الجزاء المدني للقرض بفائض مشطّ – مقال قانوني متميز

الاستاذة سامية حمودة

المنع والجزاء هما وجهان لعملة واحدة، فكلما نصّ المشرّع على جزاء، إلاّ وأسبقه بمنع، وقلّما نص المشرّع على منع، دون أن يرتّب عليه جزاء[1]. وفي مجال المعاملات المالية أين يكرّس المشرع مبدأ سلطان الإرادة،[2] تكون هذه القاعدة حاضرة أكثر، بحيث يصبح المنع ضرورة وأداة يستعملها المشرّع عند الاقتضاء للحدّ من الحرية المطلقة للمتعاقدين، ويصبح الجزاء خير ضامن لاحترام تلك الحدود. ومن ثمة يمكن القول أنّ الجزاء هو ترجمة حقيقية لخاصيّة الإلزامية في القاعدة القانونيّة والتي بدونها يفقد القانون فعاليّته[3].

ومن هنا تتضّح نجاعة تدخل المشرع في مجال العقود، سواء تعلّق هذا التدخل بشكل العقد[4] أو بمضمونه،[5] وذلك لحماية الطرف الضعيف في العقد وتحقيق العدالة العقديّة أحيانا، أو لحماية الاقتصاد وتوجيهه بما يضمن عدم تعارضها مع السياسة المالية والاقتصاديّة للدولة أحيانا أخرى.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ويعتبر القرض بفائض من أهمّ هذه العقود التي تكفّل المشرع بتنظيمها فجاء الباب الثاني من المقالة السادسة من الكتاب الثاني من مجلّة الالتزامات والعقود بعنوان “في عارية الاستهلاك وهي القرض” ثمّ عنون الباب الثالث من نفس المقالة بـ”القرض بفائض، وعرّف عقد القرض في الفصل 1081 على أنّه “عقد على دفع شيء مما يستهلك أو منقول على أن يرجع المقترض نظير ذلك نوعا وقدرا ووصفا”[6]. كما اهتمّ المشرّع أيضا بتنظيم أهمّ خصائص عقد القرض فهو عقد ملزم لجانبين، ذلك أنّه بموجب العقد ينشأ التزاما على كاهل المقرض بتسليم المقترض الشيء المتفق عليه قصد استهلاكه وبالمقابل يكون المقترض ملزما بإرجاع مثل ذلك عند انقضاء الأجل المتفق عليه[7]، وهو أيضا عقد رضائي[8] فبمجرد تلاقي الإيجاب بالقبول ينشأ العقد حتّى قبل واقعة التسليم، وتتأكد صبغته الرضائيّة من خلال الفصل 1086 مجلة الالتزامات والعقود الذي جاء فيه “يدخل القرض في ملك المقترض من وقت تمام العقد بتراضي الجانبين ولو قبل تسليمه”، كما نظم المشّرع الالتزامات الفرعيّة الناشئة عن عقد القرض من ذلك الإلتزام بضمان العيوب الخفية والاستحقاق المحمول علي المقترض بالفصل 1089 م.إ.ع وفي المقابل إلزام المقترض بتحمل مصاريف تسليم القرض وترجيعه الفصل 1094 م.إ.ع.

ومن خلال هذا التقديم يمكن إبداء ملاحظتين: الأولى تهم الشكل وهي تتعلّق بمصطلح الفائض والثانية تتعلق بالتقسيم المعتمد في المجلة.

أوّلا : وجدت مصطلحات مختلفة لتسمية ما يستحقه صاحب رأس المال مقابل انتفاع معاقده بالمبالغ الموضوعة على ذمته مدّة زمنيّة معينة “الربا”، “الفوائض” و”الفائدة” هذه الكلمات تحيل إلى مسمى واحد لكن مواضيع استعمالها يختلف[9], فالربا مصطلح مستعمل في النصوص الدينيّة: من ذلك قوله تعالى :” وما أتيتم من ربى لتربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولائك هم المضعفون”[10] أمّا عبارات الفوائض والفائدة فهما مستعملتان على مستوى القانون الوضعي وتعتبر مجلّة الالتزامات والعقود أوّل نصّ قانوني استعمل هذين المصطلحين الحديثين، وهو ما يجعلنا نتساءل إن كان هذا الاختلاف في تسمية نفس المسمى يخفى اختلاف في المضمون.

ثانيا : الفوائض، رغم أنّها التزام تابع لعقد القرض[11]، إلاّ أنّ المشّرع لم يقحمها في الباب الثاني المخصص له خاصّة وأنّ هذا الباب تناول الالتزامات المحمولة على الطرفين بموجب هذا العقد، فيمكن تفسير هذا الخيار بالطبيعة المزدوجة التي تبناها المشرع لعقد القرض، فهو من عقود التبرّع إن كان بدون مقابل وهو من العقود بعوض إن كان بمقابل.

غير أنّ هذا السبب وحده غير كاف لتبرير هذا الفصل وذلك لسببين أولهما أن اشتراط الفائض ليس له تأثير على الأحكام التي تنظم عقد القرض فهذا الأخير سواء كان بعوض أو بدونه فإنّه سيحتكم إلى نفس الشروط المستوجبة لتكوين العقد، كما أنّه سينشئ نفس الالتزامات المحمولة على طرفي العقد، الفارق الوحيد هو التزام ينضاف إلى الذمّة المالية للمقترض، فهذا الأخير يكون ملزما بردّ المثل في القرض بدون أجر أمّا إذا كان القرض بأجر فإنه يكون ملزما لا بردّ المثل فقط بل أيضا بدفع فائض بحيث كان بإمكان المشرع أن يقتصر على الباب الثاني ويجعله متكوّن بدوره من فقرتين، دون أن يؤثر ذلك على طبيعة العقدين، فقرة أولى : الأحكام العامة للقرض الاستهلاكي، فقرة ثانية: الأحكام الخاصّة بالقرض بفائض[12]

والسبب الثاني هو أن الفصول الواردة تحت عنوان “القرض بفائض” لم تتناول بالدرس سوى أحكام تتعلّق بالفائض كشرط ولم تأت على ذكر “القرض بفائض” وهو ما يعني أنّ المشرع لم يقصد من هذا الفصل تمييز عقد القرض بفائض وإنمّا أراد التركيز على الفائض في عقد القرض.

اخيار في الشكل تبرره أهميّة المضمون، أهمية فرضتها عدّة اعتبارات دينيّة وأخلاقية واقتصاديّة وحتى سياسية، فالفوائض من المواضيع الحساسة التي كانت ولازالت محلّ نقاش وجدل فهي موضوع حساس لأنّ في إجازتها تنكّر للتعاليم الدينيّة وفي منعها إعاقة للحركة الاقتصاديّة[13].

الدين الإسلامي حرّم صراحة الربا من ذلك ما جاء في الآية 130 من سورة آل عمران قوله تعالى :”يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعاف مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون”، كذلك في الآية 275 من سورة البقرة :” الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنمّا البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا”.

أبقى المذهب المالكي على التحريم المطلق للربا[14]، على خلاف المذهب الحنفي الذي أدخل استثناءات يمكن فيها الحصول على الربا : فيمكن للمسلم اشتراط الربا على غير المسلم المقيم خارج الديار الإسلامية، كما يصح ذلك في العلاقة بين السيد وعبده وفي العلاقات بين الشركاء[15].

إلى جانب هذه الاستثناءات فإنّ الضرورة التي أنتجتها المعاملات أدّت إلى اختلاق الحيل لتجاوز التحريم والحيلة كما عرّفها الأستاذان محمد الشرفي وعلى المزغني تهدف إلى “إكساء مشروعيّة قانونيّة للاحترام الشكلي لقواعد الفقه[16]“.

فكانت النتيجة إنشاء عقود تختلف في شكلها وتسميتها عن عقد القرض إلاّ أنها تحتوي في مضمونها ربا مستتر، من ذلك مثلا ما يسمّى ببيع الأمانة أو بيع الوفاء[17]، وهو أن يبيع المدين أحد أمواله للدائن على أن يرجعه له عند دفع الثمن وأصل الدين لكن إلى أن يتمّ ذلك فإنّ منافع المبيع وغلته تعودان إلى المشتري وتقوم مقام الفوائض، كذلك من بين هذه العقود التي تكسى الربا مشروعيّة قانونيّة نذكر بيع السلم[18]، وهو أن يبيع المقترض للمقرض أحد ممتلكاته مقابل مبلغ مالي يشتمل في نفس الوقت على ثمن المبيع ونسبة الفوائض، لكن البائع (في هذه الوضعيّة هو المقترض) يمنح أجلا لدفع الثمن, ثمّ مباشرة بعد إبرام العقد يتمّ إبرام عقد بيع ثاني يشتري بمقتضاه المقرض نفس الشيء المبيع لكن بثمن تطرح منه نسبة الفوائض ويكون واجب الدفع حالا.

يعتبر رهن الانتفاع أيضا من العقود التي تخفي الربا[19]، ذلك أنّ المقترض يمنح للمقرض أحد ممتلكاته على سبيل الرهن ويخوّل لهذا الأخير الاحتفاظ بمنافع الرهن لتقوم مقام الفوائض.

هكذا يتجلّى مدى التطوّر الذي شهده التشريع الإسلامي حول الربا فجمع بين ضرورة احترام النصوص الدينيّة، فأقرّ المنع القاطع وضرورة مواكبة تطوّر المعاملات فتبنى الحيل والاستثناءات حتّى أنّه لم يبقى تحت طائلة التحريم إلا الربا في معناه الأكثر عموميّة.

على إثر أزمة الثلاثينات، عرف القانون الفرنسي منعرجا هاما في مادّة الفوائض.[20]

صدر منشور 8 أوت 1935 المتعلّقة بالفائدة المشطّة، أكسى مفهوم الربا بعدا إقتصاديا أكثر منه أخلاقي[21] من خلال إدخاله لأول مرّة معدّل النسبة المطبّقة وبموجبه أصبح الشطط في الفائدة يقدّر بالمقارنة مع معدّل النسبة المطبّقة من طرف المقرضين ذوي النّية الحسنة. كما نص أيضا على أنه في صورة تطبيق فائدة مشطّة فإن المبالغ التي وقع دفعها زائد عن السقف يقع طرحها من باقي الفوائض المطالب بدفعها للمقترض حسب النسبة القصوى المسموح بها، أما إذا لم يعد هناك فوائد مخلّدة بذمة المقترض لأنه دفعها بأكملها يكون طرح زائد الفائدة المشطّة من باقي رأس المال. لم يلقى هذا المرسوم نجاح في تطبيق لعدم دقّته[22] . فصدر القانون عـ1010ـدد لسنة 1966 بتاريخ 28 ديسمبر 1966 المتعلّق بالرّبى، بقي يحكم المادّة إلى الآن مع بعض التّنقيحات الواردة به وأهمّها تنقيح 31 ديسمبر 1989

لم يعرف نظام الفوائض في القانون التونسي استقرارا سواء على مستوى النصوص التي تنظمه أو على مستوى المبدأ الذي يحكمه، وهو إن دلّ على شيء فهو يدلّ على مدى استعصاء هذه المسألة على التقنين, لذلك فإنّه يصعب دراسة جزاء الفائض المشط بمعزل عن تاريخ نظام الفوائض الذي عرف مرحلتين مختلفتين من حيث المضمون ومن حيث الأساس:

المرحلة الأولى هي منذ صدور مجلة الالتزامات والعقود إلى حدود الاستقلال. ويبدو جليّا أن مشرّع 1906 قد تأثّر بالقواعد الدينيّة من ذلك اعتماده على معيار ديني في تنظيم الفوائض[23] وقد خصّص الباب الثالث من المقالة السادسة في الكتاب الثاني بعنوان “القرض بفائض” من الفصول 1095 إلى 1103 وأهم ما يميّز هذه الفصول هو الطابع المزدوج لنظام الفوائض الذي نلمسه بقراءة الفصل 1095 و1103 .

جاء في الفصل 1095 “شرط الفائض في العقد باطل ومبطل للعقد بين المسلمين سواء كان هذا الشرط صريحا أو على صورة هديّة أو فائدة للمقرض أو لواسطة”. تضمّن هذا الفصل حكمين:

الأوّل : هو ما نلمسه بمجرد قراءة هذا النص، متمثل في منع اشتراط الفائض في القرض فيما بين المسلمين، ثمّ رتب جزاء في صورة مخالفة هذا المنع وهو بطلان شرط الفائض وكذلك بطلان عقد القرض الذي احتوى على هذا الشرط، والبطلان هو جزاء مدني “لمخالفة شروط صحّة التصرّف القانوني بأن لا يترتب عنه بصفة رجعيّة أي أثر قانوني بين أطرافه وتجاه الغير”[24].

نفس هذا الحكم نجده في مشروع القانون المدني والتجاري الذي تأسّست عليه مجلة الالتزامات والعقود بل أنّ الفصل 1095 والذي كان في المشروع الفصل 1236 قد صيغ بأكثر شدّة وذلك بأن توجه بالمنع لا فقط إلى المقرض بل كذلك إلى كلّ شخص توسط في عملية القرض، فالمشرّع هنا أخذ على عاتقه التحريم الديني وصيّره منعا.

أمّا الحكم الثاني الذي جاء به الفصل 1095 م.إ.ع فإنّنا نلمسه بقراءة عكسيّة للنص فالقول بأن المنع يقتصر على المعاملات بين المسلمين فقط يؤدي بالضرورة إلى القول بأنّ فيما عدى هؤلاء فإنّ المعاملات تخرج من نطاق المنع، وهو ما يعني أن الاقتراض بفائض بين المسلم وغير المسلم (مسيحي مثلا أو يهودي) أو بين غير المسلمين جائز[25]، من خلال هذا الحكم نجد أنّ المشرع قد أعطى مشروعيّة قانونيّة للاستثناءات التي جاء بها الفقه الحنفي.

كما أنّه، بالرجوع إلى باقي أحكام مجلّة الالتزامات والعقود، نلاحظ أنّ المشرع أيضا قد أخذ كلّ الحيل التي استنبطها الفقهاء فقنّنها وصيّرها من العقود المسماة، فنجد بيع الوفاء منظما في الفصول من 684 إلى 699 م.إ.ع، وقد تمّت تسميته “بيع الثنيا”، ثمّ بيع السلم ومحلّه في الفصول 1613 إلى 1622 م.إ.ع، والغريب أن المشرّع أقرّ صراحة أن ما يتقاضاه الدائن في كلّ هذه العقود هو عين الفائدة، وذلك بأن نصّ صلب الفصل 1102 م.إ.ع على أنّ إشتراط الفائدة يمكن أن يأخذ شكل “بيع الثنيا ورهن الانتفاع والطرح من رأس المال عند القرض…”.

من خلال هذا التقديم، يبدو لأوّل وهلة أن موقف مشّرع 1906 اتّسم بكثير من التذبذب، ولكن إذا ما وضعنا هذه المواقف في إطارها الاجتماعي، فإنّنا نجدها مدروسة تعبّر عن ذكاء وحكمة واضعها، ذلك أنّ المشرّع حاول التوفيق بين ما هو فكري عقائدي، وما هو عملي تطبيقي، أي بين التعاليم الدينيّة وذلك بتكريس المنع، والضرورة الاقتصاديّة من خلال تبني موقف الفقه الحنفي وتقنين الحيل التي وردت بالتشريع الإسلامي[26].

كما تتأكّد هذه النظرة التوفيقيّة من خلال الفصل 1103، فبعد أن أجاز المشرع نسبيّا التعامل بالفائض، مكرّسا وفي حدود نطاق الإجازة لمبدأ سلطان الإرادة، وضع حدودا لنسبة الفوائض التي لا يجوز بأيّ حال تجاوزها، هدفه في ذلك مقاومة كلّ شطط.

نص الفصل 1103 مجلّة الالتزامات والعقود على ما يلي: “كلّ من اغتنم اضطرار غيره، أو ضعف إدراكه أو عدم معرفته بالأحوال فأقرضه مالا أو جدّد له أجلا بفائض وغيره من المنافع التي تتجاوز القدر المعتاد وقيمة مصلحة المقترض حسب الأماكن وظروف الأحوال بمقدار معتبر يطالب لدى المحاكم الجنائيّة ومن الجائز إبطال الاتفاقات والشروط المحرّرة على خلاف ما يقتضيه هذا الفصل ولو بغير طلب المدين وحط الفائض المشترط ورجوع الدين بما أداه زائد على القدر الذي يعنيه المجلس للفائض وإذا تعدّد أرباب الدين كانت مطالبتهم بالخيار”.

ليس بجديد أن سعى المشّرع إلى تكريس العدالة العقديّة وحماية الطرف الضعيف في العقد ذلك أنّه من أوكد واجباته الحذر من ممارسات بعض من تخوّل لهم أنفسهم استعمال ما لهم من ثروة لاستغلال من دفعتهم الحاجة للاقتراض.[27] لكن ما هو جديد هو التقنين لأوّل مرّة لمفهوم الفائض المشطّ و”هذا التقنين للفائض المشط يشكّل أهم محور من محاور تطوّر التشريع المتعلق بالقرض بفائض على مدى القرن الماضي ومطلع القرن الحالي،”[28] علما وأنّه قبل صدور مجلّة الالتزامات والعقود، رفض فقه قضاء المحاكم الفرنسيّة بتونس[29] كل رقابة على نسبة الفائض مهما بلغت أهميتها وخطورتها على المقترض محقّقا بالتالي تكريسا كلّيا لمبدأ سلطان الإرادة رافضا كلّ تدخل للقضاء فيها .

هكذا إذن أصبح للربا مفهومان يختلف باختلاف نوعيّة العلاقة أو التعامل، فإذا كان القرض بين مسلمين، فإنّ مجرّد اشتراط فائض يعدّ ربا أمّا إذا كانت المعاملة بين مسلم وغير مسلم أو بين غير المسلمين فإنّ الفائض لا يعدّ ربا، إلاّ إذا تجاوز “القدر المعتاد” “بمقدار معتبر” أي أنّ الربا هنا هو الفائض المشطIntérêt excessif والذي يفيد الإفراط وتجاوز الحد[30]، لذلك لم يتوان المشرع عن ضبط حدود سعر الفائض، لأنّه الفاصل بين الفائض والربا، وكذلك التنصيص على الجزاء باعتباره الضامن لعدم تجاوز تلك الحدود.

وبداية من سنة 1935 إلى غاية 1954، تدخل المشرّع خمسة مرات لمقاومة الربا وحماية ضعيف الحال، فكان الأمر العلي الصادر في 19 أوت 1935 الذي مكّن من أن تطبق بالبلاد التونسيّة أحكام المرسوم الفرنسي الصادر في 8 أوت 1935 المتعلّق بالربا، والذي اعتبر أنّ الربا، هو الذي يتجاوز بأكثر من نصف معدّل نسبة الفائدة المطبقة بنفس الشروط في العمليات التي لها نفس المخاطر بين المقرضين ذوي النيّة الحسنة، ثمّ ولغلق باب التحيّل صدر أمر علىّ آخر بتاريخ 8 أوت 1936 ، والذي بموجبه تمّ إخضاع كلّ القروض إلى تأشيرة عون عمومي قصد التحقق من تسلم المقترض لنفس المبلغ المتفق عليه. لكن سرعان ما أعاد المشرع التدخل، وألغى هذين الأمرين وعوضهما بأمرين آخرين إذ صدر في 3 فيفري 1937، الأمر الأوّل والمتعلق بزجر الربا، وأوكل مهمة ضبط معايير نسبة الفائدة “العادية” إلى لجنة فنية كما أوجب على العدول الذين يحررون كتائب القرض، مطالبة المقترض بأن يسلم المال المتفق عليه بحضورهم مع وجوب التنصيص على ذلك في الكتب.

أمّا الأمر العلي الثاني والمتعلق بالربا، فقد حدّد معدّل الشطط في الفائدة وضيّق في نسبتها مقارنة بأمر 19 أوت 1935 واعتبر أنّ الربا، وهو الفائض المشط، يتجاوز بأكثر من ثلث المعدّل المعمول به في القروض التي لها نفس المخاطر وأكّد هذا الأمر على تحريم الربا وأضاف جزاء مدنيا وهو إرجاع المقترض ما قبضه زائدا على المعدّل المذكور مع تطبيق نسبة فائض من تاريخ القبض.

خلاصة القول، يبدو أنّ المشرّع اعتمد نسقا تصاعديّا نحو التشديد، فمن الإجازة النسبيّة، إلى تحديد سقف الفائدة وتبني الفائض المشط، تمّ تضييق نسبتها مع التنصيص على العقاب في صورة مخالفتها، وذلك على عكس المنع الذي أخذ مسار تنازليا نحو التخفيف فمن المنع القاطع إلى الحدّ من نطاقه تم تليينه بتقنين الحيل التي وردت بالتشريع الإسلامي، وهو ما ساعد المشرع منذ الاستقلال على إحداث تحوّل جذري وجوهري لموقفه وهذه هي المرحلة الثانية لنظام الفوائض في القانون التونسي.

يمكن تقسيم هذه المرحلة بدورها إلى مرحلتين القاسم المشترك بينها هو تأثّر نظام الفوائض بتوجهات السياسة الاقتصاديّة.

منذ الاستقلال إلى حدود التسعينات، وضمن التدخلات الكبرى التي أقدم عليها المشرّع لتطهير النظام القانوني من الموانع غير المتماشية مع النظام الاجتماعي والاقتصادي للدولة الحديثة[31]، صدر القانون عدد 1 لسنة 1958 المؤرّخ 28 جانفي 1958 الذي حجّر التعامل ببيع الثنيا وبيع السلم ورهن الانتفاع، ونسخ الفصول الموافقة لها، ثمّ في 7 نوفمبر 1959 صدر قانون عدد 148 لسنة 1959 نسخ بمقتضاه الفصل 1095 وبذلك ثمّ التخلّي عن المنع.

لم تكن هذه التنقيحات الجوهريّة إلاّ استجابة لمتطلبات الواقع الاقتصادي والاجتماعي للدولة في تلك الفترة فمن ناحية وبالتوازي مع تونسة البنوك[32] وإحداث البنك المركزي التونسي،[33] تكاثفت الجهود لبناء الاقتصاد الوطني وتزايدت الحاجة إلى الاقتراض لبعث المشاريع، لذلك ترك المشرع الوضعي الأمور الدينية للإيمان الداخلي والباطني للإنسان أمّا ما تقتضيه المعاملات الاقتصاديّة فيتمّ تنظيمه دون حاجة التؤكد على إجازته أو الوصول إليه بوسائل ملتوية.[34] ومن ناحية أخرى، واستجابة لتحقيق أهداف التنمية احتكرت الدولة مقاليد السلطة الاقتصاديّة، وتشكّلت على ذلك النحو معالم اقتصاد موجّه لا يملك الأعوان الاقتصاديون فيه حيزا كافيا من حريّة التصرف، بل تخضع داخله المؤسّسات كما هو شأن المؤسّسات البنكيّة إلى تدخل الإدارة بالوجه الذي يؤمّن خدمة الصالح العام.[35] وفي هذا الإطار، تنزّلت الأحكام المتعلّقة بالتحديد الإداري للأسعار عامّة والفوائد البنكية خاصّة، تكفلّ البنك المركزي بمهمّة تحديد أسعار الفوائض لكلّ صنف من أصناف القروض[36] وهو ما يعني أنّه لم تعد للأطراف حرية تحديد الفائض وبالتالي لا مجال للحديث في تلك الفترة على جزاء الفائض المشط رغم وجود نصوص تنظم هذه المسألة.

لكن منذ أواخر الثمانيات وبداية التسعينات، ونتيجة فشل السياسة الاقتصاديّة العامة والتي أوصلت البلاد إلى أزمة اقتصاديّة خانقة[37] تبنت الدولة سياسة الاقتصاد الحر والتي تقوم على مبدأ الحريّة والمنافسة الحرّة، وذلك بموجب القانون عدد 64 لسنة 1991 المتعلّق بالمنافسة والأسعار.[38] أمّا في خصوص الفوائض فقد تمّ تحريرها تدرجيا، حيث صدر منشور البنك المركزي عدد 22-1991، بتاريخ 17 ديسمبر 1991 الذي وإن حافظ على مبدأ التحديد المسبق لنسبة الفوائض في القروض ذات الأوليّة الاقتصاديّة (الفصل 22) إلاّ أنّه في القروض العادية تبني مبدأ حريّة الأطراف في تحديد نسبة الفوائض (الفصل 26 فقرة1) ثمّ أضاف في الفقرة الثانية من نفس الفصل أقصى ما يمكن أن تصله نسبة الفوائض، فاعتبر أنّ الفائدة لا يمكن أن تتجاوز سقف 3 نقاط فوق نسبة السوق النقديّة، ثمّ صدر منشور أخر عدد8 لسنة1994 بتاريخ 7 جويلية 1994 تمّ بموجبه تحرير كلّي لنسبة الفوائض وهو ما يعني أنّه سواء تعلّق الأمر بقروض قصيرة المدى (تسهيلات الخزينة، سحب على المكشوف، خصم، فتح اعتماد) أو قروض متوسطة أو طويلة المدى فإنّ البنك يملك كامل الحرية في ضبط ما سيستخلصه مقابل عنها.

إنّ الاكتفاء بذكر القروض البنكية لا يعني إقصاء باقي القروض في مجال البحث ولكن اتساع مجال القروض البنكيّة واحتكار البنوك سوق الفوائض جعل من الفوائض غير البنكية رغم أهميتها مثل تلك الناتجة عن عمليات البيع بالتقسيط، والمؤسّسات المالية، هامشية مقارنة بالفوائض البنكية، وهو ما يدّل على مدى تأثير المناشير الصادرة على البنك المركزي المتعلّقة بالفوائض على إرادة الأطراف واتساع آثارها.

لكن هذه السياسة سرعان ما أثبتت فشلها، حيث أفرز الواقع قصور مبدأ حريّة تحديد نسبة الفوائض على تحقيق المنافسة الشفافة والنزيهة[39] ذلك أنّ الفوائض لا تعكس حقيقة التزام المقترض، كما أفرز هذا الواقع أيضا إجحاف نتيجة عدم التوازن بين المتعاقدين فالمقرض يحصل على إثراء فاحش على حساب المقترض، الذي أمام حاجته للاقتراض يملى عليه المقرض شروط مرهقة تصل به إلى حدّ العجز عن تسديد دينه[40] بالإضافة إلى ما ينجرّ عن هذا الوضع من نتائج وخيمة على الاقتصاد عامّة.

أمام هذا الخطر أعاد المشرع التدخل، بموجب قانون عدد 64 لسنة 1999 المؤرّخ في 15 جويلية 1999 كما تمّ تنقحيه بموجب قانون عدد 56 لسنة 2008 مؤرّخ في 4 أوت 2008 المتعلّق بالفائدة المشطّة، وأقرّ العمل بمبدأ الحريّة المقيّدة، لكن هذه القواعد كغيرها من القواعد القانونيّة الملزمة، لا يكفي ترتيب جزاء لها حتّى نضمن احترامها، بل يجب أن يكون هذا الجزاء دقيقا وواضحا بالقدر الذي يفرض استجابة المتعاقدين للمنع المنظم صلب قانون 1999 والمتمثل في عدم تجاوز الفائدة السقف المحدّد قانونا.

وفي هذا الخصوص يمكن ذكر العقوبة الجزائيّة الواردة بالفصل 1103 م.إ.ع، حيث اكتفى المشرع بالقول أن مخالف مقتضيات هذا الفصل “يطالب لدى المحاكم الجنائية” دون أن يذكر محتوى العقوبة أو حتّى الإحالة إلى نص آخر يحدّد من خلاله العقاب المستوجب، فكانت النتيجة أن جرّدت القاعدة القانونيّة من إلزاميتها على الأقل من هذه الزاوية أي أنّ الحماية الجزائيّة التي أرادها المشرع لاحترام المنع المنصوص عليه بالفصل 1103 مجلة الالتزامات والعقود لم تكن محكمة لتحقيق الغاية منه.

لم يستطع أمر 1954 المتعلّق بزجر الربا حلّ مسألة غموض العقوبة الجزائيّة رغم وضوح الفصل 2 من أمر 1937 المتعلّق بالربا موضوع الإحالة[41]، ذلك أنّه وإن أمكن لأمر 1937 القيام تحديد دقيق لمحتوى الجزاء،[42] إلا أنّ الخلل هذه المرّة ليس في تحديد الجزاء، وإنما في إمكانية تحقيقه، حيث أوجب أمر 1954 أنّ إمكانية تسليط الجزاء تتوقف على تجاوز الفائض” بصفة محسوسة القدر المتعارف وقيمة المصلحة المسداة حسب ظروف الزمان والمكان الحافّة بالموضوع…”هذه المعايير غير الدقيقة، جعلت إمكانية الإفلات من العقاب أمر وارد، الشيء الذي أفرغ الجزاء من كلّ جدوى ونجاعة.

مكّن قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة من ضبط دقيق للعقوبة الجزائية المستوجب عند تجاوز الحدود المرسومة بهذا القانون، فمن جهة حدّد في الفصل 5 منه الجزاء المنطبق وهو السجن مع الخطيّة أو إحدى العقوبتين مع مضاعفتها في صورة العود، ومن جهة أخرى ألغى الفصل 7 من نفس القانون العمل “بأمري 1937 و 1954 المتعلقين بزجر الربا” فأصبحنا على هذا النحو أمام نص واضح وصريح لا يمكن أن يختلف فيه اثنان[43] وذلك على خلاف الجزاء المدني الذي لم يحظى بنفس دقّة ووضوح العقوبة الجزائيّة وذلك لسببين :

– السبب الأوّل : هو غموض الأحكام المتعلّقة بهذه العقوبة الواردة بالفصل4 من قانون[44] 1999، حيث كان من المنتظر إن يستغل المشرّع هذه الفرصة ويستفيد من الإخلالات الواردة بالنصوص السابقة التي نظّمت الجزاء المدني ويقوم بترتيب جزاء منظم ودقيق مثلما فعل في العقوبة الجزائيّة، حتّى يستطيع الجزاء أن يقوم بوظيفته الردعية كما يجب، لكن ورغم حداثة قانون 1999 إلاّ أن الطريقة التي صاغ بها المشرّع الجزاء المدني تثير عدّة تساؤلات من ذلك مثلا ما يتعلّق بطبيعة الجزاء.

– السبب الثاني : يتمثّل في عدم التنصيص صراحة على إلغاء الفصل 1103 مجلّة الالتزامات والعقود، وهو ما زاد في تعقيد هذه المسألة، ذلك “أنّ الإبقاء على التشريع القديم المتعلق بالقرض بفائض كما جاء في مجلة الالتزامات والعقود وإيجاد قانون موازي له ليس من شأنه تبسيط الأحكام وتوضيحها[45]“.

أمام هذه الأسباب صار من الجائز تخصيص الجزاء المدني للقرض بفائض مشط بدراسة مستقلة والتي تبّرر أكثر بالأهمية التي أثارها هذا الموضوع سواء على المستوى النظري أو على المستوى العملي.

تبرز الأهمية النظريّة على مستويين، يتمثل الأول، في بيان أنّ غموض قانون 15 جويلية 1999 ما هو إلاّ ظاهري، ومرده يكمن في تهميش الطبيعة الموضوعيّة التي تميّز بها هذا القانون سواء في تحديد مفهوم الشطط ومكوّناته، أو في تحديد مضمون الجزاء وجدواه.

يتمثل المستوى الثاني في الجدل الفقهي الذي أثاره الفصل 1103من مجلة الإلتزامات والعقود حول مسألة نفاذه.

أمّا الأهميّة العملية فهي أيضا مزدوجة، فمن جهة تبيّن هذه الدراسة مدى ارتباط نسبة الفوائض بالسياسة المالية والاقتصادية للدولة، ذلك أن تحديد سقف الفائدة ما هو إلاّ تجسيد للخيارات المرسومة في هذا المجال، بحيث كلما أرادت الدولة تشجيع الاستثمار تخفض في هذه النسب وكلما رأت أن مصلحة البلاد تستوجب التريّث والتمهل والميل إلى الادخار ترفع في نسبة الفائدة، لذلك بقدر ما نضمن إحترام السقف المحدد بقدر ما نضمن حسن تطبيق الخيارات، الشيء الذي لا يمكن أن يتحقق في غياب جزاء يكسي القاعدة القانونيّة صبغتها الإلزامية.

ومن جهة ثانية تبرز هذه الدراسة الدور الذي يلعبه عقد القرض بفائض في تنشيط الحياة الاقتصادية، خاصّة في ظلّ التوجه الاقتصادي الجديد الموجه نحو اقتصاد السوق والذي يقتضي قدر من الاستقرار في المعاملات، الشيء الذي يتعارض مع القيود المفروضة على سياسة الاقتراض.

وعلى ضوء ما تقدم لنا أن نتساءل: هل أحكم المشرّع تنظيم الجزاء المدني بما يحقق ردع الإقراض بفائض مشط من جهة، ويضمن استقرار العقود واستمراريتها من جهة أخرى؟

تستوجب الإجابة عن هذه الإشكالية البحث في مسألتين مختلفتين ولكنهما متكاملتان بحيث لا يمكن للجزاء أن يؤدي دوره الردعي والحمائي إذا ما تسرب خلل ما لإحدى هاتين المسألتين.

فنجاعة الجزاء مثلما تتوقف على إحكام وتنظيم محتواه ، فإنّها تتوقف أيضا على إحكام وتنظيم إمكانية تحقيقه لذلك سوف نتطرّق للبحث عن الإحكام على مستوى قيام الجزاء (الجزء الأول) ثم على مستوىمحتوى الجزاء (الجزءالثاني).

الجـزء الأول : قيــام الجـزاء

الجزء الأول: قيام الجزاء
إنّ قيام الجزاء المدني للقرض بفائض مشط يستوجب التطرّق إلى أمرين: الأوّل قانوني نظري والثاني قانوني تقني، ويقصد بقيام الجزاء قابلية الحصول عليه، أي العناصر والشروط التي إذا ما توفرت تخوّل لنا تطبيق الجزاء، فهو الإجابة عن سؤال متى يكون الجزاء.

إنّ دراسة الجزاء المدني للقرض بفائض مشط هو إقرار ضمني بوجود قواعد قانونية وضعيّة نظّمت الإقراض بفائض ورسمت حدود لسعر الفائدة، ذلك أنّه لا يمكن تصوّر وجود جزاء في غياب قواعد تنظم العلاقات الخاصة بين الأشخاص وتفرض عليهم سلوك معين لذلك يبدو من غير المعقول أنّ نقرّ بوجود جزاء ثمّ نتساءل عن إمكانية وجود نص ترتب عنه هذا الإقرار، فالجزاء حتى يكسي القاعدة القانونية إلزاميتها يفترض وجود قاعدة أولا وتصبح بذلك هذه القاعدة أساس الجزاء وسبب وجوده، إلاّ أنّه في بعض الأحيان نكون في وضع غريب، وهو رغم الإقرار بوجود الجزاء، فإنّ القواعد التي توّلد عنها تكون غامضة رغم وجودها، وهذا الغموض يدفعنا للتساؤل عن أساس الجزاء في حين أنّنا تبنينا مبدأ وجوده، وهو حال الجزاء المدني للقرض بفائض مشط الذي يعتري ظاهريا أساس قيامه غموضا (الفصل الأول) إضافة إلى هذه المسائل القانونية البحتة فإنّ قيام الجزاء يتوقف أيضا على تجاوز المقترض السقف المحدد قانونا الشيء الذي لا يمكن ضبطه قي غياب معايير واضحة ومضبوطة، وهو ما تفطن له مشرّع 1999 الذي وضع شروطا دقيقة لقيام الجزاء (الفصل الثاني).

الفصل الأوّل:غموض ظاهري للأساس التشريعي
أساس الجزاء هو النص القانوني الذي استمد منه هذا الأخير مشروعيته، وأكسبه صبغة قانونيّة، فهو الذي أعطى للجزاء وجوده القانوني، وبرر احترام الفرد له “والقانون هو من حيث المبدأ قاعدة دائمة جعلت ليدوم بقاؤها، وعلى هذا الأساس فإنّ النص يستمر العمل به إلى أن يأتي نص آخر جديد ينسخه ويبطل العمل به، ويتحتم أن يكون النسخ منصوص عليه وذلك أخذا بمبدأ توازي الأشكال والصيغ فالقانون الجديد ينبغي أن ينصّ على أنه جاء لينسخ ذلك القانون القديم أو ذلك الفصل…”[46] ومبدئيا، ما لم يصرّح المشرّع بنسخ قـانون مـا، يبقي هذا الأخيـر ساري المفعول، وهو حال الفصل 1103 م.إ.ع، فالمشرّع عند إصدار قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطة، لم ينصّ صراحة على نسخه، فكانت النتيجة أن أصبح للجزاء المدني للقرض بفائض مشط أساسين (المبحث الأول) الفصل 1103 م.إ.ع والفصل 4 من قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة.

أثار هذا الغموض جدل فقهي، ذلك أنّ النسخ الصريح وإن كان الشكل الأفضل لحسم كلّ خلاف أو جدل إلاّ أنّه ليس الوحيد[47]، فالمشرّع أقرّ إمكانية النسخ الضمني وهي طريقة أخرى من طرق النسخ تمكّننا من رفع الغموض عن أساس القيام ( المبحث الثاني).

المبحث الأول: عرض الغموض: ازدواجية الأساس
يتمثل الغموض في وجود مادتين تنظمان الجزاء المدني للقرض بفائض مشط، لذلك سوف نتعرض إلى كل مادة على حدة، أي الفصل 1103 م.إ.ع (الفقرة الأولى) والفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الفصل 1103 م.إ.ع

منذ صدور مجلّة الالتزامات والعقود اهتمّ المشرع بمسألة الجزاء المدني للقرض بفائض مشط وذلك من خلال الفصل 1103 م.إ.ع الذي لم يتناوله أي نص أخر بالنسخ صراحة، في حين أن النصوص الأخرى المتعلقة بنفس الموضوع لم تعرف استقرار فهي تصدر لتنسخ نصوص سابقة، والتي تكون بدورها موضوع نسخ لاحق، ما عدا الفصل 1103 م.إ.ع الذي ما زال يحافظ على مكانته في المجلة لذلك سوف نتعرض إلى مصدر هذا الفصل (أ) ثمّ إلى أبعاده (ب).

أ‌. مصدر الفصل 1103 م.إ.ع

لم يتضمن المشروع الأول للقانون المدني والتجاري التونسي قاعدة تخضع نسبة الفائض لحدّ أقصى، لم يقع تبني مثل هذا الحكم إلاّ في المشروع الثاني بعد مناقشة من اللجنة وقد ضمن في فصله 1244 وأشار المقرر في هامش هذا الفصل أنّه مستمد من القانون الألماني المؤرّخ في 19 جوان 1893 المتعلّق بالربا.

تجدر الملاحظة أنّ أحكام المجلّة اقتبست بالأساس من الفقه الإسلامي (المالكي والحنفي) ومن القانون الفرنسي[48] والسبب في ذلك يعود إلى عدّة عوامل، من ذلك أن لجنة التقنين المكلفة بإعداد مشروع مجلة الالتزامات والعقود متكوّنة من قانونيين تونسيين زيتونيين وقانونيين فرنسيين، كما أنّ مقرّر اللجنة “سانتيلانا”، رغم أنّه ايطالي الجنسيّة إلاّ أنه مختص في الفقه الإسلامي ومتفقه فيه، وأيضا في القوانين الأوروبية وخاصّة القانون الفرنسي[49]، إلى جانب ذلك فإنّ تأثير القانون الفرنسي على القانوني التونسي بوصفه يمثل الحضارة المستعمرة واضح حتّى أن الفقه التونسي الحديث لم ينكره، ذلك أن الأستاذ محمد الشرفي كتب ” إنّ تأثير القانون الفرنسي هو تأثير عميق في مادة الالتزامات والعقود…” ويقول الأستاذ محمد الزين”، إنّ ما يجب ملاحظاته هو أن مبدأ سلطان الإرادة الذي يسيطر إلى حدّ ما على نظريّة الالتزامات والعقود في القانون التونسي وذلك تحت تأثير الفقه الفرنسي السائد في القرن 19 ومن نتائجه الحريّة التعاقديّة والتي تتمثل من حيث الأصل[50] في حريّة الشخص في أن يتعاقد أو أن يمتنع عن التعاقد ، وإذا تعاقد في أن يحدّد مضمون العقد كما يريد”[51] ويبدو ذلك جليّا في عدّة فصول من المجلّة أهمها الفصل 242 م.إ.ع[52].

غير أنّ المشرّع تعمّد أن يخالف هذا المبدأ عند سنّ الفصل 1103 م.إ.ع ، إنّ اعتماد المشرع على القانون الألماني كمصدر مادي لهذا الفصل، وتحدّيه للعوامل والتأثيرات الحافه بنشأة المجلّة، لهو تجسيد لإرادة المشرّع الواعية بهذه الخطوة، وتعبير هادف وصريح عن موقفه في تحديد سعر الفائدة الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن أبعاد هذا الفصل.

ب‌. أبعاد الفصل 1103 م.إ.ع

يعتبر الفصل 1103 م.إ.ع تطبيق خاص لنظريّة الاستغلال المكرّسة في القانون الألماني في الفقرة 2 من الفصل 138 المجلة المدنية الألمانية الذي جاء فيه “ويعدّ كذلك باطلا التصرّف الذي يتمّ باستغلال اضطراب أو سذاجة أو قلّة خبرة شخص آخر وبمقتضاه يتمّ التحصّل على منافع أكبر من المقابل بصورة واضحة”[53]، لذلك وقبل تحديد أبعاد الفصل 1103 م.إ.ع وجب عرض نظريّة الاستغلال.

1. عرض نظريّة الاستغلال

ظهرت نظريّة الاستغلال نتيجة تطوّر النظريّة المادية في الغبن[54] التي تقوم على تغليب الحرية التعاقديّة على متطلبات العدالة العقديّة.

تساهم نظريّة الاستغلال ذات المصدر الجرماني، في دعم الهدف الاجتماعي للعقد كوسيلة لتبادل الاقتصاد المفيد والعادل، ففي نظريّة الاستغلال لا ينظر إلى الغبن من الجانب الاقتصادي فقط حسب قانون العرض والطلب بل يتمّ تناوله كعيب قائم بذاته، ذلك أن تقدير عدم تكافؤ التبادل لا يتمّ بصفة مجرّدة وغير شخصيّة وإنما يؤخذ بعين الاعتبار وضعية الأطراف، وبذلك تصبح نظريّة الاستغلال وسيلة تهذيب للعلاقات التعاقديّة بحماية الطرف الضعيف وإضفاء صبغة أخلاقية على العلاقات العقديّة، ومن ثمّة يصبح القول أن للاستغلال عنصران[55]: عنصر موضوعي وعنصر نفسي، يتمثّل العنصر الموضوعي في اختلال التعادل اختلالا فاحشا، وهو ما عبّر عنه الفصل 138 المجلة المدنية الألمانية بما يلي “التحصل على منافع أكبر قيمة من المقابل بصورة واضحة”، أمّا العنصر النفسي فيتمثّل أولاّ في ضعف الإرادة أو ضعف الرضا، وهذا العنصر متعلّق بالحالة النفسيّة للمتعاقد وظروفه ودرجة وعيه والمتمثل في”اضطرار أو سذاجة أو قلّة خبرة…” وثانيا في الخطأ القصدي المقترف من طرف المستغل حيال المشتغل فعبارة الفصل 138 المجلة المدنية األمانيّة صريحة في هذا المجال، إذ نتحدّث عن من يستفيد من ضعف الغير فالنظريّة الشخصيّة في الاستغلال تختلف إذا عن النظرية الماديّة في الغبن من حيث الاعتبارات المعتمدة في تقدير الغبن، الأولى أي نظريّة الاستغلال، تقوم على الغبن لاعتبارات ذاتيّة، أمّا الثانية فهي تقوم على الغبن لاعتبارات موضوعيّة.

تبنّت عديد التشاريع، العربية منها والغربيّة نظريّة الاستغلال من ذلك القانون المصري في المادة 129 م م مصريّة[57] كذلك الفصل 90 المجلة المدنية الجزائريّة.

ومن التشريع الغربي يمكن ذكر المجلّة المدنيّة السويسريّة الفصل 21 والمجلّة المدنية الايطاليّة الفصل 1448.

أمّا المشرّع التونسي فإنّه وإن كرّس هذه النظريّة من خلال الفصل 1103 م.إ.ع، إلاّ أنّه لم يتبناها كمبدأ عام ينظم من خلاله جلّ عقود المعاوضة بل طبقها في مجال ضيّق وفي صنف محدّد من العقود وهو عقد القرض بفائض.

2 . تحديد أبعاد الفصل 1103 م.إ.ع.

إنّ تكريس المشرّع لنظريّة الاستغلال فقط في القرض بفائض مشط يعطي للفصل 1103 م.إ.ع بعد خاص سواء على مستوى أحكام المجلة العامّة أو على مستوى أحكام القرض بفائض مشط خاصّة.

2-1: تحديد أبعاد الفصل 1103 م.إ.ع على مستوى أحكام المجلّة عامّة

يعتبر الفصل 1103 م.إ.ع. فصل هام باعتباره الفصل الوحيد الذي تبنى من خلاله المشرّع الغبن لاعتبارات ذاتيّة.

فالمشرّع لم يكرّس نظريّة الغبن لا بمفهومها الشخصي ولا بمفهومها الموضوعي بالنسبة للرشداء فقط تبني وبصفة استثنائيّة الغبن لاعتبارات موضوعيّة وذلك من خلال الفصل 61 م.إ.ع الذي يشترط أن يكون المغبون صغيرا وتجاوز الفرق في القيمة الثلث ومن خلال الفصل 125 فقرة 3 من م.ح.ع المتعلقّة بالقسمة الرضائيّة بالنسبة لمن ليس له أهليّة التصرّف وكان الفرق في القيمة الربع، أمّا بالنسبة للرشداء فإنّ الغبن لا يعتدّ به إلاّ إذا اقترن بتغرير[58] الفصل 60 م.إ.ع، لذلك يعتبر الفصل 1103 م. إ.ع الاستثناء الوحيد الذي كرّس الغين لا استنادا إلى معايير موضوعيّة مثلما فعل مع الصغير وناقص الأهليّة بل استنادا إلى عنصرا أخلاقي ذاتي وشخصي مكرّس في الفصل 1103 م.إ.ع المتعلّق بالقرض بفائض.

لذلك من الناحية التشريعيّة يعتبر هذا الفصل مهم، فهو يكمّل الصورة التي رسمها المشّرع التونسي في خصوص الغبن الذي مبدئيّا لا يعتد به بالنسبة للرشداء إلاّ إذا اقترن بتغرير (60) واستثنائيّا الغبن المجرّد ولاعتبارات موضوعيّة بالنسبة للقصر وفاقد الأهلية والصورة الثالثة هو الغبن المجرد ولاعتبارات ذاتية بالنسبة للرّشداء في عقد القرض بفائض.

2-2: تحديد أبعاد الفصل 1103 م.إ.ع على مستوى أحكام القرض بفائض

يرى البعض[59] أنّ غاية الفصل 1103 م.إ.ع لم تكن التصدّي للنسبة المشطّة في حدّ ذاتها بل فقط توفير حماية لبعض أصناف المقرضين، هم المضطر وضعيف الإدراك وعديم المعرفة بالأحوال وما شططها إلاّ شرط من جملة الشروط التي تؤدي إلى تدخّل المشرع، إلاّ أنّه بالتمعّن في الفصل 1103 م.إ.ع نجد أنّ مقاومة الشطط في الفائدة هو غاية في حدّ ذاتها ويمكن تقديم الحجج على ذلك.

الحجّة الأولى: مأخوذة من الوضع العام الذي كانت عليه البلاد في تلك الفترة من ناحية، وإستجابة المجلة لهذا الوضع من ناحية أخرى، الشيء الذي يجعل من الفئة المعنية بالحماية هي في الواقع تمثل أغلبية المقرضين، وهذا القول يحوّل وجهة الحماية من أشخاص القاعدة إلى موضوعها وهو الفائدة المشطّة.

ما من شكّ أن واضعو المجلّة “حرصوا على جعل القانون متماشيا مع الواقع الاجتماعي، مناسبا للحالة الاقتصاديّة، منسجما مع المستوى الثقافي الذي كانت عليه البلاد عهدئذ،”[60] والفصل 1103 م.إ.ع هو إحدى تجليات هذا الحرص، ذلك أنّ أحكام سعر الفائدة جاءت منسجمة مع الواقع العام الذي كانت عليه البلاد وقتئذ، ويبرز ذلك من خلال العبارات التي استعملها المشرّع والتي لخّصت وضعيّة المقترض عموما، واستوعبت جميع فئات المجتمع خاصّة منها والعامّة.

فالفئة الخاصّة التي أراد المشرّع حمايتها، عبّر عنها المشرّع بمصطلح “ضعيف الإدراك” وقد عرّفه الفصل160 فقرة 2 م.أ.ش بكونه “الشخص الغير كامل الوعي السيء التدبير الذي لا يهتدي إلى التصرفات الرائجة ويغبن في المبايعات”، وفيما عدا هذه الفئة الخاصّة فإن المشرّع قصد أيضا حماية أغلبية المقترضين.

أفرز الواقع الاقتصادي (إقتصاد غير مزدهر، غياب مؤسّسات ضخمة …) والاجتماعي (فقر، خصاصة) مقترضين يغلب عليهم الاحتياج والضرورة، فكان الاقتراض مظهر من مظاهر الفاقة والاحتياج[61]، فبالإضافة إلى الموانع الدينيّة التي تقف أمام إقدام المسلم على الإقتراض، فإنّ المقترض كان لا يلجأ إلى مثل هذه الاتفاقات إلاّ لأنّه في أمس الحاجة إلى المال لسدّ حاجة هو غير قادر على الحصول عليها بموارده الخاصّة,هذا الوضع جعل من عقد القرض يقترب كثيرا من عقود الإذعان[62]. ذلك أنّ المقترض لا يملك إلاّ أن يوافق على سعر الفائدة دون نقاش أو مفاوضة[63] نتيجة حالة “الاضطرار” التي أفرزها الواقع الاقتصادي والاجتماعي فحالة الاضطرار هي حالة عامّة، هي ظاهرة أفرزتها عوامل موضوعيّة وليس حالات خاصة نتيجة عوامل ذاتيّة، لذلك فاستعمال المشرّع لعبارة “اضطرار” لا يقصد بها فئة قليلة من الناس بل أغلبيّة المقترضين هم في الواقع مضطرين.

نفس التمشّي بالنسبة لحالة “عديم المعرفة بالأحوال”، فهذه الحالة هي نتيجة عوامل موضوعيّة أو وليدة الواقع الثقافي الذي يتسّم بالجهل وقلّة الوعي وليست نتيجة عوامل ذاتيّة تقتصر على حالات محدّدة ومتفاوتة، خاصّة إذا ما تعلّق الأمر بمعاملة ماليّة معقّدة مثل عقد القرض الذي يستوجب دراية بالتقنيات القانونيّة والماليّة ومعرفة بالنسب المعمول بها[64]. لذلك فإنّ عبارة “عديم المعرفة بالأحوال” الواردة بالفصل 1103 م.إ.ع لا يقصد المشّرع نسبة قليلة من المقترضين بل قصد بها حالة أغلب المقترضين.

بذلك تكوّن هذه الحالات “الاضطرار” و”عديم المعرفة بالأحوال” باعتبارها تلخص وضعية المقترض عموما، أرضيّة خصبة لظهور الشطط في الفائدة الذي يحصل بمجرد استغلالها من طرف المقترض، بل الشطط في الفائدة يتوقف على استغلال الاضطرار وعدم المعرفة بالأحوال باعتبارهم يمثلان سمة المجتمع آنذاك، فحماية سقف الفائدة إذا يستوجب منع استغلال المقترض ولذلك فإنّ الفصل 1103 م.ا.ع عندما منع استغلال المقترض (المضطر وعديم المعرفة) إنمّا أراد حماية سقف الفائدة.

فالفصل 1103 م.إ.ع مثلما يهدف إلى تحقيق العدالة العقدية من خلال منع استغلال الطرف القوي في عقد القرض (المقرض) للطرف الضعيف (المقترض) فإنّه أيضا يهدف إلى تحقيق التطوّر الاقتصادي من خلال ضبط سعر الفوائض بما يشجّع المقترض على الاستثمار وإقامة المشاريع.

وقد عبّر الأستاذ محمد الشرفي عند حديثه عن دور القانون عامّة بأنّ لهذا الأخير دور إيجابي “يمكن أن يكون محرك للتطوّر ودافعا للتنمية في كل المجالات إلاّ أنّ ذلك ظلّ مرتبط بظروف موضوعيّة عديدة منها نسب المتعلمين، وارتقاء مستوى الثقافة، ووضعيّة موازين القوى داخل المجتمع[65]“.

الحجة الثانية: لو كانت غاية المشرع تتمثل في حماية فئة معينة من الناس فقط، لأقرّ هذه الحماية، في كلّ عقود المعاوضة أي لتبني عيب الاستغلال كنظريّة عامة تحكم كلّ مجال المعاملات مثل المشّرع الألماني والمشرع المصري، فليس من العدل أي يحمي المشرّع المضطر وضعيف الإدراك وعديم المعرفة بالأحوال فقط في عقد القرض، فارتباط هذه الصفات بعقد القرض بفائض بالذات يدّل على أن المشّرع أراد أيضا حماية سعر الفائدة.

الحجّة الثالثة: مثّل سعر الفائدة محور اهتمام كل التشاريع الوضعيّة، مع فارق وحيد متمثل في الطريقة أو الشكل الذي تمّ اختياره لتكريس حماية سقف الفائدة، فالقانون المصري مثلا استثنى صراحة تطبيق نظريّة الاستغلال على سعر الفائدة، فبعد أن تبنّى هذه النظريّة كمبدأ عام يحكم جميع العقود المادة 129 المجلة المدنية المصريّة استدرك بالمادّة 130 المجلة المدنية المصريّة، على أن “تراعى في تطبيق المادّة السابقة (المادّة 129) عدم الإخلال بالأحكام الخاصّة بالغبن في بعض العقود أو بسعر الفائدة” بحيث أفرد سعر الفائدة بحكم خاص واختار لها شكل معيّن لحمايتها نصت عليه المادّة 227 المجلة المدنية المصريّة، أمّا المشرع التونسي فهو لم يتبنّى نظريّة الاستغلال كمبدأ عام ولكنه اعتمدها كشكل معيّن لحماية سعر الفائدة الفصل 1103 م.إ.ع، وبذلك يصبح عيب الاستغلال المكرّس في القرض بفائض ما هو إلاّ وسيلة اختارها المشّرع لحماية سعر الفائدة من التعسّف والشطط، فغاية الفصل 1103 هو بالأساس حماية الفائدة من الشطط.

الفقرة الثانية: الفصل 4 من قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة

جاء الفصل 4 في إطار قانون متكامل بهدف إلى ردع الإقراض بفائض مشط وهو قانون 15 جويلية 1999 المتعلّق بنسبة الفائدة المشطّة، فهذا القانون جاء لوضع حدّ لحرية تحديد نسبة الفوائض وما الجزاء المدني إلاّ ضمان لتحقيق هذا الهدف فقد ورد في تقديم مشروع هذا القانون ما يلي:” ويرمي مشروع هذا القانون إلى ضبط حدود قصوى لنسبة الفائدة المطبقة على المنتفعين سواء كان مصدرها تمويلات بنكيّة أو بيع بالتقسيط من قبل التجار”[66] لذلك سوف نتعرض إلى دواعي تدل المشرع لسن هذا القانون سواء في مجال البيع بالتقسيط أو في مجال التمويل البنكي.

أ – دواعي تدخل المشرع لتحديد سقف الفائدة في مجال البيع بالتقسيط

جاء هذا القانون لتلافي نقائص قانون 2/6/1998 المتعلّق بالمنافسة والأسعار:” منذ تحرير الاقتصاد واعتماد آليات السوق تطوّرت المنافسة بين التجار وظهرت وسائل جديدة لجلب المستهلك ولقد انجر عن ذلك تنامي ظاهرة البيوعات بالتقسيط بصفة ملحوظة”[67] فصدر قانون نظّم عمليات البيوعات بالتقسيط[68] .

نصّ الفصل 2 منه على مبدأ حريّة تحديد نسبة الفائض حيث جاء فيه”يمكن أن يوظف على تجزئة الثمن نسبة فائض متغيّرة حسب شروط البيع” كما حدّد هذا القانون ضوابط لهذه البيوعات قصد حماية المستهلك، فقد أوجب:

التنصيص على الثمن بالحاضر وبالتقسيط.
احتساب نسبة الفائدة على أساس الثمن بالحاضر.
ضرورة التنصيص على نسبة الفائدة المطبقة.
إلا أنّه غاب عن المشرع التنصيص على كيفية احتساب نسبة الفائدة المشطّة كما أنّه لم ينصّ على أحكام تحمي المستهلك في صورة تطبيق نسبة الفائدة المشطّة.[69]

لذاك جاء قانون 1999 “لتلافي هذا الوضع ولضمان الشفافيّة ولحماية المستهلك”[70] فهذا القانون إذن يندرج “ضمن الآليات الرامية إلى ترشيد المنافسة بين التجار”[71] هذا بالنسبة لمجال البيع بالتقسيط فماذا عن مجال التمويل البنكي.

ب – دواعي تدخل المشّرع لتحديد سقف الفائدة في مجال التمويل البنكي

منذ صدور المنشور عدد 8 لسنة 1994 المؤّرخ في 7 جويلية 1994 أصبح للبنوك حريّة مطلقة في تحديد سعر الفائدة فسواء تعلّق الأمر بقروض قصيرة المدى (تسهيلات خزينة، سحب على المكشوف، خصم، فتح اعتماد…) أو بقروض متوسطّة أو طويلة المدى فإنّ البنك يملك كامل الحرية في ضبط ما يستخلصه مقابل عنها[72] وقد دأبت البنوك على اعتماد شرط السلم المتغيّر[73] في تحديد نسبة الفوائض ويتمثل هذا الشرط في الاتفاق على معيار معيّن يكون الأساس المعتمد عند مراجعة نسبة الفائض، وعمليّا فإنّ المعيار المعتمد هو نسبة السوق النقديّة[74] ولتحديد سعر الفائدة، يتمّ إضافة نقاط تمثّل محور اتفاق البنك والحريف بحيث يصبح سعر الفائدة متكوّن من عنصرين: نسبة السوق النقديّة TMM مع بعض النقاط.

وتحديد نسبة السوق النقديّة TMM هو من مهام البنك المركزي ويقع نشرها يوميا في الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة وهي نسبة متغيّرة بحسب تغيّر قيمة العملة[75] وتكمن أهمية هذه التقنية في القروض المتوسطة والطويلة المدى التي يشكل فيها العنصر الزمني عاملا مؤثرا على أهمية إلتزام كل من طرفي العقد[76].

أمّا العنصر الثاني في ضبط سعر الفائدة وهو النقاط المضافة، فهو موضوع اتفاق الأطراف (البنك والحريف)[77] ويتمّ تحديده بكلّ حريّة تكريسا لمبدأ سلطان الإرادة، وهو عنصر ثابت لا يتغيّر طيلة حياة القرض إلا باتفاق الأطراف[78] بحيث لا يجوز للبنك فقط أو للحريف وحده تعديل أو تغيير هذه النقاط، على هذا الأساس تكون نسبة الفائض المتكوّنة من TMM مع بعض النقاط تختلف من بنك إلى آخر، بحيث يبقى للحريف حرية اختيار البنك الذي يكون عدد نقاطه المضافة أقلّ، وبهذه الطريقة يتمّ خلق المنافسة تكرسيا للسياسة المعتمد منذ بداية التسعينات.

لكن أثبتت الممارسات البنكية عدم نجاعة هذه الطريقة لاحتساب الفائض حيث أصبحت النقاط المضافة تمثل مصدر للتحاليل والتلاعب على الحريف وهو ما أدى إلى خرق قواعد المنافسة لغياب النزاهة والشفافيّة ذلك أن النّقاط المضافة لا تعكس حقيقة وجملة مكافئة الصيرفي في عمليّة القرض[79]، فهي تمثل فقط نسبة الفائض في معناه الضيق أي بدون العمولات والمصاريف، ثمّ وبعد أن يتمّ الاتفاق مع الحريف على نسبة معنية يكتشف هذا الأخير عند تنفيذ إلتزامه أن ما وقع الاتفاق عليه أقلّ بكثير من النسبة التي هو ملزما بدفعها لأنّ البنك يكون قد أضاف نسبة مرتفعة للعمولة والمصاريف، فغياب الشفافيّة في تحديد نسبة الفائض أدّى إلى مغالطة الحريف وإثقال كاهله بنسبة فائض مشطّة.

كما أدت هذه الطريقة في احتساب الفائض إلى خلق منافسة غير نزيهة، ذلك أنّ البنك عندما يعرض على الحريف نقاط أقلّ من بنك آخر لا يعني ذلك بالضرورة أنّه يعرض نسبة أقلّ بل التخفيض في النقاط المضافة مقارنة ببنك آخر غايته فقط جلب الحريف ثمّ يقوم بعد ذلك إثقال كاهل هذا الأخير بمصاريف وعمولات بسعر مرتفع بحيث تصبح تكلفة القرض على هذا النحو أكثر من تلك التي كان سيقبلها نفس الحريف إذا ما تعامل مع البنك الذي عرض عليه نقاط أكبر لذلك وأمام هذه الممارسات غير النزيهة تدخّل المشرّع لوضع حدّ لهذا التلاعب وذلك بموجب قانون 1999 المتعلق بالفائدة المشطّة.

المبحث الثاني: رفع الغموض: إمكانية النسخ الضمني
إنّ غياب التنصيص صراحة على نسخ الفصل 1103 م.إ.ع جعل من إمكانية الإقرار بنسخة وعدم نفاذه أمر ليس بالسهل خاصّة وأنّ الفقهاء لم يستقرّوا على رأي موحد رغم الجدل الفقهي الذي أثارته هذه المسألة، وهذا ما يدعوا للتساؤل والبحث – فإذا اعتبرنا أن الفصل 1103 م.إ.ع مازال ساري المفعول فإنّ ذلك سوف يضعنا في وضعيّة غريبة وهي وجود أساسين للجزاء المدني للقرض بفائض مشط، وفي هذه الحالة أيّ من المادتين يمكن الاستناد عليها لإقرار الجزاء؟

أمّا إذا اعتبرنا أن الفصل 1103 م.إ.ع قد وقع نسخه ضمنيّا فإنّ ذلك يستوجب البحث عن حجج منطقية وقانونيّة لإقرار عدم النفاذ.

ولتحقيق ذلك وضع المشرّع من خلال الفصل 542 م.إ.ع الصيغ العاديّة للنسخ حيث جاء فيه “لا ينسخ القوانين إلا بقوانين بعدها إذا نصت المتأخرة على ذلك نصا صريحا أو كانت مخالفة لها أو استوعبت جميع فصولها”.

من خلال هذه القاعدة نتبين أن مسألة إمكانية النسخ الضمني يتطلب مقارنة الفصل 1103 م.إ.ع وقانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة ثم وبالتوازي يتم البحث في مدى استجابة هذه المقارنة مع الشروط التي وضعها المشّرع في الفصل 542 م.إ.ع (الفقرة الأولى)، كما أنّ إمكانية النسخ الضمني يمكن استنتاجها من مقارنة الفصل 1103 م.إ.ع وأمر 1954 المتعلّق بزجر الربا هذه المقارنة تجد تبريرها في صياغة الفصل 7 من قانون 1999 المتعلق بالفائدة المشّطة (فقرة أولى).

فقرة أولى: إمكانية النسخ الضمني استنادا للحلّ الوارد بالفصل 7 من قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة

تتمثل هذه الصورة في إمكانية نسخ الفصل 1103 م إ ع بإحالة ضمنية من المشرّع.

لقد ورد بالفصل 7 من قانون الفائدة المشطّة ما يلي “…جميع الأحكام السابقة والمخالفة له وخاصة الأمران 1937 و1954 المتعلقان بزجر الربا”، ومن خلال هذا الفصل يبدو لأوّل وهلة أنّ إمكانية النسخ الضمني للفصل 1103 م.إ.ع واردة وذلك لسببين:

أوّلا: استعمل المشرّع عبارة “وخاصّة” والتي تفيد أنّ الأمرين سابقي الذكر وردا على سبيل الذكر لا الحصر، وهو ما يعني أنّ مبدأ إقرار النسخ الضمني وارد.

ثانيا: أمر 1954 المتعلّق بزجر الربا مستمد من الفصل 1103 م.إ.ع.

ومن هنا فإن النتيجة تكون على النحو التالي: الفصل 1103 م.إ.ع ملغي ضمنيّا بإحالة من المشرّع.

ولكن بالتمعن في أمر 1954 والفصل 1103 م.إ.ع نجد فعلا أنّ هناك تشابه كبير على مستوى شروط تحقق الجزاء، حيث جاء بأمر 1954 المتعلق بزجر الربا ما يلي :”أنّ كل من انتهز فرصة اضطرار غيره أو ضعف إدراكه أو عدم خبرته فأقرضه مالا وجدّد له أجلا بفائض أو غيره من المنافع التي تتجاوز بصفة محسوسة القدر المتعارف وقيمه المصلحة المسداة حسب ظروف الزمان والمكان الحاقّة بالموضوع …”.

كذلك الفصل 1103 م إ ع جاء بنفس الصياغة “كل من اغتنم اضطرار غيره أو ضعف إدراكه أو عدم معرفته بالأحوال فأقرضه مالا أو جدّد له أجلا بفائض وغيره من المنافع التي تتجاوز القدر المعتاد وقيمة مصلحة المقترض حسب الأماكن وظروف الأحوال بمقدار معتبر…”.

إلاّ أنّ هاتين المادتين تختلفان في نوعية الجزاء، فأمر 1954 أحال في خصوص الجزاء إلى الفصل 2 من أمر 1937 المتعلّق بالربا وبالرجوع إلى هذا الفصل نجد أنّه احتوى على عقوبة جزائيّة فقط في حين أنّ الفصل 1103 م.إ.ع وإن أشار إلى العقاب جزائي فأنّه نصّ بالخصوص على الجزاء المدني. فمن هذه الناحية يعتبر الفصل 1103 م.إ.ع مخالفا لأمر 1954 المتعلّق بالربا ويصبح بذلك القول بالنسخ الضمني للفصل 1103 م.إ.ع بناءً على تطابقه مع أمر 1954 المتعلّق بزجر الربا والذي تمّ نسخه صراحة، مخالفا للصواب. نفس هذا الموقف توصّل إليه الأستاذ فاخر بن سالم حيث ذكر أنّ “أحكام هذا الفصل مستمدة جزئيّا من أمر 24 جوان 1954 الذي وقع إلغاؤه بقانون 15 جويلية 1999 الذي لم ينص على إلغاء الفصل 1103 م.إ.ع ولم يستوعبه بأكمله وخاصة فيما يتعلّق بالجزاء” وبالتالي فهذا الفصل لا يزال ساري المفعول”[80] .

الفقرة الثانية: إمكانية النسخ الضمني استنادا للفصل 542 م.إ.ع

حسب ما جاء بالفصل 542 م.إ.ع فإنّ للنسخ الضمني صورتان: صورة النسخ بالاستيعاب (أ) وصورة النسخ بالتعارض (ب).

أ‌. النسخ الضمني بالاستيعاب

حتّى نقرّ بنسخ الفصل 1103 م.إ.ع، على أساس الصورة الأخيرة من الفصل 542 م.إ.ع نطرح السؤال التالي هل استوعب قانون 15 جويلية 1999 الفصل 1103 م.إ.ع، وللإجابة عن هذا السؤال نتناول بالبحث عن إمكانية الاستيعاب على مستويات ثلاثة: على مستوى المضمون، على مستوى مكوّنات الاحتساب وعلى مستوى المجال.

على مستوى المضمون
تحدّث الفصل 1103 م.إ.ع عن مآل القرض بفائض مشط فنصّ على جزاء البطلان وأيضا نصّ على آثار البطلان كذلك شأن الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 تحدّث على مآل عقد القرض بفائض فنص على البطلان من خلال التنصيص على آثاره لذلك وعلى مستوى المضمون نلاحظ أن قانون1999 قد استوعب الفصل 1103 م.إ.ع[81].

على مستوى مكوّنات الفائدة
يفترض الحديث عن الشطط عموما توفر عنصرين : عنصر مقارَن وعنصر مقارن وفي مادة الفوائض تعرّض الفصل 1103 م.إ.ع وقانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطة إلى هذين العنصرين عند تحديد الشطط. وبالتمعّن فيهما نجدهما اعتمدا على نفس مكوّنات الاحتساب.

ففي خصوص العنصر المقارن نجد أنّ مشرّع 1906 لم يكتف بالفائض في معناه الضيّق بل اعتبر أنّ العنصر المقارن يتكوّن من “فائض وغيره من المنافع” أي الفوائض كما اتفق عليها طرفا العقد، يضاف إليه كلّ المصاريف التي لها علاقة بالقرض مهما كان نوعها وهو نفس تمشّي مشرّع 1999 حيث عبّر عن العنصر المقارن عند تحديد الشطط بالفائدة الفعليّة الجمليّة [82]TEG وقد أكّد المشّرع في الفصل 2 من هذا القانون على أنّه “يؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد نسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة للقرض، بالإضافة إلى الفوائض، المصاريف والعمولات والتأجيرات” بحيث يتكوّن TEG من الفائض في معناه الضيق يضاف إليه أيضا كلّ المصاريف التي لها علاقة بعقد القرض مهما كان نوعها.

أمّا في خصوص العنصر المقارن فهو يتكوّن حسب الفصل 1103 م إ ع من “القدر المعتاد” يضاف إليه “مقدار معتبر” وهذا العنصر هو الحدّ الأقصى الذي لا يمكن أن تتجاوزه تكلفة القرض[83] فسقف الفائدة إذا يتكوّن من القدر المعتاد وهي النسبة المتداولة أي النسبة المتعامل بها[84] يضاف إليها مقدار معتبر.

حافظ مشرّع 1999 على نفس مكوّنات سقف الفائدة حيث نصّ في الفصل 1 من قانون 1999 على أنّه “يعتبر قرضا مسندا بنسبة فائدة مشطة كلّ قرض اتفاقي مسند بنسبة فائدة فعليّة جمليّة تتجاوز عند إسناد القرض بأكثر من ثلث معدل نسبة الفائدة الفعليّة المطبقة”, بحيث تصبح مكوّنات احتساب الفائض في كل من القانونين على النحو التالي :

في الفصل 1103 م.إ.ع يقابله في قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة
فائض وغيره من المنافع
القدر المعتاد

بمقدار معتبر

الفائدة الفعليّة الجمليّة TEG
نسبة الفائدة الفعلية المتداولة TEM

3/1 (قبل تنقيح 4 أوت 2008)

وخلاصة القول أن قانون 1999 يعتبر قد استوعب الفصل 1103 م.إ.ع على مستوى مكوّنات الاحتساب.

3– على مستوى المجال

نص الفصل 1103 م إ ع على حماية فئة معينة من الأشخاص, المضطر وضعيف الإدراك وعديم المعرفة بالأحوال وأقصى من مجال التطبيق الأشخاص العاديين والحرفيين والشركات، أمّا قانون 15 جويلية 1999 فإنّ مجاله أوسع[85] حيث شمل مجال الفصل 1103 م.إ.ع وتجاوزه، فشمل أيضا الأشخاص العاديين والحرفيين والشركات بالإضافة إلى مجال البيع بالتقسيط.

لكن الفصل 1103 م.إ.ع انفرد بحكم تعدّد الدائنين حيث جاء “… وإذا تعدّد أرباب الدين تكون مطالبتهم بالخيار”, هذه الصورة لا نجد لها أثرا في قانون 15 جويلية 1999 وهو ما يعني أن هذا القانون الأخير قد استوعب جميع أحكام الفصل 1103 م.إ.ع ما عدى صورة تعدّد الدائنين، ولهذه الأسباب يرى الأستاذ نور الدين بسرور “أنّ قانون 15 جويلية 1999 قد استوعب الفصل 1103 ما عدى صورة” تعدّد الدائنين[86].

وهنا يطرح سؤال، هل يمكن إقرار النسخ الجزئي بالاستيعاب ؟

لقد أقتضى الفصل 542 م إ ع أنّه “لا تنسخ القوانين …. أو استوعبت جميع فصولها”, فالنظام القانوني التونسي[87] يكرّس إذا الشمولية في الاستيعاب وذلك من خلال تكريسه للاستيعاب الكلي لأحكام القاعدة القانونيّة القديمة من قبل الأحكام الواردة في القاعدة القانونيّة الجديدة.[88] ومن الفقهاء[89] من أكّد هذا التوجه فقد ذكر الأستاذ محمد كمال شرف الدين أنّ “الاستيعاب الجزئي لأحكام القانون القديم لا يؤدي إلى النسخ الضمني”[90] وكذلك ذكر الأستاذ محمد الشرفي في خصوص هذه الصورة أنها تتمثل في الحالة التي “رتب فيها القانون الجديد كامل المادّة موضوع القديم”[91]وعلى هذا الأساس لا يمكن الإقرار بنسخ الفصل 1103 م إ ع لغياب شرط شموليّة الاستيعاب.

ب‌. النسخ الضمني لتعارض الأحكام

يبقى أن نبحث عن إمكانية نسخ الفصل 1103 م.إ.ع لتعارضه مع قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطة طبقا للصورة الثانية من صور النسخ الواردة بالفصل 542 م.إ.ع وهي إذا “كانت منافية لها”.

لكن الخوض في هذه المسألة يفترض توفر شروط منطقيّة وقانونيّة[92] منها أوّلا أن يتحّد موضوع قانون 1999 مع الفصل 1103 م.إ.ع وثانيا أنّ يكون هذان القانونان من نفس الطبيعة، ذلك أنّه، منطقيّا لا يمكن مقارنة شيئين إلاّ إذا كانا يقبلان المقارنة.

ففي خصوص الموضوع فإنه تمت الإشارة إلى هذه المسألة عند النظر في صورة النسخ بالاستيعاب، وقد تمثّلت النتيجة في أنّ موضوع المادتين واحد،[93] بقي الآن أن نبحث عن مسألة توفر شرط اتحاد طبيعة القانونين[94] ثمّ نمرّ على تطبيق قاعد النسخ بالتعارض[95].

1. شرط اتحاد طبيعة القانونين

إنّ القوانين تنقسم من حيث طبيعتها إلى عامّة وخاصّة, ومن شروط النسخ الضمني بالتعارض أن تكون القاعد الناسخة وتلك المنسوخة من طبيعة واحدة، كأن تكون من القواعد العامة أو من القواعد الخاصّة[96]. فهل ينطبق هذا الشرط على الأحكام موضوع البحث ؟ أي هل تتحدّ طبيعة قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة والفصل 1103 م.إ.ع؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب تحديد معني مصطلح “عام” و”خاص” وفي هذا المجال يمكن الاستئناس بالتعريف الذي قدّمه الأستاذ محمد الشرفي حيث قال “يطلق مصطلح “عام” على كلّ قاعدة قانونيّة تنظّم مجالا أو كلّ المظاهر التي يتصف بها نمط من النشاط الاجتماعي، أمّا مصطلح “خاص” فإنّه يطلق على القواعد التي يكون موضوعها يتصّل بتنظيم نشاط محدد أو عمليّة مضبوطة أو المبادلات المتعلّقة بسلعة معنية أو إنتاج مخصوص”[97].

واستنادا لهذا التعريف يعتبر قانون 1999 قانون خاص بما أنّه يستقلّ بتنظيم مسألة محدّدة تتعلّق بحدود سعر الفوائض الاتفاقيّة، وعنوانه “متعلّق بالفائدة المشطّة” يغني عن كل إثبات.

فماذا عن الفصل 1103 م.إ.ع ؟

يرى الأستاذ حمادي الرّايد أنّ الفصل 1103 م.إ.ع هو نص عام مقارنة بقانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة وذلك لأنّ هذا الأخير مجاله محدود بما أنّه لا يطبّق إلاّ على البنوك والمؤسّسات المالية بالإضافة إلى البيع بالتقسيط[98] لذلك فهو مقدّم على الفصل 1103 م.إ.ع تطبيقا لقاعدة “الخاص يقدّم على العام ويستثنى منه”[99].

يثير هذا الحكم ملاحظة، إنّ في تقديم قانون 1999 على الفصل 1103 م إ ع إقرار ضمني بعدم نسخ هذا الأخير، أو على الأقل عدم الحسم في مسألة نسخه[100].

أمّا في خصوص اعتبار الفصل 1103 م.إ.ع نص عام استنادا على اتساع مجاله مقارنة بقانون 1999 فهو أمر مجانب للصواب وذلك للأسباب التالية:

جاء بالفصل 1 من قانون 1999 عبارة كلّ قرض اتفاقي” فالمشرّع تجنب استعمال عبارة “عقد” قرض لأنّها قد تفهم بمعنى ضيّق يحصرها في صنف العقود المنظمة بالفصول 1081 وما بعده من مجلّة الإلتزامات والعقود لذلك وقع الاقتصار على مصطلح “القرض” لأنّه اشمل من حيث أنواع العقود التي يحيل إليها فإرادة المشّرع تتجه إلى عدم حصر مفعوله في صنف معين من القروض[101].

فمجال هذا القانون يمتدّ إلى كلّ اتفاق يحتوي على مميزات القرض الأساسيّة، أي تسبقه مبلغ مالي مع إلزام ثابت بترجيعه، مهما كانت وضعيّة المقرض (مستهلك أو حرفي أو عادي…) ومهما كان شكل عقد القرض والتسمية التي يأخذها[102].

أمّا مجال الفصل 1103 م إ ع فهو محدود بالمقارنة مع قانون 1999، إذ يقتصر على منع الفائض المشط في عقد القرض أو في الاتفاق على تجديد أجله وهو ما يعني إقصاء كلّ العقود الأخرى التي تنتج فائضا لكنها لا تندرج تحت تكييف القرض في معناه الضيق كما نظمه الفصل 1081 وما بعد م إ ع.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ الفصل 1103 م.إ.ع ينظّم مسألة محددة (الفائض المشط) من مجال عام (الفوائض) ورتّب جزاء الشطط في الفائدة فهو من هذه الناحية يعتبر نص خاص.

وحتّى ما إذا اعتبرنا أنّ الفصل 1103 م.إ.ع جاء ليحمي فئة معيّنة من الناس (وهو المضطر وضعيف الإدراك وعديم المعرفة بالأحول) فإنّه يبقى نص خاص باعتباره يقتصر على نوعيّة معيّنة من المقترضين.

وبناءا على ما تقدّم فإنّ شرط إتحاد الطبيعة متوفر لذلك يصحّ إعمال قاعدة نسخ لتعارض الأحكام.

2. تطبيق قاعدة النسخ لتعارض الأحكام

إذا تعلّق موضوع ما بمسألة الشطط فإنّ أوّل ما يتبادر للذهن هي مسألة كيفيّة الاحتساب والمعايير المعتمدة لضبط الشطط خاصّة إذا ما اقترنت هذه المسألة بجزاء عند تجاوز السقف المحدد.

وفي هذا المجال يعتبر الفصل 1103 م.إ.ع وقانون 1999 المتعلق بالفائدة المشطة مختلفان كل الاختلاف لا فقط على مستوى المعايير المعتمدة لتحديد سقف الفائدة بل كذلك على مستوى مجال تدخل القاضي.

2-1: اختلاف المعايير

اعتمد الفصل 1103 م.إ.ع على معايير ذاتيّة، شخصيّة وغير ثابتة في حين اعتمد قانون 1999 على معايير موضوعيّة وحسابات رياضيّة دقيقة، ثابتة لا تتأثر بعوامل ذاتية ويظهر ذلك:

– على مستوى تحديد مكوّنات الفائدة : استعمل مشرّع 1906 عبارة “فائض وغيره من المنافع” وهي عبارة عامة وغير مضبوطة ، في حين جاء الفصل 2 من قانون 1999 أنّه “يؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد نسبة الفائدة الفعلية الجمليّة ، المصاريف والعمولات والتأجيرات المباشرة وغير المباشرة مهما كان نوعها المرتبطة بإسناد قرض…” فقانون 1999 كان أكثر دقّة ووضوح عند تحديد مكوّنات الفائدة .

– على مستوى معيار التجاوز: الفصل 1103 م.إ.ع اعتمد على معايير ذاتيّة “تجاوز القدر المعتاد” “بمقدار معتبر”، “قيمة مصلحة المقترض”، “حسب الأماكن وظروف الأحوال”، كلّ هذه العبارات تستند إلى معايير شخصيّة غير ثابتة تتغيّر بحسب الأشخاص والأماكن والعرف في حين أن قانون 1999 جاء بمعايير موضوعية ثابتة لا تتغيّر ولا تتأثر لا بالأشخاص ولا بالأماكن والعادات، معايير رياضيّة حسابيّة تنطبق على الكافة حيث نص الفصل 1 من قانون 1999 على أن الشطط يحصل كلما تجاوزت الفائدة بأكثر من خمس[103] معدّل نسبة الفائدة الفعلية المطبّقة”، وهذه النسبة الأخيرة (TEM) تحدّد بمجرد القيام بعمليّة حسابية بسيطة، سوف نأتي على بيانها لاحقا، وذلك على عكس المعايير المعتمدة في الفصل 1103 م.إ.ع والتي جاءت في غاية الغموض والضبابيّة[104].

2-2 اختلاف دور القاضي

انعكس هذا الاختلاف في المعايير المعتمدة على اختلاف دور القاضي عند تطبيق كل من المادتين، ذلك أن تقدير الشطط من عدمه حسب الفصل 1103 م.إ.ع يستوجب ضرورة تدخل قاضي الأصل الذي عليه تحديد “المقدار المعتبر”, فالقاضي إذن له سلطة تقديريّة واسعة في تحديد الشطط باعتباره من الأمور الواقعية التي لا يمكن التمسك بها لأوّل مرّة أمام محكمة التعقيب وهذا مؤدّى أحد القرارات التعقيبيّة الذي جاء فيه “يتضح من أحكام الفصل 1103 م.إ.ع إنّ تقدير الصبغة الربوية للفائض تستند إلى عناصر فعلية ونفسانية راجعة أصالة بالنظر لمحكمة الموضوع تستخلص منها النتائج القانونيّة المترتبة عليها. وعلى هذا الأساس لا يمكن إثارتها لأوّل مرّة أمام محكمة التعقيب”[105].

على خلاف قانون 1999 الذي لا يعطي للقاضي سوى سلطة مراقبة ومقارنة,ذلك أنّ الفقرة الأخيرة من الفصل 2 من قانون 1999 أوكلت للسلطة الترتيبية مهمّة احتساب ونشر كل من نسبة الفائدة الفعلية الجمليّة ومعدل نسبة الفائدة الفعلية.

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الفصل 1103 م.إ.ع قد وقع نسخه ضمنيّا لتنافيه مع قانون 1999 المتعلّق بالفائدة المشطّة، وهذا النسخ يمكن تبريره بتغيير إرادة المشّرع.[106]

الفصل الثاني: دقّة الشّروط
يرى البعض أنّ “القاعدة القانونيّة التي تفقد فعاليتها ولا تنطبق إطلاقا في الحياة العملية هي قاعدة غير صحيحة وغير موجودة”[107] فمثلما تحقق القاعدة القانونيّة مشروعية الجزاء فإنّ الجزاء يضمن بدوره فعالية القاعدة, لذلك بقدر ما يضبط المشرّع شروط قيام الجزاء بمقدر ما يضمن حياة القاعدة وفعاليتها فحتّى لا يبقى الجزاء حبرا على ورق لا بدّ من تحديد الشروط التي تبرر الدخول تحت طائلته، فلا يكفي إذا التنصيص عليه بل يجب ضبط إمكانية تحقيقه.

ويتضّح من خلال مختلف النصوص التي نظمت الفائض المشط أنّ المشرع لم يتغافل على وضع شروط لقيام الجزاء، غير أن عدم دقّة هذه الشروط أنتجت صعوبات عملية في تطبيقه، أفقدت القواعد التي تنظم الفائض المشط فعاليتها وبالتالي إلزاميتها.

فالفصل 1103 م.إ.ع لم ينظّم كيفّية موحدّة لتحديد “القدر المعتاد” كما أنّه لم يضبط بدقة نسبة التجاوز المسموح به والنقطة التي ببلوغها يصبح من الممكن القول أن النسبة المتفق عليها تجاوزت النسبة المعتادة “بمقدار معتبر”, وقد زاد في تضييق إمكانية تطبيق الجزاء المدني، حكم صدر عن المحكمة الابتدائيّة بتونس بتاريخ 21 فيفري 1914، حيث اعتبر أن إبطال الفائدة المشطة لا يمكن الحكم به إلاّ إذا وقع تتبع جزائي من أجلها، ممّا يعني أنّه لا يمكن المطالبة به مباشرة أمام القاضي المدني[108].

ولم يكن أمر 19 أوت 1935، والذي بموجبه أصبح المرسوم الفرنسي الصادر في 8 أوت من نفس السنة قابلا للتطبيق في الإيالة التونسية، أكثر وضوحا، رغم اعتماده على معايير موضوعيّة لتحديد الشطط، حيث اعتبر أن الجزاء يطبق بمجرد تجاوز المقترض “بأكثر من النصف معدّل نسبة الفائض المطبقة بنفس الشروط من المقرضين عن نية حسنة في عمليات قرض لها نفس المخاطر” “لم يلاقي هذا المرسوم نجاحا في التطبيق لصعوبة تحديد معدّل نسبة الفائض المطبقة من طرف المقرضين حتّى في صورة الالتجاء إلى الاختبار”[109].

أماّ أمر 1937 المتعلق بالرّبا فرغم أنّه كرّس طريقة أكثر دقّة إذ اعتبر أنّ أقصى نسبة الفائض تتكون من معدّل النسبة المتداولة مع إضافة ثلثها، فإنّ هذه الطريقة تبقى مشوبة ببعض النقائص، فهي لا تمكن من تحديد مسبق لأقصى نسبة الفائدة حتى يعلم بها كل من يهمّه الأمر، كما أنّها لا تسهل مهمة القاضي الذي يبقى مجبرا وبمناسبة كل نزاع على الإذن باختبار لتحديد النسبة التي كانت متداولة زمن القرض.

هذه الثغرات في النصوص أضعفت إمكانية تطبيق الجزاء، وجعلت مفعولها على الصعيد العملي جدّ محدود، وما يدلّ على ذلك الندرة التامة للتطبيق الفقه قضائي لها، ذلك أنّه من خلال البحث في فقه القضاء المنشور لا نجد إلاّ قرارا تعقيبيا واحدا صدر في 10 جويلية 1963 [110].

حاول مشرع 1999 تلافي هذه النقائص فلم يكتفي بالتنصيص على الحدود التي بتجاوزها يعتبر القرض مسند بفائض مشط بل أعاد تنظيمها بما يضمن إمكانية تحقق الجزاء وبالتالي فعالية القواعد التي تنظم الفائض المشط، فمن جهة ضبط المشرع الشطط من خلال علميّة الشروط المتعلّقة بالفائدة (مبحث أول) ومن جهة أخرى ضبط مجال تطبيق الجزاء (مبحث ثاني).

مبحث أول: علميّة الشروط المتعلقة بالفائدة
في اتجاه علمنة الشروط المتعلّقة بالفائدة المشطّة ابتعد المشرع على المصطلحات ذات الطابع الأخلاقي مثل “الاغتنام” المكرسة في الفصل 1103 م.إ.ع “عن نيّة حسنة”، أمر 1935 “ذوي نية حسنة” أمر 3 فيفري 1937 المتعلّق بالربا، فجاءت الفقرة الأولى من الفصل الأوّل من قانون 13 جويلية 1999 على النحو التالي :”يعتبر قرضا مسند بنسبة فائدة مشطة كل قرض اتفاقي مسند بنسبة فائدة فعليّة جملية تتجاوز عند إسناد القرض بأكثر من خمس معدّل النسبة الفعليّة المطبقة من قبل البنوك والمؤسّسات المالية بالنسبة للعمليات من نفس النوع”.

ثمّ أحال المشرع بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 2 من القانون المذكور إلى السلطة الترتيبية كيفية احتساب نسبة الفائدة الفعلية الجملية TEG ومعدّل نسبة الفائدة المطبقة TEM، وهو ما وقع بموجبه أمر 21 فيفري 2000 .

من خلال ما تقدّم، يتضّح أن نسبة الفائدة المشطّة تحدد عن طريق المقارنة بين الفائدة الفعلية الجمليّة ومعدّل نسبة الفائدة المطبقة[111] مع إضافة خمسها، لذلك بات من الضروري بيان الفائدة الفعلية الجملية (فقرة أولى) ثمّ السقف الذي بتجاوزه تصبح الفائدة مشطّة (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: الفائدة الفعليّة الجمليّةTEG:

من بين الأشياء الجديدة ذات الأهمية الكبرى التي جاء بها قانون 15 جويلية 1999 نحد إدخاله لمفهوم غير معهود على مستوى الدراسة القانونيّة للفائض والمتمثل في النسبة الفعليّة الجمليّة، هذا المفهوم الذي دخل حديثا صلب النصوص التشريعيّة تمّ استقاؤه من العلوم الاقتصاديّة[112].

دأب رجال الاقتصاد على التفريق بين نسبة الفائدة الظاهرة، وهي النسبة كما يتمّ التنصيص عليها بالعقد من جهة ونسبة الفائدة الفعليّة من جهة أخرى، وهذه النسبة الأخيرة هي النسبة التي يتمّ الوصول إليها بعد إضافة كل المصاريف الثانويّة المحمولة على المقترض.[113]

من الناحية التشريعيّة يمثل TEG أحسن مثال يبرز كيف أن القانون يكرّس المفاهيم الاقتصادية ويبني عليها نظاما قانونيّا متكامل.

أراد المشرع بهذا التكريس إضفاء الشفافيّة على نسبة الفائض، والوصول إلى حساب دقيق لكلفة عملية القرض وذلك بأن تقع ترجمة إلتزامات المقترض في نسبة موحدة تكون جمليّة في مكوناتها )أ( وفعلية في طريقة حسابها )ب .(

أ– تكوين النسبة بطريقة جمليّة

نص الفصل الثاني من قانون 15 جويلية 1999 على أنّه “تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد نسبة الفائدة الفعلية الجمليّة للقرض بالإضافة إلى الفوائض المصاريف والتأجيرات المباشرة وغير المباشرة مهما كان نوعها المرتبطة بإسناد القرض عدا المستثناة بأمر”[114].

من خلال هذه القاعدة نتبين أنّ النسبة الفعلية الجمليّة تنطلق من الفائض في معناه الضيق وتضيف له كلّ المبالغ التي لها علاقة بالقرض، وما يمكن ملاحظته أن المشرع بدأ بتوسيع مكونات النسبة الفعلية الجملية حيث أعتبر أن “كل المبالغ المباشرة وغير المباشرة مهما كان نوعها”, ثمّ استدرك فضيّق في دائرة حيث وضع معيارا لتحديد TEG والمتثمثل في الإرتباط بين المبلغ الذي يدفعه المقترض وعقد القرض تمّ زاد في تضييق مكونات TEG حين أسند للسلطة الترتيبية سلطة إقصاء بعض المبالغ حتّى لو كانت مرتبطة بالقرض، هذا التدرج في تضييق مكوّنات TEG يعكس حرص المشرع على ضبط وتحديد مقدار النسبة الفعلية الجملية باعتباره يمثل أهمّ عنصر في تحديد الشطط لذلك لم يكتفي بذكر المصاريف والعمولات فقط بل نظّم كيفية اعتمادها.

المصاريف
المصاريف هي جملة المبالغ التي يستلزمها إتمام عمليّة القرض وقد نظمها الفصل 1094 م.إ.ع الذي نص على أنّ “مصاريف تسليم القرض وترجيعه على المقترض”، وتطبيقا لمعيار الارتباط المنصوص عليه بالفصل الثاني من قانون 1999 تستثنى المصاريف التي ليس لها إرتباط بعمليّة القرض.

لم يعرّف المشرع المقصود بالارتباط، لكن الفقه الفرنسي أبرز مدلول معيار الارتباط بين المصاريف والقرض: فإن كانت التكلفة شرطا ضروريا يتوقف على دفعها إتمام القرض فإنّها تدخل في تكوين النسبة الفعليّة الجمليّة[115] أمّا إذا كان تحمّل المقترض بها أمرا اختياريا فلا مجال لأخذها بعين الاعتبار. هذا ولا يهم إن كانت المصاريف تدفع إلى المقرّض ذاته أو إلى شخص آخر هو غير عن عقد القرض[116] فيكفي فقط أن يثبت أن دفع المقترض للتكلفة كان شرطا لتحصله على القرض، وعلى هذا الأساس فإن كان العقد خاضعا لقانون 2 جوان 1998 فإنّه يسهل تحديد هذا الارتباط فالقانون ألزم البائع أو المسدي الخدمات بالتقسيط بأن يدقق المصاريف التي يتحملها المستهلك سواء في الإشهارات التي يقوم بها (الفقرة الخامسة من الفصل 12) أو في العقود التي يبرمها (الفقرة الثامنة من الفصل السابع) ,بالتالي فإنّ هذه المؤيدات كفيلة بأن تحدد مبدئيّا المصاريف التي تدخل في النسبة الفعلية الجمليّة,أمّا في باقي الحالات فيتمّ تحديد المصاريف بكل الوسائل الممكنة مثل الوصولات التي يقدمها المقترض والتي تثبت ضروريتها، كذلك يمكن تحديد المصاريف اللازمة بالرجوع إلى عقد القرض.

كأمثلة يمكن ذكر مصاريف كتابة العقد خاصة إن كان ذلك لدى مأمور عمومي أو محامي أو مصاريف تكوين القرض، أيضا يعتبر من المصاريف المرتبطة بالقرض المبالغ التي أنفقها المقترض لإقامة الضمانات الشخصيّة كالكفالة[117] أو عينية مثل معاليم ترسيم الرّهون سواء كانت على منقولات أو عقارات[118].

كذلك تعتبر من المصاريف التي تدخل في تكوين النسبة الفعلية الجمليّة، تكاليف عقود التأمين إن كانت شرطا ضروريّا يتوقف على دفعها إتمام القرض[119] وهذا الموقف استقر عليه الفقه[120] وفقه القضاء الفرنسي[121] بعدما أصبحت البنوك والمؤسّسات المالية تلزم المقترض بهذا الإجراء كشرط للحصول على القرض. فتحديد المصاريف التي تدخل في تكوين النسبة الفعلية الجملية يتوقف على مدى ارتباطها بالقرض والتي يمكن أن نستنتج ارتباطها أيضا إذ كانت شرطا يتوقف على إتمامه عقد القرض.

وفي إطار الحرص على الالتزام بالدقّة في تحديد مكوّنات النسبة الفعليّة الجمليّة باعتبارها من الشروط الضروريّة لإمكانية تحقيق الجزاء أحال المشّرع للسلطة الترتيبيّة مهمة تحديد المصاريف المستثناة من النسبة الفعلية الجمليّة رغم ارتباطها المباشر بعمليّة القرض.

جاء في آخر الفقرة الأولى من الفصل الثاني من قانون 15 جويلية 1999 “تؤخذ بعين الاعتبار… المصاريف….مهما كان نوعها المرتبطة بإسناد قرض عدى المستثناة بأمر”، إنّ أوّل ما يتبادر للقارئ أنّ المشّرع منح للسلطة الترتيبيّة امتيازا، وذلك بأن منحها سلطة تحديد المصاريف المستثناة من مكوّنات النسبة الفعليّة الجمليّة، إلاّ أنّ هذه المنحة تحمل في طياتها إلزاما محمولا عليها يتمثل في وجوب حصر المصاريف المستثناة وذلك بتعدادها وهو ما يعني أنّ السلطة الترتيبيّة لا يمكنها وضع معيارا عاما يؤخذ به لتحديد المصاريف المستثناة، وإن كان هذا الالتزام يجد أساسه في الفصل 540 م إ ع [122], فهو أيضا يجد تبريره في التوجه الذي تبناه المشرّع بخصوص الفائض المشط والذي يقوم على الدقّة والوضوح, وبناءا عليه نصّت الفقرة الأولى من الفصل الرابع من أمر 21 فيفري 2000 على أنّه “لا تؤخذ بعين الاعتبار في احتساب نسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة الضرائب والمعاليم…التي يقتطعها المقرّض بصفة مستخلص لفائدة الدولة أو لفائدة أي مؤسّسة أخرى طبق التشاريع والتراتيب الجاري بها العمل”.

2- العمولة

تعرف العمولة على أنها الأجر الذي يتقاضاه المقرض (أو الوسطاء والسماسرة الذين سهلّوا عمليّة القرض) مقابل الخدمات التي يسديها بمناسبة القرض.

والعمولة هي أحدى العناصر المكوّنة للنسبة الفعلية الجمليّة إذ كانت مرتبطة بعمليّة القرض، ونصّ الفصل الثاني من قانون 15 جويلية 1999 على ضرورة ثبوت إرتباطها بالقرض, وهو ما أكّدته الفقرة 2 من الفصل 4 من أمر 21 فيفري 2000 لكن بصفة عكسيّة حيث جاء في هذه الفقرة :”لا تؤخذ بعين الاعتبار في احتساب النسبة الفعليّة الجمليّة العمولات…التي يقتطعها المقرض لحسابه الخاص والتي ليس لها ارتباط مباشر أو غير مباشر بالعمليات المترتبة عن منح القرض”.

لم يحدد أمر 21 فيفري 2000 العمولات المستثناة من احتساب النسبة الفعلية الجمليّة بل اكتفى بإعادة التذكير بالقاعدة الواردة بالفصل الثاني من قانون 15 جويلية 1999، ثمّ أحال بموجب الفقرة الأخيرة من نفس الفصل إلى البنك المركزي مهمّة تحديد العمولات الواجبة الاعتبار عند تحديد جملة التزامات المقترض, وهذه الإحالة تعتبر نقطة إضافية في سبيل تحقيق الدقّة المستوجبة في تحديد مكوّنات الفائدة وبالتالي إضفاء مزيد من الشفافيّة المستوجبة لتحقيق الغاية من هذا التحديد.

فنظام العمولات حدده البنك المركزي بموجب المنشور عدد 22 لسنة 1991 المؤرّخ في 17 ديسمبر 1991، وهو يقوم على مبدأين نص عليهما الفصل 34 من هذا المنشور.المبدأ الأوّل أقرّ حريّة البنك في تحديد سعر العمولة، والمبدأ الثاني منع على البنوك استخلاص عمولات غير تلك التي يسمح بها البنك المركزي والتي عددها حصرا في جدول ملحق به، [123] لذلك فإنّه بإحالة مهمّة تحديد العمولات التي تدخل في احتساب النسبة الفعليّة الجمليّة إلى البنك المركزي يتحقق هدفان : الأوّل ضمان عدم إدخال الاضطراب على نظام الفوائض وذلك بمنح نفس الجهاز دون غيره مواصلة مهمة تنظيم نفس المسألة, والهدف الثاني يتمثل في ضمان نجاعة تطبيق معيار الإرتباط، فالبنك المركزي باعتباره بنك فهو الأقدر على تقدير وجود شرط الإرتباط من عدمه بين العمولة والقرض.

وبناءً عليه صدر المنشور عدد 3 لسنة 2000 بتاريخ 27 مارس 2000 وعدّد الفصل 4 من هذا المنشور العمولات التي تدخل في احتساب نسبة الفائدة الفعلية الجمليّة. ومن بين هذه العمولات نذكر العمولات المستوجبة عن الدراسات التي يقوم بها البنك[124] وعمولة السحب على المكشوف[125] وعمولة الحساب[126] كذلك عمولة الالتزام وهي العمولة المستوجبة عند فتح الاعتماد للحريف، ترمي هذه العمولة إلى منح المصرف مقابل عن إلتزامه بوضع مبلغ معيّن على ذمّة المستفيد لتلبية طلبه كلما قرّر هذا الأخير استعمال وسائل الدفع التي انتفع بها[127] . وتجدر الإشارة في هذا الخصوص أن عمولة الإلتزام أثارت جدلا في الفقه الفرنسي ,فمن الفقهاء من إعتبر أنّه لا مجال لإدخالها في النسبة الفعليّة الجمليّة لأنّ البنك يتقاضاها بمجرّد فتح الاعتماد في حين أنّ المستفيد لم يستعمل بعد منه شيئا وبالتالي فلا علاقة لها بوجود قرض[128] في حين يرى الشق آخر بضرورة أخذ هذه العمولة بعين الإعتبار لأنّه لا يمكن الفصل بين القرض وفتح الاعتماد وهذا الأخير هو في حدّ ذاته عملية قرض بالمعنى الواسع.

بقى أن نشير إلى العمولات الناتجة عن عقد الخصم، فمنشور البنك المركزي عدد 3 لسنة 2000 لم يتعرّض لها بالتفصيل إذ اكتفى في الفصل الرابع منه بالإشارة إلى وجوب اعتبار “العمولة على السندات المسقطة إذ كان القرض مجسّما بسندات لأمر”، وهو ما يعني أنّ كلّ العمولات الناتجة عن عقد الخصم تدخل في حساب النسبة الفعلية الجملية، وعلى هذا الأساس فإنّه تدخل في احتساب السنة الفعلية الجملية عمولة التظهير[129] التي أشير لها صراحة في الفصل 743 فقرة ثانية م.ت وعمولة القبول التي تشكل مقابل يتقاضاه المصرف عن تقديمه الورقة للقبول[130] كذلك العمولة التي يقع استخلاصها إذا كانت المدّة الفاصلة بين الإسقاط وحلول أجل الورقة قصير جدّا بالتالي يكون الفائض بدوره محدود فيتم اشتراط هذه العمولة لتغطية ضعف الفائض[131].

دائما وفي إطار حرص المشّرع على توخّي الدقّة في تحديد مكوّنات الفائدة وبالإضافة إلى معيار الارتباط نص المشرع على أن لا يعتدّ في خصوص العمولات والتأجيرات إلا بما كان منها ثابتا ومحددا عند إبرام العقد وبالتالي فلا مجال لإدخال ما بقى منها لاحقا عن الاتفاق ومتوقعا من حيث حدوثه.

هذا الحلّ مستمد من الفصل الأوّل من قانون 15 جويلية 1999 الذي جاء فيه أن” نسبة الفائدة الفعلية تتجاوز عند إسناد القرض…”[132].

وتثير هذه القاعدة ملاحظتين :

أولاّ : ان تمّ اخضاع نسبة الفائدة إلى شرط السلم المتغيّر وحدث في المقياس المعتمد تغيّر أدّى إلى ارتفاعها، فلا يعتد إلاّ بالنسبة الفعليّة زمن التعاقد حتّى إن أدى التقييس إلى جعلها تتجاوز أقصى ما هو مسموح به [133] وفي هذه الصورة لا يعتبر الفائض مشطا وبالتالي لا يجوز تطبيق الجزاء المدني المنصوص عليه بقانون 15 جويلية 1999.

ثانيا : تثير صياغة الفصل 2 من قانون 15 جويلية 1999 تساؤل حول إمكانية إدماج نسبة الفائض التأخيري أو الشرط التغريمي إلى النسبة الفعلية الجمليّة[134] فعبارة ‘الفوائض” الواردة بهذا الفصل جاءت عامة دون تفريق مستمد من طابعها الإتفاقي أو التأخيري[135].

لرفع كلّ الغموض تدخل البنك المركزي بموجب المنشور عدد 3 لسنة 2000 الذي نص في فصله الخامس على ما يلي :”لاحتساب النسبة الفعلية الجمليّة لا تؤخذ بعين الاعتبار المصاريف والعمولات واجبة الدفع من قبل المقترض نتيجة عدم مراعاة الواجبات المحددة في عقد القرض”. فدفع أقساط القرض مع الفوائض هي من أوكد واجبات المدين (المقترض) لذلك فإنّ الفائض المترتب عن التأخير لا يدخل في حساب جملة إلتزماته.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ “الفوائد التأخيريّة ليست نتيجة للقرض ولا مرتبطة بإسناده وهي متولدة عن عدم الوفاء بالإلتزام فلا ينطبق عليها نظام الفوائد المشطّة”[136].

يمكن كذلك تبرير عدم إدخال الفائض المترتب عن التأخير في حساب النسبة الفعليّة الجمليّة بالإستناد للقاعدة الواردة بالفصل الأول من قانون 15 جويلية 1999 والتي تشترط أن لا يعتدّ بمكونات الفائدة إلاّ بما كان منها ثابتا ومحددا عند إبرام العقد, وعلى هذا الأساس فإنّه وعلى عكس الفائض الإتفاقي الذي يصبح مستوجبا منذ تسلّم المقترض لرأس المال فإنّ الفائض التأخيري لا يثقل كاهله إلا إذا تلدّد في الخلاص، وبالتالي يبقى جريانه أمر غير حتمي زمن التعاقد بل هو متوقعا ومتوقفا على مدى حرص المقترض في ّ الوفاء بإلتزاماته في آجالها وهذا ما يثير مسألة الفعليّة.

ب – طريقة حساب تهدف لتحديد فعلي للنسبة

إنّ اشتراط المشرع لخاصية الفعليّة يؤكد حرصه على اعتماد الوضوح والدقة في تحديد الشطط في الفائدة، والمقصود من أن تكون النسبة فعليّة هو عدم الاكتفاء بالنسبة الظاهرة كما وردت بالعقد بل الوصول إلى نسبة تعكس فعلا حقيقية التزامات المقترض[137] هذه العمليّة تتطلب تقنيات حسابية أكثر منها قانونيّة، لذلك أحال المشرع بموجب الفقرة الثانية من الفصل الثاني من قانون 15 جويلية 1999 إلى السلطة الترتيبيّة مهمّة ضبط الطريقة الحسابية التي تمكن من الوصول على تحديد النسبة الفعلية الجمليّة.

وضع أمر 21 جويلية 2000 نوعين من القواعد من جهة أولى ضبط الفصل الأول خصائص النسبة الفعليّة الجمليّة والطريقة العامة لحسابها مع تحديد مكوّناتها الفنيّة و من جهة ثانية وضع الفصلان الثاني والثالث من نفس الأمر قواعد خاصّة للحساب لمراعاة مميّزات بعض عمليّات القرض وهي تتعلّق بالكشوفات البنكيّة والقروض[138].

إن فكرة إسناد مهمّة ضبط المسائل الحسابيّة إلى سلطة مختصّة ليس بالأمر الجديد,ذلك أنّ هذا الإجراء يذكرنا بأمر 3 فيفري 1937 المتعلّق بزجر الربا والذي أوكل في فصله السادس مهمّة ضبط معايير نسبة الفائض العادية إلى لجنة فنيّة يترأسها مدير المالية العام وتتركّب من أعضاء من بينهم مدير الأمور الاقتصاديّة ومدير فرع بنك الجزائر بتونس.

كذلك جاء في مطلع الأمر عدد 42 لسنة 2000 أن” رئيس الجمهوريّة بإقتراح من وزير المالية… وعلى رأي محافظ البنك المركزي…” وهو ما يعني أنّ قانون 15 جويلية 1999 لم يقطع نهائيّا مع النصوص السابقة المتعلّقة بالفائض المشط بل حافظ على التواصل معها على الأقل من حيث إقرار مبدأ ضبط الحسابات ومن حيث شكل الإجراء, لكنه في المقابل أتى بتحويرات جوهريّة فمن جهة أولى لم يكتف بضبط معايير نسبة الفائض العادية والتي تقابلها في قانون 15 جويلية 1999 معدّل نسبة الفائدة المطبقة، بل أقرّ كذلك ضبط نسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة، ومن جهة ثانية اعتمد على معدلات حسابية وتقنيات علمية دقيقة حيث جاء في الفصل الأول من أمر 21 فيفري 2000 أنّ “نسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة للقرض هي نسبة سنوية متناسبة مع نسبة الفائدة للمدّة تحتسب بحلول الأجل ويعبر عنها في شكل نسبة مائويّة وبرقمين بعد الفاصل” [139], الغاية من هذه القاعدة، تحقيق الوضوح والدقة في تحديد النسبة الفعليّة الجمليّة حتّى يتسنّى ضبطها، وبالتالي إمكانية إخضاعها إلى المراقبة، خاصّة وأن المشرّع أولى نفس الأهميّة إلى العنصر الذي من خلاله يتحدّد الشطط من عدمه والمتمثل في سقف الفائدة.

الفقرة الثانية : سقف الفائدة

على خلاف النسبة الفعليّة الجمليّة (TEG) التي تمّ إدخالها حديثا صلب النصوص القانونيّة فإنّ معدل النسبة الفعلية المطبقّة (TEM) المكرسة في قانون 15 جويلية 1999 تجد جذورها في النصوص القديمة المنظمة للفائدة المشطة، فالفصل 1103 م.إ.ع تحدّث عن “القدر المعتاد” أي النسبة المتعامل بها دون حصرها في نص قانوني جامد[140]، أريد من هذه القاعدة تماشى النص القانون مع واقع المعاملات[141]. أمّا أمر 1937 المتعلّق بالربا فقد حاول التوفيق بين ضرورة مراعاة تطوّرات السوق بتكريس معدل النسبة السائدة فيه وضرورة ضمان الوضوح بتحديد السقف بالثلث فوق النسبة المتداولة[142].

لكن الخلل الكبير الذي ساد هذه النصوص هو فقدانها للدقة من خلال غياب طريقة حساب النسبة، وفقدانها الشفافيّة من خلال غياب تحديد مسبق لها, فالتجاوز الذي يمثل شرط قيام الجزاء لا يمكن التحقق منه آليا بل يتطلب اجتهاد من القاضي واستعانة بخبراء وذلك في كل قضيّة على حدى.

لتنظيم إمكانية تحقق الجزاء ركزت النصوص القانونية السابقة بالأساس على شرط التجاوز دون تنظيم دقيق للسقف الذي بتجاوزه يقوم الجزاء, هذا الخلل أفقد شرط التجاوز معناه، فلا يكفي إذا التنصيص على شرط التجاوز بل يجب ضبط السقف موضوع التجاوز

ومن ثمّة يتضّح أنّ إمكانية تحقق الجزاء تتوقّف على مدى دقّة طريقة تحديد أقصى نسبة الفائض.

أخذ قانون 15 جويلية 1999 بإيجابيات النصوص القديمة فحافظ على التوفيق بين ضرورة مراعاة تطوّرات السوق وضمان الوضوح بتحديد السقف وتلافي نقائص هذه النصوص بأن أكسى قواعده فاعليّة، من خلال تحديد طريقة احتساب دقيقة وواضحة[143] ومحدّدة مسبقا.

وجب قبل بيان التقنيات المعتمدة في تحديد سقف الفائدة، الإشارة إلى إشكال حول فهم الفصل 1100 م.إ.ع إذا ما وقع ربطه مع الفصل الذي يليه مباشرة.

مكّن الفصل 1101 م.إ.ع المقترض، بعد مضي عام من تاريخ العقد، من أن يرجع مسبقا أصل الدين إذا ما تجاوزت النسبة المتفق عليها النسبة القانونيّة للفائدة، بشرط إعلام الدائن كتابيا قبل الترجيع بشهرين.

فهل يمكن تأويل هذه القاعدة بأن الفصل 1100 يحدّد سقف الفائض الذي لا يمكن تجاوزه؟

الجواب بالإيجاب يؤدي إلى النتائج التالية:

à أوّلا : تعليق الإعمال بقاعدة سقف الفائدة إلى حين مرور العام، وهو ما يعني أنّ المشّرع يقبل مبدأ التجاوز منذ إبرام العقد إلى حين انقضاء السنة، أي أنّ التجاوز لا يعتّد به طول هذه الفترة,هذه النتيجة تتنافى أولا مع طبيعة سقف الفائدة، ذلك أن وحدة قيس التجاوز لم تعد المقدار أو الثمن بل أصبح الزمن، وثانيا تتنافي مع زمن تقدير التجاوز الذي من المفروض أن يكون زمن إبرام العقد لا أثناء تنفيذه.

à ثانيا: القروض التي تقّل مدّتها عن السنة لا تخضع لقواعد سقف الفائدة [144] وهو ما يتعارض مع هدف المشرّع من وضعه لقاعدة السقف والمتمثلة في حماية سعر الفائض في حدّ ذاته بقطع النظر إن كان القرض أقل أو أكثر من سنة.

à ثالثا: “إنّ الفصل 1100 م.إ.ع لم يضع فقط قاعدة مكمّلة لإرادة الأطراف إن لم يتّفقوا على سعر الفائض بل أنّه يضع زيادة على ذلك قاعدة ملزمة ومضيّقة لحريّة إرادته، هذا التحديد إن تمّ الإقرار بوجوده يبقى لمطلق إرادة المقترض إن شاء استعمله وإن لم يشأ تركه وذلك بعكس الحدّ المستمد من الفائدة المشطّة.”[145]

تتمثّل مظاهر الدقّة والوضوح في تحديد سقف الفائدة في ما يلي:

à أوّلا: في تحديد كيفيّة احتساب معدّل نسبة الفائدة المطبّقة TEM :

نصّ الفصل الأوّل من قانون 15 جويلية 1999 أن نسبة الفائدة المشطّة هي التي تتجاوز “بأكثر من خمس معدل نسبة الفائدة الفعليّة المطبقة خلال السداسية السابقة… بالنسبة للعمليات من نفس النوع” ثمّ أضاف الفقرة الثانية من الفصل الثاني من نفس القانون أنّ كيفية احتساب معدّل نسبة الفائدة الفعليّة يتمّ بأمر وهو ما وقع بموجب الفصل الخامس من أمر 21 فيفري 2000 [146] الذي جعله يقابل “المعدل الحسابي البسيط لنسبة الفائدة الفعلية الجمليّة المتداولة…”

نتبيّن من هذه الأحكام أنّ أقصى نسبة الفائدة تتكون من جزئين، جزء ثابت يحدّد القانون وهو خمس معدل النسبة المتداولة، وجزء متغيّر يجد مصدره في معدل النسب المتداولة بالسوق وهو يمثل المكوّن الرئيسي لأقصى نسبة الفائدة.

يتميّز تحديد نسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة بطابعه الحسابي والفنيّ لذلك أسند أمر 21 فيفري 2000 إلى البنك المركزي مهمّة ضبط هذه النسب، ذلك أنّ هذه المؤسّسة هي المؤهلة أكثر من مؤسّسة أخرى للسهر على الجانب الفني من قانون 15 جويلية 1999 خاصّة وأن الفصل 33 من قانون المتعلّق بتنظيم البنك المركزي[147]، أسند لها مهمّة مراقبة توزيع القروض والسهر على متابعتها.

نص الفصل 7 من منشور البنك المركزي عدد 3 لسنة 2000 على أن “يتولى البنك المركزي في آخر كلّ سداسيّة احتساب معدّل النسبة الفعليّة الجمليّة”، وللوصول إلى تحديد معدّل النسبة الفعليّة المتداولة بالسوق يقع المرور بمرحلتين:

— المرحلة الأولى تتم لدى البنوك التي تتولّى حصر النسب التي استعملتها في كل نوع من القروض ثمّ القيام بحساب معدل تلك النسب وتوجيهها إلى البنك المركزي.

— المرحلة الثانية تتمّ لدى البنك المركزي، الذي يقوم بتبويب معدلات النسب التي تتعاطاها البنوك بالنسبة لكلّ نوع من القروض، ثمّ يقع احتساب معدّلها العام، لنتحصل على معدّل النسبة الفعليّة[148]. ولتحديد سقف الفائدة يتمّ احتساب خمس المعدّل العام للنسب الفعلية المطبقة تمّ جمعه مع هذا المعدّل الأخير، لتتكوّن في الأخير سقف الفائدة للسداسيّة الموالية حسب كلّ نوع من أنواع القروض.

يتضّح من خلال ما تقدّم أن المشرّع ابتعد عن الغموض والضبابية وتوخّي الدّقة والواقعية في تحديد العناصر الضروريّة لتعريف الشطط الموجب للجزاء[149] ويتأكد ذلك أيضا من خلال المصادر التي يستسقي منها معدّل النسبة الفعليّة الجمليّة، فقانون 15 جويلية 1999 ، اقتصر فقط على النسبة الفعليّة الجمليّة التي تتعاطاها البنوك والمؤسّسات الماليّة.

أريد من هذا الخيار تكريس الدقّة والوضع حتى على حساب العدل والمساواة، ذلك أنّه كان بإمكان المشرّع الانطلاق من كلّ النسب المتداولة في السوق دون استثناء، أي حصر كلّ النسب المعمول بها، من كلّ المقرضين سواء كانوا مهنيين أو حتّى أشخاص عاديين أو كان من البنوك أو باعة بالتقسيط، فليس من العدل أن نعتمد على النسبة التي يعتمدها البعض فقط من المقرضين لتتكوّن منها قاعدة عامّة تلزم الباقين منهم.

مثلا النسبة التي تعتمدها البنوك ستكون محدّدة لأقصى النسبة التي تلزم الباعة بالتقسيط والحال أنّ كلاهما يخضع في نشاطه إلى ضرورات خاصة به تنعكس حتما على نسبة الفائدة التي يعتمدها، بالإضافة إلى أنّه من الطبيعي أن تكون النسبة المعتمدة في عمليات البيع بالتقسيط مرتفعة مقارنة بالنسب المعتمدة في قروض الاستهلاك التي تتعاطاها البنوك خاصّة وأن الباعة بالتقسيط على خلاف البنوك، لا يطلبون بصفة آلية ضمانات شخصيّة أو عينيّة[150].

إنّ إختيار المشرع على نسبة البنوك دون غيرها لتحديد سقف الفائدة أكّده منشور البنك المركزي عدد 3 لسنة 2000 والذي جاء في فصله الثامن ما يلي: يعتمد معدل النسبة الفعليّة الجمليّة لقروض الاستهلال المنصوص عليها بالفصل الرابع عشر مكرّر من منشور البنك المركزي إلى البنوك عدد 47 لسنة 1987 المؤرخ في 23 ديسمبر1987 لاحتساب نسبة الفائدة المشطّة المطبقة على عمليات البيوعات بالتقسيط، غاية المشرع في تكريس هذا الحل هو تحقيق الدقّة والوضوح، ذلك أنّه من السهل التعرّف على النسب التي تعتمدها البنوك باعتبارها تخضع لرقابة البنك المركزي، [151] على خلاف باقي المقرضين الذين يشوب تنظيمهم ونشاطهم العشوائيّة مما يصعب معهم تحديد دقيق للنسب المتعامل بها، بالإضافة إلى ما يتطلبه هذا الحلّ من عمل ميداني جبّار.

استنتج الفقهاء[152] من هذا الاختيار أنّ المشرّع يمنح الثقة للأجهزة البنكيّة وللنسب التي تعتمدها فهو يتبناها دون غيرها لتكوين أقصى النسبة المسموح بها، هذا يدّل أنّ غايته لا تتمثل في تحقيق المساواة والعدل بقدر ما تتمثل في تحقيق الدقّة والوضوح في تحديد سقف الفائدة وبالتالي التحقق من أن النسبة المتفق عليها تدخل تحت طائلة الجزاء أم لا.

المبحث الثاني: ضبط مجال تطبيق الجزاء
نص الفصل الأول من قانون 15 جويلية 1999 كما تمّ تنقيحه بموجب قانون 4 أوت 2008 على ما يلي “يعتبر قرضا مسند بنسبة فائدة مشطّة كل قرض اتفاقي مسند بنسبة فائدة فعليّة جمليّة تتجاوز عند إسناد القرض، بأكثر من خمس معدّل نسبة الفائدة الفعلية المطبقة خلال السداسيّة السابقة من قبل البنوك والمؤسّسات المالية بالنسبة للعمليات من نفس النوع، ويحدّد البنك المركزي التونسي العمليات التي تخضع إلى نفس نسبة الفائدة المشطّة وتعتبر عمليات البيع بالتقسيط قروض اتفاقية وتخضع لمقتضيات هذا القانون”.

يبدو لأوّل وهلة أنّ إرادة المشرع اتجهت نحو توسيع مجال تطبيق قانون 15 جويلية 1999 وذلك من خلال عمومية عبارة “كل قرض اتفاقي”[153] الواردة بالفقرة الأولى وكذلك من خلال إدماج عمليات البيع بالتقسيط ضمن مجال هذا القانون.

إلاّ أنّه بربط مختلف الفقرات الواردة بهذا الفصل نتبيّن أن جوهر إرادة المشرع تتمثل في تحديد وضبط مجال تطبيق القانون وما الاتساع إلاّ نتيجة هذه الإرادة وليس غايتها.

هذا التأويل يرتكز على حجّتين، الأولى: منطقية باعتبار أن هدف المشرع هو مقاومة كل شطط في نسبة الفائدة مهما كان الاتفاق الذي يتضمنها[154] ولتحقيق هذا الهدف بات من الضروري أن تمتد الرقابة على الفائدة المشطّة إلى كل عقد بمجرد ملاحظة إحتوائه على مميزات القرض الأساسية أي تسبقة مبلغ مالي مع إلتزام ثاتب بترجيعه، وهو ما يفسر تجنب استعمال عبارة “عقد” لأنّها قد تفهم بمعني ضيّق يحصرها في صنف العقود المنظمة بالفصل 1081 وما بعده م.إ.ع، وفي المقابل استعمل كلمة “كل” قرض خدمة للهدف المراد تحقيقه لذلك فإنّ التوسيع المعتمد في هذا الفصل ليس غاية في حدّ ذاته بل هو نتيجة.الحجّة الثانية: نصيّه مستمدة من الفقرة الثانية والثالثة من نفس الفصل بموجب الفقرة الثانية أسند المشرع للبنك المركزي باعتباره السلطة المالية العليا[155] صلاحية تحديد العمليات التي تخضع إلى نفس نسبة الفائدة المشطة (الفقرة الثانية) هذه الإحالة تؤكد حرص المشرع على تحقيق الدقة في ضبط مجال تطبيق الجزاء وذلك بإسناد مهمة تحديد وتبويب العمليات إلى هيكل مختص، وزادت الفقرة الثالثة من نفس الفصل في التأكيد على هذا التوجه، ذلك أنّه أمام الانتشار الكبير الذي شهدته عقود البيع بالتقسيط والتجاوزات الكبيرة التي حدثت بمناسبتها رأى المشرع أنّه من الضروري توفير حماية المستهلك[156] فلم يكتفِ بالتنصيص على أن عمليات البيع بالتقسيط تخضع لمقتضيات قانون 15 جويلية 1999 بل ولمزيد إضفاء الدّقة جعل من هذه البيوعات قروضا بموجب القانون (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى : إدماج البيوعات بالتقسيط ضمن صنف القروض بموجب القانون

لاشكّ أن البيع بالتقسيط هو في الأصل عقد بيع[157] وما التقسيط إلاّ طريقة من طرق الدفع، فهو إلتزام تابع لعقد بيع، وتطبيقا لقاعدة التباع يتبع المتبوع لا يجوز مبدئيّا تغيير الوصف القانوني لعقد البيع لمجرد احتوائه على فائض نتيجة تجزئة ثمن المبيع، غير أنّ قانون 15 جويلية 1999 خالف هذه القاعدة حين اعتبر “عمليات البيع بالتقسيط قروضا اتفاقيّة”.

إلاّ أنّ هذا “الخرق” يجد مبرره من جهة أولى في ضرورة توفير حماية للمستهلك، وذلك بأن وضع حدّا لأقصى نسبة الفائض حتّى لا يكون التسهيل في الدفع سببا لإثقال كاهل المستهلك بفوائض مشطة[158] خاصّة وأن قانون 2 جوان 1998 لم يحمي المستهلك في صورة تطبيق نسبة فائدة مشطة من قبل التاجر، ومن جهة ثانية في حرص المشرع على تطبيق مقتضيات قانون الفائدة المشطة على عمليات البيع بالتقسيط نظرا لكون المشرع قد سبق وأن حصر مجال تطبيق قانون 15 جويلية 1999 في “القروض الاتفاقيّة” وذلك في مطلع الفصل الأول من نفس القانون.

كما أنّ هذا “الخرق” يمكن تخفيفه والتقليص منه بالرجوع إلى جوهر عملية البيع بالتقسيط فما يميّز هذه العمليات هي أنها تمكّن من انصهار عقدين مختلفين في نفس العقد هما البيع والقرض[159]، البائع يسلم المنتوج وفي نفس الوقت يعدل عن قبض الثمن حاضرا، أي أنه يمنح المشتري قرضا بنفس قيمة الثمن على أن يتمّ دفعه أقساط وهو ما يتماشى مع تعريف الدفع بالتقسيط الوارد بالفقرة الأخيرة من الفصل الثاني من قانون عدد 39 لسنة 1998 الذي جاء فيه “الدفع بالتقسيط (هو) دفع ثمن المنتوج أو الخدمة المسداة على أقساط ويمكن أن يوظف على تجزئة الثمن نسبة فائض متغيّر حسب شروط البيع” فجوهر البيع بالتقسيط إذا يتمثل في وجوب ملاحظة تجزئة في الثمن، وبناء عليه لا يقع تحت طائلة جزاء الفائض المشط العقود التي تتضمن اتفاقا على دفع الثمن مؤجلا لكن دون أقساط بل صبرة واحدة في تاريخ التسديد[160].

وفي المقابل تدخل تحت طائلة الجزاء العقود التي لا تكيّف بكونها بيعا، مثل عمليات إسداء الخدمات بالتقسيط، وهو ما نستنتجه من خلال ربط عبارة “عمليات البيع بالتقسيط” الواردة بالفقرة الثالثة من الفصل الأول من قانون 15 جويلية 1999 مع قانون 2 جوان 1998[161]. أعطى الفصل الثالث من هذا القانون تعريفا عاما جاء به أنّ “البيع بالتقسيط (هو) اتفاق يلتزم يمقتضاه التاجر أو مسدي الخدمات بأن يضع على ذمّة المستهلك منتوجا أو خدمة على أن يتمّ تسديد الثمن أقساط”.

الفقرة الثانية: تخويل البنك المركزي صلاحيّة تحديد العمليات التي تخضع إلى نفس نسبة الفائدة المشطة

نصت الفقرة الثانية من الفصل الأول من قانون 15 جويلية 1999 على ما يلي “يحدّد البنك المركزي التونسي العمليات التي تخضع إلى نفس نسبة الفائدة المشطّة” يفهم من هذه القاعدة أن تجاوز سقف الفائدة موجب للجزاء في قروض معيّنة ونفس هذا التجاوز غير موجب للجزاء في قروض أخرى، فالتجاوز إذن وإن كان شرطا أساسيّا لقيام الجزاء إلاّ أنّه غير كاف لتحديد إمكانية تحققه لذلك وجب في كلّ مرّة ربط سقف الفائدة (موضوع التجاوز) بالقرض الذي يقابلها.

أساس هذه القاعدة تتمثل في المحافظة على واقعيّة سقف الفائدة وذلك من خلال ضمان تماشيها مع الواقع الاقتصادي.

لم تغب هذه التقنية على واضعي مجلّة الالتزامات والعقود حيث ورد بالفصل 1103 م.إ.ع أنّ التجاوز يحدد بالرجوع إلى “قيمة مصلحة المقترض حسب الأماكن وظروف الأحوال”,وهو ما يعني أنّ المشرع اعتمد في تصنيف القروض على معايير ثلاثة، الأول حسب معيار أهميّة القرض “قيمة مصلحة المقترض” والثاني مكاني “حسب الأماكن والثالث زماني “حسب ظروف الأحوال”. هذه المعايير وإن أثبتت الواقع قسّروها على تحقيق الهدف الذي سعى إليه المشرع إلاّ أن قانون 15 جويلية 1999 لم يقطع نهائيّا معها بل زادها تعزيزا بأن رفع عنها الغموض الذي حال دون نجاعتها.

ففي خصوص المعيار الزماني واصل قانون 14 جويلية 1999 العمل بهذا المعيار لكن بأكثر دقّة,أوجب الفصل الأول من هذا القانون أن تقدير التجاوز يكون بمقارنة النسبة الفعليّة الجمليّة بسقف الفائدة المعتمد خلال السداسيّة السابقة, وهو ما أكّد عليه أمر 21 فيفري2000 الذي نص في فصله الخامس على ما يلي “يتولّى البنك المركزي كل سداسيّة وبالنسبة لكل صنف من القروض تحديد معدل نسبة الفائدة الفعلية المتداولة خلال نفس السداسية, ويعتمد المعدّل المحدد على هذا النحو خلال السداسيّة الموالية لاحتساب نسبة الفائدة المشطّة” وبالإضافة إلى هذه المراجعة الدوريّة التي تهدف إلى مسايرة التطوّر الطبيعي في نسب الفائدة فإنّ نفس الأمر نص في فصله السادس على إمكانية المراجعة الاستثنائيّة[162] حيث جاء فيه “في صورة حدوث تغيير استثنائي هام في كلفة موارد البنوك والمؤسّسات المالية يمكن تعديل معدلات نفس الفائدة الفعلية التي وقع ضبطها من قبل البنك المركزي لأخذ هذا التغيير بعين الاعتبار…”

– ألغى قانون 15 جويلية 1999 العمل بالمعيار المكاني، وفي المقابل كرس معيار أهمية القرض المعتمد بالفصل 1103 م.إ.ع مع مزيد من الوضوح والدفّة، فأسند إلى هيكل مختص هو البنك المركزي مهمة تصنيف القروض التي تخضع إلى نفس نسبة السقف.

من البديهي أنّه لا توجد نسبة موحدّة لأنها تتحدّد حسب ظروف وملابسات كل نوع من القروض، ومن البديهي أيضا أن البنك المركزي باعتباره السلطة الماليّة العليا مؤهل أكثر من أي مؤسّسة أخرى لتحقيق تماشي نسبة الفائض مع الواقع الاقتصادي وجعلها متغيّرة ومتناسبة حسب نوع كلّ قرض.

وبناءً على هذه الاعتبارات حدّد المنشور عدد 3 لسنة 2000 في فصله الأول أصناف المساعدات البنكية الخاضعة لنفس نسبة الفائدة المشطّة، هذه الأصناف تبلغ ثمانية وهي على التوالي: قروض قصيرة الأجل باستثناء المكشوفات، قروض إستهلاكيّة، قروض متوسّطة الأجل، قروض طويلة الأجل، قروض لتمويل السكن، قروض جامعيّة، وأخيرا الإيجار المالي. هذه القروض تمّ تصنيفها بالملحق عدد واحد المرفق بهذا المنشور إلى 36 صنفا[163]. الملاحظ في هذا التصنيف أنّه اعتمد على معيار أهميّة القرض بالنظر إلى مدّته والمستفيد منه، فمثلا لا تطبق النسبة الموجبة للجزاء في القروض طويلة المدى على القروض متوسطة أو قصيرة المدى كذلك تختلف هذه النسب حسب ما إذا كان القرض استهلاكيا أو للتجهيز، صغيرا أو كبير الحجم.

لم يقتصر قانون 15 جويلية 1999 على عقود القرض التقليديّة بل أشار إلى انطباقه على كلّ القروض في أوسع معانيها, إلاّ أنّ المنشور البنك المركزي لم يطبق هذه القاعدة بصفة مطلّقة، حيث أتى على ذكر عقد الإيجار المالي وصنفه ضمن القروض الخاضعة لنسبته الفائدة المشطّة، ولم يذكر عمليات استخلاص الديون في حين أن الفصل 4 من قانون 10 جويلية 2001 المتعلّق بمؤسّسات القروض اعتبرهما صراحة قروضا وأخضعها لمقتضيات أحكامه.

فكيف نفسّر هذا الخيار؟ وهل يمكن إخضاع عمليات استخلاص الديون لنسبة الفائدة المشطّة إذا ما اعتبرنا أنّ القائمة الواردة بمنشور البنك المركزي عدد 3 لسنة 2000 جاءت على سبيل الذكر لا الحصر؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يمكن الانطلاق من هدف قانون 15 جويلية 1999 والذي حسب ما يشير له عنوان هذا الأخير يتمثّل في مقاومة الشطط في نسبة الفائدة، لذلك فالقروض التي تنطوي تحت سلطة هذا القانون يجب أن تحتوي على العنصر الجوهري في علمية القرض وهو منح تسبقه وأجل للمدين مع أخذ أجر مقابل ذلك.

وبالرجوع إلى قانون 2 فيفري 1998 المتعلق بشركات استخلاص الديون[164] نجد أن الفصل العاشر منه ينصّ على أنّ “الديون التي يمكن لشركات استخلاص الديون شراؤها هي الديون التي حلّ أجلها ولم يقع خلاصها”، فشركة استخلاص الديون إذا تشتري دينا حالا، فهي لا تمنح لحريفها أي أجل إذ لن تنتظر مدّة قبل بداية استخلاصه بل يمكنها ذلك مباشرة بمجرّد تمام العقد، وبما أنّ المدين قد تأخر في الخلاص فإنّها ستطالبه فقط بالفائض التأخيري عملا بالقواعد العامّة، أمّا المقابل الذي سيتقاضاه من المحيل فهو فقط عمولات عن الخدمات التي تسديها له ولا يوجد بينها فوائض عن الأجل[165].

وحتّى إذا اقتصر نشاط شركة استخلاص الديون على استخلاص الديون لحساب الغير، فهي في هذه الحالة تكون قد قامت باستخلاص الدين لفائدة الغير بالوكالة عنه [166] وقد أكّد الفصل 9 من قانون 2 فيفري 1998 على أنّه “تخضع عمليات إحالة الديون والاستخلاص لحساب الغير التي تقوم به شركات استخلاص الديون لمجلّة أحكام الالتزامات والعقود”، وعلى هذا المعنى فإنّ وضعيّة والتزامات وحقوق الشركة في هذه الصورة تنحصر في وضعية والتزامات وحقوق الوكيل على معنى مجلّة الالتزامات والعقود[167].

وفي جميع هذه الحالات فإنّ عقود شراء الديون رغم انتمائها لصنف القروض بموجب القانون[168] لا تخضع لمقتضيات قانون الفائدة المشطّة، وذلك لعدم احتوائها على فوائض على عكس الإيجار المالي[169] الذي يبتعد في شكله عن خصائص عقد القرض[170] إلاّ أنّ احتواء هذه العقود على فوائض يبرر إخضاعها لقانون 15 جويلية 1999.

ذلك أن المؤسّسة المالية تشتري شيئا يستغله معاقدها لمدّة معيّنة مقابل دفع مبالغ دوريّة تشتمل بالإضافة إلى ثمن الشراء نسبة من الفوائض زائد المصاريف، ثمّ وفي نهاية العلاقة الكرائيّة تمنحه إمكانية شراء ذلك الشيء.

على مستوي نظري، لا جدال حول مسألة خضوع عقود الإيجار المالي لنسبة الفائدة المشطّة، وذلك استنادا للفصل الأول من منشور البنك المركزي عدد 3 لسنة 2000 والفصل 4 من قانون 10 جويلية 2001 المتعلّق بمؤسّسة القرض.

لكن على مستوى عملي يطرح إشكالا يتمثل في كيفيّة مراقبة هذه العقود لأقصى ما هو مسموح به، ذلك أنّ المبالغ التي يتمّ تضمينها في عقود الإيجار المالي لا تنصّ إلاّ على معين كراء دوري دون التنصيص على اشتراط الفائض سوى الفائض التأخيري ولا على كيفيّة تحديد نسبته[171] بحيث يمكن لهذه العقود أن تخفي قرضا بفائض مشط[172] وتفلت من تطبيق الجزاء رغم انتماءها لمقتضيات قانون الفائدة المشطّة.

إنّ حلّ هذا الإشكال يستوجب البحث عن السند القانون الذي بموجبه يصبح المؤجر ملزما بالتنصيص في كل عقد على نسبة الفائض والمصاريف.

نص الفصل السادس من قانون 2 جوان 1998 المتعلّق بالبيع بالتقسيط في فقرته الرابعة على أنّ تنظيم البيوعات بالتقسيط لا ينطبق على “عقود الإيجار المالي باستثناء العقود المتضمنة لشروط مرتبطة بطرق الدفع”.

واعتبارا إلى أن الإيجار المالي هو من العقود التي تتضمن دفعا على أقساط[173] فهي تنطوي على طرق للدفع وبذلك تصبح خاضعة لقانون 2 جوان 1998، وبالرجوع إلى هذا القانون نجده قد نصّ في فصله السابع على وجوب التنصيص على نسبة الفائض الموظفّة على البيع والمصاريف الإضافيّة.

وبناء عليه يصبح المؤجر ملزما بأن ينصّ في عقد الإيجار عن المبالغ التي يتقاضاها بعنوان إيجار عن الاستعمال والمبالغ التي يتحصل عليها بعنوان فائض عن القرض.

خلاصة القول، نلاحظ أن المشرّع وفق في بيان متى يكون الجزاء، وذلك بأن أكسى القواعد المحددة للشطط صبغة موضوعية دعّمت مبدئيا فعالية القواعد التي تنظمه، وفسحت المجال لإعماله كلما تم إسناد قرض بنسبة فائدة مشطة.

لم يغب الطابع الموضوعي على محتوى الجزاء، فهذا الأخير لا يمكن الإلمام به وفهمه إلا من خلال وضعه في الإطار الذي رسمه المشرع وهو ما سنتعرّض له في الجزء الموالي.

الجزء الثاني:
محتوى الجـزاء

الجزء الثاني: محتوى الجزاء
قبل صدور م.إ.ع لم يكن الشطط في الفائدة في حدّ ذاته محلّ تتبع بل زجر الفائدة المشط كان مرتبطا بقيام عيب في الرضا، مردّ هذا الموقف حكم صدر عن المحكمة المدنية بتونس في 30 أكتوبر 1895 جاء في إحدى حيثياته ما يلي:

” En Tunisie, le taux du loyer de l’argent est libre; si exorbitants que soient les avantages stipulés par le prêteur, ils ne peuvent être réduits par le juge qui n’a pas le droit de subtituer son appréciation aux conventions des parties. Celles- ci doivent être exécutées si elles ont été librement consenties, c’est-à-dire, s’il n’est pas démontré qu’elles sont entachées de dol ou de fraude ou qu’elles n’ont été obtenues de l’emprunteur qu’au moyen de manœuvres frauduleuse qui l’on empêché de se rendre compte de l’étendue réelle de ses obligations.” [174]

يثير هذا الاتجاه فقه القضائي عدّة ملاحظات:

أوّلا: لم تسلط الرقابة القضائيّة على عقد القرض بصفته تلك بل فقط بصفته عقد يخضع للقواعد العامة للعقود وذلك من خلال مراقبة سلامة الرضا.

ثانيا: هذا الاتجاه الفقه قضائي لم يتناول شطط الفائدة إلاّ كنتيجة لعيب التغرير في حين كان بإمكان تنظيره بعيب آخر هو الغبن لأّن في كلى الحالتين يوجد إخلال بمبدأ العدالة التعاقديّة[175] يتترجم في ضرر مالي كبير يلحق المدين المقترض.

ثالثا: إن ثبت قيام عيب التغرير فإنّ الجزاء المدني المسلط على العقد هو البطلان النّسبي.

وبصدور مجلّة الالتزامات والعقود، لم يقطع المشرع نهائيّا مع القواعد المنظمّة للشروط المتعلّقة بأشخاص العقد، ولكنه في المقابل أعطى شيئا من الاعتبار إلى نسبة الفائدة بأن جعل منها محلّ تتبع وذلك من خلال الفصل 1103 م.إ.ع والذي نصّ على “بطلان الاتفاقات والشروط” المتضمنة فائدة مشطّة.

لم يتأكد استقلال الفائدة المشطّة من كلّ عيب في الرضا إلاّ من خلال قانون 15 جويلية 1999 الذي لا يعير لنفسية المقترض أيّة أهمية، فبمجرد تجاوز السقف المحدد يصبح الجزاء المدني عاملا .

نظّم هذا الجزاء الفصل الرابع من نفس القانون الذي نص على ما يلي: “في صورة تطبيق نسبة فائدة مشطّة فإنّ المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب يقع إرجاعها للمقترض مع توظيف نسبة الفائدة القانونيّة المنصوص عليها بالفصل 1100 من مجلة العقود والالتزامات وذلك ابتداء من تاريخ قبضها”.

اكتفى هذا الفصل بوضع النتيجة المترتبة عن الفائدة المشطّة وهي الإرجاع، لكنه لم يبيّن الأساس القانوني الذي أوصل إلى هذه النتيجة.

لا يوجد سبب يمكن من تفسير التزام المقترض بالترجيع إلاّ جزاء البطلان[176] الذي يتمثل في انعدام أثر العقد بالنسبة إلى المتعاقدين وبالنسبة إلى الغير[177] بحيث لا يترتب عن العقد الباطل أيّ أثر قانوني سوي استرداد ما وقع دفعه بدون موجب[178].

ويتأكد هذا الحل بالرجوع إلى الفصل 1103 م.إ.ع الذي نص صراحة على البطلان ورتب آثاره وهي نفس الآثار التي جاء بها الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 ألا وهي الإرجاع.

هذا الحل وإن مكّننا نسبيّا من رفع غموض الفصل 4 من قانون الفائدة المشطّة فإنّه في نفس الوقت فتح الباب أمام سؤالين: الأول هو كيف أمكن للمشرّع التوفيق بين آثار البطلان ونتائجه على عقد القرض؟ أي بين جسامة وخطورة آثار عقوبة البطلان باعتبارها تمحو بصفة رجعيّة كل أثر قانوني للعقد فيصبح “غير قائم…ولم يقم أبدا”[179]، وبين ما سيترتب حتما عن هذا الإبطال من خسارة اقتصاديّة مؤكّدة اعتبارا لأهميّة عقد القرض ودوره في تنشيط الحركة الاقتصاديّة.

لم تغب هذه المسألة على مشرّع 15 جويلية 1999 الذي لم يأخذ بقاعدة الأثر الرجعي للبطلان على إطلاقها، بل حدّ من آثار البطلان بما يخدم هذه النتائج المتعارضة، ويتّضح ذلك من خلال عبارة الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 الذي جاء فيها أنّ الإرجاع يقتصر على “المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب” وهو ما يعني أنّ المشرّع حدّ من امتداد نطاق الجزاء وذلك بأن كرّس البطلان الجزئي للعقد (الفصل الثاني) حتّى يعطي لعقوبة البطلان أكثر مرونة بما يوفر لها المزيد من النجاعة في حماية النظام العام”[180] بما يصحّ تنزيل هذا الخيار في إطار سياسة الإحكام التي توخاها المشرع عند تنظيمه محتوى الجزاء.

أمّا السؤال الثاني فهو يتعلّق بطبيعة الجزاء: لم يبيّن الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 موقفه من هذه المسألة إذ اكتفى بتنظيم آثار البطلان في حين أنّ هذه الأخيرة هي موضوع اتحاد البطلان المطلق والبطلان النسبي.

يمكن ترجيح القول بانّ المشرع توخّى التّشديد في طبيعة الجزاء بأن تبنّى البطلان المطلق (الفصل الأول) محقّقا بذلك نجاعة العقوبة في تحقيق الردع والحماية.

الفصل الأول: التشديد في طبيعة الجزاء: بطلان مطلق
إنّ القول بأن الجزاء المدني للقرض بفائض مشط هو البطلان المطلق يتطلب بيان أساسه القانوني.

يبدو واضحا أنّ المشرع تأثر بالنظريّة التقليديّة للبطلان والتي تقوم على فكرة تدرج الجزاء المسلط على العقد بحسب خطورة الخلل الذي يعتري انعقاده وصحته[181]، ويتجلّى خيار المشرع في هذا الخصوص في تكريسه لقاعدة “لا بطلان بدون نص” والتي تقوم على قرينة “كمال التشريع”[182] غير أنّ هذا الرأي تمت مراجعته وتجاوزه[183] خاصة مع ظهور النظريّة الحديثة للبطلان والتي تقوم التفرقة فيها لا على أساس خطورة الخلل الذي يعتري العقد بل “من خلال البحث في الغرض الذي يرمي إليه المشرع من خلال وضعه لكلّ شرط من شروط انعقاد العقد أو صحته”[184].

رغم غموض الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 في خصوص التصريح بالبطلان وبيان طبيعته فإنّ ذلك لن يحول أمام تبني البطلان المطلق كجزاء سواء بالاعتماد على النظريّة التقليدية للبطلان وذلك في إطار قاعدة “لا بطلان بدون نص” (المبحث الأول) أو بالاعتماد على النظريّة الحديثة للبطلان وذلك خارج إطار قاعدة ” لا بطلان بدون نص” (المبحث الثاني).

المبحث الأول: أساس البطلان المطلق في إطار قاعدة “لا بطلان بدون نص”
تعنى هذه القاعدة أنّه لا يجوز للقاضي أن يصرح ببطلان العقد إذا لم ينصّ القانون على ذلك صراحة, تتجسّد هذه القاعدة من خلال الفصل 325 م.إ.ع و330 م.إ.ع اللذان نظما على التوالي حالات البطلان المطلق والبطلان النسبي.

نص الفصل 325 على أنّ بطلان الالتزام لا يجوز إلاّ “إذا حكم القانون ببطلانه في صورة معينّة” (فقرة أولى) أو “إذا خلى عن ركن من أركانه” (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: استنادا على الفصل 325 ثانيا م.إ.ع

أساس هذه الحجة تقوم على اعتبار أنّ الفصل 1103 م.إ.ع ما زال ساري المفعول[185] وقد نصّ المشرّع صراحة ضمن هذا الفصل على جزاء بطلان شرط الفائدة المشطّة حيث جاء فيه “ومن الجائز إبطال الاتفاقات والشروط المحرّرة على خلاف ما يقتضيه هذا الفصل ولو بغير طلب المدين”,فإذا اعتبرنا أنّ هذا الفصل لم يقع إلغاؤه[186]، جاز إقرار حكم البطلان على أساسه بناء على مبدأ القوّة الملزمة للقوانين[187] والتي مفادها أنّه “عندما يصدر قانون ويستكمل شروط دخوله حيز التطبيق يكتسب قوّة إلزامية، أي أنه يفرض فرضا وتطبّق أحكامه التي نص عليها”[188]

إلاّ أن حكم الفصل 1103 م.إ.ع وإن مكننا من إقرار جزاء البطلان فإنّ تناقض عباراته حالت دون تحديد طبيعة هذا البطلان، ذلك أن عبارة “ومن الجائز”تفيد أن البطلان هو إمكانية تتوقف على إرادة القائم به، وعلى هذا الأساس فإنّ البطلان المنصوص عليه في الفصل 1103 م.إ.ع هو بطلان نسبي، وفي المقابل نجد عبارة “ولو بغير طلب المدين” وهو ما يعني أنّ المحكمة يمكن أن تثيره من تلقاء نفسها، وبناءا عليه فإنّ البطلان حسب هذه العبارة هو بطلان مطلق.

إنّ الفصل 1103 م.إ.ع رغم أنّه كان أكثر دقّة من الفصل 4 من قانون 1999 من حيث أنّه نصّ صراحة على جزاء البطلان وعلى آثاره إلاّ أنّه كان شديد الغموض في تحديد طبيعة البطلان، ذلك أنّه لا يجوز إقرار البطلان المطلق والنسبي في نفس الوقت إلاّ في صورة واحدة، وهي بطلان نسبي لكامل العقد الذي احتوى على فائدة مشطة وبطلان مطلق لشرط نسبة الفائض المشط. في هذه الصورة يمكن للمقترض الذي لحقه ضرر بسبب استغلال وضعيته أن يطلب إبطال كامل العقد بما في ذلك شرط الفائدة المشطة، إلاّ أنّه إذا عدل المقترض عن طلب البطلان بأن قبل إجازته، فإنّ الإجازة لا تسري على النسبة المشطة لأن حكمها هو بطلان مطلق، كما أنّه لو لم يرفع المقترض دعوى في الإبطال فأنّ المحكمة يمكن لها أن تقضي من تلقاء نفسها ببطلان شرط الفائض المشط دون أن يمتد البطلان إلى كامل العقد لأنّ نطاق البطلان المطلق ينحصر في النسبة المشطة فحسب.

هذه الفرضية هي الوحيدة التي يمكن أن تبرر احتواء الفصل 1103 م.إ.ع على جزاء البطلان المطلق والنسبي في نفس الوقت.

لكن هذا الاستنتاج رغم وجاهته وتماشيه مع القاعدة التي مفادها أن المشرّع منزه من كل عبث[189] فإنّه يبقى مبنيّا على مجرد تخمينات وليس على قراءة واضحة وصريحة للفصل 1103 م.إ.ع.

إنّ احتواء الفصل 1103 م.إ.ع على قراءتين مختلفتين لتنظيم مسالة جزاء الفائض المشط يقيم الحجة على غموض هذا الفصل وهو ما يدعو لإخضاعه لقواعد تفسير النص الغامض لتحديد طبيعة بطلان شرط الفائض المشط.

نص الفصل 532 م.إ.ع أن “نص القانون لا يتحمل إلاّ المعنى الذي تقتضيه عباراته بحسب وضع اللغة وعرف الاستعمال ومراد واضع القانون” ويقصد بمراد واضع القانون الالتجاء إلى نيّة المشرع وذلك بالبحث في الأعمال التحضيريّة للنص”[190].

سبق أن بيّنا أن الفصل 1103 م.إ.ع ورد في المشروع الثاني القانون المدني والتجاري التونسي تحت عدد 1244 وأشار مقرر اللجنة في هامش هذا الفصل أنه مستمد من القانون الألماني المتعلق بالربا وهو يوافق الفصل 138 المجلة المدنية الألمانية المكرسة لنظرية الاستغلال[191]، لذلك حتى نرفع غموض طبيعة الجزاء الواردة بالفصل 1103 م.إ.ع يجب الرجوع إلى الحكم الذي اعتمده المشرع الألماني في هذا الخصوص نص الفصل 138 المجلة المدنية الألمانية صراحة على أن “جزاء العقد المنافي للأخلاق الحميدة وكذلك الجزاء الذي ترتب على الاستغلال هو بطلان مطلق” وقد أكد الدكتور عبد الرزاق السنهوري هذا الحكم حين اعتبر أن الفصل 138 المجلة المدنية الألمانية ” جعل عقد المستغل باطلا بطلانا مطلقا لمنافاته للآداب”[192] .

يتضح إذا من نتيجة هذا التحليل أن بطلان المنصوص عليه بالفصل 1103 م.إ.ع هو بطلان مطلق، ويجوز بناء على الفصل 325 ثانيا اعتباره “صورة معيّنة” حكم القانون على أساسها ببطلان شرط الفائدة المشطّة، خاصة و أن الفصل 1103 م.إ.ع لا يتعارض مع الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 على الأقل من هاته الناحية.

لكن الحجة تتوقف على فرضية مفادها أن الفصل 1103 م.إ.ع مازال ساري المفعول بحيث تفقد كل جدوى إذا ما اعتبرنا أن هذا الفصل قد وقع نسخه ضمنيا لذلك وجب تدعيم إقرار البطلان المطلق بحجج أخرى ذات أساس صلب.

الفقرة الثانية: إستنادا على الفصل 325 أولا م.إ.ع

نص الفصل 325 م.إ.ع على ما يلي “… ويبطل الالتزام من أصله في الصورتين الآتيتين:

أولا: إذ خلا عن ركن من أركانه”.

ومن أركان العقد حسب الفصل 2 م.إ.ع بالإضافة إلى الأهلية والرضاء، المحل والسبب، فمحل الإلزام يعدّ من أركان العقد الأساسية,والمقصود بالمحل هو محل الإلزام لا محل العقد، أي محل الإلزام الناشئ عن العقد والذي يتمثل في الأداء الذي يلتزم به المدين بموجب العقد، وقد أوجب المشرع أن تتوفر في محلّ الالتزام جملة من الشروط لا يصح العقد بدونها، ومن بين هذه الشروط نذكر ما جاء بالفصل 64 م.إ.ع ” العقد يبطل إذا كان على شرط أو عمل غير ممكن من حيث طبيعته أومن حيث القانون” وهذه الصورة الأخيرة هي صورة استحالة المحل استحالة قانونية “وهي ترجع إلى سبب في القانون”[193].

وعقد القرض شأنه شأن سائر العقود يحتوي على ركن المحل ويعتبر الفائض من عقد القرض محل التزام المقرض[194] وهو بذلك يخضع للشروط التي أوجبها القانون لصحته، ومن بينها شرط الإمكانية التي سبق أن تم بيانها. وتطبيقا لهذه القاعدة يجب أن لا يكون الفائض محل استحالة قانونية (الفصل 64 م.إ.ع) وإلا عدّ باطلا بطلانا مطلقا.

بالرجوع إلى قانون 15 جويلية 1999 نجد المشرع قد أخضع الفائض إلى حدود رسمها القانون (الفصل 1)، هذه الحدود هي الفاصل بين ما هو ممكن قانونا وبين ما هو غير ممكن قانونا، وعلى هذا الأساس، فإن الاتفاق على نسبة فائض تتجاوز السقف المحدد قانونا يدخل محل الالتزام في دائرة الاستحالة القانونية,ويصبح بذلك الإلتزام باطلا بطلانا مطلقا استنادا على الفصل 325 أولا م.إ.ع و64 م.إ.ع علما وأن المشرع قد سبق وأن كرس هذه القاعدة في الفصل 1095 م.إ.ع قبل إلغائه[195] حيث اعتبر أن شرط الفائض بين المسلمين باطل، والبطلان في هذه الصورة الأخيرة وإن كان يتطابق مع الفصل 325 ثانيا م.إ.ع فهو أيضا يمكن تأسيسه على الفصل 64 م.إ.ع باعتباره نتيجة استحالة قانونية ترجع إلى سبب قانوني، وفي كلتا الحالتين (أي الفصل 1095 وقانون 15 جويلية 1999) توجد استحالة قانونية إلا أن وجه الاختلاف يتمثل في نطاق الاستحالة.

فالفصل 1095 م.إ.ع جعل الاستحالة تتعلق بكامل نسبة الفائدة مهما بلغ أدناها أما قانون 15 جويلية 1999 فقد جعل الاستحالة تقوم إذا ما تجاوزت نسبة الفائض السقف المحدد قانونا.

جاء بالفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 أن “المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب” أي المبالغ التي وقع قبضها بدون سبب[196]، وهو ما يفيد أنّ الالتزام من هذه الناحية يفتقد لسبب يبرره واعتبار أنّ السبب هو إحدى أركان العقد الأساسية وكذلك اعتبارا إلى أن الفصل 67 م.إ.ع نص صراحة على أن “الالتزام المبني على غير سبب… لا عمل عليه” يمكن إقرار جزاء البطلان أولا وطبيعته المطلقة ثانيا استنادا على الفصول 325 أولا، و 67 م.إ.ع.

المبحث الثاني: أساس البطلان المطلق خارج قاعدة “لا بطلان بدون نص”
نتيجة تنامي تدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصاديّة، تقلصت النظرة التقديسيّة لمؤسّسة العقد “الموروثة” عن الفردانية القانونيّة ومبدأ سلطان الإرادة اللذان يميزان النظريّة التقليديّة بحيث لم يعد ينظر إلى العقد بمعزل عن محيطه الاجتماعي والاقتصادي الذي نشأ فيه وإنما باعتباره أداة لتبادل الخيرات. انعكس هذا التوجه على نظريّة البطلان التي أصبحت تتأسس بناء على مفهوم النظام العام والمصلحة العامّة، بحيث لم يعد العقد غاية في حدّ ذاته بل مجرد وسيلة في خدمة المصلحة العامّة.

أوّل تجليات هذا التوجه نجدها في الفصل 62 م.إ.ع (فقرة أولى) الذي ينفي صراحة بطلان الالتزامات لمخالفتها النظام العام والأخلاق الحميدة، وثاني تجليات هذا التوجه تبرز في ما توصل إليه الفقه عند تبنيه النظام العام التشريعي الافتراضي (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: بناءً على الفصل 62 م.إ.ع

تبنى المشرع صراحة من خلال الفصل 62 م.إ.ع[197]جزاء بطلان الالتزام المخالف للنظام العام والأخلاق الحميدة حيث جاء فيه ” لا يسوغ التعاقد إلا فيما يصح فيه التعامل من الأشياء والأعمال والحقوق المجردة فما لم تصرح القوانين بمنع التعاقد فيه يصح التعامل فيه.

في غياب تحديد طبيعة البطلان استقر الفقه[198] وفقه القضاء[199] على اعتبار أنه كلما ثبت أن التعاقد وقع فيما يخالف النظام العام (ب) والأخلاق الحميدة (أ) هو باطل بطلان مطلق.

أ – تنافي الفائدة المشطة مع الأخلاق الحميدة

يصطبغ مفهوم الأخلاق الحميدة أو الآداب بالبعد الأخلاقي والسلوكي الذي يجب أن يميز المعاملات الاجتماعية[200] وقد عرّف الفقيه عبد الرزاق السنهوري الآداب بأنها” مجموعة من القواعد وجد الناس أنفسهم ملزمين بإتباعها طبقا لقاموس أدبي يسود علاقاتهم الاجتماعية… وللدين أثر كبير في تكيفه وكلما اقترب الدين من الحضارة، كلما ارتفع المعيار الخلقي وزاد التشديد فيه”[201] .

تعتبر الفوائض من المسائل التي تخضع إلى إلزام أخلاقي[202] وأساس هذه الإلزام يعود إلى تحريم الدين الإسلامي الربا،[203] وإن أمكن وتحت تأثير ضغوطات اقتصادية[204] التخلي عن المنع المطلق وقبول مبدأ التعامل بالفائض إلا أن ذلك لا يعني تجريد الفوائض من كل إلزام أخلاقي.

عبر عن ذلك بكل وضوح الفقيه عبد الرزاق السنهوري حين قال أن “الأصل في الأمور هو التحريم وإن القرض هو أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة”[205] ولكن نظرا للحاجة القائمة إلى الفائدة في النظام الرأسمالي فإنها تجيز استثناءات من الأصل التحريمي بشرط”، بالنسبة للفوائد البسيطة يجب أن يرسم لها المشرع حدودا لا تتعداها من حيث طريقة تقاضيها ومن حيث مجموعة ما تتقاضى منها وهي وجوه أخرى كثيرة ينبغي على المشرع أن يتحراها حتى تقدر الحاجة بقدرها”[206] ويضيف الفقيه السنهوري أنه “في ظل نظام آخر غير النظام الرأسمالي قد لا تقوم الحاجة فيعود الربا إلى أصله من التحريم”[207].

لذلك لا يجب أن ينسينا قبول القانون الوضعي مبدأ التعامل بالفائض علاقة هذا الأخير بالأخلاق، خاصة وأن الواقع اليوم أثبت مدى تجذّر هذه الروابط في أذهان الناس، حتى أن البعض منهم برفض اللجوء إلى الاقتراض معتبرين أن الفوائض ربا، والربا حرام. كما يبرز تجذّر هذه الاعتبارات في تجسيد تجربة البنك الإسلامي في تونس.

خلاصة القول يمكن اعتبار منع تجاوز الفوائض النسبة المحددة قانونا والمنصوص عليها بقانون 15 جويلية 1999 مؤسسة على اعتبارات أخلاقية لذلك فإن الجزاء المدني المسلط في صورة مخالفة هذا المنع هو البطلان المطلق بناء على الفصل 62 م.إ.ع .

ب – تنافي القرض المسند بنسبة فائدة مشطة مع النظام العام الاقتصادي

ظهر هذا المفهوم نتيجة تدخل الدولة في المجال الاقتصادي حيث أصبحت “تلعب دور الطرف على المعنى الأفضل في مختلف أوجه الحياة الاجتماعيّة والاقتصادية”[208].

ويتجلّى تدخل الدولة من خلال وضع قواعد آمرة يصطلح على تسميتها بقواعد النظام العام الاقتصادي والتي يعرفها الفقيه Farjat [209] بأنّها “مجموع القواعد والإجراءات التي تتخذها السلطة العامة والرامية إلى تنظيم العلاقات الاقتصاديّة طبقا لخياراته” وهذه القواعد تنقسم بالاعتماد على المعيار الوظيفي إلى قسمين، القسم الأول يتكون من النظام العام الاقتصادي التوجيهي وهو “يرمي إلى المساهمة في تحقيق أهداف الاقتصاد الوطني من خلال تنظيمه للعقود الخاصة بما يجعلها لا تتعارض مع تلك الأهداف”[210] ويقابل هذا القسم قسم ثاني يتمثل في النظام العام الاقتصادي الحمائي والذي “يتكوّن من مجموع القواعد التي تهدف إلى حماية أحد أطراف العقد ضمانا للعدالة العقديّة”[211].

يتضح من خلال دراسة القانون المتعلق بالفائدة المشطة أنّ المشرّع سعى إلى حماية النظام العام الحمائي (1) والتوجيهي (2).

1. انتماء قانون 15 جويلية 1999 إلى ميدان النظام العام الاقتصادي الحمائي

أخذ قانون 15 جويلية 1999 بعين الاعتبار ضرورة حماية المقترض “وذلك بتوسيع مجال حماية المستهلكين لخدمات القرض على اختلاف أصنافهم”[212].

ويتأكد هذا التوجيه بالرجوع إلى مداولات مجلس النواب عند إعداد مشروع هذا القانون حيث “أكدّت (اللجنة المالية والتخطيط والتنمية الجهويّة) على أهميّة هذا المشروع من حيث أبعاده الاقتصاديّة والاجتماعيّة الرامية إلى ترشيد المنافسة بين التجار مع الأخذ بعين الاعتبار حماية المستهلك[213].

كما “أبرزت (لجنة التشريع العام والتنظيم العام للإدارة) أهميّة المشروع وما يشمله من حماية المستهلك”[214].

وأضاف وزير المالية أنّ هدف هذا القانون هو حماية المستهلك من كل الممارسات التي من شأنها أن تضعف قدرته الشرائيّة”[215].

ويتضّح من خلال مختلف هذه المداخلات أن المشرع يهدف من خلال الصبغة الآمرة التي جاء بها قانون 1999 إلى حماية الطرف الضعيف الاقتصادي في عقد القرض حتى يحافظ على توازن العقد وتحقيق العدالة العقديّة.

هذه الأهداف هي الركائز التي يقوم عليها النظام العام الاقتصادي الحمائي، الذي لا ينظر للعقد من خلاله باعتباره تلاقي إرادتين بل ينظر إليه من زاوية اقتصادية وذلك باعتباره “عمليّة اقتصاديّة مؤسّسة على التوازن المادي والذاتي للقيم المتبادل”[216] ، فمن خلال قانون 15 جويلية 1999 سعى المشرّع لتحقيق المصلحة العامة التي لا تتحقق إلاّ بتوفير ضمانات للمقترض لكي يقبل على الاقتراض وبالتالي إدخال الحركيّة على المعاملات الماليّة.

وعلى هذا الأساس فكل اتفاق مخالف لمقتضيات قانون 15 جويلية 1999 هو باطل بطلان مطلق بناء على مخالفته للنظام العام الاقتصادي والاجتماعي الحمائي.

وهو نفس ما تبناه الفقيه السنهوري حيث جاء على لسانه ما يلي: “يمكن القول إذن أنّ المحل يكون غير مشروع إذا كان مخالفا للنظام العام والآداب، سواء ورد نص في القانون بتحريمه أو لم يرد”[217] ثمّ أضاف عند عرضه لمختلف الاتفاقات التي تخالف النظام العام في عصرنا الحاضر ما يلي “من روابط المعاملات ما يحقق مصلحة عامة فيعتبر من النظام العام, من ذلك الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في البلاد، فهي تارة تفسح المجال للنشاط الفردي، وطورا تحدّ من هذا النشاط لحماية الجانب الضعيف. ومن الأسس التي تكفل حماية الجانب الضعيف ما قرّره القانون من عدم جواز الاتفاق على سعر فائدة أعلى من السعر الذي يسمح به القانون”[218].

إلاّ أنّ تأسيس البطلان المطلق بناء على أنّ قانون 15 جويلية 1999 يدخل في مجال النظام العام الاقتصادي والاجتماعي الحمائي ليس بالأمر المؤكد وذلك لسببين:

السبب الأول: يتمثل في ما نشاهده هذه الأيام من ظهور شركات ضخمة، قويّة إقتصاديّا أين يكون المقترض هو الطرف القوي الذي يفرض النسبة التي يريدها، وفي هذه الصورة تنقلب الآية فيصبح الطرف الضعيف في عقد القرض ليس المقترض بل المقرض[219] ، ظهور هذا الصنف من المقرضين يجعل من مسألة انتماء قانون 15 جويلية 1999 ضمن ميدان النظام العام الحمائي ليس بالأمر المؤكد.

أمّا السبب الثاني: فهو يتعلّق بطبيعة البطلان المسلّط على العقد المخالف للنظام العام الحمائي، هذا الأخير يسعى لتحقيق العدالة العقديّة، وذلك بالتصدي للتجاوزات التي قد يتضرّر منها ضعاف الحال نتيجة تحرّر الاقتصاد[220] وهو ما يعني أنّ حماية مصلحة الفرد أصبحت بدورها من النظام العام الحمائي، هذه النتيجة تتعارض مع المعيار المعتمد في تحديد مفهوم النظام العام والمتمثل في حماية المصلحة العامة, أمام هذا التمازج وعدم ثبات الحدود بين النظام العام الحمائي وبين المصلحة الخاصّة، اعتبر فقه القضاء الفرنسي أنّ جزاء التعاقد فيما يمنعه القانون هو بطلان نسبي وذلك كلما تبين أنّ المنع يتعلّق بالنظام العام الحمائي المحض.[221]

إنّ هذه الأسباب التي تمّ ذكرها قد تضعف من حجّة تبني البطلان المطلق كجزاء للقرض المسند بنسبة فائدة مشطة، على أساس انتماء قانون 15 جويلية 1999 إلى ميدان النظام العام الحمائي، إلاّ أنّ هذا لا يحول أمام إقرار نفس الجزاء على أساس انتماء قانون 1999 إلى ميدان النظام العام الاقتصادي التوجيهي.

2. انتماء قانون 15 جويلية 1999 لميدان النظام العام الاقتصادي والاجتماعي التوجيهي

إنّ تدخل الدولة في سياسة القرض يجد تبريره في علاقة هذه الأخيرة بالاقتصاد[222] من جهة وفي الدور الأساسي الذي تضطلع به الدولة في الاقتصاد الوطني “وكونها تبقى المسؤولة الأولى على تنظيمه مهما تغير النظام الذي تنبني على أساسه الحكومة في الميدان الاقتصادي”[223] من جهة ثانية.

ذلك أن القرض يلعب دورا مهما في تنشيط الحياة الاقتصادية وتداول الأموال، وذلك من خلال المهمة الأساسية التي تضطلع بها البنوك في هذا المضمار والمتمثل في قبول الودائع من العموم وتوزيعها في شكل قروض ترصد من جانب كبير منها إلى بعث المشاريع وتشجيع الاستثمار وما يترتب عن ذلك من خلق المبادرة الفرديّة والحرّة وتكريس المنافسة، وفتح مواطن الشغل.

فعملية إسناد القرض إذا تطرح مصالح ثلاثة “قوى” وهي مصلحة المودعين والمستثمرين والبنوك، والتي في مجموعها تقوم مصلحة البلاد الاقتصادية والاجتماعية لذلك كان لزاما على الدولة أن تضع سلطتها على سياسة الاقتراض من خلال التحكم في نسبة الفوائض خدمة للمصلحة العامة[224] مع الأخذ بعين الاعتبار المناخ العام للسياسة الاقتصادية للدولة والتي تقوم على اقتصاد حرّ يعتمد على آليات السوق[225].

للتوفيق بين هذه الأهداف المتناقضة، لم تعتمد الدولة على التحديد الإداري المسبق لنسبة الفوائض لتنافيه مع المبادئ التي تقوم عليها سياسة الاقتصاد الحرّ، كما لم تترك هذه النسب تحدد بمطلق الحريّة من طرف البنوك إتعاضا بتجارب أغلب الأنظمة البنكية التي اعتمدت على التحرير الكلي للشروط البنكيّة[226] بل اختارت حلا وسطا مزج بين هاتين الطريقتين تجسد من خلال المعيار المعتمد في قانون 15 جويلية 1999 لتحديد سقف الفائدة والذي يتكون من جزء ثابت وجزء متغيّر.

فالجزء المتغير الذي يتكون من سقف الفائدة والمتمثل في معدل النسبة الفعلية الجملية (TEM) يتحدد حسب قاعدة العرض والطلب ويخضع للمراجعة الدورية تجعله متماشيا مع واقع المعاملات الشيء الذي يكسبه صبغة واقعية يفرضها واقع السوق.

من نتائج هذا المعيار هو ضمان عدم إرهاق كاهل المقترض بنسب يعجز عن دفعها ومن ثمّة ضمان حماية أموال المودعين ومن خلاله دعم عنصر الثقة الذي يقوم عليه النظام البنكي[227] وبالتالي ضمان استمراريّة نشاط هذا الأخير.

ومن جهة أخرى يضمن هذا المعيار قدرة المقترض على التسديد، باعتبار أنّ النسبة التي إلتزم بها لم تكن مسقطة أو محددة حسب أهواء ومجاز للمقترض بل هي نتيجة توازن بين العرض والطلب، الشيء الذي يجعلها بعيدة عن كل تعسف أو شطط.

لهذه الطريقة أيضا انعكاسات هامّة على الاقتصاد عامّة باعتبارها تضمن عدم الإخلال بالتوازنات الاقتصاديّة، فهي من ناحية تعطي فرصة للمؤسّسة المقترضة لمواصلة نشاطها[228] ومن ناحية أخرى تضمن المحافظة على التزامات هذه الأخيرة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من عمال ومزودين الذين ارتبطت مصالحهم بالمؤسّسة المقترضة.

أمّا الجزء الثّابت الذي يتكون من سقف الفائدة فهو يتمثل في الهامش الذي يحدده القانون والذي من خلاله تتدخل الدولة إمّا بالترفيع أو التخفيض حسب ما تراه متماشيا مع خياراتها في مجال السياسة الاقتصادية وحسب ما تمليه الظرفية الاقتصادية عامّة، فيصبح الهامش القانوني المضاف على هذا المحور فضاء يسمح بالتدخل المباشر للدولة لتوجيه الاقتصاد بما تراه يخدم المصلحة العامّة.

وهو ما تمّ فعلا بصدور القانون عدد 56 لسنة 2008 المؤرّخ في 4 أوت 2008، والذي بموجبه تمّ التخفيض في الهامش القانوني من ثلث معدل النسبة الفعلية الجمليّة إلى خمس هذه النسبة، يمثل هذا التدخل تكريس لخيارات الدولة المرسومة في مجال السياسة الاقتصادية المتمثلة في دفع عجلة الاقتصاد خاصّة في ظلّ الظرفية الحالية المتمثلة في ظهور أزمة اقتصادية عالمية، وهذا ما تمّ ذكره صراحة في مداولات مجلس النواب حيث تمّ التركيز على أنّ الهدف من التخفيض في مستويات نسبة الفائدة والتقليص في الهامش القانوني هو تيسير “النفاذ إلى التمويل خاصة بالنسبة للمؤسّسات الاقتصاديّة التي تحتاج في الظرف الحالي إلى الدعم والمساندة نظرا لعديد التقلبات على المستوى الداخلي والخارجي[229] وفي نفس هذا الإطار تمّ التأكيد أيضا أنّ التخفيض يقصد به “التشجيع على الرفع من نسق الاستثمار وبعث المؤسّسات الصغرى وتكثيف فرص الشغل”[230].

بالإضافة إلى هذه المكاسب الهامة التي تبررّ انتماء قانون 15 جويلية 1999 إلى ميدان النظام العام الاقتصادي التوجيهي يمكن ذكر مسائل أخرى لا تقل أهمية والتي بدورها تدعم هذا التبرير، ذلك أنّه جاء في مداولات مجلس المستشارين أثناء إعداد مشروع هذا القانون أنّ “آلية اللجوء إلى نسبة الفائدة المشطة”[231] يمثل “إحدى الحلول المتاحة لمزيد الضغط على كلفة القرض[232]“.

أريد من هذا الحلّ تحقيق أوّلا: دفع البنوك على البحث عن مصادر أخرى لتنمية مواردها والتحكم في كلفة خدماتها وعدم الاقتصار على الفوائد والعمولات وغيرها من الأعباء الموظفة على القروض والمساعدات التي تقدمها[233] ذلك أنّ تخفيض سقف الفائدة بالتقليص من الهامش القانوني “سيمكن من التخفيض في نسبة الفائدة الاسمية والعمولات والتأجيرات المباشرة وغير المباشرة[234]” ممّا يدفع البنك إلى عدم الاكتفاء بالأرباح التي يحققها من خلال وظيفته الكلاسيكيّة، وبالبحث عن مصادر أخرى يجني منها أرباحه، وذلك حتى يكتسب القدرة على تغطية الخسائر التي قد يعرفها مجال من مجالات نشاطه بالأرباح المحققّة على مستوى نشاط آخر[235] ، فغاية المشرّع إذا تتمثل في حماية القطاع المصرفي الذي “يعدّ مكسبا وطنيا يتعيّن الحفاظ عليه من ناحية وتحسين أداءه من ناحية أخرى، بما يتطلب رفع التحديات التي يفرضها التحرير التدريجي للاقتصاد الوطني واندماج أكثر فأكثر في الاقتصاد العالمي”[236].

ثانيا: عدم إثقال كاهل المدين وضمان القدرة على التسديد بالنسبة لبعض أصناف القروض[237] والمقصود ببعض أصناف القروض هي تلك المتعلقة بالمكشوفات وقروض الاستهلاك.

إنّ التركيز على هذه الأصناف من القروض جاء نتيجة ما تمّ تسجيله من ارتفاع لمعدلات النسب المعتمدة مقارنة بالقروض المتوسطة وطويلة المدى، وهو ما يعكس ارتفاع النسب المطبقة من قبل البنوك على هذه القروض”، وبما أنّه لا يمكن التحكم في نسبة الفائدة المطبقة في مستوى البنوك بعد أنّ تمّ تحريرها,ونظرا لحساسية هذه الأصناف من القروض باعتبارها موجهة إلى الأفراد بالنسبة إلى قروض الاستهلاك، وباعتبارها موجهة للمؤسّسات بالنسبة للمكشوفات البنكية، وباعتبار الانعكاسات المباشرة لهذا الارتفاع على القدرة الشرائيّة للمواطن من ناحية والقدرة التنافسية للمؤسّسات من ناحية أخرى، وهي مجالات تحرص الدولة في سياستها العامة للمحافظة عليها وحمايتها”[238]، تمّ اللجوء إلى التخفيض في الهامش الراجع للبنوك والمقرضين المنضويين تحت قانون الفائدة المشطة.

ودائما في إطار سياسة التوجيه أخذ هذا الإجراء بعين الاعتبار مدى انعكاساته على ارتفاع حجم قروض الاستهلاك، ذلك أنّه تمّ التأكيد على أنّه “لا ينتظر أن يصاحب التخفيض في المستويات القصوى لنسبة الفائدة تطوّر هام في قروض الاستهلاك باعتبار أنّ هذه القروض تظلّ محكومة بضوابط ترتيبية أخرى على غرار قدرة التداين للأفراد التي تحتسبها البنوك على أساس قدرة المدين على التسديد”[239].

نتبيّن من خلال ما تقدّم مدى أهميّة التحكم في نسبة الفائدة ومدى انعكاساتها على الاقتصاد عامّة، وهو ما يبرّر القول بانتماء قانون الفائدة المشطة إلى مجال النظام العام الاجتماعي والاقتصادي التوجيهي.

وبناء على ما تقدّم، يكون جزاء مخالفة مقتضيات قانون 15 جويلية 1999 هو البطلان المطلق.

لقد تمّ تقدير طبيعة الجزاء حسب مدى تفاعل عقد القرض مع عوامل خارجيّة عنه والمتمثلة في العوامل الدينيّة والاجتماعيّة وخاصّة الاقتصاديّة التي تبرّر مدى الدور الذي يلعبه عقد القرض في هذا المجال، إلاّ أنّه وبالإضافة إلى ذلك يمكن التوصل إلى نفس النتيجة أي بطلان مطلق من خلال الكشف عن إرادة المشرع نفسها داخل قانون 15 جويلية 1999 والتي يؤكد أنّ القانون سالف الذكر هو بدوره من النظام العام التشريعي الافتراضي الذي يجازي على مخالفته بالبطلان المطلق.

الفقرة الثانية: بناءً على النظام العام التشريعي الافتراضي

يعتبر من النظام العام التشريعي[240] الحالات التي يقوم فيها المشرع صراحة بتحديد الأحكام التي تعدّ من النظام العام وذلك عن طريق استعمال صيغ يمنع فيها الاتفاق على مخالفتها وهي جملة القوانين الآمرة.[241]

وقد عرّف الأستاذ محمد كمال شرف الدين القواعد الآمرة بأنها تلك التي “يكون فيها الحل ملزما للأشخاص فلا يسعهم مخالفتها أو إبدالها”[242] ويلجأ المشرع للقواعد الآمرة كلما أراد فرض تصرفات معنية تهم المصلحة العامّة[243] وللدلالة على الصبغة الآمرة عادة ما يستعمل المشرّع عبارات مثل “وكل شرط مخالف لذلك يعدّ لاغيا”[244] أو “كلّ شرط مخالف لهذا لا عمل عليه”[245] أو كذلك وإلاّ “فالعقد باطلا”[246]، وبهذا الشكل لا يجوز بل يستحيل أن يقوم تصرف ما مخالف لإرادة المشرّع، فتصبح القواعد على هذا النحو من النظام العام لأنّ المشرع أرادها كذلك فاعتبار القاعدة من النظام العام لم يكن من خلال البحث عن هدف القاعدة أو الغاية التي يريد المشّرع حمايتها بل من خلال شكل القاعدة وطريقة صياغتها[247]، وهو ما يعني أنّ القاعدة تعتبر من النظام العام لأنّ المشّرع صاغها في شكل أمر صريح[248] به يستدّل على المصلحة العامة التي يريد المشرع فرض أولويتها لذلك سميّت بالنظام العام التشريعي أو النصي[249].

وفي خصوص قانون15 جويلية 1999 موضوع بحثنا، نجد المشّرع قد حدد سقف الفائدة بموجب هذا الأخير، وهي نصوص سابقة لعمليّة القرض، إلاّ أن الصبغة الآمرة الصريحة لا نجد لها أثرا,فهل يعني هذا أنّ قواعد قانون الفائدة المشطة ليست آمرة، وبالتالي تخرج من دائرة النظام العام.

أمام هذا الإشكال بات من الضروري بيان الصبغة الآمرة لقانون الفائدة المشطة حتى نبعد كل لبس حول انتماء هذا الأخير لميدان النظام العام التشريعي، وهو ما يستوجب البحث في درجة القوّة الملزمة لقانون 15 جويلية 1999.

يقسم الفقه[250] قواعد القانون إلى قسمين منها الآمرة ومنها المكملة أو المرنة فإذا كانت القواعد الآمرة هي تلك التي لا يجوز للأطراف مخالفتها فإنّ القواعد المكملة “هي تلك التي يمكن فيها لأصحاب الحقوق مخالفة حكمها وإبدال الحلّ الذي تتضمنه بحكم وحلّ مخالف، فهي قواعد لا تتعلّق بالنظام العام[251]” بل “تتصل بالمصالح الخاصّة ولا شأن لها بالصالح العام[252] لذلك ترد هذه القواعد في شكل مرن تبيح للأطراف إقصاءها وعدم العمل بها[253] أو تطبيقها فتصبح بذلك مكمّلة لما سكت عنه الأطراف.

وللدلالة على الصبغة التكميلية أو المرنة يستعمل المشرّع عبارات مثل “ما لم يكن في ذلك ما ينافي العقد” أو كما ورد بالفصل 678 م.إ.ع من أنّه “إذا كان في العقد أجل لأداء الثمن كان مبدؤه من تاريخ العقد ما لم يعيّن له المتعاقدان تاريخا آخرا” أو كذلك مثلما ورد في الفصل 585 م.إ.ع أن الشيء المباع “في ضمان المشتري ولو قبل تسلمه إياه ما لم يكن في ذلك ما ينافي العقد”.

ويرى بعض الفقهاء أن لهذه الأحكام التكميلية أهمية كبيرة لأنها “تسهل العمليات القانونيّة وتحقق سرعة إبرام الاتفاقيات والعقود[254] في حين يرى البعض الآخر أنّ الهدف من هذه القوانين هو إعفاء الأطراف من عناء التفكير في كلّ جزئيات العقد[255].

نتبيّن من خلال ما تقدّم أن أهمّ ما يميّز القوانين ذات الصبغة التكميلية أو المرنة أنها تبيح للأطراف مخالفتها. فهل ينطبق هذا على قانون 15 جويلية 1999؟

الإجابة لا تكون إلا بالنفي، وذلك لسببين :

الأوّل: لا يوجد في قانون الفائدة المشطة عبارات تدل علي صبغته التكميليّة، فهو لا يسعى إلى تسهيل المعاملات وتحقيق السرعة في إنجازها بل جاء لوضع حدّ لسقف الفائدة دون إعطاء الأطراف إمكانية الاتفاق على مخالفتها، بحيث ألغى قانون 15 جويلية 1999 كلّ دور للإرادة فيما زاد عن هذا الحدّ وخاصّة فيما يتعلّق بتحديد النسبة القصوى للفائدة التي يكون تحديدها سابق لتاريخ عمليّة القرض.

ثانيا : لم يكن هدف هذا القانون إعفاء الأطراف من عناء التفكير في جزئيات عقد القرض. ذلك أنّ المشرع ألزم المقرض بأن يأخذ بعين الاعتبار عند احتساب النسبة الفعليّة الجمليّة جميع العمولات والمصاريف التي لها علاقة بالقرض سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة بحيث لا مجال للحديث عن إعفاء المقرض من عناء التفكير بل يجب على هذا الأخير أن يكون ملّما بكل تفاصيل العقد حتّى يتمكن من حسن تطبيق مقتضيات هذا القانون.

ومن ثمّة وباعتبار أن قانون الفائدة المشطة لا يمنح للأطراف إمكانية إقصائه كما لا يسمح لهم بعدم الانصياع له أو أن لا يعملوا به أو أن يستبعدوا تطبيقه، لذلك يمكن اعتبار أنّ قواعد قانون 15 جويلية 1999 ذات صبغة آمرة.

إنّ الوصول إلى مثل هذه النتيجة بقدر ما ساعد على تحديد الصبغة الآمرة لقانون الفائدة المشطة بقدر ما أضعف حجّة النظام العام التشريعي وبالتالي حجّة البطلان المطلق[256] ذلك أنّه حتّى وإن أمكن إثبات الصبغة الآمرة لقانون الفائدة المشطّة على أساس أن لا شأن للأطراف في تجاوزها، فإنه وفي غياب نهي صريح من المشرع يصبح القول بأنّ قانون 15 جويلية 1999 من النظام العام التشريعي أمر يفتقد لسند جدّي.

أجمع الفقه[257] وفقه القضاء[258] أنّ في هذه الصورة الأخيرة يمكن تأسيس البطلان بناء على النظام العام التشريعي المفترض وذلك عوضا عن النظام العام التشريعي النصي[259] يتأسس هذا القول على اعتبار أنّه يمكن أن يكون هناك نيل من النظام العام حتّى في غياب منع صريح من المشرع[260] ذلك أنّ المنع الذي قد يتضمنه القانون يمكن أن ينتج أيضا من صياغة هذا الأخير[261] بحيث يمكن الاستدلال على النظام العام من خلال إرادة المشرّع الضمنية التي تعود للقاضي مهمة الكشف عنها. وبناءا على أسانيد جديّة من بينها :

السند الأول: هو الفصل 539 م.إ.ع الذي نصّ على أنّه “إذا صرّح القانون بالنهي عن شئ معيّن كان إتيانه باطلا لا ينبني عليه شيء”.

نتبيّن من خلال هذه القاعدة أنّ المشرع يفرّق بين القواعد الآمرة الناهية التي يفرض من خلالها مالا يجب فعله وبين القواعد الآمرة غير الناهية وهي التي يفرض المشرع من خلالها ما يجب فعله، واعتبار أنّ البطلان المفترض لا يسلط إلاّ على العقود المبرمة على خلاف ما تقتضيه النصوص الآمرة الناهية التي تنظمها.

وفي هذا الخصوص بيّن الأستاذ نور الدين بسرور أنّه لا يجب أخد قاعدة الفصل 539 م.إ.ع على إطلاقها،[262] وباعتبار أنّ الالتزام المسلط عليه الجزاء هو ذلك الذي كان مخالف للأهداف التي من أجلها وضعت القاعة المخترقة[263].

وبالرجوع إلى قانون 15 جويلية 1999 نجد أنّ عنوانه يتعلّق بنسبة الفائدة المشطّة فهو ما وجد إلاّ ليمنع وينهي التعامل بفائض مشط ويظهر حرص المشرّع في تحقيق هذا الهدف من خلال تكفّله بوضع القواعد الأساسيّة لسقف الفائدة ونسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة، كذلك من خلال تنوّع النصوص التي تنظّم نفس المسألة فبالإضافة إلى النص التشريعي (قانون 15 جويلية 1999) نجد نصّ ترتيبي (أمر 21 فيفري 2000) ومنشور البنك المركزي (27 مارس 2000) كلّ هذه النصوص توحّدت لتنظيم سقف الفائدة وبالتالي فإنّ إسناد قرض بنسبة فائض مشط فيه خرق لهدف قانون 15 جويلية 1999 وتعدّي على إرادة المشرّع الضمنيّة بحيث يكون الجزاء في هذه الصورة بطلان مطلق (مفترض) إسنادا للفصل 539 م.إ.ع.

السند الثاني: وجود عقوبة جزائيّة أجمع الفقه [264]وفقه القضاء[265] أنّه كلّما تمّ اللجوء إلى القانون الجزائي لضمان إتفاقات مدنيّة تعتبر هذه الأخيرة من النظام العام وتجازي مدنيّا بالبطلان المطلق، وقد عبّر عن ذلك الفقيهان محمد الشرفي وعلي المزغني بأنّه ” لا يعقل أن يلتجئ المشرّع إلى الأحكام الزجرية دون أن يعتبر أنّ التكليف والإلتزام المدني هو أيضا وبالضرورة إلتزاما وتكليفا وجوبا مطلقا”[266] .

فوضع عقوبة جزائيّة عند الإخلال بالقواعد تنظّم مسألة مدنيّة تقيم الدليل القاطع على إرادة المشرّع الضمنيّة في اعتبار هذه القواعد من النظام العام، وبالرجوع إلى قانون 15 جويلية 1999 نجد أنّ المشرّع قد نصّ في الفصل الخامس على ما يلي :” يعاقب بالسجن لمدّة 6 أشهر وبخطيّة تتراوح بين 3 آلاف و10 آلاف دينار أو بإحدى العقوبتين فقط كلّ من أسند قرضا بنسبة فائدة مشطّة”.

إنّ وجود هذا النص ضمن قانون ينظّم نسبة الفائض في عقد القرض لهو دليل قاطع أنّ قانون 15 جويلية 1999 من النظام العام، وتتأكد هذه الصبغة خاصّة من خلال اعتماد المشرّع التدرج نحو التشديد وذلك :

أولاّ: حيث نصّ في الفقرة الثانية من الفصل الخامس على “مضاعفة العقوبة عند العود”.

ثانيا: حيث منح للمحكمة إمكانية الإذن بنشر النص الكامل لقرارها أو مقتطفات منه في الصحف اليوميّة التي تعينها…” الفقرة 4 من الفصل الخامس. هذه العقوبة التكميلية لا تقلّ شأنا عن العقوبة الأصلية من حيث درجة خطورتها ذلك أنّ نشر مثل هذا الحكم في الصحف اليوميّة فيه إساءة لسمعة المؤسّسة المالية وخاصّة البنك الذي في حاجة مستمّرة لثقة المودعين وكافة الأعوان الاقتصاديين[267].

هذا التشديد والتنوع يعكس حرص المشرع وإصراره على فرض إحترام مقتضيات قانون الفائدة المشطّة لذلك يعتبر هذا القانون بالضرورة من النظام العام ويكون البطلان المطلق الجزاء المدني الأمثل له.

إنّ إقرار مثل هذا الجزاء وإن كان يمثل الحلّ الأمثل للحفاظ على النظام العام، إلاّ أنّه يشكل في ذاته خطر على استقرار المعاملات, لذلك حدّ المشرّع من نطاق البطلان المطلق بأن جعله جزئي (الفصل الثاني) وهو ما يمثل وجه آخر من أوجه الأحكام الذي تميّز به قانون 15 جويلية 1999.

الفصل الثّاني: التليين في الامتداد: بطلان جزئي
الأصل أنّ بطلان الالتزام يؤدي إلى زواله[268] فهو ينهي كل وجود قانوني للعقد ماضيا ومستقبلا، ذلك أن دور البطلان هو محو كل أثر للعقد الباطل وردع عموم الناس عن مخالفة شروط صحّة وتكوين العقد[269] . وقد عبّر عن ذلك بكلّ وضوح الأستاذ محمد الزين حيث اعتبر “أنّ الأصل في القانون التونسي حول انسحاب البطلان على كامل الالتزام لا على بعضه، وذلك حتّى إذا انحصر سبب البطلان في بعض الالتزام أو في أحد عناصره، وهو ما يتبّين من مراجعة الفصل 326 م.إ.ع الذي ينصّ على أنّه “إذا بطل الالتزام الأصلي بطل ما إلتحق به من التزامات” وكذلك الفصل 327 الذي ينصّ من ناحيته أيضا على أنّ “بطلان بعض الالتزام يبطل جميعه” هذا بالإضافة إلى شموليّة عبارات 325 و326 من م.إ.ع[270].

لم يأخذ مشرّع 15 جويلية 1999 بقاعدة البطلان الكلّي حيث نصّ في الفصل 4 من هذا القانون على أنّه “في صورة تطبيق نسبة الفائدة مشطة فإنّ المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب يقع إرجاعها للمقترض مع توظيف نسبة الفائدة المنصوص عليها بالفصل 1100 من مجلة العقود والالتزامات وذلك ابتداء من تاريخ قبضها”[271] تفيد هذه القاعدة عدم انسحاب آثار البطلان المطلق إلى كامل العقد، فعبارة “إرجاع ما وقع قبضه بدون موجب” تعنى أنّ المشرع نص على الإرجاع وهو أثر البطلان، تمّ نص على الحدّ الذي سيقع من خلاله احتساب المبالغ الواجبة الإرجاع، وهو سقف الفائدة، وعلى هذا النحو اكتملت صورة الجزاء المدني للقرض بفائض مشط والمتمثل في بطلان مطلق في حدود الآثار المخالف للقانون أي بطلان جزئي.

إنّ تبني المشرّع البطلان الجزئي كجزاء لقرض المسند بنسبة فائدة مشطّة يدلّ على تأثره بالنظريّة الموضوعيّة للبطلان، وتكريسه لها وهذه النظريّة تقوم على فكرة أنّ البطلان ليس جزاء يسلط على العقد المخالف لشروط تكوينه بل هو جزاء يسلط على آثار العقد المخالفة للقانون وفي حدود ما وقع خرقه[272]

واضح أنّ المشرع، أراد التضييق في تطبيق عقوبة البطلان من خلال تحديد نطاقه، وهو ما يستوجب التعرّض إلى الأساس القانوني للبطلان الجزئي (المبحث الأول) ثمّ نمرّ إلى آثاره (المبحث الثاني).

المبحث الأوّل: الأساس القانوني للبطلان الجزئي للقرض بفائض مشط
بالإضافة إلى النص الخاص الوارد بالفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 (الفقرة الأولى) فإنّ البطلان الجزئي للقرض بفائض مشط يجد أساسه أيضا في النص العام الوارد بالفصل 327 م.إ.ع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : النص الخاص: الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999

بموجب هذا الفصل تكفل المشرع صراحة بإلغاء ومحو الآثار المخالفة لقانون 15 جويلية 1999 مع بقاء العقد عاملا، هذا الإجراء القانوني يؤكّد تأثير المشرع بالمفهوم المعاصر للبطلان الذي لا يعتبر البطلان كجزاء يسلط على العقد في حدّ ذاته بل كجزاء يسلط على آثار العقد وفي حدود ما وقع خرقه[273].

إنّ مثل هذا التوجه يؤكّد أنّ مشرّع 15 جويلية 1999 لم يتناول الجزاء كغاية في حدّ ذاته يراد بها ردع مخالفة شروط صحّة تكوين العقد بل تناوله باعتباره وسيلة وأداة يحمي بها قواعد تكوين العقد.

تبرّر هذه النتيجة غياب التنصيص الصريح على جزاء البطلان وعلى طبيعته، والاكتفاء بتنظيم آثار البطلان لأنّ الهدف من الجزاء ليس تحقيق البطلان في حدّ ذاته وبصورة آلية أي بمجرد مخالفة العقد لشروط تكوينه بل الهدف هو عدم حصول آثار بمنعها القانون ومن ثمّة يمكن القول أن البطلان ليس سوى نتيجة محو الآثار المخالفة للقانون أو بمعنى آخر تعتبر النسبة التي تجاوزت السقف باطلة لأنّ القانون يعتبرها مخالفة للمصلحة العامّة.

يترتّب عن هذا الرأي عدّة نتائج، من بينها:

أوّلا : تفوق القانون على الإرادة العقديّة، ذلك أنّ مشرّع 15 جويلية 1999 لم ينظر إلى العقد باعتباره رابطة قانونية بين شخصين وإنّما باعتباره أداة أساسيّة لتحقيق التبادل وانتقال الثروات حسب ما تقتضيه المصلحة العامّة. مردّ هذا القول ليس تدخل المشّرع السابق لإنشاء العقد والمتمثل في تحديد سعر الفائدة والحدّ من حريّة الأطراف في هذا المجال بل مردّه تدخل المشرع اللاحق لإنشاء العقد والحكم بنفاذ إتفاق لم تتجه إرادة المتعاقدين لتحقيقه ذلك أنّه من “المفترض قانونا أنّ إرادة الطرفين وجهت لتحقيق كامل العقد لا جزءا منه لذلك فإنّ بطلان بعض الالتزام يبطل جميعه”[274] بحيث يستوجب احترام إرادة الطرفين تطبيق القاعدة التي تقضي انسحاب البطلان على كامل العقد بجميع شروطه [275] .

نستخلص من هذه النتيجة أنّ تأثير المشرع بالنظريّة الموضوعيّة للبطلان واضح وذلك من خلال تغليب المصلحة العامّة على المصالح الضيقة للأطراف.

ثانيا : إلغاء كل دور للإرادة في إمكانية إقصاء العمل بالبطلان الجزئي فبطلان شرط الفائض في حدود الشّطط لم يخضعه المشرّع إلى معيار ذاتي مرتبط بإرادة الأطراف، بحيث يخوّل لهم الخيار بين البطلان الجزئي أو الكلّي[276] وإنّما اعتمد على معيار مادّي، فني، يتمثّل في قابليّة محلّ شرط الفائض للتجزئة[277]. ذلك أنّ وحدة قيس الفوائض هي “المقدار”، بحيث مجرّد تجاوز الفائض الحدّ المسموح به قانونا، يمثّل خرقا للأحكام التي تنظّم سعر الفوائض، ويرتّب البطلان الجزئي في حدود الشّطط مع تجاهل تام لإرادة المقرض التي ليس لها تأثير على إعماله.

ثالثا: إلغاء كل سلطة تقديريّة للقاضي في إقرار البطلان الجزئي، فهذا الأخير يكون ملزما بالحكم بالبطلان الجزئي كلما تبيّن أنّ عقد القرض تضمن نسبة فائدة مشطّة. يترتّب عن هذا القول بأنّ القاضي لا يكتفي بتقرير التجاوز بل إضافة إلى ذلك فهو ينشىء البطلان الجزئي[278].

إنّ هذه النتائج وخاصّة النتيجة الثانية والثالثة، تبرّران تخصيص المشرع جزاء البطلان الجزئي للقرض المسند بنسبة فائدة مشطّة بحكم خاص وعدم الاكتفاء بالقواعد العامّة المكرّسة بمجلّة الالتزامات والعقود، لكن هذا لا يعني خروج حكم النص الخاص عن النظريّة العامة ألتي أسّس عليها المشرع صورة البطلان الجزئي للعقد الواردة بالفصل 327 م.إ.ع، بل يبقى الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 إحدى تطبيقاته،[279] بحيث يستوجب الإلمام بأساس البطلان الجزئي لعقد القرض المتضمن فائدة مشطّة ضرورة التعرض لما سكت عنه المشرّع في هذا الفصل وذلك بالرجوع إلى الفصل 327 م.إ.ع.

الفقرة الثانية: النص العام: الفصل 327 م.إ.ع

لم ينصّ الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 عن مآل عقد القرض بعد حذف جزئه الباطل، فهل يتحولّ إلى عقد آخر له طبيعة خاصة أم يستمر العقد بوصفه عقد قرض؟ (أ) وإذا كان الجواب بأنّه يستمر بوصفه ذاك فما هو دور البطلان النسبي في تحقيق الاستمراريّة (ب)؟.

أ– طبيعة العقد الخاص

إنّ فكرة تحوّل العقد هي عبارة عن تغيير في وصف العقد[280]، أي أن يتحوّل التصرّف الذي قصد إليه المتعاقدان إلى تصرّف آخر توفرّت عناصره[281] وقد تعرّض له المشرع في الفصل 328 م.إ.ع حيث جاء فيه “إذا بطل الإلزام وكانت به من الشروط ما يصح به إلزام آخر جرت القواعد المقرّرة لهذا الإلزام” فهل ينطبق هذا الحكم على مآل عقد القرض ؟

يبدو أن فكرة تحوّل العقد يجب استبعادها لعدّة اعتبارات:

أولاّ: لا يوجد بالفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 ما يدلّ على توفر عناصر عقد آخر ليقوم مقام عقد القرص لا صراحة ولا ضمنيا، ذلك أنّ المشّرع عند تنظيمه للعقد (المنقوص) لم يلجأ إلى أحكام مؤسّسة أخرى على غرار ما دأب عليه في مثل هذه الصورة مثال ذلك ما نصّ عليه بالفصل 206 م.أ.ش من أنّه “إذا صدرت الهبة خلال مرض متصل بالموت اعتبرت وصيّة” كما أنّه لم ينفي على عقد القرض وصفه ذاك مثلما فعل في الكمبيالة الباطلة حيث جاء في الفقرة 10 من الفصل 269 م.ت أنّه “إذا خلا السند من إحدى البيانات المذكورة بالفقرات المتقدمة فلا يعدّ كمبالية”.

ثانيا: نتبيّن من خلال الفصل 328 م.إ.ع أنّ المشرّع اشترط لتحوّل العقد أن يكون التصرف الأصلي باطلا بأكمله وهي غير صورة الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 الذي اقتصر البطلان فيه بصريح النص على الجزء المشط لذلك فلا مجال للقول بأن قيام عقد القرض بصورة عقد خاص تعنى تغيير في الوصف القانوني لهذا الأخير.

فالمقصود بعبارة “خاص” هو اختلاف العقد الذي أمكنه أن يقوم بدون جزئه الباطل منه عن العقد الأصلي، كما تفيد أيضا أنّ “العقد المنتقص ينتج أثرا أصليا لا عرضيا وينتجه باعتباره تصرّفا قانونيّا لا باعتباره واقعة ماديّة، غير أنه لا ينتج أثرا أصليّا كاملا[282]” وفي المقابل لا يمكن أن يتكوّن عقد ثاني على إنقاذ العقد الباطل كما هو الشأن في التحول، وهو ما يعني أن طبيعة عقد القرض لم تتغيّر، فقط تكوّن عقد أراده الأطراف بذاته، أي عقد قرض بفائض، لكن بحذف الجزء العليل منه والمتمثلة في النسبة المشطّة.

إنّ مثل هذه النتيجة يدعم ما توصل إليه الفقه الحديث[283] من أنّ التصرف القانون هو حيلة خياليّة وليس بكائن قائم له وجود قانوني والعبرة هي بالآثار التي يرتبها حيث يعتبرون أن “التصرف القانوني هو مجرد نظام قانون يخدم عمليات الأفراد في نطاق مصلحة الجماعة، والحيلة القانونيّة مجرد وسيلة لتحقيق غاية معيّنة”[284] .

تمثل صورة العقد المنقوص دليل على صحّة هذا التوجه ذلك أنّ العقد الخاص لم يبعث للوجود بموجب إرادة الأطراف بل الآثار هي التي بعثته للوجود، وهو ما يعني أنّ الآثار هي التي لها وجود قانوني وفي هذه الصورة يظهر العقد المنقوص في شكل “حيلة قانونيّة”، كما سماه البعض لتجسيد الآثار التي يرتبها القانون بما يخدم مصالح الأطراف وفي حدود المصلحة العامّة.[285]

وفي نفس هذا السياق يعتبر الفقيه السنهوري أنّ تخفيض الفوائض إلى الحدّ القانوني هو تصحيح لعقد القرض وقد عبّر عن ذلك صراحة بقوله “يجري التصحيح بتغيير في عنصر من عناصر العقد، إمّا بإبداله بعنصر جديد كما في إبدال غيّر الأثري بالأثري، وإمّا بزيادة فيه كالتكملة في حالة الإستغلال أو الغبن، وإمّا بانتقاص منه كتخفيض الفوائض الاتفاقيّة…”[286] وأضاف أن التصحيح في صورة تخفيض الفوائض الاتفاقية هو إجباري بمقتضى القانون لا اختياري بإرادة المتعاقدين.

يمكن أن نستثمر هذا الرأي في إثبات أنّ العقد الأصلي لم يستطع أن يمنح لنفسه وجود قانوني في غياب الآثار, لأنّ التصحيح الإجباري هو إرجاع العقد لحقيقته حسب ما يقتضيه الآثار، فلا مجال لتجاوز الحدود التي تفرضها الآثار، وهو دليل أيضا على صحّة الاتجاه الذي يعتبر أنّ “العقد ليس سوى حيلة قانونيّة ومجرد وسيلة لتحقيق غاية معينة هي من ترتيب الآثار المرغوية من الأفراد” وفي حدود ما يسمح به القانون .

ب– دور البطلان الجزئي في تحقيق استمراريّة عقد القرض

تعتبر آلية البطلان الجزئي حلقة وصل بين مصلحتين متناقضتين ما كان لهما أن تتوافق بدونه، وهما مطلبات الاستقرار التعاقدي من جهة ومتطلبات الأمن القانوني من جهة ثانية.

فالعقد باعتباره ” أداة أساسيّة لتحقيق الحاجيات الاقتصادية” يحظى في نظام يعتمد على الحرية الاقتصادية والمبادرة الحرّة بمكانة هامّة في مجال التداول, لذلك فإنّ استمراريته ودوامه من المسائل التي يتوقف عليها تطوّر الاقتصاد واستقرار المعاملات.

وفي هذا المجال يتميّز عقد القرض بخصوصية لا باعتباره “عقد” بل باعتباره يمثل مصدر لتشعب العقود وترابطها، ذلك أنّ المقترض غالبا ما يستعمل المبالغ المقترضة في إقامة المشاريع وبالتالي الدخول من جديد في سلسلة من العقود، وفي كلتا الحالتين بصبح دوام العقد وبقاءه ضرورة ملحة، أوّلا لتحقيق استقرار المعاملات وثانيا لدعم الثقة في العلاقات التعاقديّة الشيء الذي يشجع الأفراد على الدخول في المؤسّسة العقديّة بما توفره من أمن واستقرار.

وفي المقابل يتطلب الأمن القانوني تكريس الثقة في النظم القانونيّة، والحفاظ على نجاعة القواعد في تنظيم المعاملات المالية، وفرض احترامها حتى نضمن دوامها وفعاليتها. وهو ما يبرر صرامة جزاء مخالفة القواعد التي تنظم تكوين العقد، ذلك أنّ الهدف من عقوبة البطلان “ردع عموم الناس على مخالفة تلك الشروط”[287] بما يحقق الثقة في القواعد الموضوعة لتنظيم العلاقات التعاقدية وفي الوقت ذاته فعاليتها واحترامها[288] لذلك اعتبر المشرع أنّه “ليس للالتزام الباطل من أصله عمل ولا يترتب عليه شيء وأنّه إذا فسخ الالتزام عاد الطرفان إلى ما كان عليه عند التعاقد”.

إلاّ أن لمثل هذه الآثار انعكاسات وخيمة على واقع المعاملات خاصة في مجال القرض حيث تبيّن أنّ “واقع الهيكلة المالية للمؤسّسات الاقتصاديّة التونسيّة يتميّز بالاعتماد المكثف على التمويل المصرفي”[289] بحيث يكون وقع الأثر الرجعي للبطلان شديد وقاسي على مسار عقد القرض فهو يدخل الارتباك لا على العلاقات التي تربط المقرض بالمقترض فحسب، بحيث يكون هذا الأخير ملزما بإرجاع كامل مبلغ القرض، بل وكذلك قد تمتدّ هذه الآثار على عقود أخرى ارتبطت بعقد القرض.

هذه النتائج تبرز مدى التعارض بين آثار متطلبات الأمن القانوني واستقرار المعاملات أي بين الطابع “التهديمي” للبطلان[290] وبين دوام العقود وتداولها.

وهنا يبرز الدور المزدوج للبطلان الجزئي والتمثل في إنقاذ العقود من البطلان و ضمان الاستقرار التعاقدي مع المحافظة على فاعلية القواعد و ضمان الأمن القانوني.

والمشرع بتكريسه صراحة هذا الحل ضمن الفصل 4 من قانون 15 جويلية سهل على المقترض مهمة طلب البطلان كلما تبين له أن المقرض قد تجاوز سقف الفائدة, فهو لم يعد يخشى قساوة البطلان الكلي بل بالعكس يمكنه البطلان الجزئي من عدة ضمانات سنتعرض لها من خلال دراسة آثار البطلان الجزئي .

المبحث الثاني: آثار البطلان الجزئي للقرض بفائض مشطّ
من خلال الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 يمكن أن نستنتج أثرين للبطلان الجزئي للقرض المسند بنسبة فائدة مشطّة وهما الحط من الفائض (فقرة أولى) والإرجاع (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: الحطّ من الفائض

نص الفصل الرابع من قانون 15 جويلية 1999 على أنّه “في صورة تطبيق نسبة فائدة مشطّة فإنّ المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب يقع إرجاعها للمقترض”.

من خلال هذه القاعدة نتبيّن أنّ المشرّع لم ينص صراحة على أثر الحط من الفائض بل وأكثر من ذلك فإنّ غموض هذا الفصل يضعنا أما ثلاثة فرضيات بحيث لا يمكن التوصل إلى أثر الحط من الفائض باعتباره إجراء تشريعي وضروري من دون أن نتعرّض بالدرس إلى باقي الاحتمالين:

– بالنسبة للفرضيّة الأولى التي يمكن أن نستنتجها تتمثل في تعويض كامل الشرط المتعلق بالفائض والمتضن فائدة مشطّة بنسبة أخرى تتمثل في معدل نسبة الفائدة الفعلية المطبقة زائد خمسها أي النسبة القصور ( (TEM + 1/5 هذا الاحتمال متأتي من كون المشرع نص على أنّ الإرجاع يتمّ في حدود السقف ولم يبيّن مردّ هذا السقف هل هو نتيجة تعديل النسبة المتفق عليها أم نتيجة تبديل وتغيير هذه النسبة الأخيرة بنسبة أخرى يتمثل حدّها الأقصى في سقف الفائدة، وهو ما يعني أن البطلان الجزئي لا ينحصر في ما زاد عن الشطط بل يمتد إلى كامل شرط الفائض الإتفاقي. إنّ تبني مثل هذا الحل لا يستقيم وذلك للأسباب التالية:

أولاّ : لا يوجد بمجلّة الالتزامات والعقود أساس قانوني لهذا الحلّ ذلك أن الفصل 326 م.إ.ع نصّ على أنّ قيام الأصل في صورة بطلان الإلزام التابع لا يكون إلاّ إذا كان هذا الأخير غير حاسم لانعقاد العقد،[291] وهو غير صورة الحال بما أنّ شرط الفائض هو عنصر أساسي في عقد القرض بفائض بل هو الذي يحدّد انتماء هذا العقد إلى صنف العقود بعوض[292] بالإضافة إلى أنّ بطلان التابع يفيد انعدامه وزواله نهائيّا، في حين أنّه وفي صورة الحال تمّ تعويضه بنسبة أخرى.

هذه النتيجة تبرّر أيضا استبعاد صورة تحوّل الإلتزام المنصوص عليها بالفصل 321 م.إ.ع لعدم توفر شروطه[293].

ثانيا : إن تغيير شرط الفائض الإضافي وتعويضه بنسبة أخرى أي تغييب تام لإرادة الأطراف وإحلال القانون مقامها يمكن اعتباره بمثابة عقاب للمقرض على مخالفة شرط سقف الفائدة، خاصّة وأنّ المشرّع قد تبنّى مثل هذا الحكم عند عدم التنصيص على نسبة الفائدة الفعلية الجمليّة في الكتب المتعلقة بعقد قرض إلاّ أن مثل هذا الحلّ غير عادل وغير منطقي.

فهو غير منطقي لأنّه لو أراد المشرع معاقبة المقرض على تجاوز سقف الفائدة لما اختار أقصى ما يمكن أن تكون عليه النسبة، لأنّه في هذه الصورة تأخذ هذه الأخيرة شكل مكافأة للمقرض.

وهو غير عادل، وذلك بمقارنة هذا الحلّ مع الحلّ الوارد بالفصل الثالث من نفس القانون[294]، ذلك أنّ المشرّع ولغاية مقاومة الشطط نص على عقوبة مدنيّة في صورة غياب التنصيص على نسبة الفائدة الفعليّة الجمليّة والتي تتمثل في اعتماد معدل نسبة الفائدة الفعليّة المطبقة خلال السداسيّة السابقة (TEM) في حين أنّه اعتمد نسبة أكبر وهي (TEM+ 1/5) والحال أن الشطط قد ثبت.

الفرضيّة الثانية : تتمثّل في اقتصار آثار البطلان الجزئي على الإرجاع دون الحط،[295] هذه الفرضيّة متأتية من غياب التنصيص الصريح على الحط من الفائض بما يجعل من هذا الإجراء يفتقد إلى أساس قانوني يبرره وبالتالي يمس من حريّة الأطراف التي وحدها لها حق الاتفاق على الحط من الفائض.

هذا الحلّ أيضا لا يستقيم وذلك للحجج التالية:

أولا: إن أمكن للمشرع الحدّ من حرية الأطراف بوضع حدّ لسقف الفائدة وذلك بموجب الفصل 1 من قانون 15 جويلية 1999 فإنّه لا يعتبر تجاوز لإرادة المشرع عند إقرار مبدأ الحط من الفائض عملا بالفصل 550 م.إ.ع الذي جاء فيه “من أمكنه الأكثر أمكنه الأقل”.

ثانيا: نص الفصل 4 من القانون المذكور آنفا على أنّ سبب الإرجاع يعود إلى “ما وقع قبضه بدون موجب” فكيف إذا يقضى بالإرجاع ويترك الموجب.

ثالثا: تعرّض الفصل 1103 م.إ.ع صراحة إلى أثر الحطّ من الفائض حيث جاء فيه “حط الفائض المشترط” ,ورغم أنّ هذا الفصل مستمد من الفصل 138 المجلة المدنية الألمانية إلاّ أنّ هذا الأخير لم يتضمن الحطّ من الفائض كجزاء[296] وهذا إنّ دلّ على شيء فإنّه يدلّ على أن توجه المشرع نحو إقرار أثر الحط من الفائض إنّما هو توجه ثابت وإجراء متعمد الهدف منه هو تصحيح النسبة المشطة.

تعرّض الفقه الحديث إلى مثل هذا الحل حيث اعتبر الأستاذ نور الدين بسرور أنّ جزاء إرجاء المبالغ المدفوعة بغير موجب المنصوص عليها بالفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 “يعادل الحط من الفائض المشط”[297] وهو نفس الحلّ الذي توصل إليه الأستاذ نعمان الرقيق حيث اعتبر أنّ الفصل الأول من قانون الفائدة المشطّة “اختار الحط القانوني من الفائض المشط”[298].

وبناءا على ما تقدّم يمكن اعتبار أنّ الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 لا يطرح إلاّ فرضيّة واحدة وهي الحط من الفائض.

إنّ اعتبار أنّ الحط من الفائض يستند إلى أساس قانوني، يؤدي إلى النتائج التالية:

النتيجة الأولى: تتمثل في أنّ القاضي يصبح ملزما بتخفيض نسبة الفائدة إلى حدود السقف، وهو ما يعني أنّ طبيعة الحكم القاضي بالحط هي تقريرية وليس إنشائية[299] أي أنّ القاضي لا ينشئ الحكم بالحط من الفائض بل هو فقط يقرر أمر مقضي بموجب القانون، وفي هذا الخصوص شبه البعض[300] عمل المشرع بالطبيب الذي كان الجراح (بإقراره انتفاض العقد) ثمّ تحوّل إلى “مقوّم عظام” (بإقراره الحط من الفائض).

النتيجة الثانية: إنّ الحكم القاضي بالحط من الفائض لا يتنافى مع مبدأ القوّة الملزمة للعقد المنصوص عليها بالفصل 242 م.إ.ع ذلك أنّ نفس هذا الفصل نصّ على أنّه “ما انعقد على الوجه الصحيح” وهو ما يعني أنّ إرادة الأطراف لا يمكن أن يعتد بها إذا كان موضوع التعاقد مخالف لمنع قانوني وبالتالي فإنّ تعديل النسبة المشطة والحط منها لا يشكل تعدي على إرادة الأطراف لأنّها قانونا هي ليس موجودة خاصّة وأنّ التعديل لم يتعدّى أقصى حدود الإرادة المشروعة.

على خلاف الحط من الفائض تكفل المشرع بتنظيم اثر الإرجاع (الفقرة الثانية).

الفقرة الثانية: الإرجاع

نص المشرع في الفصل الرابع من قانون الفائدة المشطة على وجوب الإرجاع حيث جاء فيه “في صورة تطبيق نسبة فائدة مشطة فإن المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب يقع إرجاعها للمقترض مع توظيف نسبة الفائدة القانونية المنصوص عليها بالفصل 1100 من مجلة العقود والالتزامات وذلك ابتداء من تاريخ قبضها”.

يتضح من خلال هذا الفصل أن المشرع ألزم المقترض بإرجاع ما قبضه من فوائد تجاوزت الحد المسموح به قانونا، فواجب الإرجاع إذا هو نتيجة محو الآثار المخالفة للقانون والذي ترتب عنه بطلان جزئي للعقد، أو بمعنى آخر هو نتيجة إلغاء هذه الآثار مستقبلا، وذلك من خلال الحط من الفائض، فالإرجاع يتمثل في محو الوجود المادي للآثار الذي سبق أن رتبته، والمتمثل في المبالغ التي سبق أن قبضها المقترض زائد عن سقف الفائدة، لذلك فالإرجاع المنصوص عليه بالفصل 4 سالف الذكر يؤدي إلى محو نهائي للآثار المخالفة للقانون.

تكفل المشرع بتنظيم الإرجاع من حيث مبدأ إقراره ومن حيث تقدير قيمته ومدة احتسابه لذلك سوف نأتي على بيان أساس الإرجاع (أ) ثم نظام الإرجاع (ب).

أ – أساس الإرجاع

نص الفصل 77 م.إ.ع على ما يلي ” يجوز استرداد على ما وقع دفعه لسبب يخل بالقانون أو بالنظام العام أو بالأخلاق الحميدة” فهل يمكن تأسيس الإرجاع المنصوص عليه بالفصل 4 على أساس دفع غير مستحق[301] تأسيسا على الفصل 77 م.إ.ع .

الإجابة عن هذا السؤال يتطلب بيان أبعاد الفصل 77 م.إ.ع ذلك أن هذه القاعدة جاءت “في إطار حرص المشرع على محو جميع آثار العقود المخالفة لنظام العام والأخلاق الحميدة “[302].

وتبرير ذلك يعود إلى ما دأب عليه “القانون الفرنسي الذي يبقي على آثار العقود الباطلة بسبب مخالتها للنظام العام والأخلاق الحميدة وذلك من خلال منعه لمن كان على علم بالخلل الذي يعتري العقد وقت إبرامه من حق المطالبة باسترداد ما دفع تنفيذا لهذا العقد الباطل”[303].

ومؤدى هذه النظرية ذات الأصل الروماني[304] أنّ الاسترداد لا يجوز للمتعاقد الذي يكون عدم المشروعيّة آتية منه، تطبيقا للقاعدة التي تسود قانونهم ومؤداها “أنّه لا يجوز لأحد أن يتمسك بدنس نــفسه”[305] “Nemo auditur propriam turpitudimen allegans” وبناءا على ما تقدم ينحصر مناط الفصل 77 م.إ.ع في الإذن بالاسترداد، ودفع قاعدة Nemo auditur [306] لذلك يجب استبعاد الفصل 77 م.إ.ع، لأنّنا لسنا في مجال البحث عن إذن في الاسترداد بما أنّ الفصل 4 من قانون الفائدة المشطة تكفل بذلك

نص المشرّع على أنّ ” المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب يقع إرجاعها”، بحيث يعتبر حق المقترض في الإرجاع حق مطلق لا يقيّده أيّ شرط، ذلك أنّه بموجب الفصل 4 من القانون المذكور تقوم قرينة قانونيّة قاطعة على حق المقترض في الإرجاع، هذه القرينة لا تقبل بأي حال الدحض بإثبات العكس.

من خلال ما تقدّم نلاحظ أولا استبعاد تطبيق قاعدة دفع غير المستحق حسب ما نص عليه الفصلين 73 [307] و74[308] م إ ع اللذان اشترطا على التوالي خطأ من دفع ما ليس عليه، و عدم علم الدافع بغياب سبب الدفع[309].

ذلك أنّ المقترض محمول على علمه بسقف الفائدة باعتبار أنّ هذا الأخير يقع نشره بالرائد الرسمي كل السداسيّة، وعملا بالقاعدة الواردة بالفصل 545[310] م.إ.ع يصبح علم المقترض بأنّه دفع ما لا يلزمه أمر ثابت علما وأنّ المقرض وبمقتضى تنفيذه لواجب الإعلام المحمول عليه بموجب الفصل 7 من أمر 21 فيفري 2000 [311] يمكنه إثبات علم معاقده.

غير أنّ المشرّع، ورغم توفر قرينة علم المقترض بأنّه أبرم عقد مخالف للقانون إلاّ أنّه استبعدها ولم يأخذ بها، ولا يمكن إعتبار ذلك بأنّ المشرّع تغافل عن توفر هذه القرينة، بل هو اختيار واع ومتعمد يبرّر تركيز المشرع على أثر الإرجاع إنّما أراد به استبعاد قاعدة دفع غير المستحق.

إنّ في ترك المعيار الذاتي الشخصي المرتبط بعدم علم المقترض أو خطئه أفرغ الالتزام بالإرجاع المحمول على المقرض من كلّ الشوائب التي يمكن أن تضعف قوته الإلزامية، واكتفاءه بعمليّة القبض فحسب أكسى الإرجاع صبغة موضوعيّة ماديّة، وجعله يقترن بالتنفيذ ويتوقّف عليه, ومن هنا يتضح أنّ الإرجاع وإن كان نتيجة البطلان إلاّ أنّه لا يتأسس عليه، بل يتأسس على إتمام الأداء المرتقب من العقد قبل بطلانه ودون أن يكون لخطأ الدافع (المقترض) أو علمه أي تأثير على حقّه في الإرجاع.

تتوافق هذه النتيجة مع ما توصّل إليه أصحاب النظريّة المعاصرة للبطلان، حيث ذكرت الفقيهة C. Gueflucci-Thibierge أنّ إتمام الأداء في إطار تنفيذ عقد يحتوي على سبب بطلانه ثمّ وقع إلغاؤه هو أساس الالتزام بالإرجاع[312] .

إنّ القول بأنّ الإرجاع يقترن بالتنفيذ وبتوقف عليه يؤدي إلى نتيجتين، الأولى أنّ الإرجاع لا يتأسس على البطلان والثانية أنّ الإرجاع هو أثر غير مباشر للبطلان.

فالقول بأنّ الإرجاع لا يتأسس على البطلان يعني أنّ الإرجاع لا يجد مصدره المباشر في البطلان، ذلك أنّ البطلان يتمثل في محو الآثار القانونية المخالفة للقاعدة التي وقع خرقها[313] وهو ما يكسي البطلان صبغة موضوعيّة، يتحدّد بحسب الحدود التي تقتضيها المصلحة العامّة[314] هدفه إعادة الشرعية التي وقع خرقها وذلك بإلغاء الوضعيّة القانونيّة اللاشرعيّة التي أنشأها العقد عند مخالفته لقواعد تكوينه[315] في حين أنّ الإرجاع يتمثّل في محو الآثار الماديّة التي ترتّبت عن إتمام الأداء بموجب تنفيذ عقد احتوى على سبب بطلانه ثمّ تقرّر فيما بعد إلغاؤه، فالإرجاع إذن لا يجد سببه في البطلان وإنّما في أداء الالتزام بحيث إذا لم يتمّم المدين ما عليه بموجب الالتزام الذي وقع إبطاله لا يوجد إرجاع. وهو ما نصّ عليه المشرّع صراحة عند قوله بأنّ “المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب يقع إرجاعها ” بحيث تعتبر عمليّة القبض أساس الإرجاع ومصدره إلاّ أنّ هذا لا يعني الاستقلال التام لأساس الإرجاع عن البطلان[316].

ذلك أنّه ونتيجة محو الآثار المخالفة للقانون وتصحيح الوضعيّة القانونيّة للعقد في حدود الشرعيّة فقدت الآثار الماديّة التي ترتبت عن تنفيذ الالتزام سندها القانوني[317] وتحوّلت المبالغ، من مبالغ تمّ قبضها بموجب عقد احتوى مبدئيا على سبب قانوني، إلى مبالغ تمّ قبضها بدون موجب بحيث فقد التنفيذ سنده القانوني، وهو ما أدّى إلى وجوب محو الآثار الماديّة حتّى يتحقق التطابق بين الوضعيّة الواقعيّة والوضعيّة القانونيّة الجديدة التي ترتّبت عن البطلان[318] لذلك فالإرجاع وإن كان لا يجد أساسه في البطلان إلاّ أنّه يعتبر أثر غير مباشر له.

وهنا يكمن جوهر الاختلاف بين القائلون بأنّ البطلان هو جزاء لعدم صحّة تكوين العقد، والقائلون بأنّ البطلان هو جزاء يلحق بآثار التصرّف، فأصحاب الرأي الأول يعتبرون أنّ أساس الإرجاع مستقلا تماما عن البطلان[319] ومرد ذلك يكمن في اعتبار أنّ العقد الباطل يعتبر كأنّه لم يقم أصلا الأمر الذي من شأنه أن يعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد،[320] فالبطلان حسب هؤلاء هو “الجزاء القانوني على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة مستوفية لشروطها،”[321] لذلك فهو يؤدي إلى إعدام التصرف بأثر رجعي يستند إلى تاريخ إبرامه[322] ,وبالتالي يفقد الوفاء بموجب العقد الباطل سنده القانوني ويصبح بدوره باطلا، ومن ثمّة فإنّ المبالغ التي وقع دفعها يجب أن تسترد، لا على أساس العقد الباطل لأنّه في حكم المعدوم ولا يرتب أيّ أثر،[323] بل على أساس دفع غير مستحق،[324] وهو ما أكّد عليه الفقيه عبد الرزاق السنهوري عندما ذكر “واسترداد كلّ متعاقد لما أعطاه إنما يكون على أساس إسترداد ما دفع دون حق بعد أن تقرّر البطلان.”[325]

إنّ القول بأنّ الإرجاع المنصوص عليه بالفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 لا يجد أساسه في دفع غير مستحق، بل في إتمام الأداء بموجب تنفيذ شرط الشطط الذي تقرّر فيما بعد الحكم ببطلانه، بناءا على غياب المعيار الذاتي، قد يجد ما يضعفه.

ذلك أنّه يرى البعض[326] أنّ شرط خطأ المدين لا يؤخذ به في الاسترداد المؤسس على دفع غير المستحق، وبناءً عليه فآنّ الحجّة المستمدة من غياب المعيار الذاتي غير كافية لإقرار مثل هذا الحكم، إلاّ أنّه بالتعرّض إلى جوهر الاختلاف بين الأسس المعتمدة في كلا الاتجاهين نتبيّن أنّ المشرّع قد تأثر بالنظريّة المعاصرة للبطلان وذلك بأن جعل أساس الإرجاع المنصوص عليه بالفصل 4 يتمثل في إتمام الأداء بموجب تنفيذ شرط الفائض الذي احتوى على سبب بطلانه قبل أن يتقرّر الحكم ببطلان جزئه المخالف للقانون.

يعتبر الوفاء ركنا أساسيّا وضروريّا في دفع غير المستحق[327] وتعني كلمة وفاء قيام الشخص بالفعل لغاية إبراء ذمته من العهد الذي قطعه، وقانونا، الوفاء هو كلّ تصرّف قانوني يقع وفاء بدين،[328] فالموفى إذن يحقّ له الاسترداد لأنّه دفع دينا بقصد الوفاء في إطار عقد باطل، ففعل الدفع بنيّة الوفاء إذن هو المبرر للاسترداد ومن ثمّة نتحدّث عن استرداد ما وقع دفعه.

وفي المقابل يعني مصطلح” أداء” أدّى دينه قضاه ويقال أيضا أدّى الشيء أوصله إلى أهله،[329] فبموجب تنفيذ الالتزام عن طريق الوفاء يتحصّل الدائن على الأداء المرتقب، فهو يقبض موضوع الأداء، وحسب النظريّة المعاصرة للبطلان فإنّ الإرجاع المؤسّس على إتمام الأداء بموجب تنفيذ عقد احتوى على سبب بطلانه قبل أن يتقرّر البطلان، يفيد أنّ الدائن عليه إرجاع ما قبضه بعد أن تقرّر غياب الموجب.

يكمن سبب هذا الاختلاف في زمن نشأة البطلان، فالقائلون بأنّ البطلان هو جزاء على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة، يعتبرون أنّ دور القاضي يقتصر “على معاينة حالة التصرّف والتصريح بها، فهو لا ينشئها (البطلان) وإنّما يصرّح بها،”[330] ومن ثمّة تزول الآثار التي ترتبّت عن العقد الباطل بصفة رجعيّة.

في حين يترتّب عن القول بأنّ البطلان هو جزاء يسلط على آثار العقد المخالفة للقواعد الأساسيّة التي تحمي مصلحة عامّة، أنّ القاضي لا يتوقّف دوره على إقرار العيب القائم بالتصرّف بل يتجاوزه وذلك بأن ينشىء البطلان.

لذلك يعتبر العقد المحتوى على سبب بطلانه قد أنشأ آثار في الفترة الفاصلة بين نشأة التصرّف وقبل صدور الحكم بالبطلان، وهو بذلك أحرز على قوّة ملزمة، ولو كانت مؤقتة، توجب تنفيذ الالتزام، إلا أنّه بعد صدور الحكم المنشىء للبطلان يفقد التنفيذ السبب الموجب له وبذلك لم يعد أثر قانوني للعقد(بعد أن وقع إبطاله) بل تحوّل إلى مجرد وضعية مادية واقعة قانونيّة إرادية[331] تتمثّل في عملية القبض ومن ثمّة يصبح الدائن (القابض) ملزما بإرجاع ما قبضه بدون موجب. في حين ينجر عن اعتبار البطلان وصفا يلحق بالعقد، أنّ هذا الأخير لم يرتب آثار مطلقا فهو كالكائن الحي الذي ولد ميّتا[332], لذلك فإنّ تم تنفيذ الالتزام والحالة تلك فإنه لا يجوز الأخذ بواقعة القبض[333] في حين أنّ واقعة الدفع هي أقرب لنشأة البطلان، أي أنّه إذا أوفى المدين بإلتزامه في إطار عقد باطل ثمّ تمّ التصريح ببطلانه فإنّه مبدئيا يحقّ له ردّ ما دفع (فقط) بدون موجب، بحيث لا يعتد بالقبض إلا إذا كان الموفى له سيء النية، وسوء النية هي واقعة قانونية أخرى يترتب عنها أثارا إقتضاها القانون.

يستخلص ممّا تقدّم أنّ أساس الاسترداد في دفع غير المستحق يتمثّل في أنّ الموفى دفع ما لا يلزمه باعتبار أنّ العقد كان باطلا منذ إبرامه أي أنّ الدفع لم يكن في إطار علاقة إلتزام بين الدافع والقابض. أمّا في خصوص الإرجاع المؤسّس على تنفيذ عقد احتوى على سبب بطلانه، فإنّه يؤخذ بعين الاعتبار علاقة الالتزام التي تمّ خلالها التنفيذ قبل أن يحكم بالبطلان بحيث يصبح الدافع دائن والقابض مدين، وهو ما يعني أنّ الإرجاع لا يتمثّل في عودة الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل تنفيذ الالتزام بل يتمثّل في إعادة كلّ طرف إلى الحالة التي كان سيكون عليها لو لم ينفذ الالتزام الذي تقرّر بطلانه، بحيث يصبح القابض طول الفترة الفاصلة بين الدفع والإرجاع في وضعيّة المدين بصرف النظر عن أيّ اعتبارات ذاتيّة.

وبالرجوع إلى الفصل 4 من قانون 15 جويلية 1999 نلاحظ أنّ المشرّع تأثّر بالنظريّة المعاصرة للبطلان حيث تتراوح عبارات النص بين الماضي والحاضر أي بين زمن التنفيذ “وقع قبضها” وزمن الإرجاع “يقع إرجاعها” مع تجاهل تام للاعتبارات الذاتيّة، التي من شأنها أن تؤثر في نظام الإرجاع لو تمّ تأسيسه على رد غير مستحق.

ب– نظام الإرجاع

انعكس أساس الردّ الذي تبنّاه المشرّع صلب الفصل 4 على نظام الإرجاع حيث حدد قيمة المبالغ التي يجب على المقرض إرجاعها، فنص على أن يتمّ إرجاع المبالغ التي وقع قبضها بدون موجب أي المبالغ التي تحصل عليها المقرض فيما زاد عن سقف الفائدة.

وردت عبارات المبالغ في صيغة الجمع وهو ما يفيد أن المقرض ملزم بإرجاع جميع المبالغ التي تمّ دفعها على أقساط والتي تجاوزت حدود الشطط ثمّ أضاف الفصل 4 أنّه زيادة على المبالغ التي تمّ قبضها فعليّا، يقع توظيف النسبة القانونيّة المنصوص عليها بالفصل 1100 م.إ.ع وذلك ابتداء من تاريخ قبضها، فالمشرّع إذا حدّد جملة المبالغ الواجبة الإرجاع وهي المبالغ التي وقع قبضها فعليّا دون النظر إلى تغيّر قيمة العملة[334] وحدّد أيضا الفوائد المترتبة عنها ومقدارها الذي يتحدد بحسب مقدار المبلغ الواجب الإرجاع، بالإضافة إلى ذلك حدد المشرّع الفترة التي تحتسب فيها الفوائد أي بداية ونهاية الاحتساب، فأمّا بداية الاحتساب فهي من تاريخ القبض أي من تاريخ تنفيذ الالتزام بدفع فائض، أمّا نهاية الاحتساب فهي تاريخ صدور الحكم بالإرجاع.

يفيد هذا التنظيم أنّ المشرّع وضع المقرض في وضعيّة المدين الذي يدين للمقترض بقيمة المبلغ طول الفترة الفاصلة بين القبض وصدور الحكم بالإرجاع، وما يؤكد هذا الرأي هو غياب تام للمعيار الذاتي المرتبط بحسن نيّة أو سوء نية المقرض الذي يبقى دون تأثير على نظام الإرجاع، فالمشرع تكفل بتحديده وتنظيمه بطريقة موضوعيّة.

يؤدي هذا القول إلى استبعاد الفصل 80 م.إ.ع الذي فرق من خلاله المشرع بين المدفوع له حسن النيّة والمدفوع له سوء النيّة.

يتطابق نظام الإرجاع على هذا النحو ما تمّ إقراره في الإرجاع المؤسّس على تنفيذ إلتزام احتوى على سبب بطلانه، حيث يرى أصحاب هذه النظريّة أنّ المدفوع له يجب أن يرجع كامل المبلغ بما فيه الفوائد المترتبة عنه وذلك ابتداء من تاريخ القبض إلى حين صدور الحكم بالإرجاع، وذلك لا باعتباره قابض لمبلغ غير مستحق بل باعتباره مدين بالتزام شخصي يلزمه بإرجاع فوائد المبالغ التي تحصل عليها، وذلك بغض النظر عن حسن نيته أو سوءها فهذه الأخيرة ليس لها أي تأثير على تقدير قيمة الدين[335].

للدافع الحق في العودة إلى الحالة التي كان سيكون عليها لو لم ينفذ الالتزام أي اعتبار أنّ المبالغ التي دفعها بدون موجب بقيت في ذمته الماليّة[336] ، وهو ما يقتضي إذا إرجاع الفوائد التي كان من المفروض أن يتحصل عليها من يوم الدفع إلى يوم الإرجاع لو بقيت هذه المبالغ في ذمته المالية، فالفوائد هنا تؤخذ شكل تعويض عمّا فات من ربح .

إن اعتبار أنّ الالتزام بالإرجاع هو التزام شخصي بين الدائن (المقترض) والمدين (المقرض) يحيلنا إلى الفقرة الثانية من الفصل 278 م.إ.ع الذي نصّ على ما يلي “غير أنّه في الالتزامات الخاصة بأداء مقدار مالي معين فعزم الضرر لا يكون إلاّ بالحكم بأداء الفائض الذي عينه القانون.”

وهو نفس الحلّ الذي تبناه الأستاذ نور الدين بسرور[337] الذي يرى أن أساس التزام المقرض بدفع الفوائض القانونيّة إنّما هو الفصل 278 م.إ.ع.

يتبيّن من خلال السياسة التشريعية المعتمدة في تنظيم الجزاء المدني بأن المشرع قد وفق في إكساء قانون 15 جويلية 1999 الصبغة الإلزامية وذلك من خلال ضبط قيام الجزاء وتحديد مضمونه.

إن أول نص قانوني أسس الجزاء المدني للقرض بفائض مشط هو الفصل 1103 م.أ.ع، غير أن عدم دقة المعايير المعتمدة في تحديد سقف الفائدة أفرغ القاعدة من كل إلزامية، وبالرغم من أن القانون 15 جويلية 1999 لم يتعرض صراحة إلى نسخه إلا أن اختلاف المعايير المعتمدة تبرر ذلك.

كما ضبط المشرع من جهة، شروط قيام الجزاء من خلال إكساء المعايير المعتمدة في تحديد سقف الفائدة صبغة علمية اقتصادية، حددت بدقة مفهوم التجاوز، ومن جهة ثانية ضبط مجال تطبيق الجزاء حيث أدمج صراحة البيوعات بتقسيط ضمن صنف القروض بموجب القانون وخوّل للبنك المركزي صلاحية تصنيف القروض التي تخضع لنفس نسبة الفائدة المشط.

راعى المشرع دور عقد القرض في تنشيط الحياة الاقتصادية فوفّق بين ضرورة ردع الإقراض بفائض مشط فرتب جزاء البطلان المطلق في صورة تطبيق نسبة فائدة مشطّة وبين استقرار المعاملات فأقر البطلان الجزئي في حدود الجزء المخالف للقانون.

[1] – لم يحدد المشرع الجزاء الذي يتسلط على التصرف المبرم في حق القاصر أو السفيه دون إذن خاص من القاضي (الفصل 15 م.إ.ع).

[2] – محمد الزين : قانون مدني، النظريّة العامة للالتزامات، العقد، تونس طبعة ثانية، 1997، ص 44، عدد 40).

[3] – سمير عبد السيد تناغو: النظرية العامة للقانون، منشأة المعارف بالاسكندرية، 1986، ص 68.

[4] – يشترط المشرع لتكوّن الحق العيني في بيع العقارات المسجلة، ترسيم عقد البيع بالسجّل العقاري، الفصل 305 م.ح.ع كما تمّ تنقيحه بموجب قانون 4 ماي 1992.

[5] – يشترط المشرّع، لصحّة عقد البيع، وجوبا أن يتمّ تعيين الثمن. جاء في الفصل 579 ما يلي “تعيين الثمن الذي انعقد عليه البيع لازم فلا يصحّ “بعت أو اشتريت بما يعينه فلان أو بمثل ما اشترى به فلان”…”.

[6] – يقابل هذا التعريف في المجلة المدنية المصرية، المادة 538 :”القرض عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكيّة مبلغ من النقود وأي شيء مثلى آخر، على أن يردّ إليه المقترض عند نهاية القرض شيئا مثله في مقداره ونوعه وصفته”.

[7] – فاخر بن سالم، المرجع السابق، ص 8.

[8] – عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، العقود التي تقع على الملكية، الهبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح، الجزء الخامس، منشأة المعارف بالإسكندريّة، 2004، ص 326، عدد 226 .

[9] – مالك الغزواني : الفوائض في القانون التونسي بين التحديد والتحرير، رسالة ختم الدروس بالمعهد الأعلى للقضاء،المعهد الأعلى للقضاء السنة القضائيّة 1999-2000، ص 1.

[10] – آية 39 سورة الروم.

[11] – منير بالعيد: حماية المقترض في عقد القرض بفائض، مذكرة شهادة الدراسات المعمقّة في القانون الخاص، كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة والاقتصاديّة بسوسة، السنة الجامعية 1992-1992، ص 10.

[12] – مرجع سابق، ص 11.

[13] – M. CABRILLAC ET C. MOULY : Droit pénal de la banque et du crédit, Masson, Paris, 1982, p 161, n° 244.

[14] – محمد بن إبراهيم: الاجتهاد وقضايا العصر، دار التركي للنشر تونس 1990، ص 132.

[15] – Avant projet du code civil et commercial tunisien, imprimerie générale, 1899, p 446 et 447 .

[16] – محمد الشرفي وعلى المزغني : أحكام الحقوق، دار الجنوب للنشر، تونس 1995، رقم 56.

[17] – سليم رستم الباز اللبناني: شرح المجلّة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، طبعة ثانية 1986، ص 33.

[18] -محمد الشرفي وعلى المزغني: المرجع السابق، رقم 56.

[19] – فاخر بن سالم : القرض بفائدة مشطة، الأخبار القانونيّة، عدد 8/9 سبتمبر 2006، ص 8.

[20]– CABRILLAC ET MOULY C: op. cit, p ; Dubos J: Intérêts et commissions-fixation des taux d’interets actualisé par Coudert P., lexis Nexis, 2005, fasc. 510, p.

[21]-CH.GAVALDA: “L’information et la protection des consommateurs dans certaines opérations de crédit” D 1978. Ch. P 989 et s.

[22] – DUBOs J: op. cit, p

[23] – مالك الغزواني، المرجع السابق، ص 4 .

[24] – محمد الزين: المرجع السابق، عدد 239.

BESROUR : Sanction des règles de formation du contrat et du maintien du rapport contractuel, thèse en vue de l’obtention de doctorat d’Etat, F.D.S.P, 2001, p 3.
J- GHESTIN : Traité de droit civil, les obligations, le contrat : formation, L.G.D.J, Paris, 2éme éd., 1988, n° 723et s.

[25] – ورد مثل هذا الحلّ في الإنجيل حيث جاء فيه:” في الخارج يمكنك أن تقرض بفائض أمّا بالنسبة لأخيك فإنّك تقرضه دون فائض”.

Luc.6.35 / « à l’étranger tu pourras prêter à intérêt mais tu prêteras sans intérêt à ton frère » cité par M.CABRILLAC ET C.MOULY, op.cit, bas de page n 10, p 161.

[26] – مالك الغزواني، المرجع السابق، ص 5.

[27] – نفس المرجع، ص 7 .

[28] – فاخر بن سالم، المرجع السابق، ص 6.

[29] – وقد عبرت محكمة تونس المدنيّة عن هذا الموقف بكلّ وضح في حكم صدر في 30 جانفي 1888.

« Dans la régence, le taux du loyer de l’argent est purement conventionnel, et si regrettables que puissent être les agissements d’un prêteur qui exploit l’incurie ou le besoin d’un emprunteur pour absorber son patrimoine immobilier, il n’appartient pas au tribunal de rechercher si l’origine d’une créance est due à des procédés usuraires, la demande d’immobilier de la créance, fondée sur ce motif par le débiteur doit être purement et simplement rejetée comme manquant de base légale ».

[30] – معجم الطلاب المزدوج، عربي، فرنسي، فرنسي عربي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثالثة 2006، ص 126.

[31] – محمد الشرفي وعلي المزغني، مدخل لدراسة القانون، المركز القومي البيداغوجي، 1993، ص 276، رقم 466.

[32] – يراجع في هذا الخصوص، خالد النهدي : النظام البنكي من التخصص إلى اللاتخصص، مذكرة لنيل الماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2006-2007،ص 37.

[33] – بموجب قانون عدد 90 لسنة 1958، المؤرّخ في 19 سبتمبر 1958، المتعلق بإنشاء وتنظيم البنك المركزي التونسي.

[34] – مالك الغزواني: المرجع السابق، ص 7.

[35] – محمد الفوري : الإطار المؤسساتي في اقتصاد متحول ومرد ودية المنشأة الاقتصاديّة، المجلة التونسيّة للاقتصاد والتصرف، عدد 12، 1995، ص 34.

[36] – خالد النهدي: المرجع السابق، ص 29.

[37] – نواف الّرومي: إندماج الاقتصاد التونسي في العولمة، المطبعة الرسمية للجمهوريّة، 2006، ص 132.

[38] – الفصل 1 من قانون 29/7/1991 المتعلق بالمنافسة والأسعار أعلن عن المبدأ الأساس التالي: تحديد أسعار المواد والمنتوجات والخدمات بكل حريّة باعتماد المنافسة الحرّة.

[39] – نور الدين بسرور: دروس في القانون البنكي، السنة الأولى مرحلة الثالثة حقوق، شعبة قانون خاص كلية الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس 2008-2009 دروس غير مرقونة.

[40] – فاخر بن سالم المرجع السابق ص12.

[41] – سبق أن بيّنا أم أمر1954 أحال في خصوص الجزاء إلى الفصل 2 من أمر 1937 المتعلّق بالربا.

[42] – نصّ الفصل 2 من أمر 1937 المتعلق بالربا على ما يلي : في الصورة المنصوص عليها بالفصل السابق يحكم أيضا على المقرض بخطيّة من مائة فرنك إلى خمسة آلاف فرنك وعند العود لذلك تكون العقوبة بالسجن من ستة أيام إلى ستة أشهر وبخطيّة من خمسمائة فرنك إلى خمسة آلاف فرنك”.

[43] – EL ARBI ZARROUK : Le taux d’intérêt bancaire, Infos juridique n 48/49, Juin 2008, p 10 .

[44] – Idem .

[45] – فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص 8.

[46] – محمد الشرفي: مدخل لدراسة القانون، دار سيراس للنشر،1991، ص 182 و183.

– [47]هناك إمكانية تتخذّ فيها القاعدة لمدّة زمنيّة محدّدة وعند إنقضاء الأجل المحدّد يقوم بإبطال العمل بالقانون بصفة آلية وبدون حاجة إلى نصّ جديد.

[48] – محمد الشّرف: مرجع سابق، ص 137.

[49] – نفس المرجع ص 137.

[50] – يترتب عن مبدأ سلطان الإرادة من حيث الشكل قاعدة الرّضائية في العقود.

[51]– محمد الزين: النظريّة العاملة للإلزام العقد ص 43.

[52]– الفصل 424 م.إ.ع:”ما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون فيما بين المتعاقدين ولا ينقض إلا برضائهما أو في الصورة المقررة في الفانون”.

[53] -Article 138 du code civil allemand « un acte juridique qui est contraire aux bonnes mœurs est nul. Est nul, en particulier, un acte par lequel quelqu’un, en exploitant la nécessité, la légèreté ou l’inexpérience d’autrui, se fait promettre ou conférer, pour une prestation, des avantages pécuniaires qui excédent à tel point la valeur de la prestation que, suivant les circonstances, ces avantages pécuniaires se trouvent en disproportion flagrante avec cette prestation ».

BESROUR N., op ;cit p 519 . راجع في هذا الخصوص

[54] – عبد الرزاق السنهوري: مرجع سابق، مصادر الالتزام، ج I ، ص 292، وما بعده.

[55] – نقس المرجع أعلاه ص 292.

53 – محمد بقبق : النظريّة العامل للإلتزام، التصرف القانوني، مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2009، ص 189، عدد 181.

[57] – جاءت بالمادة 129 من المجلة المدنية المصرية ما يلي: “إذا كانت إلتزامات أحد المتعاقدين لا تتعادل البتة مع ما حصل عليه هذا التعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع إلتزامات المتعاقد الآخر، وتبين أن المتعاقد المغبون لم يبرم العقد إلاّ لأنّ المتعاقد الآخر قد استغل فيه طيشا بيّنا أو هوى جامحا، جاز للقاضي بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو ينقص إلتزامات هذا المتعاقد ويجب أن ترفع الدعوى بذلك خلال سنة من تاريخ العقد، وإلا كانت غير مقبولة. ويجور قي عقود المعاوضة أن يتوخى الطرف الآخر دعوى الإبطال إذا عرض ما يراه القاضي كافيا لرفع الغين”.

Art 90 du code civil algérien « si les obligations de l’un des contractants sont hors de toute proportion avec l’avantage qu’il retire du contrat ou avec les obligations de l’autre contractant et s’il est établi que la partie lésée n’a conclu le contrat que par suite de l’exploitation par l’autre partie de sa légèreté notoire ou d’une passion effrénée, le juge peut, sur la demande du contractant lésé, annuler le contrat ou réduire les obligations de ce contractant … ».

[58] – أثار الفصل 60 م إ ع جدل فقهي. ذلك أنّ الأستاذ يوسف الكناي، يعتبّر أنّه ليس لهذا الفصل أي إضافة فهو في الواقع غير ذي موضوع طالما أن التغرير المشترط في الغين يشكّل في ذاته سببا كافيا لإبطال العقد (فصل 57 م.أ.ع). غير أنّ الأستاذ محمد الزين يرى إن هذا الفصل هو مهم لأنّه لا يوجد حكم قانوني غير الذي ورد بالفصل 60 المذكور ليمنع البطلان من أجل الغلط في القيمة. لكن الأستاذ نور الدين بالسرور أشار إلى أن الغلط في القيمة لم يرد ضمن الحالات الحصريّة المنصوص عليها في الفصل 44 م.إ.ع لذلك فأن الغلط في القيمة لا يمثل عيب من عيوب الرّضا. أمّا الأستاذ محمد بقبق فإنّه يرى أن عبارة التغرير الواردة بالفصل 60 م إ ع قد وقع استعمالها بصفة خاطئة. فالمشرّع استعمل هذه العبارة في عدّة مواضيع مثل الفصل 107-85، 278 م.إ.ع وفي كلّ مرّة أراد فيها الإشارة إلى خطأ قصدي أو أرادي للتمييز عن الخطأ غير القصدي. والحل حسب رأي يكمن في الإنطلاق من القاعدة التي لا استثناء لها وهي أنّ المشرّع منزه تماما من العبث أي أنّ ما ينصّه المشّرع له تطبيقه. فالمشكل إذا يكمن في تفسير الفصل 60 وليس في الصياغة ، ذلك أنّ الفصل 57 يقصي إمكانية إبطال العقد على أساس التغرير العارض وحده التغرير الحاسم يؤدي إلى البطلان. تمّ نعود إلى الفصل 60 الذي وردت عبارة التغرير فيه مطلقة وحسب حكم القانون إذا جاءت عبارة النص مطلقة جرت على إطلاقها إي شملت جميع صورها المطلقة لذلك فعبارة التغير الواردة بالفصل 60 م.إ.ع تحمل صورة التغرير الحاسم والتغرير العارض ويخول بذلك الفصل 60 م.إ.ع إمكانية إبطال العقد في صورة التغرير العارض المقترن بغبن الأمر الذي لا نجد له تطبيق في أي فصل آخر.

[59] – مالك الغزواني: مرحع سابق، ض 148.

[60] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 148.

[61] – فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص 6.

[62] – منير بالعيد: مرجع سابق، ص 10. M. CABRILLAC ET C. MOULY, op.cit, p 173, n 255

[63] – مالك الغزواني: مرجع سابق ص 29

[64] – فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص 10.

[65] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 108 عدد 134.

[66] – مداولات مجلس النواب عدد 42 جلسة الثلاثاء 6 جويلية 1999- الرائد الرسمي للجمهورية التونسية

ص2185.

[67] – نفس المرجع.

[68] – قانون عدد 39 لسنة 1998 المؤّرخ في 2 جوان 1998 المتعلق بالبيوعات بالتقسيط.

[69] – مداولات مجلس النواب، مرجع سابق ص 2187.

[70] – نقس المرجع.

[71] – نقس المرجع.

[72] – مالك الغزواني: مرجع سابق، ص 84.

[73] – يقابل هذا المصطلح باللغة بالفرنسية : Taux indexé.

[74] – من المعايير المعتمدة أيضا نذكر نسبة تداول الرقاع في السوق المالية، أمّا في العقود الدولية فيتم اللجوء إلى النسب المتداولة على كبر الأسواق النقديّة العالمية مثل نسبة السوق اللندنية, في هذا الخصوص يمكن الرجوع إلى

A .ZIDI BEN ABDALLAH: Les techniques tunisienne de financement bancaire, éd. Ben Abdallah 1996, p224.

[75] – Ch.Gavalda : intérêts des capitaux, in répertoire Dalloz commercial 1994 n° 24 et s.

[76] – THIERRY BONNEAU : Droit bancaire L.G.D.J, Paris, éd. Delta, 2003, p 49.

[77] – منير بالعيد: المرجع السابق، ص 17.

[78] – اعتبار القوّة الملزمة للعقد الفصل 242 م إ ع.

[79] – نور الدين بسرور: دروس في القانون البنكي، السنة الأولى حقوق مرحلة ثالثة،شعبة قانون خاص 2008-2009، محاضرات غير مرقونة.

[80] فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص 12 هامش 33.

[81] – نور الدين بسرور: محاضرات قي القانون البنكي، السنة الأولى مرحلة ثالثة حقوق، شعبة قانون خاص، كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس، سنة 2007 -2008 (محاضرات غير مرقونة).

[82] – TEG c’est : Le taux effectif global

[83] – منير بالعيد: حماية المقترض في عقد القرض المرجع السابق ص 17.

[84] – مالك الغزواني: المرجع السابق ص 129.

[85] – الأستاذ فاخر بن سالم: المرجع السابق، ص 8.

[86] – نور الدّين بسرور: دروس في القانون البنكي، السنة الأولى مرحلة الثالثة حقوق، شعبة قانون خاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2007-2008، (دروس غير مرقونة).

[87] – نفس التمشي الذي سار عليه القانون المصري حيث جاء في الفصل 2 من المجلة المدنية المصريّة “…أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرّر قواعده ذلك التشريع”.

[88] – سليم الشواش: نسخ القاعدة القانونية، مذكرة للإحراز على شهادة الماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2003- 2004، ص 84.

[89] – يعبّر مثلا الفقهاء المصريّون عن صيغ النسخ بالاستيعاب بلفظة “تنظيم نفس الموضوع الجديد” يراجع في هذا الخصوص الأستاذ حسن كبيرة المدخل إلى القانون منشأة معارف الإسكندرية طبعة خامسة ص 336.

[90] – محمّد كمال شرف الدين: قانون مدني، النّظريّة العامّة- الأشخاص- إثبات الحقوق، المطبعة الرّسميّة للجمهوريّة التّونسيّة، تونس 2002، ص 90.

[91] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 184 عدد 291.

[92] – محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق، ص 88 عدد 78.

[93] – انظر ص 32 أعلاه.

[94] – محمد كمار شرف الدين: مرجع سابق، ص 88 عدد 78.

[95] – نفس المرجع، ص 88 عدد 78.

[96] – مذكرة نسخ القاعدة القانونية ص 70.

[97] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 184 عدد 292.

[98] – HAMMADI BEN LAKHDHAR ARRAÏD : Quelques réflexions sur la rémunération du banquier, R.J.I, mars 2008, p 47 édicte que art 1103 coc « reste un texte général auquel déroge ladite loi (loi 1999 relative aux taux d’intérêt) celle-ci est une loi spéciale est donc elle ‘l’emporte sur l’article 1103 : elle a un domaine limité puisqu’elle ne s’applique qu’au crédits consentis par les banques et les établissements financiers auxquels est assimilée la vente avec facilité de paiement » .

[99] – محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق ص 88 ويراجع أيضا محمد الشرف المرجع السابق ص 184 عدد 293.

[100] – وهو موقف الأستاذ حمادي الرّايد الذي عبّر عنه من خلال قوله :

“même si l’on admet que ce texte n’a pas été abrogé par la loi relative aux taux d’intérêts excessifs » ”

[101] – قد يكون عقد الخصم الذي ركّز المشرع في تعريفه صلب الفصل 703 م ت على التسبقة التي يتمتّع بها حامل السند فجاء بصريح العبارة أن البنك يلتزم “بأن يدفع سلفا” للحامل مبلغ الأوراق التجاريّة كما يتأكد خضوع الخصم لنسبة الفائدة المشطة من خلال الفصل 4 من أمر 21 فيفري 2000 إذ جاء حساب النسبة الفعلية الجمليّة للفائض الذي ينتجه

[102]– CH.GAVALDA ET J. STOUFFET : La limitation des taux d’intérêt conventionnels par la loi n° 66-1010 du 28 décembre 1988 sur l’usure, J.C.P.éd. G. 1968. I 2171, n°16.

[103] – تمّ تغيير في هذه السنة بموجب تنقيح 4 أوت 2008.

[104] – فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص 8.

[105] – بتاريخ 30/04/1970 م.ق.ت ،1971 ص 66.

[106] – محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق، ص 88.

[107] – سمير عبد السيد تناغو: النظريّة العامة للقانون منشأة المعارف الإسكندرية، 1986، ص 68.

[108] – « attendu… que l’article 1103 (du code des obligations et des contrats) décide que dans certains cas les tribunaux peuvent réduire le taux d’intérêt conventionnel, mais que cette faculté ne leur est accordée que lorsque le préteur abusant des besoins, de la faiblesse d’esprit ou de l’inexpérience de l’emprunteur aura été l’objet de poursuites pénales, ce qui n’est nullement le cas dans l’espèce”, J.T.F.T, 1914, P 281.

[109] – فاخر بن سالم المرجع السابق ص 7، وانظر أيضا J.DUBOS: “Intérêt et commission- cours, capitalisation et paiement des intérêts”, Juris-classeur, 2000, fax.- 511, p 16..

[110] – قرار تعقيبي جناحي عدد 2138 مؤرخ في 10 جويلية، نشريّة محكمة التعقيب لسنة 1963 ص 115 تعرّض هذا القرار إلى مشكلة تزاحم الأوامر المنظمة للربا وبيّن أن تحديد العقاب المستوجب لهذه الجريمة يتمّ بالرجوع إلى أمر 3 فيفري 1937.

[111] – فاخر بن سالم: المقال سابق الذكر ص 10.

[112] – مالك الغزواني: مرجع سابق، ص 92.

[113] – H.ALYA: Monnaie et financement en Tunisie, CÉRÉS-CERP, Tunis, 1991, p378.

[114] – يقابل هذا الفصل في القانون الفرنسي: الفصل L313-1 فقرة أولى من مجلة الاستهلاك، وقد جاء فيه:” “Les frais, commissions ou rémunération de doute nature, directs ou indirects…même s’ils correspondent à des débours réelles.”

[115] – M. Cabrillac et C. Mouly .op . cit , P 172 n 254 .

[116] – CH. GAVALDA ET G. STOUFFLET art. pré. J.C.P, éd G, 1968, 1, 2171 n 46 s et s.

– CH. GAVALDA, rép- Dalloz droit commercial, usure, 1994, n° 41.

[117] – CABRILLAC M. ET MOULY C. Op.cit., p 172, n° 254, Jacques Dubos, intérêt et Commission –fixation des taux d’intérêts, Lexis Nexis, Fasc. 510

-[118] ينص أحد بند القروض على ما يلي : « pour les montants, commissions frais revenant au préteur et tous les débours (que le prêteur) pourrait être appelé à effectuer en vertu de ce contrat s’ajouteraient à la dette de l’emprunteur ».

[119] – ينص أحد القروض على البند التالي : يتعيّن على المقترض أن يكتتب لدى شركة تأمين عقدين للتأمين، الأول تأمين على الحياة والثاني تأمين ضد الحريق يغطي كلّ منهما مبلغا يساوي على الأقل قيمة القرض والفوائض طول مدّة تسديدهما، يجب أن يتضمن هذان العقدان خصوصا الإحالة لفائدة (المقرض) قبل غيره من الدائنين أو حتّى المكتتب نفسه لكل التعويضات التي قد ترجع إلى المكتتب في صورة حدوث خطر وفي حدود المبالغ المخلدة بذمّة المقترض أصلا وفوائض ومصاريف، وعليه فإنّ شركة التأمين المعنية بالأمر مرخص لها من طرف المكتتب في دفع تلك التعويضات مباشرة إلى (المقرض) ومتى فعلت ذلك فلها الأبراء التام.

[120]– H. GAVALDA ET J. SOUFFLET, art. Précité, n 5; M. VASSEUR: ” La fixation du taux d’intérêt et du taux effectif global en matière de découvert en compte”, Dalloz – 1988, chronique, n° 26 p 463.

[121] – Crim. 12 octobre 1976, Bull, n° 228.

[122]– ينص الفصل 540 م.إ.ع على ما يلي: “ما به قيد أو استثناء من القوانين العموميّة أو غيرها لا يتجاوز القدر المحصور مّدة وصورة..”.

[123] – منعت الفقرة الثانية من الفصل 34 من منشور عدد 21 لسنة 1991 البنوك من إحداث عمولة جديدة قبل أخذ موافقة البنك المركزي، أمّا الفصل 37 من نفس المنشور فألزمهم بإعلامه بمقدار العمولات 10 أيام على الأقل قبل بداية العمل بها.

[124] – Commission d’étude prévue par l’annexe II, 8-6 de la circulaire n 91-22.

[125] – Commission de découvert prévue par l’annexe II, 8-5 de la circulaire n 91-22 qui fixe sa base de calcul, sur le plus fort découverts, V°. G. Ripert et R. Roblot, traité de droit commercial, 12éme éd, L.G.D.J. 1990, T. II, n 2376.

[126] – Commission de mouvements prévue par l’annexe II, 8-11 de la circulaire n 91-22 qui stipule qu’elle est prélevée sur les mouvements des comptes courant débiteurs… », La doctrine française est controversés à son égard : pour sont exclusion. V°. G. RIPERT et R. ROBLOT, T.II, n 2376, pour son inclusion, V°. M. CABRILLAC et CH. MOULY art. pré, n 253.

[127] – Commission d’engagement prévue par l’annexe 11.8-8 de la circulaire n 91-22 qui stipule qu’elle est calculée sur la base du montant restant à débloque.

[128] – CH. GAVALDA ET J. STOUFFLET art. pré, J.C.P. éd, G, 1968, n56.

[129]– M. CABRILLAC ET CH. MOULY .n 253, p 171, rives-lange (J-l) « escompte et usure», Dalloz, 1975, Chronique, p 31 spec n° 14

[130] – M. CABRILLAC ET CH. MOULY, art. pré, n 253, p 171 .

[131] G.RIPERT ET R. ROBLOT, T.II. n° 2393.

[132] – نفس هذه العبارة وردت في الفصل 313-3 فقرة 1 من مجلة الاستهلاك الفرنسية حيث جاء فيها:

« au moment ou le prêt est consenti ».

[133]– ورد هذا الحل صراحة في الفصل 2 من القانون الفرنسي عدد 1010-66 وطبقته محكمة التعقيب الفرنسيّة. ” cass. crim. 9 Janvier 1979 Bull. crim.”v, 1979, n°16. يراجع في هذا الخصوص :

MALAURIE. Et L. AYNS n° 944, J. DUBOS art pré, n° 94.
[134] – دافع عدّه فقهاء على الموقف معتبرين أنّ تحديد سقف الفائدة هو فرصة وجب انتهازها لجعل الشرط التغريمي يخضع إلى قواعد معقولة تبعده عن كلّ شطط. براجع في هذا الخصوص : Ch. Gavalda. et J. stoufflet art, pré, J.C.P, éd. G 1968, 1, 2171 n°64 B Geisanberger, « Prêt d’argent, clause pénale et susure », R.T. com, 1966, p 279, J.H Guth, v° Usure in répertoire Dalloz pénal, n° 27.

[135]– طرح هذا الساؤل على وزير المالية عند مناقشة مشروع قانون 15 جويلية 1999 وقد أجاب بأنّه “لا مجال بإدماج الفوائض التأخيريّة في قاعدة النسبة الفعليّة الجمليّة لأنّ المتسبب فيها هو المقترض نفسه”، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة ، مداولات مجلس النواب عدد 42 لسنة 1999 جلسة 6 جويلية 1999 ص 2185 و2188.

[136] – عبد الله هلالي: “الفائدة في القانوني التونسي بين المدلول الأسمى والمدلول الفعلي” الشغف بالقانون، مجموعة دراسات مهداة إلى الأستاذ محمد العربي هاشم ص 772.

[137] – مالك الغزواني: مرجع سابق ص 100.

[138] – نقلت هذه الفصول من الفصل الثاني والثالث من الأمر عدد 944 لسنة 1985 بتاريخ 4 سبتمبر 1985 المتعلّق بحساب النسبة الفعليّة الجمليّة.

[139] – نفس هذه القاعدة نصّ عليها الفصل الأوّل من الأمر الفرنسي عدد 944 لسنة 1985 الذي جاء فيه « l’article 1 du décret 85-944 définit le TEG comme « un taux annuel, proportionnel au taux de période, à tenue échu et exprimé cent unités monétaire. »

[140] – وقع تبني هذا الحل في القانون الفرنسي المؤرخ في 3 سبتمبر 1807 الذي حدّد الفصل 1 منه أقصى نسبة الفائدة بمقدار 5 % في المادّة المدنيّة و6% في المادّة التجاريّة.

[141] – مالك الغزواني: مرجع سابق، ص 86.

[142] – نفس المرجع.

[143] – مالك الغزواني: مرجع مذكور، ص 87.

[144] – منير بلعيد، المرجع السابق، ص 88.

[145] – مالك الغزواني : المرجع المذكور، ص 129.

[146] -الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة عدد 17 لسنة 2000، 29 فيفري 2000، ص 563 .

[147] – قانون عدد 26 لسنة 2006 مؤرخ في 15 ماي 2006 متعلق بتنقيح وإتمام قانون عدد 90 لسنة 1958 المؤرخ في 19 سبتمبر 1958 المتعلّق بإنشاء وتنظيم البنك المركزي.

[148] – مالك الغزواني: مرجع سابق ص 133.

[149] – J. DUBOS: art, pré, p 21 n° 100.

[150] – مالك الغزواني: مرجع مذكور ص 131.

[151] – نص الفصل 32 من قانون 10 جويلية 2001 على ما يلي:”يجري البنك المركزي على البنوك مراقبة على الوثائق أو مراقبة على المقرّ .”

[152] -CH. GAVALDAET J. STOUFFLET; article précité J.C.P. éd. G. I,1968, 2171, n° 5.

[153] – هذه العبارة ليست مصطلحا قانونيّا دقيقا إذ أنّها تشير إلى القرض “الاتفاقي” والحال أنّه لا يتصوّر وجود قرض في غياب اتفاق، وكان من الأجدر استعمال عبارة كل قرض بفائض اتفاقي.

[154] – مالك الغزواني: المرجع السابق ص 142.

[155] – فاحر بن سالم: مرجع سابق ص 9.

[156] – سامية غديرة معتوق: الحماية الجزائية للمستهلك، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة، كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، ص 90..

[157] – فاخر بن سالم: مرجع مذكور ص 9.

[158] – سامية غديرة معتوق: مرجع سابق ص 90.

[159] – CH. GAVALDA ET J. STOUFFLET: art, pré, J.C.P, éd G, 1968, 12171n° 22et s.

[160] – نفس المرجع نفس الصفحة.

[161] – مالك الغزواني: مرجع سابق ص 144.

[162] – نفس مرجع، ص 134.

[163] – في فرنسا صدر في 25 جوان 1990 قرار يضبط مختلف أصناف القروض الخاضعة لنفس النسبة فقسّمها بصفة عامة بحسب صفة المقترض إن كان مستهلكا أو مؤسّسة وهذين الصنفين الكبيرين يتفرعان بدورهما إلى أصناف صغري حسب معيار أهميّة القرض أو مدته.

[164] – الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة عدد 11 المؤرخ في 6 فيفري 1998.

[165] – انتهي الفقه الفرنسي إلى إدخال عقد استخلاص الديون في صنف عمليات القرض في الحالة التالية : إذا أحال الحريف للجهاز المالي دينا لن يحل أجله إلاّ بعد مدّة على أن بمجرد تمام الإحالة يضع على ذمته مقدار ذلك الدين فإنّه بذلك يمكنه من تسبقه مما يصيّر العملية عملية قرض، وما يزيد في تأكيد ذلك هو أنّ الشركة تتقاضى فائضا عن المدّة الفاصلة بن تاريخ أحالة الدين لها وتاريخ حلول أجله.

انظر في هذا الخصوص Cabrillac et ch Mouly: op. cit, n 273, Th. Banneau, op. cit n° 569. M.

[166] – فاخر بن سالم: مرجع سابق ص 9.

[167] – خالد النهدي: مرجع سابق، ص 70.

[168] – الفصل 4 من قانون 15 جويلية 2001 المتعلق بمؤسّسات القرض.

[169]– تمّ التأكيد على هذه المسألة بمناسبة مناقشة قانون 15 جويلية 1999 من طرف وزير المالية عند مداولات مجلس النواب وقد جاء على لسانه ما يلي “”أوّد أن أقول أنّ القانون يطبق على الإيجار المالي باعتباره من آليات القروض.

[170] – فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص9.

[171] – مالك الغزواني: مرجع مذكور ص 147.

[172] -M.CABRILLAC ET C.MOULY, op. cit, p 185.

[173] – عمليات الإيجار المالي هي من عقود الخدمات، وجوهره يتمثل في دفع معينات الكراء بصفة دوريّة لذلك فإنّ كلّ هذه العقود تنطوي على طرق للدفع.

[174]– S. BERGE: Réptoire alphabétique de la jurisprudence Tunisienne, T.II, Tunis 1910, p 427.

[175] -J. CARBONNIER : Droit civil, T4, les obligations, P.U.F, 15éme éd 1994, n 78 p 140.

[176] – نور الدين بسرور: دروس في القانوني البنكي، محاضرات للسنة الأولى مرحلة ثالثة حقوق، شعبة قانون خاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2008-2009 ، دروس غير مرقونة.

[177] – محمد بقبق: مرجع سابق ص 253، عدد 341.

[178] – هذا ما نصّ عليه الفصل 325 م.إ.ع، الفصل 330 م.إ.ع.

[179] – عبد الفتاح عبد الباقي: نظريّة العقد والإرادة المنفردة، دراسة معمّقة ومقارنة بالفقه الإسلامي 1984، عدد 220.

[180] – محمد الزين: مرجع سابق ص 248، عدد 313.

[181] – محمد الزين: مرجع سابق عدد 259 ص 207.

[182] – نفس المرجع عدد 257 ص 210.

-[183] محمد بقبق: النظريّة العامة للالتزام، التصرف القانوني، مجمع الأطرش للكتاب.

[184] – محمد الزين: مرجع سابق عدد 254 ص 208.

[185] – فاخر بن سالم: مرجع سابق الذكر ص 8.

[186] – تعرض العديد من الفقهاء من خلال دراساتهم إلى ذكر الفصل 1103 م.إ.ع ولم يشيروا إلى نسخه: فاخر بن سالم، المرجع السابق، ص 8؛ محمد بقبق، مرجع سابق، ص 131، عدد 185،

TAOUFIK BEN NASR: Droit bancaire Tunisien, La maghrébine pour l’empressions et la publicité, Tunnis 2009,p ;

El Arbi Zarrouk, op. cit , p 10 ; Hammadi Ben LAKHDHAR ERRAÏD, op.cit, p 45.

[187] – محمد الشرفي: مدخل لدراسة القانون، مرجع سابق الذكر، ص 186.

[188] – نفس المرجع عدد 296، ص 186.

[189] – محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق، عدد 135 ص 141.

[190] – نفس المرجع عدد 135 ص 141.

[191] – N. BESSROUR, op. cit, p 519, n°352.

[192] – عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني ،ج I. مصادر الالتزام، ص 302 عدد 208.

[193] – محمد الزين: مرجع سابق ص 178، عدد 220.

[194] – محل القرض في الأصل هو الشيء المقترض، وقد تشترط فوائد القرض فيكون للعقد محل آخر هو هذه الفوائد المشتركة، السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج 5، ص 338 عدد 284.

[195] – الفصل 1095.

[196]– A.GHARIANI : De taux d’intérêt, mémoire de D.E.A., F.D.S.P.T., année universitaire 2002-2003, p 97.

[197] – يرى الأستاذ محمد الزين: أنّ الفصل 62 م.أ.ع يقيم الدليل على فشل قاعدة لا بطلان بدون نص، وقد عبّر عن ذلك بقوله ” سهى المشرّع عن ذكر طبيعة البطلان المنجر عن التعاقد فيما يتنافى مع قواعد النظام العام والأخلاق الحميدة (الفصل 62 م.أ.ع). فهل يجوز في هاته الصورة تكييفه بالبطلان المطلق والحال أنّ الفصل 325 لا يسمح بهذا الجزاء إلاّ إذا خلى العقد من ركن من أركانه أو إذا حكم القانون صراحة ببطلانه؟ وإذا كان الجواب بالنفي فكيف اعتبار البطلان نسبيّا وحالة الفصل 62 لا تدخل في نطاقه المبيّن بالفصل 330؟” محمد الزين: مرجع سابق، ص 212 عدد 259.

[198] – السنهوري: مرجع سابق، ج I، ص 336، عدد .238 محمد الزّين: مرجع سابق ص 165 عدد 198.

[199] – أنظر مثلا الحكم الابتدائي المدني عدد 81 مؤرخ في 3 جويلية 1961 ( م.ق.ت 1961، عدد 8 ص 57).

[200] – السنهوري: مرجع سابق، ج I، ص 326 عدد 228.

[201] – نفس المرجع ص 327 عدد 228.

[202] – M.CABRILLAC ET C.MOULY, op.cit, p 161

[203] – حرّمت الديانة المسيحيّة واليهودية التعامل بالفائض:

Deutéronome 23- 20: ” Tu ne feras à ton frères aucun prêt … de quoi que ce soit qui puisse rapporter des intérêts.”

Exode 22-24 :” Si tu prètes de l’argents a mon peuple… tu n’agiras pas avec lui comme un usurier”.

[204] – محمد إبراهيم: الاجتهاد وقضايا العصر، دار التركي للنشر، تونس 1990 ص 132.

[205] – السنهوري: مصادر الحق في الفقه الإسلامي، المجمع العملي العربي الإسلامي، المجلد الأول ص 237.

[206] – نفس المرجع.

[207] – نفس المرجع.

[208] – محمد بقبق: مرجع سابق، عدد 65، ص 55.

[209] – . FARJAT: Droit économique, collection Thémis 2éme éd, P.U.F, 1982 P 49 ets

[210] – محمد الزين: مرجع سابق عدد 52 ص 53.

[211] – نفس المرجع ، نفس الصفحة.

[212] – فاخر بن سالم: مرحع مذكور، ص 8.

[213] – مداولات مجلس النواب، الرائد الرسمي عدد 42 جلسة يوم الثلاثاء 6 جويلية 1999 ص 2189.

[214] – نفس المرجع، نفس الصفحة.

[215] – نفس المرجع ص 2186.

[216] – J.M. PAUGHON « Histoire doctrinale de l’échange et du contrat » Paris, L.G.D.J, 1985, n238.

[217] – السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، ج I، نظريّة الالتزام منشأة المصارف الإسكندرية، 2004، ص 326، عدد 227.

[218] – نفس المرجع، نفس الصفحة.

[219] – مالك الغزواني: مرجع سابق، ص 142.

[220] – محمد الزين: مرجع مذكور عدد 50، ص 52.

[221] – في القانون الفرنسي قرّرت محكمة التعقيب الفرنسيّة أنّ بطلان الفائض المشط هو بطلان نسبي لأنّ قواعد الربا تهدف لحماية الطرف الضعيف في عقد القرض بفائض.

Cass.civ. 15 mai 1981, arrêt civ. 80, D 1981, p 35; يراجع أيضا في هذا الخصوص Weill et TERRE, Les obligations, 4éme éd, Dalloz, Paris 1986, n 247, 249 et 299, v.aussi dans le même sens, RIPERT, l’ordre économique et la liberté contractuelles, études Geny 1934 ; T.II, p 347 et s.

[222] – محمد الفروي: “مقتضيات التصرف في اقتصاد متحوّل” المجلة التونسيّة للاقتصاد والتصرف عدد 13، 1995ن ص 12 .

[223] – محمد الزين: مرجع سابق، ص 52، عدد 50.

[224] – ورد في مداولات جلس المستشارين، المرجع السابق، ما يلي: يمكن القول أن تطبيق هذا القانون قد مكّن من التحكم نسبّا في أسعار الفائدة رغم تحريرها وقد مكّن من الضغط على كلفة القرض بصفة عامّة.

[225] – محمد الفريوي : مرجع سابق، ص 10.

[226] – خالد النهدي: النظام البنكي التونسي من التخصص إلى اللاتخصص، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، ص 21 هامش 71.

[227] – خالد النهدي: مرجع سابق، ص 61 عدد 108.

[228] – فاخر بن سالم: مرجع سابق ص 12.

[229] – مداولات مجلس النواب، جلسة يوم السبت 19 جويلية 2008، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسية عدد 40 ص 1724.

[230]-نفس المرجع، نفس الصفحة.

[231] – مداولات مجلس المستشارين، مرجع سابق، ص 1534.

[232] – نفس المرجع نفس الصفحة.

[233] – نفس المرجع.

[234] – نفس المرجع.

[235] – خالد النهدي: مرجع سابق ص 61، عدد 107.

– [236] مداولات مجلس المستشارين، مرجع سابق، ص 1531.

[237] – مداولات مجلس النواب، مرجع سابق، ص 1724.

[238] – مداولات مجلس المستشارين، ص 1534.

[239] – مداولات مجلس النواب، مرجع سابق الذكر، ص 1725.

[240] – يقابله في التصنيف، النظام العام القضائي، براجع في هذا الخصوص، المنجي بولعراس: البطلان الجزئي للعقد، رسالة تخرج من المعهد الأعلى للقضاء ، 1995-1996، ص 145.

[241] – المنجي بولعراس: مرجع سابق، ص 145.

– [242]محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق، ص 27.

[243] – محمد بقبق: مرجع سابق، ص 61.

[244] – ومثال ذلك ما جاء بالفصل 100 م.ح.ع

[245] – ومثال ذلك ما جاء بالفصل 763 و1160 و1295 م.إ.ع.

[246] – ومثال ذلك ما جاء بالفصل 832 م.إ.ع.

[247] – N.REKIK : L’ordre public et le contrat civil, op.cit, p 18, n° 19.

[248] – محمد الشرفي وعلي المزغني: مدخل لدراسة القانون، المركز القومي البيداغوجي تونس 1993، ص 70، عدد 98.

[249] – N.REKIK : op.cit ; p. 18 n°20.

[250] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 189 عدد 302؛ محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق، ص 27 عدد 36؛ محمد الزين: مرجع سابق ص 227، عدد 3410.

[251] – محمد كمال شرف الدين: مرجع سابق ص28.

[252] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 191.

[253] – وتجدر الملاحظة في هذا الخصوص أنّه قد يتبادر للذهن أن القوانين المكملة تتنافى مع مبدأ القوة الإلزامية للقانون وذلك اعتبارا لأهمية دور الإرادة فيه وتفوقها على القانون. إلاّ أنّ ذلك غير صحيح لأنّ الإرادة مهما بدت حرّة في تطبيق القاعدة من عدمه فإنّ حريتها مقيّدة، أوّلا، بالإطار الذي حدده لها القانون، ثانيا بالترخيص أو الإذن الذي خوّل لها ممارسة هذه الحريّة، فإذا ما إلتزمت الإرادة بهذين القيدين يكتسي الاتفاق المبرم على ذلك النحو صبغة الإلزام ويقوم مقام هذا القانون فيما بين المتعاقدين.

[254] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 192، عدد 305.

[255] – J. CARBONNIER, Droit civil, thémis, P.U.T, T4, les obligations, 12éme éd, 1985, p 13.

STRACK, H. ROLAN ET L. BOYER., Droit civil, les obligations 4éd, Dalloz, Paris 1986, n 1137.
[256] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 192 عدد 307.

[257] -B.STARCK: H. ROLAND ET L.BOYER, op.cit, p 225, n 522 ; F.TERRE, PH SIMLER et Y LEQUETTE, Droit civil les obligations précis Dalloz, Paris 7éme éd. 1999, P 348, n 350 ; J CARBONNIER, op.cit, p 144, n° 69.

[258] – 54 Cass.-arrêt civ n° 2651 du 9 août 1978, bull.civ, 1978, II

cass.arrêt civ n° 31481 du 21 avril 1992, R.J.L 1994 n°1, p 83 .

[259] – N. REKIK op cit p 20 n 21

[260] -PH. MALAURIE: L’ordre public et le contrat, étude de droit civil comparé, France-Angleterre U.R.S.S.T.I, préface P.ESMEIN, éd, Matot-Braine, 1953, P 103, n° 142.

[261] – محمد الشرفي وعلي المزغني: مرجع سابق، ص 69، عدد 79 “عندئذ تتحدّد الصيغة الآمرة للقاعدة ودرجة إلزامها تبعا لطبيعة حكمها ولصياغتها , استدلالا عن تركيبتها اللفظية واللغوية”.

[262] – N.Besrour: op .cit, p 174 n°137 .

– [263] Idem.

[264]– J.Carbonnier, op.cit, p 146, n° 70 ; B.Marcadel, de l’exception d’ordre public, in mélanges Breton-Derrida, Dalloz, 1991, p 142 ; P.Gegout, juris_classeur de droit civil, art 6, ordre public et bonne mœurs, Edition techniques, Paris, p 7.n°23 .

[265] – Cass-arrêt civ, n 20767 du 14 Juin 1990, Bull.civ, 1990, 215, decide que, « la loi n 83-61 du 27 juin 1983, relative aux immeubles appartenant à des étrangers et construits ou acquis avant 1956 est d’ordre public parce qu’elles renferme des dispositions impérative et sanctions pénales ».

[266] – محمد الشرفي ، وعلي المزغني: مرجع سابق، ص 62 غدد 96.

[267] – خالد النهدي: مرجع سابق، ص 61 ، عدد 107.

[268] – يشكل البطلان الجزئي المبدأ في القانون السويسري جاء بالفقرة 2 من الفصل 20 مجلة الالتزامات السويسريّة ما يلي: « si le contrat n’est vicié que dans certains de ses clause, ces dernières sont seules frappées de nullité à moins qu’il n’y ait lieu d’admettre que le contrat n’aurait pas été conclu sans elle ».

[269] – محمد الزين: مرجع سابق، ص 197، عدد 239.

[270] – نفس المرجع، ص 236 عدد 296.

[271] – سبق أن تبنّى المشرع نفس هذا الحلّ في الفصل 1103 م.إ.ع حيث جاء فيه :”وحط الفائض المشترط ورجوع المدين بما أداه”.

[272] – تعود أصل هذه النظريّة إلى الفقيه Japiot في كتابه

des nullités en matière d’acte juridiques Essai d’une théorie nouvelle, thèse de Dijon, 1909

[273] – يراجع في هذا الخصوص N. Besrour, op.cit, p 177 et S, n 137 et s

[274] – محمد الزين : مرجع سابق ص 247.

[275] – نفس المرجع، ص 244 هامش 18.

[276] – المنجي بولعراس: مرجع سابق، ص 36.

[277] – نفس المرجع ص 15.

[278] Ainsi, en ce qu’il constitue la violation de la loi, c’est-à-dire, la cause de nullité au jour de la conclusion du contrat, le jugement de nullité est-il déclaratif d’une situation préexistante, en revanche, en ce qu’il en tire la conséquence légale, consistant à lui appliquer la sanction de nullité, le jugement de nullité est constitutif d’une situation nouvelle » C. Guelfucci, thibierge: nullité, restitution et responsabilité, L.G.D.J. 1992, p 323, n°543.

[279] – N. Besrour, op.cit p 490 n° 333.

[280] – محمد الزين: مرجع سابق، ص 248، عدد 314.

[281] – السّنهوري: مرجع سابق، ج1، ص 403 عدد 306.

[282] – محمد حسين: الوجيز في نظريّة الالتزام، مصادر الالتزامات وأحكامها في القانون المدني الجزائري، المؤسسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1983، ص90.

[283] – E. Gaudement, théorie générale des obligations, Sirey 1937, publié par Debois et J. Gaudement ; Japiot, des nullités en matière d’acte juridique, thèse, Dijon 1909, cité par C. Guelfucci- Thibierge.

[284] – يقابل هذا الرأي: العقد هو كائن قانوني، له وجود، يمرض ويموت.

[285] – كذلك يعتبر صورة تحوّل العقد دليل على صحّة هذا التوجه، لأنه في هذه الصورة يتم تغيير الوصف القانوني للعقد حسب الآثار المترتبة عنه بحيث ليس العقد هو الذي يرتب الآثار بل الآثار هي التي تحدد طبيعة العقد ووصفه القانوني.

[286] – عبد الرزاق السنهوري: مرجع سابق، ج I ، ص 407 عدد 304 .

[287] – محمد الزين: مرجع سابق ص 197، عدد 239.

[288] – J. Guestin, traité de droit civil, les obligations, le contrat, formation 2éme éd, n° 880 et n° 900.

[289] – مداولات مجلس النّواب، مرجع سابق، ص 2888.

[290] -N. BESROUR, Sécurisation du système de sanction des règles de formation du contrat info. Juridique n°44-45 Avril 2008, p 24.

[291] – محمد الزين: مرجع سابق، ص 244، عدد 307.

[292] – السنهوري: ج 5، مرجع سابق، ص 331، عدد 272.

[293] – أنظر ص 78.

[294] – نص الفصل 3 من قانون الفائدة المشطّة على ما يلي: “يتعيّن التنصيص على نسبة الفائدة الفعلية الجمليّة المنصوص عليها بالفصل الثاني من هذا القانون في كلّ كتب يتعلق بعقد قرض يخضع لهذا القانون، وفي صورة عدم التنصيص على النسبة المذكورة يعتمد معدل نسبة الفائدة الفعلية المطبقة خلال السداسية السابقة ويعاقب المقرض بخطية تتراوح بن خمسمائة وثلاث آلاف دينار”.

[295] – فاخر بن سالم: مرجع سابق، ص 12.

[296] – توصل الفقه الألماني إلى اعتبار أنّ البطلان المنصوص عليه بالفصل 138 مجلة ألمانية هو بطلان جزئي وذلك استنادا إلى الفصل 139 مجلة ألمانية.يراجع في هذا الخصوص N. Besrour, op.cit p 523 n352.

[297] – N. Bessrour, op.cit p 523 ; « celle-ci (la loi du 15 juillet 1999) dans son article 4, n’a pas prévu comme sanction civil que la répétition du montant des intérêts indûment payé. Ce qui équivaut à la réduction de taux excessif.

[298] – N. Rekik, op. cit, p 336 note 413 : « D »article 1er de la loi n099-64 du 15 Juillet 1999 relative aux taux d’intérêt excessifs opte pour la réduction légale du taux d’intérêt ».

[299] N. Bessrour, op.cit p 492 n 332.

[300]– N. Rekik, op. cit, p 328, n°373 :”après avoir été chirurgien, le législateur se fait orthopédiste”.

[301] – إنّ استبعاد تطبيق قاعدة الإثراء بدون سبب مرده أن التزام المقترض يدفع فوائض هو التزام بإعطاء وليس التزام بعمل، مع العلم أن ردّ غير المستحق هو إحدى تطبيقات قاعدة الإثراء، يراجع في هذا الخصوص، عبد الرزاق السنهوري ص 937 عدد 742.

Gueflucci -Thibierge : op. cit, p 370, n 639.
[302] – محمد الزين: مرجع سابق، ص239، هامش رقم 6.

[303] – نفس المرجع نفس الصفحة.

[304] – عبد الفتاح عبد الباقي: مرجع سابق، ص 489، عدد 241.

[305] – نفس المرجع ص 489 هامش رقم 1.

[306] – N. Rekik: op.cit, p 228 n 250.

[307] – نصّ الفصل 73 م.إ.ع على ما يلي: من دفع ما ليس عليه ظنّا منه أنه مدين لجهل كان به من حيث الحقوق أو من حيث حقيقة الأمر له أن يسترجع ما أداه ممن اتصل به لكل لا يلزم هذا بالردّ إذا مزّق رسم الدين أو إبطاله أو سلم في وثيقة الدين أو ترك القيام على المدين الحقيقي حتى سقط حقه بمرور المدّة جهلا منه بحقيقة الأمر فيم يبق للدافع والحالة هذه إلاّ الرجوع إلى المدين الحقيقي.

[308] – جاء بالفصل 74 م.إ.ع ما يلي: “من دفع باختياره ما لا يلزمه عالما بذلك فليس له أن يسترجع ما دفعه”.

[309] – محمد الشرفي: مرجع سابق، ص 297 عدد 533.

[310] – جاء بالفصل 545 ما يلي: جهل القانون لا يكون عذرا في ارتكاب ممنوع أو فيما لا يخفى حتى على العوام وذلك بعد نشره ومضي المدّة المعنيّة لإجراء العمل به”.

[311] – نصّ الفصل 7 من أمر 21 فيفري 2000 ما يلي: “يجب على المقرضين إعلام المنتفعين بحدود نسب الفائدة المشطّة المقابلة للقروض المسندة لهم”.

[312] – «C’est donc … l’accomplissement d’une prestation en exécution d’un contrat entaché d’une cause nullité puis annulé qui fonde, l’obligation de restituer, c’est parce qu’elle a exécuté son obligation en vertu d’un contrat qui a ensuite été annulé que la partie a droit à la restitution de la prestation fournie » C. Guelfucci-Thibierge

p 381 n 697.

[313]– N. Besrour : op. cit, p.175, n°137.

[314] C.Guelfucci-Thibierge: op.cit, p 223 n 375.

[315] C.Guelfucci-Thibierg : op.cit, p 226 n 378.

[316]– C.Gueflucci-Thibierge: op.cit, p 381 n 657 .

[317] – idem.

[318] – idem.

[319] – عبد الفتاح عبد الباقي: نظريّة العون والإدارة المنفردة دراسة معمقة ومقارنة مع الفقه الإسلامي ص 56.

[320] – نفس المرجع ص 488عدد 241.

[321] – السنهوري: مرجع سابق، ج I ، ص 394، عـ298ـدد.

[322] – عبد الحكم قودة: الموسوعة العلمية في البطلان، المرجع السابق، ص 24 عدد 13.

[323] – F. Chabas: obligation, théorie générale, p 324 n°331

[324] – idem, p 793 n° 656

[325] – عبد الرزاق السنهوري، ج I، ص 433 عدد 337.

[326] – محمد حسين : مرجع سابق، ص 431 .

[327] – نفس المرجع، ص 250.

[328] – نفس المرجع، ص 266.

[329] – القاموس، عربي- عربي، دار اكتب العلمية،بيروت 2005، ص831.

[330] – محمد بقبق: مرجع سابق، ص231، عدد 319.

[331] – C.Guelfucci-Thibierge. op.cit, p234m n° 393.

[332] – محمد الزين: مرجع سابق عدد 251.

[333] – C.Guelfucci-Thibierge: op.cit, p 382 n° 658.I

[334] – يختلف الأمر في الإرجاع المؤسّس على دفع غير المستحق، ذلك أنّه إذا كان الموفى له سوء نيّة، أي كان يعلم وقت تسلمه الشيء أو بعد ذلك أنّ الشيء غير مستحق فإنّه يردّ مقدار النقد الذي تسلمه ويعوض عن تغيير سعر النقد لأنّه سيء النية بالإضافة للفوائد، أمّا إذا كان حسن النية فإنّه يردّ مقدار النقد الذي تسلمه دون النظر لتغير سعر النقد. يراجع في هذا الخصوص، عبد الرزاق السنهوري، ج I ، المرجع السابق ص 1014 وما بعده، عدد 835 وما بعده، محمد حسين المرجع السابق، ص 226 و227.

[335] “- Ce n’est pas en tant qu’accipiens d’une somme indue, mais en tant que débiteur d’une obligation personnelle de restitution que le vendeur doit restituer des intérêts du prix perçu, sa bonne ou sa mauvaise foi n’exercera donc aucune influence sur l’étendu de la créance de restitution de l’acquéreur ” C.Gueflucci-Thibierge, op.cit, p 461 n 806

[336] – Idem.

[337] – نور الدين بسرور: محاضرات في القانون البنكي السنة الأولى مرحلة الثالثة حقوق، شعبة قانون خاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 2008-2009 ،( دروس غير مرقونة).

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : الجزاء المدني للقرض بفائض مشطّ – مقال قانوني متميز