نشأة المرافق العامة الاقتصادية وتطورها التشريعي في مصر :

مر تطور المرافق العامة الاقتصاديـة في مصر بمرحلتين متميزتين مرحلة ما قبل ثورة يوليو 1952 ومرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 وعلى النحو الآتي :

أولا : مرحلة ما قبل ثورة يوليو 1952(1):

ان السمة المميزة لهذه المرحلة هي سيطرة النظام الرأسمالي ، وان ركيزة النظام الاقتصادي فيها هي المشروعات الخاصة والوطنية والتي تعمل في ظل نظام الاقتصاد الحر ، وقد اتبعت طريقة الاستغلال المباشر في قطاعي البريد والسكك الحديدية والحقتهما بوزارة المواصلات(2). كما لجئت إلى طريقة الالتزام لادارة المرافق العامة الكبرى كالتزام إدارة مرفق الكهرباء والغاز بمدينة القاهرة لشركة الغاز (ليون وشركاه) عام 1948 ، ولجئت الدولة أيضا إلى نظام الاقتصاد المختلط كبنك التسليف الزراعي بمقتضى القانون رقم 50 لسنة 1930(3). والبنك الصنـاعي بموجب القانون 131 لسنة 1947(4).

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ثانيا : مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 :

يمكن تحليل التطور التاريخي والتشريعي للنشاط الاقتصادي للدولة من خلال البحث في ثلاث فترات وعلى النحو الآتي :

الفترة الأولى : فترة الدفع الثوري في الميدان الاقتصادي للفترة من يوليو (تموز) 1952 ويوليو (تموز) 1961 . ويطلق على هذه الفترة الانتقالية فترة الدفع الثوري(5). إذ لم يكن بالإمكان التعجيل بالإصلاح بل الترقب والحذر والتدرج البطيء هي سمة هذه الفترة ، إلا انه يمكن ان نرصد اتجاه الدولة إلى نظام الشركات المختلطة (6). وكذلك صدور قوانين التمصير للمشروعات الأجنبية(7). واعتماد الدولة على سياسة التوجيه الاقتصادي التي تتمحور حول توجيه القطاع العام للنشاط الاقتصادي في مجموعة ولا سيما الشركات المختلطة في ظل القوانين السائدة للشركات المساهمة . وظهرت بدايات القطاع العام في عام 1957 إذ صدر القانون رقم 20 بإنشاء المؤسسة الاقتصادية والتي كان لها دورا في تنسيق الاستثمارات الحكومية والإشراف عليها وتوجيهها وفق مصالح الدولة(8). ونجاح المؤسسة أدى إلى صدور القانون رقم 32 لسنة 1957 بشأن قانون المؤسسات العامة ، وتبعه صدور القانون رقم 265 لسنة 1960 بشأن المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي(9).

الفترة الثانية : مرحلة القطاع العام وتبدأ من قوانين يوليو الاشتراكية 1961 إلى قوانين الانفتاح الاقتصادي . بصدور قوانين يوليو الاشتراكية 1961 اصبح من الضروري تطوير التنظيم التشريعي للقطاع العام ، إذ كان الإشراف على الشركات المؤممة موزعا بين المؤسسات القائمة آنذاك ولم تكن العلاقة واضحة بينهما ، لذا نشأت الحاجة إلى إعادة تنظيم القطاع العام وانشئت خمسون مؤسسة عامة يختص كل منها بنشاط نوعي محدد في قطاعات الاقتصاد والتجارة والخدمات والاستهلاك . وقد انعكس هذا التنظيم على التنظيم التشريعي للقطاع العام ، فقد صدر قانون المؤسسات العامة رقم 60 لسنة 1963(10). والقانون 32 لسنة 1966 الخاص بالمؤسسات العامة وشركات القطاع العام(11). والقانون رقم 60 لسنة 1971 بشأن تعديل قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام(12). والقانون رقم 111 لسنة 1975(13).

الفترة الثالثة : فترة الانفتاح الاقتصادي التي تبدأ عام 1974، ان أهم ما ميز السياسة الاقتصادية في هذه الفترة هو تطلعها إلى مساهمة أجنبية كبيرة في تمويل التنمية على ان يأتي الجزء الأكبر من هذه المساهمة في صورة استثمارات عربية وأجنبية وليس في صورة قروض أجنبية(14). لذلك اصدر المشرع سلسلة من التشريعات لجعل ذلك النهج موضع التنفيذ مثل القانون رقم 43 لسنة 1974(15). والمعدل بالقانون 32 لسنة 1977(16). والملغي بموجب القانون 230 لسنة 1989(17). ومن ناحية أخرى فقد صدر القانون رقم 97 لسنة 1983(18). لمعالجة ما تكشف عن تطبيق القانون رقم 111 لسنة 1975 من نقص أو قصور ، فضلا عن تنظيم وتطوير القطاع العام على ضوء التنظيم الجديد للشركات المساهمة طبقا للقانون رقم 59 لسنة 1981(19). ثم صدر القانون رقم 203 لسنة 1991 ، قانون شركات قطاع الأعمال العام ، والذي نص في المادة الأولى منه ” على حلول الشركات القابضة محل هيئات القطاع العام الخاضعة لاحكام القانون 97 لسنة 1983 على ان تأخذ الشركات القابضة شكل الشركات المساهمة ، وتعتبر من أشخاص القانون الخاص ” . ونصت المادة الثانية على حلول الشركات التابعة محل الشركات التي كانت تشرف عليها هذه الهيئات . والتطور الأحدث والأبرز في التشريعات المتعلقة بأنشطة المرافق العامة الاقتصادية هي تشريعات خاصة تقيد قانون عام وهو قانون الالتزام رقم 129 لسنة 1947 وتمثلت تلك التشريعات(20). في القانون رقم 100 لسنة 1996 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 13 لسنة 1976 في شأن هيئة كهرباء مصر والسماح للمستثمرين المحليين والأجانب للعمل في مجال الكهرباء ، والقانون رقم 229 لسنة 1996 لتعديل بعض أحكام القانون رقم 84 لسنة 1986 بشأن الطرق العامة ، والقانون رقم 3 لسنة 1997 بشأن منح التزامات المرافق العامة لإنشاء وادارة واستغلال المطارات وارض النزول والقانون رقم 22 لسنة 1998 في شأن الموانئ المتخصصة .

____________________________

[1]- للمزيد من التفاصيل بشأن النشاط الاقتصادي للدولة يراجع : د. اسماعيل صبري عبدالله ، الإطار النظري للمشكلة التنظيمية في القطاع العام ، مصر المعاصرة ، السنة 52 ، العدد 330 اكتوبر ، 1967 ، ص5 وما بعدها ، وكذلك د. محمود سمير الشرقاوي ، النشاط التجاري للمشروعات العامة ، مجلة الحقوق ، جامعة الاسكندرية ، السنة 13 ، ملحق العدد 3،4 ، 1968 ، تقرير مقدم للمؤتمر القانوني الأول لكلية الحقوق ، جامعة الاسكندرية ، مايو ، 1968 ، ص29 ، ود. أكثم أمين الخولي ، دراسات في قانون النشاط التجاري الحديث للدولة ، مطبعة نهضة مصر ، 1961 ، ص 16 وص17 وص19 .

2- وذلك بموجب القانون رقم 7 لسنة 1919 ، الوقائع العراقية في 5/6/1919 ، العدد 543 .

3- الوقائع المصرية في 2/11/1930 ، العدد 107.

4- الوقائع المصرية في 28/7/1947 العدد70.

5- د. حسني المصري ، نظرية المشروع العام وقانون شركات القطاع العام المصري ، ط1 ، بلا دار نشر ، 1979 ، ص24.

6- لقد كان للمجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي المنشأ عام 1953 دور بارز في الإسهام بالجزء الأكبر من رأس مال أهم المشروعات الإنمائية ، راجع د. عزت فوزي حنا ، المصدر السابق ، ص26.

7- يقصد بالتمصير بيع اسهم المشروعات الأجنبية إلى المصريين حتى تحل الملكية الوطنية محل الملكية الأجنبية ، فقد اصدر المشرع في عام 1957 عددا من القوانين بهذا الصدد منها القانون رقم 22 والخاص بمزاولة أعمال البنوك ، والقانون رقم 23 والخاص بالإشراف والرقابة على هيئات التأمين وتكوين الأموال والقانون رقم 24 والخاص بتنظيم أعمال الوكالة التجارية ، د. احمد رشيد ، ظهور القطاع العام في الجمهورية العربية المتحدة ، مجلة القانون والاقتصاد ، السنة 37 ، العدد الثاني ، يوليو 1967 ، ص161.

8- إذ نصت المادة الأولى من هذا القانون على ان ” أغراض المؤسسة هي تنمية الاقتصاد القومي عن طريق النشاط التجاري والصناعي والزراعي والمالي “

9- د. علي يونس ، النظام القانوني للقطاع الخاص والقطاع العام في الشركات والمؤسسات ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1967 ، ص452.

0[1]- د. اميرة صدقي ، النظام القانوني للمشروع العام ، رسالة دكتوراه ، مقدمة إلى كلية الحقوق ، جامعة القاهرة 1971 ، ص50.

1[1]- الجريدة الرسمية في 15/8/1966 العدد 184.

2[1]- الجريدة الرسمية في 30/9/1977 العدد 39.

3[1]- الجريدة الرسمية في 18/9/1975 العدد 38.

4[1]- وعلى الرغم من ذلك فقد تورطت مصر في الديون الخارجية خاصة قصيرة الاجل منها ذات الاعباء الباهضة لاسيما بعد حرب تشرين 1973 وبعد اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي ، د. جلال امين ، الديون الأجنبية وازمة مصر الاقتصادية ، بحث مقدم إلى مؤتمر بناء مصر الاقتصادي ، مجلة المحاماة المصرية ، العدد 9/10/1983 ، ص17 وما بعدها .

5[1]- الجريدة الرسمية في 9/7/1974 العدد 26.

6[1]- الجريدة الرسمية في 9/9/1977 أ /العدد 36

7[1]- الجريدة الرسمية في 4/8/1989 العدد 31.

8[1]- الجريدة الرسمية في 4/8/1983 العدد 37.

9[1]- وتمثل ذلك في إلغاء المجلس الأعلى للقطاع واحلال هيئات القطاع العام محله ، واختيار المشرع لنظام الهيئات العامة فيه إشارة واضحة إلى طابع المرفق العام لنشاط المشروع العام وخاصة ان المشرع في المادة الثانية اعتبره من أشخاص القانون العام ، إلا ان اختيار المشرع لشكل الشركات المساهمة وإضفاءه على الوحدات الإنتاجية (وهي القاعدة العريضة للقطاع العام) كان محل جدل حول إلى أي من القانونين العام أم الخاص تنتمي هذه الشركة ، ولقد حسم المشرع الجدل باعتبارها من أشخاص القانون الخاص .

20- د. محمد محمد عبد اللطيف ، الاتجاهات المعاصرة في إدارة المرافق العامة الاقتصادية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2000 ، ص35 ، وكذلك د. جابر جاد نصار، عقود البوت B.O.T والتطور الحديث، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2002 ، ص5 وسنعود لشرح هذه القوانين تفصيليا عند دراسة عقود البوت .

نشأة المرافق العامة الاقتصادية وتطورها التشريعي في فرنسا :

يمكن تقسيم مراحل نشأة المرافق العامة الاقتصادية في فرنسا وتطورها التشريعي فيما يأتي :

أولا : ساد مفهوم الاقتصاد الحر في فترة ما قبل الحرب العالمية الاولى والذي بمقتضاه تلتزم الإدارة بعدم التدخل في النشاط الاقتصادي وكانت المرافق قليلة العدد وعلى سبيل الاستثناء(1). وكان منها مرافق اقتصادية قومية وأخرى محلية وهذه الأخيرة تولدت عن مبدأ الاشتراكية البلدية الذي كان مشجعا للمشروعات المحلية الصناعية والتجارية ، وصدرت عدة قوانين تتجسد فيها توجهات هذا المبدأ مثل قانون السلخانات في 8/1/1905 وقانون خطوط السكك الحديدية ذات المنفعة المحلية في 21/7/1913(2).

ثانيا : تدخلت الإدارة ما بين الحربين العالميتين في النشاط الاقتصادي بأشكال مختلفة ، حيث اضطرت أثناء الحرب العالمية الأولى لإعاشة الأفراد المدنيين بواسطة مرفق التموين ، وإنشاء الهيئة القومية للفحم ، وكذلك الهيئة القومية للبنزين ، والعمل في مجال النقل البحري بواسطة الناقلات الخاضعة لأوامر الحكومة(3).

ثالثا : كان التطور الأبرز عام 1921 صدور الحكم في دعوى عبارة دلوكا والذي كان له فضل الكشف عن نظرية المرفق العام الاقتصادي .

رابعا : لقد كان للتأميم(4). أثر كبير في تحويل الاقتصاد الحر إلى الاقتصاد الموجه ، إذ صدر قانون ضبط الأسعار بقانون 1939 ، وتمويل المشروعات الكبرى بطريقة غيرة مباشرة بواسطة الصندوق القومي للأسواق ، وإنشاء المؤسسة القومية للقمح والتي أصبحت المؤسسة القومية للحبوب ، وفيما بعد سمح للحكومة ان تطبق على المشروعات المؤممة المعروفة بصناعة السلاح نظام الترخيص مع الرقابة وكذلك نظام الاقتصاد المختلط(5).

خامسا : حدث تطور في المرافق العامة الاقتصادية تمثل في مجالي الإنشاء والطاقة ، إذ أنشئت هيئة الطاقة الذرية عام 1945 ، وظهرت الشركات العامة في مجال الأنشطة البترولية والكيماوية والدوائية ، ونشأت هيئة الفحم الفرنسية ، والشركة الكيماوية للفحم عام 1967 ، وعادت موجة التأميمات للظهور مرة أخرى في عامي 1981 ، 1982 إذ أممت قطاعات مهمة مالية وصناعية وتجارية ونشأت تبعا لذلك العديد من المرافق الاقتصادية والتي أخذت شكل الشركات العامة وهي على نوعين ، أما الأول : شركات مساهمة تكون الدولة المساهم الوحيد فيها ،الثاني : شركات مختلطة قد تمتلك الدولة أغلبية رأس المال ، أو ان تكون مساهمتها اقل من ذلك(6). وكذلك صدور المنشور الوزاري في 7 أغسطس 1987 الخاص بتفويض إدارة المرافق العامة المحلية إلى المشروعات الخاصة ، وكذلك قانون 29 يناير 1993 بشأن عقود تفويض المرفق العام والتي يبرمها كل شخص عام إلى المشروعات الخاصة(7) .

____________________________

1- Auby (J.M) et Ducos (K) ، Ader grand Services publics etenterprises Nationales 1975 ، p 71 .

2-Ibid Op.cit p.75.

3- د. عزت فوزي حنا ، المصدر السابق ، ص13.

4- إذ صدرت في الفترة ما بين ديسمبر (كانون الاول) 1945 إلى يوليو (حزيران) 1946 عدة قوانين بموجبها أممت العديد من المشروعات منها قانون تأميم بنك فرنسا الصادر في 2/12/1945 ، وقانون تأميم الغاز والكهرباء الصادر في 8/4/1946 ، وقانون تأميم الوقود المستخلص من المناجم الصادر في 17/5/1946. أشار إلية. عزت فوزي حنا ، المصدر السابق ، ص17.

5-De lau biadere (A) : Trait de droit administration de la economic 3ed 1977، p.177.

6-Philipe Colson (J) : Droit public zconomigue، L.G.D.J. Paris 1977، p.243.

7- د. محمد محمد عبداللطيف ، تفويض المرفق العام ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2000 ، ص 16 وص 18.

موقف المشرع والفقه في مصر من تعريف المرفق العام الاقتصادي :

لم يعرف المشرع المرافق العامة الاقتصادية لان التعريف ليس من عمله وانما هو من عمل الفقهاء ، فمنهم من يرى أن المرافق الصناعية والتجارية مشروعات صناعية وتجارية تقوم بنشاط مماثل للنشاط الذي يتولاه الأفراد والجماعات الخاصة وتتوافر لها في الوقت نفسه جميع الصفات المميزة للمرافق العامة وتخضع لاحكام القانون العام والقانون الخاص معا كلٌ في نطاق محدد(1). بينما يرى البعض الآخر ان أساس هذه المرافق هو قيام نشاط من جنس نشاط الأفراد والذي يمثل طابع الدولة الحديثة القائمة على المبادئ الاشتراكية والاقتصاد الموجه لاسيما بعد الحربين العالميتين الاخيرتين ، وان هذه المرافق لا تقتصر على الهيئات الإدارية ، بل يمكن ان يزاول الأفراد نشاطا من النوع نفسه. ويعمل المرفق العام والمشروع الخاص معا الأمر الذي يؤدي إلى منافسة بينهما نتيجتها من صالح الافراد(2). وينعقد إجماع الفقهاء على ان المرفق العام عبارة عن مشروع أي نشاط منظم تمارسه مجموعة بشرية مستعينة بوسائل مادية وفنية وقانونية لتحقيق غرض معين ومن ذلك يبين ان كل مشروع عام أو خاص يحتوي على هذه العناصر(3). فمن المسلم به ان المرفق العام مشروع تنشئه الدولة بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام وان العناصر التي يتكون منها المرفق العام ثلاثة ، وهي ان الدولة التي تنشأ المرفق العام ، وانه ينشا بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام ، وانه يخضع للسلطة العامة . ما يتعلق بركن المشروع ، فهو يحتوي على عناصر اولها المجموعة البشرية المتكونة من هيئة توجيهية أو تنظيمية تقوم بالتوجيه العام ووضع الخطط وهيئة تنفيذية تقوم بنقل القرارات والخطط إلى حيز العمل والتنفيذ وكذلك موظفين وعمال يأتمرون بأوامر الهيئة التنفيذية ويمارسون النشاط الذي يستهدفه المشروع . وثاني العناصر هي ممارسة المجموعة البشرية لنشاط معين بقصد تحقيق هدف معين وهو تحقيق النفع العام ، والعنصر الأخير هو استعانة المشروع في سبيل تحقيق اغراضه بوسائل متعددة قانونية وفنية ومادية(4) . وان الإدارة حين تنشئ مرفقا اقتصاديا ينبغي ان يكون هدفها في ذلك تحقيق النفع العام لا الرغبة في الحصول على أرباح ، فالحاجات التي تشبعها المرافق الاقتصادية ، مثل تلك التي تشبعها المرافق الإدارية ، تجمعها انها ذات نفع عام(5). وان الحاجات العامة في تطور مستمر وتزايد بفعل تطور المجتمع ، فيزيد ضغط الأفراد على السلطة العامة لانشاء المرافق العامة لاشباع تلك الحاجات ذات النفع العام ، وهو ما يستدعي تدخل السلطة العامة . وبالنسبة لخضوع المشروع ذو النفع العام لهيمنة السلطة العامة أو الحكام يرى بعض الفقه . ان هذا الركن من أهم اركان المرفق العام لانه العنصر المميز له عن المشروعات الخاصة ، لان الركنين السابقين يتوافران سواء بالنسبة للمرافق العامة أو المشروعات الخاصة. والكثير من هذه المشروعات الاخيرة تستهدف تحقيق النفع العام وشأنها في ذلك شأن المرافق العامة . إلا انها تسمى بالمشروعات الخاصة محتفظة بهذا الطابع الخاص وهو عدم خضوعها لهيمنة الحكام(6) .

ان المقصود بهيمنة الحكام هو خضوع المرفق في ادارته للسلطة الحاكمة أي ان للاخيرة الكلمة العليا في الإدارة فلا يكفي حق الرقابة أو حق التفتيش أو حق الموافقة على النظام الداخلي لأنها تعد من ضمن اعمال الضبط التي تتمتع بها الدولة كقاعدة عامة ازاء المشروعات الخاصة على اختلاف انواعها. عليه يجب لكي يعتبر المشروع مرفقا عاما ان تكون الكلمة النهائية فيما يتعلق بادارته للسلطة العامة ، فهي أما ان تدير المشروع بنفسها بوساطة عمالها وموظفيها ، أو ان تشترك اشتراكا فعليا بوساطة مندوبيها مع تلك الإدارة على ان يحتفظ لهؤلاء المندوبين بالرأي الأعلى كما هو الحال في المرافق التي تدار بطريق الاقتصاد المختلط ، أو ان يكون لها الحق في تعديل نظم المرفق وتوجهه ، كما هو الحال في المرافق التي تدار بطريق الامتياز(7). ان خضوع المرافق العامة لهيمنة الحكام يعتبر عنصرا متميزا عن عنصر استعمال وسائل وامتيازات السلطة العامة ، إذ ان هذين العنصرين غير متلازمين دائما، فقد نكون بصدد مشروع خاص يتمتع ببعض امتيازات السلطة العامة ، وهذا شأن المشروعات الخاصة ذات النفع العام، لذا يمكن القول بان عنصر استعمال وسائل السلطة العامة لايندمج في عنصر هيمنة الحكام وان كان يقترن به في معظم الأحيان. وعليه يكون الخضوع لسلطة الحكام هو وحده العنصر المميز للمرافق العامة عن المشروعات الخاصة، وبالتالي يعتبر ركنا في تعريف المرفق العام(8). وعليه يجب لاعتبار والمشروعات العامة الاقتصادية مرافق عامة ان تتوفر فيها الاركان الثلاثة من مشروعات ذات نفع عام تخضع لهيمنة الحكام . لذا لا يمكن اعتبار كل مشروع اقتصادي تديره الدولة مرفقا عاما بل يجب ان يهدف إلى إشباع حاجة عامة ويحقق نفعا عاما . وفي الحقيقة ان تحقيق النفع العام بالنسبة للمرافق الاقتصادية يتمثل في تحقيق التنمية الاقتصادية(9) . ولما كان للمفهوم الموضوعي الاولوية في تقديرنا مع بعض الفقهاء فانه يكفي لكي نجد انفسنا أمام مرفق عام ان يكون هناك نشاط يحقق مصلحة عامة اتجهت نية السلطات العامة إلى اعتباره مرفقا عاما(10). ان الطابع الخاص للمرافق العامة الاقتصادية إذا كان لا يحول دون اعتبارها مرافق عامة، إلا انه يحدد لها موضعا معينا داخل هذه المرافق العامة. فالمرافق الاقتصادية نوعا خاصا من الناحية الاقتصادية والسياسية هذا من ناحية، وهي تقوم بنشاط ذي صبغة معينة وهو نشاط اقتصادي (صناعي أو تجاري) مما يجعلها في بعض النواحي تخضع لنظام القانون الخاص إلى جانب خضوعها أساس لقواعد القانون العام من ناحية أخرى(11). وعلى ذلك يمكن القول بأنه لا تعارض بين فكرة المرفق العام الإداري من ناحية والمرفق العام الاقتصادي من ناحية أخرى ، فالاخير هو أولا وقبل كل شيء مرفـق ، والمرفق العام بمدلوله التقليدي في القانون الإداري يشمل المرفق العام الاقتصادي الذي يعتبر مرفقا عاما بمدلول اضيق حدودا(12). ويعرفه الدكتور عزت فوزي حنا بانه ” نشاط الإدارة في المجال الاقتصادي بكافة جوانبه الصناعية والتجارية والمدنية والمالية باتباع أساليب القانون الخاص ، واستخدام وسائل القانون العام لتحقيق أهداف النفع العام المتمثل في التنمية الاقتصادية(13).

____________________________

[1]- د. محمد فؤاد مهنا ، مبادئ واحكام القانون الإداري في ظل الاتجاهات الحديث ، دراسة مقارنة ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، بلا سنة طبع ، ص249 .

2- د. سليمان الطماوي ، الوجيز في القانون الإداري، دار الفكر العربي، القاهرة ، 1988 ، ص304 ، وكذلك مبادئ القانون الإداري ، الكتاب الثاني ، نظرية المرفق العام، دار الفكر العربي، القاهرة ، 1979 ، ص9.

3- د. عثمان خليل ، القانون الإداري ، ط2 ، بلا دار نشر ، 1950 – 1951 ، ص7 وما بعدها. ود. ماجد راغب الحلو ، القانون الاداري ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، 1982 ، ص279 .

4- د. محمود محمد حافظ ، نظرية المرفق العام ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1981-1982 ، ص22 وما بعدها. و د . محمد علي أبو عمارة ، النظام القانوني للمرافق العامة في قطاع غزة ، دراسة تطبيقية لنظام الادارة المحلية والتعليم العالي، رسالة دكتوراه ، كلية حقوق عين شمس ، 1991 ، ص82 .

5- د. توفيق شحاتة ، مظهر من مظاهر تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي ، المرافق العامة الاقتصادية ، مجلة مجلس الدولة ، السنة الثانية ، 1951 ، ص466 و ص467.

6- د. محمود محمد حافظ ، نظرية المرفق العام ، مصدر سابق ، ص27 .

7- د. محمد فؤاد مهنا ، حقوق الأفراد ازاء المرافق العامة ، مصدر سابق ، ص176 وص 177 ، ود. محمود محمد حافظ ، نظرية المرفق العام ، مصدر سابق ، ص27.

8- د. محمود محمد حافظ ، نظرية المرفق العام ، مصدر سابق ، ص32 وص33.

9- يعرف د. علي لطفي التنمية الاقتصادية بأنها ” إجراءات وسياسات وتدابير متعددة تتمثل في تغيير بنيان وهيكل الاقتصاد القومي وتهدف إلى تحقيق زيادة سريعة ودائمة في متوسط دخل الفرد عبر فترة ممتدة من الزمن وبحيث يستفيد منها الغالبية العظمى من الافراد ” راجع : مؤلفه الموسوم التنمية الاقتصادية ، مكتبة عين شمس ، 1979 ، ص164. وقد ميز بعض الفقهاء بين التنمية الاقتصادية من جانب والنمو الاقتصادي أو الرقي الاقتصادي من جانب آخر فالاخير يعني ” تزايد المتوسط الفردي من إنتاج السلع والخدمات بنسبة تفوق نسبة عدد السكان في دولة معينة ” ، أما التنمية الاقتصادية فهي تحقيق النمو بتدخل السلطات العامة لغرض معالجة التخلف ورفع مستوى معيشة السكان . د. زكريا احمد نصر ، العلاقات الاقتصادية الدولية ، مطبعة نهضة مصر ، 1954 ، ص 393 وص 397 وما بعدها.

0[1]- د. سعاد الشرقاوي ، القانون الإداري ، النهضة العربية ، القاهرة ، 1984 ، ص150.

1[1]- د. توفيق شحاتة ، مظهر من مظاهر تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي ، مصدر سابق ، ص38.

2[1]- د. توفيق شحاتة ، مظهر من مظاهر تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي ، مصدر سابق ، ص38.

13- د . عزت فوزي حنا ، المصدر السابق ، ص77 .

موقف المشرع والفقه في العراق من تعريف المرفق العام الاقتصادي :

لم يعرف المشرع سواء القانوني أو الدستوري المرافق العامة سواء الادارية أم غيرها ، الا أن المادة 891 من القانون المدني العراقي عرفت صورة من صور ادارة المرافق العامة الاقتصادية وهي الالتزام ، اذ نصت على انه ” عقد الغرض منه إدارة مرفق عام ذي صفة اقتصادية ويكون هذا العقد بين الحكومة وبين فرد أو شركة يعهد إليها باستغلال المرفق مدة محددة من الزمن بمقتضى قانون ” . ولقد عرفت الفقرة 10 من المادة الأولى من القانون رقم (11) لسنة 1974 قانون التعديل السابع لقانون إدارة البلديات رقم 164 لسنة 1964 المرافق العامة بانها ” المشاريع التي تؤدي خدمات أو منافع عامة وتتولى إدارتها الحكومة أو إحدى الهيئات التابعة لهـا إدارة مباشرة أو غير مباشرة (1). تحول مهم ونوعي في موقف المشرع العراقي من فكرة المرافق العامة حيث عرفتها الفقرة المذكورة بأنها ” المرافق العامة . أما بشأن تعريف الفقهاء للمرافق العامة الاقتصادية فان الأستاذ الدكتور شابا يوما منصور عرفها بأنها ” المرافق التي يخضع نشاطها في بعض جوانبه إلى تقديم الخدمات بالشروط نفسها التي يعمل فيها المشروع الخاص (2). واكتفى الأستاذ الدكتور ماهر صالح علاوي بذكر ان الإدارة تدير هذه المرافق بنفس الشروط والظروف التي يعمل بها أي تاجر أو صناعي وهي في تقدير سيادته الميزة الأساسية التي تتميز بها المرافق العامة والاقتصادية عن المرافق العامة الإدارية(3).

ويرى السيد فواز خالد عبد العزيز المختار بان تلك المرافق تقوم على أساس مزاولة نشاط من جنس نشاط الافراد(4). وفي تقديرنا ان هذه الخاصية وحدها لا تميز المرفق العام الاقتصادي ، إذ أصبحت الدولة تمارس أنشطة كثيرة من جنس نشاط الأفراد وبالرغم من هذا فان هذه الأنشطة لا تعد من قبيل المرافق العامة الاقتصادية . بينما يذهب الدكتور مهدي ياسين السلامي(5). الى أن المرافق العامة الاقتصادية مشروعات من طبيعة مماثلة للمشروعات التي يتولاها النشاط الخاص مثل النقل بالسكك، الحديدية وتوليد الطاقة الكهربائية والمنشآت التجارية والمالية والزراعية . وبسبب طبيعة نشاطها اتجه الفقه الحديث الى تطبيق قواعد القانون الخاص جنباً الى جنب مع قواعد القانون العام ، وعلى الرغم من ذلك فهي تخضع لجميع القواعد التي تحكم سير المرافق العامة . وبعد عرضنا للتعريفات التي أدلى بها الفقهاء في كل من فرنسا ومصر والعراق يمكن أن نقسم المرافق العامة من حيث الاساليب التي تتبعها وطبيعة الخدمات والاعمال التي تتولاها الى مرافق ادارية ومرافق ذات صفة تجارية أو صناعية أو مالية(6). مثل البريد والتلغراف والنقل بالسكك الحديدية وتوزيع الكهرباء والغاز والنشاط المصرفي ، واعداد هذا النوع الاخير من المرافق في ازدياد مستمر ، وتعمل الدولة أو الوحدات الادارية التابعة لها على ادارة مرافقها التي تحمل هذه الطبيعة كفرد من الافراد متبعة في ادارتها أساليب القانون الخاص . وعلى ذلك يمكن تعريف المرفق العام الاقتصادي بانه نشاط الادارة في المجال الاقتصادي سواء بنفسها أو بواسطة من تفوضه في المجال الاقتصادي بكافة جوانبه التجارية والصناعية والمالية متبعة فيه باساليب القانون الخاص مع استخدامها لوسائل القانون العام بغية تحقيق النفع العام المتمثل في التنمية الاقتصادية .

_____________________

[1]- ويرى بعض الفقهاء أن هذا التعريف يمثل تحول مهم ونوعي في موقف المشرع العراقي من فكرة المرافق العامة ، أنظر : د. ماهر صالح علاوي ، مبادئ القانون الإداري ، دراسة مقارنة ، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، 1996 ، ص87 و ص88 .

2- د. شابا توما منصور ، القانون الإداري ، دراسة مقارنة ، الجزء الأول ، الطبعة الثانية ، مطبعة سلمان الاعظمي ، بغداد ، 1975 – 1976 ، ص225.

3- د. ماهر صالح علاوي ، مبادئ القانون الإداري 1996 ، مصدر سابق ، ص92.

4- فواز خالد عبد العزيز ، المصدر السابق ، ص35.

5- د. علي محمد بدير و د. عصام عبد الوهاب البرزنجي و د. مهدي ياسين السلامي ، مبادىء واحكام القانون الاداري ، جامعة بغداد ، 1993 ، ص 249 و ص250 .

6-وقد ثار تساؤل عن المعيار الذي يمكن أن يهتدى به في تحديد طبيعة المرفق وهل هو اداري أم اقتصادي بما يؤدي الى معرفة النظام القانوني الذي سيخضع له المرفق . واتجه الفقه الفرنسي الى تبني عدة معايير كان مجملها ان المرفق يعد صناعياً أو تجارياً اذا كان النشاط الذي يمارسه من طبيعة اقتصادية وكان ينطبق عليه معيار العمل التجاري وفقاً لقانون التجارة ، وكان يقوم بأنشطته وفقاً للظروف نفسها والأوضاع التي تتم فيها ممارسة النشاط الفردي ، وكان يعتمد في تمويل نشاطه على موارده الذاتية وليس على الخزانة العامة ، أي كانت موارده تتكون أساساً من المقابل المالي الذي يدفعه المنتفعون من أشطته . يراجع : بخصوص معايير الفقه الفرنسي

De aubadere : Traite elementair de droit administratif . 1953 . p311 ، Auby et Drago ، traite du contentieux administratif tom 1،2 1975 .p44 et suiv . F. B Benoit ، la droit administratif francais D . 1988 . p 789 et suiv .

وبخصوص معايير الفقه المصري يراجع : دكتور عزت يوسف حنا ، المصدر السابق ، ص128 ، ود. محمود محمد حافظ ، نظرية المرفق العام ، مصدر سابق ، ص 70 وما بعدها ، د. طعيمة الجرف ، القانون الاداري ، 1963 ، مصدر سابق ، ص235 . ومن الفقه العراقي راجع : فواز خالد عبد العزيز المصدر السابق ، ص36 وما بعدها .

المؤلف : حسن محمد علي البنان.
الكتاب أو المصدر : مبدا قابلية قواعد المرافق العامة للتغيير والتطوير

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث ودراسة حول نشأة المرافق العامة الاقتصادية وتطورها في القانون المقارن