دراسة وبحث قانوني قيم عن الأحكام الخاصة بعقد السمسرة في التشريع المغربي

تمهيــد

بعد أن حاولنا تلمس الإطار العام الذي تجول فيه أحكام عقد السمسرة في مقالتنا التي سبق نشرها، سينحصر البحث في هذه المقالة على بعض الأحكام الخاصة لعقد السمسرة التي جاءت بها مدونة التجارة لسنة 1996، و هذا لا يمنعنا من الرجوع إلى قانون الالتزامات و العقود إذا ما رأينا ضرورة و فائدة في ذلك.

هكذا سندرس عقد السمسرة عبر مراحل أساسية يمر منها هذا العقد؛ بداية بتكوينه و ذلك بالرجوع إلى القواعد العامة بهذا الخصوص المتضمنة في قانون الالتزامات و العقود و كذا إلى مدونة الأسرة فيما يخص الأهلية، مرورا بتنفيذه من خلال بحث مجمل الالتزامات التي يرتبها عقد السمسرة على كل من السمسار والعميل والتي حددها المشرع معظمهما في مدونة التجارة، كما سنقف قليلا عند إثبات عقد السمسرة و الوسائل المعتمدة في هذا الشأن، ونختم هذا الفصل بالحالات التي ينقضي بها عقد السمسرة، وتقادم الدعاوى الناتجة عن عقد السمسرة.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

هكذا ستتوزع دراسة هذه المحاور على الجوانب الثلاثة التي وضعناها محددات للبحث ككل، و نقصد الفقه و التشريع و القضاء، من خلال مبحثين:

المبحث الأول: تكوين عقد السمسرة وتنفيذه.

المبحث الثاني: انقضاء عقد السمسرة.

المبحث الأول: تكوين عقد السمسرة

نتطرق في هذا المبحث إلى تكوين عقد السمسرة من حيث أركان انعقاده، والالتزامات التي يرتبها على كل من السمسار و العميل، و ذلك في مطلبين على النحو التالي:

المطلب الأول: أركان انعقاد عقد السمسرة

لم ينظم المشرع المغربي في مدونة التجارة لسنة 1996 كما هو الشأن في القانون التجاري الملغى، المقتضيات العامة التي تحكم تكوين العقد التجاري، وبالتالي يتم الركون إلى القواعد العامة التي تسري على العقد المدني في الشريعة العامة؛ ويتعلق الأمر بالرضى (الفقرة الأولى) والمحل و السبب (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ركن الرضى في عقد السمسرة

كما سبق و أن أشرنا في معرض حديثنا عن خصائص عقد السمسرة أنه عقد رضائي يكفي لإبرامه مجرد توافق إرادة العميل مع إرادة السمسار على إحداث الأثر القانوني المتوخى من العقد و المتمثل في البحث لفائدة العميل عن شخص ليتعاقد معه مقابل أجر، و يكون ذلك بصدور إيجاب يتضمن عرضا يوجهه العميل للسمسار وصدور قبول بالإيجاب من هذا الأخير.

و على الرغم من أن المشرع المغربي لم يحدد مظهرا للتعبير عن الإرادة فالعبرة إذن أن تترك للأطراف الحرية في التعبير عن إرادتهما بالطريقة التي ارتضوها، و من تم فقد يكون التعبير صريحا أو ضمنيا.

و اقتران الإيجاب بالقبول في عقد السمسرة إما أن يتم في مجلس العقد، وإما أن يتم بين غائبين عن طريق رسول أو وسيط؛ و المشرع المغربي في هذه الحالة أخذ بنظرية إعلام بالقبول، حيث يكون عقد السمسرة تاما في الوقت الذي تلقى فيه الوسيط الإيجاب عملا بمضمون الفقرة الثانية من الفصل 24 من قانون الالتزامات و العقود(1).

و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو مآل تدخل السمسار من تلقاء نفسه وبصفة عفوية في البحث عن الطرف الآخر لمصلحة شخص ما دون أن يصدر إيجاب بذلك من هذا الأخير؟

و بالرجوع إلى الاجتهاد القضائي، نجده قد تناول هذا الإشكال في أحد قرارات المجلس الأعلى الذي جاء فيه:

«لا يسوغ للوسيط أن يطالب برسوم السمسرة إلا إذا أبرمت المعاملة بواسطته أو بسبب المعلومات التي قدمها للأطراف المتعاقدين و زيادة على أن المطلوب في النقض لم يدلي بما يثبت تكليفه ببيع المنزل المتنازع بشأنه فإن طالب النقض أدلى بشهادة من البائع تتبث أن هذا الأخير لم يكلف المطلوب في النقض ببيع المنزل المذكور و مع ذلك فإن الحكم المطعون فيه قضى لفائدة المطلوب دون أن يجيب عن وسائل الدفاع المذكورة»(2).

و في نفس الإطار صدر حكم عن المحكمة التجارية بأكادير جاء فيه:

«و حيث إن الملف خال من أية وثيقة تفيد بوجود اتفاق بين المدعية والمدعى عليه على التوسط لهذا الأخير لبيع العقار المشار إليه في المقال كما أنه ليس هناك إثبات قيام المدعية فعلا بعملية السمسرة لفائدة المدعى عليه مما تكون معه هذه الدعوى على حالتها هاته غير ثابتة للمحكمة ويتعين بالتالي الحكم بعدم قبولها و إبقاء صائرها على عاتق رافعتها»(3).

إلا أنه لا بد أن يصدر الإيجاب و القبول من أشخاص كاملي الأهلية، مما يعني ضرورة التطرق إلى بعض المعطيات حول الأهلية المتطلبة في عقد السمسرة.

هكذا، فإن القواعد المنظمة للأهلية في عقد السمسرة تتوزع بين كل من مدونة التجارة (4) ومدونة الأسرة (5) و قانون الالتزامات والعقود(6)، مما يعني وضع كل هذه النصوص في عين الاعتبار عند دراسة الأهلية في عقد السمسرة.

و نميز في الأهلية المتطلبة في عقد السمسرة بين ما إذا كان المتعاقد شخصا طبيعيا أو معنويا، على اعتبار أن السمسار قد يمارس في إطار مقاولة، نفس الشيء بالنسبة للعميل؛ حيث يمكن أن يكون شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا، على النحو الآتي:

أ- أهلية الشخص الطبيعي: يكون المتعاقد في عقد السمسرة كامل الأهلية ببلوغه سن الرشد القانوني المحدد في 18 سنة شمسية كاملة (7)، بحيث يكون أهلا لممارسة الحقوق و التحمل بالالتزامات، و أن يكون خاليا من عوارض الأهلية كالسفه والجنون و العته.

كما تصح تصرفات القاصر المأذون له في التجارة و الصناعة (8)، والقاصر البالغ من العمر 16 سنة الذي تم ترشيده بناءا على طلب يقدمه هو أو نائبه الشرعي إلى المحكمة (9)، إذ يكون كامل الأهلية في ممارسة التجارة والتعاقد مع الأغيار، شريطة تقييد الإذن أو الترشيد في السجل التجاري، كما أن المرأة المتزوجة بإمكانها ممارسة السمسرة باعتبارها عملا تجاريا بدون أن يقف ذلك على إذن من زوجها كما كان عليه الأمر في ظل القانون القديم.

ب- أهلية الشخص المعنوي: إن السمسار أو العميل في عقد السمسرة يمكن أن يكون شخصا معنويا، كما يمكن أن يكون شخص طبيعيا، و إذا كانت الحالة الأخيرة قد حاولنا تلمس بعض أحكام الأهلية فيها، فإن الحالة الأولى تقتضي الإشارة إلى أن مقاولة السمسرة أو الشركة العميلة لا تكتسب الأهلية القانونية إلا بالاعتراف لها بالشخصية المعنوية التي تتأتى بمجرد تقييدها في السجل التجاري بعد أن استوفت جميع الشروط المتطلبة لذلك، إذ تصبح بذلك أهلا لاكتساب الحقوق و التحمل بالالتزامات (10).

الفقرة الثانية: ركني المحل و السبب في عقد السمسرة

إن ركن الرضى في عقد السمسرة وحده ليس كافيا لانعقاد هذا العقد، إذ لا بد من وجود محل و سبب.

أولا: محل عقد السمسرة

يقصد بالمحل في عقد السمسرة هو توسط السمسار بين عميله و الشخص الآخر قصد التعاقد، و يشترط فيه ما يلي:

1- أن يكون مشروعا: بمعنى أنه لا يسوغ للسمسار أن يتوسط في عمل غير مشروع؛ كأن يتوسط في بيع مواد محضورة قانونا كالمخدرات مثلا.

و نشير في هذا الصدد أنه لا يجوز للمحامي ممارسة أي عمل يستهدف جلب الزبناء واستمالتهم، و من بينها تكليف شخص بسمسرة الزبناء أو جلبهم لفائدته (11).

2- أن يتعلق بمعاملة تجارية أو مدنية على حد السواء: و معنى ذلك أنه نكون بصدد عقد السمسرة سواء تعلق الأمر بمعاملة تجارية أو مدنية بشرط الاعتياد أو الاحتراف بالطبع، كما أن محل السمسرة قد يكون منقولا أو عقارا.

غير أن ما تجدر ملاحظته في هذا الإطار هو تأثر محل عقد السمسرة بمحل العقد الآخر الذي توسط فيه السمسار(12)، بحيث أن عدم مشروعية المحل، يبطل العقد الأصلي و يبطل معه عقد السمسرة عملا بالفقرة الأولى من الفصل 307 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيها:

«بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة، ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع».

ثانيا: السبب في عقد السمسرة

يفترض القانون في السبب المنشأ للالتزام أن يكون موجودا ومشروعا، لهذا يقال لكل التزام سبب مشروع؛ لذا نقول أن السبب في عقد السمسرة يفترض فيه أن يكون مشروعا و موجودا لأنه يرتبط بالغاية التي يروم السمسار و عميله تحقيقها من رواء عقد السمسرة.

المطلب الثاني: آثار عقد السمسرة

إن نشوء عقد السمسرة وفق الشكل الذي يفرضه القانون، يرتب مجموعة من الالتزامات تسري على طرفيه؛ السمسار من جهة والعميل من جهة ثانية.

الفقرة الأولى: التزامات السمسار

يلتزم السمسار بمقتضى عقد السمسرة بمجموعة من الالتزامات القانونية والأخلاقية التي تؤطر عمله المهني و تصرفاته ما دام أنه يقوم بأعمال تنعكس آثارها على الأطراف أي تجاه المتعاقدين الذين توسط بينهما، و بالرجوع إلى القسم الثالث من الكتاب الرابع ضمن مدونة التجارة الجديدة نجد المشرع نص على تلك الالتزامات في عدد من المواد، إرتأينا تناولها على النحو الآتي:

أولا: الالتزام بقواعد الصدق و حسن النية

تؤطر عمل السمسار مجموعة من القواعد الأساسية، فهو يلتزم بتقديم خبرته و خدماته بصدق و حسن النية تجاه الطرفين معا، إذ جاء في المادة 406 من مدونة التجارة ما يلي:

«أن السمسار ولو لم يكن مكلفا إلا من طرف واحد ملزم نحو الطرفين بأن يقدم الخدمات بصدق وحسن النية و أن يخبرهما بجميع الظروف المتعلقة بالخدمة و هو مسؤول تجاه كل منهما بما ينشأ عن تدليسه أو خطإه».

بناءا على المادة السالفة الذكر فإن السمسار ملزم بالتقيد تجاه الطرفان بمبادئ الصدق و حسن النية، و بالتالي إحاطة المتعاقدين بكل الظروف والملابسات التي تخص موضوع التعاقد من ذلك تشخيص القضية موضوع التعاقد بإحكام و دقة وصدق و إعلامهما بجميع الأحوال المتعلقة بالقضية متى كان يعلم بها كأهلية المتعاقدين، و وضعيتهما المالية.

ثانيا: إلتزام السمسار بواجب الضمان

إلى جانب التزام السمسار بقواعد الصدق فإنه يلتزم بواجب الضمان؛ فما هو مضمون هذا الالتزام؟

تنص المادة 407 من مدونة التجارة على أنه:

«السمسار ضامن لما تسلمه من الأوراق و الأمتعة و القيم المالية والوثائق المتعلقة بالخدمات التي تمت على يده ما لم يثبت ضياعها أو عيبها بسبب حادث فجائي أو قوة قاهرة»

يستشف من خلال هذه المادة أن السمسار ملزم بضمان وحفظ ما تسلمه من العميل من الأمتعة و الوثائق و القيم المالية و الرسوم المتعلقة بالعمليات والصفقات الجارية على يده ما لم يثبت أنها هلكت أو تعيبت بسبب حادث فجائي أو قوة قاهرة (13).

زيادة على ما قلناه، و بالرجوع إلى المادة 408 من مدونة التجارة نجدها تنص على أنه:

«إذا تم البيع بناءا على عينة من السلعة وجب على السمسار حفظ العينة إلى أن تقبل السلعة نهائيا أو تتم الصفقة، ما لم يعفه المتعاقدان من هذا الالتزام».

و يفهم من هذه المادة أن السمسار يظل ملتزما خلال مدة سريان عقد السمسرة بالحفاظ على العينة من البضاعة موضوع التعاقد، إلى أن تقبل هذه الأخيرة أو يتم إبرام الصفقة إذا وقع البيع بناءا على تلك العينة، ويكون هذا الضمان مفترضا إلا إذا أعفاه المتعاقدان بصفة صريحة.

هذا و يلتزم السمسار كذلك بضمان صحة الإمضاء الأخير الموضوع على الوثائق التي تمت على يده و توسط فيها (14)، و هذا ما أكدته المادة 410 من مدونة التجارة حين نصت على أن: «السمسار ضامن لصحة آخر توقيع موضوع على الوثائق التي تمر بين يديه و تتعلق بالخدمات التي توسط فيها إذا كان هذا التوقيع لأحد المتعاقدين بواسطته».

و في نفس الإطار المتعلق بالتزام السمسار بالضمان نجد المادة 411 من مدونة التجارة تنص على أنه: «يضمن السمسار هوية زبنائه».

و يستثنى من الضمان الواجب على السمسار ما يلي:

– لا يضمن السمسار تنفيذ العقد المبرم بواسطته.

– لا يضمن كذلك قيمة البضائع أو نوعية الأشياء المتعاقد بشأنها.

– كما لا يضمن السمسار يسر زبنائه.

غير أن هذه الاستثناءات الواردة على التزام السمسار بالضمان، تنضبط لشرط أساسي هو ألا يكون هناك تدليس أو خطأ ينسب للسمسار، فمتى تحقق هذا الشرط إلا و التزم بالضمان.

و الأصل ألا يلتزم السمسار بالتحقق من يسر الشخص الذي يقدمه للتعاقد، غير أنه يكون مسؤول إذا قدم شخصا ظاهر العسر أو كان يعلم وقت التعاقد بعسره (15).

ثالثا: إلتزام السمسار بعدم التعامل لحسابه

يمنع على السمسار في إطار تنفيذه لعقد السمسرة التعامل لحسابه، وبما أن مدونة التجارة لم تأتي بمادة صريحة تؤكد ذلك فإنه يتم الركون إلى ما جاء به الفصل 481 من قانون الالتزامات و العقود الذي ينص على أنه:

«لا يسوغ للسماسرة و لا للخبراء أن يشتروا لا بأنفسهم و لا بوسطاء عنهم الأموال المنقولة أو العقارية التي يناط بهم بيعها أو تفوتها، كما أنه لا يسوغ لهم أن يأخذوا هذه الأموال على سبيل المقايضة أو الرهن، و يترتب على مخالفة هذا الفصل الحكم بالبطلان و بالتعويضات».

و لعل المشرع المغربي أراد التأكيد على هذا الالتزام في صلب أحكام المادة 413 من مدونة التجارة التي نصت على أنه:

«إذا كانت للسمسار، بصرف النظر عن أجرته، مصلحة شخصية في الخدمة وجب عليه تنفيذ الالتزام على وجه التضامن مع زبونه».

إلى جانب ما جاءت به المادة 414 بقولها:

«إذا كان للسمسار مصلحة شخصية في المعاملة وجب عليه أن يخبر بذلك الأطراف المتعاقدين و إلا تعرض لدفع تعويض عما يحدث لهم من ضرر».

عموما؛ فالتزام السمسار بعدم التعامل لحسابه يقتضي منه إعمالا لقواعد الصدق و حسن النية أن يخبر الأطراف بوجود مصلحة له في الخدمة أوالمعاملة؛ و إلا التزم بالتضامن أو بدفع التعويض حسب الأحوال.

و في ختام هذه النقطة، نود الإشارة إلى أن إخلال السمسار بالتزام تعاقدي من لدنه يجعل مسؤوليته قائمة، و يلتزم بتعويض العميل عما لحقه أضرار.

هذا إلى جانب أن هذه الالتزامات يواجه بها عدة سماسرة على وجه التضامن عند تكليفهم من لدن عميل واحد حسب المادة 420 من مدونة التجارة.

الفقرة الثانية: إلتزامات العميل

تتوزع الالتزامات المترتبة عن عقد السمسرة بين طرفي هذا العقد، و إذا كانت التزامات السمسار قد تناولناها في الفقرة الأولى، فإن الحديث سيقتصر في هذه الفقرة على التزامات العميل التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث التزامات أساسية على النحو الآتي:

أولا: الالتزام بأداء الأجر

باعتبار عقد السمسرة عقد معاوضة، فإنه متى كان على السمسار القيام بالمهام المنوطة به فمن حقوقه – و التي تشكل التزامات العميل- أخذ مقابل عن تلك المهام واستحقاق أجر عنها، حيث جاء في الفقرة الأولى من المادة 415 من مدونة التجارة :

« يحق الأجر للسمسار إذا تم إبرام العقد الذي توسط فيه أو نتيجة للمعلومات التي قدمها للأطراف».

ورغم سكوت المدونة عن تحديد طبيعة هذا الأجر فهو إما أن يكون نسبة مئوية يتفق عليها الطرفان أو مبلغا محددا إذ لا مانع من تحديده.

وبخصوص مقدار أجرة السمسار نجد المادة 419 من مدونة التجارة لم تحدد نسبة معينة وإنما أشارت إلى أنه يمكن تحديد الأجر بالاتفاق بين الطرفين وفي حالة سكوتهما عن تحديده يعتد بالعرف أو بالعادة الجاري بهما العمل في مهنة السمسرة (16)، وفي حالة عدم وجود عرف أو عادة فإن المحكمة هي التي تتولى تحديد أجر السمسار حسب سلطتها التقديرية أو بالركون لرأي ذوي الخبرة معتمدة في ذلك على ما جرى به العمل في الخدمات المماثلة مع مراعاة قيمة الصفقة والوقت الذي تطلبته والجهد الذي بذله السمسار وما تحمله من نفقات.

وقد جاء في أحد قرارات محكمة الاستئناف التجارية بفاس ما يلي:

«وحيث إنه لما كانت حقوق والتزامات الوسيط محددة بنص القانون المومإ إليه أعلاه، إلا أنه يبقى الأجر الذي يستحقه مقابل الأعمال والمجهودات التي قام بها وكذا المعلومات التي قدمها للأطراف والكل من أجل التوفيق بين الإرادتين لإحداث أثر قانوني، طالما لم يثبت من الاتفاق و لا من العرف تحديده -المادة 419 من مدونة التجارة -أن يوكل للمحكمة هذا الأمر وأنها وبما لها من سلطة تقديرية في ملائمة الأجر المستحق للوسيط مقابل الجهود المبذولة من طرفه ترى تحديده في مبلغ 40.000,00 درهم»(17).

هذا فإن استحقاق السمسار للأجر يستوجب توافر شرطين أساسيين:

1- أن يؤدي السمسار المهام المكلف بها: من البديهي أن استحقاق السمسار لأجرته يفرض عليه بداية، الوفاء بالالتزام الذي على عاتقه المتمثل في البحث عن المتعاقد الآخر و العمل على التقريب بين عميله وهذا الأخير، إذ أن استحقاقه للأجر يرتبط ارتباطا وثيقا بأداء ما عليه من التزامات.

2- أن لا يتوقف استحقاق الأجر على شرط واقف: يستحق السمسار الأجر بمجرد إبرام العقد الذي توسط فيه، ما لم يكن هذا الأخير معلقا على شرط واقف(18)، حيث لا يستحق السمسار الأجر إلا بعد حصول ذلك الشرط، وهذا ما أكدته المادة 415 من مدونة التجارة في فقرتيها الأولى والثانية حيث نصت على أنه: «يحق الأجر للسمسار إذا تم إبرام العقد الذي توسط فيه أونتيجة للمعلومات التي قدمها للأطراف.

إذا كان العقد قائما على شرط واقف فلا يستحق السمسار الأجر إلا بعد حصول الشرط».

و من الاجتهادات القضائية بهذا الشأن ما جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى بقوله:

«و حيث إن العقد المبرم بتاريخ 16 يناير 1964 يتضمن شرطا واقفا وهو أن العمولة تؤدي للسمسار يوم إمضاء رسم البيع.

و حيث إن محكمة الاستئناف أبعدت تطبيق هذا الشرط لعلة أنه أضيف إلى العقد تعسفيا و دون موافقة السمسار دون أن تبين الأسباب والمستندات التي اعتمدتها لتكوين اقتناعها هذا الأمر الذي يجعل قرارها غير معلل تعليلا كافيا»(19).

و نشير إلى أنه يمكن أن يتفق الطرفان على أداء مصاريف السمسار، وفي هذه الحالة يجب أداؤها ولو لم يتم إبرام العقد بناء على ما أشارت إليه المادة 415 من مدونة التجارة في فقرتها الرابعة حيث نصت على أنه «تجب مصاريف السمسار إذا اتفق عليها ولو لم يتم إبرام العقد».

كما أن السمسار لا يفقد حقه في الأجر إذا تم فسخ العقد بعد إبرامه سواء وقع الفسخ اختياريا باتفاق الأطراف أو بموجب القانون(20).

و يقع أداء الأجر كمبدأ عام على الطرف الذي كلف السمسار، غير أنه يمكن أن يلتزم الطرفان (العميل و المتعاقد الآخر) بمقتضى الاتفاق أو العرف والعادة على تحمل أجرة السمسار(21).

غير أن السؤال المطروح في هذا الجانب هو مدى إمكانية تعديل الأجرة المتعهد بها للسمسار؟

و المشرع نص صراحة على هذه الإمكانية في الفقرة الثالثة من المادة 415 من مدونة التجارة الجديدة، متى كان المبلغ المتعهد به للسمسار مبالغا فيه و لا يتناسب وقيمة الصفقة موضوع الوساطة و ما بذله من مجهودات (22)، إذ تنص هذه المادة على أنه: «إذا كان الأجر المتعهد به للسمسار يفوق ما تتطلبه الخدمة المقدمة فيمكن طلب تخفيضه ما لم يكن الأجر قد تم تحديده أودفعه بعد إبرام العقد».

ثانيا: الإلتزام برد المصاريف

يلتزم العميل كذلك برد كل المصاريف الضرورية التي أنفقها السمسار لمباشرة المهام الموكولة إليه بمقتضى عقد السمسرة، غير أنه يجب التمييز بين المصاريف العادية و بين المصاريف غير العادية، فالأولى تعني تلك المصاريف التي يتطلبها عمل السمسرة دائما و التي يرد عليها الاتفاق بينه وبين عميله، فالمصاريف العادية يتطلبها القيام بأعمال السمسرة، بالتالي فالسمسار ملزم بنفقات السمسرة و بأخذها من الأجر الذي يحصل عليه في حالة إبرام العقد و في حالة عدم إبرامه فأنه لا يمكن مطالبة العميل بها لأنها تدخل في المصاريف العادية، إلا أنه في حالة ما إذا تم الاتفاق على ذلك فإنه يحق للسمسار الرجوع على عميله بالمطالبة بالمصاريف التي أنفقها و لو لم يتم إبرام العقد، في حين أن المصاريف غير العادية هي تلك المصاريف التي أنفقها السمسار لأجل القيام بمهامه غير أن الاتفاق لا يشملها، و في هذه الحالة إما أن يتم قبولها من لدن العميل، و في حالة العكس يسوغ للسمسار الرجوع على هذا الأخير ومطالبته قضائيا.

ثالثا: الإلتزام بالتعويض

إن إبرام العقد الذي توسط فيه السمسار، يجعل لهذا الأخير الحق في الأجر، إلا أنه قد يؤدي السمسار المهمة الموكولة إليه في التقريب بين المتعاقدين على أحسن وجه دون أن يتم إبرام العقد، ففي هذه الحالة لا يستحق الأجر كما في الحالة الأولى، و إنما يحق له طلب تعويض عما بذله من جهد وما فاته من كسب خصوصا عند عدم إبرام العقد لتفريط العميل على الرغم من أن السمسار قام بما عليه وفق الشروط و المعايير التي حددها له العميل.

غير أن ما تجدر ملاحظته في ختام هذه الفقرة هو أن الالتزامات المومإ إليها أعلاه وإن كانت تخص العميل المتعاقد مع السمسار، فإنه قد يلتزم بها عدة عملاء في حالة تكليفهم لسمسار معين، و بالتالي تسري عليهم أحكام المادة 421 من مدونة التجارة التي تفرض التضامن بين هؤلاء بجميع آثار عقد السمسرة (23

المبحث الثاني: كيفية انقضاء عقد السمسرة

بعد انعقاد عقد السمسرة و ترتيبه لأثاره القانونية بين المتعاقدين التي تناولناهما في المبحث الأول، سنتناول في هذا المبحث مدى خضوع عقد السمسرة لحرية الإثبات التي تميز المادة التجارية، و الحالات التي ينقضي بها هذا العقد، ، هذا ما يحذو بنا إلى تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين نتناولهما تباعا على النحو التالي:

المطلب الأول: إثبات عقد السمسرة

خلافا لما كان عليه الحال في مدونة التجارة لسنة 1913، التي قيدت مبدأ حرية الإثبات في المادة التجارية، عندما ذهبت المادة 60 منها إلى أن الأشرية والبيوع تثبت بالمحررات الرسمية و المحررات العرفية، وبالفاتورة التي تحمل صيغة القبول و بالمراسلات، و بدفاتر الأطراف، وبشهادة الشهود في الحالات التي ترتئي المحكمة قبولها (24)، فإن مدونة التجارة لسنة 1996 قررت حرية الإثبات في المادة 334 و التي استهلت بها الكتاب الرابع الخاص بالعقود التجارية بقولها:

«تخضع المادة التجارية لحرية الإثبات. غير أنه يتعين الإثبات بالكتابة إذا نص القانون أو الاتفاق على ذلك».

و على اعتبار أن عقد السمسرة من العقود التي نظمها المشرع في مدونة التجارة، و لما كانت المادة التجارية تخضع لحرية الإثبات كقاعدة عامة، فإنه يجوز إثبات عقد السمسرة بجميع وسائل الإثبات المقررة قانونا، هذا ما يستفاد من قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس الذي جاء في قاعدته ما يلي:

«السمسرة أو الوساطة تعتبر من الأعمال التجارية الأصلية بمفهوم المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية وتعتبر عقدا وتصرفا قانونيا يخضع لقواعد الإثبات عملا بالمادة 405 من م ت، وكذا مقتضيات الفصل 759 و723 و729 من ق.ل.ع» (25).

هذا و إن معالجتنا لهذا النقطة ستتم من خلال فقرتين على النحو الآتي:

الفقرة الأولى: مفاد الإثبات في عقد السمسرة

يترتب على تجارية أعمال السمسرة، أن السمسار يعتبر تاجرا دائما سواء توسط في إبرام عقود مدنية أم تجارية، غير أن عدم استقرار صفة عميله؛ بحيث يكون تارة تاجرا، و تارة أخرى مدنيا، و إذا كانت الحالة الأولى واضحة في تطبيق مبدأ حرية الإثبات، إذ يستفيد منها كل من السمسار و عميله لكونهما تجارا، غير أن الحالة الثانية هي التي تعنينا حيث طرفا عقد السمسرة مختلفين، السمسار التاجر و الطرف المدني، فمن المستفيد في هذه الحالة من حرية الإثبات؟

إن الإجابة عن هذا السؤال يجرنا إلى استحضار المادة 4 من مدونة التجارة التي تنص على أنه:

« إذا كان العمل تجاريا بالنسبة لأحد المتعاقدين و مدنيا بالنسبة للمتعاقد الآخر، طبقت قواعد القانون التجاري في مواجهة الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه تجاريا، و لا يمكن أن يواجه بها الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه مدنيا، ما لم ينص مقتضى خاص على خلاف ذلك».

و بالتالي فإن حرية الإثبات في عقد السمسرة من حيث كونها إحدى أهم خصوصيات القانون التجاري، فلا يمكن أن يواجه بها الطرف المدني المتعاقد مع السمسار، و في مقابل ذلك يستفيد منها في مواجهة هذا الأخير.

الفقرة الثانية: وسائل إثبات عقد السمسرة

لا بد من الإشارة بداية إلى أن عقد السمسرة يخضع لقاعدة أن الإثبات على مدعيه (26)، و بالتالي فعبء الإثبات في عقد السمسرة يقع على مدعيه.

و منه يمكن إثبات عقد السمسرة بجميع وسائل الإثبات كقاعدة عامة، يرد عليها استثناء فيما إذا كان المدعى عليه غير التاجر، إذ يتقيد المدعي التاجر في إثبات عقد السمسرة بوسائل الإثبات المحددة في الفصل 404 من قانون الالتزامات والعقود، و من وسائل الإثبات المعتمدة من خلال بعض قرارات الاجتهاد القضائي نذكر ما يلي:

الإثبات بشهادة الشهود: يمكن إثبات عقد السمسرة بشهادة الشهود، إلا أن هذه الوسيلة تبقى غير ذات جدوى متى كان قيمة العقد تتجاوز عشرة آلاف درهم، إذ لا يجوز إثباتها إلا بالكتابة.
و نشير إلى قرار للمجلس الأعلى جاء في حيثياته ما يلي:

«لكن حيث إن محكمة الاستئناف لما استندت على محضر البحث الذي استمع فيه لشاهدين صرح أحدهما بأن اتصاله بالطالب كان من أجل معرفة المواصفات التي يتطلبها السوق العقاري و صرح ثانيهما بأن هذا الأخير هو الذي دل الشركة المشترية على العقار، و استخلصت من ذلك أنه لا يوجد بالملف ما يفيد تكليف المطلوبة للطالب من أجل التوسط لبيع عقارها اعتبارا منها إلى أن تكليف المشترية له بالبحث عن عقار لاقتنائه وأدائها له واجب السمسرة لا يشكل موافقة من المطلوبة لقيام الوساطة تكون قد أسست قضاءها على ما استخلصته من تصريح الشاهدين معا في نطاق سلطتها في تقييم الحجج التي لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى إلا من حيث التعليل، معللة قرارها تعليلا سليما مسايرا للوقائع الثابتة لها والوسيلة على غير أساس»(27).

ب- الإثبات بالحجة الكتابية: ينتج الدليل الكتابي حسب الفصل 417 من قانون الالتزامات من ورقة رسمية أو عرفية، كما يمكن أن ينتج عن أيضا من المراسلات و البرقيات و دفاتر الطرفين و كذلك من قوائم السماسرة.

و قد جاء في حكم صادر عن المحكمة التجارية بمكناس ما يلي:

«يبقى ما استفادت معه محكمة الدرجة الأولى عن حق أن وجود إشهاد صادر عن الموثق بحضور المستأنف عليه مجلس عقد بيع الفيلا موضوع الرسم العقاري عدد 7082 ك ومن وجود فاتورة أيضا صادرة عن السمسار يحدد فيها أتعابه المستحقة نضير الوساطة التي قام بها بين طرفي عقد البيع المذكور كافي للقول بسبقية تكليفه من قبل المستأنفين بمهمة البحث عن مشتر لعقارهم، ومن تم يغدو معه أي تمسك بخلافه -شهادة الموثق اللاحقة التي تفيد أن المطعون ضده لم يحدد أمامه الصفة التي حضر بها وقت إنجاز البيع- عديم الأثر والجدوى» (28).

كما أن هناك قرار للمجلس الأعلى أكد إثبات السمسرة بالشيك البريدي وورقة الزيارة، إذ جاء في حيثياته ما يلي:

»حيث يستفاد من أوراق الملف و من الحكم المطعون فيه أن ثمن البيع هو 90.000 درهم و أنه توصل من البائع بأجرة سمسرته و أن المشتري قدم تسبيقا قدره 200 درهم حسب شيك بريدي مؤرخ في 26 مارس 1964 طالبا الحكم على هذا الأخير بأداء الباقي و هو 2.050 درهما مع تعويض قدره 250 درهما و أدلى المدعى بالشيك المذكور الذي أرجع إليه و قد ألقى مكتوبا على ظهره أن مبلغه سلم من أجل عمولة في شراء فيلا، كما أدلى بورقة الزيارة المؤرخة في 29 فبراير 1964 و التي اعترف بها المشتري المذكور بأنه زار تحت قيادة وكالة “طرانزافريك” عمارة السيد … الفيلا الكائنة بحي الريزيدانص” قرب وزارة الخارجية و التي رقمها في المحافظة العقارية 6561 و بتاريخ 24 دجنبر 1964 أصدرت المحكمة حكما غيابيا قضت فيه على المدعى عليه بأداء 2050 درهما وإلغاء ما عدا ذلك و أيدت محكمة الاستئناف بالرباط الحكم المذكور بانية حكمها على الحجتين الكتابيتين المذكورتين أعلاه(29)«.

المطلب الثاني: انقضاء عقد السمسرة

نشير بداية إلى أن المشرع المغربي لم ينظم الأسباب التي ينقضي بها عقد السمسرة ضمن مقتضيات مدونة التجارة، مما يفرض علينا الرجوع إلى القواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات و العقود، كما أن التقادم في عقد السمسرة له خصوصيات تميزه، هكذا سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين نتناول في الأولى التقادم في هذا العقد، و سنعرض في الثانية أسباب انقضاء عقد السمسرة، على النحو الآتي:

الفقرة الأولى: التقادم في عقد السمسرة

يشكل التقادم أحد أوجه تمييز العقود التجارية بنظيرتها المدنية، والذي فرضته سمة السرعة التي تطبع الميدان التجاري، والتقادم في المادة التجارية بصفة عامة و العقود التجارية على وجه الخصوص يخضع للتقادم الخمسي الوارد في المادة 5 من مدونة التجارة التي جاء فيها:

«تتقادم الالتزامات الناشئة بمناسبة عمل تجاري بين التجار أو بينهم وبين غير التجار، بمضي خمس سنوات، ما لم توجد مقتضيات خاصة مخالفة».

أما قانون الالتزامات و العقود فقد حدد مبدأ عام لتقادم الالتزامات المدنية في الفصل 387 منه، بقوله:

«كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، فيما عدا الإسثتناءات الواردة فيما بعد، و الاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة».

و بالرجوع إلى الفقرة الثالثة من الفصل 389 من قانون الالتزامات والعقود نجد أن من بين الاستثناءات الواردة على مدة تقادم الدعاوى الناشئة عن الالتزامات المدنية المحددة في خمسة عشر سنة، كل من:

– دعوى الوسطاء من أجل استيفاء السمسرة، ابتداء من إبرام الصفقة؛

– دعوى المتعاقدين ضد الأشخاص المذكورين فيما سبق، من أجل ما سبقوه لهم، لأداء ما أنيط بهم من أعمال، و ذلك ابتداء من نفس التاريخ المقرر لكل طائفة منهم؛

إذ أن هذه الدعاوى سواء كان المدعي فيها هو السمسار أو العميل، تتقادم بسنة ذات ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما.

إن النصوص القانونية أعلاه التي تهم التقادم في عقد السمسرة، أوردناها للوقوف عند التضارب في مدد تقادم الدعوى الناشئة عن الالتزامات في هذا العقد، بين مدة 5 سنوات في مدونة التجارة و مدة السنة ذات 365 يوما في قانون الالتزامات و العقود، و ما يزيد الإشكال تعقيدا صعوبة الترجيح بين أي النصين أولى بالتطبيق بسبب أن عقد السمسرة يبقى عقدا تجاريا سواء كان يتعلق بمعاملة مدنية أو بمعاملة تجارية، مما يعني أن النصين القانونين المنظمين لتقادم الدعاوى الناشئة عن عقد السمسرة يصعب استبعاد أي منهما.

و ما يمكن القول في هذا المضمار هو أن صفة المتعاقد مع السمسار يمكن أن تحسم في هذا الإشكال على النحو التالي:

* إذا كان العميل طرفا مدنيا: كأن يتوسط السمسار لفائدة عميله في بيع عقار مثلا، ففي مثل هذه الحالة سواء كان السمسار هو المدعي أو المدعى عليه، لا يمكن له أن يواجه العميل بقواعد القانون التجاري (30)، مما يعني أن دعاوى السمسار تجاه الطرف المدني المترتبة عن عقد السمسرة تتقادم بمضي سنة تبتدأ من تاريخ إبرام العقد، لا بمرور خمس سنوات كمدة تقادم تميز الميدان التجاري.

*إذا كان العميل تاجر: فهذه الحالة واضحة بخصوص الإشكال الذي نعالجه ذلك أن صفة التاجر متوفرة في الطرفين معا، العميل التاجر والسمسار الذي يعتبر بالطبع تاجرا – بقطع النظر عن المعاملة التي توسط فيها- مما يعني أن قواعد القانون التجاري أولى بالتطبيق بين طرفين تاجرين، و بالتالي أن الدعاوى الناشئة عن الالتزامات المترتبة عن عقد السمسرة تتقادم بمرور خمس سنوات.

و قد حاولنا استقاء موقف الاجتهاد القضائي بهذا الخصوص، غير أننا لم نجد ما يشفي الغليل، ليطرح السؤال الآتي:

أي مدد التقادم يمكن للاجتهاد القضائي اعتمادها عند وجود نازلة في هذا الشأن؟

الفقرة الثانية: أسباب انقضاء عقد السمسرة

المشرع المغربي لم ينظم الأسباب التي ينقضي لها عقد السمسرة ضمن مدونة التجارة، مما يستلزم هنا الركون إلى قانون الالتزامات و العقود خصوصا أن المشرع في الفقرة الثانية من المادة 405 من مدونة التجارة أكد على أن علاقات السمسار مع المتعاقدين تخضع للمبادئ العامة التي تسري على إجارة الصنعة في كل ما يمكن تطبيقه على عقد إجارة الصنعة.

و بالتالي فإن عقد السمسرة ينتهي بنفس أسباب انتهاء عقد إجارة الصنعة الواردة في الفصل 745 من قانون الالتزامات و العقود (31)، ومنه استخلصنا ثلاث أسباب ينقضي بها عقد السمسرة، فهو ينقضي بتحقق الغاية منه أي بتنفيذ محله أو انتهاء أجله (أولا)، كما يمكن أن ينقضي لاستحالة تنفيذ محله (ثانيا)، إلى جانب بفسخ عقد السمسرة (ثالثا)، وانقضائه بوفاة السمسار (رابعا).

أولا: انقضاء عقد السمسرة بتنفيذ محله أو انتهاء أجله

إن تنفيذ السمسار للمهمة المكلف بها، المتمثلة في البحث لفائدة العميل عن شخص ليتعاقد معه، و أداء العميل للأجرة المستحقة لفائدة الأول، يشكل الطريق الطبيعي و العادي لانقضاء عقد السمسرة، على أساس أن دور السمسار يقتصر على مجرد التقريب بين المتعاقدين لأجل إبرام العقد بينهما، و بالتالي فمتى تمكن السمسار من القيام بذلك يستحق عمولة عن هذا المجهود بتسلمها من يد عميله نقول أن عقد السمسرة قد استنفذ آثاره و بالتالي انقضى بتنفيذ محله.

غير أنه يمكن أن ينقضي عقد السمسرة لعدم تحقق الغاية منه أو لانتهاء أجله، على اعتبار أن التزام السمسار هنا ليس بتحقيق نتيجة بل بمجرد بذل عناية السمسار العادي، أي بذل الجهد المطلوب لإيجاد المتعاقد الآخر بالمواصفات التي حددها العميل خلال المدة المدة المتفق عليها.

ثانيا: انقضاء عقد السمسرة لإستحالة تنفيذ محله

أشرنا أن عقد السمسرة ينقضي بتنفيذ محله، غير أنه ينقضي كذلك باستحالة تنفيذ محله لأسباب لا دخل لإرادة الأطراف فيها كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي(32)؛ كأن يكون محل السمسرة البحث عن مشتري لمنزل فإذا به قد تهدم بسبب حدوث زلزال أو فيضان…، ففي هذه الحالة ينقضي عقد السمسرة لاستحالة تنفيذ محله الذي هو توسط السمسار لأجل بيع منزل تهدم بعد تكليفه.

ثالثا: انقضاء عقد السمسرة بوفاة السمسار

قد ينقضي عقد السمسرة لسبب آخر غير الأسباب التي سبق تحليلها، و يتعلق الأمر بوفاة السمسار، و في هذه الحالة لا يسوغ للعميل أن يواجه ورثة السمسار بإتمام على اعتبار أن عقد السمسرة يقوم على الاعتبار الشخصي، إذ أن لشخص السمسار أهمية بالغة في هذا العقد، و على أساس خبرته و درايته بالعرض و الطلب في السوق تعاقد معه العميل، فمواجهة الورثة الذين يغيب فيهم مثل هذه الاعتبارات يخالف هذه الخاصية الجوهرية في عقد السمسرة (خاصية الاعتبار الشخصي).

و في المقابل فإن عقد السمسرة لا ينقضي بوفاة العميل حيث يبقى العقد سائرا مع ورثته و بالتالي يحق للسمسار مطالبتهم في الاستمرار في تنفيذ العقد.

رابعا: انقضاء عقد السمسرة بفسخه

يمكن أن ينقضي عقد السمسرة بالفسخ الاختياري الذي يتم باتفاق الأطراف أو بموجب أحد الأسباب المقررة قانونا (33)، ويترتب عن هذه الحالة آثار مهمة بخصوص أجرة السمسار كالآتي:
– لا يفقد السمسار حقه في المطالبة بأجرته بمجرد فسخ عقد السمسار.
– لا يلزم برد المصاريف التي قبضها من الطرفين و التي تسهل له القيام بعمله.
غير أن هذه الحقوق المخولة للسمسار عند انقضاء عقد السمسرة بالفسخ، لا يستفيد منها متى كان هناك تدليس أو خطأ جسيم ينسب إليه، أدى إلى فسخ عقد السمسرة.

خاتمـة

نشير في الأخير إلى أن عمل السمسار قد تأثر بتكنولوجيا المعلوميات والانترنيت، إذ برزت وساطة من نوع جديد تتم بواسطة تقنيات المعلوميات عبر مواقع إلكترونية تروم التقريب بين العرض و الطلب، يقوم بها وسيط يسمى بـ “الوسيط الإلكتروني”، إذ أن عروض بيع المنتوجات المختلفة و كذا العقارات و السيارات و غيرها يتم بعرضها على مواقع إلكترونية (34)، و إذا كانت هذه التقنيات تستخدمها الشركات بشكل كبير، فإن الشخص العادي أصبح هو الآخر يعتمد على هذا النوع من الوساطة ليس للشراء بهدف الاستهلاك، بل كذلك لبيع العقارات و المنقولات، و تتميز الوساطة عن طريق تقنيات المعلوميات بعدة خصائص نذكر منها:

– الاستغناء عن وساطة السمسار في البحث عن عروض أو طلبات، وذلك باعتماد على المعلوميات و الانترنيت؛

– يتميز الوسيط الإلكتروني بالفعالية، إذ أن استخدام تقنيات المعلوميات على نطاق واسع، بحيث أن النطاق الجغرافي الموجه فيه العرض عبر الوسيط الإلكتروني قد يتجاوز الحدود إلى البلاد الأجنبية (35)، يعطي النتائج المرجوة من الوساطة ككل، ألا و هي تسهيل التقاء العرض بالطلب.

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : بحث قانوني كبير حول الأحكام الخاصة بعقد السمسرة في التشريع المغربي