فعل الغير . ولذلك تأتي احكام ضمان أذى النفس لتسد هذا النقص بتقرير ضمان المباشر في كل حالة يقع فيها ضرر على النفس وفقا لقواعد الدية .

ولم يشترط المشرع الكويتي لضمان أذى النفس عدم ثبوت المسؤولية وفقا للقواعد العامة في المسؤولية . ولذلك إذا تعدد الملتزمون وفقا لقواعد الضمان ولقواعد المسؤولية وكانوا متضامنين أو متضامين فانه يحق للدائن مطالبتهم مجتمعين أو مطالبة أيّ منهم بكامل الدين. وبناء على ذلك فإن ثبوت إلتزام قائد السيارة بالدية بإعتباره مباشرا إلى جانب مسؤولية مالك السيارة بإعتباره حارسا لها ومسؤولية شركة التأمين بناء على عقد التأمين لا يمنع من مطالبة أيّ منهم بكامل الدية تطبيقا لقواعد التضمان أو التضامم . وبذلك يكون القانون قد نظم ضمان المباشر لاذى النفس تنظيما اصليا وليس احتياطيا , ولكنه لم يأخذ بها على اطلاقها كما نظمها الفقه الإسلامي، وانما قيد من نطاقها بتطلبه شروطا ثلاثة، يتعلق الأول بمجال هذا الضمان، حيث قصره على الضرر الواقع على النفس، وهو الضرر الذي يصيب جسم الانسان المستوجب للدية الشرعية . أما الشرط الثاني فهو أن يقع الضرر باستعمال شيء تتطلب حراسته عناية خاصة . والشرط الثالث أن يقع الضرر بطريق المباشرة. وهذا الشرط الأخير هو ما يقتضي توضيحه في هذا الصدد لمعرفة إذا ما كان الموظف العام يعد مباشرا، ومن ثم يلتزم بضمان أذى النفس، أم أن علاقة التبعية تحول دون إعتباره مباشرا ، ومن ثم يقع ضمان أذى النفس على المتبوع دون التابع، أيّ على جهة العمل دون الموظف.

تحديد المقصود بمباشر الضرر في ضمان أذى النفس:

المباشر لفظ مستمد من المباشرة، وهي مصطلح يرجع إلى الفقه الإسلامي، ويقصد به احداث الضرر مباشرة، وينصرف ذلك إلى من يكون فعله الذي باشره بنفسه قد جلب بذاته الضرر وكان له سببا من دون واسطة، أيّ بغير أن يتدخل أمر بين هذا الفعل والضرر الناجم مباشرة عنه، وتختلف المباشرة بطبيعتها عن التسبب، وهو ما كان علة للأمر ولكنه لم يحصله بذاته .

ولو طبقنا ذلك على السيارة، وهي من الاشياء التي تتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منها، لوجدنا أن المباشر هو من يقود السيارة وقت ارتكاب الحادث، أيّ الموظف عندما يتولى قيادة السيارة التابعة للجهة الحكومية، ولتوضيح ذلك نجد أن فعل المباشر هنا هو فعل السيارة بإعتبار أن هذا الفعل يضاف إلى سائقها، ومن ثم فإن قائد السيارة يكون مباشرا للضرر إذا تدخلت السيارة في الحادث تدخلا ايجابيا مباشرا، ترتب عليه الحادث والضرر .

وبناء على ذلك يلتزم الموظف، مباشر الضرر، تعويض الأضرار التي تحدث عند قيادته للسيارة التابعة لجهة عمله، ليس استنادا إلى أحكام المسؤولية وحالاتها، وانما أعمالا لقواعد ضمان المباشر التي تنظمها قاعدة المباشرة على خلاف ما رأينا في المسؤولية عن الاشياء، حيث تلتزم جهة العمل تعويض الضرر بإعتبارها من تتولى حراستها دون أن يقع إلتزام على الموظف ما دام الضرر لم ينشأ بخطئه، وبناء على ذلك تثقل قاعدة ضمان المباشر كاهل الموظف العام بتحميله عبء تعويض المضرور على الرغم من أنه كان يقوم بمهام وظيفته عند وقوع الحادث ولم ينسب إليه خطأ يسوغ إلتزامه بالدية. ويعني ذلك أن إلتزام الموظف بالتعويض في هذه الحالة لا يستند إلى فكرة الخطأ على النحو الذي رأيناه في قواعد المسؤولية إلا أننا نعتقد أن ذلك يبقى نظريا فقط. لان الواقع العملي يؤدي إلى غير ذلك ، فالمضرور إذا كان يهدف إلى الحصول على تعويض من المباشر وهو الموظف وفقا لقاعدة ضمان أذى النفس، فانه بالتأكيد سيتوجه إلى جهة عمله، وهي جهة حكومية، للحصول على التعويض بإعتبار أن الموظف تابع لها طبقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه ، ولا شك في أنه سيحصل على ما يطالب به من تعويض، بخلاف الحال فيما لو اقتصر على مطالبة الموظف العام ربما لاتكون لديه القدرة اللازمة لدفع التعويض. وفي هذا الشأن نجد أن وزارة المالية قد اصدرت القرار رقم 22 لسنة 2000 بشأن كفالة الحكومة لوسائل النقل الخاصة بها، حيث قضت المادة الثانية منه بأن تضمن وزارة المالية المسؤولية المترتبة على تسيير وسائل النقل المملوكة للجهات المملوكة وفقا لأحكام قانون المرور رقم 67 لسنة 1976 ولائحته التنفيذية، ويقتصر ضمان هذه لوزارة على تغطية المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث تلك المركبات فقط. كما تضمنت المادة الرابعة منه حكما يسمح بالتعويض في حدود الدية الشرعية، وهكذا سيجد المضرور أمامه طريقا سهلا للحصول على مبلغ الدية الشرعية دون حاجة إلى سلوك طريق المطالبة القضائية بكلفتها ومخاطرها. واذا دفعت الجهة الحكومية مبلغ الدية الشرعية فانها لن ترجع على الموظف بما دفعته إلا إذا كان الضرر قد وقع بخطئه الشخصي ووفقا لما تقضي به المادة السادسة من القرار المذكور. وهكذا نجد أن فكرة الخطأ تفرض نفسها في خصوص الموظف العام حتى لو كنا بصدد أحكام ضمان أذى النفس التي لا ترتبط بالخطأ بحسب تنظيمها في القانون المدني.

واذا كان قرار وزارة المالية ينحصر في حوادث السيارات الحكومية فقط فإن وقوع الضرر من الاشياء الخطرة غير السيارات، كما هو الحال في الاسلحة، يتطلب من المضرور إذا لم يحصل على الدية بالطريق الودي أن يلجأ إلى رفع دعوى قضائية ضد الموظف بإعتباره مباشرا للضرر وضد الجهة الحكومية طبقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، وقطعا سيتجه إلى الطرف الذي يرى إمكانية الحصول على مبلغ الدية منه، وهو الجهة الحكومية، وهذه الأخيرة لن ترجع على الموظف العام إلا إذا ثبت أن الضرر نتج عن خطأ شخصي منه وليس عن خطأ مرفقي على النحو الذي سيتبين لنا في الفصل الثاني.

الفصل الثاني أحكام المسؤولية المدنية للموظف العام في القانون المدني

(التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي)

تمهيد:

تقدم في الفصل الأول أن القواعد العامة في المسؤولية المدنية وفقا لأحكام القانون المدني لا تقوم بالنسبة للمسؤولية المدنية للموظف العام إلا في حالة إرتباطها بالخطأ، وهي مسؤولية تنظر بعين الإعتبار إلى المسؤول عن العمل غير المشروع وهو الموظف العام الذي لن يتحمل تعويض الضرر الذي وقع للغير ما لم ينسب إليه خطأ. وراينا أن ذلك يشكل ضمانة مهمة للموظف العام يترتب عليها اقبال الموظفين على أعمالهم دون خشية تحمل اعباء المسؤولية القانونية إذا ما نتج عن نشاطهم الوظيفي ضرر للغير يلزمهم بتعويضه من اموالهم الخاصة. وتساءلنا هل تكتفي قواعد القانون الإداري في هذا الشأن بتلك الضمانة أو أنها تضيف اليها ضمانات اكثر، خصوصا أن القوانين التي تنظم الوظيفة العامة يكون هدفها تنظيم العمل الوظيفي بما يؤدي إلى إزالة كل ما يعوق اقبال الموظفين على القيام بواجبات الوظيفة وحفظ حقوقهم باقرار الضمانات التي تكفل ذلك؟

وفي اعتقادنا أن تقسيم هذا الفصل إلى المباحث الثلاثة التالية يسهم في ايضاح هذه المسألة:

المبحث الأول: ظهور فكرة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي.

المبحث الثاني: معيار التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي.

المبحث الثالث: اجتماع المسؤولية عن خطأ شخصي وخطأ مرفقي.

المبحث الأول ظهور فكرة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي

اشرنا من قبل إلى أن المسؤولية المدنية للموظف العام تتميز بطبيعة خاصة هي دخول الدولة طرفا في هذه المسوؤلية كونها تباشر نشاطاتها من خلال موظفيها الذين يمثلونها بما يتخذونه من قرارات أو ما يباشرونه من أعمال فتنسب هذه الأعمال اليها، والموظفون بوصفهم اشخاصا طبيعيين معرضون للخطأ والصواب.

وتتحقق مسؤولية الدولة على النحو الذي تحقق به مسؤولية الافراد ، فقواعد المسؤولية المدنية التقصيرية واحدة أياً كان شخص المسؤول: الدولة بوصفها شخصا إعتباريا أو الموظف العام بوصفه فردا عاديا، على النحو الذي رأيناه في حالات المسؤولية المدنية كما نظمها القانون المدني الكويتي.

والعمل غير المشروع الذي قد ينسب إلى الموظف أو الجهة الحكومية قد يكون قرارا إداريا أدى إلى وقوع ضرر لاحد الاشخاص . كما لو كان قرار يتضمن نزع ملكية خاصة لتخصيصها للمنفعة العامة دون أن تتخذ الاجراءات التي يوجبها القانون لنزع الملكية مما يستوجب تعويض المضرور وفقا لأحكام المسؤولية التقصيرية .

أما الأعمال المادية فهي تشمل جميع التصرفات التي لا تندرج تحت مدلول العقود والقرارات الإدارية، كان تصدم سيارة حكومية أحد الافراد فتصيبه باضرار يستحق عنها التعويض، أو أن يعتدي أحد الموظفين على مراجع مسببا له اصابة جسدية أو أن يقوم عمال الجهة الحكومية بحفر الطريق العام دون وضع الارشادات اللازمة لمنع وقوع ضرر للغير فيسقط فيها أحد المارة بما يؤدي إلى اصابته.

ولا يوجد ما يمنع من قيام مسؤولية الجهة الحكومية وفقا لجميع حالات المسؤولية المدنية كما يقررها القانون المدني كما هو الحال بالنسبة للاشخاص الخاصين سواء اكانت مسؤولة مقيدة بالخطأ أم غير مقيدة به. فتسأل عن أعمالها الشخصية وتقوم مسؤوليتها عن عمل الغير بانواعها، وهي مسؤولية متولي الرقابة عن أعمال الخاضع لرقابته ومسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، وكذلك الأمر بالنسبة لمسؤولية شاغل المكان مما يلقي أو يسقط منه من اشياء. كما تقوم مسؤولياتها عن الضرر الناجم عن الاشياء بوصفها حارسة للشيء. أما الموظف العام فإن صفته هذه تحول دون قيام مسؤوليته إلا في حالة وقوع الضرر بناء على خطأ منه، وفي هذه الحالة يستطيع المضرور أن يطالبه بالتعويض أو أن يرجع على جهة عمله تطبيقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه .

وتقوم مسؤولية الموظف على هذا النحو حتى ولو كان المضرور موظفا زميلا له ، كما يسأل عن الضرر الذي يقع لجهة عمله بخطأ منه . أما إذا لم ينسب للموظف خطأ فلا يستطيع المضرور أن يطالبه بالتعويض ولا يبقى أمامه إلا مطالبة جهة العمل إذا قامت بشانها حالة من حالات المسؤولية المدنية.

واذا كانت القاعدة العامة أن المسؤولية المدنية المقيدة بالخطأ تتحقق عن أيّ قدر من الخطأ، بصرف النظر عن نوعه، وهي قاعدة صاغها القانون المدني في قالب عام مجرد، فكل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم مرتكبه بالتعويض. وبناء على ذلك فإن مسؤولية الموظف عن الخطأ الثابت في جانبه تلزمه بإعتباره المسؤول الاصلي بتعويض المضرور، وتبعا لذلك تقوم مسؤولية جهة عمله بإعتبارها متبوعة طبقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، ويكون لها بمقتضى المادة 241 من القانون المدني أن ترجع على الموظف التابع لها بكل ما تدفعه للمضرور عن عمله غير المشروع، ويعني ذلك أن من يتحمل عبء التعويض في نهاية الأمر هو الموظف وليست جهة العمل. ولكن قواعد القانون المدني هذه لا تتلاءم وطبيعة علاقة الدولة بموظفيها. ولذلك يتعين الاحتكام إلى قواعد المسؤولية الإدارية، إذ أن المسؤولية في هذه الحالة تخضع لقواعد القانون العام لا لقواعد القانون الخاص. وان هذه القواعد، أيّ قواعد القانون العام، تستلزم التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، بحيث لا يسأل الموظف مدنيا إلا عن اخطأئه الشخصية، وتتحمل الدولة عبء التعويضات الناجمة عن الاخطأء المرفقية على الرغم من أن الخطأ في الحالتين منسوب إلى الموظف لكنه في الحالة الأولى يلتصق بالموظف شخصيا، بحيث تتعذر نسبته إلى جهة العمل، لذلك يعد خطأً شخصياً. أما في الحالة الثانية فعلى الرغم من أن الموظف قام بارتكاب الفعل الخطأ فانه قام به بوصفه موظفا يؤدي واجبات وظيفته ولانه غير قابل للانفصال عن الوظيفة، لذلك يوصف بانه خطأ مرفقي، ومن ينسب إلى الجهة الحكومية فتتحمل مسؤولية التعويض عنه .
وهذا التوزيع لعبء مسؤولية الموظف العام في القانون الإداري هو توزيع تالٍ لقيام اركان المسؤولية المدنية للموظف وفقا لأحكام القانون المدني ، وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما. ويهدف إلى تحديد من يتحمل العبء النهائي للمسؤولية الموظف أم جهة العمل، مما يشكل ضمانة للموظف العام تقررها أحكام القانون المدني تضاف إلى الضمانة السابقة المقررة بمقتضى أحكام القانون المدني وكانت فروع القانون تتكامل بما يكفل حماية الموظفين لتشجيعهم على حمل المسؤولية وابعادهم عن الروتين والجمود خوفا من تحمل الاعباء المالية في حالة حدوث خطأ ينسب اليهم بما يؤدي إلى إلتزامهم التعويض عن الأضرار التي تترتب على ذلك من اموالهم الخاصة، وهذا الأمر يحقق مصلحة الإدارة ذاتها؛ فاطمئنان الموظف إلى أنه غير مسؤول عن الاخطأء المرفقية يقوي رغبة العمل لديه فلا يتعطل العمل في الإدارة . ولذلك نجد أن المشرع الكويتي اضاف فقرة في نهاية المادة 27 من قانون الخدمة المدنية جاءت على النحو التالي: “ولا يسأل الموظف إلا عن خطئه الشخصي” ، وهو نص جاء ليؤكد هذا المبدأ المستقر في القضاء والفقه قبل أن تقرره النصوص التشريعية. فظهور فكرة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي ترجع في اصلها التاريخي إلى القضاء الفرنسي، حيث كانت قواعد الاختصاص لا تسمح للمحاكم المدنية بالنظر في المنازعات الإدارية التي هي من اختصاص القضاء الإداري ولذلك قضت محكمة النقض الفرنسية في قضية Gaullin بتاريخ 10/12/1879 بأن العمدة الذي أمر بإزالة اعلانات الدعاية الانتخابية لاحد المرشحين، واحلال اعلانات مرشح آخر محلها لا يعد مرتكبا لعمل إداري يخرج عن نطاق اختصاص القضاء العادي، ولكنه يعد قد ارتكب فعلا شخصيا مما يختص هذا القضاء بتقدير طبيعته ونتائجه ، بالرغم من أن إزالة اعلانات الدعاية الانتخابية المخالفة من مهام وظيفته.

وفي الكويت نجد أن القضاء ميز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي حتى قبل أن يتقرر بنص في قانون الخدمة المدنية، حيث قضت بذلك الدائرة الإدارية بالمحكمة الكلية بتاريخ 15/11/1988، ومما جاء في الحكم: ” ذلك أن الموظف وان اعتبر تابعا للجهة الإدارية التي يعمل بها في نطاق المسؤولية المدنية عن أعمال الغير، وهي بهذه المثابة تسأل عن أعماله غير المشروعة التي تلحق ضرراً بالغير، والاصل وفقا لأحكام هذه المسؤولية أن ترجع الإدارة على الموظف بكل ما تدفعه للمضرور تعويضا عن عمله غير المشروع، إلا أنه في اطار العلاقة الوظيفية بين الإدارة والموظف صاغ القضاء الإداري نظرية اخرى للرجوع على الموظف في ماله الخاص عن الضرر الذي يحدث للغير بعمله غير المشروع هي نظرية الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وفيها تجب التفرقة بين نوعي الخطأ، فلا يجوز للإدارة أن ترجع على أيّ من تابعيها في ماله الخاص لاقتضاء ما تحملته من اضرار عن اخطأئهم إلا إذا اتسم هذا الخطأ بالطابع الشخصي .

أن أهمية التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي تتضح في أنه يقيم نظاما يستهدف حماية الموظفين من المساءلة عن بعض اخطأئهم إذا عدت أعمالا إدارية، فلا يسأل عنها الموظف في ماله الخاص، وتسمى بالأعمال المرفقية، وينعقد الاختصاص فيها للقضاء الإداري بإعتبار أن المسؤولية عنها تقع على جهة العمل التي تلتزم دفع التعويض دون أن ترجع على الموظف بما دفعته للمضرور، أما إذا كان الخطأً شخصياً فإن المسؤولية تقع على عاتق الموظف ويسأل عنه في امواله الخاصة، ويكون الاختصاص فيها معقودا للقضاء العادي.

ولا يقصد بالخطأ الشخصي في هذا المقام الخطأ الذي يرتكبه الموظف خارج نطاق الوظيفة والمجرد من كل صلة بها كما هو الحال في الاخطأء التي يرتكبها الموظف في حياته الخاصة، فهي يقينا تعد أخطاء شخصية لعدم وجود صلة بينها وبين الوظيفة، ومثاله الخطأ المنسوب إلى الموظف لارتكابه حادث اصطدام بسيارته الخاصة خارج مقر عمله . أما الخطأ الذي نقصده فهو الذي تربطه علاقة بالوظيفة التي يشغلها الموظف، وغالبا ما تكون التفرقة فيها بين نوعي الخطأ صعبة، ويرجع ذلك إلى أن خطأ الموظف هو في كل حال عمل انساني، ومن ثم تتداخل فيه عوامل كثيرة ، ولذلك نجد أن الشخص المضرور إذا لم تتبين له طبيعة الخطأ فانه يوجه مطالبته إلى الطرفين معا، جهة العمل والموظف التابع لها على أساس ثبوت الخطأ في جانبهما دون حاجة إلى أن يميز نوع الخطأ إذا ما كان شخصيا أو مرفقيا، حيث يترك ذلك للعلاقة بين الموظف وجهة عمله، بل أن مصلحته إلا يميز بين نوعي الخطأ حتى يكون بإمكانه مطالبتهما معا، فوجود اكثر من مسؤول يرجع عليه يمنحه فرصة اكبر للحصول على التعويض، ذلك أن فكرة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي لا تظهر اهميتها إلا فيما يتعلق بتحديد مسؤولية الموظف الشخصية تجاه جهة عمله، فالمضرور يستطيع أن يرجع على جهة العمل حتى في حالة الاخطأء الشخصية للموظفين تطبيقا لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه وفقا لقواعد القانون المدني .

وفي هذا الشأن نجد حكما للمحكمة الإدارية العليا في مصر حيث قضت بانه “… وايا كان الرأي في تحديد الموظف المسؤول عن هذا الفقد (فقد ملف الطعن بقلم كتاب هيئة مفوضي الدولة) أو في معاقبته عن خطئه بحكم تأديبي طعن عليه أو في مدى إعتبار هذا الخطأ من جانبه شخصيا أو مرفقيا في مجال التحمل بالتعويض المترتب على ذلك، فإن القدر المتيقن أن فقد ملف الطعن بقلم كتاب هيئة مفوضي الدولة يشكل ذاته خطأ في حق مجلس الدولة، الأمر الذي يرتب المسؤولية عن هذا الخطأ لصالح الطاعن إذا توافر مع ذلك الخطأ الركنان الآخران للمسؤولية وهما الضرر ورابطة السببية .

المبحث الثاني معيار التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي

لاحظت محكمة التنازع الفرنسية أن خروج العمل من نطاق اختصاص الموظف أو دخوله ضمن اختصاصه، لا يصلح أساسا لتحديد الافعال الشخصية من ناحيةن والافعال المرفقية من ناحية اخرى، لان العمل غير المشروع للموظف، قد يدخل ماديا في نطاق العمل الوظيفي، ومع ذلك يعد منفصلا عن هذا العمل، كالأعمال الوظيفية التي يكون الباعث عليها الانتقام أو الأعمال التي يقوم بها الموظف بطريقة سيئة جدا إلى حد إعتبارها أخطاء شخصية، لا فرق بينها وبين العمل الخطأ الذي ينفصل ماديا عن نطاق العمل الوظيفي، والذي يعد خطأً شخصياً، ولذلك ركزت المحكمة اهتمامها على طبيعة الخطأ ذاته، وعلى الهدف من إرتكابه ومدى جسامته، لتعرف أن كان هذا الخطأً شخصياً أم لا، بدلا من النظر إلى وضع الموظف في أثناء إرتكابه الخطأ واذا ما كان يقوم بأعمال وظيفته أم أنه يقوم بعمل خارج عن اختصاصات وظيفته، وبذلك اختفت المقابلة بين الفعل الشخصي المنفصل عن العمل الوظيفي والعمل الإداري المرتبط بالوظيفة، وهي مقابلة تستند إلى عوامل موضوعية، لتحل محلها المقابلة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي القائمة على عناصر شخصية .

ولما كانت فكرة التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي قد نشأت في نطاق القانون الإداري وتحكمه القواعد التي تنظم العلاقة بين جهة الإدارة والموظف التابع لها فإن تحديد معيار للتمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي يكون بالرجوع إلى ما يقرره هذا القانون الذي هو قانون قضائي النشأة . وفي ذلك قضت محكمة القضاء الإداري في مصر بما يلي: “أنه من المبادئ المقررة في فقه القانون الإداري أن الموظف لا يسأل عن اخطأئه المصلحية، وانما يسأل فقط عن خطئه الشخصي، وفيصل التفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المصلحي يكون بالبحث وراء نية الموظف، فاذا كان لا يهدف من القرار الذي اصدره تحقيق الصالح العام أو كان يعمل مدفوعا بعوامل شخصية أو كان خطؤه جسيما فانه يعتبر خطأً شخصياً يسأل عنه من ماله الخاص” .

كما قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن: ” الخطأ يكون شخصيا إذا كان العمل الضار مصطبغا بطابع شخصي يكشف عن الانسان بضعفه وشهواته وعدم تبصره. أما إذا كان العمل الضار غير مصطبغ بطابع شخصي وينم عن موظف معرض للخطأ والصواب فإن الخطأ يكون مصلحيا. فالعبرة بالقصد الذي ينطوي عليه الموظف وهو يؤدي واجبات وظيفته، فكلما قصد النكاية أو الأضرار أو تغيا منفعته الذاتية كان خطؤه شخصيا يتحمل هو نتائجه. وفيصل التفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المصلحي يكون بالبحث وراء نية الموظف. فاذا كان يهدف من القرار الذي اصدره إلى تحقيق الصالح العام أو كان قد تصرف ليحقق الاهداف المنوطة بالإدارة تحقيقها والتي تدخل في وظيفتها الإدارية، فإن خطأه يندمج في أعمال الوظيفة بحيث لا يمكن فصله عنها، ويعتبر من الاخطأء المنسوبة إلى المرفق العام، ويكون خطأ الموظف هنا مصلحيا. أما إذا تبين أن الموظف لم يعمل للصالح العام أو كان يعمل مدفوعا بعوامل شخصية أو كان خطؤه جسيما بحيث يصل إلى حد ارتكاب جريمة تقع تحت طائلة قانون العقوبات فإن الخطأ في هذه الحالة يعتبر شخصيا” .

وفي الاتجاه نفسه سار القضاء الكويتي، فقضت محكمة التمييز بما يلي: “من المقرر أن التفرقة بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي إنما يتحدد تبعا لما يستخلصه القاضي من ظروف كل حالة وملابساتها، مستهديا في ذلك بعديد من المعايير، منها نية الموظف ومبلغ الخطأ من الجسامة والدافع إلى إرتكابه، فالعبرة بالقصد الذي ينطوي عليه الموظف وهو يؤدي واجبات وظيفته، فكلما قصد النكاية أو الأضرار أو تغيا منفعته الذاتية كان خطؤه شخصيا ويتحمل نتائجه وكذلك كلما كان الخطأً جسيماً، أيّ متى كان عمل الموظف الضار مشوبا بسوء النية أو كان بالغا حد الجسامة، والا كان العمل الضار مصلحيا يسأل عنه ذات المرفق” .

ويتضح مما سبق أن أحكام القضاء تميز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي عن طريق معيارين: الأول معيار نية الموظف، والثاني معيار مدى جسامة الخطأ. ويكفي استخدام أحد المعيارين لمعرفة الخطأ الشخصي، واذا تعذر ذلك عد الخطأ مرفقيا. وهو يعد كذلك أيّضا في الحالة التي لا يمكن فيها تحديد موظف معين أو مجموعة معينة من الموظفين ينسب اليها الخطأ الشخصي ويعود ذلك إلى أن الخطأ المجهل لا يكشف عن سلوك مؤثم بقدر ما يكشف عن سوء سير المرفق . فكل خطأ وظيفي يعد خطأ مرفقيا إلى أن يثبت أنه خطأ شخصي ، وهي مهمة ليست بالسهلة، لذلك لا بد من بحث كل حالة على حدة مع الاخذ بعين الإعتبار جميع الظروف والإعتبارات المحيطة.

ولاهمية المعايير التي اخذ بها القضاء في التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي فإننا سنتناولها بشيء من التفصيل مع بيان مدى إعتبار الجريمة خطأً شخصياً.

أولاً- معيار نية الموظف:

يعتد مجلس الدولة الفرنسي، وهو بصدد التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، بنية الموظف، فاذا كانت نيته سيئة تنطوي على مجرد الايذاء أو تحقيق منفعة خاصة لنفسه أو لغيره أو كان مدفوعا باهداف شخصية أو محاباة لغيره على حساب المصلحة العامة فإن الخطأ في هذه الحالات يعد خطأً شخصياً، أما إذا وقع الخطأ من الموظف بحسن نية وهو يمارس أعمال وظيفته فانه يعد خطأ مرفقيا .

ومن الأحكام التي عد فيها الخطأً شخصياً بالنظر إلى سوء نية الموظف استخدام شرطي العنف بقصد الانتقام ، وامتناع موظف البريد عن ارسال رسالة تحتوي طلب اشتراك في مناقصة بتحريض من منافس لمرسل الرسالة . أو قيام موظف البريد بضرب شخص اراد تسجيل أحد الطرود .

كما إعتد مجلس الدولة المصري بنية الموظف واتجاه قصده. وفي ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا: “بأن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه يعتبر الخطأً شخصياً إذا كان العمل الضار مصطبغا بطابع شخصي يكشف عن الانسان بضعفه وشهواته وعدم تبصره. أما إذا كان العمل الضار غير مصطبغ بطابع شخصي وينم عن موظف معرض للخطأ والصواب فإن الخطأ في هذ الحالة يكون مصلحيا، فالعبرة بالقصد الذي ينطوي عليه الموظف . وفي الكويت قضت محكمة التمييز بأن: “فيصل التفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المصلحي أو المرفقي يكون بالبحث وراء نية الموظف، فإن كان الدافع لتصرفه تحقيق الصالح العام، فإن الخطأ يندمج في أعمال الوظيفة بحيث لا يمكن فصله عنها ويعتبر من الاخطأء المنسوبة للمرفق العام، ويكون خطأ الموظف حينئذ مصلحيا أو مرفقيا” .

ولما كان معيار نية الموظف يمثل معيارا شخصيا يتم بالنظر إلى شخص الموظف ذاته، ويتطلب اثبات سوء نيته بما يمثله من خطأ عمدي، ولا يتأتى ذلك إلا إذا قام القاضي بدراسة نفسية الموظف وبحث مختلف الظروف التي اسهمت في احداث الضرر، ومن ثم فهو أمر ليس بالسهل خصوصا إذا لم يثبت سوء النية بشكل قاطع. لذلك كان لا بد من البحث عن معيار موضوعي ينظر إلى الخطأ ذاته، ولهذا ظهر معيار الخطأ الجسيم.

ثانيا- معيار الخطأ الجسيم:

إذا لم يدل خطأ الموظف على سوء نيته واتجاهه لتحقيق غرض شخصي فإن القضاء يلجأ في سبيل التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي إلى معيار الخطأ الجسيم، وهو معيار موضوعي ينظر فيه إلى الفعل الخطأ ذاته، فاذا ما كان يمثل خطأً جسيماً فانه حينئذ يكون خطأً شخصياً، أما إذا لم يكن كذلك فيعد خطأ مرفقيا. ولكن ما المقصود بالخطأ الجسيم؟.

إذا كان الخطأ مجردا من أيّ وصف يعني عدم التبصر والإهمال والرعونة وغيرها من صور الخطأ الذي يقاس بمقياس الرجل العادي فما الذي يعينه وصف الخطأ الجسيم غير أنه يمثل درجة من درجات الخطأ غير العمدي .

ذهب بعض الفقهاء إلى أن الخطأ الجسيم هو الذي لا يصدر من اقل الناس تبصرا. ويذهب بعضهم الاخر إلى أنه الخطأ الذي يبلغ حدا يسمح بافتراض سوء نية الفاعل عندما لا يتوافر الدليل عليها .

وبناء على ذلك فإن الخطأ الجسيم اشد اثرا من الخطأ العادي، فالأخير يدل على الاخطأء اليسيرة أو البسيطة التي يعذر فيها الموظف إذا ما وضعنا في الإعتبار جميع الظروف التي صاحبت وقوع الخطأ. فالموظف يعمل لحساب جهة الإدارة التي تملك وحدها إمكانية تنظيم العمل والسيطرة عليه بطريقة تهدف إلى تجنب وقوع الأضرار من جراء الانشطة الوظيفية. وفي مثل هذه الاحوال لن يكون من مصلحة العمل تحميل الموظفين وفي جميع الاحوال جميع النتائج الضارة التي قد تقع بناء على اخطأئهم البسيطة أو التافهة والا أدى ذلك لاحجامهم عن العمل خشية تحمل المسؤولية.

أم الخطأ الجسيم فانه يكشف عن اضرار خطرة لا يمكن التجاوز عنها أو أن التجاوز عنها يضر بمصلحة الجهة الحكومية، ويؤثر في حسن سير العمل ، لذا ينبغي التصدي لها ومحاسبة الموظف المسؤول عنها بتحميله عبء تعويض الأضرار المترتبة على خطئه.

ومن التطبيقات القضائية للخطأ الجسيم قيام الطبيب بتطعيم الاطفال بمصل فاسد على الرغم من عدم سوء نيته ، واستخدام الشرطي العنف دون مسوغ حتى ولو كان حسن النية ، وتضرر سيارة العامل بسبب قيادتها من موظف في حال سكر .

وفي مصر قضت المحكمة الإدارية العليا بما يلي: “ومن حيث أن خطأ العامل يعتبر خطأً شخصياً إذا كان العمل الضار مصطبغا بطابع شخصي يكشف عن الانسان بضعفه ونزواته وعدم تبصره وان خطورة السير بالسيارة مع نقص زيت الموتورو واثرها الضار على الموتور يمثل معلومة اولية عامة عند ممتهني قيادة السيارات، فمن ثم فإن قيادة المطعون ضده للسيارة الحكومية رقم 3379 رغم نقص زيت الموتور مما أدى إلى احتراقه يمثل خطأً جسيماً يبلغ مرتبة الخطأ الشخصي الذي يسأل المطعون ضده مدنيا عنه”

ثالثا – مدى إعتبار الجريمة خطأً شخصياً:

فيما مضى ساد اعتقاد بأن إدانة الموظف بحكم جزائي سواء أكان جناية أم جنحة حتى ولو كان حكما صادرا من محكمة المرور يعد بالضرورة خطأً شخصياً يسأل عنه الموظف من ماله الخاص بإعتبار أن الإدانة في هذه الحالة تكشف عن توافر القصد الجنائي في جانب الموظف، وتدل دلالة واضحة على جسامة الخطأ، كما أن نشاط الوظيفة العامة يتعارض مع ارتكاب الجرائم بحيث لا يتصور أن ترتكب الجهة الحكومية جرائم وان تسأل عنها.

ولكن القضاء الفرنسي تجاوز ذلك منذ عام 1935 عندما صدر حكم من محكمة التنازع في قضية Thepaz ، الذي فصل فيه بين فكرة الخطأ الشخصي والخطأ الجزائي، حيث قررت المحكمة أنه ليس بالضرورة أن يكون الخطأ الجزائي في كل الاحوال خطأً شخصياً. وتتعلق هذه القضية بسائق في الجيش الفرنسي كان يسير بسيارة عسكرية ضمن رتل اليات عسكرية فصدم أحد الاشخاص واصابه بجروح بسبب انحرافه بالسيارة لتجنب الاصطدام بالسيارة التي أمامه. وصدر حكم من المحكمة الجزائية بتغريم السائق والزامه بتعويض الضرر، وعندما طعن في الحكم بالاسئتناف نازعت الدولة في اختصاص القضاء العادي بنظر الدعوى على إعتبار أنه خطأ مرفقي، فعرض الأمر على محكمة التنازع التي قررت أن الخطأ الذي ارتكبه قائد السيارة العسكرية ومن خلال الظروف التي وقع فيها لا يعتبر خطأً شخصياً لعدم انفصاله عن الوظيفة، كما أن إدانة الموظف بعقوبة جزائية، وهي الغرامة، لا يسوغ اختصاص القضاء العادي بنظر دعوى التعويض. ولم يكن هذا الحكم هو الوحيد لمحكمة التنازع الفرنسية في اتجاه الفصل بين الجريمة والخطأ الشخصي. فقد تلته أحكام اخرى استقر بها الشأن الفرنسي على ضرورة التفرقة بينهما . ومن الأحكام الحديثة في هذا الشأن ما قضى به من أن إدانة ممرض بسبب إهماله الذي نجم عنه سقوط مريض بعد اجراء جراحة له واصابته بجروح، لا يؤدي إلى قيام مسؤوليته المدنية دون البحث عن توافر الخطأ الشخصي في هذه الواقعة

ومن جهة اخرى نجد لهذا الاتجاه صدى في مصر، حيث ذهبت محكمة القضاء الإداري في حكم لها بتاريخ 15 نوفمبر 1971 إلى “أن القضاء الإداري وان كان يتقيد بما اثبته الحكم الجنائي من وقائع كان فصله فيها لازما، إلا أنه لا يتقيد بالتكييف القانوني لهذه الوقائع، فقد يختلف من الناحية الإدارية عنه في الناحية الجنائية. وتأسيسا على ذلك فإن الواقعة التي انتهت إلى الحكم على المطعون ضده جنائيا وان كانت تشكل في حقه جريمة جنائية استوجبت توقيع الجزاء عليه. إلا أن للقضاء الإداري تكييف هذه الواقعة من الناحية الإدارية والفصل فيما إذا كان الفعل الذي صدر عنه، مع التسليم بثبوته، يشكل خطأ يوجب مساءلته عن الأضرار التي نتجت عن هذا الخطأ أم لا…. ومن حيث أنه لا مقنع فيما ذهبت إليه الجهة الطاعنة من أن خطأ المطعون ضده وقد ثبت بحكم جنائي فانه يكون خطأً شخصياً، ذلك أن الخطأ الجنائي لا يعتبر لزاما خطأً شخصياً بل يتعين النظر إليه في مجال مساءلة الموظف عن الأضرار التي نشأت عنه كما لو كان لا يمثل خطأ جنائيا. فإعتبار الخطأ جنائيا اوغير جنائي لا يؤثر بذاته على إعتباره خطأً شخصياً أو مرفقيا، إذ أن الخطأ الجنائي قد يكون في بعض الأوقات خطأ مرفقيا” .

كما ورد في احدى فتاوات الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة المصري ما يؤيد ذلك وفقا لما يلي: ” واستبان للجمعية العمومية أن الخطأ يعتبر شخصيا ويسأل العامل عنه مدنيا اذا كان العمل الضار مصطبغا بطابع شخصي يكشف عن الانسان بضعفه ونزواته وعدم تبصره، أما اذا كان العمل الضار غير مصطبغ بطابع شخصي وينم عن موظف معرض للخطأ فإن الخطأ في هذه الحالة يكون مرفقيا، فالمناط بالقصد الذي ينطوي عليه الموظف وهو يؤدي واجبات وظيفته، ومن ثم فإن الجريمة التي يرتكبها الموظف لا تعتبر من قبيل الخطأ الشخصي إلا اذا كانت متعلقة بعمله بالوظيفة او ارتكبت عمدا او انطوت على درجة جسيمة من الخطأ” وعلى الرغم من الاتجاه السابق فإن المحكمة الإدارية العليا في مصر ربطت في أحكامها بين وجود الجريمة ووجود الخطأ الشخصي. وفي ذلك تقول: “أن الخطأ يكون شخصيا حين يصل إلى حد ارتكاب جريمة تقع تحت طائلة قانون العقوبات” . وفي حكم آخر قررت المحكمة ذاتها: “أن الحكم المطعون فيه قد جانب الصواب حين نفى وقوع خطأ من جانب المدعي يعد خطأً جسيماً واسناد هذا الخطأ إلى المرفق ذاته، مع أن المدعي قد قدم للمحاكمة الجنائية عن الخطأ الذي نسب إليه والذي وقع منه بالمخالفة لاوأمر قيادة البحرية ولوائح المرور، وقضى بادانته من اجله جنائيا بإعتباره خطأً شخصياً بلغ حد الجريمة التي تقع تحت طائلة قانون العقوبات” .

وفي حكم آخر يكشف عن اصرار هذه المحكمة على هذا الاتجاه نجده تقرر ما يلي: ” فالموظف الذي يرتكب جريمة جنائية أثناء قيامه بواجبات وظيفته او بسببها… يعتبر دائما وباستمرار مرتكبا لخطأ شخصي يسأل عنه” .

ويبدو أن اتجاه المحكمة الإدارية العليا المصرية قد اثر بدوره في محكمة التمييز الكويتية عندما ربطت بين الجريمة والخطأ الشخصي فقضت في حكم لها بما يلي: ” أنه متى كان الموظف قد قدم للمحاكمة الجزائية عن الخطأ الذي نسب إليه وقضى بادانته من اجله بإعتباره خطأً شخصياً جسيما بلغ حد الجريمة التي تقع تحت طائلة قانون الجزاء فلا يكون ثمة محل لاسناد هذا الخطأ إلى المرفق ذاته، ويتعين من ثم إعتبار الموظف مسؤولا مدينا عن تعويض الأضرار الناتجة عن الخطأ الذي وقع منه وثبت في حقه” . وعلى الرغم من ذلك فنحن لا نتفق مع ما ذهبت إليه تلك الأحكام من أن الجريمة تمثل بالضرورة خطأً شخصياً، فهو بالإضافة إلى مخالفته لما استقر عليه القضاء الفرنسي والفقه فإن المنطق القانوني والعدالة يؤديان إلى القول بعدم وجود تلازم بين المسؤولية الجزائية والخطأ الشخصي . فمما يجافي المنطق أن هناك جرائم يعاقب عليها قانون الجزاء على الرغم من بساطتها كما هو الحال في الاخطأء المرورية، فلا نعتقد أن عدم ترك السائق مسافة كافية بينه وبين السيارة التي أمامه يشكل خطأً جسيماً أو يدل بالضرورة على سوء نيته فيما لو نتج عن ذلك حادث مروري ترتب عليه وقوع ضرر أدى إلى صدور حكم بالإدانة، فالخطأ في هذه الحالة هو خطأ عادي قد يحصل لأي شخص ، فالمساءلة الجزائية لا تتوقف على سوء النية أو على جسامة الخطأ بل أن بيان جسامة الخطأ في الحكم الجزائي لا يقيد القاضي المدني ما لم يكن ذلك لازما لقيام الحكم الجزائي . ومن جهة اخرى توجد أخطاء جسيمة في نطاق المسوؤلية الإدارية، ومع ذلك لا يعاقب عليها قانون الجزاء حتى لو قامت المسؤولية المدنية بشانها، فالمبدأ في القانون الجزائي لا جريمة أو عقوبة إلا بناء على قانون على خلاف الحال في المسؤولية الإدارية من حيث عدم حصر المخالفات الوظيفية.

كما تتنافى العدالة مع إعتبار الموظف مسؤولا عن تعويض الأضرار التي تقع بسبب فعله الخطأ لمجرد ثبوت مسؤوليته الجزائية في الحالة التي تكون فيها الجريمة غير عمدية، فهو قد قام بهذا الفعل بإعتباره موظفا وليس بإعتباره شخصا عاديا، ولذلك فهذا العمل ينسب إلى الجهة التي يعمل فيها، فهي التي تستفيد منه، صحيح أنه ارتكب خطأ وحوكم عنه بإعتباره جريمة، إلا أننا يجب أن نحاسبه على درجة الخطأ المرتكب، فاذا كان خطأً جسيماً أو كشف عن سوء نيته عد خطأً شخصياً وقامت مسؤوليته المدنية، أما إذا لم يكن كذلك عد خطأ مرفقيا، خصوصا في ظل عدم إمكان مساءلة الجهة الحكومية جزائياً .
وبناء على ذلك فالوصف القانوني للفعل المرتكب لا يهم، إنما الذي يهم هو طبيعته ومدى جسامته والظروف التي ارتكب فيها، وهو أمر لا يتأتى إلا ببحث كل حالة على حدة دون وضع قوالب معينة والقول أنها تمثل أخطاء شخصية. ولعلنا نجد في فتاوى ادار الفتوى والتشريع في الكويت ما يؤيد ذلك، ففي احدى الفتاوى لم تلتزم بالحكم الجزائي الصادر بالإدانة وانما بحثت في الخطأ الثابت بمقتضى الحكم في جانب الموظف، وانتهت إلى أنه لا يعد خطأً جسيماً .

المبحث الثالث اجتماع المسؤولية عن خطأ شخصي وخطأ مرفقي

انتهينا فيما سبق إلى أن التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي تترتب عليه نتيجة في غاية الاهمية، وهي أن توافر الخطأ الشخصي يؤدي إلى مسؤولية الموظف الشخصية التي تترتب اقتضاء المضرور مبلغ التعويض من مال الموظف الخاص. أما حيث يكون الخطأ مرفقيا فإن الإدارة هي من تتحمل مبلغ التعويض ولا يلتزم الموظف شيئا، وهذه النتيجة تتقرر على الرغم من أن الخطأ في الحالتين قد وقع من الموظف. ويسوغ ذلك بأن الخطأ الشخصي ينسب إلى الموظف، أما الخطأ المرفقي فيندمج في الوظيفة، بحيث لا يمكن فصله عن واجبات الوظيفة، لذا ينسب إلى جهة العمل. ولا صعوبة في الأمر إذا امكن تحديد نوع الخطأ، عندئذ يتحدد نوع الشخص المسؤول؛ جهة العمل إذا كان خطأ مرفقيا والموظف إذا كان خطأً شخصياً. ولان الخطأ المنسوب إلى الموظف هو سلوك انساني في المقام الأول، ومن ثم يصعب تحديد طبيعته بصورة مؤكدة، فالخطأ، بوصفه فعلا، تتداخل فيه عوامل كثيرة، قد تكون مرفقية كما قد تكون شخصية، ويصعب في احيان كثيرة تمييزها والفصل بينها، ولذلك لا بد من التسليم بأن الضرر قد يشترك في احداثه خطأ مرفقي وخطأ شخصي في الوقت نفسه . ومما يتنافى مع العدالة تحميل الموظف أو جهة العمل كل على حدة تعويض كل الضرر، ولهذا فإن المسؤولية يجب أن تقسم بحسب درجة اسهام كل حانب في احداث الضرر . وقد يستغرق أحد الخطأين الاخر، عندئذ يتحمل المسؤولية من ينسب إليه الخطأ الذي استغرق الاخر .

وقد طبق مجلس الدولة الفرنسي فكرة الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي في أحد أحكامه عندما قرر توافر الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي في قضية delville، حيث عد قيادة الموظف لسيارة العمل وهو في حالة سكر خطأً شخصياً. كما عد سوء كوابح السيارة خطأ مرفقيا، وقد اسهم كل من الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي في احداث الضرر على نحو متساو وقدر نصيب كل منهما في التعويض مناصفة .

كما قرر في حكم آخر توافر الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي في محاولة أحد العسكريين تفكيك قنبلة في منزله مما أدى إلى انفجارها وقتل جيرانه واصابتهم، وتمثل الخطأ الشخصي للعسكري في سلوكه الخطأ، واقر أيّضا بتوافر الخطأ المرفقي في جانب الجهة التي يعمل بها العسكري لعدم اتخاذها الاحتياطات اللازمة لمنع حيازة العسكري خارج مقر عمله مثل هذه القنابل لخطورتها .

ومبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي اخذ به القضاء الإداري المصري. ففي حكم لمحكمة القضاء الإداري بتاريخ 29/6/1950 ذهبت إلى أنه: “من حيث أن اقرار الحكومة بمسؤوليتها عن التعويض لا يرفع عنه أيّضا مسؤوليته، الموظف المختص، ما دام أن وظيفته هي التي مكنته من ارتكاب الخطأ الشخصي أساس التعويض المطالب به. فهو يعد بذاته دليلا على وجود خطأ مصلحي تسأل عنه الحكومة، ذلك أنه لا يوجد تعارض بين الخطأين يؤدي إلى استحالة اجتماعهما معا في قضية واحدة أو إلى انتفاء احدهما بوجود آخر، لان ذات الفعل أو الترك قد يكون خطأً شخصياً ومصلحيا في الوقت ذاته، إذ يعد الخطأ الشخصي متى وقع من الموظف أثناء تأدية وظيفته أو بمناسبة تأديتها دليلا على خطأ مصلحي تسأل عن الحكومة لإهمالها في الرقابة والاشراف على موظفيها. وعلى ذلك فليس في القانون ما يمنع من قيام مسؤولية الحكومة عن خطئها المصلحي بجانب مسؤولية الموظف عن خطئه الشخصي، ولا يمنع أيّضا طالب التعويض من أن يجمع بين هاتين المسؤوليتين معا في قضية واحدة” .

الخاتمة

يعد موضوع المسؤولية المدنية للموظف العام من الموضوعات المهمة والجديرة بالبحث في دولة الكويت بإعتبار الوظيفة العامة مصدرا رئيسيا للدخل وتمثل الاسلوب الاكثر استخداما لإدارة المرافق العامة، ولا شك أن النشاط المكثف للوظيفة العامة سيؤدي إلى ازدياد فرص وقوع اضرار للغير توجب التعويض عنها.

ومما ينبغي ملاحظته في هذا الشأن أن الجهة الحكومية بوصفها كائنا معنويا لا يصدر منها الفعل الضار، وانما يصدر من الموظف العام الذي يمثلها ويعبر عن ارادتها. وعلى ذلك تتميز مسؤولية الموظف العام المدنية بوجود علاقة ثلاثية الاطراف: الجهة الحكومية، والموظف مرتكب الفعل الضار، والشخص المضرور. صحيح أن القانون المدني ينظم صورة مشابهة لذلك تتمثل في مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، إلا أن ذلك التشابه ينبغي إلا يحجب الفارق بينهما. فالتابع في اطار العلاقات الخاصة يقوم بانجاز المصالح الخاصة للمتبوع، أما الموظف العام فيسهم في إدارة المرافق العامة للدولة، ومن ثم يكون هدفه تحقيق المصلحة العامة. وقد أوضحت هذه الدراسة الطبيعة الخاصة والمميزة للقواعد القانونية التي تطبق على المسؤولية المدنية للموظف العام، ومن خلالها توصلنا إلى النتائج التالية:

أولاً: قيام المسؤولية المدنية للموظف العام إلى جانب المسؤولية المدنية للجهة الحكومية التي يتبعها الموظف، وما يترتب على ذلك من تطبيق نوعين من القواعد القانونية. الأول يجد مصدره في قواعد المسؤولية المدنية التقصيرية كما ينظمها القانون المدني. أما النوع الثاني فهي تلك القواعد المقررة في أحكام القانون الإداري ومبادئه. وعلى الرغم من اختلاف مصدر كلا النوعين من القواعد عن الاخر وتغاير الفرع الذي ينتمي إليه كل منهما بين الخاص والعام فإن تطبيقهما معا يتسم بالتكامل، فكلاهما يكمل الاخر، ولا يوجد أيّ تعارض أو تناقض بينهما، وهما معا يمثلان ضمانة وظيفية مهمة للموظف العام تشعره بالطمأنينة، وفي ذلك ارتقاء بالوظيفة العامة وزيادة فاعليتها في تسيير المرافق العامة بانتظام واطراد.

ثانيا: أن تطبيق قواعد المسؤولية المدنية على الموظف العام، كما نظمها القانون المدني، يكشف عن اقتصارها على تلك الحالات التي تتطلب توافر الخطأ لقيامها، أيّ المسؤولية الخطئية، أما النوع الاخر للمسؤولية، وهو المسؤولية التي لا تتطلب الخطأ لقيامها فلا تتحقق في جانبه. بحيث إذا لم ينسب خطأ ما للموظف العام في فعله الضار فانه لا يكون مسؤولا عن تعويض المضرور عما ترتب من ضرر عن هذا الفعل، بل يقع عبء التعويض عنه على جهة عمله. وهذا بلا شك يمثل ضمانة مهمة للموظف العام؛ فعلمه بهذا الأمر يؤدي إلى اطلاق حريته في ممارسة واجبات وظيفية. أما التشدد في هذه المسؤولية تجاه الموظف بتقرير مسؤوليته غير الخطئية فانه يقتل روح المبادرة لديه، ويدفعه للتراخي، وربما للتهرب من مباشرة واجباته الوظيفية خشية أن يجد نفسه ملتزما تعويض المضرور من جراء نشاطه الوظيفي من ماله الخاص، حتى لو لم ينسب إليه خطأ ما، وهذا وضع غريب، فبدلا من أن تكون الوظيفة مصدرا للكسب تنقل إلى مصدر للخسارة.

ثالثا: إذا استقر الأمر على مبدأ مساءلة الموظف العام طبقا لأحكام المسؤولية المقيدة بالخطأ فإن قواعد القانون المدني تلزمه بتعويض الضرر الناجم عن أيّ قدر من الخطأ، بصرف النظر عن نوعه، ما دام ثبت في جانبه ورتب أضرار بالغير. كما تلزم جهة عمله أيّضا بإعتبارها متبوعة، ولكن يجوز لها أن ترجع على الموظف بكل ما دفعته للمضرور من تعويض. وهو ما يعني أن الموظف هو من يتحمل كامل التعويض في نهاية الأمر بإعتبار أن مسؤولية المتبوع هي مسؤولية احتياطية تقررت لمصلحة المضرور ولا اثر لها في العلاقة بين المتبوع والتابع. ولكن لان هذه المسألة تتعلق بعلاقة الجهة الحكومية (المتبوع) بموظفها (التابع) فإن الحكم فيها يجب أن يكون خاضعا لقواعد القانون الإداري ومبادئه، وهي في هذه الحالة لم تأخذ بفكرة الخطأ كما هي في القانون المدني بل جعلت لها سمة مبتكرة تتمثل في التفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وبمقتضاها لا يتحمل الموظف العام عبء تعويض المضرور إلا عن اخطأئه الشخصية، في حين تتحمل الجهة الحكومية تعويض الأضرار المترتبة على الخطأ المرفقي، على الرغم من أن الخطأ في الحالتين هو خطأ صادر من الموظف، لكنه في الحالة الأولى ينسب للموظف لذلك يعد خطأً شخصياً، أما في الحالة الثانية فعلى الرغم من أن الموظف قام بارتكابه ماديا فانه قام به بمناسبة كونه موظفا يؤدي واجبات وظيفته، ولذلك يوصف بانه خطأ مرفقي، ومن ثم تتحمل آثاره الجهة الحكومية. وفي حالة اجتماع الخطأين معا في احداث الضرر فإن المسؤولية تقسم بين الموظف وجهة عمله بحسب نسبة اسهام كل جانب منهما في احداث الضرر. وهذا بلا ادنى شك يعد ضمانة مهمة للموظف العام تقررها أحكام القانون الإداري لتضاف إلى الضمانة السابقة المقررة بمقتضى أحكام القانون المدني.

رابعا: القضاء بدوره اسهم في تقرير ضمانات اكثر للموظف العام؛ فهو عندما ميز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي اعتمد على عناصر تستخلص من ظروف كل حالة وملابساتها، واوجد في هذا الشأن معيارين؛ الأول: معيار سوء نية الموظف. والثاني: معيار الخطأ الجسيم. واكتفى بتوافر أحد المعيارين للحكم على الخطأ بانه خطأ شخصي، وفي حالة تعذر ذلك عد الخطأ مرفقيا، ومن ثم يعد كل خطأ ينسب للموظف العام خطأ مرفقياً إلى أن يثبت أنه خطأ شخصي، وبذلك يكون القضاء ضيق من نطاق الخطأ الشخصي على حساب الخطأ المرفقي.

وعلى الرغم من أن محكمة التمييز الكويتية سارت في هذا الاتجاه الذي يضيق من نطاق الخطأ الشخصي، فانها لم تذهب إلى ذلك المدى الذي ذهب إليه مجلس الدولة الفرنسي حينما فصل بين فكرة الخطأ الشخصي والخطأ الجزائي، فلم يعتبر الحكم الجزائي الصادر بإدانة الموظف دليلا قاطعا، وبصورة الية، على أن الخطأ في هذه الحالة هو خطأ شخصي بل حرص على استخدام المعيارين السابقين في استظهار الخطأ الشخصي من خلال الظروف المصاحبة لكل واقعة دون اصدار أحكام مسبقة أو الاعتماد على اقوال جامدة، فالإدانة في حكم جزائي يمكن أن تدل على توافر الخطأ الشخصي، وقد لا تدل على ذلك بحسب ظروف كل حال على حدة. أما محكمة التمييز الكويتية فقد آثرت الاتجاه الذي سارت عليه المحكمة الإدارية العليا المصرية في الربط بين الخطأ الشخصي والإدانة بحكم جزائي وتقيدت بذلك دون أن تكلف نفسها عناء البحث عن توافر الخطأ الشخصي من خلال النظر إلى مختلف الظروف والملابسات التي وقعت فيها الجريمة، والتي قد تقودها إلى غير ذلك، خاصة في الجرائم البسيطة غير العمدية، كما هو الحال في بعض الحوادث المرورية، وهو ما تبين لنا في فتاوى إدارة الفتوى والتشريع في الكويت وفي اراء الفقهاء، وعلى ذلك نتمنى إلا يكون هذا الاتجاه لمحكمة التمييز الكويتية مبدأ تسير عليه في أحكامها في المستقبل وان تعدل عنه ولا سيما أن الأحكام التي اصدرتها في هذا الشأن قليلة جدا بسبب أن المضرور غالبا ما يلجأ إلى مطالبة المتبوع مباشرة وهي الجهة الحكومية لسهولة الحصول منها على التعويض نظرا لملاءتها المالية، ولان الموظف في مركز تنظيمي لائحي فانه يخضع في علاقته بالجهة الحكومية لما تقرره تلك الجهة من لوائح وقرارارت تنظيمية تحكم الكيفية التي ترجع بها على الموظف بما تدفعه من تعويض للمضرور، وهي في تطبيقها لتلك اللوائح والقرارات تتفق مع فتاوى إدارة الفتوى والتشريع في هذا الشأن بإعتبارها الجهاز الاستشاري للجهات الحكومية، ولما كان ذلك في مصلحة الموظف العام فليس هناك ما يدعوه للجوء إلى القضاء. أما الجهات الحكومية فلا تلجأ إلى القضاء لما لها من سلطة التنفيذ المباشر لاقتضاء حقوقها من موظفيها.

وأخيرا فإننا نوصي الجهات الحكومية بأن توضح لموظفيها، خصوصا حديثي التعيين، الطبيعة الخاصة لمسؤولياتهم المدينة وما تتضمنه من ضمانات حتى تخلصهم من هاجس التورط في مسؤولية مدينة قد يعتقدون بتحملها في مالهم الخاص نتيجة ما قد يترتب على أعمالهم الوظيفية من اضرار، فيؤدون تلك الأعمال دون تردد أو خوف. ونعتقد أن هذا الاقتراح يكون اكثر إلحاحاً في الوظائف التي تتسم بالخطورة، ومنها على سبيل المثال العمل في المجال الامني وغيره.

قائمة المراجع

أولاً – المراجع باللغة العربية:

د. ابراهيم الدسوقي ابو الليل:
• المسؤولية المدنية والإثراء دون سبب، دراسة للمصادر غير الإدارية للإلتزام وفقا للقانون المدني الكويتي, مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، الكويت, 1995.

• الملتزم بتعويض الضرر الناجم عن حوادث السيارات، دراسة لضمان المباشر وضمان المؤمن وضمان الدولة لاذى النفس في القانون الكويتي مقارنا بالفقه الإسلامي، ذات السلاسل، الطبعة الأولى، 1985، الكويت
• المسؤولية المدنية بين التقييد والاطلاق، دراسة تحليلية للانظمة القانونية المعاصرة (اللاتينة. الإسلامية. الانجلو أمريكية) مع طرح فكرة التعدي كأساس عام للمسؤولية المدنية، دار النهضة العربية، القاهرة.

د. بدر جاسم اليعقوب:
• بدر حاسم اليعقوب المسؤولية عن إستعمال الاشياء الخطرة في القانون الكويتي، دراسة مقارنة، الطبعة الثانية 2002/2003 الكويت.

د. حسام الدين كامل الاهواني:
• النظرية العامة للإلتزام، الجزء الأول, مصادر الإلتزام، المجلد الثاني، المصادر غير الإرادية 1997. 1998

د. خالد عبد الفتاح محمد:
• قواعد المسؤولية والتعويض في ضوء أحكام المحكمة الإدارية العليا وفتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة منذ عام 1955 حتى 2001، دار الكتب القانونية، مصر 2003

د. سليماً مرقس:
• الوافي في شرح القانون المدني, جزء 2 في الإلتزامات، المجلد الثاني في الفعل الضار والمسؤولية المدنية، القسم الثاني في المسؤوليات المفترضة، الطبعة الخامسة 1989.

المستشار سمير يوسف البهي:
• شرح قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، الجزء الثاني، طبعة اولى 2000، المنشورات الحقوقية، صادر القاهرة.

د. عبد الزراق احمد السنهوري:
• الوسيط في شرح القانون المدني, الجزء الأول، دار احياء التراث العربي، لبنان.

د.عبد الفتاح ابو الليل:
• مسؤولية الاشخاص العامة، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة 1998،

د. عبد الفتاح عبد الحليم عبد البر:
• المسؤولية المدنية للعاملين بالحكومة والقطاع العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1989

د. عبد المنعم فرج الصده:
• مصادر الإلتزام، دار النهضة العربية, القاهرة 1992

د.عزيزة الشريف:
• مساءلة الموظف العام في الكويت، المسؤولية المدنية والجنائية والإدارية، منشورات جامعة الكويت.

محمد كمال عبد العزيز:
• التقنين المدني في ضوء القضاء والفقه, مصادر الإلتزام، الطبعة الثالثة، 2003، ص1598 وما بعدها.

د. منصور مصطفى منصور:
• المصادرغير الإرادية للإلتزام، مذكرات على الآلة الكاتبة لطلبة كلية الحقوق، جامعة الكويت، 1980، 1981.

ثانيا – المراجع الاجنبية:

1. Aubry et Rau:
Cours de droit civil le français 6e ed. Refondu par esmein. Paris, 1951

2. Flour (J) et aubert (j.l.):
Les oblgations 2e vol. sources: le fait juridique, 2ed. 1981.

3. Georges vedel et pierre delvolve:
Droit administratif (1) preses universitaires de france 1990

4. Savatier (R):
Traite de la responsabilite civil. T. 1.2e ed Paris